Table of Contents
الركن الرابع
في تجسد الله الكلمة
وفيه ستة ايواب
الباب الأول
في امكانية التجسد
فيه فصلان
الفصل الأول
في تأييد هذا الرأي
فيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- نقول ان النفس البشرية قائمة بذاتها ومجردة، وتعرف ذاتها وذاتها تعرفها كما سنظهر ذلك جليا. ولذا فهي تنتسب الى الله بعض الانتساب. وليس من المستحيل ان ينتسب انتسابا كليا الشيء الذي ينتسب الى شيء آخر بعض الانتساب. وبما ان الطبائع العامة لا تخرج الى حيز الفعل دون ان تتصور، فللاقنوم اذن ان ينتسب كل الانتساب الى الشيء الذي ينتسب اليه بعض الانتساب، وليس من المستحيل ان يشترك احد اقانيم الثالوث الاقدس مع النفس الناطقة باتصال طبيعي ذاتي المعبر عنه بالاتحاد. ويشترك الجسد ايضا بتوسط النفس الناطقة. فالمسيح يشرك الجسد ينعمته، ليتم الاتحاد بالانسان الكامل، كما قال احد حكمائنا: ان الله اتحد بالجسد بواسطة النفس الوسيطة.
البرهان الثاني:- نقول ان كل واحد من اقانيم الثالوث المقدس يستطيع عمل كل ممكن، والاتحاد ممكن كما ظهر لنا، فينتج اذن ان احد الاقانيم يتمكن من الاتحاد مع احد الاقانيم البشرية (الانسانية).
البرهان الثالث:- نقول ان اتحاد احد اقانيم اللاهوت باحد الاقانيم البشرية نعمة عظيمة من الله للطبع الإنساني، فلو لم يكن الاتحاد ممكنا، لكانت نعمة الله كذلك غير ممكنة الفعل. وذلك محال.
البرهان الرابع:- نقول بما ان الاتحاد نعمة عظيمة وممكنة كما علمنا. فلى منعت، لم يكن ذلك من باب السخاء، بل باب البخل والتقتير، والله جل شانه اسمى من ان يكون بخيلا، فينتج اذن ان الاتحاد من الاعمال اللائقة بالله.
البرهان الخامس:- نقول هناك نوعان للاعمال يعسر على الله عملهما: احدهما ان يخلق من مادة غير ممكنة (او ممكنة) آخر يماثله في كل شيء. او يوجد من اثنين واثنين خمسة بدون اضافة عدد آخر. والثاني ان يعمل ما هو شر في ذاته، او يخلق شيئا خاليا من الصلاح كليا. او يقلب شره على خيره (صلاحه). ولما كان الاتحاد لا يشبه احد هذين النوعين، فليس من المحال وعدم اللياقة نسبته الى الله السامي المجد.
المقصد الثاني
البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- أيوب – انا اعلم ان مخلصي حي والآخر سيظهر على اللارض.
البرهان الثاني:- داود – كرنسيك يا الله الى دهر الدهور، وقضيب ممدود قضيب ملكك. لذلك مسحك الله الهك مسحة الفرح اكثر من رفاقك.
البرهان الثالث:- اشعياء – ها العذرآء تحبل وتلد ابتا ويدعون أسمه عمانوئيل الذي تفسيره الهنا معنا.
البرهان الرابع:- فيه أيضا لانه ولد النا ولد واعطينا ابنا، وسلطانه على كتفه، ويدعى اسمة عجيبا مشيرا الها جبار العوالم، واب العالم العتيد وسلطان السلام الذي لا نهاية لملكه.
البرهان الخامس:- باروخ – هذا هو الهنا لا يحسب اخر لديه. وجد كل طريق المعرفة واعطاها ليعقوب عبده وإسرائيل محبه، وظهر بعد ذلك على الأرض وتصرف مع الناس.
المقصد الثالث
البراهين الخارجية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- فُتِح لاغسطوس من آل قطابينوس مكاشفة. عندما اراد ان يعلم من يملك بعده، فقيل له انه ولد عبراني يدعى المسيح الذي يملك على الطوباويين، وبما انه ازلي يترك محله وياتي ثم يرجع مغادرا محلنا.
البرهان الثاني:- صولون الفيلسوف – متى يظهر ببساطة على الارض ويلبس جسدا لاجل الزلات والاثام، ويبطل بحدود اللاهوت غير الملامة فساد الاهواء والالام، ولذا يضطرم الحسد في قلب الشعب غير المؤمن، وعندما يعلقونه عاليا كمذنب يجذب اليه الجميع بكل لطف وتواضع.
البرهان الثالث:- مُنِحت مكاشفة من افولون في هيكل قوزيقوس عندما تداعت اركانه للسقوط، فسألوه: قل لنا ايها النبي الطاهر ومانح معرفة الغيب (التفاؤلات) ايها الجبار وضابط الكل، ايها الملك افولون، ماذا ولمن يكون هذا الهيكل. فاجابهم، ان كل ما تعلمونه انتم يتجه نحو الفضيلة والزينة، اما انا فاقول بثالوث اله واحد سام وحده، الذي لا يلحق انحلال (اضمحلال) ويُحبل به في احشاء فتاة صغيرة غير مجربة بالزواج، ويسري كالنار في العالم. ويصيد الجميع ويقدم ذبيحة لابيه، له يكون هذا البيت. واسمه الرب. فقالوا له اذن باطلا نعبدك ايها الطاهر ومانح التفاؤلات والجبار وملك الجميع. اجاب افولون. ليس الذي ارسلني لاوضح الحق، فاني لا اعلم ما قلت، ولكن السحابة المنبسطة في السماء هي له.
الفصل الثاني
في رأي منكري إمكانية تجسد الله الكلمة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول:- يقولون ان الاتحاد غير ممكن كما علمنا، لان اتحادهما كليهما معا يفترض اما بقاؤهما بعد اتحادهما كما كانا قبل الاتحاد. او ينحلان وينشأ من انحلالهما واختلاطهما ثالث، او ان يبقى احدهما كما هو ولينحل الثاني. ولا يوجد اتحاد حسب الراي الاول. لانه اذا بقي كلاهما كما كانا فاين الاتحاد، واين تعريفه. فيشبه بذلك اتحاد الحديد والخشب اللذين يركب منهما الكرسي، ويظهر عندئذ ان اشتراكهما هو اشتراك اتباعية خارجية وليس اتحادا. ولا يوجد اتحاد ايضا حسب الراي الثاني. لان انحلال كليهما يصبح علة لوجود ثالث ويشبه هذا الاتحاد اتحاد العسل والخل اللذين يمزجان ومن مزجهما يحدث عصير جديد حلو ومر، واختلاطهم ليس اتحادا بل امتزاجا واختلاطا. ولا يوجد اتحاد حسب الرأي الثالث أيضا، لان احدهما يصل الى حد الانعدام، والمعدوم كيف يتحد مع الموجود، وهذا يشبه اتحاد الهواء بالنار المتغيرة، ومن المعلوم ان الهواء لا يتحد بالنار. لانه ينحل عندئذ بواسطة النار ويرجع الى طبيعته. فيقال ان الاتحاد كلمة بطالة وغير ممكنة.
الاعتراض الثاني:- يقولون لو كان الاتحاد ممكنا، فيكون إما ضروريا او غير ضروري، والافتراض الاول غير صحيح لسببين: الاول لو كان الاتحاد ضروريا للطبيعة او للاقنوم الإلهي، لوجدت هذه الطبيعة او هذا الاقنوم محتاجين طبيعيا الى الذي يتحدان معه. ومن احتاج الى غيره هو ناقص، ومن كان ناقصا لا يسمى الها. والثاني لو كان غير ضروري، فلا يجب ان يتجرد منه الطبع او الاقنوم الالهي. فإما ان تكون الطبيعة الالهية او الاقنوم ذا بداية كالذي اتحد معه. او يكون الذي اتحدا به ازليا، كالطبيعة او الاقنوم الإلهي، وكلاهما باطلان. والافتراض الثاني غير صحيح، لانه لو كان الاتحاد غير صحيح، فليس اذن حاجة لاقنومه او طبيعته الى طبيعة او اقنوم لاجل الاتحاد. وغير المحتاج على شيء من المستحيل ان يحصل عليه، ولما كان كلا من الافتراضين عن الاتحاد باطلين ومحالين، فالاتحاد من غير هذه الامور.
الاعتراض الثالث:- يقولون اذا كان الاتحاد ممكناء لكان للاقانيم الثلاثة الذين لهم اقنوم الهي كما تزعمون قدرة على التحسد. اذ اما ان يتحد ثلاثتهم معا ويتجسدون او ولا واحد منهم، وكلا الافتراضين باطلان كما قررتم. فالاتحاد الممكن حكمتم عليه بحسب رأيكم عدم امكانيته في فكركم.
الاعتراض الرابع:- يقولون لو اتحد الله بالانسان، فيوجد محدودا به، ولما كان الله غير محدود بطبيعته، اذن يستحيل ان يتحد بالمحدود.
المقصد الثاني
الجواب على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول انكم بتقسيمكم الثلاثي السابق، لم تستعملوا الحدود منطقيا، بل اتخذتم التمييز غير الحقيقي كالحقيقي. اي لم تستطيعوا ان تعدوا حدا رابعا غير الممكن عده كما قلنا، والاقنومان المتحدان الالهي والانساني هما باقيان كما كانا بطبيعتهما الخاصتين بدون اختلاط وامتزاج وتبلبل وتغيير، ولكن بمشابهاتهما المتصلة. وبتأثير الاقنوم الالهي بالانساني وبالعكس تأثر الانساني بالالهي: لم يبقيا كما كانا قبل الاتحاد. فينتج من هنا ان التجدد نعد الاتحاد ليس انحلالا او تبلبلا، بل تغييرا، لا للطبيعة او بالطبيعة، بل في المشابهة والصلة بالنسية الى التشبيهات الخارجة عن الطبيعة. وهكذا المعقول. فان الاتحاد قد حفظ جوهره وان كان اسمى من العقول، والبرهان على ذلك إتحاد النفس الناطقة بالجسد الانساني.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول ان الاتحاد ضروريا للاقنوم الالهي بدون الحاجة اليه، لان الله جل شأنه قادر وعارف ضرورة بدون ان يقول انه محتاج اليهما. والا ينتج نفس المحال ههنا الذي نتج هناك حسب رايكم. فنقول اذن: ان الاتحاد ضروري مع الاقنوم الذي اتحد معه حالا (بغتة) ولا يجب ان ندعي لا ببداءة ذلك الاقنوم ولا بازليته. لان الله يعرفه ضرورة وهو موجود، وكان يعرفه قبل ان يوجد. بما انه عتيد ان يوجد. واذا امكن التسليم بعدم ضرورة الاتحاد وعدم احتياجه اليه، فلماذا قلتم: كل من لا يحتاج الى شيء لا يمكن ان يحصل عليه. وهذه هي القضية، فأين برهانكم عليها. فالله له المجد الذي لم يكن مضطرا بخلقة العالم، ولم يكن محتاجا اليها. خلقه بارادته، فهكذا عندما شاء ان يتحد اتحد بارادته.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول: ان الاتحاد وان كان امرا مستطاعا للاقانيم الثلاثة معا. ولكنه يناسب اقنوم الكلمة اكثر لسببين:
الأول – كما قلنا بكلمة راسخة او بالاحرى عقلية طبيعية وهي ان الانسان مشترك مع الله. فمن الضرورة ان اقنوم الكلمة الذي هو الابن المسجود له يجب ان يتحد خاصة. ولما تم هذا القصد السامي بهذا الاقنوم ذاته. مُنِع من الاقنومين الاخرين.
الثاني – لما كان الاتحاد مزمعا ان يظهر بعدل بواسطة الولادة الزمنية. فجُعِل للاقنوم الذي كانت ولادته ازلية، وهكذا احتفظت هذه الخاصة بواجبها ثابتا دون ان تحيد عن ماهيتها.
الجواب على الاعتراض الرابع:- نقول لو كان الله جسما، لوجب اما ان يكون عرضا ومحدودا باتحاده مع المحدود، كصلة الاعضاء الجسمية ببعضها، التي يتركب منها الجسد الحيواني. واما ان تكون له صلة كصلة الجوهر مع المادة التي يتركب منها الجسم. ولما كان الله ليس عرضا، فلا يجب ان يحدُّ باتحاده مع المحدود. فالنفس الناطقة باتحادها مع الجسد المحدود في محل، لا تعد محدودة ولا مشغلة حيزا بسبب اتحادها به، لانها لو حَدَّت لانقسمت، ولو أنقسمت تجسمت، ولو تجسمت انحلت وخرجت عن طبيعتها وهذا محال.
الباب الثاني
في قدمية اتحاد السيد المسيح
وفيه فصلان
الفصل الاول
في تأييد الاساس الذي تبنى عليه البراهين المؤيدة
هذه القضية التي هي تواتر الشهادات
نقول هناك نوعان من الشهادات المتواترة:
الأول – اما ان يكون الشهود الذين يشهدون بالتواتر قد عاينوا ذلك الشيء الذي يشهدون عليه.
الثاني – واما لا يكونون قد عاينوه، بل سمعوا عنه سمعا من غيرهم، وهولاء من غيرهم، حتى تصل الى اللذين رأوا ذلك الشيء عيانا. ويتم تأييد كل نوع من هذين النوعين بقانونين:
الاول - ان يكون الشهود كثيرين عددا، لكي لا يَشك فيهم انهم تواطئوا على الشهادة، او لا يظن في كذبهم ومشاورتهم معا، ولا يعطون مجالا لتكذيبهم والقول عنهم بانهم لو يروا ولم يسمعوا. كما اننا عندما نرى شعوبا مختلفين كثيرين يشهدون معا بسماعهم او معاينتهم ان في العالم جزيرة كبيرة تدعى قبرص، ونجد الجميع يقبلون شهادتهم بلا شك، ويذعنون بتصديقهم دون أي ارتياب.
الثاني – ان يكون الشيء المشهود حسيا لا عقليا، وإلاَّ لا تقبل الشهادة عنه. فلو التئم مثلا جميع الناس الذين على سطح الارض ليشهدوا على ان العالم ذى بداية. وان النفس البشرية خالدة وغير مائتة، وان الله واحد، فالنفس لا تنصاع لكلامهم هذا ما لم تتثبت لديها هذه الحقائق بالبرهان، ولكننا علمنا وتحققنا بتواتر الشهادات حسب التنوع الثاني، أن اتحاد الله الكلمة مع الاقنوم الانسائي قد تم من مدة بعيدة، اي اننا سمعنا من اقوام مختلفة في بلدان مختلفة يتكلمون بالسنة مختلفة، وهو شهدوا بانهم سمعوا من آخرين، وهولاء من آخرين غيرهم، وهكذا حتى وصلت الشهادة الى بعض الشعوب العبرانية واليونانية والرومانية والسريانية والارمنية الذين رأوا الرب في العالم، وسمعوه يقول عن نفسة أنه ابن الله وابن الانسان كما هو مكتوب في انجيله المقدس، واجترح العجائب الباهرة لتأييد كلامه، وخرجت جميع النبوات القديمة التي تنبأت عنه من القوة الى الفعل، وظهر بحالات كثيرة في العالم، وقد انتقل من العالم ايضا اولئك الذين لم ير فيهم انسان. وهكذا صارت فينا معرفة بديهية مجردة من كل شك وارتياب، والذي هذا شأن الكلام عنه هو المنتظر وهو الاله المتجسد.
الفصل الثاني
في رأي الذين يكذبون تواتر الشهادات
وفيه مقصدان
المقصد الاول
اعتراضاتهم التي تظهر لهم
الاعتراض الاول:- يقولون، ان كل واحد من هولاء الشهود خاصة، ليس من المستحيل ان يكذب، وإلا لما احتاجوا على شهادة آخرين معه، ولما كان كل منهم يستطيع ان يكذب، فكيف لا يصحُّ ذلك على جميعهم، فعندما نقول منطقيا ان كل حبشي اسود، يتحتم اطلاق القول على جميعهم انهم سود. ومن هنا تبطل الشهادة المتواترة، ولا تستحق التصديق.
الاعتراض الثاني:- يقولون، ان الانسان يُرمى بخلة الكذب والمبالغة. عندما توجد فيه ارادة تميل اليه، وليس من المستحيل وجود هذه الارادة في جميع الناس، وهذه الامكانية ترذل الشهادة المتواترة وتجعلها غير مقبولة، ولا يمكن للانسان ان يكفر.
الاعتراض الثالث:- يقولون، لما كان من الممكن حمل الكذب على كل فرد من الناس، فيجب ان يحمل على جميعهم، واذا تقولون، ربما يستطيع اثنان أو ثلاثة او عشرة ان يكذبوا، ولكن لا يستطيع مئة او الف او ربوات ذلك، عليكم ان تقيموا الحجة على قولكم، وواضح ان ذلك لا يتأتى لكم. لان الكذب ممكن اطلاقه على كل فرد خاصة من أكبر عدد من الناس الذين تستشهدون بهم، فيمكن اطلاقه كذلك على جميعهم معا.
الاعتراض الرابع:- يقولون، ان الغير معروف، ليس من العدل ان نجزم بحقيقته، ومن البين أن معظم الذين كانوا من زمان المسيح والى الآن، هم غير معروفين حقيقة، فكيف نصدق بما شهدوا به؟.
الاعتراض الخامس:- يقولون ان المجوس على كثرتهم وجميع البلدان الشمالية الشرقية يشهدون على زردشت نبيهم انه كان يعمل العجائب العظيمة. واسهل هذه العجائب. هي دخوله في سهلبة النار المضطرمة وتعليمه السامعين. فلو كانت الشهادة المتواترة صادقة. فيجب عليكم ان تقبلوا زرداشت المجوسي نبيا، ولكنكم بالعكس لم تعتبروه، اذن.
الاعتراض السادس:- يقولون، لا يجب ان نبشر بكل حديث عن امر مضى من زمان طويل، قد زرعه انسان بسبب هوى في ذاته او لقصد شخصي، ثم اشتهر عند الكثيرين، وهكذا نقله هولاء الى غيرهم حتى وصل الينا، ولما. كان هذا المحال يتبع كل امر مضى في وقته، فمن الضرورة ان يكون هذا الحديث ايضا من جملة ذلك، ومن هنا لا يجب قبوله.
الاعتراض السابع:- يقولون، انكم لا تستطيعون بتواتر الشهادات ان تؤيدوا حتى وجود المسيح في العالم، فكيف تقدرون ان تؤيدوا قوله عن نفسه كذا وكذا وعمله كذا وكذا، وهل لكم طريق آخر ان تبرهنوا على حدوث جميع الامور المكتوبة في الانجيل بالفعل. لان قضيتكم هذه سماعية وليست عقلية، وكل قضية ليست عقلية. لا يمكن ان تؤيد ببرهان عقلي.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات عامة
نقول ان المعرفة المكتسبة من تواتر هذه الشهادات قد اوجدت فينا معرفة بديهية وضرورية، ولا تستطيع البراهين المضادة والحجج المتعاكسة ان تبطلها، ولا يقدر مدركها على التشكك فيها. فبحسب معرفتنا مثلا ان في العالم حكيما اسمه ارسطوطاليس، فمهما ظهرت براهين وحجج لتنفي وجوده، لا تستطيع ان تلقينا في الشك بمعرفتنا بوجوده. وبهذا الشبه عينه اخذنا اعتراضاتكم بعقلنا، اذ لا تستطيع حملنا على الارتياب بعدم وجود المسيح في العالم وقوله عن نفسه كذا وكذا. ولما كنا قد قبلنا تواتر الشهادات، واهتدينا بالعقل بصحة هذه العجائب التي اجترحها له المجد، فلذا تحققنا ان معرفتنا من تواتر الشهادات اوصلتنا الى المعرفة البديهية (الضرورية) ولذلك لا تستحق اعتراضاتكم الجواب منا، ولان معرفة اجوبتها مكتسبة، وليس بهذه المعرفة المكتسبة نؤيد معرفتنا البديهية، لان ذلك محال، بل الحقيقة بالعكس، اي اننا بواسطة معرفتنا البديهية (الضرورية) نتحقق المعرفة المكتسبة.
