Table of Contents
الركن العاشر
في الكلام عن حياة الأموات أي قيامة الأجساد
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأول
في تكوين (إيجاد) المتلاشي
وفيه فصلان
الفصل الأول
في إمكانية رجوع وجود المتلاشي
وفيه مقصد واحد
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إنّ الكائن (الموجود) لو لم يكن له الوجود ممكناً لما كان، فإذن هذه الإمكانية إذا كانت جوهرية في طبعه، لا يجب أن تفارقه سواء كان موجوداً أم غير موجود، فهوذا الإنسان ذو طبيعة حية ناطقة سواء كان موجوداً أم غير موجود، فإن إمكانية نوال طبيعة للاستطاعة الحادثة العرضية، فإذا كانت جوهرية فيه لا يجب أن تفارق سواء كان موجوداً أم غير موجود كما ذكرنا، وإذا كانت عرضية فمن الضرورة أن يحصل على إمكانية بالنسبة إلى طبعه، وهكذا يعطف التقسيم الأول ويتسلسل الكلام إلى اللانهاية وهذا محال، فإذاً من الصحيح أنّ إمكانية الوجود هي جوهرية فيه سواء كان موجوداً ام غير موجود، وبالتالي من الممكن الإيجاد من جديد بعد التلاشي.
البرهان الثاني : – نقول إنّ كل موجود يمكن أن يوجد قبل وجوده، وإلا لما وجد قط. وهكذا بعد أن وُجد وتلاشى يجب أن يبقى حائزاً على تلك الإمكانية، لأن العدم السابق ليس لا يختلف عن العدم اللاحق، فكلا العدمين متساويان.
الفصل الثاني
في رأي القائلين: لا يمكن إيجاد المتلاشي ثانية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول : – يقولون كيف يمكن أن تُحمل كلمة الإمكانية على القوة الموجودة وعلى غير الموجود أي المتلاشي، لأن كلمة الوجود ثابتة في الموجود لا في المعدوم، فليس من الصحيح أن تحكم أن غير الموجود يمكن أن يوجد من جديد.
الاعتراض الثاني : – يقولون لو كان إرجاع إيجاد المتلاشي ممكناً، لأمكن أيضاً لله أن يعيده ثانية إلى الزمن الأول الذي كان به قديماً، فإذا أوجد الله الزمن الأول وأوجد فيه المتلاشي، فهذا الإيجاد يحدث في الزمن الأول لا في الثاني، فينتج إذن أنّ الذي وجد ثانية لم يوجد ثانية وهذا محال.
الاعتراض الثالث : – يقولون إذا أوجد الله المتلاشي يستطيع أن يوجد آخر مثله يشبهه في كل شيء، ومن هنا يجب أن يكون شبه واحد لكليهما في المعدوم، وبالتالي يكون كلاهما المعدوم وهذا محال، لأن ذلك يجعل الواحد إثنين، أو لا يكون أحدهما المتلاشي، وهذا صحيح ويؤيد عدم إمكانية إيجاد المتلاشي ولا يمكن أن يكون أحدهما هو المتلاشي خاصة دون الآخر، لأنهما مشابهان في كل شيء لبعضهما، وإذا تقولون أنّ أحدهما هو المتلاشي خاصة، لأنه هو الذي تلاشى، والآخر الذي يشبهه موجود وليس هو، فنجيبكم هذا ليس برهاناً بل تكرار الكلام الذي به تريدون أن تؤيدوا رأيكم وهذا محال.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول : – نقول إنّ الذي كان موجوداً وتلاشى أي لم يبق بعد، ليس غير باقٍ في كل شيء، لأنه موجود (باقٍ) في العقل، وهكذا بالوجود العقلي تصير إمكانية الوجود العقلي الثابت.
الجواب على الاعتراض الثاني : – نقول لا يحتاج كل ما يحدث إلى زمان ليحدث فيه، وإلا لاحتاج الزمان في وجوده إلى زمان آخر، والآخر إلى آخر، وهكذا إلى اللانهاية، وهذا محال، فإذن لا يحتاج الله له المجد إلى شيء في إيجاد الزمن الأول الذي أوجده من السابق، فالموجودان يتميزان عن بعضهما، لأن الموجود الأول لم يسبقه الموجود الثاني، وهكذا الثاني صدر بعد الأول، فإذن من العدل أنّ الموجود (الكائن) الأول يدعى خليقة أو ولادة، والثاني يدعى قيامة المساقط أو تجديد الذي تلاشى أو بعث المائت.
الجواب على الاعتراض الثالث : – نقول ليس لكلا الموجودين شبه متساوٍ بالنسبة إلى المعدوم، وإن كانا مشابهين لبعضهما في الشكل والشبه، لأن أحدهما ركّبه الله من عناصر (أجزاء) المتلاشي الأصلية (الأساسية) والآخر من الأجزاء الغريبة، فإذن ليسا متشابهين لبعضهما في كل شيء، بل بالنوع فقط لا بالمادة، وضد محالة النتيجة التي استنتجوها نقول، أي أنّ أحدهما خاصة هو المتلاشي، لأنه هو الذي تلاشى، وقولنا أن أحدهما هو المتلاشي خاصة، لأنه كوِّن من أجزاء المتلاشي، وهكذا لا يتبع أي محال.
