دائرة الدراسات السريانية

الركن التاسع

Table of Contents

الركن التاسع

في السلطة الذاتية والحرية الإنسانية وفي القضايا التي تسبق هذه القضية وفي القضاء والقدر والأجل

وفيه مقدمة وخمسة أبواب

مقدمة

 للبشر رأيان في هذه القضية فالبعض أنكروا الحرية والسلطة الذاتية البشرية، والبعض أيدوها، أما منكروها فهم أربع شيع:

الشيعة الأولى: – تقول أن كل عمل يحتاج لأجل وجوده على علة، لأنه لم يفعل ولن يفعل شيء في العالم عبثاً أو اتفاقاً، فإذن عندما تحضر علة إيجاده وتتبعها القوة أي إمكانية الذي على يديه يتم العمل، حينئذ يوجد فعلاً، وطالما كل شيء ضرورة يُعمل، فأين هي الحرية البشرية التي تقولون عنها والتي تستطيع العمل وعدمه؟.

الشيعة الثانية: – تقول أن علة إيجاد العمل البشري تكون بكلا قوتي الخلق والإنسان، وهذه الشيعة لا تخجل من القول بأن قوة الإنسان تُعضَد بقوة الله لإتيان العمل البشري. الشيعة الثالثة: – تقول أن تحريك الإنسان يده لأخذ شيء، هذه القوة له من الله، ولكن نوع الحركة هو منه وليس من الله، ونوع الحركة كما يقولون هو بالنسبة للاختلاف الموجود بين من يحرك يده ليأخذ شيئاً له، وبين السارق الذي يحركها ليسلب ما ليس له، وهكذا يقولون أن إمكانية الاشتراك قد مُنحت من الله للإنسان، نعم هو نوع الاشتراك الناموسي، أما العهري فليس من الله بل منه، ومن هنا يقولون أن الإنسان يستحق المكافأة الصالحة أو الطالحة.

الشيعة الرابعة: – تقول ليس للإنسان إمكانية (قدرة) قط على أي عمل من الأعمال التي تتم على يده، بل كل شيء يفعل بواسطة العناية الإلهية، فعندما يشاء الله مثلاً أن يحدث الشيء الفلاني يخلقه، ويوجد في الإنسان قوة تتبع ذلك الشيء ليظن الإنسان أنه هو فعله بإرادته، بينما لم يكن هو فاعله حقيقةً، بل العناية الإلهية، وهذه هي الشيع الناكرة للحرية، أما الذين يؤيدونها فهم أيضاً شيعتان: الشيعة الأولى وهم قوم من المسلمين يُدعونَ (ملتريليين) ܡܠܬܪ̈ܝܠܝܐ يعزون جميع الأعمال البشرية إلى الحرية الإنسانية، ويجردونها من العناية، والشيعة الثانية هم المسيحيون القائلون، وإن عملنا الصالحات بحريتنا، ولكن بعضد ومساعدة الله، وهكذا الطالحات الصادرة منا، كذلك بدون ترك الله لنا.

إيضاح: – ولما كان الرأيان أي الرأي القائل أن كل شيء يحدث بالعناية الإلهية وليس للإنسان أي قدرة أو قوة أو حرية في عمله أو عدمه، والرأي القائل أن الله لا يضطر حرية الإنسان، بل جميع أعماله يفعلها بحريته وإرادته وسلطته الذاتية، ممكن أن يتناحرا مع بعضهما، ويُجمل إقراراً واحداً من كليهما، لعله يجمع من مستحيلات كل من الرأيين في برهان واحد، قال في الباب التاسع من الميمر الأول على العناية الإلهية والحرية الإنسانية هكذا: ولهذا لما كان يدبر جميع الأمور لعنايته المقدسة الإلهية، فمنها بالواسطة ومنها بدون واسطة يحدثها وينزلها إلينا، والأمور التي بالواسطة فهي التي يرشد بها بواسطة حرية الناطقين غيرهم، أما الأمور التي بدون واسطة، فيدبرها كلها بواسطة الابن الرئيس والوحيد بالروح القدس، فهذا المذكور علم وكتب عن هذه وغيرها في ميامره الثلاثة، وقال أيضاً أن القتل والحروب والغرق والحريق والافتراس من الحيوانات ولسعات الزحافات السامة كالحيات، والخنق والأمراض وسائر الأحداث المؤلمة تنسب إلى الله، كذلك الشرور وإن عملت، ولكنها ليست شروراً، وقال في الباب السادس من الميمر الثاني هكذا: هذه وغيرها إذا وجدت فهي من الله وبعنايته المقدسة الذي وحده يميت ويُحيي، وبما أن الآراء متضاربة نحو هذه القضية، فيجب أن نتبعها بأبواب أو فصول عن القضايا التي تجب معرفتها للوصول إلى معرفة هذه القضية، ثم نتقدم بالترتيب إلى أعمالها، وبمساعدة الله ننقي حنطتها من الزوان.

 

الباب الأول

في الخير والشر

وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول

في أن الخير طبيعي والشر شرعي (ناموسي) وليس طبيعياً، بل امتناع الوجود فقط أي العدم

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – نقول أن الخير بما أنه خير مفيد، والشر بما أنه شر فهو مضر، فلو كان الشر موجوداً في طبيعة الأعمال، لوجد الله له المجد سبباً فعالاً للعلة المضرة وذلك محال، لأنه خلق الكائنات ليمنحها الوجود، وليكون وجودها جيداً، وليس لكي لا توجد حسناً (جيداً)، أما الخير فهو طبيعي ومغروس في طبيعة الأعمال، وهذه الأعمال عندما لا تعمل طبق الناموس أو الشريعة، فحينئذ تعد شروراً وذلك بالنسبة إلى الشريعة لا إلى الطبيعة.

البرهان الثاني: – نقول أن ظهور كل عمل هو وجود، والشر عدم، ولو كان الشر موجوداً في طبيعة الأعمال، لوجد عمل واحد هو ذاته موجود وغير موجود وذلك محال.

البرهان الثالث: – نقول أن وجود كل عمل هو الخير بالنسبة إليه، وليس وجوده شراً بالنسبة أيضاً، فلو كان الشر موجوداً بطبيعة العمل، لوجد هذا العمل بالنسبة الفردية إلى الخير والشر وهذا محال.

البرهان الرابع: – نقول لو كان الكذب شراً بطبيعته، لكان الكذب الذي كان يخلص القديسين من عذاب الوثنيين شراً أيضاً، وذلك غير صحيح، ولو كان شراً بذاته، كيف يوجد في المواعيد الإلهية، فهوذا حزقيا الذي قيل له لم يمت، فهو ليس لم يمت فقط، بل ازدادت سنو حياته، وكذلك نينوى التي قيل عنها ستقلب لم تقلب وأمور أخرى، فالكذب إذن ليس شراً بطبيعته، بل بالنسبة إلى منع الشريعة لأجل أسباب أخرى داعية وواجبة يدعى شراً.

البرهان الخامس: – نقول لو كان القتل شراً بطبيعته، لكان كل ما عُمل سبباً للشر والحال ليس كذلك، فإن من يقتل المفسد مثلاً ويطهر الناس من شره، لو كان عمله شراً، لوجد فاعل الخير ليس فاعلاً للخير، وفاعل الشر ليس فاعلاً للشر وذلك محال، لأن كهذا الوهم يؤدي إلى اجتماع جزئين متضادين للقضية، فالقتل إذن ليس شراً بطبيعته، ولكن عندما لم يعمل شرعياً فهو شر، وإلا كيف قَتَلَ فينحاس ولم يُشجب بل دعي مرض الله وصالحاً ومحب الصلاح، وقائين الذي قتل أيضاً لعن لعناً، ووضح فوق رأسه الخوف وأصبح عرضة لكل ما يدب على الأرض.

البرهان السادس: – ولو كانت حركة (عمل) الزنى شراً، كيف أن الفتاة العذراء التي يخطفها رجل من الحقل لتكون له زوجة، فتميل إليه، وتبرر من الله لئلا تبقى كأرض مالحة وترذل، ولم يَرذل الذي تعمَّد ذلك ويدان من الناموس وفعله يساوي الفعل الأول في الزنى، وكذلك استير التي تستحق الكلام واللوم، وإن اشتركت بالزواج النجس مع ارتحششتا الوثني وبصورة الزنى، ولكن عدت طاهرة وعفيفة، وكانت تصدق صلواتها أمام الله، أفهل تقول أن هؤلاء لم يدنوا إرادياً من الفعل، فهوذا لوط وبنتاه، وثامار التي باحتراس واجتهاد جلست على قارعة أحد طرق فلسطين وزنت مع حميها يهوذا، فما القول إذن، إن الخطية أي الشر ليس موجوداً بطبيعة الأعمال أو الحركات بل في النيات الذين يفعلونها فقط أي أفكارهم.

البرهان السابع:  – وهكذا السرقة، لو كانت شراً بطبيعتها، كيف بورك يعقوب الذي أضل أباه ونال بركاته، وسرق قلب لابان الآرامي حميه كقول الكتاب فنجح وأفلح، وامرأة المذكور راحيل سرقت أصنام أبيها لابان وجعلتها في الخرج على الجمل، وكذلك بقولها أنها في طريق النساء ولا تستطيع القيام، وهكذا لم تشجب قط، بينما حاننيا وامرأته السيئا الخط أخفيا من ثمر قريتهما، فنالا عقاب الموت حالاً من هامة الرسل القديس بطرس، وكذلك كيف حسن للقديس بولس أن يقول للقورنثيين أن سرقتكم كرجل خداع غاش، ومن هنا نفهم أن الشر ليس بطبيعة الأعمال وحركاتها.

المقصد الثاني

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – أيوب “ولكن أنتم متكلمون بالباطل ومُشفون بلا شيء نقول هوذا يصرح جهاراً أن الشر المعذول هو الباطل واللاشيء.

البرهان الثاني: – داود “إلى متى أيها الناس تخفون كرامتي وتحبون الباطل”.

البرهان الثالث: – هو ذاته “وتُطلب خطية الشرير ولا توجد” وقوله أيضاً “مخافة الرب طاهرة وثابتة إلى الأبد” وقوله أيضاً “وبره ثابت إلى الأبد” فأنت ترى كيف يقول أن خطيئته التي هي الشر تطلب ولا توجد، وبره الذي هو الخير ثابت إلى أبد الدهور؟.

البرهان الرابع: – رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل رومية “لا يوجد تمييز، لأن الجميع أخطاؤا وأعوزهم مجد الله” وهنا يسمي الرسول الإلهي الخطية النقص والانعدام.

البرهان الخامس: فيه أيضاً  “حتى الناموس عندما  كانت الخطية في العالم لم تحسب خطية، لأنه لم يكن ههنا ناموس يظهر بوضوح أن الخطية أي الشر ليس موجوداً في طبيعة الأفعال، بل هو ناموسي فقط وغير موجود أو طبيعي.

البرهان السادس: – في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس “وستظهر النار عمل كل إنسان، والذي يثبت عمله الذي يبنيه يأخذ أجره، والذي يحترق عمله يخسر “فهنا يشير إلى أن البرارة التي هي خير تثبت إلى الأبد، والخطية التي هي شر، سريعة الاضمحلال والتبدد ولا تبقى إذ ليس لها ثبات طبيعي دائم.

 البرهان السابع: – يقول القديس ديونيسيوس في الباب الرابع في الميمر الثالث هكذا “ليس أحد الأشياء الموجودة من الشر، ولا وجوده منه، إذا كان (الشر) موجوداً، وإذالم يكن، فإذن ليس الشر في كل شيء شراً، بل معه ببعض الشيء من الخير لأنه موجود حتماً.

إيضاح: – أعلَم أن الفلاسفة يتمسكون بتعصب في رأيهم، أن الخير موجود وطبيعي، وأن الشر فهو عدم الخير، فلا وجود له ولا طبيعة، ويقولون أيضاً أن القتل الذي هو أشر الشرور، فنجده عندما نميز بين الأنواع الموجودة التي فيه من الأنواع المعدومة، مثلاً إمكانية القاتل على القتل ليست شراً بل خيراً، لأن هذه القوة كاملة وهي المركبة من أعضائه ومزاجه، وهكذا مضاء السيف ليس شراً بل خيراً، لأن فائدة السيف ليست شيئاً آخر عن مضائه، ولذا أُعِدَّ للقطع لا لعدمه، وبالشبه عينه يكون قابلاً لقطع العنق أو عضو آخر، فهذا ليس شراً، بل خيراً، لأنه لو كان كالحجرة أو كالحديد، لما أفاد قط ليكون عضو إنسان أو حيوان آخر، ولما كانت هذه الأنواع الموجودة خيرات كاملة، أي إبادة حياة القاتل وحل الاتحاد وتلاحم جسده فقط، وهذه هي الشرور، وواضح أن هذين النوعين معدمان وغير موجودين وهما الشر بالحقيقة، ويؤيد القديس ديونيسيوس هذا الرأي بأمور كثيرة، فقال في الباب المذكور “المجرد من الخير في كل الأنواع ولم يشغل حَيِّزاً أو لم يكن موجوداً أو سيوجد أو ممكن الوجود، كالإنسان العاهر وإن كان مجرداً من الخير بسبب الشهوة البهيمية، فإنه لا يشتهي لا هذه ولا الأمور الموجودة، بل يشترك فقط ظلياً كما في الاتحاد والمحبة، والغضب أيضاً مشترك مع الخير، لأنه يتحرك ويشتاق الميل والرجوع من الأمور التي تحسب شروراً إلى التي تحسب حسنة، وهكذا المشتاق إلى الأهواء السمحية كمن يشتاق أن تكون حياته بأسرها للأمور التي يظنها فاضلة وحسنة، وذلك لأنه يتخيل بالشوق حياة فاضلة، ويشترك مع الخير، وإذا رفعت الخير كلياً لايكون جوهر ولا حياة ولا شوق ولا حركة ولاشيء آخر، هذه الأمور وغيرها صرح بها هذا الملفان لأجل تأييد هذه القضية.

 

الفصل الثاني

الرأي المضاد للذين يعترفون بأن الشر طبيعي وليس ناموسياً (شرعياً) ولا مُعدماً

 وفيه مقصدان

 المقصد الأول

 في الاعتراضات العقلية التي تؤيد هذه القضية

الاعتراض الأول: – يقولون أن الأذى شر، ولو لم يكن له ثبات طبيعي في طبيعة الأعمال المؤذية، لما وجب أن يتبع الأذى دائماً المؤذي، ولكننا نراه يتبعه دائماً، وذلك واضح من أن القطع بالسيف مؤذي دائماً أي مؤلم، وهكذا الحرق بالنار والتبريد الشديد في الثلج وأمور أخرى، فالأذى طالما هو شر فهو طبيعي وموجود وليس ناموسياً (شرعياً) وعدماً. الاعتراض الثاني: – يقولون أن كل طبيعة تمثل وترغب مايريحها وتهرب من ما يعذبها (يقلقها) وراحتها هي خيرها، وعذابها أو قلقها هو شرّها، فلو لم يكن العذاب الذي هو الشر شيئاً، أو كان مجرداً من الطبيعة، فكيف يهرب الإنسان إذن من لاشيء، وكيف يستطيع غير الموجود أن يعذبه أو يؤذيه أي يؤلمه، فالشر إذن موجود بالطبيعة.

الاعتراض الثالث: – يقولون لقد ارتاب الكثيرون من العقلاء لأجل الخير وقالوا أنه غير موجود في عالمنا هذا الزائل والمادي، ولذا فكل ما يظن عندنا خيراً ليس كذلك بل هو عدم الشر فقط، والتحرر منه، أي أن الذي يظن باراً، لا يعمل البر، بل يدعى باراً إذا لم يقترف الخطايا، وكذلك الذي يظن أنه يجد الخير في اللذة بالأكل والشرب والزواج، بل إذا تخلّص من أذى الجوع والعطش والأمور الأرضية، ولما كانت البرارة واللذة المقرونان بخيرات هما للعدم لا الزوال، فمن الضرورة أن الخطية والأذى اللذين يدعيان شروراً، لهما طبيعة وجودية وثابتة، لأنه لا تتضاد المعدمات ولا تعاكس بعضها، فالشر إذن طبيعي وليس ناموسياً فقط ولا شيئاً آخر.

المقصد الثاني

في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – المرتل داود (المزامير) “إن وجد في يدي إثم أو جازيت لمن أساء إليَّ” فيقولون لو لم يكن موجوداً، كيف يقال أنه يكون في الأيدي، ولو لم يكن الشر شيئاً كيف يُصنع، فهو شيء يعمل وليس عدماً.