الباب الثالث
في العلامات الخاصة عن تواتر الشهادات التي
توّيد تجسد الله الكلمة وحل الكلمات المضادة لها
وفيه فصلان
الفصل الأول
في هذه العلامات التي هي نوعان:
النبوات السابقة والعجائب
وفيه مقصدان
المقصد الاول
البراهين النبوية
البرهان الاول:- الشهادة الواردة في التكوين لرئيس الآباء يعقوب اذ يقول “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه، حتى يأتي الذي يكون له الملك وله تنتظر الشعوب” فلو لم يكن ربنا هو المنتظر، لما بطل الملك من اسرائيل الذي يشير اليه القضيب، ولما حرم منهم النبي المعبر عنه بالمشترع. ولما لم يكن لهم لا ملك ولا نبي من مدة طويلة، لذا جاء ذلك المنتظر، ولما كان هو ذاته حقيقة، وجب ان تكون الشهادة عنه حقيقة ايضا بانه ابن الله والانسان، ولو كذب في قوله، لما كان هو المنتظر.
البرهان الثاني:- قول داود في المزامير “قسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرعة”. ولا تحتاج هذه النبوة الى تفسير قط، لانها تمت بحذافيرها في صلب ربنا كما يؤيد تواتر الشهادات.
البرهان الثالث:- اشعياء اذ يقول “ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل” وهذه ايضا نبوة صريحة وجلية.
البرهان الرابع:- لارميا القائل “هوذا ايام تاتي يقول الرب، واقطع عهدا جديدا لبيت اسرائيل وبيت يهوذا، ليس كالعهد الذي قطعته مع ابائهم يوم مسكت بايديهم واخرجتهم من ارض مصر”. وذلك العهد الجديد قطع بواسطة المسيح لجميع الذين امنوا به من نبي اسرائيل ومن كل الشعوب.
البرهان الخامس:- لدانيال الذي قال له ملاك الرب “سبعين اسبوعا قضيت على شعبك……. وبعد قليل يقول” والى المسيح الرئيس سبعة اسابيع واثنان وستون اسبوعا….. ثم يقول وبعد الاسابيع الاثنين والستين يقتل المسيح”……..” لا يكون له شعب رئيس أت يدمر المدينة والقدس”. ومن الواضح ان السنسن الناتجة من جمع هذه الأسابيع هي اقل من الف سنة، ونحن نعلم ان من المسيح والى اليوم ما يقارب الف ومائتين واربعا وسبعين سنة، ما عدى السنين التي من دانيال حتى المسيح، اذ لا ياتي مسيح اخر، ومن هنا نعلم ضرورة انه هو المسيح الحقيقي الذي بشر الأنبياء بمجيئه، وهو المسيح ذاته. اذ ليس المسيح انسانا، ولا احد الأنبياء، فان كلماته تشهد له، وهي حقيقية. فهو الذي بُشِّر بمجيئه وهو حقيقي وكلماته صادقة ضرورة.
المقصد الثاني
في العجائب الباهرة التي تيين تجسد الله الكلمة
تمهيد:- نقول ان الاعجوبة هي عمل شيء خلاف نظام الطبيعة، وامكانيتها تخص الله فقط، لانه خالق الطبيعة. وهو جل شانه تارة يحدثها بواسطة غيره، كالعجائب التي اجترحها على ايدي القديسين. او يفعلها بذاته كخلقة هذا العالم من العدم. فاذا قال احد كلمة او طلب شيئا من الله وكان صادقا بطلبه، فاجترح على يده اعجوية، فبحكم الضرورة سيعرف كل انسان ان المذكور بقوة الله يتكلم ويعمل، وحاشا لله ان يؤيد الكذب، ومثال ذلك، اذا كان ملك جالسا على كرسي عظمته، وخرج ولد يقول للحاضرين اني ابن الملك، فاذا رأى الجميع يتشككون بكلامه، يقول للملك اذا كنت صادقا بكلامي فاجلسني على منيرك، فيجلسه الملك معه حالا، فمن الضرورة سيصدق آنئذ الحاضرون بانه ابن الملك. وهكذا ربنا يسوع المسيح، لما ظهر انسانا في العالم واخذ صورة عبد وقال انه من السماء. وقد خرج من حضن الاب وجاء الى العالم، واجترح العجائب المؤيدة للاقوال، علمنا انه هو ابن الله الذي صار انسانا، ولما كان ذلك كذلك، يجب علينا ان نعد الانواع الجنسية للعجائب التي عملها بيديه وهي ثلاثة اجناس:
الجنس الأول:- نوع العجائب التي ظهرت في ذاته وهي سبع:
الاعجوبة الأولى:- ولادته من عذراء بتول أي من فتاة غير مجربة بالزواج.
الاعجوبة الثانية:- هي كونه انسانا كاملا لم تدن منه خطيئة لا بالفكر ولا بالقول ولا بالفعل.
الاعجوبة الثالثة:- تغيير هيئته في جبل تابور وكلامه مع موسى وايليا.
الاعجوبة الرابعة:- معرفته المستقبلات كقوله: “انقضوا هذا الهيكل وانا اقيمه في ثلاثة ايام”. وقوله لسمعان “قبل ان يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات” وهكذا كان. وغير ذلك من الامور.
الاعحجوبة الخامسة:- قيامته من بين الاموات بعد ثلاثة ايام من موته.
الاعجوية السادسة:- صعوده الى السماء امام تلاميذه.
الاعجوبة السابعة:- دخوله الى تلاميذه في العلية والابواب مغلقة.
الجنس الثاني:- نوع العجائب التي ظهرت خارجة عن ذاته، ويقسم هذا الجنس الى نوعين:
النوع الاول:- العجائب التي خصته وهي خمس:
الاعجوية الاولى:- ملاك الرب الذي اتى الى الرعاة ليلا، ومجد الرب الذي اضاء فوقهم، فخافوا خوفا عظيماء فقال لهم الملاك لا تخافوا ها انذا ابشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، لقد ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو مسيح الرب، وها لكم العلامة، تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي وهم يسبيحون الله ويقولون: المجد لله في العلى الخ……..
الاعجوبة الثانية:- مجيء المجوس من المشرق للسجود له، وتقديمهم القرابين كانهم لرب او لملك، والنجم الذي كان يهديهم، والحلم الذي رأوه بان لا يرجعوا الى هيرودس.
الاعجوبة الثالثة:- حلول الروح القدس عليه مجسما بشكل حمامة والصوت الذي صار من السماء يقول: “انت هو ابني الحبيب الذي بك سررت”.
الاعجوبة الرابعة:- الظلمة القاتمة التي انسدلت على وجه الارض في يوم صلبه من الساعة السادسة الى الساعة التاسعة، وتمزيق حجاب الهيكل الى اثنين من اعلى الى اسفل، وزلزلة الارض وتشقق الصخور.
الاعجوية الخامسة:- فتح القبور وقيامة اجساد قديسين كثيرين كانوا مضطجعين، ودخولهم اورشليم وظهورهم لكثيرين بعد قيامته.
النوع الثاني للجنس الثاني:- العجائب التي اجترحها بذاته وهي كثيرة جدا، نخص بالذكر منها عشرين فقط:
الاعجوبة الاولى:- تحويله الماء خمرا في عرس قانا الجليل.
الاعجوبة الثانية:- تطهيره الابرص.
الاعجوبة الثالثة:- شفاؤه حماة بطرس.
الاعجوبة الرابعة:- شفاؤه ابن قائد المئة في كفرناحوم.
الاعجوبة الخامسة:- اخراجه اللجنون في ارض الجدريين.
الاعجوبة السادسة:- شفاؤه المخلع الذي ادلوه من السطح في الناصرة.
الاعجوبة السابعة:- اقامته ابنة يوراش (يانيروس).
الاعجوبة الثامنة:- شفاؤه نازفة الدم.
الاعجوية التاسعة:- شفاؤه الاخرس واللاعور الذي فيه شيطان.
الاعجوية العاشرة:- شفاؤه صاحب اليد اليايسة.
الاعجوبة الحادية عشرة:- اقامته ابن الارملة.
الاعجوبة الثانية عشرة:- شفاؤه مخلعا آخر.
الاعجوبة الثالثة عشرة:- اشباعه الخمسة ألاف من خمسة ارغفة، وفضلت اثنتا عشرة قفة.
الاعجوبة الرابعة عشرة:- اكثاره السبع خبزات.
الاعجوبة الخامسة عشرة:- فتحه عيني الاعمى طيما بن طيما.
الاعجوبة السادسة عشرة:- فتحه عيني اعمى آخر من بطن أمه.
الاعجوبة الثامنة عشرة:- شفاؤه ذلك المقعد.
الاعجوبة التاسعة عشرة:- اقامته لعازر.
الاعجوبة العشرون:- تيبيسه التينة في شهر آذار، عدا تسكينه امواج البحر، وامور اخرى كثيرة مكتوبة وغير مكتوبة.
الجنس الثالث:- العجائب التي عملت وتعمل بعد صعوده الى السماء، ويقسم هذا الجنس ايضا الى نوعين:
النوع الأول:- العجائب المحسوسة وهي ثمانية عشر:
الاعجوبة الاولى:- الملاكان المتمنطقان بالثياب البيض اللذان ظهرا للرسل وقت صعود ربنا وقالا لهم: ايها الرجال الجليليون لماذا قائمون وتنظرون الى السمآء، فان يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء، سيأتي هكذا كما رأيتموه في صعوده.
الاعجوبة الثانية:- الصوت الذي حدث في السماء كهبوب ريح شديدة، وامتلأ منه كل البيت الذي كان الرسل جالسين فيه، وظهرت لهم ألسنة نارية وحلت على كل منهم، فامتلأوا جميعهم من الروح القدس، وصاروا يتكلمون بألسنة مختلفة، حتى تعجب السامعون، وقال بعضهم لبعض، ان هولاء المتكلمين أليسوا جليليين، فكيف نسمع كل منا لغته التي ولد فيها، فرثيون وماديون وعيلاميون والساكنون ما بين النهرين واليهودية وكبدوكية وبنتس واسيا وفريجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبية التي نحو القيروان، والرومانيون المستوطنون يهود ودخلاء وكريتيون وعرب، فتعجبوا بهم وقالوا لبعضهم لقد شربوا سلافة فسكروا.
الاعجوبة الثالثة:- الثلاثة آلاف نفس الذين آمنوا واعتمدوا في يوم واحد بخطبة بطرس، وكانوا مواظبين على تعليم الرسل. ومشتركين بالصلاة وكسر الافخارستيا.
الاعجوبة الرابعة:- الاعرج الذي من بطن امه الذي كان يحمل ويوضع على باب الهيكل المدعو الحسن، ليسأل الصدقة. فقال له بطرس: ليس لي ذهب ولا فضة. ولكن ما عندي اعطيك إياه، وهو باسم يسوع الناصري قم وامش، ومسكه بيده اليمنى واقامه، فانحلت رجلاه حالا وانتفض وصار يمشي ودخل معهم الى الهيكل وهو يقفز فرحا مسبحا الله، فعلم الشعب انه السائل عينه الذي كان يجلس كل يوم ويستعطي. فتعجبوا كثيرا مما حدث، وآمن خمسة آلاف رجل بخطبة بطرس في هيكل سليمان اذ قال لهم، ليس بقوتنا وسلطاتنا جعلنا هذا الاعرج ان يمشي. بل باسم يسوع الذي قتلتموه.
الاعجوبة الخامسة:- قضية حنانيا الذي اخفى من ثمن القرية، فأشهره بطرس، ولخوفه سقط للحال مائتا، وعندما جاءت امرأته، سألها بطرس، قولي لي ابهذا الثمن بعتم القرية. ولما كذبت قال لها بطرس هوذا ارجل الذين دفنوا زوجك واقفة في الباب، فهم يخرجونك، والحال سقطت امام ارجلهم وماتت ايضا.
الاعجوبة السادسة:- المرضى الذين كانوا يخرجون في الاسواق ويلقون على الاسرة، لكي يأتي بطرس فيبسط عليهم حتى ظله فيشفون، وهكذا شفي كثيرون.
الاعجوبة السابعة:- العجائب والآيات التي كانت تعمل بواسطة اسطيفانس، حيث لم يستطع أولئك الذين كانوا يتساجلون معه من الليبرتيين والقيروانيين والاسكندريين ومن الذين من كيليكيا واسيا ان يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به، وعندما كانوا يصرون عليه اسنانهم نظر الى السماء فرأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الاب وعنما صرح بهذه الشهادة. أمسكوه واخرجوه خارج المدينة ورجموه، فصرخ بصوت عال وقال: لا تقم لهم هذه الخطية ورقد بسلام.
الاعجوبة الثامنة:- الايات التي كان يفعلها فيلبس عندما نزل الى مدينة السامرة وصار يبشرهم بالمسيح ويخرج الارواح الشريرة ويشفي المخلعين والعرج.
الاعجوبة التاسعة: ملاك الرب الذي تكلم مع فيلبس وارسله الى التيمن في طريق البرية التي تنزل من اورشليم الى غزة، ومصادفته بذلك المؤمن وزير قنداقة ملكة الحبشة، وتلمذته وعماده.
الاعجوبة العاشرة:- الرؤية التي رآها بولس عندما كان مسافرا الى دمشق ليضطهد المؤمنين، وانبهار عينيه من النور الذي اشرق عليه. والصوت الذي سمعه يقول له: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ الخ….. وعندما سأله من انت يا رب. اجابه ربنا: انا هو يسوع الناصري الذي انت تضطهده، وارساله الى التلميذ حاننيا ثم الرؤية التي رآها حاننيا عندما وضع يده على بولس فانفتحت عيناه. وسقط منها شيء يشيه القشور. وكذلك تتلمذه وعماده وتبشيره الشعوب والملوك وبني اسرائيل بالمسيح انه ابن الله، وبعد ان كان مضطهدا قاسيا، اصبح مبشرا حقيقيا يغار على المسيحيين ويحرص على سلامتهم.
الاعجوبة الحادية عشرة:- انبعاث التلميذه التي تدعى طابيثا في مدينة يافا على يد بطرس الرسول، عندما جثا على ركبتيه وصلى، والتفت الى الجثة وقال. طابيثا قومي، ففتحت عينيها وعندما رأت بطرس جلست، فمد اليها يده واقامها، ودعا القديسين والارامل وسلمهم اياها حية، وذاع خبر هذه الاعجوية في كل المدينة، وآمن كثيرون بالرب.
الاعجوبة الثانية عشرة:- الرؤية التي رآها قرنيليوس قائد مئة من الكتيبة التي تدعى الايطالية في قيسرية. رأى ملاك الرب واقفا امامه جهارا في الساعة التاسعة من النهار قائلا له: ابعث الى يافا وأت بسمعان بطرس النازل في بيت سمعان الدباغ على ساحل البحر، والرؤية التي رآها بطرس ايضا عندما صعد الى السطح ليصلي ف الساعة التاسعة، اذا ابصر السماء مفتوحة. وتدلى منها اناء مربوط من زواياه الاربع، وفيه من جميع الحيوانات ذات الاربع الارجل والطيور، وجاءه صوت يقول له قم يا بطرس اذبح وكل، وهذا السر يشير الى غير الانقياء الذين يطهرون بالايمان.
الاعجوبة الثالثة عشرة:- السلسلتان اللتان سقطتا من يدي بطرس عندما كان في السجن، والملاك الذى تراءى له وراءه واتى المحرس الاول والثاني الى باب الحديد فانفتح لهما من ذاته.
الاعجوية الرابعة عشرة:- اللعنة التي لعن بها بولس الرسول عليم الساحر الذي يعرف ببر يشوع، وقال له: من الأن يد الرب عليك فتكون اعمى، ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة، فجعل يدور ملتمسا من يقوده بيده.
الاعجوبة الخامسة عشرة:- المقعد من بطن امه الذي لم يستطع قط المشي، هذا قال له بولس في لسترة بصوت عظيم: قم باسم يسوع الناصري على رجليك، فوثب وصار يمشي. والجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا صوتهم بلغة ليكاونية قائلين: ان الالهة تشبهوا بالناس ونزلوا الينا واتوا بثيران ليذبحوها.
الاعجوبة السادسة عشرة:- الجارية التي بها روح عرافة في مدينة فيلبي، هذه كانت تتبع بولس والذين معه وتصرخ قائلة: هولاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص. فضجر بولس والتفت الى الروح وقال: انا أمرك باسم يسوع المسيح ان تخرج منها. فخرج في تلك الساعة.
الاعجوبة السابعة عشرة:- الزلزال الهائل الذي حدث في السجن عندما كان بولس وسيلا سجينين فيه، وتزعزع الاسس وانفتاح الأبواب، وخوف السجان الذي وثب حالا ودخل اليهما وهو مرتجف، وسقط على ارجل الرسل قائلا: يا سيدي ماذا يجب ان اعمل لأحيا، فاجابه بولس، آمن بالرب يسوع فتحيا انت واهل بيتك، فآمن حالا واعتمد هو واهل بيته.
الاعجوبة الثامنة عشرة:- القوات العظيمة التي كان يفعلها الله على يد بولس، حتى ان المؤمنين كانوا يأتون من عن جسمه بمناديل او أرز وتوضع على المرضى فيشفون، وكانت الشياطين تخرج منهم. وكان البسطاء يقسمون على الشياطين بقولهم: نقسم عليكم باسم يسوع الذي يبشر به بولس، فكان يجيبهم الشيطان اني اعلم يسوع واعرف بولس. اما انتم فمن تكونون؟.
النوع الثاني للجنس الثالث:- العجائب العقلية وهي سبع:
الاعجوبة الاولى:- ان حقيقة هذه البشارة العجيبة لا يستطيع فهمها الا الكاملون فقط. وهي الايمان بالاب والابن والروح القدس. وتجسد احد الاقانيم الثلاثة الالهية، الذي هو اقنوم الابن على يد اناس ودعاء ذوي حرف بسيط، ومعظمهم لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة، لانهم كانوا صيادي سمك ونساجي خيم.
الاعجوبة الثانية:- كان ازدهارها بدون ان يعد المبشرون بها مواعيد عالمية للذين كانوا يؤمنون كما هو مذكور في التوراة اذا حفظت الوصايا يتبارك نسلك وزرعك ومواشيك وبقرك وثيرانك واغنامك الخ وتُرَض ولا تقرِض، وتكون رأسا لا عقبا. بل كانوا يقولون لهم بضيقات كثيرة ينبغي ان ندخل ملكوت الله، لانهم تعلموا من سيدهم ان دخول الغني الى الملكوت كدخول الجمل في ثقب الابرة، وقولهم من لم يبغض اباه وامه واخاه وابنه، او يضع موته امام عينيه الذي هو صليبه ويأتي ورائي لا يستحقني، واشياء كثيرة غيرها.
الاعجوبة الثالثة:- ان نجاح وتقدم هذه البشارة كان بدون السيف والحرب مع الكفرة، ولا تقبل المتمردين، ليتم ما قيل “عندما خافوا من الموت والسبي قبلتها الشعوب” وكيف يستعملون السيف، وقد قال له المجد “لان جميع الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يهلكون” وقوله “من لطمك على خدك الأيمن حول له الآخر واذا اخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا، واذا سخرك ميلا واحدا، فامش معه اثنين”، وأشياء اخرى كثيرة غيرها.
الاعجوبة الرابعة: لم يتوخ التلاميذ بمناداتهم بهذه البشارة هدفا عالميا أو فائدة مالية (مادية) او راحة جسدية بل احتملوا الضيقات المتنوعة لأجلها والقيود والضربات واسلموا حياتهم لميتات قاسية، حتى ان احدهم طرح من جناح الهيكل والآخر صلب منكسا رأسه والآخر قطع إرباً إرباً، والآخر احرق بالنار، والآخر نفي الى جزيرة مقفرة موحشة.
الاعجوبة الخامسة:- كان ازدهار هذه البشارة في زمن اكثر جميع الازمنة خصوبة وغزارة، في علوم الفلاسفة العقلية، اي المنطق والابحاث الطبيعية وما وراء الطبيعة وعلم المقاييس والطلاسم والطب والسحر وغير ذلك.
الاعجوبة السادسة:- انهم لم ينادوا بها فقط في برية صادية وسط اناس بسطاء يسكنون الخيم او القرى والقلاع، بل في المدن العظمى المشهورة كانطاكية ورومية واثينا مدينة الفلاسفة، وسائر الاماكن المركزية العامة.