الباب الثاني
في القيامة أي تجديد الأجساد البشرية
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أنه من الضروري أن تقوم الأجساد الإنسانية
يوم الانبعاث
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول : – نقول لقد صرحنا أعلاه أنه لا يفلت شيء من معرفة الله له المجد، سواء كان كلياً أن جزئياً، وتبين لنا أن النفس غير مائتة، وأنه من الممكن رجوع وجود المتلاشي، فإذن عندما أجزاء الجسد انحلت إلى عناصر مختلفة، فالخالق يعرف كل جزء منها لمن هو، ويستطيع أن يركّبها من جديد مع بعضها، ويتقن ويجدد الجهاز الجسدي من جديد كما كان في الأصل، ولأن النفس والجسد كلاهما شجبا وتبررا معاً في هذه الحياة الفانية، فمن الضرورة يصلهما ويوحدهما مع بعضهما من جديد لأنهما فعلا كل شيء بالاتحاد.
البرهان الثاني : – نقول إننا نجد في هذا العالم الصدّيق والخاطئ، ونرى أيضاً أن كلاهما يموت بدون أن يكافئ في هذا العالم ما يستحقه سواء خيراً أم شراً، فلو لم يكن هناك قيامة وحياة جديدة لينال بواسطتها كل إنسان أجره بحسب ما فعلت يداه، لوجدت هذه الحياة باطلة، وأعمال البشر العقلية عبثاً، ولكان تركيب هذا العالم عرضياً، ولما كانت هذه كلها مرذولة عند الخالق الحكيم، فمن الضروري أن تكون هناك حياة أخرى أفضل من هذه، حيث يبقى فيها هذا التركيب الذي يزول الآن مؤقتاً إلى الأبد.
البرهان الثالث : – نقول إن الله إما خلق الناس ليشقوا ولا يرتاحون أبداً، أو ليرتاحوا ولا يشقون، والافتراض الأول غير صحيح، لأن الله صالح ورحيم وعادل، والذي كذلك لا يمكن أن يكون سبباً للشقاء، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأنه لو لم يخلقوا لما شقيوا أو ارتاحوا، ولو حدث لهم ذلك بعد خلقتهم، لوجدت خلقتهم عبثاً وهذا محال، فينتج إذن أن الافتراض الثالث هو الصحيح، أي أن الله خلقهم ليرتاحوا ويسعدوا، وإذا شقيوا حتماً فليس بسبب الخالق بل عندما يتمرغون بإرادتهم في حمأة الخطايا تتبعهم التعاسة والشقاء، فنقول إذن أن الراحة التي خلقوا لأجلها إما تصير لهم في هذا العالم أو في المزمع، ولقد أظهرنا سابقاً أن هذا العالم معدوم من الراحة وسعادته ليست حقيقية، بل إبعاد الآلام والأهواء فقط. فينتج إذن أن هناك عالماً آخر وهو المزمع الذي ينال فيه المستحقون السعادة سعادتهم وراحتهم، ويأخذ الأشرار المستحقون التنهدات والحسرات حسراتهم، وواضح أن القيامة لا تشير إلى شيء آخر غير هذا.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول : – قال الله بواسطة موسى “أنا أميت وأحيي أضرب وأشفي”.
البرهان الثاني – المزامير “هوذا تعمل العجائب للأموات والجبابرة يقومون ويعترفون لك ويذيعون في القبور صلاحك”.
البرهان الثالث : – إشعيا “يحيا أمواتك بالله وتقوم جثثهم”.
البرهان الرابع : – قال الله لدانيال “استسلم إلى الأجل وارتح وتقوم في وقتك في آخر الأيام”.
البرهان الخامس : – الإنجيل ” كما أن الآب يقيم الموتى ويحييهم هكذا الابن يحيي من يشاء”.
البرهان السادس : – فيه أيضاً ” تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ويخرجون”.
البرهان السابع : – بولس ” هوذا أحاكم اليوم على قيامة الاموات”.
البرهان الثامن : – فيه أيضاً برسالته الثانية إلى أهل كورنتس “هوذا نحمل دائماً في أجسادنا صورة موت المسيح لتظهر حياة يسوع المسيح في أجسادنا، فإن كنا أحياء نسلّم إلى الموت لأجل يسوع، هكذا لتظهر حياة يسوع في أجسادنا”.
الفصل الثاني
في آراء الصدوقيين الذين ينكرون قيامة الأجساد
وفيه مقصدان
المقصد الأول
وفي الاعتراضات العقلية لهؤلاء المتشبثين بهذا الرأي
الاعتراض الأول : – يقولون إن للجسد طبيعة حارة ورطبة، والحرارة المحيلة (المذيبة) للأجزاء البخارية التي تستحيل أكثر من جوهر الأعضاء الأشد رطوبة، تكون أجزاؤها أجزاء للأعضاء الأخرى التي هي أقسى من تلك، ففي يوم الانبعاث، هذه الأجزاء البخارية (ܥܛܪ̈ܢܝܬܐ ) إما أن تتحد بكلا نوعي الأعضاء أو بأحدهما خاصة أو ليس بأحدهما، والافتراض الأول غير صحيح، لأن الجزء حي، وكيف يكون الجزء محل عضوين. والافتراض الثاني أيضاً غير صريح، لأنه لا يقصد فناء أحد العضوين، فينتج الكلام المبطل القيامة، لأنه إذا لم تتبع أجزاء الأعضاء بعضها لا تقوم (تثبت)، وإذا لم تقم الأعضاء فلا يقوم الجسم المتركب منها.