البرهان الثاني: – فيه أيضاً  “ترى أنه يوجد إثم ونفاق” فيقولون لو كان الإثم والنفاق واللذين هما شرور غير موجودين، كيف يقول داود: يوجد إثم ونفاق؟.

البرهان الثالث: – الانجيل “من القلب تخرج الأفكار الشريرة، الفجور والقتل والزنى والشر والسرقة وشهادة الزور والتجديف، فهذه كلها تنجس الإنسان” يقولون لو كانت هذه الأمور غير موجودة، وإنها معدومة بالبساطة كقولكم، فكيف إذن تخرج من القلب، فالعدم أو اللاشيء لا يدخل ولا يخرج.

البرهان الرابع: – بولس “أسلمهم الله إلى شهوات قلوبهم الدنيئة ليحتقروا بها أجسادهم” فيقولون لو كانت الشهوات الدنيئة النجسة التي هي شرور حقيقية غير موجودة، كيف يستسلم إليها الناس، وكيف يحتقر الأجساد بدون شيء؟.

 

 

الفصل الثالث

في هدم هذا الرأي

وفيه مقصدان

المقصد الأول

 في الرد على اعتراضاتهم العقلية

الجواب على الاعتراض الأول: – نقول أن قطع السيف بما أنه يعدم الاتصال الجسدي فهو مؤذِ، وكذلك الحريق والتبريد بما أنهما يعدمان بواسطة تشويه الشكل المزاجي فهما يؤلمان، ومن هنا يتضح أن المعدمات هي التي تؤذي وليست الأنواع الموجودة التي في السيف والنار والثلج، فالشر إذن ليس موجوداً.

الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول أن العذاب ليس شيئاً آخر عدا انعدام الراحة والهرب من العذاب أو القلق الذي هو الإلتجاء بالراحة، فالذي يهرب منه لا يهرب طبيعياً، بل يلتجأ إلى الراحة فقط.

الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول لم يتشكك أحد في الخير، فقال أنه لا يوجد في هذا العالم، ولا في البرارة، أما اللذة فقد قال البعض أنها موجودة في العالم ولا ذكر لها، ونحن أيضاً أيدنا ذلك في الركن الثامن، ولكن بنوع وعظي أو إرشادي، وإذا فحصنا هذا الأمر فحصاً دقيقاً حقيقياً، نجد اللذة شيئاً موجوداً، ولو كانت اللذة التي من الأكل والشرب والزواج ليست شيئاً آخر عن التحرر ودحض أذى الجوع والعطش والأمور الأرضية، لوجب أن تتساوى كلها في نوال اللذة، كل بحاجتها أي الأكل والشرب والزواج، والحال ليس كذلك.

إيضاح: – ولعل أحداً يظن أننا عندما نعد هذه الشهوات البهيمية خيرات، فإننا حاشا أن نحرض ونشجع السامعين على إقتنائها، بل نعدها خيرات بالنسبة إلى طبيعتها ووجودها، وإن كان الاستعمال غير الناموسي (الشرعي) لها شراً جسمياً وهلاماً للنفس، كما لم يعد القديس ديونيسيوس وغيره من الملافنة القتل والعهارة والغضب شروراً طبيعية بل شرعية، ولكننا وضعنا هذه الأشياء للتأييد بالبرهان أنه لا شر في طبيعة الأعمال، وأن كل ما عمله الله هو صالح وجيد.

المقصد الثاني

في الرد على براهينهم الكتابية

الجواب على البرهانين الأول والثاني: – نقول أن كلمة الوجود تحمل مجازاً على الإثم والنفاق والشر وليس أصلياً (حقيقياً) وإلا كيف يمسك الإثم في يد جسمية طالما ليس جسماً؟.

الجواب على البرهان الثالث: – لقد سبقنا فأظهرنا أن هذه الأنواع أي القتل وغيره ليست طبائع بالطبيعة، ولكن عندما تعمل بنية سيئة مجردة من أمر الله كما قال الطوباوي بولس “قد أخطاؤا بأفكارهم وأظلم قلبهم لئلا يدرك” فبهذا النوع إذن يدعوها الانجيل شروراً، وذلك واضح من قوله “لأن من القلب تخرج الأفكار الشريرة الخ”.

الجواب على البرهان الرابع: – نقول أننا لا نؤيد أن الشهوات الرديئة غير موجودة بما أنها شرور، بل لأن هذه الشهوات بما أنها موجودة فهي موجودة خيرات بطبيعتها، ولذلك هي موجودة ولأنها تعمل طبيعياً لا شرعياً وبفكر مجرد من الخير والصلاح فلهذا تدعى شروراً بالنسبة إلى الناموس لا إلى الطبيعة.

 

الباب الثاني

في العناية الإلهية التي تدبر كل شيء عامة

وفيه فصلان

الفصل الأول

في أن كل شيء يخرج من القوة إلى العقل بالقوة

الإلهية عدا النقائص التي تحدث بحريتنا عندما تُضغَط من حصر الطبيعة

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول : – نقول أن علة الاحتياج على خالق تدعى إمكاناً، وهذا الإمكان عام وتتساوى فيه جميع الممكنات، وقوة الخالق بما أنها واحدة، فيجب أن يكون ضروري الوجود، بالنسبة إلى إيجاد جميع المركنات على السواء، فإذن إذا استطاع عمل شيء ممكن واحد، يستطيع ضرورة عمل (إيجاد) كلها، ولو كان هناك آخر موجوداً من ذاته قادراً على العمل، لكان إما ضرورياً أو ممكناً، والافتراض الأول غير صحيح، لأن ضروري الوجود طبيعة واحدة بثلاثة أقانيم كما أظهرنا، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن لا ممكن بما أنه ممكن أن يوجد، يحتاج إلى ضروري الوجود، فيجب إذن أن يحتاج إليه في أعماله، لأن أساس أفعاله هي الوجود، فالفاعل البسيط هو ضروري الوجود لإيجاد كل شيء إما بواسطة أو بدون واسطة، إما بالواسطة أي بالملائكة المدعوين أرواح الخدمة، أو بالطبائع الجسمية السماوية والأمزجة العنصرية أو النباتية والحيوانات البكماء، أو بواسطة الحرية والسلطة الذاتية كما سنؤيد ذلك بعون الله، وأما بدون واسطة كقوة جميع المخلوقات في بداية الخلقة.

البرهان الثاني: – نقول أن الإمكان يتساوى في جميع الممكنات، ولذا فتحتاج إذن في إيجادها إلى موجد، وهذا الموجد إما أن يكون خاصاً أو غير خاص، والافتراض الثاني غير صحيح، لأن الموجود إذالم يكن شخصاً خاصاً وقائماً بذاته، لا يستطيع الإيجاد، وكيف إذن يحتاج الشيء الذي يطلب الوجود إلى غير القادر على الإيجاد، فينتج إذن أنه يحتاج على موجد خاص، وهذا الموجد لا يجب أن يكون ممكناً، لأن الممكن إذا افتقر في وجوده على موجد ضروري، فمن الضرورة أن يحتاج إليه في إيجاده، لأن أساس الإيجاد كما قلنا سابقاً هو الوجود، فينتج إذن أن الضروري هو الموجد، وهذا الموجد إما أن يوجد بواسطة أو بدون واسطة كما قلنا أيضاً، ومن هنا يتضح أن جميع الأعمال التي نعملها بمطلق حريتنا، تحدث بالعناية الإلهية التي بدونها لم يحدث أي شيء من الموجودات.

البرهان الثالث: – وهذا البرهان قائم على أساس الفلاسفة، فنقول: إن كل معلول ممكن بالنسبة إلى ذاته، وبالنسبة إلى علته ضروري العلة، فعلة إيجاد الممكن هي إمكانيته الذاتية التي تدعى العلة المنفعلة لا الفاعلة، وعلة إمكانية وجوده هي ضرورية الموجودة في علته، فعلة جميع الممكنات هي الله له المجد، والأعمال التي نفعلها نحن البشر بحريتنا والتي تفعلها المخلوقات المتنفسة وغيرها والحية والجامدة تحدث من الله له المجد.

 

 

المقصد الثاني

البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – موسى عن فم الرب “أنا أُميت وأُحيي اضرب وأشفي وليس من ينجو من يديَّ”.

البرهان الثاني: – المزامير “أشرف الرب من السماء ونظر جميع البشر، وتطلع إلى سكان الأرض الذين جبل قلوبهم معاً، ويحيط بجميع أعمالهم، فالملك لاينجو بكثرة قواته ولا الجبار يخلص بكثرة قوته، باطل خلاص الحصان، فإنه لا يستطيع تخليص راكبه بقوته، عينا الرب على الصديقين الذين ينتظرون نعمته ليخلص نفوسهم من الموت وينجيهم من من الجوع”.

البرهان الثالث: – فيه أيضاً “صالح هو الرب ومراحمه على الجميع”.

البرهان الرابع: – الحكمة “لايوجد آلهة غيرك أنت المعتني بالجميع” وأيضاً “بما أنك صالح فتدبر كل شيء” وأيضاً “بما أنك مسلط على الجميع فتشفق عليهم أيضاً”.

البرهان الخامس: – الانجيل “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان، به كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضيئ في الظلمة والظلمة لم تدركه”.

البرهان السادس: – فيه أيضاً “لتكونوا أبناء أبيكم السماوي الذي يشرق شمسه على الأبرار والأشرار ويمطر على الصالحين والطالحين”.

البرهان السابع : – بولس ” كمن به وفي يديه الكل وفيه وجدنا ونحيا ونتحرك”.

البرهان الثامن: – القديس ديونيسيوس في الباب الرابع من المقال الثالث “الذي فوق كل درجة وحركة، ومنه وبه وفي يديه ولأجله، منه وبيده كل جوهر وحياة وعقل ونفس وطبيعة، وبعد قليل كل قوة وفعل ومقتنى وشعور وكلمة ومعنى وحسن وحكمة”.

البرهان التاسع: – فيه أيضاً الباب الحادي عشر من المقال نفسه “يهتم في الجميع ويشرك كل من ينتسب إليه، ويفيض عليهم بغزارة النمو والسلام، فيبقى لأجل سمو اتحاده كله كله وبكله، موحداً ذاته بلاهوته اتحاداً كلياً”.

البرهان العاشر: – القديس غريغوريوس الثاولوغوس في المقال الخامس “أوهل نظم ذلك بكلام أحد حتى تثبَّت وامتزج هذا كله من البدء كالشيء الواضح لمحركه فقط، وهكذا يلتفت فيتحرك ويرجع فينتقل وهو مُقاد بلجام التدبير”.

 

الفصل الثاني

في رأي الذين ينكرون بقولهم أن كل شيء لا يُعمل بالعناية أي بالقوة الإلهية

وفي هذا الرأي خمس بدع

البدعة الأولى

للفلاسفة المشائيين القائلين: أن الله هو علة شيء واحد فقط، أما بقية المعلولات فوجدت الواحد عن الآخر

وفيها مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الأول: – يقولون لو كان الله البسيط في كل شيء موجداً المعلولين، فمن الضروري أن تتبع الإثنينية لإدراك الموجد، فإذن كلا هذين الأمرين إما هدفان أو عملان من طبيعته أو طارئان عليه من الخارج، أو إما أحدهما جزء منه والآخر تابع، والافتراضان الأول والثاني غير صحيحين لأنهما يؤديان إلى تركيب طبيعته البسيطة، وذلك محال والثاني محال، لأن معنى اتباع أحدهما هو غير معنى اتباع الآخر، فإذن هذان هما الأمران (المعنيان) إما جزءان لطبيعته أو تابعان من الخارج، وهكذا تتتابع الكلمة الأولى وتتسلسل إلى اللانهاية وذلك محال، فالخالق إذن بسيط والعلة واحدة فقط لا أكثر من واحدة، والمعلولات الأخرى تكونت ووجدت الواحد عن الآخر.

الاعتراض الثاني: – يقولون لو أمكن أن توجد الألف والباء من الخالق بنوع بسيط، والألف ليست باء ولا الباء ألفاً، لوجدت الألف في كيفية توجد بها بسيطة ولا توجد وذلك محال، لأنه لما كان الموجد بسيطاً ولا يمكن أن تكون فيه أحوال (كيفيات) مختلفة ليكون بها علة للمعلولات المختلفة، فالخالق إذن علة فقط لمعلول واحد وهو بسيط وليس فيه تركيب تتبعه الكثرة.

الاعتراض الثالث: – يقولون من الضروري أن توجد مشابهة ونسبية بين العلة والمعلول، فإذا كان ذلك الواحد البسيط غير المركب ممكن أن يكون علة لمعلولات مختلفة، فمن الضروري أن يتشابه لهذه المعلولات المختلفة، وهكذا يوجد تبايناً بذاته، وإذا كان واحد فليس واحداً وذلك محال.

الاعتراض الرابع: – يقولون من الضروري نرى تأثير النار المتميز عم تأثير الماء، فلو كان الخالق ممكن أن يكون محدثاً لتأثيرات مختلفة، لوجد غير شبيه كل شيء فيه لذاته، ومن هنا ينتج أن البسيط غير بسيط وذلك محال، فالخالق إذن لما كان بسيطاً فهو علة فقط لمعلول واحد بدون واسطة وبقية المقلولات الأخرى ‏الكثيرة والمختلفة علة بواسطة وسيط.

المقصد الثاني

في الرد على هذه الاعتراضات

الجواب على الاعتراض الأول : – نقول من الحقيقة اعتبار الوحدة نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة، ولكننا نقول أن هذه الاعتبارات تتميز عن بعضها ضرورة، وبالتالي نستنتج نتيجتكم المستحيلة، ونُتبع الكثرة (التعداد) إلى طبيعة الوحدة وذلك محال، ولما كان هذا الكلام باطلاً، هكذا أيضاً ما قلتم، أي لما كانت هذه الاعتبارات المتميزة لا تستطيع أن تجعل الكثرة في طبيعة الوحدة، ولا الاعتبارات التي استنتجتموها أنتم تقدر أن تولد الكثرة (التعداد) في طبيعة الخالق البسيط.

الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إذا وجدت العلة والألف والباء، والباء ليست ألفاً، فتكون النتيجة هذه أي في الكيفية الواحدة التي توجد بها العلة البسيطة الألف، توجد بهذه العلة غير الألف أيضاً أي الباء، ويمكن وجودها، فتتميز إذن القضية القائلة بوجود الألف من العلة، عن القضية القائلة بعدم وجود الألف، وبالتالي تولد المحال من تضاد استنتاجكم وليس من التركيب.‏

الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول أن العلة بما أنها علة فهي محدثة الوجود، والمعلول بما أنه معلول فهو قابل الوجود، وبهذين النوعين لا توجد أي مشابهة أو نسبة بين العلة والمعلول، ومن هنا لا يتبع المحال الذي استنتجتموه.

الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول أننا لا نعلم اختلاف طبائع النار والماء من حرارة الأول وبرودة الثاني، بل من أن النار عندما تُسخَّن لا تستطيع أن تبرد، والماء عندما يبرد لا يستطيع أن يُسخِّن، فلو كان باستطاعة كل منهما على إجراء الفعلين، لما حكمنا بتميزهما بالطبيعة، ولما كان ليس تغيير التأثيرات هو الدال على كثرة الطبائع في مثل هذه الأشياء، هكذا عند الخلق، فلا يدل تغيير أفعاله (تأثيرات) على تعدد (كثرة) تركيب طبيعته.

زعم (توهم): – وأحد أصحابنا عندما أحتج وحاول أن يقرب هذه الفكرة الخارجية من الفكر البيعي، أتى بشهادة من القديس غريغوريوس الثاولوغوس واسطة لذلك بقوله: أنه (أي القديس المذكور) قال في مقاله الحادي عشر هكذا: يكون أشد لياقة ومناسبة للعلة الأولى أن تكون مبدأ للإلوهية أكثر من الخلائق وبواسطة الإلوهية الوسيطة يأتي بالخلائق، ويجسر على القول أن هذا الملفان، صرح بذلك أن الله هو مبدأ الإلوهية لا الخلائق لأن لفظة (ܐܘ) مأخوذة ههنا حسب عادة القاموس، وعندما وجهت له اقتناعاً (برهاناً) قلت: إهدأ قليلاً أيها العفيف وتنازل للتفكير بقصد الملفان الذي يعلمك ذلك ولي ولجميع الذين لهم عقل المسيح رسولياً بقوله: إن هذا أكثر لياقة بالله الآب أن يكون أولاً علة للمشتركين بالطبيعة طبيعياً ثم للخلائق إرادياً، وليس للخلائق أولاً ثم للإلوهية، وقد أعلن مقصده هذا بنفسه، عندما أضاف وقال بواسطة الإلوهية الوسيطة الخ.