الاعجوبة السابعة:- لم يقبل هذه البشارة من الابتداء الناس السذج فقط. بل المتسامون بمعرفة النواميس والنبوات والحكمة العالمية، كغملائيل الكاتب الماهر والفريسي المعتبر ومعلم الناموس الذي كان يوبخ مبغضي الرسل ومضطهديهم قائلا لهم: لقد قام قبل زمن رجل اسمه توداس قائلا عن نفسه انه شيء، فتبعه نحو اربعمئة رجل، وعنما قتل تبددوا جميعهم. ثم قام بعده يهوذا الجليلي وازاغ وراءه شعبا غفيرا، فذاك ايضا هلك والذين انقادوا اليه تشتتوا. وهؤلاء كذلك اذا كان فكرهم بشريا سيزولون ويتلاشون، وان كان الهيا، لا تستطيعون القضاء عليه ويوسيفوس الفيلسوف اليهودي الذي كانوا يزعمون انه قيافا قد تنبأ ان رجلا يموت عوضا عن كل الشعب، إذ كتب في بعض مقالاته عن تدبير اليهود بقوله: كان يوجد في هذه الظروف رجل اسمه يسوع ويجب أن ندعوه رجلاً، وكان ممسوحاً، هذا صلبه بيلاطوس بشهادة رؤساء الشعب، وظهر لتلاميذه بعد ثلاثة ايام حيا وقد قال عنه انبياء الله امورا سامية وعجيبة. وكتب هكذا فيلوغون في تاريخه المدني في المقال الثالث عشر، وكذلك ارسينيوس في مقاله الخامس وجالينوس في نهاية كتاب كناش الشرائع الافلاطونية وديونيسيوس قاضي قضاة العلماء في محفل اريوس فاغوس في اثينا. أمن واعتمد امام جميع اهل المدينة هو واهل بيته والف كتبا على حقيقة هذه المعرفة.
ايضاح وتأكيد:- ويجب ان نعلم ايضا ان جميع العجائب التي صنعها سيدنا والتي فعلها الرسل باسمه، والقديسون حتى يومنا هذا، لم يجترحوها وهم احياء فقط، بل بعد موتهم نرى المعونات تجري من عظامهم، وهذه العجائب اسمى من ان تحصى، وكلها تؤيد حقيقية الايمان بالثالوث الاقدس. وتثبت بأن الاتحاد اي تجسد الله الكلمة قد تم من مدة بعيدة. ومن الجهل والكفر الفظيعين ان نظن قط في الله جل شأنه انه يفعل اعجوبة في العالم مباشرة او على يد رجل غير صادق لتأييد وكذب وانتصار ضلال.
الفصل الثاني
في الرأي المتضاد الذي يريد ابطال العلامات التي
تؤيد التجسد بواسطة العجائب
ويقسم الى سبع بدع
البدعة الأولى
في الذين ينكرون عمل العجائب انكارا باتا
وفيه مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الاول:- يقولون، لو كان عمل المعجزات ممكنا لوجد نوعان للاشياء، الضروري منها والممكن. ولما كان عمل المعجزات ليس ممكنا، اذ كيف يستطيع الانسان ان يصير حجرا والحجر انسانا والحصان طائرا والطائر حصانا، وكيف وبأي واسطة كانوا يستطيعون أنئذ ان يفصلوا بين الشيء غير الممكن والمستحيل ولما كنا نستطيع الفصل ضرورة، فعمل العجائب اذن غير ممكن.
الاعتراض الثاني:- يقولون، ان عمل العجائب اما ان يكون من الامور الضرورية. أو من الامور غير الممكنة أو من الامور المستحيلة والافتراض الاول غير صحيح، لان الافعال الضرورية تحدث شاء الفاعل ام ابى، اذ كيف تحصر العجائب والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، لان الأفعال الممكنة كما انها تكون ممكنة الحدوث تكون غير ممكنة الحدوث ايضا بالنسبة لكل انسان، والفعل الذي يستطيع الانسان ان يعمله وان لا يعمله كيف تحاكم الاعجوبة بالنسبة اليه. وهكذا الافتراض الثالث غير صحيح، لانه لو كانت الافعال مستحيلة الوقوع قطعيا، لكانت ممكنة وليست مستحيلة، وان شهد انها مستحيلة طبيعيا. ولما كانت افتراضاته الشكوكية الثلاثة غير صحيحة، كذلك عمل المعجزات غير صحيح.
الاعتراض الثالث:- يقولون لو كان عمل المعجزات ممكنا، لما بقيت لنا معرفة ضرورية قط، لانه عندما يرى انسان ولده، لا يجب ضرورة أن يصدق انه ابنه، اذ لعل الله قد رفع ولده وجعل ابنا آخر محله. وعندما يرى الانسان مياه البحر، لا يجب أن يجزم عليها ضرورة بانها مياه، اذ لعلها تكون دما معكرا، والله يرينا اياها شبه مياه، ولما كانت هذه الامور ونظائرها محالة، فعمل المعجزات محال وغير صحيح.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول اننا لا نقصد بعمل العجائب، الافعال غير الممكنة بطبيعتها كقولنا مثلا: الانسان صخر غير حساس، بينما نعلم ان الانسان حساس دائما، وكذلك الحصان طائر مجنح مثنى القدمين، بينما نعرف انه ذو اربع قوائم. بل عن الافعال التي لها طبيعة ممكنة، ولكن لا تحدث دائما حسب العادة. اذ كيف نقول الانسان صخر غير حساس، ونبطل آنئذ مع احساسه قواه الاخرى الحيوانية والطبيعية والانسانية. ومن هنا نعلم ان المادة المستحيلة لا ترتفع عن طبيعة الافعال بسبب عمل المعجزات.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول ان عمل المعجزات ليس من نوع الامور الضرورية ولا الامور المستحيلة بل من الامور الممكنة، ولكنها لا تحدث دائما بتكرار العادة حسبما نوهنا اعلاه. اما قولكم ان الممكنة يتساوى لديها الوجود وعدمه بالنسبة لكل انسان غير صحيح. لانها تحوز المساواة بطبعها وليس بالنسبة الى كل انسان اذ يمكن عندئذ ان نصور انسانا حجريا من الارض بثقل مئة لتر ويكون هذا الانسان الفتى ابن عشرين سنة اثقل واكبر من الشيخ ابن مئة وعشرين سنة. فاذا ما ظهرت كهذه العملية من الشيخ تكون اعجوبة. فعمل العجائب من هنا هو شيء ظاهر.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ان العجائب التي ذكرتموها وان كانت ممكنة بطبيعتها وبالنسبة الى الله جل شأنه، ولكننا نعلم ضرورة انها ليست اعتيادية ولا مطردة، او تحدث بالتساوي. ولهذا لا تبطل معرفتنا الضرورية بسبب احداثها كما اننا نتأكد يقينا عندما تحدث انها عجائب حقيقية.
البدعة الثانية
في رأي القائلين وان كان عمل العجائب ممكنا ولكن
ربما لا تحدث من الله
وفيه مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الأول:- يقولون، يجب ان تكون نفس صانع العجائب ومزاجه ممتازين عن انفس بقية الناس وامزجتهم. ولذلك لا يستحيل عمل المعجزات ان يكون خاصة لتلك النفس وذلك المزاج. ومن هنا نقر ان الله هو صانع العجائب التي تجري على يد اصفيائه وقديسيه، وكما ان للنفس الناطقة خاصة بان تضحك، فيجب ان يكون لأقنوم النفس ايضا خاصة لتجذب النفس المنتقلة من جسدها كما تجذب المغناطيس الجسد وتوحده به جديدا، فيحيا ذلك الميت، وهكذا الامور الأخرى.
الاعتراض الثاني:- يقولون وان لم يكن عمل العجائب خاصة نفس الصانع ومزاجه. ولكن قوة الادوية عجيبة ومدهشة وكثيرة. ويمكن ان يجد الانسان الذي له خاصة عمل العجائب دواء ما بواسطة الطعام او اللمس، فيتناول منه ويطعم تلاميذه. وهكذا يستطيع هو وتلاميذه ان يعملوا العجائب ويكملوا ارادتهم.
الاعتراض الثالث:- يقولون لا تحدث العجائب باستعمال الادوية، بل ربما تحدث بواسطة الشياطين والمجانين لأضلال الناس، فقد قيل للمسيح ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين، واذا قيل لهم ان فاعلي العجائب الالهية يلعنون الشياطين ويرذلونهم. فكيف يساعدون منهم، يجيبون قائلين: ان الشياطين يقبلون اللعنة والرذل بانبساط ولذة من الذين يكملون مقصدهم ويعملون ارادتهم.
الاعتراض الرابع:- يقولون ان جميع السحرة والصائبين يعترفون ان الكواكب حية وناطقة. وتتكلم احيانا مع الناس وتقويهم على عمل المعجزات الباهرة، وتكشف لهم الامور العتيدة، وبحسب هذا الرأي لا تكون العجائب من الله، وينتج انه يستطيع من له قوة كهذه أن يقول عن نفسه كل ما يريد. ويستشهد بالعجائب شهادة زور انها ليست من الله.
الاعتراض الخامس:- يقولون لقد جرب الفلكيون جميعهم ان تنقل الكواكب ونظرها الى بعضها من الافعال العجيبة التي تتبع هذا العالم. فإذن ليس مستحيل حدوث انتقال كهذا ناتج عن اثم تبع امرأة عذراء بدون زواج، ومن ذلك الانتقال ربما تولدت قوة لذلك الولد ليعرف الكواكب وحركاتها وقواها. وكلما اراد ان يعرف امكانية ظهور الاعجوبة يطلبها فيجدها، وواضح ذلك من قولكم بعد ثلاث سنوات شرع المسيح بعمل العجائب وليس دائما.
الاعتراض السادس:- يقولون ان الفلاسفة سلموا ان لكل فلك عقل مجرد ونفس ناطقة ونفس حيوانية، فيمكن ان يكون فاعل هذه العجائب انسانا آخر وليس الله.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول ان الخواص تتبع طبيعة الاعمال حسب العادة، فيجب ان تجد كل خاصة اقنوما، وبالتالي ان توجد خواص لكل الاقانيم، لان الطبع واحد لجميعهم. فلو كان فعل الاعجوبة راجع الى خاصة نفس الفاعل ومزاجه. لوجب ان تحدث بواسطة جميع المشتركين بالنوع. لأن طبع النفس الناطقة والمزاج الانساني واحد لجميعهم، والأمر بالعكس، فالاعجوبة لا تحدث اذن بواسطة خاصة النفس والمزاج.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول ان تأثير الادوية طبيعي وليس اراديا. فلو كان حدوث العجائب بواسطة الاكل والدواء، لوجب أن يتم حدوث الاعجوبة على يد متناول الدواء شاء ام ابى والامر ليس كذلك لان القديسين عندما يشاؤون يفعلون الاعجوبة وليس عندما لا يشاؤون. فالذي يأكل الدواء تبرز منه مرارة حمراء شاء ام ابي، وهكذا الامور الاخرى.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ان الايمان باله واحد الذي بكلمته وروحه خلق الاشياء المنظورة والغير منظورة. وبما علَّمنا به فاعلوا العجائب اي ان نحتقر العالم وتربح نفسنا ونحترز من الشرور، كل هذه تؤيد لنا بأن فعل المعجزات هو من الله وليس من الشياطين لان الشياطين لا يجدون في انارة الناس وتعليمهم الفضائل، بل بعكس ذلك.
الجواب على الاعتراضات الرابع والخامس والسادس:- نقول اننا عتيدون ان نظهر في الركن الخامس بوضوح أن الكواكب والافلاك وغيرها من الامور الطبيعية العادية اي الصيف والشتاء وغيرهما، ولا يستطيعون ان يفعلوا ولا أصغر شيء.
البدعة الثالثة
في رأي القائلين: وان كان الله صانع العجائب،
ولكن ربما يعملها ليس ليحقق كلام الذي تجري
على يديه، بل لعلة أخرى
وفيها مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الاول:- يقولون ان جميع المخلوقات التي خلقها الله له المجد من البدء كانت بنوع العجائب، ولكن عندما تكررت وتواترت اعمالها بحسب العادة، خرجت عن خاصة العجائب. فالرجل مثلا عندما وجد جنينا في الرحم الانساني وبعد تسعة اشهر ظهر انسانا كاملا، من الواضح ان وجوده بهذه الصورة اولا كانت اعجوبة عظيمة، ولكن عندما تكررت وازدادت هذه العملية اصبحت عادة وليست اعجوبة. وبهذا الشبه عينه، تكون الاعمال التي نظنها من العجائب ليست لتأييد كلام الذي تجري على يديه، بل هي مجرد اعمال عادية سوف يحدثها الله له المجد عندما يكرر صنعها.
الاعتراض الثاني:- يقولون ان الله له المجد يضع الشمس في رأس برج الحمل لأجل وجود الربيع، ويضعها في رأس برج السرطان لاجل ظهور الصيف. وهكذا الفصول الباقية، فيمكن اذن ان يضع جزءا من الفلك الثامن في رأس برج الحمل لاجل عمل ما، ويضع جزءا آخر في رأس برج السرطان لاجل عمل آخر. وبما ان وجود الشمس في رأس برج الحمل يتم كل سنة، فلا يظن هذا العمل الذي يتبع هذه الحادثة اعجوبة بل عادة لانه (العمل) يتبع وجود الجزء من الفلك الثامن في رأس برج الحمل وفي محل آخر. ولان في كل ست وثلاثين الف سنة يحدث شيء عظيم يظن انه اعجوبة كبرى ولكنه ليس باعجوبة. لذلك يمكن ان يقال ان ذلك العمل ليس لتحقيق كلام الذي يجري الله الاعجوبة على يده بل لاجل مشيئته، لانه هكذا خلق المسكونة، وهكذا يتطلب کمال تدبيره الالهي.
الاعتراض الثالث:- يقولون عندما اظلمت الشمس وقت الصلب، يمكن ان يكون ذلك بسبب انسان تقي قابع في احدى زوايا الارض قال عن نفسه انه صار ابن الله ونبيه وطلب منه ان يؤيد قوله فيظلم الشمس، فلبي طلبه حالا بالفعل، فتكون ظلمة الشمس ليست لاجل الصلب، بل لتأييد کلام انسان آخر. كما انه لو مات انسان ما، ربما يسأل انسان آخر من الله ان يبعثه، فيحييه الله اجابة لطلب ذاك وليس لتأييد كلام هذا.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول ان هذه المخلوقات التي كانت في باديء امرها بنوع العجائب، عندما تكررت اصبحت اعتيادية وطبيعية، لا تخضع لامر الارادة كتوالد الحيوانات ونمو الاشجار وشرب الخمر. اما هذه الامور التي نعدها عجائب هي ارادية وتسير بالحرية، وواضح الفرق بين النوعين.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول اننا لا ننكر ان هذه الكائنات المخلوقة لحدوثها المتواصل وتواترها لا تعد عجائب، وبالعكس لا تظن عجائب لحدوثها مرة واحدة خاصة. فالانسان الذي يفتح كل يوم اعين عشرة عميان من بطون امهاتهم. نعترف باعماله انها عجائب عظيمة. اما لو التهمت النار بيتا بعد الف سنة واوشكت ان تخرب المدينة باسرها، فلا نحسب هذه الحادثة اعجوبة، لان النار من طبيعتها ان تحرق دائما.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ان الاعجوبة الصادقة لا يحدثها الله لاجل انسان يعلم جهارا الامور الالهية والاعمال الحسنة والفضائل. بل لاجل رجل خفي وغير معروف ولا منظور ولا يسمع قوله ولا يستحق الجواب، لانه يصدق رأيه البسيط اكثر من رايه الناطق، وخياله اكثر من حقيقته.
البدعة الرابعة
في رأي القائلين: وان كان الله يعمل العجائب لاجل
تأييد قول الذي تحدث على يديه ولكن لماذا
قولكم يجب ان يكون لتأييد الله قوله
وفيه مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الاول:- يقولون ان الله له المجد قد اعتاد ان يحقق كلام الانسان غير الصادق، اما لاجل تجربته وفحص صبره ليضاعف له الأجر. كما فعل مع ايوب حيث سلط عليه الشيطان ليكمل فيه ارادته، اذ تقدم اليه اولا بقوله: اشتم الله ولا تتعذب بهذه الجروح الدامية. ولما لم يطعه، عندئذ ظهر صدق كلامه ضرورة لانه سبق فقبل الامر من الله عن ذلك. وهكذا نقول ان العجائب التي ستحدث في آخر الايام بيد انتيكريسطوس (المسيح الدجال) حيث قيل عنه اذا امكن ان يضل حتى المختارين، فهذا المذكور وان قال عن نفسه انه ابن الله وان الله يجري على يديه العجائب، لا يجب ان نتأكده ونقبله كرجل صادق.
الاعتراض الثاني:- يقولون ان الله له المجد عندما يحتقر شعبا يقيم لهم عهدا جديدا، كما قال على لسان ارميا النبي: واقيم لبيت اسرائيل وبيت يهوذا عهدا جديدا. وبعد قليل يقول: لانهم احتقروا عهدي فانا ايضا رذلتهم يقول الرب. او عندما يريد ان يضل شعبا، كما قال على لسان اشعياء: لماذا اضللتني يا رب من مخافتك. يرسل اليهم انبياء كذبة ويكون شاهدا لاقوالهم، كما قال على لسان حزقيال عندما يفسح كل رجل في اسرائيل الخوف ان يتسرب الى قلبه ويضع العثرة امام عينيه، وياتي الى النبي ويسأله، فانا الرب اكون له شاهدا (للنبي) واصب جام غضبي على ذلك الرجل. ويقول بعد قليل: واذا اضلَّ النبي وتكلم كلمة، فانا الرب الذي اضللت ذلك النبي الخ….، فعندما يريد الله ان يحتقر شعبا او يشاء في اضلاله، ويحدث اعجوبة لتأييد قول ذلك المضل. لا يجب ان نقبل ونحكم بحقيقة انسان كهذا، ومن هنا يظهر ان ليس كل من يؤيد الله كلامه حقيقيا وصادقا.
المقصد الثاني
في الرد على هذين الاعتراضين معا
نقول اننا ادركنا بواسطة البراهين العقلية وحدة الطبيعة وتثليث الاقانيم الالهية الممجدة، وبامكانية تجسد الكلمة لخلاص الجنس البشري من عبودية الخطية. ولكننا زدنا ثباتا في الحقيقة بواسطة النبوات والعجائب، ورسوخا بما ادركناه بواسطة العقل والمنطق، ولذا فكل عجوبة تحدث على يدي من يُعلِّم ضد هذه الامور، نفهم ضرورة انها اما تكون بنوع التجربة او الاحتقار واما بنوع آخر كالابتعاد من الله، وهكذا لا نعترف برجل كهذا انه رجل صادق.
البدعة الخامسة
في رأي القائلين: وان كان يجب حقيقة ان يؤيد
الله بالعجائب كلام الذي تجري على يده.
ولكن ماذا كانت الحاجة الى تجسده طالما الناس
يتصرفون كل بحسب ما قضي عليه فقط. او لم
يستطع الله ان يهدي البشر بغير واسطة او
بانسان صالح او نبي
وفيها مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الاول:- يقولون ان الله خلق الانسان واعماله، اذ حتم اعمال كل انسان الخاصة التي يجب ان يعملها ضرورة. فالذي وجد صالحا يفعل اعمال الصلاح، والذي وجد طالحا يفعل اعمال الطلاح. ولما كانت الحالة هكذا، لماذا تنازل الله الكلمة الاقنوم الثاني ان يتجسد لخلاص البشر وتعليمهم ما لا حاجة اليه اي ان يعملوا اعمالا لم توجد فيهم.
الاعتراض الثاني:- يقولون ان ما يعرف الله حدوثه يقع ضرورة، والذي يعرفه انه لا يحدث، فضرورة لا يحدث. فما الفائدة اذن من تجسد الله وقوله للناس افعلوا كذا وكذا، وهو يعلم أنهم لا يستطيعون أن يعملوا الا ما حتم عليهم عمله فقط. اذ لا يليق ذلك بالحكمة الالهية.