الاعتراض الثاني : – يقولون إن الامرأة التي كانت مرة جائعة فشوت ابنها وأكلته، من الضرورة أن تصبح أجزاء جسد ابنها فيها، لأن كل طعام (قوت) يجب أن يشابه الأكل، ففي القيامة إذن إذا عادت هذه الأجزاء إلى جسد ابنها فقد اضمحل جسدها، وإذا عادت إلى جسدها اضمحل جسد ابنها، ولا يمكن أن يكون الجزء الواحد لجسدين، إذ من المستحيل وجود جسم واحد في وقت واحد في محلين، فمن الضروري إذن أن أحد هذين الجسدين لا يقوم، وإذا لم يقم الجسد الواحد لا تقوم كلها، لأن جميع الأجساد متساوية بالطبيعة، وهكذا تنقض كلمة البعث.
الاعتراض الثالث : – يقولون إن الله له المجد عندما يقيم جسداً، إما أن يقيم أجزاءه التي كانت موجودة فيه عندما مات، أو أجزاءه التي صارت فيه منذ بداية ولادته، وإن اضمحلت منه أو تغيرت عند موته، والافتراض الأول غير صحيح، لأنه يكون من الضرورة عندئذ أن يقوم أصم الأذن كما هو، والأعرج أعرجاً والأعسم أعسماً والأخرم أخرماً، وهذا لاتعترفون به. والافتراض الثاني غير صحيح، لأن المسيحي المسمن عندما يجحد ويضخم ويموت ويحمل إلى جهنم، إذا قامت أجزاءه الأولى يوم البعث، فيوجد الله عندئذ معذباً لتلك الأجزاء التي لم تشترك في الجحود (الكفر) وهذا محال وغير لائق، ولما كان كلا جزئي التقسيم غير صحيحين، كذلك الكلام عن البعث الذي منه تشعبت هذه الافتراضات غير صحيح.
الاعتراض الرابع : – يقولون إن الأجساد بما أنها أجسام، فتحتاج إلى محل تحل به عندما تبعث، وهذا المحل إما أن يكون في السماء أو في الأرض، والافتراض الأول غير صحيح، لأن الأفلاك لا يمكن أن تتمزق لتدخل خلالها الأجساد البشرية، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأنهم إذا وجدوا على الأرض من جديد كما كانوا أو ظهروا في الحالة الأولى نفسها، فيكونون قابلين الفساد، وبالتالي يجب أن يموتوا أيضاً ويقوموا ويضطجعوا أيضاً ويقوموا، وهكذا مرتان وثلاث وأربع، وهذا محال.
الاعتراض الخامس : – يقولون إن الله له المجد يقيم الأجساد ويتبعها من جديد بنفوسها إما ليعذبها (النفوس) بواسطتها (الأجساد) وإما ليسعدها، أو لا ليعذبها ولا ليسعدها. والافتراض الأول غير صحيح، إذ لا يحسن بصلاح الله الصالح أن يعذب النفس التي تخلصت من مدة طويلة من جسدها، ما يزيل سرعة حركتها وخفتها ويظلم إشراقها. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأنها إذا جالت مع الروحانيين شركاء طبيعتها الذين هم العقول المجردة، فتكون لذتها عقلية أكثر من لذتها مع الجسد، والافتراض الثالث أيضاً غير صحيح، إذ يكون الاتباع الثاني عبثاً، والحال لا شيء عبثاً مما يفعله الله، فمن هنا يتضح عدم إمكانية الاتحاد الثاني للنفس والجسد.
المقصد الثاني
في براهينهم الكتابية
البرهان الأول : – التوراة “إذا سلكتم في شرائعي أمطر أمطاركم في أوانها والأرض تعطي غلالها وتأكلون خبزاً وتشبعون الخ، وإن لم تسمعوني أُلقِ فيكم داء السل والجرب والبرص، وأجعل سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس” فيقولون لو كان هناك عالم آخر وحياة أخرى بعد الانبعاث لما وعد الله بالمكافأة والمجازاة في هذا العالم فقط لحافظي الناموس أو مجتازيه.
البرهان الثاني : – أيوب: “قبل أن أذهب ولم أرجع بعد” فيقولون لو كان هناك انبعاث كيف لا يرجع*؟.
البرهان الثالث : – فيه أيضاً “لأن للخشب أملاً، لأنه إذا قطع يتغير ولا تبيد أصوله والرجل الراقد لا يقوم”.
البرهان الرابع : – فيه أيضاً “لأن الغني يرقد ولا يستطيع القيام “.
البرهان الخامس : – فيه أيضاً “إذا مات الرجل فلعله يحيا”
البرهان السادس : – سليمان “أعلم أن كل ما صنع الرب يثبت إلى الأبد” فيقولون إن الرب صنع حركات الأفلاك وتوارث الحيوانات والنباتات إلخ، فإذا كانت هذه تبقى إلى الأبد، فالقيامة متى تحدث فليس للأبد حد ولا نهاية.
البرهان السابع : – فيه أيضاً “إن الأحياء يعرفون أنهم سيموتون والأموات لا يعرفون شيئاً، لأنه قد مُحي ذكرهم وليس لهم نصيب إلى الأبد بكل ما يحدث تحت السماء”.
البرهان الثامن : – فيه أيضاً “جيل يمضي وجيل يأتي والأرض ثابتة إلى الأبد”.
البرهان التاسع : – بولس “لا يرث لحم ودم ملكوت الله” فيقولون لو كانت القيامة حقيقية، لاتضح أن الأجساد المركبة من اللحم والدم يتمنطقها الأبرار الذين يستحقون ملكوت الله أي أجسادهم الأولى، وإذا لم يرث اللحم والدم ملكوت الله، فلا تقوم إذن أجساد الأبرار أبناء الملكوت، إذا كان الأبرار والصديقون مزمعين أن يرثوا ملكوت الله.