البدعة الثانية

للفيزيولوجيين

وفيها مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضهم العقلي

يقولون كما أن النباتات والحيوانات تولد وتتربى بواسطة الأمزجة الطبيعية، وتؤثر تأثيراتها، هكذا وأشخاص البشر إذ أن كل إنسان بفعل ما يناسب مزاجه أو ما يرمي إليه، إن كان صلاحاً أو طلاحاً، وإن لم يشأ، لأنه طالما يُقاد ويضغط عليه غصباً بواسطة مزاجه إلى أي عمل كان، والعناية الإلهية والحرية الإنسانية يبطلان أفعال المزاج، فإذن لا يصدق ذلك ولو كانت العناية مبطلة العادات الطبيعية لوجب أن تُبطَل … لا تقاد النار، وبالتالي لوجب أن لا يبقى في العالم ولا خاطئ، لأن لجميع الناس الحرية كما تقولون، وجميعهم يعترفون أن الخطية مكروهة، ولا يجب أن تفعل، ومع هذه المعرفة فكلهم يفعلونها، وواضح أن لا يوجد آخر غير المزاج الذي يقودهم إلى اقترافها.

 

المقصد الثاني

في الجواب على هذا الاعتراض

نقول أن كلمة الامتزاج مزعزعة من أصلها وليس لها أساس، لأن العناصر عندما تمتزج ببعضها، وتنفصل خواصها من بعضها، لعل أن توجد خاصة وسيطة من امتزاجهم، وهي الامتزاج الذي تقولون عنه، فإما أن تؤثر وتتأثر ببعضها في وقت واحد، أو في أوقات مختلفة، والافتراض الأول غير صحيح، لأن المبدِّد يجب أن يكون أقوى من المتبدِّد من الضروري أن يكون أضعف من المبدِّد، فلو بددت بعضها في وقت واحد وتبددت من بعضها، لوجد كل منها الأقوى من رفيقه عندئذ أضعف منه بكثير وذلك محال، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن الذي قد ضعف واضمحل وتبدَّد، كيف يستطيع أن يُضعف ويلاشي ويبدد الذي أضعفه ولاشاه وبدده، ومن هنا يتأيد عدم حقيقة لفظة الامتزاج، وكذلك لو كانت الثأثيرات نتيجة الامتزاجات، لوجب أن العنصر المائي بما أنه بسيط وغير مبددة برودته بالحرارة قط، أكثر برودة من الكافور (أو البكر الطبي) المركب ومُلاشي الحرارة، والأمر ليس كذلك، ولوجب أيضاً أن كل دواء تتساوى حرارته بحرارة ܡܫܒܚܬܐ لاستطاع أن يبدد المرارة الحمراء، والأمر أيضاً ليس كذلك، ولوجب أن أفراد البشر المتساوين بالأمزجة أن تتساوى أفعالهم (تأثيراتهم) والأمر ليس كذلك، ومع هذا إذا سلمنا أن هناك امتزاجاً يمكن التأثير، ولكن التأثيرات الإمتزاجية هي غير التأثيرات الإرادية، فالإمتزاجية تُدبَّر بالامتزاج، والإرادية بالحرية، وكلتاهما ترتبطان بسلسلة العناية الإلهية التي بدونها لا يمكن حدوث أي امتزاج ولا وجود أي حرية.

زعم (توهم): – وأحد أبناء البيعة كان يحاول تأييد هذا الرأي جالباً شهادة مار بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية القائلة: “إني لا أفعل الخير الذي أريد فعله بل الشر الذي لا أريد فعله إياه أفعل، وإذا أفعل الخير الذي أريد فعله بل الشر الذي لا أريد فعله إياه أفعل، وإذا أفعل الشيء الذي لا أريده فلست أنا فاعله بل الخطية الساكنة فيَّ”  فقلت ضد هذا الإنسان العجيب، أن في هذه الكلمات التي تظن أن الرسول ينفي العناية والحرية، فهو يؤيدها بكلماته مع زيادة ذكر الأهواء الجسدية، فإن تتعقل بعفة وطهارة وتنتبه إلى كلامه “هوذا أرى ناموساً آخر في أعضائي” مشيراً بذلك إلى أهواء الجسد الطبيعية والامتزاجية، وبقوله “يحارب ناموس فكري” يؤيد بذلك الحرية الإنسانية والسلطة الذاتية الناطقة والفكرية، وبإضافته أن “الله أرسل ابنه بشبه جسد الخطية لأجل الخطية ليشجب الخطية بجسده” وضح شمول العناية الإلهية للجميع.

 

البدعة الثالثة

للفلكيين

وفيها مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضهم العقلي

يقولون أن الكواكب والأفلاك هي ملاحو هذا العالم، وبها وبواسطتها تفعل جميع الأفعال الأساسية والشخصية للعاقلين وغيرهم، كرؤيتنا مثلاً الأنهار التي تفيض عندما يصبح القمر بدراً، وتمتلئ الأمخاخ، وهكذا تعرف بيض الطيور، والبحر المتلاطم، وتغيرات السنة في دوران الشمس بالأبراج، وتضطرب الرياح في هبوبها بانتقال عطارد من فلك الروح إلى آخر، وبدخوله إلى أعماق شعاع الشمس وخروجه، أما للعاقلين، كما نرى أن كل إنسان عندما يرتفع نجم سعده أو يأفل أو يتأمل بسوء إلى الشرور والأمور السيئة تحدث له خسائر كثيرة، ومن ذلك يقولون: إننا نعلم أن جميع الأعمال تفعل في هذا العالم من الكواكب وليس بالعناية أو الحرية بل بالقدر والحظ.

المقصد الثاني

في الرد على الاعتراض

نقول أن الفحص العميق يفهمنا أنه من الممكن أن يعمل فعلان أو يبطلان معاً، ولا يصير أحدهما علة للآخر، بل إما أن يكون كلاهما معلولين لعلة واحدة كالمادة والنوع، إذ كلما وجد أحدهما مع العلم أن لا المادة علة النوع لأنها ليست قبله، ولا النوع علة المادة، لأنه ليس قبلها، بل الله علة كليهما، أو إما لا يكونان معلولين لعلة واحدة ولا لبعضهما، كقولنا: كلما كان الإنسان ضاحكاً كان الحصان صاهلاً، وهكذا نقول ههنا وإن كان ببعض التبديل الذي يحدث للقمر وللبحر المتلاطم معاً، ولكن تغيير (تبديل) القمر ليس سبباً لتغيير البحر، ولا انحراف طالع السعد سبباً لموت الإنسان وإن حدثا معاً، بل الله هو علة تبديل القمر وتغيير البحر وإتقاد النجم وموت الإنسان، وهكذا الأمور الأخرى، فهوذا الثوران اللذان يقولون، وإن كلما تحرك الواحد تحرك الآخر أيضاً، وعندما يقف يقف الآخر، فحركة أو وقوف أحدهما ليس سبباً لحركة ووقوف الآخر، بل واحد آخر هو الذي يحرك ويوقف كليهما معاً.

البدعة الرابعة

للمانويين

وفيها مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضهم العقلي

يقولون هناك أزليان النور والظلام، فالخيرات هي وليدة النور والشرور وليدة الظلام، لأنه لو كان أزلي واحد هو الله ويستطيع أن يفعل الخير والشر، فإما أن يكون صالحاً أو طالحاً، والافتراض الأول غير صحيح، لأن الصالح عندما يفعل الشر، والشر ليس الصلاح، فيوجد عندئذ الصالح ليس صالحاً وذلك محال، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن الطالح عندما يفعل الخير، والخير ليس الشر، فيوجد عندئذ الطالح ليس الطالحاً أيضاً وذلك محال، ومن هنا يؤيدون قولهم بأن جميع الأعمال في هذا العالم لا تدبر بعناية واحدة، ولا تستطيع الحرية التسلط على كلا قسمي التضاد، أي الصلاح وعدمه.

المقصد الثاني

في الرد على هذا الاعتراض

نقول أن النور حادث (عرض) وله قوام بالجسم، فكيف يستطيع أن يكون علة للجسم وأفعاله، وكذلك الشر هو عدمه كما سبقنا فأعلمنا بذلك، والذي ليس شيئاً، كيف يستطيع أن يكون علة للأشياء وقد جادل أحد القدماء ذوي الاعتقاد بالأزليين فأفحمهم بقوله: عندما يقول إنسان قد أخطأت، إما أن يصدق أو يكذب، فإن صدق، والنور علة صدقه، فيوجد النور عندئذ علة (سبباً) للخطية التي هي شر، وذلك محال، أما إذا كان الظلام علة (سبب) صدقه لا النور، يُوجد عندئذ الظلام (علة) سبباً للصدق الذي هو الخير وهذا محال أيضاً، وإن كذب، والنور سبب كذبه، فيوجد النور سبباً للكذب الذي هو شر وهذا محال، أما إذا كان الظلام لا النور سبب كذبه، فيوجد الظلام عندئذ سبباً للبر الذي هو خير أي أن يقول قد أخطأت في الوقت الذي لم يخطئ وذلك محال، فنقول إذن ولئن كانت هذه المساجلة أو المجادلة مقوية لرأينا وهادمة للرأي المضاد، ولكن لا تجمل لنا لأنها سفسطية، لأنه يمكن أن يجيب المانويون ويقولون، أن فاعل (خالق) الخطية هو الظلام، وباعتراف الإنسان بخطيته ذلك هو النور، فإذن الجواب الأول الذي أتيناه هو الجواب الأصلي الحقيقي.

 

البدعة الخامسة

لإحدى شيع المسلمين

وفيها مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الأول: – يقولون أن الله له المجد لا يستطيع قط أن يعمل الإنسان، لأن الإنسان بجميع أعماله، إما يقصد بها إرضاء الله أو العالم، أي إما يفعل البر أو الخطية، ولما لم يكن لله إله ليرضيه، ولا ليرضي هذا العالم الحقير المادي بتكميله شهواته، فلذا نقول بعدل أن الله لا يستطيع أن يعمل أعمال البشر، فالإنسان إذن يفعل كل ماشاء بحريته سواء كان خيرً أم شراً، ولا تستطيع العناية الإلهية التدخل في عمل شيء على يديه، وأحد أصحابنا عندما أيَّد هذا الاعتراض أتى بكلام الرب القائل: “لايستطيع العبد أن يخدم سيدين” وبالتالي طالما ليس لله سيد آخر، فإذن لايستطيع أن يفعل ما يفعله العبد أي الإنسان.

الاعتراض الثاني: – يقولون أن كل ما يعمله الإنسان هو بحريته سواء كان خيراً أم شراً، لأنه لو فعلت العناية جميع الأفعال التي يعملها هو، فهذا العمل إذا تم بواسطة العناية، تبطل عندئذ الحرية، وإذا تم بواسطة الحرية، تبطل العناية، ولما كنا نعلم ضرورة أن لنا حرية تفعل كل الأعمال اختيارياً بوضوح، فكذلك نعلم ضرورة أنه ليست العناية التي تفعل الشيء بواسطتنا.

الاعتراض الثالث: – يقولون لا يستطيع الله أن يعمل الأمور التي يعملها الإنسان، لأن معظم أعمال الإنسان هي شريرة، والله لا يفعل الشر، لأن كل من يعمل الشر إما يعمله بجهل أو بحاجة إليه، وذلك لأجل راحة شهوية، ولأجل فائدة مادية، وبما أنه لا حدَّ لمعرفة الله وهو كامل في كل شيء وغير محتاج، فإذن لا يستطيع أن يعمل الشر، ومن هنا ينتج أنه ليس كل ما يعمله الإنسان يستطيع الله عمله، بل حرية الإنسان هي التي تجري أفعاله، وأحد أصحابنا عندما أيَّد هذا الاعتراض، جاء بشهادة حبقوق النبي القائل: “نقية هي عيناك ولا تنظران الشر ولا تستطيع التطلع إلى الأثم”.

المقصد الثاني

في الرد على هذه الاعتراضات

الجواب على الاعتراض الأول: – نقول أن جميع أعمال الإنسان التي يرضي بها الله والعالم، والله له المجد لما كان خالق الإنسان، فمن الممكن أن يكون فاعلاً لأعماله، فإذا كان الإنسان الذي لأجل ذاته يعمل الأعمال، يُقال عنه أنه يرضي الله أو العالم، أما الله فلأنه لم يفعل الأعمال لأجل ذاته، لا يقال أنه يرضي ذاته أو إلها آخر أو العالم، ويمكن أحياناً أن يكون الله سبباً للخطايا، ولكن ليس طبيعياً، لأن الله غير مجرب بالشرور، فعندما ينظر إلى نيات الناس غير الممكن شفاؤها أو تحسينها، ولا يريد ضغط حريتهم، فلذا يهملهم وهكذا تتسلط عليهم الخطايا، وهذا هو الترك من الله، ويشهد عن هذا القول ما ذُكر في حق شاول “إن روح الله الشريرة نجحت عليه” وقد تنبأ في بيته، وقد دعيت هذه الروح الشريرة والدنسة لله، لأنها خلقته كبقية الخلائق، وكذلك قول إشعياء “إن الله أعطاهم روحاً دافعة وأعيناً لا يفحصون فيها وأذاناً لايسمعون حتى اليوم الاخير” وقول الرسول أيضاً “وأسلمهم الله للشهوات الدنيئة الخ”.

الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول، إننا لا نصرح بأن العناية تعمل لأجلها أو تصدر منها الأعمال التي تعملها الحرية، وبالعكس الحرية أيضاً لا تعمل لأجلها أو تصدر منها الأعمال التي تعملها العناية، بل أن العناية تعمل جميع الأعمال العقلية بواسطة الحرية، إذ تساعد العناية الحرية في الأعمال الصالحة، وعندما تغض الحرية الطرف من العناية وتهملها فتتخبط بالشرور، كالمريض الذي طالما يتصرف بحسب إرشادات الطبيب الناجعة يتقدم سريعاً في الصحة، وعندما يهمل الالتفات إلى تطبيبه وعلاجه ويميل إلى المضادات حينئذ تتضاعف آلامه، وتزداد اضطراباته وأوجاعه، ولذا لا يجب القول، أن الصحة إذا حصلت بواسطة الطبيب، بطلت طاعة المريض ورضاه، وإذا وجدت بواسطة طاعة المريض، بطلت عيادة الطبيب.‏

الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول أن كل ما يُعمل من الله هو خير لا شر، كما قال الحكيم بن سيراخ “إن جميع أعمال الله جميلة معاً” وكلها خلقت لغاياتها، ولا يستطيع أحد القول أن هذا شر وهذا خير، فإذا تقولون أن الله لا يفعل الشر طبيعياً، فنحن أيضاً نسلم بذلك، إذ أن الله غير مجرب بالشرور، وإذا لم تقولوا ذلك، ولأنه لا يعمل شراً بسيطاً لأجل خير عظيم، فنعارضكم ونضاددكم من العقل والطبيعة والكتاب، أما من العقل بقولنا، أن الشر القليل لأجل الخير العظيم هو خير، ولذا فيُفعل ضرورة من الله ومن الطبيعة أيضاً بقولنا، أننا نرى مراراً كثيرة الآباء عندما يمرض أولادهم يسلمونهم للأطباء، والأطباء الماهرون عندما يسبقون فيدركون الأمصاب التي سوف تعدي إلى جميع الجسد، فإما أن يقطعوا بعض الأجزاء، أو يكووا بعضها أو يستأصلوا بعضها أو يشرحوا بعضها لا لأجل خلاص كل الجسد، وإن كانت أمهاتهم ومربياتهم قريبات منه، وإن بكين عليه بمرارة ولوعة وهن يعرفن أن عمل الأطباء لصالح أبنائهن لا لمضرتهم، وهكذا الله طبيب كل الأمراض، يضحي بشخص واحد أو شعب في سبيل إنماء أشخاص أو شعوب كثيرة، وأحياناً إذا أراد أن يستأصل شأفة الشر من أصلها، يهلك معظم المسكونة بالطوفان أو الموت أو الحرق الخ. ومن الكتاب بأمور كثيرة كما ورد فيه من قول ميخا “إن الشرور قد هبطت من أمامي على أبواب أورشليم”. وقال عاموس “أوهل يحدث شر لم يفعله الرب، لأنه لا يعمل رب الأرباب شيئاً إلا وقد أظهر سره لعبيده الأنبياء”. وكذلك قول ميخا “قال الرب إنني أفكر شراً على هذا الجيل” وقوله أيضاً “وأنا أيضاً أحل لضربك وأهلكك لأجل خطاياك” وقول أيوب “لقد قبلنا خيرات الله لا نقبل شروره” وقوله أيضاً “يضل الشعوب ويبددها يزيغ قلب حكام الشعب ويضلهم في بيداء لا طريق فيها”. هذه الشهادات وغيرها التي تشبهها يجدها القارئ في الكتاب المقدس والتي بها نبرهن للداخلين أبناء الأعيان، وللخارجين الذين يضادون الكتاب المقدس، وهذان النوعان من البراهين العقلية والطبيعية كافية لتأييد قولنا.

