نبتدئ باسم الله الواحد رب الكل بكتابة كتاب منارة الأقداس
الذي يبحث في الأسس البيعية من تأليف
مار غريغوريوس مافريان المشرق ابن العبري، أولاً:
المقدمة
تسابيح غير محدودة. واعترافات وامتنانات غير منتهية. نقدم للآب الذي بواسطة أبوته تطلق كل أبوة. وللابن الذي ببنوته علة كل معلول وللروح القدس الذي يمنح جمال الوجود والاتقان لكل الموجودات بواسطة منحه الغزيرة. الطبع المسجود الذي يعقل بثلاثة أقانيم، ويعترف بخواص صورية ثابتة. الذي أقام الانسان وهو العالم الصغير بواسطة العالم الاكبر. وحُبل في عقله شَبهاً إلهياً أسمى من جميع الطغمات الجسمية بعجبٍ عظيم. فأمده بالاشعاع الروحي. وزينه بالاشراق الساطع. ومهد أمامه الطريق لكي يهتدي بواسطة الخلائق إلى الخالق. وميّز وزان ادراكاته كمن بميزان بواسطة تصرف الافكار العقلية. واحاطه بسياج ناموسي لكي لا يحيد عن ناموس العدالة. وحذره ليشتهي الحياة وينفر من الضلال المؤدي الى هلاكه. اما هو فأخذ من الاهواء التي وقع بشراكها. وعلق بتعاسة وشقاء في فخاخها. فنسي مجده. وتجرأ معترضاً على واضع ناموسه. واضطرم بحب الخير الوقتي (الظلي) مصدر كل شر مفضلاً اياه عن حب الخير الاسمى العري من كل شر وفساد. وهدس بافكار وخيمة معاكسة ضد مكونه (خالقه).
وهذه التقاليد التي ابتكرها لذاته بذاته وكملها. قد اودعها لاولاده من بعده. وهكذا كثرت الهرطقات والبدع المقيتة والاوهام المزيفة السخيفة في العالم. فمَجّد المخلوق كالازلي. ودعي المر باسم حلو. وتخاصم الظلام مع النور. ورفع الجهل والبلاهة قرنهما الى الاعلى. وادارت السذاجة في العالم غذروفها ومحورها. لاسيما في زماننا هذا القلق والملتوي. المسلوب فيه كنز المعارف. والمخفي فيه الادب بالمنازل. ففيه تتسلط وتتكبر الامة على سيدتها. ويتقلص مجحد محبي الحكمة بلا رحمة. وترفع شجيرات الحنظل المرة اصواتها الذميمة هارفة هاذية، دون هوادة. واغصانها المظفورة بالاوراق مغروسة في جفناتها واجاناتها (حفرها) غير نظيفة ومنقبة. فسعودها شرير وخصالها يابسة ومجردة من الراحة، كأن اجاناتها منقورة في صخر. وكثير من الذين أوتمنوا زراعة الارواح لم يعرفوا ان هناك روح القدس ليس انهم غير متبحرين وعارفين بل لكي لا يتأملون ويتطلعون الى المنكسر القلب. وليس انهم غير ماهرين وحاذقين. بل لكي يحصدوا ما للجسد. وليس لانهم يريدون التوبيخ والارشاد وان لم يسهروا. بل لكي يوبخوا غيرهم بتعجب وتفاخر. ويظهروا مهارتهم. ولم يفهموا من النظريات إلا ” لا تصد الثور في سيره “ فقط. وتشبثوا من الاعمال بالآية القائلة ” لكي يدعوا سيدي “. فلما كان زماننا هذا نوعه. والاغنام طائشة حمقى. يتخيل لي ان اشبه ابناءه بالحيوانات (غير العاقلين) واسميهم باسماء تلك الاغنام شعرياً ” انك أعمى ايها الزمان كالخلد. وممتلئا بالاشواك كالقنقذ . فالكاتب فيك يشبه حمار البر. وحكيمك ورئيسك هو البوم “. وبسبب وفرة تلك الآراء الزائفة التي ظهرت في العالم، فقد أفاض كثيرون من الملافنة القديسين تعاليم إلهية ضدها.