البرهان العاشر : – فيه أيضاً “طالما نحن حالون في الجسد فنحن أموات من الرب، ولذا نترجى بشوق أن نموت عن الجسد لنكون عند ربنا” فيقولون إذا كان الجسد يمنعنا من أن نكون مع ربنا، كيف نعلق من جديد بفخه؟.
البرهان الحادي عشر : – الثاولوغوس “كما أن بالكاد يستطيع الإنسان يؤدب نفسه إما بذاته أو بالطريقة الفلسفية الطويلة، ويحكم رويداً رويداً بحسن نسب النفس ونعد بهائها مميزاً إياها من الحقير المقيد بالظلمة” فيقولون إذا كان الجسد مُظلماً للنفس، كيف يليق بالله الخالق والكلي الحكمة والصلاح أن يَظلم النفس ويحبسها به من جديد؟.
الفصل الثالث
في هدم الرأي الناكر للقيامة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في الرد على اعتراضاتهم العقلية
الجواب على الاعتراضات الأول والثاني والثالث: – نقول إن الإنسان هو من نوعين من الأعضاء، الأول من الأعضاء الحقيقية التي يخلقها لهم الله منذ بداية الولادة ويحبكها ببعضها ويمنحها شبه الجسد البشري، ونوع الأعضاء الثاني هي الأعضاء غير الأساسية التي بها يملأ في الآخر الأمكنة الفارغة أنسجة الأعضاء المرتبة، ومن هنا يتضح أن لكل عضو وبالأحرى لكل جسد أجزاء حقيقية التي لم يقنيها من الغذاء، وعندما يتغذى منها ذلك العضو أو الجسد الآخر، لاتصبح فيه أجزاء حقيقية لذلك العضو أو الجسد بل أجزاء إضافية لا حقيقية، فإذن الله له المجد يركب في يوم القيامة جميع الأعضاء والأجساد من الأجزاء الحقيقية ثم يقيمها، وواضح أن تلك الأجزاء الحقيقية لكل من أعضاء الجسد هي خاصته وحده، ولذا عندما لا تكوَّن منها لاتكون حقيقية، وبهذه الصورة لا ينتج أي محال مما عزوتم، وهكذا المسيحي المسمن الذي كفر وزل ومات، فجسده يتكوّن من جديد بتلك الأجزاء نفسها وفيها يعذب، لأنها هي ذاتها كانت له بدون زيادة أو نقصان، سواء كان مؤمناً أم كافراً.
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول لقد بينا في الركن الثاني أن الأفلاك لاتقبل التمزيق، فإذن لاتدع في يوم البعث الأبرار الدخول خلالها والحلول فيها إلى الأبد، والخطاة يعذبون في الأماكن عنصرية مع الشياطين.
الجواب على الاعتراض الخامس: – نقول إن الله له المجد يقيم الأجساد ويتبعها بنفوسها، لكي يمتع المستحقين النعيم معاً (باتحاد) ويعذب المستاهلين العذاب معاً، وكما أن النفس والجسد معاً تدنسا، هكذا ينالان معاً المكافأة العادلة، وهذا ماتريده الحكمة الإلهية.
المقصد الثاني
في الرد على براهينهم الكتابية
الجواب على البرهان الأول: – نقول إن الله له المجد تكلم مع هؤلاء بالنسبة إلى ضعف (عجز) عقلهم، لأنهم كانوا بعد أطفالاً، وبدائيين في النظريات الإلهية، ووعدهم بما يستطيعون أن يعلموه وليس ما لا يستطيعون إدراكه، ولهذا لم يكونوا ليؤمنوا لو أشار إليهم إلى شيء غريب آخر. الجواب على البراهين الثاني والثالث والرابع والخامس: – نقول إن أيوب المظفر أطلق كلامه على الحالة القريبة، ومجرى الحياة الزمنية بقوله أنه لا يرجع الآن قريباً (عاجلاً) وهكذا الرجل الذي يرقد ليس كالخشب الذي رغم قطعه وغرسه يتبدل ويقوم، وهكذا الذي يموت لا يحيا سريعاً ولا الغني الذي يرقد يحاول أن يقوم لينال غناه.
الجواب على البراهين السادس والسابع والثامن: – نقول بسبب سقوط سليمان وهيامه وراء معبودات وأصنام نسائه الباطلة، وتضحيته لآلهة الشعوب التي ليست آلهة، فليست أقواله مقبولة ولا تستحق الجواب.
الجواب على البرهان التاسع: – نقول إن الرسول الإلهي أراد باللحم والدم الشهوات البهيمية والأهواء الجسدية، وواضح أن كهذه الأهواء تُبعد كثيراً من ملكوت الله، وإلا كيف يبطل (ينقض) قيامة الأجساد ذاك الذي يجازى لأجل قيامة الأجساد، ويؤيدها بكرازاته المملوءة حكمة.
الجواب على البرهان العاشر: – نقول إننا لسنا حالين في الجسد بنوع الآن، إذ عندئذ ستنقشع عنا الكثافة المادية وكالكواكب تلمع الأعمال الصالحة التي فينا، ولذا فالجسد في هذه الحياة هو سبب موتنا عن الله كقول الرسول، وليس في الحياة الجديدة.