 

الباب الثالث

في الإرادة الإلهية

وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول

في أن الله يشاء في الخير والبر فقط وليس في الشر والخطايا

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – نقول أن الله أمر أن يؤمن غير المؤمنين جميعهم بواسطة الأنبياء والرسل، وكل من يأمر بشيء، من الضروري أن يشاء بما يأمر، فالله يشاء بما يأمر أي بأن يؤمن به جميع الكفار.

البرهان الثاني: – لا تعد معرفة الرغبة في الجحود والظلم والعهارة، والله حكيم في كل شيء، فإذن لا يرضى بشيء من الرذائل طبيعياً، بل بنوع الترك أو العقاب، ومن هنا يشاء بالخيرات التابعة لا الشرور.

البرهان الثالث: – إن البر العظيم هو أن يكمل الإنسان إرادة ربه كما قيل بالانجيل، فإذا شاء الله بجحود الكافر وخطية الخاطيء، فيوجد الكفار والخطاة أبراراً عندئذ ومكملين لإرادة الرب وذلك محال.

البرهان الرابع: – نقول لو شاء الله أن يجحد به الكفار، أو يفسق العاهرون ويظلم الظالمون، وخلق منهم أي في طبيعتهم الجحود والعهارة والظلم، وأمرهم بعد ذلك ألا يجحدوا أو يفسقوا أو يظلموا، لوجد مضطراً لهم ليعملوا ما لا يستطيعوا عمله مع علمه بأنهم لا يقدروا أن يعملوه وذلك محال.

المقصد الثاني

في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – المزامير “لأنك لم تشأ بالذبائح ولم ترض بمحرقات السلام”.

البرهان الثاني: – فيه أيضاً “لم تحفل بالذبائح والقرابين فقد نقبت لي أذاناً” وقوله أيضاً “قد شئت أن افعل إرادتك”.

البرهان الثالث: – إشعياء “وعملوا الشر أمامي واختاروا مالم أشأ به”.

البرهان الرابع: – هوشع “يذبحون ذبائح تقدماتي ويأكلون اللحم والرب لا يرضى عنهم”.

البرهان الخامس: – يوئيل “وإن تصعدون لي محرقات السلام فإني لا أسر بقرابينكم ولا أنظر إلى جمال مسمناتكم”.

البرهان السادس: – ميخا “لاتضغن إلى الأبد لأنك شئت بالنعمة”.

البرهان السابع: – ملاخي “لا تتقربوا من مذبحي ولا أشاء بكم مجاناً قال الرب القوي”.

البرهان الثامن: – إرميا “لأنهم إذا صاموا لا أسمع صلاتهم وإذا أصعدوا ذبائح وقرايين لا أشاء بها”.

البرهان التاسع: – حزقيال “لا أشاء بموت الخاطىء يقول الرب، بل أن يحيد عن طريق الشر ويحيا”.

الفصل الثاني

في الرأي المضاد القائل: كما أن الله يشاء بالخير والبر كذلك وبالشر والخطايا

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في الاعتراضات العقلية لذوي هذا الرأي

الاعتراض الأول: – يقولون أن الله خلق الإنسان وأعماله بإرادته وليس مضطراً بذلك، وكل من يخلق بإرادته شيئاً، يشاء كلياً في ما يخلقه، فالله بما أنه بإرادته خلق الخاطيء وخطاياه، فيشاء أيضاً في الخاطيء وأعماله كما يشاء في البار وأعماله.

الاعتراض الثاني: – يقولون أن الله عندما سبق وعلم أن آدم سيخطيء بتعديه الوصية، فأصبح من المستحيل عليه أن لا يخطئ، ويعرف الله هذا المحال كعارف الكل، وكل من يعلم حقيقة محالة وجود شيء، فلا يمكن أن يطلبه إن كان عاقلاً، فالله له المجد لما كان يمنح العقل والنطق والمعرفة للعقلاء، فكيف يمكن الظن فيه أنه كان يشاء أن لا يخطئ  آدم، مع علمه أنه لا يمكنه إلا أن يُخطئ، ولما كان غير راض بعدم إخطائه، فمن الضروري أنه كان راضياً بخطيته، وإن أمره أن لا يخطئ، ومن هنا يتأيد لدينا أن الله يشاء بالخاطيء وخطاياه كما يشاء بالبار وبره. 

المقصد الثاني

في براهينهم الكتابية

البرهان الأول: – التوراة “وقسَّ الرب قلب فرعون فلم يسمعهم ولم يخرج بني اسرائيل، فيقولون لو شاء الله بعدم خضوع فرعون وإذعانه، كيف قسَّ قلبه لئلا يسمع لموسى وهارون؟.

البرهان الثاني: – إشعياء “أنا هو الرب وليس غيري، جابل النور وخالق الظلام فاعل السلام وخالق الشر”.

البرهان الثالث: – فيه أيضاً “لماذا أضللتنا يا رب من طريقك، وقسيَّت قلبنا من مخافتك”.

البرهان الرابع: – حزقيال “والنبي الذي يضل ويتكلم كلمة، فأنا الرب الذي أضللت ذلك النبي، وأرفع يدي عليه وأبعده من داخل شعبي اسرائيل”.

البرهان الخامس: – لابن سيراخ “الرب خلق الجميع الصالح والطالح، والمتسلط يتخلص من الشرير”.

البرهان السادس: – فيه أيضاً “إن الحكمة والعفة ومعرفة الناموس هي من الله، والمحبة وطريق فاعلي الصالحات هي منه، فالضلال والظلمة خلقا للخطاة وللذين يتربون في الشر فيشيخ فيهم الشر”.

 

الفصل الثالث

في هدم هذا الرأي

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في الرد على اعتراضاتهم العقلية

الجواب على الاعتراض الأول: – نقول لما كان الله له المجد قد خلق الناس أحراراً وذوي سلطة ذاتية كما سنؤيد ذلك، فمنحهم إمكانية طبيعية بها يستطيعون أن يفعلوا الخير والشر، لينالوا الجزاء أو المكافأة التي يستحقونها عدلاً، فإذن قولنا أن الله يشاء بالخاطيء وخطاياه باطل وساقط.

الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول أن حفظ الوصية بما أنه خير فيطلب لذاته، واجتيازها بما أنه شر فيُرذل لأجل ذاته، ويتضح من هنا القول بأن الله كان يشاء بأن يخطئ آدم لعلمه أنه لا يستطيع أن لا يُخطئ، فالكلمة المضادة إذن تقاوم طبيعة الأعمال، ونقول أيضاً: إن قولكم من يعلم بعدم إمكانية وجود شيء لا يجب أن يطلبه كلام سفسطي، لأن ذلك الشيء إذا كان خيراً ولا يمكن الوجود، فيطلبه الناطقون بإلحاح ويرغبون الحصول عليه، ولكنهم لا يتخاصمون أو يحاولون نواله إذا علموا أنه مادي ومستحيل الحصول عليه.

المقصد الثاني

في الرد على براهينهم الكتابية

الجواب على البرهان الأول: – نقول لم يقسِّ الله قلب فرعون لعدم خضوعه، بل خاصة لأجل خضوع وإذعان ربوات بني اسرائيل الكثيرة، فغض النظر عن فرعون وإبعاده هكذا عن دائرة العناية فسأقبله ولم يذعن، أما الخضوع الزائد هو عند الله وليس عدم الخضوع، فإذن الرضى الذي بدون الإذعان البسيط وفريد الشخص (الذات) قد نجم عن العناية كعرض أو حادث.

الجواب على البرهان الثاني: – نقول أن هذه الكلمة لقد قيلت من الرب توبيخاً للمعتقدين بأزليين، الذين لا مقدرة لهم على فهم حقيقة الأسرار، وإن الشر هو عدم لا وجود.

الجواب على البرهان الثالث والرابع: – نقول أن إضلال الرب لشعب أو شخص أو أن يقسي قلبه، ذلك لأجل تقويم الكثيرين وإصلاحهم كما قلنا، فإذن الإصلاح هو الغاية الأصلية المطلوبة، والإضلال الحادث ذلك يستعمله لأجل الإصلاح كواسطة.

الجواب على البرهان الخامس والسادس: – نقول أن الجواب على البرهان الثاني هو ذاته الجواب على هذين البرهانين الآخرين.

إيضاح: – يجب أن نعلم أن كلا الرأيين أي الرأي المستقيم الذي لنا، والرأي المضاد الذي للآخرين، مبنيان على أساسين مختلفين من بعضهما، لأننا نقول أن الله يشاء بكل شيء أمر الناس أن يفعلوه، وإن يعلم بسابق معرقته أنهم لا يفعلون، وكل ما أمرهم الله أن لا يفعلونه لا يشاء به، وإن علم بسابق معرفته أنهم يفعلون، فإذن يحق لنا القول أن الله شاء أن يحفظ آدم الوصية وأن يعلم أنه يحفظها، ولم يرد أن يجتازها وأنه علم أنه سيجتاز، أما هؤلاء الآخرين (الأخصام) لا يبنون رأيهم على هذا الأساس، بل يقولون كل ما يعرف الله أنه سيكون يشاء به، وإن أمر به، وكل ما يعرف أنه سوف لا يكون لا يشاء به، وإن أمر أن لا يفعله الناس، ولذا فلا يخجلون من القول أن الله شاء باجتياز آدم الوصية وإن أمره أن لا يجتازها، ولم يرد أن يحفظها وإن أمره بحفظها، والبراهين السابقة كافية لتأييد قوة رأينا وضعف وانهدام رأيهم.

 

الباب الرابع

في الكلام خاصة على السلطة الذاتية والحرية البشرية

 وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول

في أن للناس حرية، فلم يعملوا أعمالهم صدفة واعتباطاً

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تويد هذه القضية

البرهان الأول: نقول لو لم يفعل الإنسان أعماله الإرادية بحرية، بل بقضاء من الله كما يقول مشرعو المسلمين أو بقدر ونصيب كما يدعي الفلكيون، لوجدت مادتان ضروريتان وغير مستحيلتين، ولما بقي محل للمادة الممكنة، لأنه (الإنسان) يفعل ما محتوم أو مقدر عليه ضرورة، ولما كانت المواد ثلاثا الضرورية كحركة إصبع الكاتب عند الكتابة، وغير مستحيلة كوقوف حركة إصبع الكاتب عندما لا يكتب،  والممكنة مثل الكتابة للإنسان، ومن هنا يتضح أن هذه الممكنات يفعلها الإنسان بحريته وسلطته الذاتية، فكما يستطيع أن يكتب يستطيع أن لا يكتب.

البرهان الثاني: – نقول لو كانت الأعمال البشرية مقدرة ومقضية، لما امتازت من أعمال الجمادات، لأنه كما أن النار لا تستطيع أن لا تسخن، هكذا والإنسان لا يستطيع أن لا يعمل ماقدر وقضي عليه عمله، وعندما نعلم ضرورة التمييز الواضح بين الأعمال البشرية وأعمال المخلوقات غير الحية، نعلم ضرورة أيضاً وجود الحرية للناس، وعدم وجود القضاء والقدر.

البرهان الثالث: – لو كان محتماً ومقضياً على الإنسان في كل أموره التي يتصرف بها، وليس له قوة على كلا قسمي التضاد، أي أن يفعل وأن لا يفعل، فأي فائدة كانت بإرشاد الأنبياء والرسل والآباء للشعوب الخطأة لأن يتوبوا من طرقهم الشريرة ويحيوا، لأنه إذا قضي عليهم بالرجوع يرجعون سواء أرشدوا أم لم يرشدوا، وهكذا بالعكس إذا لم يُقدَّر عليهم أن يرجعوا، فإن وعظوا من الأنبياء والرسل والآباء القويمي الرأي أو لم يوعظوا، فهم مأمورون من الله على الإرشاد، والله لا يفعل شيئاً عبثاً فإذن توجد حرية للإنسان، ولم تكن أعماله مقدرة عليه.

البرهان الرابع: – نقول لو قضى الله على الزاني أن يزني ويأمره بواسطة الأنبياء والرسل والآباء أن لا يزني، فيوجد عندئذ بالذي شبيهاً بالذي يلقي رفيقه في البحر المتلاطم، ويحذره أن لا يبتل وذلك محال، إذ لا يحسن لأحدنا هذا العمل، فالإنسان كل ما يعمله هو بحرية وليس بقضاء إلهي، وذلك الزاني كما يستطيع أن يزني، كذلك يقدر أن لا يزني. البرهان الخامس: – نقول إذا كان الله له المجد قد قضى حتماً على القاتل أن يقتل، وبعد أن يقتل يعذبه بنار جهنم، يوجد الله عندئذ معذباً للذين يستسلمون ويكملون إرادة عظمته، وهذا محال.

البرهان السادس: – نقول لو كان أحدنا قد ملأ مخزنه قرطباً، ويضطر خادمه غصباً أن يخرج له تيناً، وعندما لم يخرج يجلده ويضربه، وإذا فعل ذلك دانه كل ظالم، فكيف تصدق هذه القضية على الله له المجد وتعقل عنه، أي أن يقضي على الشرير بالإساءة، وعندما يسئ يعذبهم في جهنم، وإن لم يعذبه، بطلت وانتفت كلمة جهنم، وإذا لم تكن جهنم لم يكن فردوس ولا ملكوت السماء، وإذا لم تكن هذه كلها، فباطلة كرازة الأنبياء والرسل والآباء جميعهم، ولما كانت لفظة عدم الحرية تؤدي إلى هذه المستحيلات فهي غير صحيحة.

البرهان السابع:‏ – نقول إذا كان الله قد حتم على الأشرار أن يسيئوا وعلى الصالحين أن يفعلوا الخير والصلاح ويحسنوا ثم في الآخرة يُشقي هؤلاء مع الشياطين ويسكن هؤلاء الآخرين مع الملائكة لوجد أن الذين كملوا إرادة عظمته معاً يعذَّب بعضهم ويلذذ بعضهم، وذلك منافٍ للعدل، ولما كانت لفظة القضاء تؤدي إلى عدم عدل الله، فلذا هي باطلة وغير صحيحة.

البرهان الثامن: – نقول لو عمل الصالحون الخيرات بواسطة القضاء، والأشرار يفعلون السيئات بواسطة القدر، فلماذا هؤلاء يمدحون والآخرون يلامون، مع العلم أنهم لم يفعلوا بحريتهم مايفعلونه.

 

المقصد الثاني

 في البراهين النقلية التي تؤيد هذه القضية

وتحد بثمانية أنواع

 النوع الأول

في البراهين التي تظهر كلمات الحكم الذي سيصدر من الله على المغضبين

قال إشعياء عن فم الرب “والآن يا رجال يهوذا وسكان أورشليم احكموا بيني وبين كرمي، ماذا يجب أن أصنع له ولم أصنع، انتظرت أن يصنع عنباً فصنع عنباً رديئاً”. وقال ميخا “ماذا فعلت لك ياشعبي وبماذا أحزنتك أشهدني، اما أصعدتك من أرض مصر وخلصتك من العبودية”. وقال إرميا “ماذا وجد فيَّ آباؤكم من الإثم حتى ابتعدوا عني وذهبوا وراء لا شيء”. فنقول إذن إذا كان الله ذاته قد قضى على الكرم أن يصنع عنباً رديئاً لا عنباً جيداً، وعلى شعبه أن يتركه ويذهب وراء لا شيء، كيف ينتظر من الكرم عنباً لا عنباً رديئاً، وكيف يقول لشعبه بماذا أحزنتك وما هو الإثم الذي وجده آباؤكم ففعلوا كذا وكذا؟.