لا يستطيع ابناء جيلنا هذا الضعفاء المجردين ان يحدوا اتساعها. ويسبروا غورها ولا ان يقيسوا عدم قياس امتدادها. ولذا قد بارت ارض الحكمة. وفترت محبتها. واطفأ نورها وتقلص ضوءها فحكمت عليّ الضرورة لوضع مؤلّف صغير مختصر اجمع فيه كل القضايا الضرورية. فأتكلم عن العقيدة اللاهوتية والفلسفية ببراهين ساطعة. وربما يصادف احد من غير المجربين تجارتي هذه بدائياً فيحكم على الديار الكهنوتية بالضعف والبداهة. فهذا يجب ان يوبخ من القوة غير الحذرة على تسرّعه. لكي يفكر بالإلهيات : وينصت اذنه جيداً اذ يقول لي مثلاً : ان هذا العمل لا يتراءى كلياً من الأعمال الحقيرة. ولا يدل على روح صغيرة. ان نعطي حالاً وضوح كل كلمة. ونقرر حقيقة تعاليمنا بالحكم القاطع. فهذه البراهين الفلسفية المركبة للعالم اى العوالم. تبحث عن المادة والنفس والعقل والطبائع المعنوية الفاضلة والبشرية. وفي العناية التي تقيّد وتخرج (تحل) وجميع المواضيع التي يخال حدوثها بالقول والادنى من الكلام، والامور البشرية. ثم الامور التي تبحث عن ثباتنا الاول (وجودنا) اي عن الجبلة الثانية من جديد. وعن الشكل والحق والعهود. ومجيء المسيح الأول والثاني: والتجسد والآلام. واخيراً جميعها القيامة. وعن النهاية والحكم والمجازاة بالنعيم والعذاب الأليم. وباب هذه كلها هو البحث عن الثالوث الاساسي الممجد الذي يحب ان نتمسك به. وهو من الأبحاث الضرورية المعقدة جداً على الذين أوتمنوا الاستنارة والتنوير ويحرض ويحث عليها المرشد قبل كل شيء. وفي مطلع الكلام يبحث ضد عقائد الاونوميوسيين. التي اعطانا عنها القديس اوغريس خمس نظريات:
الاولى رأي الآباء عن عقيدة الثالوث الاقدس.
الثانية والثالثة عن المجسمين وغير المجسمين.
الرابعة والخامسة – نظرية القضاء والعناية الالهية.
فهذه النظريات عندما يسمعها محب الشغب والسجس اي الذباب الذي يفتش عن الجروح والقروح. يعلم حالاً ضرورة جمع الاجزاء النظرية الموجودة ههنا الى حظيرة البيعة. وكذلك القضايا التي يحتاجها احتياجاً عظيماً أولئك الذين يجب ان يحملوا عقلاً مسيحياً صافياً. ولما كنت انا الضعيف قد جئت معقّراً للكرم وراء القاطفين. فقد ملأت معصرتي بنعمة الله كالقاطفين. وحطمت بكلامي كل الحصون المنيعة التي شادها الفلاسفة الخارجيون وذوو الأراء الوخيمة المضادة بواسطة البراهين التي تعظموا بها ضد معرفة الله، مقيمين محامياً دخيلاً للمعرفة الباطلة، وثبّت علالي حصون مدينة إلهنا بسلاح القوة الإلهية. ومن هنا تعلم انني لم أقم الشهادة الخلاصية داخل قرى اورشليم التي يطلب يهودها آيات وحسب بل فوق صروح محوزي واللّوريقون التي يطلب وثنيوها حكمة. ولما كانت كل لفظة ܗܕܐ ܡܢ ثانوية للمتن الثابت. فلفظة ܗܕܐ ܕܝܢ تبطل ما يضادها كتعليم مرشدنا الالهي. فاذ قد سبقت فوضعت في كل باب او فصل هذه الافتراضات. حاولت تبطيل ما يضادها وكلها بواسطة البراهين الجامعة. العقلية والكتابية. وبما ان سراج الكتب المقدسة أي حقيقتها الواضحة في هذه التجارة الموضوعة بين الأيدي. وجب أن يدعى مؤلَفي هذا منارة الأقداس، وقد بٌنيت بحجارة الأفكار المنحوتة وغير المقهورة، وتأسست على اثني عشر أساس وتثبتت دعائمها كما سبق وأسس ربنا بيعته على هذا العدد. وقوا أطنابها وثبّت بنيانها اذ اقتناها بدمه.