الجواب على البرهان الحادي عشر: – نقول إن الجسد وإن كان الآن ذليلاً ومأسوراً في الظلمة كقول الملفان، ولكن بعد الانبعاث عندما يخرج من كور فحص القيامة، يوجد كالذهب الخالص، ويصير أهلاً لاتحاده بالنفس، فالملفان وضع هذه النظرية لأجل الحياة الزمنية وليس للحياة الأخرى الجديدة.
الباب الثالث
في حالة الأجساد بعد القيامة
وفيه خمسة عشر فصلاً
الفصل الأول
في أن الجسد الذي يموت هو ذاته يقوم لا آخر
نقول لو كان الذي سيقوم جسد آخر لا المائت، فهذه لا تكون قيامة بل خلقة جديدة، وأيضاً لو لم يقم الجسد المائت، فذلك إما لعدم مقدرة طبعه على القيام، ولذا لم يقم، أو لعدم قوة الله الخالق على إقامته، والافتراضان باطلان كما ذكرنا أعلاه، فالجسد الذي يموت يقوم هو ذاته وليس آخر، كما يشهد القديس بولس بقوله “مزمع هذا المائت أن يلبس عدم الموت، وهذا الفاسد ما لا يفسد” وقال أيضاً “لأننا جميعنا مزمعون أن نقوم أمام منبر المسيح ليجازي كل منا بجسده خيراً كان أم شراً”.
الفصل الثاني
في أن الأجساد لا تقوم روحانية وهوائية
نقول، لو قامت الأجساد روحانية، وكل ما ليس بجسم ليس بجسد، فينتج لدينا أن الجسد بالقيامة ليس جسداً، وهذا محال، ولو قامت هوائية لما أصبحت كهذه الأجساد، لأن أجسادنا هذه ليست مركبة من الهواء فقط، بل من العناصر الأربعة، ومن هنا يتضح أن الأجساد تقوم كما هي بحيازتها إشراقاً أشد نوراً وتلبس عدم الفساد.
اعتراض: – يقولون إن بولس الرسول يشهد أن الأجساد تقوم روحانية بقوله: يزرع جسد نفساني ويقوم جسد روحاني، وتوجد أجساد روحانية، ويقول أيضاً: لا يستطيع لحم ودم أن يرث ملكوت السماء.
الجواب: – نقول إن الرسول يدعو الجسد النفساني الذي يقوم بالقوى النفسية وهي الحواس الباطنة والظاهرة والحركة الإرادية والقوى الطبيعية التي بواسطتها يولد ويقتات ويتربى، أما الجسد الروحاني الذي يدعوه فهو غير الذي يقوم (يركب) من القوى النفسية، بل من قوة الروح القدس بدون قوت أو نمو، كما بعد القيامة، وكذلك من قبل القيامة أيضاً، لأن كثيرين من الكاملين يحيون أياماً ليست بقليلة، بعد أن يطبقوا عيونهم وحواسهم وبدون طعام (قوت). ولهذا قال الرسول توجد أجساد نفسانية كأجساد جميعنا وأجساد روحانية كأجساد الكاملين. ونقول أيضاً، أن هناك أجساداً نفسانية كجميع الأجساد التي بعد القيامة، وأجساداً روحانية كالتي بعد القيامة، وبذلك النوع يقوم الجميع كالملائكة عدا الأهواء والقوى النفسية. وليس بنوع أنه بدون جسم أو حسب الرأي القائل إن لحماً ودماً، كما وضحنا ذلك سابقاً. ويجب أن نعلم أيضاً، وإن لم يتغير الجسد في القيامة إلى الروحانية أي عدم الجسمية، ولكنه لم يبق كذلك بهذه الكثافة أو الثقل. بل يصبح لطيفاً وسريعاً وحادّ الميول والحركات، إذ تتناثر عنه الجزئيات التي من الأجسام الأرضية أعني القوت إلخ التي تدخله الآن وتجذبه دائماً كما قال القديس أوغريس “إن حكم الحاكم العادل الأخير لا يصنع تبديلاً للأجساد، بل يزيل كثافتها من الوسط إذ يلائمها مع بعضها لتستطيع أن تبقى في الميراث أو الحكم أو ملكوت السماء.
الفصل الثالث
في أنه لا ينقص شيء من أعضاء الجسد في القيامة
يزعم البعض أن هذه الأجساد تقوم بشكل كروي بدون أعضاء، لأن هذا الشكل هو أفضل جميع الأشكال ولأن لا فائدة من هذه الأعضاء، ولذا لا تقوم، فإذا لم يكن عمل للأيدي فلماذا توجد، وإذا لم يكن مسير من محل إلى آخر فلماذا الأرجل، وإذا لم يكن زواج فلماذا أعضاء التناسل للذكور الإناث، وإذا كانت النفس تستطيع آنئذ أن تدرك كل شيء جهاراً فلماذا الأعين والآذان إلخ. أما نحن فنقول، لو قام الجسد في شكل آخر، فليس هو القائم بل آخر، وهذا غير صحيح، وتقوم جميع الأعضاء الباطنة والظاهرة، أما الظاهرة فلأجل الزينة وأما الباطنة لأجل الإكمال، لكي ينال الجسد بكليته الجزاء الذي يستحقه.
اعتراض: – يدَّعون لقد صرَّح الرسول بولس بقوله: “الطعام للبطن والبطن للطعام والله يبيد كليهما” وقال مار يعقوب أسقف بطنان سروج في ميمره على الآخرة، لا شكل هناك للذكور والإناث، لأن طبيعتنا لا تعود إلى استعمال الأهواء والرغائب والمخاض، فإن النساء ستقوم هناك بالمجد كفتيات روحيات ولا توجد عندئذ حية تهمس أو تحاول للغش والخداع كالأولى.