النوع الثاني

في البراهين المشيرة إلى اللوم الذي يتبع الأثمة

قال داود “لماذا أغضب الخاطيء الله”. وأيضاً “إذا وجدت سارقاً ركضت وراءه، وتجعل نصيبك مع الفاسق”. وقال إشعياء “الويل من الأثمة الذين دخلوا، أدخلوا الإثم”. وقال هوشع  “كالبقرة التي تمردت من النير، هكذا عصا بنو اسرائيل وتمردوا”. وقال عاموس عن فم الرب “وضربت‏ رائحة نتانتكم في وجوهكم ولم ترجعوا إلي”. وقال ميخا “الويل لمن يسلب ويظلم”. وقال إرميا “والآن ما لك تذهبين إلى طريق مصر لتشربي ماء من شيحور”. فإذن نقول إذا كان الله قدر على الخاطيء أن يغضبه، وأن يتبع السارق ويجعل نصيبه مع الفاسق، وقضى على الأثمة بالدخول وعلى بني اسرائيل بالتمرد وبعدم الرجوع إلى الرب وعلى ظلمهم، وعلى تلك الجاهلة بالسير في طريق مصر لتشتهي الشرب من مياه شيحور، والتسخير بتسخير الشعوب، فلماذا عندما يوجه اللوم للخاطيء لا يجيبه (الخاطيء) أنت الذي جزمت عليَّ بأن أغضبك، وهوذا تقول لي لماذا أغضبتني، وكذلك تلك الجاهلة كيف لم تقل له أنت أرسلتني لأرض مصر، والآن تسألني مالك بالذهاب بطريق مصر، وهكذا الآخرون.

النوع الثالث

في البراهين التي تشير أن برجوع الخطاة عن خطاياهم يرتد عنهم الحكم والعقاب

قال يوئيل “إنه طويل الروح وكثير النعمة ويرد العقاب”. يونان “ورأى الله أعمالهم وأنهم تابوا من طرقهم الشريرة وصرف عنهم حدة غضبه ولم يهلكهم”. إرميا “لعلهم يسمعون ويتوبون فيرجع الرجل عن طريقه الشريرة، فأهدأ عن معاقبتهم، وفكرت أن أعمل ذلك”. حزقيال “لا يشاء بموت الخاطيء يقول رب الأرباب، إلا أن يرجع من طريقه الشريرة ويحيا”. دانيال “قال لنبوخذنصر تُحسن لك مشورتي، وأبعد خطاياك بالصدقات، وإثمك بمساعدة الضعفاء حتى يُبعَد عنك ذنوبك، فنقول إذن إذا كان كل شيء مقدر حتماً على الإنسان يصير ضرورة، فكيف أفادت التوبة أهل نينوى، وكيف يحيا الخاطيء المحتوم عليه بالموت عندما يرجع عن شره، وماذا أفادت الرحمة ذلك الملك الأثيم، إذ أن كل محتوم يحدث لا محالة سواء تاب الإنسان أو لم يتب، وهذا هو معنى القضاء والقدر.

النوع الرابع

في البراهين الدالة على المواعيد الصالحة للصالحين والمجازاة الطالحة للطالحين

داود “إذا حفظهم يكافئون كثيراً”. إشعياء “إن تذعنون وتسمعوني تأكلون خيرات الأرض وإن لم تذعنوا وتتخاصمون تؤكلون بالسيف”. إرميا “الويل للأثيم المنافق لأنه يجازى بحسب عمل يديه” وأيضاً “لأن يوم النقمة في قلبي”. هوشع “وينتقم ليعقوب طرقه ويكافئه حسب أعماله”. عوبديا “كما صنعت يصنع بك وجزاؤك يرجع على رأسك”. نحوم “وينتقم الرب من مبغضيه ويحفظ لأعدائه”. الانجيل “بالدينونة التي بها تدانون وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم”. بولس “يجازى كل إنسان بجسده بحسب ماصنع، فإذن نقول إذا لم يحسن الصديق لله بإرادته ولم يغضبه الخاطيء بإرادته، بل بالقضاء المحتوم عليهما من الله، فكيف يجازون كالذين أحسنوا أو جحدوا بإرادتهم؟.

النوع الخامس

في البراهين الدالة على أن الخطاة يخطأون بإرادتهم وليس لله إرادة بخطاياهم

قال داود “رذلت كل فاعلي الإثم وتهلك جميع المتكلمين بالكذب”. إشعياء “الويل للأنبياء المردى الذين صاغوا فكراً ليس مني وقدموا ذبائح ليست من روحي”. هوشع “ملكوا ولكن ليس مني وتسلطوا بدون أن يعلموني”. عاموس “احتقرت ورذلت أعيادكم ولم ارتح بمعاصركم”. إرميا “لم يريدوا أن يعرفوني بغشهم”. بولس “لأن لطف الرب يد عوك للتوبة، ولكن لأجل قساوة قلبك الذي لم ينتسب تخزن لك كنز الغضب ليوم الغضب”. ولذا فنقول إذا كان الله يرذل فعلة الإثم حقيقية كما قال داود، فكيف يجزم عليهم أن يأثموا، وكذلك إذا كان قد قضى عليهم أن يفكروا أفكاراً شريرة ويضحوا ضحايا ويميلكوا ويعيدوا ولم يعلموه ولم يتوبوا، فكيف يقول لهم “أنهم صاغوا فكراً لا مني”. “وضحوا ضحايا ليست من روحي” “وملكوا ولم يعلموني” “ورذلت وأبغضت أعيادهم ولم يشاءوا ليعرفوني ولأجل قساوة قلوبهم لم يتوبوا؟”.

النوع السادس

في البراهين المشيرة إلى التحريض على الفضائل والردع من الرذائل

قال داود “ابتعد عن الشر واصنع الخير اطلب السلام واقصده” وقال ابن سيراخ “يا بني إذا لا تسرع لا تدرك وإن لا تطلب لا تجد”. قال إشعياء “اغتسلوا وتطهروا وابتعدوا عن الشرور، لأن أعمالكم أمامي”. هوشع “أما أنت فارجع إلى الله واحفظ النعمة والحكم”. عاموس “اطلبوا الصالحات لا الطالحات لتحيوا”. صفنيا “ارتعبوا من أمام رب الأرباب لأن يوم الرب قريب”. حجي “فمن الآن ذللوا قلوبكم من هذا اليوم وصاعداً”. زكريا “لا تفكروا كل على رفيقه بشر في قلوبكم”. ملاخي “احترزوا في قلوبكم ولا تكذبوا”. إرميا “لاتتعلموا طرق الشعوب، ولا تخافوا من علامات السماء”. الانجيل “لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في أكياسكم ولا مزوداً للطريق”. فإذن نقول إذا كانت هذه كلها باطلة سواء عملت أم لم تعمل، فكيف لا توجد التحريضات والتحزيرات التي كهذه عبثاً؟.

النوع السابع

في البراهين التي تشير إلى أن الطلبات تستجاب بالصلوات حسب العادة

إشعياء “لقد صلى وقال “أيها الرب الإله احفظ لنا السلام واحرسنا أيها الرب الهنا” يونان صلى أمام الرب إلهه وقال “من جوف الحوت وأمر الرب الإله الحوت فلفظ يونان إلى اليبس”. وقال حبقوق “يارب اذكر مراحمك وقت غضبك”. وقال زكريا “هلموا نذهب ونصلي أمام الرب”. إرميا عندما صلى قال “ارجعنا اللهم إليك فنعود، ابهج أيامنا كما من القدم”. أولاد حاننيا صلوا وقالوا “يارب لا تخزنا الخ…”. وعلمنا ربنا أن نصلي ونطلب منه أن لا يدخلنا التجربة بل يخلصنا من الشرير”. وقال يعقوب الرسول “إن مرض أحدكم فليدعو الكهنة فيصلوا عليه فيشفى”. بولس “أطلب إلى الله أن لا يكون فيكم شر”. فنقول إذن، إذا كانت الخيرات والشرور مقدرة ومحتومة، فكيف تستطيع الصلاة أن تجذب غير المحتوم وتبعد المحتوم، ولما كانت هذه الأمور المقدرة تحدث ضرورة إن صلينا أو لم نصلِّ، فما الفائدة من الصلاة؟.

النوع الثامن

في البراهين التي تشير إلى السلطة والحرية الذاتية بوضوح

قال القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله الثالث الاحتجاجي “أما هذه فكانت، هل أن النعمة السامية هي التي ولدت الخير لنا، كيف لم تغرس فقط في الطبيعة، بل ثحرث بالإرادة، والحركات (الميول) في كلا الجانبين والسلطة الذاتية” وقال أيضاً في مقاله على المقابين “إن فكرنا هو السيد المسلط على الأهواء وصاحب الميل إلى كلا الفضيلة والرذيلة” وقال القديس غريغوريوس النوسي في مقاله على الإرشاد “الذي وضع المكافأة الصالحة للذين يبلون في ساحة الجهاد الإرادي بالفضيلة، إذ ليس بالغصب يبلي ويجاهد عندما يقاد بالطبيعة الإنسانية إلى ما يظنه بشبه إناء جامد بدون إرادته، ولكن إذا أرجع الإنسان نظره إرادياً من نور الطبيعة المبهر الذي تكون السماء خارج عن حدوده، وأن لا يرى ماهية الشيء. وقال القديس اوغريس “إن عناية الله تسير بعد حرية الإرادة، أما حكمة العادل فبعد تدبير النفس”. وقال يعقوب الرهاوي في رسالته العشرين “وإن كان سلوك الناس خارجاً عن إرادته، فذلك يعود لسلطتهم الذاتية وحريتهم، ولأنه يريد أن يقودهم بالغصب إرادياً”.

الفصل الثاني

في الآراء المضادة للذين يبطلون الحرية ويقولون أن جميع الأعمال مقضية حتماً من الله

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الأول: – يقولون لو كان الإنسان يعمل أعماله بحرية، لوجب أن يعرفها أولاً معرفة جيدة ثم يعملها، لأنه لو أمكن أن يُعمل عمل بدون معرفة، فكيف استطاعوا أن يأيدوا معرفة الله له المجد، وإن عدم معرفة الإنسان أعماله واضح من أمرين: الأول – أن النائم والمصروع والمدثَّر (المغطى) تحدث فيه حركات بدون معرفة، الثاني – أن الذي يحرك إصبعه فهو يحرك جميع أجزاء إصبعه معاً، ولو كان آلة لتحريك إصبعه لوجب أن يعرف كمية أجزائه (الإصبع) أو عددها أو كيفيتها (حالتها) أي عدد مفاصل وأوصال وأعصاب وأوردة وشرايين وأسباب وعظام ولحمات وجلد إصبعه، وواضح أنه ليس كل من يحرك إصبعه يعرف هذه جيداً، وإذا كان لا يعلم لا يستطيع أن يحرك إصبعه من ذاته ولا أن لا يحركه، بل أن الذي خلق هذا الإصبع وركبها هذا التركيب العجيب هو الذي يحركها أيضاً، وليس للإنسان حرية أو سلطة ذاتية لعمل شيء إلا ما يعمله الله بواسطته، ذاك ما يعمل فقط وهذا معنى القضاء.

الاعتراض الثاني: يقولون أن جميع الأعمال التي يستطيع سقراطيس عملها، يستطيع الله أيضاً، لأنه قادر على كل شيء، فالعمل إذن الذي يُرى مفعولاً بواسطة سقراطيس أو أن تفعله القوتان قوة الله له المجد وقوة سقراطيس أو بدون قوة أحدهما، أو بقوة أحدهما خاصة، والافتراض الأول غير صحيح، لأنه يؤدي إلى عدم قدرة كل منهما على فعل خاصته، ومن هنا يُحمل الضعف على القوة الإلهية، وهذا محال، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن كل منهما يظهر مبطلاً لكل من القوتين، ومن هنا ينتج ضرورة أنه بالشبه نفسه أن تقويا كلتاهما أو تضعفان معاً، وذلك محال. ولما كان جزء التقسيم باطلين، فينتج إذن الثالث هو الأصح، فنقول إذن، إذا عُمل العمل بقوة سقراطيس وليس بقوة الله، يوجد الله عندئذ قادر على كل شيء وذلك محال. ومن هنا يعلم أنه ليست لسقراطيس مقدرة على عمل شيء والذي ليست له المقدرة أين يمكن أن توجد الحرية والسلطة الذاتية. الاعتراض الثالث: – يقولون لو كانت لسقراطيس حرية، وسلطة على أن يقتل أو لا يقتل، فإما أن يكمل عملاهما الإراديان أي عمله وعمل الله معاً، وهذا محال، لأن ذلك يؤدي إلى اجتماع القتل وعدمه معاً في وقت واحد، أو كلاهما لا يكملان معاً، وهذا الرأي أيضاً محال، لأنه يؤدي ليس إلى القتل ولا إلى غير القتل، وإما أن تكمل إرادة سقراطيس دون إرادة الله وذلك محال، لئلا يؤدي إلى انقهار الله من الإنسان، فينتج إذن نهائياً أن تكمل إرادة الله خاصته، ومن هنا يتضح أن الله هو الذي يقتل، وليس لسقراطيس سلطان على شيء قط، وهكذا تبطل لفظة الحرية.

الاعتراض الرابع: – يقولون لا يكمل أي عمل إرادي مالم يشأ به فاعله، والكافر لا يرضى حتى أو يشاء بالكفر لو لم يعتقد أنه الإيمان الحقيقي، وعندما نرى أنه يشاء بالإيمان الحقيقي ويتخاصم لأجله ولا يمنح له، نعلم عند ذلك أن هذا الكافر لا يكفر بإرادته، بل الله هو الراضي بالكفر ويثبته في الكفر، فنقول أن ذلك هو الله لا الشيطان، لأنه لا شك في أن الله يؤيد الإيمان، ولو جعلنا الشيطان مثبت الكفر، نبلغ إلى تعدد الخالقين واعتبار الإثنينية فيهم وذلك محال، ومن هنا يُتأكد أنه ليست للإنسان حرية لا في ما يؤمن ولا في ما يكفر.

الاعتراض الخامس: – يقولون عندما يريد الإنسان عمل عمل ما، إما يستطيع إبطاله أو لا، فإذا لم يستطيع فقد بطلت حريته، وإن يستطيع فإما أن يبطله بمعرفته أو بدون معرفة. والافتراض الثاني غير صحيح، لأن ذلك يؤدي إلى اتباع المجذوب إلى الشيء الجاذب وذلك محال، فينتج إذن أنه يستطيع إبطاله بسبب، فإذن الله القادر على كل شيء كلما يتكون السبب يبطل العمل ضرورة، وإن لم يشأ في إبطاله، وكلما لا يحدث السبب فيعمله ضرورة وإن يشأ من إبطاله (رفضه) وهكذا تبطل حرية (الإنسان) أي سلطته الذاتية في ما يعمل أو ما لا يعمل.

الاعتراض السادس: – يقولون أن كل ما يعلم الله أنه سيعمل بواسطة سقراطيس، لو استطاع سقراطيس أن لا يعمله، أو الذي يعرف الله أنه سيعمل على يديه، فلو استطاع أن يفعله لبطل سبق معرفة الله، وذلك محال، وهكذا شابه جميع نبوات الأنبياء التي من القديم، ولو لم يكن الناس ذوي سلطة ذاتية أن لا يفعلونها بحريتهم، أو يفعلونها وذلك بالعكس، لبطلت كلها وكذبت، ولما كانت كلمة الحرية تؤدي إلى هذا المحال، فليس للإنسان حرية أو سلطة ذاتية على ما يعمل أو لا يعمل، بل يستطيع فقط أن يفعل ما قضي عليه، وليس هو العامل حقيقة، بل هو الله له المجد وحده قادر على كل شيء، فالإنسان هو آلة فقط بواسطته يفعل الله كل ما يفعل.

المقصد الثاني

في الرد على اعتراضاتهم العقلية

الجواب على الاعتراض الأول: – نقول إذن تقولون أنه لايوجد قط ولا عمل واحد من الأعمال التي يعملها الإنسان هو فاعله، فليس اعتراضكم صحيحاً، لأن فضلاً عن رفضكم الحرية، تضطرون إلى رفض المعرفة الإنسانية كلياً، وذلك محال عندنا وعندكم، وإذا لم تقولوا هكذا، بل ليس فاعلاً الأعمال التي لم يعرفها فقط، فلا يمكنكم أن تطلقوا حتى هذه القضية بدون قيد، لأن إذا كانت هناك صلة بين الأعمال التي يعرفها الإنسان والتي لم يعرفها فتتبع الأعمال التي لا يعرفها للتي يعرفها حتماً، فإذن هو فاعل كلا النوعين، ولكن يعرف هذه معرفة أصلية والأخرى معرفة عرضية، كقولنا: إن كل إنسان يعرف من كل إصبعه جزءاً، وإن لم يعرف من أي الأجزاء يتركب كل واحد على حده، فإذن الإصبع التي يعلم أنه يحركها بحريته، أما أجزاء الإصبع التي لا يعرفها فلا يحركها بحريته، ولكن لأجل الصلة الموجودة بين الكل والأجزاء تتبع حركاتها الحركة العامة ضرورة، فكيف عندما يريد الإنسان تحريك إصبعه لا يحركها، إذ لا يستطيع تحريك عظمة من عظام عقدها، أما حركات النائم والمصروع والمُقرى فليست إرادية تتبع حريتنا ولكنها طبيعية وحرية.

الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول أن كلمة عدم فعل الله له المجد جميع الأعمال البشرية، لا تشير إلى ضعفه، ولا إلى عدم قدرته على كل شيء، ولكنها تصدق على الذين يفعلون طبيعياً إلا إرادياً أو عقلياً، فالله له المجد يفعل ما يشاء، وما لا يشاؤن لا يفعله، وإن استطاع ذلك. ومن هنا لا يحمل إليه أي ضعف، لأن السبب في عدم عمله ليس عدم مقدرته بل عدم رضاه وإرادته به.

الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول أن الله له المجد وإن لم يشأ بقتل سقراطيس، ولكن لا يشأ أيضاً أن يضغط على حريته لكي لا يقتل، أي يخلقه قاتلاً بطبيعته، فاعتراضكم هذا مؤسس على عدم وجود حرية للإنسان وأن تبنوه على عدم وجود الحرية للإنسان تسقطون في التبرهن المستمر أو التسلسل وذلك محال، لأنكم اعترضتم لتُفهموا الذي لم يفهم.

الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول أن الكافر عندما يظن أن كفره هو الإيمان المستقيم يتمسك فيه، فإذن بالنسبة إليه أنه متمسك بالإيمان لا بالكفر، وهذا ما يمنح له لأنه شاء به أي الكفر الذي يظنه أنه الايمان (الصدق) الحقيقي.

اعتراض: – يقولون، قال يوحنا الرسول في رسالته الجامعة “يا أحبائي إذا لم يحقرنا قلبنا، فوجهنا مسفر أمام الله، وكل ما نسأل نأخذ، فالكافر إذن إذا كان كما قلتم لا يشاء في الكفر حاسباً إياه الإيمان الحقيقي، فإذن قلبه لا يحتقره، ولذا بعضه، ناصع وجلي أمام الله، ولذا فكل ما يسأل يجد، وإذا كانت هذه كلها صادقة، لماذا يرذل الكفر طالما ينال الكافر بواسطته كل هذه الخيرات والنعم؟.

الرد: – نقول أن الرسول قال هذا الكلام عن الأعمال لا عن الإيمان، وذلك واضح من أمرين: الأول – من أنه ليس عندما يفعل الإنسان شراً كالظلم والزنى والقتل أو شيء آخر لا يحتقره قلبه لظنه أن عمله صالح، ولذلك من كان كهذا فليس وجهه مسفراً أمام الله، وأن يسأل لا يأخذ، لأنه يسأل بسوء كما قال الكتاب. والثاني – من أن الرسول وضح كلامه بقوله، لأننا نحفظ وصاياه ونفعل الصالحات أمامه.

الجواب على الاعتراض الخامس: – نقول أن إبطاله العمل الذي شاء أن يفعله ليس شيئاً آخر غير إرادته، فكيف تبطلون بإرادته إرادته سفسطياً، وإننا أبطلنا كلمة الانجذاب بدون أن تعرف من فوق.

الجواب على الاعتراض السادس: – نقول أن هذا الاعتراض أقوى من جميع اعتراضات منكري الحرية، ولهذا فإن أحد اتباعنا عندما فشل من الإجابة عليه اضطر أن يقول: لولا هذا الاعتراض لكانت الغلبة الكاملة لنا، ويقول لعازر بن العجوز في الباب السادس من المقال الثالث في العناية عندما أراد الإجابة على هذا الاعتراض “ليس ولا واحد من الذي يرون الآخرين يعملون هو سبب لا يعمله هؤلاء الآخرون” وبعد قليل يقول هكذا من يسبق فيرى ماسوف تعمله حريتنا نحن العاقلين، ليس هو علته أي الله، فنقول أن هذا الجواب مقنع ومفيد للمعترضين لو كانوا يريدون في اعتراضهم هذا تأييد كون الله سبباً في أعمال سقراطيس، وواضح أنهم لايريدون ذلك، بل إن كل ما يعرف الله أنه سيحدث يصير ضرورة، وليس للإنسان سلطة ذاتية في عدم فعله، وإلا يبطل سبق معرفة الله، ولما كان الاسقف المذكور قد أصاب الهدف في جزء منه، فيعلن نقطة التوبيخ فقط لا الحل السلبي، فيقول “هؤلاء الضعفاء كلياً وفاعلي الشر الذين يحتجون بأسباب واهية في خطاياهم التي كهذه ويقولون “ولهذا نفعل الشرور لأنه لا مناص من حدوث ما سبق، ففحص الصالحات لا الشرور كما تتشدقون يا من بحريتكم تعتبون بدون طهارة أو تعفف، فارتدعوا عن هذه كلها وتمسكوا بحريتكم التي لا تقوى عليها أبواب الهاوية إذا شئتم الخ” والظاهر أنه ولا برهان هذا الكلام بل مجرد توبيخ وانتهار، وآخر من محبي المجد عندما استصعب كثيراً من هذا الاعتراف زلقت قدمه إلى وخامة الاعتقاد قال “لا يصرف الله شيئاً من الأعمال الجزئية قبل حدوثها، أما نحن عندما نختصر كثرة العبارات بجمل قصيرة نقول: إن الحرية البشرية والسلطة الذاتية ليست شيئاً آخر سوى معرفة الإنسان لذاته، فكما يستطيع أن يكذب يستطيع بالعكس أن لا يكذب، وإذا كان يختار الكذب يكذب إرادياً، ولما كانت إمكانية هذه القوة موجودة في كل إنسان، وكل يعرف أنه حاصل عليها ضرورة بالتساوي فكيف يمكن القول أن الله عندما يسبق فيعرف أن الإنسان سيكذب، لا يمكن أن لا يكذب، فالإنسان إذن كلا الفعلين منه، وأن الله يسبق فيعرف ما يعمله الإنسان بحريته، وليس ما يسبق فيعرفه الله إياه يفعل غصباً، دون أن تكون له قوة عمل التضاد، فهكذا الغصب لا يوجد في طبيعة الفاعل ولا في طبيعة الفعل، لأن العامل كما يستطيع أن يفعل، كذلك يستطيع ما يضاده، وكذلك عن الفعل.

 

الفصل الثالث

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في البراهين الكتابية

وتحد بثمانية أنواع

النوع الأول

في البراهين الدالة على أن كل شيء يحدث من الله

بولس “لأن الكل منه وبه له المجد والسجود” وأيضاً في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس “كل شي من الله فاحكموا بينكم لأنفسكم” وله أيضاً في رسالته ذاتها “إلا أن الله واحد وهو الفاعل في كل إنسان”. فهذه البراهين مع غيرها التي جئنا بها في المقصد الثاني من الفصل الأول والباب الثاني لهذا الركن، فنقول إذن “إذا كان الله فاعل كل شيء في كل إنسان، فأين هي أفعال الحرية الإنسانية التي تقولون عنها، فكل برهان محدود نافي وحاصر وضابط، لا يمكن أن يحدث شيء خارجاً عنه، فلا حرية إذن، بل كل شيء بواسطة الله ومنه كما قال الرسول.

 

النوع الثاني

في البراهين الدالة أن الخيرات هي من الله والشرور من الشيطان

الانجيل “يشبه ملكوت السموات رجلاً زرع زرعاً جيداً في حقله، وعندما نام الناس جاء عدوه وزرع زواناً بين الحنطة وذهب” وفيه أيضاً من يعمل الحق يأتي إلى النور لتعلن أعماله أنها معمولة بالله” وقال يوحنا الرسول في رسالته “ليس كقائين الذي كان من الشرير فقتل أخاه” وقال أيضاً “كل من ولد من الله لا يفعل الخطية، وبهذا يتميز أبناء الله عن أبناء الشيطان” فإذن يقولون إذا كانت الأعمال الصالحة هي زرع الله والأعمال الطالحة هي زرع الشيطان التي زرعها في هذا العالم، فأين زرع أي عمل الحرية الإنسانية التي تقولون عنها، ويقولون أيضاً، أن الذي ولد من الله لا يفعل الخطية والذي ولد من الشيطان لا يفعل البر كما قال يوحنا الرسول، فالحرية التي تستطيع أن تفعل كليهما مِن مَن وُلِدت؟

النوع الثالث

في البراهين المشيرة إلى أن الإنسان لا يستطيع أن

ينال شيئاً من ذاته قط لا خيراً ولا شراً

إرميا “من الذي قال وصار فالرب لم يأمر ولا تخرج الخيرات والشرور من فم العلي” الانجيل “لا يقدر الإنسان أن يأخذ شيئاً من نفسه إلا ما أعطي له من السماء” فيه أيضاً  “لا يستطيع كل إنسان أن يكون كفوءاً أو محتملاً للكلام إلا من أعطي له، فقد أعطيتم أن تعرفوا سر ملكوت السماء، أما أولئك فلم يعطوا” فيه أيضاً “لتجلسوا عن يميني وعن شمالي فليس لي أن أعطي ذلك إلا للذين أعد لهم من أبي” بولس “ليس بواسطة من يشاء أو من يسرع بل بواسطة الله الرحيم” فيقولون إذن، إذا كان الذي يأمر به ولا الإنسان أن يقول ويحدث، والذي لم يعط له من السماء لا يقدر أن يأخذ، ولا يحدث شيء بواسطة من يريد، فأين حريتكم التي تقولون أنها تستطيع أن تفعل وأن تفعل وأن تأخذ وأن تأخذ؟

النوع الرابع

في البراهين الدالة على أن الخطاة لا يخطأوا بإرادتهم

إرميا “وكما لا يستطيع الهندي أن يبدل جلده والنمر بقعه، هكذا أنتم لا تستطيعون إتيان الصلاح” الانجيل “هل يجتنوا من الشوك عنباً أو من العوسج تيناً، لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثمراً رديئاً ولا شجرة رديئة أن تصنع ثمراً جيداً” بولس “لقد استعبدت المسكونة للباطل ليس بإرادتها بل لأجل من استعبدها على الأمل” فيه أيضاً “حصر الله الجميع دون إخضاع لكي يترحم على كل إنسان” فيقولون إذن، إذا كان الخاطيء كالهندي والنمر الذي وإن يريد أن يبيض جلده ويبدل بقعه لا يستطيع فأين حريته؟ وإذا كان الله قد أسلم المسكونة وجعل مستعبدة للباطل وحصرها بلا إخضاع، فكيف تجعلون حريتها على الباطل وليس إخضاعها.

النوع الخامس

في البراهين التي تشير إلى أن الله لا يجب أن يفكر

في شيء لأن ما سيحدث يحدث من ذاته

قال داود “إذالم يحفظ الرب القرية باطلاً يسهر الحراس” ابن سيراخ ‏”هناك من يسرع ويتعب ويعمل وهو متأخر في كلها، ويوجد من يتعب ويعمل فيخسر جسده، واخسر الكل وكثير الفقر” الانجيل “لا تهتموا في الغد، هو الغد يهتم لشأنه” فيه أيضاً “لا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، فيُعطى لكم في تلك الساعة بما تتكلمون به، ولستم أنتم المتكلمين لكن روح أبيكم المتكلم فيكم” وفيه أيضاً “من الضرورة أن تأتي الشكوك، ولكن الويل لذلك الرجل الذي تأتي على يده” فيقولون إذن، لو كان الناس يفعلون ويتكلمون كل شيء بحريتهم، وليس الله المتكلم والفاعل فيهم، فكيف يأمرهم الرب أن لا يهتموا بما لا يعرفونه ولا يخطر على بالهم، وهكذا يشير بوضوح إلى إبطال الحرية، بقوله لستم أنتم المتكلمين، ولو كانت الحرية موجودة عند الناس كيف لم تحفظ القرية بحراسة الإنسان وكيف لم يغتن أو يتقدم الذي يجاهد ويعمل ويتعب، ولما كان الله هو الذي بقوته وإرادته ينال كل شيء كما له، فعندئذ تُعتَرَف منكم الحرية بأنها باطل الأباطيل.

النوع السادس

في البراهين التي تشير إلى أن كل إنسان متميز من

الله منذ بداية ولادته للعمل الذي سيكمله

قال داود “لقد ميَّز الأثمة من البطن وضلَّ من الرحم جميع المتكلمين بالكذب” وأيضاً “جبل قلبهم معاً ويفحص جميع أعمالهم” إشعياء “دعاني الرب من البعد ومن الرحم وذكر اسمي من بطن أمي” إرميا “عرفتك قبل أن أصورك في البطن وقدستك قبل أن تخرج من الرحم” وأيضاً “إذا استطعتم أن تبطلوا أعمال النهار وأعمال الليل بأن لا يصير نهار ولا ليل في أوقاتهما فيبطل حتى عهدي الذي ملكته لداود عبدي” بولس “إن الذي سبق فحددهم دعاهم والذين دعاهم بررهم والذين سبق فجعلهم مدعوين وسبق فعرفهم وختمهم بشبه صورة إبنه، ومن ميزني من بطن أمي ودعاني بنعمته ليظهر إبنه فيَّ لأنادي به في الشعوب” وأيضاً “كيف سبق فاختارنا به منذ إنشاء العالم لنكون قديسين وبلا عيب أمامه وقد سبق فختمنا بالمحبة” فيقولون إذن، إذا كان الأثمة قد ميزوا من البطن ليكونوا أثمة والمدعوون سبق فرسحو ليكونوا مدعووين، وهكذا الآخرين، فمن يتجاسر أن يقول، لو شاء الأثمة الذين فصلوا من البطن أن يكونوا أثمة فليس ذلك بحريتهم، أو نقول، لو كان المدعوون بواسطة سلطتهم الذاتية التي تبرروا بها أصبحوا مدعووين، فمن لا يفهم بصراحة وثبات أن من يظن ذلك يهدم رأي الكتاب ويتناحر ضدهم.

 

النوع السابع

في البراهين المشيرة إلى أن كون النعمة الإلهية ذاتها

تنسب إليها الذين تشاء بهم وتبعد وتطرد الذين

لا تشاء بهم، هو خارج عن الأعمال الحرية

فقد قال تعالى في التوراة “ارتحم على من اترحم واشفق على من اشفق” داود “يذل هذاويرفع ذاك” ابن سيراخ “منهم وضعهم ومنهم رفعهم ومنهم قدسهم حتى وصلوا إليه، ومنهم لعنهم وعاد واستأصلهم من مساكنهم كالطين المجبول بيد الفخاري، هكذا الإنسان بيد خالقه” إشعياء “مزج الرب في داخلها روحاً مظلمة، فأضل المصري في جميع أعماله” هوشع “ادعوا الذين لم يكونوا معي وهم شعبي والتي تُرحم رُحمت” إرميا “أعطهم قلباً ليعرفوني أني أنا الرب” حزقيال “وأبعد قلب الصخر من أجسادهم وامنحهم قلباً لحمياً ليسلكوا بوصاياي” الانجيل “وجاء ذوو الساعة الحادية عشرة وأخذوا ديناراً ديناراً وعندما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر، فأخذوا ديناراً ديناراً هم أيضاً” وثم “هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين” بولس “ورفقا التي اشتركت مع أبينا اسحق قبل أن يولد ولداهما ويعملا الخير أو الشر، سبقت فعلمت انتخاب الله الثابت لا بالأعمال بل بالذي دعا، فقد قيل “أن الكبير يُستعبد للصغير كما هو مكتوب، وقد أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” فإذن يقولون، إذا كان الله يشفق ويرفع من يشاء وبالعكس، والذي يريده أن يكون مؤمناً يمنحه قلباً لحمياً وبالعكس، ويمزج في داخله روحاً مضلة ويعطيه قلباً صخرياً، ولماذا لأجل مشيئته ساوى في الأجرة الذين اشتغلوا ساعة واحدة فقط مع الذين اشتغلوا حتى الساعة الثانية عشرة، والابنان اللذان ولدا لأب وأم حقيقيين وبارين، بدون أن يفعل أحدهما الخير والآخر الشر أحب أحدهما ورذل الآخر، وكيف تقولون أخيراً أن الإنسان بحريته يستطيع أن يرضي الله أو لا يرضيه.