الاعتراض الثالث:- يقولون ان كل عمل بشري صالحا كان ام طالحا، لا يحدث بدون علة، وهذه العلة اما ان تساويها امكانية الفعل وعدم امكانيته، واما ان تكون قوة امكانيته ارجح من قوة عدم امكانيته أو قوة عدم امكانيته ارجح من قوة امكانيته، ولا يستطيع الهادي اتباع النوع الاول، اذ لا يقدر الانسان ان يعمل العمل، لانه اذا عمله دون ان يضطره سبب إلى عمله، يوجد ذلك العمل بدون سبب وهذا محال لاننا حرصنا بان لكل عمل بشري سببا. ولا يستطيع الهادي ايضا اتباع النوع الثاني، لانه اذا كانت قوة امكانية العمل ارجح من قوة عدم امكانيته فسيتم ضرورة سواء اهتدى فاعله او لم يهتد. وهكذا لا يستطيع الهادي اتباع النوع الثالث، لانه اذا كانت قوة عدم امكانية العمل ارجح من قوة امكانيته، فلا يتم ضرورة، اهتدى الانسان او لم يهتد. ومن هنا لا تكون اي فائدة للهادي وهكذا فتجسده كان سببا (عبثا) باطلا، لذلك لا يجب ان يكون لانه لا عبث عند الله.
الاعتراض الرابع:- يقولون ان جميع الاعمال اما نعلم منها الفاضلة والمرذولة (الصالحة والطالحة) او لا نعلم لا الفاضلة ولا المرذولة، واما نعرف فضيلتها، فنقدم على عملها دون الاهتداء اليها او نعرف رذيلتها فنحجم عن عملها بدون مرشد واذا لم نعرف لا فضيلتها ولا رذيلتها، فالضروري منها والمفيد نعمله أرشدنا او لم نرشد. كاستنشاقنا الهواء مثلا واذا لم يكن عملها ضروريا. لا نحتاج اليها قط. فكيف يليق بنا ان نؤمن بالله الذي تجسد لهدايتنا الى عمل لا نحتاج اليه، وبالتالي ازاء هذه الارتيابات لا فائدة للهادي ولا للتجسد الذي صار واسطة الهدى.
الاعتراض الخامس:- يقولون لو كان في الهداية فائدة، فإما كانت بواسطة التجسد او بالنسبة الى البشر. والافتراض الاول غير صحيح، اذ يوجد الله مجردا من الفائدة قبل تجسده وهذا محال والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، لان الفائدة هي لذة النفس او الجسد او كلاهما معا. او ابعاد الاذى من النفس او الجسد أو كليهما معا. وكان بمقدور الله ان ينيل الناس هذين النوعين من الفوائد، دون ان يرشدهما الى الاعمال التي بواسطتها يستحقون هذه الفوائد، ولما كان الأمر ممكنا، فوجود الهادي عبث، وهكذا التجسد لاجل الهداية.
الاعتراض السادس:- يقولون لنفترض ان الناس لا يتساوون بهذه الفوائد، ولكنهم بسبب الاعمال التي كانوا يمارسونها بواسطة المرشد والصوم والصلاة والصدقة والزهد والصلاح الذي به يقهر الشر، وبغض الشر وما اليه. الا انه كان يستطيع اما بأمره وسلطانه اي بإرادته فقط ان يهدي البشر الى هذه الامور، واما بواسطة احد عبيده الانبياء، كما هداهم مرارا كثيرة، ولذلك لم يكن يليق به ولم تكن حاجة للتنازل والاتحاد بالطبيعة المخلوقة الحقيرة والمتألمة.
الاعتراض السابع:- يقولون انكم تقولون كما جاء في معظم كتبكم عن تجسد الله الكلمة الذي بموته حرر آدم واولاده من الموت، وامات الموت بموته وصار حملا وذبيحة واخذ خطية العالم. وهذه كلها كلمات فارغة من المعنى لأننا لم نر آدم قد انبعث، ولا اولاده لا يموتون واذا قلنا قد اخذ الخطية من مدة طويلة وسمرها بالصليب، وحرر العالم باسره من عبوديته، نبلغ الى ثلاثة امور مستحيلة
الاول – تساوي القاتل والمقتول، الغالب والمغلوب الصالح والطالح، اذ لا تبقى بعد خطية.
الثاني – تكون الصلوات والصدقات والاصوام وغيرها باطلة وهباء، ولا يشجب بالخطية الذين لا يكملونها.
الثالث – وفيه يزول قولكم: انه تشبه بنا في كل شيء ما عدا الخطية، اذ كيف يكون بدون خطية ذلك الذي قبل خطايا العالم على نفسه وطهر منها البشر.
ولما كانت حججكم هذه التي لأجلها يؤيدون التجسد واهية وغير قائمة على اساس هكذا يكون التجسد ذاته بدون اساس وبالتالي غير حقيقي.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول ان الانسان هو خلقة الله الحقيقية، ولكن اعماله ليست مخلوقة فيه طبيعيا، بل ترجع الى ارادته وحريته الذاتية، وبحسب هذا الرأي سنتكلم بإسهاب فيما يأتي عن الامور التي تحدث بواسطة الله.
الجواب على الاعتراض الثاني: نقول بالحقيقة ان ما يعلم الله حدوثه يصير ضرورة، ولكن البشر يكافأون بالعقاب في العالم المزمع بالنسبة الى اخلاقهم وميل ارادتهم الى عمل الفضائل والرذائل، لذلك ففائدة التجسد هي هذه، ان يهتدي الناس الى المعرفة التي تبين الاعمال الشريرة، لكي بواسطتها يتنكبون مشمئزين من عمل الرذائل ولا ترتاح اليها ارادتهم، ويقدمون على عمل الفضائل التي يستمدون منها غذاءهم الروحي، فيستحقون النعيم ويتخلصون من العذاب ولم يستطع أحد من هدم هذا الاعتراض الذي يناقض رأينا في الحرية والسلطة الذاتية وهو سند الذين ينفون السلطة الذاتية.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ان الانقسام الذي استعملتموه يصدق في الافعال الطبيعية فقط لا الارادية، لان علة العمل الانساني هي الارادة الانسانية فقط، وهي متسلطة وقادرة ان تعمل اي عمل تشاءه بدون الافتقار الى سبب كما اظهرنا ذلك فيما سبق بمواضيع كثيرة.
الجواب على الاعتراض الرابع:- نقول ان العقل البشري لا يستطيع ادراك جميع الاشياء الموجودة كما هي، وان كان يدرك جزءا منها، وإلا لما وجد تمييز بين البشر بالمعرفة لذلك يحتاج الانسان ضرورة الى معلم (مؤدب) بشري، ليقتني منه المعرفة الحقيقية في الامور التي يجب ان يعرفها ويعملها ضرورة. ولما كان هذا المعلم (المؤدب) هو الله جل شأنه، ومنه تؤخذ المعرفة المكتسبة، فنتج من هنا احتياج الجنس البشري الى تجسد الله الكلمة.
الجواب على الاعتراض الخامس:- نقول وان كان الله له المجد قادرا أن ينيل البشر الفوائد النفسية والجسدية بدون الاعمال الفاضلة، ولكن لكي يستحق هذه الفوائد بالأعمال وهذا ما يوافق حكمته الازلية، وذلك بسبب ثلاثة أمور:
الاول – لكي يتساوى الصالح بالطالح ولا المؤمن بالكافر.
الثاني – لأنه لولا الامل بالفوائد النفسية والجسدية الحاصلة بواسطة الاعمال الصالحة، لما قام انتظام هذا العالم حسنا. لان كثيرين من الناس يحترزون من الشرور خوفا من شدة العذاب الابدي أكثر من سيوف ولاة العالم.
الثالث – لان ذلك يناسب كثيرا نعمة الله لنا، اذ يحسبنا مستحقين للنعم، ولم تعط لنا عبثا وبدون استحقاق.
الجواب على الاعتراض السادس:- نقول لا يمكن لله ان يهدي البشر بامره وسلطانه، لانه كان قد خلقهم صالحين في طبيعتهم وغير ملوثين بالشر. والذي يقول هذا في كلامه قوة بالنسبة للقائل: لماذا لم يخلق الله البشر بشرا، لأن ليس كل افعال الانسان طبيعية بل ارادية ايضا، ولاجلها يحتاج الى ارشاد بواسطة المرشد. وعن تلك نستطيع ان نقول يحتاج الى احد عبيده الانبياء لارشاده. فالمرض العضال مثلاً يحتاج الى انطس الاطباء وامهرهم. ولما كان السجود للاصنام اقسى واشد جميع امراض النفس، لانه يشير الى عبادة الخلائق اكثر من الخالق فاحتاجت (النفس) عدلا الى امهر اطباء الروح وهو الانسان الذي اتحد به كلمة الله وظهر بواسطته واحداً طبيعياً واقنومياً. ولو لم يسبق الانبياء ان أرسلوا، ولما استطاعوا ان يهدوا الناس ويرجعوهم من ضلال السجود للاصنام، وإن ليس جميعهم، بل امة اسرائيل الصغيرة التي كانت اكثر جميع الامم قريبة لله، وقد ضلت الى هذا الحد، ليقال لها من الله على لسان اشعياء: ربيت بنين ونشأتهم اما هم فعصوا عليَّ. وعلى لسان هوشع: لقد احب الرب بني اسرائيل اما هم فذهبوا وراء الهة غريبة واقوال اخرى اقسى من هذه. وهوذا نرى بواسطة تجسد الله الكلمة معظم الشعوب المختلفة القوية، أولئك الذين لم يكونوا يعرفون الله، قد عرفوه حقيقة وعبدوه بالاستقامة، واذا كانت بعد وساوس لاصحاب هذا الاعتراض في التخيل بشيء آخر، فليكموا افواههم.
اعتراض:- يقولون فاذن لا يستطيع الله هداية البشر بواسطة احد الانبياء كما تقولون.
الجواب:- نقول اننا لم نقل لا يستطيع، ولكن هكذا حسن لديه، وقد دعمنا العمل بالشهادة، لان الله يمكنه ان ينير العالم كله بنور ذاتي بسيط، كما في الايام الثلاثة التي في بداية العالم، أو بواسطة كوكب صغير، ولكنه خلق الشمس كما شاء، وليس من يعترض أو يسأله عن ذلك.
الجواب على الاعتراض السابع:- نقول ان الموت موتان، كما جاء في الكتب المقدسة.
الأول:- هو انفصال النفس عن الجسد ويدعى الموت الاول الطبيعي.
الثاني:ـ هو ابتعاد النفس عن الله ويدعى موت الخطية، فنقول ان السيد المسيح امات الموت بموته، بحسب النوع الثاني، وخلص الجنس البشري الذي يُشَّخص في آدم.
ونقول للذين يضاددون كلمة حمل خطية العالم. ان كلمة الأخذ ههنا تقال بشكلين:
الاول – ان يرى الانسان صديقه حاملا حملا ثقيلا فيأخذه ويحمله عوضه.
الثاني – ان يعلمه تدبيرا مفيدا وهو أن يضع المتعب حمله ليرتاح، وواضح اننا نقصد النوع الثاني بقولنا حمل ربنا خطية العالم. ومع هذا لا يجب أن نفكر انه اخذها من جميع الناس بل من الذين قبلوا بشارته، وسمعوا وصاياه، وسلكوا بتعاليمه، ونالوا المساعدة والشفاء بطب الروح.
البدعة السادسة
في رأي اليهود القائلين: يجب ان يثبت ناموس
موسى الى الابد. فلو كان الذي جاء هو المسيح
حقيقة لما بدله
وفيه مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الاول:- يقولون ان الناموس الذي اعطي من الله الموسى، لو كان هو الله لماذا عاد فبدله بناموس آخر، فإما لم يكن مفيدا فبدله واذا كان ليس مفيدا، كيف حسن له تبديله والافتراض الاول غير صحيح، اذ يكون الله الذي وضع الناموس قد صمم في الاخير على رذله وذلك محال. والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، إذ يوجد الله له المجد مبطلا للشيء المفيد كغير المفيد، وذلك محال ايضا، ولما كان كلا جزئي الافتراضين باطلين، فيجب ان يكون تبديل الناموس الموسوي بآخر باطل وغير ممكن الوقوع.
الاعتراض الثاني:- يقولون ان الناموس الذي سلمه المسيح، اما كان افضل من الناموس الموسوي او مساويه بالفضل، او اقل منه. والافتراض الاول غير صحيح، اذ يكون تبديل شيء بشيء آخر مثله مساوله بالفضل عبثا، والله لا يعمل شيئا عبثا والافتراض الثالث ايضا غير صحيح، اذ يكون محال على الله تبديل الشيء الافضل بما هو اقل فضلا، ويعلم من هنا ان تبديل الناموس الموسوي من الأمور المستحيلة.
الاعتراض الثالث:- يقولون ان الله له المجد قال في أماكن كثيرة في التوراة، هذا ناموس ابدي لكم في اجيالكم على ممر حياتكم، لذلك كل من يحاول نقض او تبديل الناموس الذي قيل عنه من قِبَل الله انه يبقى الى الابد، يكون مضادا لله، ومن كان مضادا لله ليس من الله، ومن كان كذلك فمن الضلال تصديقه.
الاعتراض الرابع:-يقولون لو كان المسيح هو الآتي حقيقة لوجب ان تتم فيه كل النبوات فعلا، ولما لم تتم، فليس هو المعنون، اما انها لم تظهر كلها فواضح ذلك من ان الجبال لم ترقص كالايل، ولا الاكام كحملان الغنم ولا الانهار ابهجت باورشليم مدينة الهنا كما قال المرتل الالهي داود، وكما قال زكريا في ذلك اليوم تخرج مياه الحياة من اورشليم فيجري قسمها الى البحر الشرقي والقسم الآخر الى البحر الغربي والصيف والشتاء، ولم يسكن الذئب مع الحمل، ولم يربض النمر مع الجدي، ولم يرع العجل وشبل الاسد والثور معا، ولم يرتع الثور والدب معا، ولم ياكل الاسد تبنا كالثور، ولم يلعب الوليد بالحية، ولم يبسط العظيم يده الى حجر الافعى كما تنبأ اشعياء النبي ابن اموص.
الاعتراض الخامس:- يقولون لا يليق نقض الناموس من قول ربكم “لم أت لانقض الناموس بل لا كلمه”، ومن هنا سقط في ثلاثة امور مستحيلة:
الاول – لاعترافه بأنه لن يأت لينقض الناموس، وعندما نقضه وجد عاملا ما لم يأت لعمله وذلك محال.
الثاني – قوله انه لم ينقضه، فعندما نقضه وجد عمله مضادا لقوله وهذا محال ايضا.
الثالث – لو كان نقض الناموس واجبا، لما قال لم آت لانقض الناموس وعندما نقضه فعل ما لا يليق فعله وذلك محال ايضا.
المقصد الثاني
الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول: نقول ان الناموس طالما يوضع من الله لاجل التقويم، فيجب ان يكون بالنسبة الى الحاجة ونوع التقويم. فاولئك لما كانوا اطفالا لا بفهمهم، وكان عقلهم ابتدائيا، أعطي لهم ناموس مادي في كل شيء، وعندما صاروا في قامة كاملة استحقوا ناموسا اكثر كمالا وروحانية. فالناموس الاول الذي كان ملائما لحالتهم الأولى، لا يلائم حالتهم الاخيرة. ومن هنا لا يحدث أي محال، لانه ليس كل غذاء يوافق كل حالة او مرحلة، ولا كل دواء لكل مرض.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول ان الناموس الذي اعطي بواسطة المسيح هو افضل من الناموس الذي اعطي بواسطة موسى وواضح ذلك من ان الناموس الأول يعلم العدالة كقولنا العين بالعين الخ. اما هذا الناموس الثاني فيعلم النعمة كقوله من ياخذ قميصك فدع له الرداء ايضا ثم التشبه بالله كقوله: كونوا كاملين كما ان اباكم الذي في السماء هو كامل . وواضح ان النعمة افضل من العدل. ضد قولهم من الضروري يقولون انه الناموس) اعطي من القديم ولم يبطل، فنقول لهم انه لم يعط لهم لانهم لم يكونوا يقبلونه كما قلنا.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ان كلمة الى الابد تشير في الكتب المقدسة الى زمن طويل جدا وان كان غير محدود، كما قيل في اشعياء: ” الخربة الى الابد ” وهذه الخرائب من الضروري أن يكون بانوها موجودين قبلها، وبالتالي لا تكون بلا بداية، ولما حملت كلمة الى الابد الى شيء ذي بداية فلا يكون محالا اذا حملناها الى الناموس الذي له نهاية ونقول ايضا ان الله بقوله ويكون ذلك الناموس لكم في اجيالكم الى الابد، قصد قرابينكم وسرجكم ايها اليهود وكل شيء منها خاصة. ولما كانت هذه الامور قد بطلت من مدة اذ لم تستطيعوا اكمالها خارجا عن قبة الزمان فكيف تحاولون اظهار ان كلمة الى الابد، تشير في كل مكان على اللاحد واللانهاية. ونقول ايضا ان السبت لما كان أحد وصايا الناموس التي يجب ان تحفظ الى الابد، كيف نقضه الله عندما قال ليشوع بن نون والذين معه تقدموا في صباح اليوم السابع ودوروا حول اسوار اريحا سبع مرات الخ. وكيف تستطيعون أن تقدموا بعد لم ينقض الله السبت؟.
الجواب على الاعتراض الرابع:- نقول ان الجبال ترقص كالايل وبقية الامور الاخرى هي قضايا غير محدودة. لذلك يجب ان تكون جزئية لا كلية ونقول ايضا ان الانبياء لم يقولوا ان جميع الجبال ترقص في كل الازمنة، ولا كل الذئاب تسكن مع الحملان، وهكذا الاشياء الأخرى. فاما ان لا يحدث شيء قط، او ان يحدث كل يوم ونحن لا نعاينه كيف يحق لنا ان نقول لم تحدث قطعا، وهذا هو جواب مادي بالنسبة الى مادية عقل اليهود. اما بحسب رأي ملافنة البيعة السامي والحقيقي فليس الجواب هكذا. بل ان الجبال والاكام تشير الى الملوك والحكماء الذين كانوا يظهرون متعصبين بديانتهم، وقد زعزعتهم هذه البشارة. اما الانهار فترمز الى التعاليم التي بها تفرح وترتقش البيعة المقدسة التي هي مدينة الملك العظيم. والذئب والنمر والاسد والدب والحية والافعى تشير كلها الى البشر العصاة الضارين الذين نالوا بواسطة هذه الديانة سلاما وجمالا، واختلطوا مع الحمل والجدي والعجل والثور التي تشير الى الناس الودعاء والبسطاء، وانهم اشتركوا جميعا بجسد ودم مخلصنا.
الجواب على الاعتراض الخامس:- نقول اننا نستطيع ان نفهم خمسة معان من قول ربنا ” لم آت لانقض الناموس بل لأكمل، وكل معنى كاف لدحض المستحيلات الثلاثة التي حصرتموها.
فالاول – قوله ان هدف مجيئي ليس لانقض الناموس الموسوي. بل لاسلم للبشر ناموسا اكثر كمالا، وان تبع نقض العهد القديم بعد ذلك الناموس الجديد لتأييده، والذي لاجله اتيت. فنقض الناموس الموسوي تابع هدف مجيئي وليس هو هدفه (مجيئي) الاصلي والتابع هو غير المتبوع كما يعلم بذلك علم المنطق.
الثاني – قال عن شخصه لم آت لانقضه بل لاكمله بذاتي اي لانقضه بواسطة الافضل منه.
الثالث – نقول لقد اظهرنا ذلك من مدة بعيدة بان الناموس المسيحي هو اشد كمالا من الموسوي وواضح انه طالما يتبعه الناقص فلذا ينقضه.
الرابع – نقول ان هذا الناموس من البداهة أعم من الناموس الموسوي، لذلك لم يقل ربنا عن ناموس موسى لم آت لا نقضه من ضمن كلامه لم أسن ناموسا للبشر، بل لأسلم لهم ناموسا اشد كمالا.
الخامس – نقول ان الناموس الاصلي (الرئيسي) هو الوصايا العشر وقد وضعت قبل ان يخطئ الشعب بعبادة العجل، وهي:
1. انا هو الرب الهك.
2. لا تكن لك آلهة غيري.
3. لا تحلف باسم الرب الهك باطلا (كذبا).
4. اذكر يوم السبت لتقدسه.
5. اكرم اباك وامك.
6. لا تقتل.
7. لا تزن.
8. لا تسرق.
9. لا تشهد شهادة الزور.