الجواب: – نقول إن الرسول أشار في البطن إلى فعاليتها، وذلك واضح من إتباع بذكر الطعام، فإذن أراد بإبادة فعالية البطن التي هي استحالة الطعام وليس البطن ذاتها، والقديس يعقوب يريد بأشكال الذكور والإناث الأعمال الزوجية والأهواء الشهوية لا الأعضاء، وذلك واضح من قول الرسول: “إن شكل هذا العام سيزول” ويبان من ذلك أنه يريد شكل التصرف العالمي لا العالم ذاته، وذلك واضح من أنه عندما يوضح هذه الكلمة يقول: والذين لهم نساء يصيرون كأنهم ليس لهم، والذين يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون والذين يشترون كأنهم لا ينالون، وهكذا بالمعنى نفسه قصد القديس السروجي بشكل الذكور والإناث عن استعمال الأعضاء لا الأعضاء ذاتها.
الفصل الرابع
في أن الأجساد تقوم بقامة (قَدٍّ) واحدة كاملة أي في سن الثلاثين وليس بقامات (هيئات) مختلفة
نقول إن ذلك العالم هو كامل بكل شيء، ولا يطرأ عليه أي نوع من النقص قط، ولذا من الضروري أن تقوم فيه الأجساد كلها معاً بهيئة واحدة كاملة وهي الثلاثون، ويتضح ذلك من أن فيها تقوم جميع الأفعال الجسدية، ولا يمكن أن تكون قابلة للزيادة بل تبتدئ عندئذ بالتناقص، كما تعلمنا التجربة الجوهرية.
اعتراض: – يقولون إذا كان الجسد القصير لا يقوم قصيراً، ولا الطويل طويلاً ولا الصبي صبياً ولا الشيخ شيخاً، فليست هذه الأجساد هي القائمة، ولا يجازى كل إنسان بجسده الأول بحسب مافعل.
الجواب: – نقول لقد سبقنا وقلنا إن أعضاء الجسد الأصلية هي حقيقية لأنها تخلق لأجله من الولادة، وليست الأعضاء الأخرى التي يكتسبها من القوت (النمو) ففي يوم القيامة إذن تقوم الأعضاء الحقيقية والأصلية في هيئة كاملة كما قلنا، وفيها يجازى كل إنسان خيراً أم شراً.
الفصل الخامس
في أن كل حاسة تشعر بمحسوسها فقط
نقول إن كل حاسة تشعر بمحسوسها خاصة، فالعين في المرئيات والإذن في المسموعات واللمس بالملموسات عدا حاسة الشم التي يبطل عملها بسبب زوال واستحالة الأجسام والتكوين والاضمحلال، وهكذا يبطل محمل حاسة الذوق إذ لا طعام جسدي هناك، ولذا يقال إن الجسد هناك يرى بجميع أعضائه إلخ، الأمر الذي لا يدركه السمع، فكما قال الرسول بولس الإلهي “لو كان الجسد كله أعيناً فأين هو السمع، ولوكان كله سمعاً فأين الشم” فالآن قد وضع الله كل عضو من أعضاء الجسد كما شاء، نقول إذا كان في هذا عالم الوجود والاضمحلال يتطلب حسن الترتيب والنظام، فكم يتطلب خاصة وبأضعاف في العالم المزمع؟.
الفصل السادس
في أنه ماذا يبقى من القوى النفسية بعد القيامة وماذا يزول؟
نقول إن النطق لا فقط يبقى، بل تزداد النفس الناطقة نطقاً كما سلفنا فأظهرنا، فالحدة والشهوة مثلاً تزول من النفوس البارة وتنال هدوءاً عوض الحدة والغضب، وشوقاً روحياً أي ملائكياً عوض الشهوة النفسية أي الجسدية. أما هذه الأمور فلا تزول عن النفوس الأثيمة بل تزداد فيها وتتراكم، فتغضب على الأرواح الشريرة التي تعذبها، وتشتهي بإلحاح الشهوات الجسدية التي حرمت منها، أما القوى الطبيعية أي التغذية والنمو والولادة، فكلها تزول كلياً عن كلا النفوس البارة والآثمة.
الفصل السابع
في أنه ليس بالأشكال العرضية التي تتصور بها الأشخاص ههنا أي الألوان والأشباه المختلفة، تنفصل هذه الأشخاص ذاتها من بعضها في العالم الآتي
لا يوجد هناك ألوان مختلفة كما يشهد الرسول بولس القائل: “ليس هناك سقيثي ولا حبشي” لأن أجساد الأبرار تمتاز عن بعضها بالمجد والجمال الزائد والقليل فقط، لأنهم ليسوا متساويين بأعمالهم، كما أن الأنفس غير متساوية جميعها في نظرياتها، ولذا غير متساوية عظمة الأجساد كقول الرسول المذكور : “لأن هناك نجماً أفضل من آخر بالمجد” وقال القديس أوغريس “إننا نميز الكواكب بالمجد والبهاء من بعضها لأنها متساوية”.