النوع الثامن

في البراهين الموبخة للذين يجسرون فيحاولون

فحص أحكام الله الخفية ومعرفة سبب قضائه غير المدرك

ابن سيراخ “لا تطلب الأمور التي تصعب عليك ولا تفحص الأمور الأقوى منك، فإنهم بما سلطوك عليه وليس إتكال على الخفايا، ولا تتصعب في أخبار أعماله، لأنه تظاهر لك أنه أعظم منك” إشعياء “إنكم محسوبون كالطين والفخار، أفهل يقول الشيء لفاعله لم تُحسن تكويني وهل تقول الجبلة لجابلها لم تجبلني بحكمة وحذاقة” الانجيل “أولا يحق لي أن أفعل ما أريد بمالي أو أن عينك شريرة لأني أنا صالح” بولس “إذن فهو يرحم من يشاء ويقسوا على من يشاء” ولعلك تقول لماذا يحابي، فمن يقاوم إرادته، فأنت من أنت أيها الإنسان لتعطي جواباً لله، ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا جبلتني هكذا، أو ليس للفخاري تصرف في طينه ليعمل من الجبلة إناء للكرامة وآخر للهوان” فيقولون إذن، بهذه البراهين الست العقلية أو بهذه الأنواع الستة في البراهين الكتابية يتأيد فكرنا، أي أن كل شيء محتوم من الله، وليس للإنسان سلطة ذاتية لأن يعمل شيئاً من ذاته، إلا ما محتوم عليه عمله إياه يعمل فقط، ولا يفيده اجتهاده شيئاً ولا يضره كسله، وبهذا النوع الثامن نحل جميع أقوالكم التي تلفظتموها، إذ أن الله قد قضى على الزاني والقاتل أن يزني ويقتل، فلماذا يعذبهما وكيف يلقي الإنسان في بحر خضم متلاطم، ويحذره أن لا يبتل، فإذن من يقول هكذا يوبخ من الحكيم القائل “من أنت لتحرجوا بالله، ثم يضيف فيقول: “يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه، فلم يفحص أحد أحكام الله وطرقه لا تدرك ومن يعرف طرق الرب أو من صار له مشيرا؟.

المقصد الثاني

في الرد على براهيتهم الكتابية

الجواب على نوع براهينهم الأول: – نقول لقد سبقنا فأيدنا نحن أيضاً أن كل شيء هو من الله، وبدونه لا شيء، ولكن بعض الأعمال تحدث بتوسط حريتنا، وبعضها ليس بتوسطها بل من الله مباشرة أو بواسطة الملائكة كما أظهرنا، فإذن كون كل شيء من الله لا ينقض حريتنا أو يبطلها، لأن حريتنا هي أحد هذه الأعمال التي وهبت لنا من الله.

الجواب على نوع براهينهم الثاني: – نقول أن القول بالخيرات هي من الله والشرور من الشيطان، لا يشير إلى اقتياد الله والشيطان للإنسان غصباً إلى الخير أو إلى الشر، بل إلى مساعدة الله للذين يعملون الصلاح بإرادتهم وهم يخافون كقول الرسول “إننا نعلم أن الذين يحبون الله يساعدهم في كل شيء إلى الخير” وهكذا الشيطان يستطيع أن يضل الإنسان بالألفاظ والوعود والأوهام وليس بقسوة، كما سُمِع يقول لأم الجنس البشري، ومن هنا يتضح أن الله يساعد لأجل الخير، والشيطان لأجل الشر، وهذا القول لا ينقض الحرية البشرية.

الجواب على نوع براهينهم الثالث: – نقول أن الحرية البشرية هي التي بواسطتها كما نستطيع أن نفعل أعمال البر الصالحة، نستطيع كذلك أن نفعل أعمال الخطية السيئة، وليست ما بواسطتها نحوز المقدرة أو الجرأة لنوال المنح من الله كما نشاء، فهذا يتبع إرادة المانح لا لحرية الآخذ، فإذن عدم مقدرة الإنسان على أخذ شيء إلا إذا أعطي له، لا ينقض استطاعته على عمل الأعمال التي بها يستحق أن تعطى له المنح الصالحة أو لا يستحق، ومع هذا فإذا أُعطي أو لم يُعط، فليست المنح له من حريته، حتى نقول إذا لم تُعط له ليس له حرية، وبطلت السلطة الذاتية.

الجواب على نوع براهينهم الرابع: – إن تشبيه النبي للخطاة بالهندي والنمر، لا يدل على أنه كما خلق الأول أسود بالطبيعة وخلق الثاني مبقعاً، هكذا خلق الخاطئ خاطئاً بالطبيعة، ولكن يقول للعبرانيين عندما تأصلت فيكم الشرور يا أبناء اسرائيل وتمكنتم فيها كأنها فيكم طبيعة، أصبحتم شبيهين بالمخلوقين أشراراً، ويتضح ذلك صريحاً من أمرين: الأول – من كلام النبي حيث أضاف فقال “لأنكم تعلمتم الشرور”. الثاني – من أن جميع العارفين يؤيدون أن العادة إذا شاخت أصبحت طبيعة ثانية، وهكذا يجب أن نفهم الشوك والقرطب والتين والعنب التي في الانجيل، ونقول عن كلام الرسول: “إن الباطل والأهواء المضادة والنقصان في طبيعة هذه الخليقة قد أصبحت لنا، وليست لها من إرادتها، بل من إرادة خالقها، ولماذا خلقها هكذا وليست كاملة وطاهرة، فهذه كلها نفهمها من الرسول الطوباوي الذي يقول عن الرجاء “كيف يترحم على كل أحد” ويؤيد ذلك قوله “حيث ازدادت الخطية كثرت النعمة” فإذن إمكانية مقدرتنا على الأخطاء نحن الضعفاء طبيعية فينا لا إرادية كما أن عدم الإمكانية لغير العاقلين طبيعية لا إرادية، فاختيارنا أحد الجانبين خاصته ليس طبيعياً فينا وغير إرادي، لكن غير طبيعي وإرادي، وهذه القوة التي جعلت أن تُستعبد المسكونة بدون إرادتها للباطل، وإن حبس الله كل إنسان بلا إخضاع أي أن إمكانية الاستعباد للباطل لا الإخضاع طبيعية لنا ومن الله، فإذا أخرجنا هذا الإمكان الطبيعي إلى الفعل، إما لا نخرجه وبذلك لا يكون طبيعياً بل بحريتنا لنا باستطاعة الإنسان أن يزني طبيعية فيه لا بإرادته إذا زنى بالفعل، أو أن لا يزني فليست طبيعية فيه بل إرادية، ولذا لا نحاكم بسبب استطاعتنا على الزنى بل لأننا نزني، ومن هنا يتضح لنا أن هذه البراهين لا تبطل الحرية والسلطة الذاتية.

الجواب على نوع براهينهم الخامس: – نقول أن هذه البراهين تشير إلى عدم اتكال الإنسان على قوته بل أن يطلب مساعدة الله دائما، فلا تنقض الحرية، فمثلاً قد كسرت سفينة ذاك أو لم يغرق في البحر، فلا يجب أن نقول أن سباحته وحركة يديه ورجليه أفادته، لأن الآخرين كانوا ينشلونه من الغرق يخرجونه من الهوة بمد يدهم، وإن كان يقول له القريبون منه الذين يريدون تشجيعه وتقوية خاطره لئلا ييأس ويقطع رجاءه ويهلك، ابتعد ولا تتخاذل وتتعب أعضاءك ولا تفكر أو تهتم بشيء فنحن نخرجك، لأنه لو لم نحضر عندك لما استفدت شيئاً بحركاتك، فهكذا يجب أن نفهم معنى هذه الألفاظ الإلهية.

الجواب على نوع براهينهم السادس: – نقول أن الإنسان منذ بداية خلقته وإن كان باستطاعته أن لا يأثم، أو يأثم ضرورة أو لا يأثم، ولكن لا يمكن أن يصدق أو يكذب كلا جزئي التضاد معاً، ولذا فمن العدل القول لقد تميز المزمع أن يأثم من الأثيم منذ الابتداء، هكذا المزمع أن لا يأثم، وواضح أن هذا لا ينقض كون الذي كهذا يأثم بحريته لا غصباً، كما ذكرنا مراراً كثيرة ما ورد في الكتاب “إن الأثمة مضلوا من البطن” ولأن هذه البراهين الأخرى هي جزئية، فلا يجب فرض بعضها على الكلي، فهذا اعتقاد مخطيء وقد أثبتنا عدم صحته منطقياً، مثال ذلك لو مُيِّز إشعياء أو إرميا أو بولس أو أحد الأنبياء أو الرسل الآخرين لعمل ما، فلا يجب الحكم على انتخاب الله كل إنسان لذلك العمل، إذ ليس هذا القول من العدل بشيء.

الجواب على نوع براهينهم السابع والثامن: – نقول عندما نؤيد جميعنا الحرية البشرية، لا نقول أن الله له المجد لا سلطة له أن يفعل ما يشاء بجلته، أو أن نجسر بإنكارنا مثلاً إغداق مراحم الله على بعض الناس وحرمها من بعضهم، أو أن نحاول أن نقيس عمق أحكامه غير المدرك، حاشا، بل نقول فقط، إن الله له المجد منح الإنسان حرية وسلطة ذاتية منذ ولادته ليعمل ما يشاء إراديا لا اغتصاباً، ومع هذا فلله السلطان أن يقرب أو يبعد أن ينتخب أو يرذل ويمنع، ومن هنا يتأكد لدينا أن كون الله يستطيع أن يعطي ويحرم لا يبطل حرية الذين يعطيهم أو يحرمهم.

 

الباب الخامس

في الأجل

وفيه مقدمتان وستة فصول

المقدمة الأولى

في ضرورة الموت الطبيعي

نقول أن بدء جنسنا هو اجتماع رطوبتين أي الزرع الرجولي الذي يغلب فيه كلا النار والهواء وشبه العلة الخالقة، ودم الحيض الذي تغلب فيه المائية والترابية (الأرضية)، وشبه العلة المادية، والنارية والترابية وإن كانتا ضروريتين وقاسيتين في المركب، لكن ليس بحد بحيث لم يستحل منها شيء كالصخور والزجاج الموجودين لا، ولذا فأصبحت أجسادنا قابلة بالطبيعة نوعين من الأضرار، أي بقاء الرطوبة التي جبلنا منها وعفونتها وعدم فائدتها لقوام الحياة، وكل من هذه إما أن يحدث بواسطة أسباب خارجية كما من الحرارة استحالة المادة المنتنة للهواء، وإما بواسطة أسباب داخلية، كما باحتيالنا الحرارة تستميل إلى رطوبتنا، والحرارة الغريبة التي تتولد من أقواتنا الدنيئة فتفسد رطوبتنا، وجميع هذه الأسباب تساعد معاً بعضها نحو تبديد الرطوبة، وتقوية اليبوسة، وكذلك منذ بداية وجودنا لو لم تكن اليبوسة غالبة فيناً، لما استطعنا إحداث أي عمل من أعمالنا، ولبادت حرارتنا بواسطة الرطوبة، وهكذا هذا التبديد الضروري والمساعد لقوامنا، هو ذاته أصبح بداية تركيبنا وفسادنا، لأنه (التبديد) عندما نما رويداً رويداً، أدى بالرطوبة إلى العدم (التلاشي) وهكذا أخمدت الحرارة كلياً، وقد أصبحت سبب إخماد ذاتها، وما ينسب القول “أنها أكلت وطحنت” كضياء السراج الذي يبدد ناره الزيت، ويتبع إبادتها الإطفاء، وهكذا الإطفاء أي الموت يتبع ضرورة، وهو الطريق الذي لا مناص من العدول عنه، لو لم تعضد الرطوبة الطبيعية بالرطوبة التي تضاف إليها من الغذاء وتحل محل ما استحال منها، لما استطاعت أن تقاوم حتى هذا الزمن الذي فيه أمكن الانحلال من التركيب بصورة ذميمة، ولمالم تكن بمقياس أحد متساوي الرطوبة الطبيعية والحرارة المتحولة والمفسدة في الأشخاص والأقاليم، لذا نرى حياة بعض الناس طويلة، وبعضهم قصيرة، كما يخبرنا اسقلفياديس “إن الذين في الحدود الجنوبية في السن العشرين يلجون في شيخوخة كبيرة، وهذه حياة شيوخهم الفانية، والذين في الحدود الشمالية فيبلغون إلى مئة سنة أو مئة وعشرين أو أكثر، والمتوسطون فإلى حد وسطي كما عندنا كقول المرتل داود “أيام حياتنا سبعون سنة وبالكاد ثمانون سنة” ولئن عاش الكثيرون في أجيال خلت أكثر من مائة وعشرين سنة، ولكن ما قلناه هو معدل حياة البشر الطبيعي، وبعد نهايتها يدرك الموت الطبيعي ضرورة، أما الميتات الأخرى التي تطرأ من الخارج لأسباب أخرى فليست طبيعية، وكيف ما كان وإن تحد، ولكن لا يحدث لها تبديل بحسب رأي العقيدة المستقيمة التي نصَّ أنه لا تحدث بدون معرفة الله.

اعتراض: – يقولون إذا كانت الرطوبة التي من الغذاء تستطيع أن تحل محل ما يستحيل من الرطوبة الطبيعية ويتناقص، فلماذا لا تحل محلها إلى الأبد ليحيا الإنسان إلى الأبد ولا يموت أي لا يقتل ولا يقضي بموت آخر طارئ؟

الرد: – نقول لا تتشابه بكل شيء الرطوبة التي تتولد من الغذاء بالرطوبة الطبيعية، لأنها غريبة ودخيلة، ومع هذا وإن استطاعت أن تمنع الطبيعة من الاستحالة الزائداة، وأن لا تتركها تزول عاجلاً وتتلاش، لكنها لا تستطيع أن تمنع عنها كلياً قوة الحرارة الممتزجة فيها وتقوم بواسطتها وتتساوى بالوجود، فضرورة تتبدد الرطوبة الطبيعية رويداً رويداً الغذاء، يلحق الموت ضرورة.

المقدمة الثانية

في آراء الناس حول الأجل

عندما سئل القديس يعقوب الرهاوي من يوحنا العمودي عن هذه القضية، دعاها العمل القاسي والسؤال الأشد صعوبة والحفرة العميقة والجزية الفائقة قوتنا، واعترف بالخيبة وعدم المقدرة، وقال أيضاً لأنها (القضية) تمتد إلى إدراك أحكام الله والبحث عن عنايته بالجميع، ومن يستطيع أن يفكر أو يتكلم أو يفسر، ومن هذا نفهم أن طريقها وعر، ويجب علينا أن نمهدها بالتقسيم قليلاً، ثم بقدر قوتنا نستمد مادة من الكتاب المقدس فنعبدها كلياً ونقول: إن للناس فكرتين متضادتين في الأجل، الأولى – تقول أنه سبق فحدد أجل حياة كل إنسان. والثانية – تقول بغير سبق تحديد أجل كل إنسان، والفكرة الأولى تشعبت إلى بدعتين: الأولى – تقول أن حياة الناس قد سبقت فحددت من الله تحديداً غير منعكس ولا متغير كما يعتقد المسلمون. والثانية – تقول من الإشراق البرجي والخط النجمي أي القدر قد تحددت حياة الناس منذ بداية ولادتهم كما يهذي الفلكيون، والفكرة الثانية أيضاً انقسمت شعبتين، الأولى – هرطقة (بدعة) وتقول أنه في التضاد التعاكس والصدفة، والطارئ الغريب يموت الناس بدون أوانهم. والثانية – أرثوذكسية وتقول وإن لم تكن حياة البشر قد سبقت فحددت، ولكن لا نقول أن الإنسان قد يموت لا بأوانه ولا بدون أمر ومعرفة الله، وهذا رأي ملافنة البيعة المقدسة المتبحرين، ويجب أن نعلم عندما نقول أن كل إنسان يموت في حينه، ليس كما يهذي المسلمون أو كما يهذي الفلكيون، أي أن لكل إنسان وقتاً محدوداً لا يستطيع أن يموت إلا فيه خاصة، بل في الوقت الذي يعرفه الله أنه خير للإنسان أن يموت فيه من أن يحيا، بأمر ملاك الموت بإشارة خفية، فيفصل النفس من الجسد في أي نوع كان من الموت سواء كان طبيعياً أم طارئاً، وقد أشارت إلى هذا القصد المرأة السائرة من تقوع عندما تضرعت إلى داود الملك لأجل أبشالوم ابنه وقالت، نحن كالمياه التي تنساب على الأرض ولا يجتمع، وإن الله لا يأخذ نفساً حتى يفكر فكراً بأن لا يضل منه إنسان، وقد توضح لدينا جيداً بواسطة التقسيم أن هناك أربع أفكار (آراء) حول الأجل، الأولى وهي للكنيسة ولنا والثلاث هي المضادة والتي علينا، ولذا يجب أن نفرد لكل واحدة فصلاً خاصاً.