10. لا تشته مال قريبك
وهذه الاخرى هي في تثنية الاشتراع، اذ بعدما غضب الله عليهم قيدهم بهم، كالاختلاف في المأكل والذبائح الخ… فالمسيح لم يبطل ولا واحدة من هذه الوصايا العشر عدا السبت، وبالحقيقة انه لم يبطل السبت ايضا، بل قدس ايضا كل الايام مثله. وان الاب قد ابطله قديما في عهد يشوع بن نون كما قلنا، نعم ابطل الشرائع التي كانت تشير الى شرهم. وقد وضعت عليهم كاحمال ثقيلة. وابطاله هذا النوع سبق الله الاب فاظهره بواسطة صفيه داود القائل “لانك لم تسر بالذبائح ولم ترض عجرفات السلام. وبواسطة اشعياء” ماذا تفيدني كثرة ذبائحكم يقول الرب، لقد شبعت من محرقات الذبائح وشحم الحملان واني لا اشاء بدم العجول، ومن طلب هذه الاشياء من ايديكم عندما تأتون لرؤية وجهي ووطئ دياري. ولا تضيفون فتجلبون لي سميذا، لان القربان باطل ومرذولة في عيني رؤوس اهلتكم وسبوتكم وكل يوم عظيم عندكم لا اقبل اصوامكم، وقد رذلت نفسي عطلكم واعيادكم وقال على فم ارميا ” لماذا تجلبون لي لبانا من سبا ومرا (قرفة) من ارض بعيدة، فان محرقاتكم غير مقبولة عندي وذبائحكم لا تلذ لي”.
البدعة السابعة
في رأي المسلمين القائلين: ان المسيح المنتظر والذي
عنه تنبأ الانبياء هو حقيقي ولكنه ليس الله ولا ابن
الله، بل نبي الله وعبده فقط
وفيه مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم
الاعتراض الاول:- يقولون لو امكن ان يحمل الثالوث الى الله، فيما انه واحد فلا يجب ان يحمل اليه، ولما كنا نقر ضرورة بوحدانية الله نحن وانتم واليهود والمجوس، فالثالوث لا يمكن حمله الى الله، ولذا من الكفر القول ان ثلاثة تساوي واحدا وواحد يساوي ثلاثة لانهم متباينون فيما بينهم وبالتالي من المستحيل ان يجتمعوا معا بموضوع واحد.
الاعتراض الثاني:- يقولون ان الاعتراف بالاب انه اله والابن انه اله والروح انه اله يؤدي الى تعدد الآلهة، وواضحان جميع الانبياء الاولين والأخيرين حتى والمسيح ذاته قد رذلوها، لذلك كل من تشبث بهذا الرأي يوجد مضادا للانبياء والمسيح، والرأي الذي يضاد الانبياء والمسيح كيف يمكن ان يكون حقيقيا.
الاعتراض الثالث:- يقولون ان المسيح زمني ومخلوق ومحدود وممكن الوجود لا ضروري الوجود، وجسم وليس بدون جسم. وواضح ان هذه كلها ليست من خواص الله له المجد، فاذن من كانت فيه هذه الامور ليس الها.
الاعتراض الرابع:- يقولون وان كان الاساس الراسخ الذي تبنون عليه الوهية المسيح هو اتحاد اللاهوت بالناسوت كما ظهر اعلاه. ولكن مع هذا فليس المسيح الها.
الاعتراض الخامس:- يقولون ان الولادة هي التأثير الحاصل بواسطة الخالق والقابل، وتكمل باتحادهما مع بعضهما اما بالعمل كالذكر والانثى اللذين يلد من اشتراكهما المولود او بالمعنى (العقل) كالحصول على نتيجة من اتحاد القضية الكبرى مع القضية الصغرى. فلو كان بامكان الله ان يلد المسيح، فلا بد ان يتم له ذلك ضرورة باشتراكه واتحاده. بآخر، وواضح ان الرأي الثاني هو كفر مبين.
الاعتراض السادس:- يقولون لو كان لاجل شهادته عن نفسه انه ابن الله، يجب ان يعترف به انه ابن طبيعي له وانه الله، فيجب كذلك أن يعترف بتلاميذه انهم ابناء الله بالطبيعة وانهم الهة لانه قال عنهم انهم انباء الله عندما اراد ان يفارقهم الى السماء، اني اصعد الى ابي وابيكم، وليس الرسل فقط، بل انتم جميعكم لانه قال لكم ايضا كما تقولون انه ابوكم عندما تدعونه في صلاتكم قائلين ابانا الذي في السموات.
الاعتراض السابع: يقولون ان كنتم تقولون انه الله بسبب سبق الانبياء فتنبئوا عنه، فان ولا واحد منهم قال ان المسيح المزمع ان يأتي هو الله وابن الله، بل الملك فقط. وإلا لتشبث بهذا الرأي اليهود الذين كانوا ينتظرون مجيئه والحال ليس كذلك. واذا تقولون انه اله لعدم ولادته بفعل الزواج فادم ايضا لم يولد لا من رجل ولا من امرأة، وهذه الولادة أكثر عجبا من الذي يولد من امرأة بدون رجل واذا تقولون انه اله لأجل العجائب المدهشة التي اجترحها، فموسى قد عمل أكثر منها، ويستطيع الله ان يفعل اضعافها بواسطة كل انسان كما قال المسيح ذاته. فهوذا اليشع لم يفعل العجائب وهو حي وحسب، بل حتى بعد مماته اقام ذلك المائت الذي لمس عظامه، وهذه اعجب بكثير. واذا تقولون لأنه لم يعرف خطية، فكم بالأحرى يوحنا المعمدان لم يعرف خطية وكان بتولا وزاهد كليا. واذا تقولون لأنه صعد الى السماء، فاخنوخ وايليا قد ارتفعا وهما حيان ولم يذوقا الموت. واذا تقولون لأنه كلمة الله وروحه، فجميع الكائنات وجدت بكلمة الله وروحه.
الاعتراض الثامن:- يقولون ان محمد نبي الله ورسوله وقد نطق الله بفمه، وقال لقد كفر الذين اعتقدوا بالثالوث وقال أيضا: الله واحد لا يلد ولا يولد ولا يساويه احد، فان محمدا كان نبي الله ورسوله واضح من ثلاثة أمور:-
أولا – من عجائبه التي فعلها.
ثانيا – من اخلاقه وتصرفاته.
ثالثا – من سبق الانبياء فتنبنوا عنه منذ القديم، ومن عجائبه هذا القرآن الذي يحوي تدبير الانبياء جميعهم من آدم حتى زمانه وكثرة النواميس والاحكام العادلة والحكم الغنية الموجودة في القاموس، والتي لم يستطع احد شعراء العرب ان يأتي جملة تشابه جمله، وهو من فم رجل أمي لا يعرف الكتابة، فهذا القرآن اعجوبة عظيمة. ومن عجائبه ايضا اعلانه المستقبلات بقوله ان الرومانيين سيقهرون لا محالة في جميع اصقاع الارض، وتنبأ عن امته التي سوف تملك من الشرق الى الغرب وتغنى وتسمو، وهكذا كان. وكذلك خروج الماء من بين اصابعه، وانخساف القمر والصخرة التي سلمت عليه، واشباعه الجمع من طعام قليل، واشتكاء الخشب عنده واقبال الجمل نحوه وشهادة الجمل المشوي. والسحابة التي كانت تظلله قبل ان يتنبأ، ومن اخلاقه وتصرفاته يظهر انه لم يكذب قط ولم يذنب ولم يهرب من أمام أعدائه وانه شفوق على امته وكريم وسخي ولم يحب المقتنى العالمي. وعدم رضاه بوعد القرشيين له بإعطائه الغنى والرئاسة والامرأة اذا لم يتنبأ، وانه كان عظيما وساميا مع العظماء ووضيعا وهادئا مع المتواضعين، وان الانبياء سبقوا فتنبئوا عنه كما قال الله في القرآن هكذا، ان اولئك الذين يتبعون الرسول والنبي الذي لم يعرف الكتابة الامور التي يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة والانجيل، وقال ايضا عن المسيح اني ابشركم بالرسول الأتي بعدي واسمه احمد.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول بنوع آخر، ليس من المستحيل ان يحمل الواحد والثلاثة الى الموضوع الواحد. فالواحد اذن يحمل على طبيعة الله والثلاثة على اقانيم الله الواحد.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول اننا لا نعترف بثلاثة الهة، بل باله واحد بثلاثة اقانيم ولذا فنحرم ونرذل كل من يعتقد بثلاثة الهة، ولا نعده من زمرة النصارى.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ان المسيح بكونه زمنيا ومخلوقا ومحدودا وممكنا وجسما فهو انسان وبكونه ازليا وغير مخلوق وغير محدود وواجب الوجود وغير جسم فهو اله وبالتالي ان المسيح هو اله كامل وانسان كامل كما يعترف به عموم النصارى.
الجواب على الاعتراض الرابع:- نقول لقد اثبتنا سابقا بكثرة البراهين امكانية الاتحاد.
الجواب على الاعتراض الخامس:- نقول ان هذا البحث (الفحص) لفظي لا عقلي، لأنه اذا كانت الولادة عندكم تكمل بنوعين، فعندنا ليس كذلك لأننا ندعو الولادة ايضا وجود كل معلول مساو بالطبيعة لعلته. لذلك نقول الكلمة وليدة النفس والشعاع وليد الشمس، وبهذه الصورة نقول ان الابن مولود من الآب.
الجواب على الاعتراض السادس:- نقول ان كل ابن اما ان يكون ابنا بالطبيعة لأبيه أو بالنعمة. فالمسيح هو ابن للاب بالطبيعة اما الرسل وبقية الابرار ابناء الله بالنعمة. وهذه اللفظة اي ان الاب يدعى الها قد استعملها المسيح وحده على غير العادة. فقد استعملها معظم الانبياء الأولين كقول اشعياء على لسان الرب “ربيت بنين ونشأتهم اما هم فعصوا علي” وكذلك “الآن يا سيد انت ابونا ” واشياء اخرى كهذه.
الجواب على الاعتراض السابع:- نقول ان النبوات غالبا هي رموز، فاذا كان دعا الانبياء المسيح ملكا لا يعني ذلك انه لا يكون الها. لان معنى كلمة الملك والله لا يتنافر، ونقول ضد قولهم انه يجب ان يتشبث اليهود بهذا الرأي على مسيحهم المنتظر، كما أن اليهود قد اخطأوا في كل الامور فقد نسوا هذه ايضا كما تنبأ اشعياء قائلا: سمعا تسمعون ولا تفهمون ونظرا تنظرون ولا تعرفون لأنه غلظ قلب هذا الشعب وسدوا اذانهم واغمضوا عيونهم. ونقول ضد قولهم ان آدم لم يولد بفعل الزواج، اننا لا نعرف الوهية المسيح بهذا فقط، ولكن بالبراهين الاخرى التي ذكرناها سابقا، ومع هذا فان آدم ولد بدون زواج في وقت لم يكن فيه لا رجل ولا امرأة. اما المسيح ففي وقت كثر فيه الرجال والنساء دون حد، ولئن ولد آدم بدون زواج، فلا عجب في ذلك، فان الحصان الاول ولد هكذا وسائر انواع الحيوانات. ولئن ولد آدم بدون زواج، ولكن ذلك لا يعني انه لم يعرف الزواج بعد ذلك، بل انه ولد فقط بدون زواج، والفرق واضح للفهماء. ونقول ضد قولهم عن قضية اخنوخ وايليا اللذين صعدا الى السماء ولم يموتا بعد، انه لم يكتب عنهما هكذا. فقد كتب عن اخنوخ انه احسن لله وعن ايليا انه صعد الى السماء بالعاصفة ولم يخبر عنه انه لم يمت او انه مزمع ان يأتي حيا في آخر الايام. ومع هذا نقول ان صعود ايليا ايد نبوته كما ان صعود المسيح اثبت الوهيته، وكذلك عجائب موسى والانبياء الآخرين ايدت نبوتهم، كما ان عجائب المسيح ايدت لاهوته لانهم أكدوا وجود الانبياء، والمسيح الله وابن الله كما هو مكتوب عنه في الانجيل. ونقول ضد قولهم انه خليقة الله وهو كلمته وروحه لو كان اعتراضكم هذا حقيقيا، لكان يجب عليكم ان تدعو كل ثور ودودة، وكل خليقة جليلة وحقيرة طاهرة ودنسة كلمة الله وروحه، ولما كان بعكس ذلك. بل كنيتموه وحده بنعوت وصفات سامية، فظهر انه هو كلمة الله الذي تجسد كما دعاه كتابكم.
الجواب على الاعتراض الثامن:- نقول ان العجائب التي عددتموها، لا تسلمون بحقيقتها جميعكم، فان الشيعيين فيكم يقولون ليس له ولا اعجوبة عدا الكتاب النبوي الذي كلم به ولم يكن يعرف الكتابة، ولذلك نقول ان فخر الدين رازي قال في كتاب موحَصَل نتحقق ارساليته من ثلاثة امور
اولا – قوله انا ساعي الله، وقد ايدت اعجوبته قوله وهو القرآن.
ثانيا – اخلاقه وتصرفاته الفاضلة والتي لم يشر كل منها بذاته على نبوته، ولكن جميعها تشير ضرورة انها لا توجد الا في الانبياء، وقد اختار الجاحظ هذا النوع من الاشارة وشفر الغازي في كتاب موقند.
ثالثا – سبق تنبؤ الانبياء عنه في كتبهم السماوية، ولكننا نقول لو كان ذلك الكتاب اعجوبة لماذا لم يختره هؤلاء الرجال الافاضل بينكم لتأييد نبوته، لان اخلاقه وتصرفاته التي ذكرتموها لا تعلن نبوته، وذلك واضح ان كثيرين من الملوك كانوا عادلين وابرارا ولم يوجدوا انبياء. وثم اذا كان من فم رجل فارسي، أو أهوازي او من الذين لم يختلطوا مع المتبحرين بالكتب من الشعوب الأخرى، قد صدر هذا الكتاب الذي حسب اعجوبة انئذ. فكم بالأحرى الرسل الذين تكلموا بالسنة مختلفة، التي لم يكونوا يعرفونها عندما حل عليهم الروح القدس بشبه ألسنة نارية وهم مجتمعون في العلية الصهيونية. ونقول ضد ادعائهم انه تنبأ عن المستقبلات بقوله: سيقهر الرومانيون وسيظفر شعبه ان جميع الذين يريدون تحريض ابناء بطانتهم على الحرب يعدونهم بوعود كهذه. فاذا تمت يؤيدون حقيقتها، واذا لم تتم قالوا لم يحن بعد اوانها. ونقول ضد القائلين لنا ان اسمه (محمد) مذکور في التوراة والانجيل عندكم. فان هذه قد سمعتموها من القرآن والقرآن يتأيد بتأييد نبوته، فاذا كانت نبوته مردودة في القرآن، فنتأكد بالصدفة، ولو كان اسمه مذكورا في التوراة والانجيل لما اختفى عنا.
اعتراض:- تقولون لقد شوهتم وحورتم الكتب ورفعتم اسمه، وتحويركم الكتب واضح من أن عندكم ستة ترجمات من كتب العهد القديم التي ترجمت من اليونانية الى السريانية وهي السبعينية والتي لافولاس وسومخوس وثيوادوطون والتي وجدت في حِبِّ باريحا، والتي وجدت في حب نيقوبوليس. وهذه الترجمة البسيطة التي بين ايدي السريان هي لافولاس وسومخوس اللذين افسدوا الكتب وشوهوها اكثر من ان يصلحوها، كما قال فيلكسينوس المنبجي. ان هناك ثلاث ترجمات عند السريان لكتب العهد الجديد، البسيطة والحرقلية والقرقفية، وكتب الملافنة منها اصلحها يعقوب الرهاوي ومنها غيره، فكيف تستطيعون مع كل هذا التغيير الموجود في كتبكم ان تنكروا وتقولوا اننا لم نحور ونفسد الكتب؟.
الجواب:- نقول ان كل كتاب يعرب مرارا عديدة من لغة الى اخرى من الضروري أن يطرأ عليه بعض التغيير اللفظي ومع هذا الاختلاف لو وجد اسم نبيكم في احد الكتب التي احصيتموها لهذه الترجمات، ولم يوجد في الآخر، لربما حق لكم القول لنا انكم رفعتم اسمه، ولما لم يوجد ولا باحدها، فما تقولونه ليس حقيقيا.
الباب الرابع
في ان اتحاد ربنا طبيعي واقنومي وليس ارادي
فقط
وفيه ستة فصول
الفصل الاول
ايضاح الاقوال التي عليها الحاجة الماسة في هذه
الابحاث
اولا – في الجوهر والعرض:- لقد علمنا هذه التحاديد في المنطق، ولكن يجب ان نعلم ههنا بان الفلاسفة الخارجين لا ينسبون)يحملون(اسم الجوهر الى الله له المجد، لانهم يقولون ان الجوهر هو ما يكون في القوة وياتي الى الفعل، والله له المجد كان ويكون وسوف يكون دائما، فكيف يمكن ان يطلق عليه انه يوجد في الفعل، اذ ليس موجودا لكونه موضوعا، وان لم يكن موجودا في الفعل. اما عندنا فنطلق كلمة الجوهر عليه، لا لكونه موضوعا وقائما بذاته بدون زيادة أخرى، بل لان لفظة الجوهر تخص الله له المجد فقط عدلا. اما المسلمون فيطلقون كلمة الجوهر على الذي تجسد ومات، الجسم فقط المحصور في محل ولان الله له المجد ليس كما يقولون، فلا يدعى جوهرا لديهم. اما القديس ديونيسيوس الاريوباغي فيقول في الباب الأول من الميمر الثالث. انه لمن الجسارة القول أو التفكير بشيء على الالهوية الخفية والمتعالية عن الجوهر، ليس في احد هذه الافكار التي قيلت، ويقول ايضا ليس الله جوهرا اي ليس كإحدى الجواهر المدركة منا، وذلك واضح من قوله بعد قليل، الجوهر السامي عن الجوهر، والعقل غير المعقول، والكلمة غير المنطق بها. اما العرض فهو الذي يقوم بغيره ولا يقوم بذاته.
ثانيا – في الطبيعة والاقنوم:- اننا بحسب تقليد ابائنا الكنسيين، كل جوهر هو طبيعة، وكل طبيعة هي جوهر لان الطبيعة لا تنسب عندنا (تحمل) على الاعراض، بل تقوم بالطبيعة. اما عند الفلاسفة الخارجين، كل جوهر طبيعة وليس كل طبيعة جوهر (اي لا يعكس) لان الاعراض تختلف بطبيعتها عن بعضها عندهم. والطبيعة لدينا ولديهم، اما عامة او خاصة. فالطبيعة الخاصة تدعى اقنوما (شخصا) لذلك لا تستطيع الطبيعة ان تكون بالفعل بدون الاقنوم، بل بالكينونة فقط. فالأقانيم الكثيرة يمكن ان تقوم في طبيعة واحدة عامة.
ثالثا – في الذات:- الذات بحسب الاصطلاح الكنسي هي کمال جوهر الشيء. ولذا لا تقع الاعراض ولا على الطبائع العامة، لانها ليست موجودة بالفعل، وبالتالي لا ينفصل بشيء الاقنوم والذات.
رابعا – في الكائن:- ان الكلمة الكنسية تدعو كل ازلي كائنا، ولذلك تخص هذه اللفظة الله وحده له المجد، وعلى الذين يعترف بهم كذبا من المعتقدين بالكائنين او ذوي الكائنين الكثيرين عند الفلاسفة الخارجين الذين يقولون ان الكائن يكون ازليا وذا بداية.
خامسا – في الكينونة:- ان كينونة الشيء عندنا هي جوهره، اما عند الفلاسفة فلا تشير الى جوهر الشيء بل الى وجوده.
سادسا – في الماهية:- ان هذه اللفظة لا توجد كثيرا في الكتب البيعية، اما عند الفلاسفة فهي ما يشير الى طبيعة الشيء اي ما هو كنهه.
سابعا – في الفرصوف:- الفرصوف هو الجزء الظاهر للجوهر الوحيد الحي الذي فيه الالتئام الطبيعي للحواس الاربع، وينسب (يحمل) بداهة الى الانسان، كما قال ارسطو طاليس الذي يدعو الفرصوف فقط ما في سمع الانسان الطبيعي بسبب أستعدال القامة. اما بحسب الاصطلاح الكنسي، ينسب الفرصوف الى كل شكل (نوع) او شيء موجود، كما قيل في الانجيل المقدس ” تعرفون ان تميزوا وجه السماء والارض” الا انه لا ينسب بداهة الى غير المجسمات كقول ربنا له المجد “لان ملائكتهم دائما يعاينون وجه ابي” وقد فسر مار سويريوس هذه الآية في الميمر الرابع والخمسين من ميامره على المنبر فقال: اي فرصوف للذي لا شكل له ولا جسد، وكيف يرى غير المنظور، ولكن الكتاب المقدس عادة بالنسبة الى معرفتنا يدعو وجه الله، كما يقول المرتل الالهي في المزامير ” لا تصرف وجهك عني ” “وانر وجهك على عبدك” وكذلك ليرى الملائكة الخ… تشير الى اي حد هي عناية الله بالاطفال لكي يحفظوهم ويحرسوهم بمواظبة ويقظة، وكذلك يستعمل الفرصوف في النحو مجازيا واستعاريا كقولنا: ارض وارضي.