الفصل الثامن
في هل يوجد للبشر آنئذ شعر أو أظافر أم لا؟
يقول البعض إن الشعر والأظافر بما أنها أعضاء مائتة، والشعر يولد سماجة للجمال، والأظافر كذلك عندما تطول تولد القذارة، ولذا لا يوجد في القيامة لا شعر ولا أظافر، أما نحن فنقول إن الشعر والأظافر ليسا ميتين، وذلك واضح من أنهما يوجدان وينموان وإن لم يكونا حساسين بل مائتين، فهوذا عضو الخدر كما يكون حياً لا يشعر، ونقول عن الشعر لا يُسمِّج كل شيء، لأن عدمه في الرأس كما في الصلع أو المُقرَّح يُسمَّج الجمال بالأكثر، وكذلك الأظافر عندما تطول تزيد القذارة، فهناك يكون قياس متساو كامل يكون للجسد وأعضائه كما قلنا، وقيام الشعر واضح من كلام ربنا “لأن شعور رؤوسكم كلها محصاة، وشعرة واحدة من رؤوسكم لا تضيع”.
الفصل التاسع
هل تجتاز الأجساد بعد القيامة بصخور صماء أم لا؟
نقول إن الصخور ولاسيما كل الجبال التي تشابه الحفريات، أي الحديد والنحاس والتنك والذهب والفضة والياقوت إلخ، كلها ليست خلائق طبيعية، بل هي حرارة عنصرية التي بواسطة الأشعة الشمسية عندما تخلط الأجزاء الأرضية بالأجزاء المائية، فتجعل مع توالي الزمن هذه الأجسام قاسية وصلبة كهذه الخلائق، ففي القيامة إذن كل جسم يعود إلى عنصره ويتلاشى ويتبدد، وعندئذ لاتؤثر شدة العناصر ببعضها ولا تتأثر من بعضها لأجل هذا عالم التكوين والفساد والتغيير والتبديل، فكيف يُقال إن الصخور تتلاحم من جديد، ويقع الشك في هل تجتاز بها الأجساد البشرية أم لا، فهذا سؤال غير لائق كما أعتقد، فربنا اجتاز في الصخور الصماء، ولكن في هذا العالم، وكالله فاعل العجائب.
الفصل العاشر
في أنه لا تحتاج الأجساد على كسوة بعد القيامة
نقول إن كسوتهم عندئذ هي بهاء ومجد ذواتهم، ففي هذا العالم إذا لم تتطهر من القذارة السمجة ومن الإحليل الذكوري ويفرغ الرحم النسائي من المادة التناسلية، ويزول العمل الزواجي الذميم والبهيمي من الأعضاء، ولا يحتاج الناس إلى تغطية العرى ههنا، كما لم يحتاج آدم وحواء قبل اجتيازهما الوصية، وهكذا في العالم الآتي عندما تبطل كهذه الأفعال لا يحتاج البشر على تغطية عريهم، ولا حاجة لأن تُدعى كهذه الأعضاء عُرياً.
الفصل الحادي عشر
في أنه أين تجتمع الأجساد يوم البعث
إن البشر جميعهم يجتمعون في محل واحد هو أورشليم الأرضية، كما يؤيد ذلك معظم الملافنة القديسين، ولمّا كان البرهان العقلي لا يمكن أن يثبت على هذه الحجة (القضية) فيجب أن نسلم برأي هؤلاء الملافنة ونتبعهم، وكون الأبرار يرتفعون إلى السماء يصرح به الرسول بولس بقوله: “أورشليم السماوية الحرة التي هي أمنا وإنكم تقربتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي ولأورشليم السماوية” وكون الأشرار يبقون في هذه الأرض ويتعذبون في الهاوية يشير به المرتل داود شاهداً بقوله: “يرجع الأثمة والأشرار إلى الهاوية وجميع الشعوب الناسين الله”.
الفصل الثاني عشر
في هل يحتاج الناس إلى كلام صريح مُفاه به بعد القيامة أم لا؟
لقد سبقنا فأظهرنا أن الجسد يقوم بكمال أجزائه في البعث، فإذن تقوم حواس الكلام أيضاً، كما أظهرنا عدم زوال أفكار النفس وتصوراتها بعد ذلك، فليس من البعيد أن يعبر الناس بواسطة الكلام المحسوس لبعضهم جميع الخواص الصادرة من نفوسهم، وهذا ما يؤيده القديس أوغريس بقوله: “إذا أفادت الكلمات المحسوسة في العالم المزمع، فإن حكماء هذا العالم يرثون ملكوت السماء، أما البعض الآخر فيفسرون هذا القول بالعكس إذ يقولون: إن مقصد الملفان هو، كما أن حكماء هذا العالم لا يرثون ملكوت السماء، لأن الله احتقر حكمتهم كقول الرسول بولس، كذلك لا تفيد الكلمات المحسوسة في العالم الآتي، كما قيل إذا أمكن للجمل الدخول في خرم الإبرة، يمكن للغني الدخول إلى ملكوت السماء. أما نحن فنقول إن عدم صحة هذا التفسير واضح من إضافة الملفان بقوله: إذا كان نقاء (صفاء) العقل مستحقاً لرؤية العالم الآتي، فيتضح لنا عندئذ أنه لا يبتعد حكماء هذا العالم عن معرفة الله. ومن هنا يتحقق لنا أن حكماء هذا العالم عندما يتنقى عقلهم يحصلون على أعمال البر والفضيلة، ولا يحرمون من ملكوت السماء ولا من معرفة الله، لأن هي ذاتها ملكوت السماء الأصلية، ولمّا كنا لم نهتم بهذا النصب، بل على التفكير بالأقوال المحسوسة وهذا هو القصد الناتج ولا حاجة بعد إلى الإطالة.