 

الفصل الأول

في أن كل إنسان يموت في وقته بحسب أمر الله

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

نقول لما كان لله له المجد سبق المعرفة لجميع الأمور المستقبلية التي ستحدث، وهو صالح بالطبيعة وحكيم وقادر على كل شيء، فمن الضرورة عندما يعلم أن الحياة هي خير من الموت للإنسان يُحييه، وإذا عرف أن الموت هو خير له يميته، لأنه إذا كان الموت خير له يمته أو كانت الحياة خير له ولم يُحيه، فيوجد الله غير سابق بمعرفة ما سيحدث، وإذا عرف فيكون عندئذ غير صالح، لأنه لا يعطي ما يفيد ويصلح، إذ يميز بين ما يفيد وما لا يفيد، أو أنه حكيم ومميز، ولكن غير قادر أن يميت أو يُحيي، ولما كانت جميع هذه الافتراضات باطلة، فينتج ضرورة أن يموت الإنسان في الوقت الذي هو خير له بأمر الله.

المقصد الثاني

في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – التوراة “إذا ضرب إنسان رفيقه ومات يقتل قتلاً، وإن لم يضربه بإرادته، بل أسلمه بيده فضربه ومات، أعطيك محلاً حيث يهرب القاتل إليه”.

البرهان الثاني: – قول المرأة التقوعية التي نصحت داود لأجل أبشالوم.

البرهان الثالث: – الانجيل “لا يباع عصفوران بفلس واحد كما ولا في الانجيل، واحدهما لا يسقط على الأرض بدون إرادة أبيكم، فإن رؤوسكم كلها محصاة، فلا تخافون فإنكم أفضل من عصافير كثيرة”.

 

الفصل الثاني

في رأي المضاد للقائلين أنه لا يموت الإنسان في

وقته ولا بأمر الله

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الأول: – يقولون إذا اعترفتم أنتم كالمسلمين، أن الإنسان يموت في أوانه من الله، ولا يستطيع أن لا يموت في حينه، كيف تقولون أن المسلمين لا يكرمون جيداً بل يهذون، وأن الفلكيين يهذرون، وها أنتم تُدخلون وقتاً محدوداً وأجلاً معروفاً كما ادخلوا هم أيضاً.

الاعتراض الثاني: – يقولون إذا كان كل شيء يحدث بواسطة العناية الإلهية، فكيف تقولون أن أموراً كثيرة تحدث بواسطة الإهمال من الله؟.

الاعتراض الثالث:‏ – يقولون أن البرهان الذي من التوراة يشير إلى أن القاتل الذي يقتل بإرادته، ليس الله الذي أسلم القتيل في يديه ليقتله، وكيف تقولون أن الله يسلم كل إنسان ليموت.

 

المقصد الثاني

في براهينهم الكتابية عامة

يقولون أن الكتب تشهد بأن الله لم يضع الموت، ولا يشاء بموت الخاطيء ولم يخلق الشر وليس أثيماً، فكيف تقولون أن الله يميت البشر، وأي شر أفظع من الموت، وتقولون أيضاً أنه يسلم الإنسان المظلوم بيدي الظالم ليسيء إليه ويقتله، وواضح كيف لا يكون هذا إثم.

 

الفصل الثالث

في هدم هذا الرأي الذي سبق

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في الرد على اعتراضاتهم العقلية

الجواب على الاعتراض الأول: – نقول لقد سبقنا فأظهرنا في أي نوع نقول أن الإنسان يموت في حينه، وبأي نوع يقول المسلمون، وفي أي نوع الفلكيون، والفرق بين هذه الأنواع واضح جداً للذين يفهمون ويتبصرون.

الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول أن الترك من الله يحدث بواسطة العناية الإهية، ومن هنا ينتج أن كل شيء من العناية.

الجواب على الاعتراض الثالث : – نقول لقد سبقنا فأعلمنا أن كل شيء يحدث من الله بواسطتنا أو بتوسط حريتنا وإرادتنا أو بدون توسط حريتنا، وقد أشار الله له المجد إلى كلا النوعين في قوله ذاك.

 

المقصد الثاني

في الرد على براهينهم الكتابية

نقول أن ذاك الموت لم يخلقه الله ولم يعمله، وليس موتاً محسوساً بل موتاً معنوياً وهو موت الخطية، ويتضح ذلك من إضافة النبي بقوله: أن يرجع عن طريقه الشريرة ويحيا، وإن الموت المحسوس ليس شراً من أمرين: الأول – لأنه يريح الإنسان من شرور كثيرة. الثاني – من أن داود النبي دعاه مراحم بقوله “لأن مراحمك أحسن من الحياة” ونقول ضد إدعائهم، أن كثيرين يقتلون ظلماً، هو أنه ليس كل ما لا ندرك علته لا يجب أن تكون له علة، فإذن يمكن أن يكون مظلوماً الذي نظنه مظلوماً.

 

الفصل الرابع

في عدم سبق تحديد أجل الناس من الله

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – نقول إذا كان الله قد سبق فحدد أجل إنسان، فإذا طلب إنسان بار من الله أن تطيل حياته، أما يستطيع الله عندئذ أن يجيب سؤال ذلك البار أو لا يستطيع، فإذا استطاع، فقد بطل تحديد الحياة أي الأجل، وإذا لم يستطع، يوجد الله عندئذ غير قادر على جميع الممكنات وذلك محال، فإذن غير سابق تحديد الأجل.

البرهان الثاني: – نقول إذا كان قد سبق فدبر الله كمية حياة كل إنسان من البدء، إما أن يكون كفوءاً لإدارتها بعدئذ أو لم يكن، فإذا كان كفوءاً، يوجد سبق تحديد الحياة عبثاً وهذا محال، لأن الله حكيم في كل شيء ولا يفعل شيئا عبثاً، وإذا كان غير كفوء لإدارتها بعد ذلك، فيوجد قد تغير من المقدرة والكفاءة إلى عدم الكفاءة والمقدرة وهذا محال أيضاً، ومن هنا يتضح عدم سبق تحديد الحياة الإنسانية، بل كلما شاء يميت أو يحيي فيموت الإنسان وعندما يشاء بالإطالة يطيل وبالتقصير يقصر.

 

المقصد الثاني

في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الأول: – التوراة “عندما يفتح رجل جباً أو يحفر بئراً ولا يغطيها، ويسقط فيها ثور أو حمار، فصاحب الجب يؤدي الثمن لصاحبيهما ويكون الميت له” فنقول يصرح هذا لنا جلياً لو أن الرجل غطى الجب والبئر لما سقط فيها الثور أو الحمار ولما ماتا، ولو كانت الحياة محدودة، كيف لم يموتا وإن بغير السقوط في الجب أو البئر بل بنوع آخر من الميتات، ولماذا يظلم (ينجس) حق صاحب الجب أو البئر بخسرانه ثمن ما كان ضروري الموت.

البرهان الثاني: – فيها أيضاً “ويقول الكتبة للشعب الرجل الذي بنى بيتاً جديداً ولم يدشنه، فليرجع حالاً إلى بيته لئلا يقتل في الحرب فيدشنه رجل آخر، والرجل الذي غرس كرماً ولم يعصر منه فليعد عاجلاً إلى بيته لئلا يقتل في الحرب فيعصره رجل آخر، والرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها، ليرجع إلى بيته لئلا يقتل في الحرب فيأخذها رجل آخر” فإذن نقول لو كان أجل هؤلاء المذكورين محتوماً وسابقاً، ماذا كان يفيدهم السكن في البيت وعدم الذهاب إلى الحرب، وماذا كان يضرهم ذهابهم إلى الحرب؟.

البرهان الثالث: – فيها أيضاً “وعندما تبني لك بيتاً فاجعل درابزيناً لسطحك لئلا يسقط منه إنسان فيصير دم في بيتك” فنقول لو كان الأجل محدوداً، كيف يستطيع الدرابزين أن يمنع الموت، أو عندما لم يكن سبب قادر أن يسبب الموت.

البرهان الرابع: – فيها أيضاً “أعدوا لكم قرى تكون لكم للملجأ، ليهرب إليها القاتل الذي يقتل نفساً غير متعمد، وتكون لكم هذه القرى للملجأ من طالب الانتقام للدم، ولا يقتل القاتل” فنقول لو كان قد سبق فقضي الأجل ماذا يفيد التجاء القائل من هذه القرى أو يضر غير الملتجيء فيها.

البرهان الخامس: – المزامير “قال داود أضفت أياماً على أيام الملك” وكذلك “لئلا تصعدني في منتصف أيامي” وهكذا سليمان الحكيم القائل “احفظ كلماتي في قلبك لتزاد لك سنو حياتك الطويلة، واعمل بها لتطول سنو حياتك، وعندما تحفظ الشريعة تحيا عمراً طويلاً” ومثلها أيضاً “أكرم أباك وأمك لتطول حياتك على الأرض” فنقول إذن إذا كان الأجل محتوماً كيف يمكن أن تنطبق هذه الكلمات؟.

البرهان السادس: – إشعياء “وكان كلام الرب على إشعياء قائلاً: اذهب وقل لحزقيا ملك يهوذا هكذا يقول الرب إله داود أبيك، سمعت صلاتك ورأيت دموعك وهوذا أضيف على أيامك خمس عشرة سنة، وأخلصك والمدينة من يدي ملك أثور” فإذن نقول لو كان أجل هذا الملك حزقيا محتوماً، كيف تضاف هذه السنين على أيامه؟.

البرهان السابع: – إرميا “إذ قال بغتة يهدم الشعب والمملكة واستئصالها وهلاكها وإبادتها، ويرجع ذلك الشعب عن شره ويتوب، ارجع عنه الشر الذي فكرته فيه وكدت أفعله له” فإذن نقول حياة ذلك الشعب محدودة، كيف إذا تاب يستطيع أن يحيا، بعد ما قضي عليه من الله سوف يموت ويُستأصل ويبيد ويهلك في وقت محدود.

 

الفصل الخامس

في الرأي المتضاد للذين يعتقدون بتحديد الأجل

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضهم العقلية

يقولون أنكم تعتقدون وتؤيدون بالبراهين العقلية والكتابية أن الإنسان لا يموت بدون أوانه، بل بالوقت الذي يعرفه الله أنه خير له أن يموت فيه فيموت، فإذن إذا سبق الله فعرف ذلك الوقت، كيف لا يكون محدوداً؟ وبالتالي غير ممكن أن يموت الإنسان قبله أو بعده، وما هو الأكثر مؤيد لتحديد الأجل من هذا، أو هل تقولون أن الله الذي يعرف كل شيء لم يسبق فيعلم ذلك الوقت، وهذا كفر مبين، ومن هنا يستنتج أن أجل كل إنسان قد حدد بسبق المعرفة الإلهية، وبالتالي لكل حي، وليس هكذا فقط، بل القوام الثابت الكلي لكل الكائنات.

 

المقصد الثاني

في البراهين الكتابية

البرهان الأول: – المزامير “أعلمني عدد أيامي لندخل في قلب الحكمة”.

البرهان الثاني: – فيه أيضاً ‏”لقد جعلت أيامي بمقياس وبقائي كلا شيء أمامك”.

البرهان الثالث: – حبقوق “لأن المنظر يحدث لوقته ويأتي الأجل ولا يكذب وإذا تأخر فلا تضجروا”.

البرهان الرابع: – حزقيال “لقد دنا الأجل إلى أرض اسرائيل، وقربت النهاية على أربع أقطار الأرض، فمن الآن الأجل عليك وأصب عليك غضبي”.

البرهان الخامس: – ميخا “وأنت يا برج القطيع يا عوفل بنت صهيون زمانك قد أتى”.

البرهان السادس: – دانيال “لأن الأجل قد دنا زمانه” وأيضاً “للتروي حتى وقت الأجل” وأيضاً “وفي وقت أجله يقاوم إثمه” وأيضاً “ويحفظ قدسه فيأتي أوان أجله” وأيضاً “وأختم هذا السفر حتى يأتي وقت الأجل” وأيضاً “إلى هذا الأجل” وأيضاً “لأن هذه الأقوال خفية ومختومة إلى وقت الأجل” وأيضاً “وأنت يا دانيال اذهب إلى الأجل واسترح” فإذن يقولون ألا تدل كل هذه البراهين على أن الأجل محدود في وقت معين.

 

الفصل السادس

في هدم هذا الرأي المضاد

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في الرد على اعتراضهم العقلي

نقول أن كلامنا عن أن الله يميت الإنسان في الوقت الذي يعرفه أنه خير له هو غير ما تقولون أن لكل إنسان أجلاً ووقتاً محدوداً من الله منذ بداية ولادته فيه سيموت لا قبله ولا بعده، وواضح أنه بحسب رأينا يستطيع الله أن يضيف الحياة أو يقللها كما يشهد الكتاب المقدس، أما بحسب رأيكم فذلك محال، وهكذا نقول أيضاً وأن يسبق الله فيعرف الوقت الذي سيموت فيه الإنسان، إلا أنَّ سبق هذه المعرفة لا يجعل الحياة محدودة، لأنه يمكن إذا أرضى الإنسان الله وطلب منه يزيد أياماً على أيامه كما قال المرتل داود “أضف أياماً على أيام الملك” وعندما يغضبه يقلل أيام طفولته كما أضاف فصرح المرتل ذاته، ومن هنا يتضح لنا أن إمكانية الله على الزيادة كهذه والتقليل لا تدع أن تحدد الحياة الإنسانية.

 

المقصد الثاني

في الرد على براهينهم الكتابية

الجواب على البرهان الأول: – تقول أننا لا نريد بكلامنا عدد لأيام الحياة البشرية، لنفشل في البرهان، بل نقصد أن عدد الأيام غير محدود من بداية الولادة بنوع أن الله لا يمكن أن يضيف عليه أو يقلل منه كما تدَّعون أنتم.

الجواب على البرهان الثاني: – نقول أن لفظة المقياس هنا يدعوها المرتل الإلهي عامة وطبيعية ليجمع الناس، إذ يصرح جلياً في محل آخر بقوله: أيام سنينا سبعون سنة، وبالكاد ثمانون سنة. ويتبين أن ولا هذا المقياس محدود لكل إنسان، بل يحتمل الزيادة والتقليل بحسب قصد الإرادة الإلهية.

الجواب على البراهين الأربعة معاً: – نقول أن لفظة الأجل في جميع أقوال الأنبياء لا تدل على انتهاء الحياة، بل على الوقت الذي يصدر فيه القضاء الإلهي من القوة إلى الفعل الإلهي على الذين لا يتوبون، وواضح أنهم إذا تابوا يمكن أن يجيز عنهم كهذا الأجل (الحتم) كما يشهد الكتاب المقدس، فكقول إرميا عن فم الرب إذ أصرَّ على الشعب ببغتة الخ” ومن هنا نتأكد أن هذه البراهين لا تنقض رأينا بشيء بل تعاكسه فقط.

زيادة إيضاح: – لأن الرأي الذي يدخل الحظوظ الفلكية (البرجية) والأقدار المولدة، هو رفيق الرأي المهدوم، ولا يجب أن نهمله بدون نظر، فنقول إذن، إذا سُبق فحُدد أجل كل إنسان بإشراق فلكي، فجميع الذين هلكوا بمياه الطوفان في أيام نوح هل ولدوا في دائرة واحدة وجزء واحد وحالة واحدة وثانية واحدة وثالثة الخ… أو هل كان للكواكب التي أولدتهم نفس الشكل للبروز والنظر الكلي المجتمع أو مثلي الزوايا أو مرابعها أو مستقيم، ومن يعتقد هذا، وهكذا الذين اختنقوا في البحر الأحمر مع فرعون وجميع الذين ماتوا مع سنحاريب في ليلة واحدة وساعة واحدة بواسطة ملاك الله، وهكذا جميع الأموريين الذين أهلكهم موسى ويشوع بن نون وبني اسرائيل والاسرائيليون الذين بادوا في البرية لأجل عصيانهم، وكذلك السبعين ألف من الشعب الذين أهلكهم ملاك الله في أيام داود بيوم واحد، ولماذا نبعد كثيراً، الربوات التي فنيت بيوم واحد بحد السيف داخل الحمام، والشعوب التي قتلت معاً، والذين هلكوا ويهلكون في أثور وسائر الأماكن في يوم واحد وساعة واحدة في إبان طفولتهم، ومن هنا نعلم حقيقة بطلان الرأي الفلكي.

Scroll to Top