ثامنا – في الرسم (الصورة):- ان الرسم يطلق على الاجسام التي لها معنى الفرصوف، اما على غير الاجسام فيشير الى خاصة صورة كل من الاقانيم كالاب بالابوة والابن بالبنوة والروح بالانبثاق.
تاسعا – في الخاصة:- اما الخاصة بحسب الاصطلاح الكنسي لا تتبع الطبيعة وحسب، بل كلا من الاقانيم. وكما يقول الفلاسفة، انها تتبع الاجناس والانواع فقط.
عاشرا – في القوة:- هي مبدأ الفعل لجميع الاشياء الممكنة ان تصير.
حادي عشر – في الارادة:- هي جمال قوة الحي، والتنظيم، اي ان احد الاجزاء يضادد الآخر، ما يعمل وما لا يعمل.
ثاني عشر – في السلطان:- السلطان هو القوة المستعبدة للارادة والقادر ان يضطر حتى الطبيعة ببعض الاعمال لا بكليتها، كقدرة الانسان على الصوم، وان كانت الارادة والطبيعة معا تستلزمان الغذاء، وكذلك السهر والنعاسة، ولكنه لا يستطيع ابطال حركة تفكيره، أو تقلص قلبه وانبساطه او عملية كبده وغيرها.
ثالث عشر – في الشكل والتشبيه:- وقد اشرنا الى هذه كلها في المقولات العشر.
رابع عشر – في الرمز: الرمز هو المشابهة الجزئية بين جسم وجسم آخر، كقولنا الخيمة هي رمز لنصف السماء وابنة السماء كلها، أو جسم بغير جسم كقولنا النفس عندما تنفصل عن الجسد تشبه الملاك ان كانت بارة، وتشبه الشيطان ان كانت اثيمة او غير جسم بجسم كقولنا النفس تشبه النار بدوام حركاتها. ويقال عنها مشابهة جزئية لأنها كتشبيه الظل للجسم.
خامس عشر – في الصيرورة والاشياء الحادثة والموجود:- الصيرورة هي نظام صدور الاشياء من القوة الى الفعل أما الاشياء الحادثة فتدعى المادة الأولى الثابتة كالسماء والعناصر، والحادث يقال لكل طبيعة ليست ازلية بل تحدث فعليا والفلاسفة الخارجيون يستعملون هذه اللفظة الأخيرة فقط حسب قول ارسطوطاليس كما ذكرنا سابقا. وجميع الكائنات الحادثة هي موجودات العالم والتي احداها هو البحر بالنوع لا بالعدد.
الفصل الثاني
في ان ربنا يسوع المسيح طبيعة واحدة من
طبيعتين
وفيه مقصدان
المقصد الأول
البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- نقول لو لم يكن ربنا طبيعة واحدة، وهو الذي ولد منذ البدء من الاب بدون جسم، وولد في آخر الازمان بالجسد من مريم. لكان مولودين وبالتالي ابنين، وواضح انه لم يقل بابنين احد النصارى ولا بطبيعتين فيكون ربنا اذن طبيعة واحدة وليس طبيعتين.
البرهان الثاني:- نقول ان السيد المسيح، لما كان معترفا به انه اله من جميع المسيحيين، فلا يجب ان يحصى فيه طبيعتان او أقنومان لان ذلك يؤدي الى الاعتقاد بطبيعتين واربعة اقانيم في اله النصارى وذلك محال، ولما كانت طبيعة الله واحدة في الاقانيم الثلاثة، فواحدة اذن طبيعة السيد المسيح واقنومه.
اعتراض:- يقولون ان الطبيعة والاقنوم الانسانيين ليسا الله بالطبيعة بل بالنعمة فقط.
الجواب:- نقول فيوجد عندكم اذن الهان احدهما بالطبيعة والآخر بالنعمة، ونصل اخيرا الى تعدد الالهة اي الشرك كالوثنيين.
اعتراض:- يقولون كأنكم تجردون من الطبيعة والاقنوم ما اخذه الله الكلمة من نسل داود، وكيف تستطيعون ان تبينوا لنا الناسوت مجردا من الطبيعة والاقنوم.
الجواب:- نقول لما كان الناسوت جزءا من الكل الطبيعي للمسيح حسب اعتقادنا، ومن الكل الاقنومي كرأي الخلقيدونيين ومن الكل الفرصوفي والبنوي بحسب رأي النساطرة، هكذا وطبيعة الكلمة اللاهوتية اذ لا يجب ان تعد طبائعهم منفصلة ومتميزة لئلا تدخل الاثنينية، ولئلا تعد الطبائع والاقانيم الخاصة للناسوت اي النفس والجسد، وليس هكذا فقط، بل طبائع واقانيم جميع اعضاء الجسد البسيطة والآلية، ومن هنا لا يكون في المسيح طبيعتان واقنومان فقط بل أكثر من خمسين وهذا محال. ونقول ايضا كما اننا لا نستطيع إظهار الناسوت مجردا من الطبيعة والاقنوم، كذلك لا تستطيعون ايها الخلقيدونيون ان تبينوا لنا الناسوت مجردا من الاقنوم، وبالتالي يجب ان تعترفوا باقنومين في المسيح لا واحد وهكذا أنتم ايها النساطرة لا تقدرون ان تظهروا لنا الناسوت مجرداً من الفرصوف والبنوة والمسيحية، وبالتالي يجب عليكم ان تؤيدوا ان في المسيح فرصوفين وابنين ومسيحين.
اعتراض:- يقولون ان النفس والجسد بكونهما مخلوقين ومبتدئين، فيدعيان في الانسان طبيعة واقنوم واحد. اما اللاهوت والناسوت، فيما ان الاول هو خالق والثاني مخلوق فالأول ازلي والثاني ذو بداية، فلا يدعيان طبيعة وأقنوما واحدا.
الجواب:- نقول فإذن للإنسان والثور والبرتقال والبلوط والزمرد والحديد طبيعة واحدة، ولم يرتأي هكذا ولا واحد لا من الاباء الكنسيين ولا الفلاسفة الخارجين، ونقول أيضا كما ان النفس والجسد مخلوقان ومشتركان مع بعضهما، فبالمثال نفسه الله والانسان بما انهما قائمان لذاتهما، فهما مشترکان مع بعضهما.
البرهان الثالث:- نقول ان اتحاد الطبائع ببعضها، يشير الى وجود واحد من اجتماعهما كليهما، وهذا الواحد لا يمكن ان يكون اسما فقط بدون مسمى، ولا يكون المسيح ليس شيئا وذلك محال فيكون اذن اسما معلنا لعمل. وهذا العمل اما ان يكون جوهرا او عرضا، ولما كان من المستحيل ان يكون عرضا، فمن الضروري يكون جوهرا، وهذا الجوهر اما ان يكون عاما او خاصا، ولا يمكن ان يكون عاما، اذ تحمل المسيح انئذ الى انواع كثيرة واشكال اخرى وذلك محال، اذ ينتج لدينا ان يدعى المسيح اما أحد هذه الطبائع والانواع او أحد هذه الاقانيم التي منه ولد. لان الجوهر هو خاص، وواضح ان الجوهر الخاص ليس شيئا غير الطبيعة والاقنوم الوحيد، فالمسيح اذن لما كان شيئا لا عدمه، وجوهرا لا عرضا، وخاصا لا عاما، فطبيعته وأقنومه واحد.
البرهان الرابع:- اذ كانت المتحدتان هي الطبائع، فيجب ان يكون الاتحاد طبيعيا، لأنه لو كان هذا الاتحاد ليس طبيعيا بل أقنوميا او شخصيا، فلا تكون الطبيعتان قد اتحدتا ببعضهما، بل الاقانيم او الفراصيف (جمع فرصوف) وهذا محال. لأنه لم يجسر أحد المسيحيين القول ان الاقانيم او الفراصيف اتحدت بدون الطبائع.
البرهان الخامس:- نقول لو كان الاتحاد أقنوميا او فرصوفيا لا طبيعيا، لكان اتحاد الاقانيم والفراصيف الاشخاص مع بعضها بدون طبائعها. وهذا غير ممكن، لان الاقانيم والاشخاص هي بطبيعتها كذلك ولا تنفصل قط عن بعضها، ومن هنا يتضح لنا بانه إذا كان الاتحاد أقنوميا او شخصيا، يجب ان يكون طبيعيا ايضا، ولما كان الاتحاد الطبيعي معلوما، فيلزم ان ننسب الوحدة الى الطبيعتين، ولا يجب ان نعدها طبيعتين طالما هناك الاتحاد بين الطبائع والاقانيم والاشخاص، فإذن واحدة هي طبيعة السيد المسيح وأقنومه.
البرهان السادس:- نقول لو كانت الطبيعتان من بعد الاتحاد كذلك كما قلنا قبل الاتحاد، فلا يكونان قد اتحدتا وذلك محال بالنسبة الى الرأي العام عند جميع المسيحيين.
اعتراض:- يقولون ان الطبيعتين اتحدتا باقنوميهما وفرصوفيهما لا بطبيعتيهما.
الجواب:- نقول ان هذه الكلمة هي سخيفة ومشككة ولا تستحق السمع. أي القول بان الطبيعتين لم تتحدا بطبيعتهما، ومع هذا فقد سبقنا واظهرنا بانه لا يمكن ان يتحد الاقنومان والفرصوفان مع بعضهما بدون الطبيعتين.
المقصد الثاني
في البراهين النقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- قال غريغوريوس “ان الايمان بالاجزاء يكون رويدا رويدا، وهكذا هو الله الحقيقي غير المتجسد الذي ظهر بالجسد كاملا بكمال اللاهوت الحقيقي، فهو ليس فرصوفين ولا طبيعتين ولا نسجد لرابوع، فنقول لله ولابن الله والانسان والروح القدس، ولذا فنحرم جميع الذين يأثمون بوضعهم الانسان في المجد الالهي”.
البرهان الثاني:- يوليوس ضد الذين ينفون التجسد الالهي بسبب ابن الطبيعة بقوله “لا يوجد اي انفصال او تمييز بين الكلمة وجسده في الكتاب المقدس، بل هو طبيعة واحدة واقنوم واحد ومشيئة واحدة وشخص واحد، فهو ذاته كله الله وكله الانسان لأن المؤثر واحد ومشيئته واحدة وكذلك الحركة التأثيرية”.
البرهان الثالث:- اثناسيوس في رسالته الى يوبينيوس الملك يقول “هكذا يجب ان نعترف ونقول بطبيعة واحدة واقنوم واحد للكلمة المتجسد الذي تأنس بالكمال، والذي لا يقول بذلك فهو يخاصم الله ويقاوم الآباء القديسين”.
البرهان الرابع:- له ايضا من تأليفه عن تجسد الكلمة يقول “نعترف بأنه ابن الله والله بالروح وابن الانسان بالجسد، فليس طبيعتان للابن الواحد واحد مسجود والثاني غير مسجود، ولكن طبيعة الله الكلمة المتجسد المسجود له مع جسده سجودا واحدا واحدة. فليسا ابنين الواحد ابن الله الحقيقي المسجود له، والثاني الانسان غير المسجود الذي ولد من مريم، الذي هو ابن الله بالنعمة كبقية البشر”.
البرهان الخامس:- فروقلس اسقف القسطنطينية في رسالته الى الارمن يقول ” كما ان الاتحاد لا ينفصم الى جزئين متحدين، لانه اذا انقسم لا يدعى عندئذ اتحادا بل اثنينية، وهكذا الذي صار واحدا بالاتحاد السامي غير المنقسم الى اثنين وبالتالي لا يؤدي الى تغيير الطبيعة، لانه اتحد اتحادا حقيقيا”.
الفصل الثالث
في ان طالما اقنوم ربنا واحد، يجب ان تكون
طبيعته ايضا واحدة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- نقول اذا كان اقنوم السيد المسيح واحدا، يجب ان تكون طبيعته واحدة ايضا لان اقنومه ليس شيئا منفصلا عن طبيعته، ما عدا الزيادة الخاصة المعينة.
البرهان الثاني:- نقول ان بعد الاتحاد لا يجب ان يُعد اقنوم آخر مع اقنوم الله الكلمة. ولا طبيعة اخرى مع طبيعته لان الجسد المأخوذ هو الباكورة من نسل ابراهيم وداود فكما انها لم تكن مجردة من الطبيعة، كذلك لم تكن مجردة من الاقنوم، فاذا ذكرت الطبيعة يذكر الاقنوم، وإذا لم يذكر الاقنوم لا يجب ان تذكر الطبيعة ايضا.
البرهان الثالث:- نقول كون الله خالقا وغير مركب (بسيط) وغير منظور وغير محتاج وغير متألم، كل هذه بما انها خواص الطبيعة الالهية، فليس من المستحيل اطلاقها على اقنوم الله الكلمة، وهكذا الخواص المضادة لها بما انها تخص الطبيعة الانسانية، ليس من المستحيل اطلاقها على اقنوم الانسان الكامل الذي اتحد به الله الكلمة، وبالتالي من الممكن اجتماعها في اقنوم واحد كما انه يجب وجودهما في طبيعة واحدة بنوع آخر وآخر، ولا يجب ان تكون ممكنة الوجود في اقنوم واحد بنوع آخر وآخر.
البرهان الرابع:- نقول لا يمكن ان توجد الطبيعة بلا اقنوم بالفعل، بل ربما بالخيال فقط، كالأجناس والانواع العامة، فالطبيعتان اللتان تعترفون بوجودهما في المسيح اذا كانتا بالفعل، فيجب ضرورة ان يكون له اقنومان أيضا، ولكنكم لا تقرون بذلك، لان هذا الرأي نسطوري محض.
البرهان الخامس:- نقول لاي من الطبيعتين هو ذلك الاقنوم الواحد الذي تقرون به، هل للطبيعة الالهية ام للانسانية، والذي يعطى لها، فالآخر يتجرد عندئذ من الاقنوم.
المقصد الثاني
في البراهين النقلية التي تؤيد هذه القضية
نقول ان البراهين الخمسة التي مرت في الفصل الثاني تؤيد هذه القضية تأييدا اكيدا، واستعمالها عام في الجدال مع ذوي الطبيعتين من جماعتي الخلقيدونيين والنساطرة، لان الملافنة الذين اتينا بهذه البراهين منهم مقبولين عند اصحاب الجماعتين المذكورتين معا، لانهم يسبقون المجمع الافسسي والخلقيدوني. اما البراهين التي جلبناها في هذا الفصل، فهي تدور حول توبيخ الخلقيدونيين خاصة، لان قائليها غير مقبولين عند النساطرة، ولذا تتبع هذه البراهين الاتية ههنا بالبرهان الخامس الذي مضى في الفصل السابق.
البرهان السادس:- قوريلس في رسالته الى اقاق اسقف ميليطيين حيث يقول “لذلك لما كنا نقبل بالعقل (الخيال) جميع الامور التي منها هو ذلك الواحد الذي هو وحده الابن والرب يسوع المسيح، فنصرح بان الطبيعتين اتحدتا، ومن بعد الاتحاد قد بطل الحكم بالاثنينية، ولا نؤمن الا بواحد وهو الطبيعة الواحدة للابن المتأنس والمتجسد”.
البرهان السابع:- له ايضا في رسالته بعد امور اخرى يقول “اننا نعلم بالحقيقة وجود الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد والمتأنس” كما سبقنا من مدة وقلنا.
البرهان الثامن:- له ايضا في رسالته الاولى الى سوقنسوس اذ يقول عندما نفكر في ذلك، لا نضر في الاسراع بقولنا انه اصبح واحدا من اتحاد الطبيعتين مع بعضهما، وبعد الاتحاد لا تجزئ الطبيعتين من بعضهما، ولا نحكم بابنين على ذلك الواحد غير المتجزئ، بل نعترف بابن واحد كما قيل، طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد.
البرهان التاسع: له ايضا في رسالته الى اولوغيوس اذ يقول “لما كنا نؤمن بالاتحاد حقيقة، فلا يجب بعد ان نفصل الطبيعتين المتحدثين من بعضهما، بل نؤيد ان الابن واحد وطبيعته واحدة وذلك بقولنا الكلمة تجسد”.
البرهان العاشر:- له ايضا في حرمه الخامس اذ يقول “من يجسر أن يقول عن المسيح انه الانسان الذي سكن فيه الله، ولم يقل بالاحرى انه الله الذي تجسد كابن وهو طبيعة واحدة، لان الكلمة صار جسدا واشترك بشبهنا بالدم واللحم يكن محروما”.
البرهان الحادي عشر: ثاوديكا اسقف انقورا في ترجام الميلاد الذي قاله قبل المجمع الافسسي المقدس هكذا “ليقل لنا هؤلاء الذين يجزأون الناسوت من الله، كيف تمسكن لاجلنا، وكيف يفصلون بذكر الطبيعتين ذلك المتحد حقيقة، هؤلاء الذين يعتقدون باثنينية في المسيح، وانهم يعتبرونه واحدا فقط بالاحتجاج الذي يأتونه محايلة.
الفصل الرابع
في أنه لو كان ربنا يسوع المسيح إبنا ورباً
وشخصا واحدا، يجب ان تكون الطبيعة والاقنوم
واحدا فقط
وفيه مقصد واحد
في البراهين التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول:- نقول لما كان الابن الواحد والرب الواحد والشخص الواحد ليس عرضاً ولا جوهراً عاماً كما قلنا، فمن الضروري أن يكون جوهراً خاصاً، ولا يستطيع أحد إنكار أن الجوهر الخاص واحد بطبيعته واقنومه، فطبيعة المسيح ربنا واقنومه إذن واحد.
البرهان الثاني:- نقول لأي من الاقنومين هذا الشخص (الفرصوف) الواحد الذي تصرح به للاقنوم الإلهي أم الإنساني، والذي تعطيه إياه، يتجرد الآخر من الفرصوف، وكيف يمكن ذلك، لأن الفرصوف هو معرف الاقنوم بحسب رأيك، ويجب من هنا إذا كان اقنوماً ربنا اثنين، فيكون لهما فرصوفان، وهذا لم تُقر به.
البرهان الثالث:- نقول لأي من الاقنومين قال بطرس أنت هو المسيح ابن الله، وطبعاً الذي قيل له ذلك، سيتجرد الآخر من البنوة وهذا محال، وإذا قلت لكليهما معاً، فلا يُعقل قولك إذ لا يقال لإثنين معاً أنت هو أو أنت قلت، بل أنتما هما، وأنتما قلتما، ولما كانت إثنينية الطبائع والأقانيم تؤدي الى هذا المحال، لذلك يجب أن تكون طبيعة ربنا واحدة وأقنومه واحداً أيضاً.
البرهان الرابع:- نقول اذا كان المولود أزلياً من الآب والمولود محدثاً من مريم قد صار بالاتحاد واحداً وابناً واحداً من البنوتين كلتيهما، ما عدا أنهما لم يعدم كل منهما بنوته، فكيف الطبيعتان والاقنومان لم يصيرا بالاتحاد واحداً ولم يصيرا واحداً بالطبع وواحداً بالاقنوم بغض النظر عن كون كل منهما لم يفقد طبيعته واقنومه كيف يمكن ذلك وهذا لا يمكن.
البرهان الخامس:- نقول لو كان الاتحاد إرادياً لا طبيعياً واقنومياً كما يبرهنون بأن جميعهم كانوا مواظبين عن الصلاة بنفس واحدة لوجب أن يُطلق الاتحاد على جميع الذين كان لهم رأي واحد وإرادة واحدة، والأمر ليس كذلك، لأنه لو كانت نفس بطرس متحدة بنفس بولس ونفس بولس متحدة بجسده، لوجب أن يكون جسد بطرس متحداً بجسد بولس، وهذا غير صحيح. إذ يكون للجسد الواحد نفسان وهذا محال لأن كل إنسان يعرف له نفساً واحدة وليس إثنتين أو أكثر.