الفصل الثالث عشر
في هل يعرف البشر بعضهم بعد القيامة أم لا؟
نقول إن النفس الناطقة لا تفقد معرفتها، كما أن القوى المدركة للجسد تُحفظ سالمة عدا القوى البسيطة التي تتلاشى، فماذا يمنع البشر أن يعرفوا بعضهم إذا تجردوا كلياً عن ضرب المحبة في هذا العالم أي الأصدقاء والوالدين والإخوة والأقرباء والمشاركين، لأن الأبرار يتمسكون بمحبة الله فقط. والأثمة يجردون عن كل ضرب للمحبة، ولا يتخلصون في عذابهم من الحسرات، ثم معرفة البشر لبعضهم واضحة أيضاً من مَثل الغني ولعازر، ومن قول مار يعقوب، أنهم يعرفون بعضهم هذا يعرف ذاك بدون سؤال عنه من ذا وماذا وهكذا وأين هو وما هو؟
الفصل الرابع عشر
في أنه لا يحتاج البشر إلى طعام أو شراب بعد القيامة
نقول إن القوت يطلب لسببين: الأول – لأجل النمو، والثاني – لأجل أن يقوم مقام ما يحلل (يُمثَّل) من الأجساد بكلا الحرارتين الخارجية والداخلية. وبواسطة الحركات النفسية والجسدية، وفي العالم الجديد لما لم يكن نمو أو تقليل بسبب التحليل أو الإذابة، لأنه ليس عالم التكوين والفساد، وليس للطعام والشراب محل هناك، ويؤيد هذا القديس مار بولس القائل: “ليست ملكوت الله أكلاً وشراباً، بل عدالة وسلاماً وفرحاً بالروح القدس” ويقول القديس أوغريس: “إذا كان غنى الله الفائض هو معرفته تعالى الروحانية، فليخز إذن الذين يحدون ملكوت السماء في الحنك أو البطن”.
اعتراض: – يقولون إن القيامة من بين الأموات هي رجوع طبعنا إلى الحالة الأولى، كما قال مار سويريوس في رسالته إلى قيسرية سبسطية “لأن القيامة هي الرجوع من جديد إلى التي من البدء” فنقول إذن كما أن من البدء كان آدم وحواء يأكلان قبل اجتياز الوصية، كما يشير بذلك كتاب التوراة بقوله عن فمه تعالى “من جميع الأشجار تأكلان أكلاً إلخ وهكذا يأكل الناس بعد القيامة ويتلذذون بأثمار الفردوس، ولو لم يأكل الناس أو يشربوا بعد القيامة لما أكل المسيح وشرب بعد قيامته، وطالما أكل وشرب فنحن أيضاً نأكل ونشرب نظيره، لأن أجسادنا ستصبح كجسده كقول الرسول بولس “نجعل أجسادنا شبيهة بجسد مجده” وكذلك لو لم يكن هناك طعام أو شراب، كيف قال الرب لتلاميذه “أنا اعدكم كما وعدني أبي الملكوت، أن تأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على إثني عشر كرسياً وتدينوا أسباط إسرائيل الإثني عشر”.
الجواب: – نقول إن القضية القائلة: إن القيامة هي الرجوع من جديد إلى الحالة الأولى غير محدودة وغير محصورة، ولهذا يجب أن تصدق جزئية لا كلية، أي أن تتشابه الحالة الأولى ببعض الأشياء، أي بالمجد والبهاء وجمال الأجساد، والتألم من الأهواء وليس في كل شيء. وربنا ليس لاحتياجه على القوت أكل وشرب بعد القيامة، بل لأجل إبعاد الوهم والفكر الخيالي من التلاميذ وتثبيتهم بقيامته، وذلك واضح من قوله جسوني واعلموا أن ليس للروح لحم وعظام كما ترون لي. ونقول ضد هذا القول، أنكم تأكلون وتشربون على مائدة ملكوتي بكونه عنى في الآخرة وبملكوت السماء، أشار إلى معرفته الإلهية، فطعامها وشرابها أيضاً يجب أن يكونا معنويين لا ماديين (حسيين).
الفصل الخامس عشر
في أنه لا يتزوج الناس بعد القيامة
نقول هناك مقصدان يكملان بالزواج، أحدهما مجازي (استعاري) والآخر أصلي (حقيقي) فالمجازي هو اللذة الظلية التي تزول وتتلاشى عاجلاً وتعبر كالحلم ولا تثبت، وأصلي (رئيسي) وهو حفظ النوع بواسطة التناسل الذي يحدث بواسطة الزواج، لأنه عندما لا يستطيع الإنسان شخصياً أن يحفظه بدون فساد، فيحفظه عرضياً بالنسل، ولما كانت هذه اللذة روحانية وأكثر سمواً وأقوى من هذه البهيمية، في العالم الآتي، كما أظهرنا ذلك سابقاً. وأن الأشخاص يحفظون بدون فساد إلى الأبد دون أن يتسلط عليهم الموت، فأي حاحة تبقى إلى الزواج، ولما كان في هذا العالم الحقير الصاخب بالأهواء والأعمال ما فُعِل ولم يُفعَل شيء عبثاً، فكيف في العالم الحقيقي الكلي النظام يحدث كهذا الفعل المتأخر الذي لا لذة فيه، بل هو دحض ما يؤذي أو يضر كما ظهر لنا، ويؤيد هذا له المجد معدن الحق ومصدر كلام الحياة إذ يقول “في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون”.