البرهان السادس:- نقول لو كان الاتحاد إرادياً لا طبيعياً وأقنومياً، لوجب أن يطلق على الآب والروح القدس أيضاً، فيقال أنهما نزلا من السماء وتجسدا من الروح القدس ومن مريم العذراء، ولا يمكن أن يقول ذلك أحد، أن الأب والروح اشتركا في تجسد الابن وتأنسه ولا ظن به.
البرهان السابع:- نقول لو كان المقصود بالاتحاد إتفاق الارادة، لوجب أن تتحد الثلاثة أقانيم مع الأنبياء والرسل والقديسين الفضلاء وذلك باطل.
البرهان الثامن:- نقول لو كان المقصود بالاتحاد طتفاق الارادة أيضاً، فما هو معنى قول الانجيل أن “الكلمة صار جسداً وحل فينا”.
البرهان التاسع:- نقول أن الاتحاد بالارادة هو اتحاد استعاري لا فعلي، ويؤدي الى الاعتقاد بابنين، كما شهد بذلك علامة النساطرة مار نرساي بميمره الذي مطلعه مبارك الذي حل وأبطل إذ قال (بالاسم دعاهما واحداً بالوجود) ولا ينسى القارئ الفروق الواضحة، وبهذا الشرط دعوت أنا أيضاً الإثنان جسداً واحداً، ابن الله وابن الانسان شخص واحد. وواضح أن الملافنة القديسين لم يسلموا لنا بأن الاتحاد ليس بالاسم بل بالفعل، ولم ينادوا بابنين، ولذا يجب التعجب من هذا المفسر كيف يقول ههنا أن الاتحاد كان بالاسم فقط وبالحب، وبهذا الميمر المذكور ينادي ويذيع عن اتحاد الطبيعة بقوله إن كيان المحجوب والجسد المأخوذ منا واحد لا باختلاط المحجوب بالظاهر.
الفصل الخامس
في أن البتول القديسة هي والدة الله، وفي إطلاق
الأمور الإنسانية الضعيفة على الله بسبب الاتحاد
كما ورد في الكتاب المقدس
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- نقول ان المسيح هو اله كما يقر به جميع المسيحيين، ويعترفون ايضا بانه ولد من العذراء وتألم وصلب، فنستنتج اذا بالنوع الاول للشكل الثالث، ان الله ولد من امرأة وتألم وصلب، ومن هنا يتضح لكل فرد ان من يعترف بالمسيح الها، لا يتساءل فيقول ان الله ولد من العذراء وتالم وصلب، واذا خجل من الاقرار بهذا، فكم بالاحرى يجب ان يخجل من تلك ايضا.
البرهان الثاني:- نقول كل ما تدخل الاثنينية في معناه ولم يكن طبيعة بسيطة بل مركبة، فمن العدل ان يحمل الى كل جزء من اجزائه اصلا وبداهة، ويقع ايضا على الآخر مؤخرا ومجازيا اي بالكلام فقط كالدرهم مثلا يدعى كذلك بالنسبة الى صورته ويدعى نحاسا بالنسبة الى مادته، وليس من المستحيل ان نقول ان هذا النحاس هو درهم، وهذا الدرهم هو نحاس. وهكذا ربنا بما انه انسان كامل واله كامل، فليس من عدم التعقل ان نقول الله ولد من العذراء وتأمل وصلب ولما كانت الكلمة ترمي اصلا وبداهة الى الانسان الكامل، هكذا ومجازا فقط الى لفظة الله الذي اتحد معه.
البرهان الثالث:- نقول اذا حق لربنا ان يقول قبل ان يكون ابراهيم انا كائن بكون لاهوته كان قبل ابراهيم لا ناسوته، فيحق لنا ايضا ان نقول الله ولد من العذراء وتألم وصلب، مع العلم ان الانسان الذي اتحد معه الله هو الذي احتمل كل هذه الامور اصلا.
البرهان الرابع:- نقول اذا حق لربنا ان يقول لم يصعد احد الى السماء الا اذا نزل من السماء، ابن الانسان مع العلم ان لاهوته هو الذي نزل من السماء لا ناسوته وذلك بسبب الاتحاد، فيحق لنا ايضا ان نقول الله ولد من العذراء وتأمل وصلب ونعلم أن الانسان هو الذي احتمل طبيعيا وليس الله بطبيعته.
البرهان الخامس:- إذا صح للرسول بولس ان يقول ان الانسان الاول ترابي من الارض والانسان الثاني الرب من السماء، مع العلم ان الانسان الثاني ترابي ايضا من الارض فيصح لنا ان نقول ان الرب الذي من السماء ولد من العذراء وتألم وصلب، فنقول دعي الرب من السماء من اجل الانسان الترابي الذي من الارض.
البرهان السادس:- نقول اذا كانت للكتاب المقدس عادة ان يحمل غالبا الموت على النفس بسبب اتحادها بالجسد، مع علم الجميع ان النفس غير مائتة كما ورد في التوراة فافرزوا بعض القرى للملجأ ليهرب اليها كل قاتل يقتل نفسا بغتة وكقول داود، دخلت في الحديد نفسه، وقوله وذهب الرجال على دم انفسهم واشياء اخرى كثيرة فلا نشذ عن عادة الروح وقوة الكتاب المقدس عندما نقول ان الله ولد بالجسد من العذراء وتألم وصلب.
البرهان السابع:- نقول اذا لم يكن مستحيلا قولنا هذا العالم ابيض مع العلم ان النفس هي العالمة وليس الجسد والجسد هو الابيض وليست النفس فبالشكل نفسه ليس من المستحيل ان نقول الله ولد من العذراء وتألم وصلب، وان الانسان الذي اتحد به هو الذي احتمل كل هذه وليس ذاك (الاله).
البرهان الثامن:- نقول ان جميع المسيحيين يقرون بان سبب تجسد الله كان لخلاص البشر من عبودية الموت والخطية والشيطان، ولو اعلن الكتاب المقدس للناس ان خلاصهم تم بموت انسان بسيط لربما استهان الكثيرون بسهولة السبب ولم يحترزوا من الخطايا، او لربما لا يقبلون ذلك الذي فعل معهم هذا (الخلاص) كما يليق بنعمته، فمن الضرورة وجب أن ينادي بنوع لا يضاد الحق بقوله، لقد خلصتم بميلاد الله بالجسد وبآلامه الارادية بالجسد وموته بالجسد، وعندما يتأملون مليا بالنوع الاشد صلاحا وخطورة وعجبا، والخارق العادة والذي به خلصوا، فعندئذ يعيشون بتحذر، ويقبلون ذلك الذي طأطأ ذاته لأجلهم واحتمل العار والهوان، كما قال الرسول “حيث كثرت الخطية هناك ازدادت النعمة” ومن هنا ظهرت هذه الطريق اكثر فائدة الى تكميل هدف التدبير الالهي.
المقصد الثاني
في البراهين النقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- من رسالة القديس بولس الاولى الى اهل کورنثس ” لو عرفوا نعمته لما صلبوا رب المجد”.
البرهان الثاني:- رسالته الى اهل غلاطية “ولما جاء ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس”.
البرهان الثالث:- رسالته الى اهل افسس “ولذا فقد قيل صعد الى السماء وسبى سبيا واعطى المواهب للبشر، فما هي صعد الا الذي نزل أولا الى اسافل الارض، فالذي نزل هو الذي صعد الى اعلى السماوات ليكمل الجميع”.
البرهان الرابع:- رسالته الى اهل فيلبي “فكروا في هذا بنفوسكم فان يسوع المسيح الذي بصورة الله، لم يحسب مشابهته لله اختلاسا، فقد وضع نفسه واخذ شبه عبد صائرا في شبه الناس ووجد في الهيئة كانسان، فقد اذل نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب، ولذلك رفعه الله وعظمه جدا”.
البرهان الخامس:- رسالته الى اهل كولوسي “ذلك الذي هو شبه الله غير المنظور وبكر جميع الخلائق، وبه خلق ما في السماوات والارض ما يرى وما لا يرى الجلاس والسادات والمراتب والسلاطين، وكل شيء من بين الاموات ليكون الاول بكل شيء”.
البرهان السادس:- رسالته الى اهل كولوسي ايضا “به يسكن كل ملء اللاهوت جسديا، وبه انتم تكملون ايضا وهو رأس جميع المراتب والسلاطين”.
البرهان السابع:- رسالته الاولى الى تيموثاوس “عظيم هو سر العدالة (التقوى) الذي ظهر بالجسد وتبرر بالروح وتراءى للملائكة وبشر به بين الشعوب، وآمن به العالم وصعد بالمجد وجلس عن يمين كرسي الله”.
البرهان الثامن:- رسالته الى طيطس “اذ ننتظر الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجلنا ليخلصنا من كل اثم”.
البرهان التاسع:- رسالته الى العبرانيين “لقد تكلم الله منذ البدء مع ابائنا بالانبياء كلاما متفرق الاجزاء. وتكلم معنا في هذه الايام الاخيرة بابنه الذي جعله وارثا لكل شيء وبه صنع العوالم. وهو إشراق مجده وصورة وجوده وضابط الكل بقوة كلمته، وهو الذي عمل تطهيرا لخطايانا وجلس عن يمين العظمة في الاعالي”.
البرهان العاشر: رسالته الى العبرانيين ايضا “هو الله بنعمته ذاق الموت عوض كل انسان، فكان يليق للذي بيده الكل ولأجله، الذي ادخل كثيرين الى المجد ان يكمل بدء حياتهم بالآلام”.
اعتراض:- يقولون ليس هكذا نص العبارة، ولكن هو الذي عدا الله ذاق الموت عوض كل انسان.
الجواب:- نقول في جميع الترجمات اليونانية والرومانية والسريانية والارمنية والقبطية والايبيرية والآلانية والسقيتية والحبشية توجد لفظة الله أفهل يكذب هؤلاء جميعهم، وانتم وحدكم تصدقون؟ اذ من الجهل الظن كذلك. واذا سلمنا ان هذه العبارة موجودة في جميع الترجمات كما في ترجمتكم ولكنكم ماذا تفعلون بما اضافه الرسول بقوله، كان يليق للذي بيده الكل ولأجله؟ وبقوله ايضا بكر جميع الخلائق الذي هو الرأس والبكر من بين الاموات ليكون اولا في كل شيء، أفهل هذا ايضا غير بعيد عن الله او غير الله؟.
البرهان الحادي عشر:- القديس ديونيسيوس الباب الثاني من الميمر الثالث “انها متميزة عن العمل الالهي، ويليق بنعمته لنا ان يصير منا ومثلنا كليا وحقيقيا، ذلك الكلمة السامي عن الجوهر ويفتقدنا ويتألم جميع الامور المميزة والمعروفة للفعل الالهي وناسوته “.
البرهان الثاني عشر:- القديس غريغوريوس العجائبي في ميمره على التجسد والايمان “من يقول ان الذي تألم هو غير الذي لم يتألم، ولم يعترف بالله الكلمة غير المتألم الذي بجسده يعلم بدون تغيير كما هو مكتوب فليكن محروما”.
البرهان الثالث عشر:- ايليوس من اقوال الذين يقاومون التجسد الالهي بسبب ابن الطبيعة، فان البتول عندما ولدت منذ البدء الجسد فقد ولدت الكلمة وهي والدة الله واليهود الذين صلبوا الجسد صلوبا الله، اذ لا يوجد في الكتاب اي تمييز أو انقسام في الله الكلمة وجسده.
البرهان الرابع عشر:- اثناسيوس في ميمره على تجسد الله الكلمة نقر بان ابنه الكائن قبل العوالم ازليا، قد ولد ازليا من الأب وولد بالجسد في آخر الازمان من مريم فكيف يعلمنا الرسول الالهي اذ يقول “فلما جاء ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امرأة، وهو الله ذاته معا وابن الله بالروح وابن الانسان بالجسد، فليس للابن الواحد طبيعتان”.
البرهان الخامس عشر:- في ميمره على ظهور الله الكلمة بالجسد “ولذا فقد صار ابن الله انسانا، ليصير ابناء آدم ابناء الله فالكلمة الذي من الاب ولد من الأعالي قبل الازمان ميلادا يسمو عن الوصف والتعبير ولا يدرك ولا يفهم وازلي وهذا ابن الله هو ذاته ولد في آخر الازمان في الارض من العذراء القديسة مريم “.
البرهان السادس عشر:- انطيكوس أسقف القسطنطينية من بعض اخباره عن القديسة مريم والدة الله يقول “ان الذي تكلم بالأنبياء بدون عيب او دنس هو الذي ولدته لنا مريم مخلصا، فهي والدة الحياة والجمال والعظمة، والممنطقة بالنور والرجاء والدة الله”.
البرهان السابع عشر: القديس غريغوريوس النوسي في رسالته ضد المبتلين بآراء ابوليناريوس بقوله “افنظن يسوع آخر او هل نضع كتبا اخرى او هل تجاسر احدنا ان يدعو القديسة العذراء والدة الله والدة الانسان كما سمعنا عن بعض الذين يقولون ذلك بدون خجل وحياء”.
البرهان الثامن عشر: القديس غريغوريوس النازينزي في ميمره على ميلاد مخلصنا بالجسد “الذي لا جسد له تجسد، والكلمة يحصر، وغير المنظور ينظر وغير الملموس يلمس الذي لا زمان له يقع تحت البداية، ابن الله صار انسانا، يسوع المسيح بالأمس واليوم هو هو الى الابد”.
البرهان التاسع عشر: له ايضا في ميمر الميلاد الإلهي “اذا سمعت عن الختوم البتولية والقماطات وجميع هذه التي مصدرها جسدي، فلا تخجل بشيء، فليس شيء دنسا يستعمله الله، وان تراءى لك كذلك، اذ لم يأخذ شيئا من دنسنا، كما ان الشمس لا تحمل شيئا من الاشياء التي تلامسها، بل منح الطهارة والنقاء من لدنه لتلك الاشياء”.
البرهان العشرون:- له ايضا في الميمر الثاني عن الابن “فالآن قد تغيرنا وخلصنا بألام غير المتألم”.
البرهان الحادي والعشرون:- له ايضا على اثناسيوس الكبير “وبآلام الله العظيمة لاجلنا”.
البرهان الثاني والعشرون:- له ايضا في النصف الثاني لميمره الثالث والاربعين لقليدونيوس ” اذا ظن احد ان مريم ليست والدة الله فهو ليس من الله”.
البرهان الثالث والعشرون:- له ايضا في النصف الثاني الميمره على يولينوس ” ان المخلص ورب الكل وخالق الجميع والمكمل ذلك الابن والكلمة والمقرب ورئيس الكهنة والمساوي بالمكانة للآب العظيم، ذاك الذي لأجلنا نحن الذين احتقرنا صورته وذهبنا وراء التراب. ولم نعرف سر الاتحاد العجيب وليس فقط اتخذ شبه العبد، بل صعد الى الصليب واصعد خطيتي معه لتموت”.
البرهان الرابع والعشرون: القديس مار افرام السرياني الملفان في ميمره على جمعة الآلام “لقد قدموا لذراع الخالق العظيم قصبة العار والهوان والشبر الذي مسح البشر الذي مسح السماء سمروه بالمسامير على الخشبة الله بمسيحه خلق البرايا ورتبها اليدان اللتان جبلتا آدم سمرتا من ابناء آدم، قام الله في دار الحكم وقبل اللطم على خده من العبد القاسي، ونحن لا تستطيع اذننا احتمال كلمة صغيرة الله علق على الخشبة، وشمل المسكونة حزن عميق، ونحن قد شربنا سلافة وركبتنا الكبرياء”.
البرهان الخامس والعشرون: المجمع النيقاوي المقدس “اله حق من اله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر الذي من اجلنا نحن البشر ومن اجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء البتول والدة الله، وصار انسانا وصلب عوضنا في ايام بيلاطس البنطي وتألم ومات ودفن وقام كما شاء”.
البرهان السادس والعشرون: اياونيس اسقف القسطنطينية في ميمره على الميلاد لقد ولدت العذراء عوض الشمس شمس البر غير المحدودة، فلا حاجة للسؤال كيف فحيث تشاء ارادة الله يقهر نظام الطبيعة “.
البرهان السابع والعشرون:- له ايضا في ميمره على الآلام الخلاصية “من لا ينذهل عندما يرى الله جاثيا ومصليا وهذه الاشياء هي ضد جميع المعتقدين بالطبيعتين معا، اما ضد الخلقيدونيين خاصة، فقول قوريلس في الحرم الثاني عشر، فنقول من لا يعترف بان كلمة الله تألم بالجسد، وذاق الموت بالجسد، وصار بكرا من بين الاموات وهو الله الحي والمحيي فليكن محروما “.
الفصل السادس
في رأي ذوي الطبيعتين وفيه مقصدان
المقصد الأول
اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الاول:- يقولون هل حفظت خواص التغييرالطبيعي او لم تحفظ، فاذا لم تحفظ، فقد حدث الاختلاط والامتزاج والتبلبل، وان حفظت فكيف لا تكونان طبيعتين ويجب ان تتبع اثنينية الطبائع اثنينية الاقانيم طبعا، ان من المستحيل ان توجد طبيعة بدون اقنوم بالفعل، فالابن اذن طبيعتان واقنومان.
الاعتراض الثاني:- يقولون هل تقولون طبيعة واحدة بتساوي الجوهر او ليس بتساوي الجوهر، فاذا كان بتساوي الجوهر، فيكون الجسد مساويا للكلمة بالجوهر، والكلمة مساويا بالجوهر للاب والروح، وهذا محال، واذا لم يكن بتساوي الجوهر، فكيف لا تكونان طبيعتين فيكون ايضا اقنومين
الاعتراض الثالث:- يقولون ان الله الكلمة بكونه موجودا ومولودا من مريم بطبيعته، فاما ليس لانه موجود ولا بطبيعته، واذا كان بوجوده وطبيعته، فيكون قد اخذ هذا الاله الكلمة بداءة وجوده من مريم وذلك محال. واذا لم يكن لا بوجوده ولا بطبيعته، فلا يكون هو الذي ولدته مريم، اذ من المستحيل ان ينفصل الكلمة عن طبيعته، فكيف ولدت الكلمة ولم تلد طبيعته، ومن هنا يستنتج بان مريم ليست مريم والدة الله.
الاعتراض الرابع:- يقولون ان هذه الطبيعة الواحدة التي تعترفون بها، هل تساوينا او تساوي الاب والروح، واذا لم تساو قط، فيتضح ذلك من اللاهوت وهذا محال، ولما كان الافتراضان باطلين، فيكون اعترافنا بربنا المسيح طبيعة واحدة باطلا ايضا.
الاعتراض الخامس:- هل ولدت مريم ابن طبيعة الاب أم ابن طبيعتها؟ فاذا ولدت ابن طبيعة الآب فلا تكون اذن قد ولدت انسانا كاملا، ومن هنا تدخل فكرة (نظرية) الخياليين وهذا محال. واذا ولدت ابن طبيعتها، فلا تكون اذن قد ولدت ابن الله، ومن هنا يستنتج انها ليست والدة الله.
الاعتراض السادس:- يقولون اذا كان المسيح مساويا للآب والده ولمريم والدته، والآب ومريم هما طبيعتان واقنومان.
الاعتراض السابع:- يقولون اذا كان لاهوت ربنا وناسوته قائمين بذاتهما وليس بآخرين كالأعراض، فكيف لا يكونان جوهرین واقنومين، فكل شيء اما ان يكون جوهرا او عرضا، والذي يكون جوهرا فمن الضروري ان يكون عرضا.
الاعتراض الثامن:- يقولون لو لم يتألم الله الكلمة، لما بقي بالجسد غير المتألم، فكيف أصبح الكلمة متألما بألم الجسد، والظفر والغلبة كانت واجبة ولائقة لله الكلمة اي ان يرفع الجسد الى عدم التألم، ولم تتقو الطبيعة السامية وتتحصن بالجسد وتتألم بألمه، وبسبب ذلك نقول ان الانسان تأله احرى بكثير واليق من قولنا الله تأنس بل انه اتخذ جسدا فقط.
الاعتراض التاسع:- يقولون اذا كان الله قد ولد من امرأة وتراءى بالجسد وصام وتألم وصلب ومات وقام بالجسد، والجسد ولد من امرأة وتراءى وجرب وصام وتألم وصلب ومات وقام بطبيعته، فماذا تقولون اذن في المسيح المنظور وغير المنظور والمتألم وغير المتألم والمائت وغير المائت اذ تساوون معا المنظورين والمتألمين والمائتين وتوافقون بين المولود بالجسد والمولود بالطبيعة؟.
الاعتراض العاشر:- يقولون لو مكث الله الكلمة كما هو ولم يحصل له تغيير في ذاته ولا تبدل في طبيعته بعد الاتحاد، ولم يكن متألما قبل الاتحاد، فكيف يكون قولكم صحيحا بأحد الانواع انه تألم بالجسد او بنوع آخر.
الاعتراض الحادي عشر:- يقولون لو كان طبيعة واحدة وهي ذاتها التي تعرف اليوم الاخير والساعة، والتي لا تعلم فتوجد عندئذ هذه الطبيعة الواحدة لا تعرف ما تعرف وذلك محال.
الاعتراض الثاني عشر:- يقولون اذا كان الموت انفصال النفس عن الجسد، فان اللاهوت ليس جسدا، ولم ينفصل عن النفس، فبأي نوع يمكن القول ان الله مات؟.
الاعتراض الثالث عشر:- يقولون يمكن أن يحوز الانسان آخر ويحسبه كنفسه اراديا، كما ورد في الرسالة “ايها الرجال احبوا نساءكم كاجسادكم” ولا يمكن ان يكون ذلك طبيعيا، فكيف تهربون من القول بالاتحاد الممكن وتنادون وتعلمون بالاتحاد غير الممكن؟.
الاعتراض الرابع عشر:- يقولون هل هو بالطبيعة اله كامل وانسان كامل، وليس بالطبيعة كلاهما. او انه اله بالطبيعة وانسان ليس بالطبيعة، واذا كان الها وانسانا بالطبيعة، فالله يمتاز بالطبيعة عن الانسان، وبالتالي يكونان طبيعتين، واذا لم يكونا كلاهما بالطبيعة، فالمسيح لا يكون لا الها ولا انسانا وهذا محال ومحالة الافتراضين المريبين واضحة لكل انسان.
الاعتراض الخامس عشر:- يقولون ان الذي يفصل بين طبيعتي المسيح يقول بإبنين احدهما للآب والثاني لمريم وواضح أن الذي لا يفصل بين طبيعتي المسيح يقول بابن مضاعف (تياندريكي) هو للآب والمريم، وطالما الاثنينية منفاة فكيف يمكن ان تبقى المضاعفة، لان المضاعفة تعرف وتفهم بالاثنينية.
الاعتراض السادس عشر:- يقولون اذا كان الله الكلمة قبل التجسد طبيعة واحدة واقنوما واحدا، وبعد التجسد كذلك طبيعة واقنوما اذن ماذا حدث للطبيعة والاقنوم الجسديين، أو لعل الجسد كان بدون طبيعة واقنوم، وهذا لا يمكن، واذا امكن فنؤدي الى فكرة الخياليين وهذا اشد محالا.
الاعتراض السابع عشر:- يقولون هل يوجد للنصارى اله غير المسيح او لا يوجد، فاذا وجد، فينشأ عندئذ تعدد الالهة (الشرك) واذا لم يوجد، فيكون اذن إما كل واحد من الاب والروح ليس الها او هو ايضا ولد من امرأة وتألم ومات، وواضح ان الافتراضين مستحيلان ونستطيع التخلص من هذا المحال فنقول ان المسيح ليس الها بالطبيعة، ولكنه انسان سكن فيه اللاهوت اي ان الله اتخذ انسانا وسكن فيه كما في هيكل، وذلك باتحاد ارادي وحبي فقط.
الاعتراض الثامن عشر:- يقولون لو كان عمانوئيل الها كاملا وانسانا كاملا، وان البتول ولدت الله فمن ولد الانسان یا تری؟ فربما تقول الأب، ومن هنا ترى مبلبلا الطبائع وخواصها تماما، وتجعل الذي لا ام له لا اب له.
الاعتراض التاسع عشر:- يقولون لو كانت العذراء لم تلد الانسان لم تلد المسيح ايضا، بما انه (المسيح) انسان كامل، واذا لم تكن قد ولدت المسيح، فلا تكون ام الله لان المسيح هو اله كامل، ومن هنا طالما تنفون كلمة والدة الانسان ووالدة المسيح، فانكم تنفون بدون معرفتكم لفظة والدة الله ايضا.
الاعتراض العشرون:- يقولون لو كان الآباء القديسون الثلاثمئة والثمانية عشر اعترفوا بالابن ابن طبيعة الأب وحرموا كل من يعتقد به من جوهر آخر، كيف لا تأخذون بحرمهم بتصريحكم ان ابن طبيعة الأب ولد من مريم؟.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول ان خواص التغيير الطبيعي محفوظة، فيجيبون اذن هما طبيعتان، فنقول لا يجب ذلك لان النفس والجسد المحفوظة فيهما خواص التغيير الطبيعي، وهما طبيعتان متباينتان مجسمة وغير مجسمة، ولكن تنتج طبيعة واحدة انسانية من اتحاد كليهما وليس اثنتان.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول ليست الطبيعة واحدة بتساوي الجوهر، فيجيبون اذن هما طبيعتان لا واحدة، فنقول هما اثنتان ولكن ليس بالبساطة، بل واحدة من اثنتين، فكيف يكون الاتحاد بدون رأي عقلي بسيط خال من المعنى، نعم واحدة من اثنتين لأنها مضاعفة وليست بسيطة (مجردة) وهي بدون امتزاج وتبلبل، لان خواص التغيير الطبيعي محفوظة.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقول ليس الله الكلمة بطبيعته ولد من مريم، ولكن بما انه تجسد وتأنس فيجيبون ليس من الممكن أن يولد الكلمة ولا تولد طبيعته، اذ لا يمكن الفصل بين الكلمة وطبيعته، لا بالعقل ولا بالفعل فنقول لا نريد ذلك، اي ان الكلمة ولد بدون طبيعته، بل ان الكلمة لم يولد بطبيعته بل بالجسد، وكيف يمكن ذلك، فهوذا الجسد فهو لا يرى لأنه موجود بطبيعته بل بواسطة الشكل الذي يحوزه، كالمناخ النقي والطلق، ومع هذا لا يقال كيف يمكن ان يرى الجسم، واذا قيل ذلك فبنوع السفسطة والضلال.
الجواب على الاعتراض الرابع:- نقول ان هذه الطبيعة الواحدة ليست بسيطة بل مضاعفة اي اله انسان، فيكون اذن مساويا للآب والروح بلاهوته، ولنا نحن البشر بناسوته.
الجواب على الاعتراض الخامس:- نقول ان ابن طبيعة الاب المتجسد ولدته مريم عندما صار انسانا، فالذي ولد من مريم بما ان طبيعته هي طبيعة الأب، فهو اله كامل، وبما انه تأنس فهو انسان كامل ايضا.
الجواب على الاعتراض السادس:- نقول ان المسيح ربنا، لما كان طبيعة واحدة مضاعفة، ومن طبيعتين الهية وانسانية، فيما انه اله فهو مساو للآب والده، وبما انه انسان فمل فمساوٍ لمريم والدته.
الجواب على الاعتراض السابع:- نقول ان اللاهوت والناسوت اللذين منهما المسيح حقيقة هما جوهران وليسا عرضين، ولكن بما انهما متحدان فيقال عنهما جوهر واحد مضاعف وليس بسيطا، وهو ناتج من اتحاد كليهما بعد القيامة لا قبلها.
الجواب على الاعتراض الثامن:- نقول لم يخرج الجسد عن تألمه، ولا الكلمة عن عدم تألمه، ولكن لأجل الاتحاد، فقد وضع الاباء القديسون كل هذه الامور على كل منهما، كما ستلم الينا من الرسل القديسين، فقد قال يوحنا الانجيلي “نبشركم بالذي هو منذ البدء الذي رايناه باعيننا ولمسناه بايدينا”. اما الغلبة التي نسبتموها للاهوته هي اجل بكثير.
الجواب على الاعتراض التاسع:- نقول ان كلمة “بالجسد” تعلمنا ان الله بطبيعته ليس منظورا او متألما او مائتا، ولكنه غیر منظور وغير متألم وغير مائت، وهكذا نقر ونعترف كما تعلمنا من ملافنتنا المتبحرين، كما علم الناطق بالالهيات الغير المنظور نظر، والغير ملموس لمس، والذي لا ام له يصير لا اب له.
الجواب على الاعتراض العاشر:- نقول ان الله الكلمة بما انه كان غير متألم قبل الاتحاد، هكذا بقي غير متألم بعد الاتحاد ايضا، ولكن يقال انه تألم بالجسد لأنه اختصه (الجسد) له وجعله جسده.
الجواب على الاعتراض الحادي عشر:- نقول ان ربنا ليس بمضاعفة اعماله اللاهوتية والناسوتية لم يعرف ذلك اليوم وتلك الساعة، بل لأسباب اخرى منها:
أولا – لأنه لم ير فائدة من الجواب عليها للذين سألوه.
ثانيا – لأنه عرف ان ضررا كبيرا يكون للذين في ايامهم تصير القيامة، فانهم يتمادون في الخطايا والشرور وينهمكون في الشهوات الباطلة، متكلين على يوم الآخرة حيث فيه يتوبون لعلمهم ان التوبة لا ترذل قط في كل حين.
الجواب على الاعتراض الثاني عشر:- نقول ان الله لم يمت بطبيعته ولن يموت، ولكنه خص موت الجسد له، لجعله جسده، والجسد له لا لغيره.
الجواب على الاعتراض الثالث عشر:- نقول ان الامور الغير الممكنة (العسيرة) عند الانسان هي ليست كذلك عند الله، كما صرح بفمه الاقدس، والقديس ديونيسيوس يرشدك على ذلك اذ يقول: طالما الله يشاء فليقهر نظام الطبيعة.
الجواب على الاعتراض الرابع عشر:- نقول ان المسيح هو بالطبيعة اله كامل وانسان كامل اما الطبيعة فهي واحدة مضاعفة (مركبة) من طبيعتين الهية وانسانية.
الجواب على الاعتراض الخامس عشر:- نقول انه يجب ان تنفى الاثنينية ليتأيد الاتحاد، اما التضاعف فلا يبطل لان الطبيعة الواحدة هي منهما، واذا أردت لك برهانا للذي لا شبيه له ولا مثيل، فدونك نفسك وجسدك اللذين انت قائم بهما، فانت طبيعة واحدة واقنوم واحد لأنك انسان.
الجواب على الاعتراض السادس عشر:- نقول ان الله الكلمة قبل التجسد كان طبيعة واحدة، واقنوما واحدا بالبساطة، اما بعد التجسد، فليس بالبساطة، ولكن طبيعة واحدة مضاعفة واقنوما واحدا مركبا. واعلم ان هذا السؤال قد وجهه الملك هرقل للأثناسيوس بطريرك الارثوذكسيين في مدينة منبج اذ قال: هل ان الذي مات هو ابن طبيعة الأب ام لا؟ فأجاب البطريرك ان ابن طبيعة الأب مات بالجسد، ولكنه ليس مائتا بطبعه فسأله الملك ثانية اظهر لي اذن جسدا بدون طبيعة فأؤمن بطبيعة واحدة، اما البطريرك فاما خوفا او ضعفا اظهر حبنا، وكان يجب عليه ان يقول له، وانت أيها الملك اظهر لي جسدا بدون اقنوم او فرصوف، فأؤمن بطبيعتين في اقنوم واحد، او بطبيعتين واقنومين في فرصوف واحد.
الجواب على الاعتراض السابع عشر:- نقول ليس للنصارى اله آخر مختلف بالطبيعة عن المسيح لان اله النصارى واحد بطبيعته اما الاقانيم فهي ثلاثة لا واحد. واعلم ان هذا السؤال المضل وجهه ايليا جاثليق النساطرة لأغناطيوس اسقف الجزيرة بقوله: هل للنصارى آله آخر غير الذي ولدته مريم ام لا. اما الاسقف فلئلا يسقط بالشرك تعدد الالهة انخذل من الاجابة وقال له دعنا ايها الاب من هذه القيود، وكان بالاحرى له ان يعود فيسأل الجاثليق، هل للنصارى اله آب غير الاب الحقيقي ام لا؟ فاذا وجد، يحدث تعدد الالهة، واذا لم يوجد، فيكون اقنوم الله واحدا كما ان طبيعته واحدة ايضا. وبالتالي لا تكون هذه ديانة مسيحية وهذا السؤال السخيف يلتزم سؤالا سخيفا آخر ينقضه اي نكيل صاعا بصاع كما تعلمنا من ربنا حيث ابطل سؤال بأي سلطان تفعل هذا الخ بسؤاله معمودية الفريسيين له يوحنا الخ.
الجواب على الاعتراض الثامن عشر:- نقول ان البتول ولدت الله المتجسد والمتأنس والأب ولده غير متجسد ولا متأنس.
الجواب على الاعتراض التاسع عشر:- نقول نحن لا ننكر ولا واحدة من هذه الالفاظ الثلاثة، ولكننا نعترف بان العذراء ولدت الانسان الكامل الذي هو المسيح، وبالتالي يحق لنا ان ندعوها والدة الانسان ووالدة المسيح ووالدة الله معا، لان هذه الاسماء الثلاثة تشير الى مخلصنا ذاته، ولا سيما ندعوها والدة الله بما ان هذه التسمية هي الافضل والاشرف، كما سلم الينا اباؤنا القديسون، اما انتم فاذا حسن لكم ان تدعوها بالصفة الوضيعة او المتوسطة فما لنا منكم.
الجواب على الاعتراض العشرين:- نقول اننا نصرح بان ابن طبيعة الأب ليس بالبساطة (التجرد) ولد من مريم بل بالجسد، ولما كان واحدا وهو ذاته الطبيعة والاقنوم من الطبيعتين والاقنومين، فبلاهوته ابن طبيعة الآب وبناسوته ابن طبيعة مريم، اذ كيف يقول المرتل داود، لما كانت الطبيعة والاقنوم واحدا، وهو بنفسه ابن طبيعة غير المتجسمين وغير المنظورين، وبجسده ابن طبيعة المجسمين والمنظورين، وقد حرم الآباء الثلاثمئة والثمانية عشر، كل من يعترف باقنوم الابن بلاهوته لا بناسوته هو جوهر غير جوهر الأب كاريوس الذي تجاسر فاعترف بالابن انه ليس ابن طبيعة الأب بلاهوته.
الفصل السابع
وفيه مقصدان
المقصد الأول
براهينهم الكتابية
البرهان الاول:- من الانجيل كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم، فلو كان ابن داود وابراهيم الها. وكل اب يسبق ابنه فيوجد عندئذ داود وابراهيم سابقين لله، وهذا محال.
البرهان الثاني:- فيه ايضا والصبي كان ينشأ ويتقوى ويمتلئ حكمة، ونعمة الله كانت عليه، فيقولون هذا الذي ولدته مريم والا لو كان الله كيف يقال عنه انه كان يتقوى بعد الضعف، وكان ينشأ بعد الصغر، ويمتلئ حكمة بعد ان كان معدوما منها، وهذه ليست من خواص الله بل الانسان.
البرهان الثالث:- فيه ايضا واخذ يسوع الاثني عشر وابتدأ يقول لهم هوذا نحن صاعدون الى اورشليم، وسيكمل ما كتب بالأنبياء عن ابن البشر، فيسلم الى الشعوب ويحتقرونه ويبصقون بوجهه ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم، الا ترون اذن كيف يضع الآلام على الناسوت اي على طبيعته الانسانية، كما اتضح من تعليمه لتلاميذه، وهوذا انتم قد حدتم عن طريقه، واخترتم لكم ما يضاد اقوال هدفه.
البرهان الرابع:- فيه ايضا انقضوا هذا الهيكل وانا اقيمه في ثلاثة ايام افلا ترون كيف يدعو جسده هيكلا، وانتم عندما تسمعون هذا القول منا تنسبونه الى تعليم غريب.
البرهان الخامس:- الابركسيس ان يسوع الذي من الناصرة رجل ظهر لكم من الله بقوات وآيات وعظائم التي عملها الله بينكم على يديه كما تعلمون انتم واذا كان ذلك الرجل الذي صنع الله على يديه هذه كلها حقيقيا لا خياليا ولكن لا يقع على الله اسم رجل أو امرأة، ولا يمكن ان يفعل الله القوات بواسطة الله لأنه اذا كان صانع العجائب هو الله فهو يستطيع وحده فقط ان يصنع.
البرهان السادس:- فيه ايضا ليعلم كل انسان حقيقة ان الرب قد عمل المسيح الها هذا هو يسوع الذي انتم صلبتموه ولكن يقولون كيف يكون المسيح بالطبيعة وليس بالنعمة طالما الله عمله، لان الذي يكون بالطبيعة لا يقال (يعمل) اذ ليس الله له المجد معمولا بالطبيعة.
البرهان السابع:- فيه ايضا باسم يسوع الناصري الذي صلبتموه انتم ذاك الذي اقامه الله من بين الاموات وربما يقولون اذا كان المسيح الذي صلب واقامه الله بالطبيعة وليس بالنعمة، كيف يمكن ان يموت وهو غير مانت بطبيعته.
البرهان الثامن:- فيه ايضا ان الذي مسحه الله بالروح القدس والقوة، هو الذي كان يجول شافيا المصابين من الشيطان لان الله معه ويقولون ان الله كامل بطبيعته ولا يحتاج الى الكمال بالمسحة التي تشير الى النقص، ولا يمكن ان يتحد الله مع الله والا يوجد لنا اله مساعد واله اخر مساعد.
البرهان التاسع:- فيه ايضا وامرنا ان ننادي ونشهد للعالم، انه هو الذي عيّن من الله ديانا للأحياء والأموت ولكن يقولون اذا كان الذي بالطبيعة هو الله وليس بالنعمة، فكيف يعين من الله المساوي له والشبيه به الذي بالطبيعة وليس بالنعمة، ليقال عنه انه ديان كذا وكذا؟.
البرهان العاشر:- رسالة مار بولس الى اهل رومية “اذا اعترفت بفمك ان يسوع هو رب وآمنت بقلبك ان الله اقامه من بين الاموات تحيا” فيقولون ارأيتم اذن كيف يقول اذا اعترفت بفمك فقط ان يسوع هو رب ذاك الذي هو رب بالنعمة كما يشير الرسول الحكيم، وبقوله “اذا آمنت بقلبك الخ” يشير الى طبيعته الانسانية واقنومه.
البرهان الحادي عشر:- افسس “أن اله ربنا يسوع المسيح ابا المجد”. ولكن يقولون كيف يكون اله لله الذي هو الله بالطبيعة لا بالنعمة.
البرهان الثاني عشر: في رسالته الى اهل افسس ايضا “ما هو فضل عظمة قوته فينا، في الذين يؤمنون كما يفعل شدة قوته التي اظهرها في المسيح واقامه من بين الاموات واجلسه عن يمينه في السماء، فوق جميع المراتب والسلاطين والقوات والسادات، وفوق كل اسم يسمى به، ليس في هذا العالم فقط، بل في المزمع ايضا، واخضع كل شيء تحت قدميه” ولكن يقولون فاذا كان الله له المجد هو منذ الدهور والازل فوق جميع المراتب والسلاطين، وكل شيء خاضع له، فكيف خصت به بعد قيامته من بين الاموات، ومن لا يعلم ان الطبيعة الانسانية والاقنوم هو الذي استحق كل هذه العظمة بواسطة اتحاد الله الكلمة الارادي.
البرهان الثالث عشر:- رسالته الثانية الى تيموثاوس “اذكر يسوع المسيح الذي قام من بين الاموات، وهو من نسل داود”، فيقولون هكذا يظهر الرسول جهارا ان الذي قام من بين الاموات هو الذي ولد من الأب، ولكن الذي من نسل داود!.
البرهان الرابع عشر:- رسالته الى العبرانيين “لم يأخذ من الملائكة، بل اخذ من نسل ابراهيم، ولكن يقولون أرأيتم اذن كيف يظهر الرسول ههنا بجلاء كلمة (اخذ) وانتم ترذلون كلمة اخذ جسدا او انسان وتتشبثون بكلمة تجسد وتأنس دون ان تعلموا ان هذا يؤدي الى امتزاج الطبائع وتبلبلها.
البرهان الخامس عشر:- القديس غريغوريوس اسقف نازينزة في القسم الاخير من ميمره الثالث والاربعين ضد الهرطقات “اذا ادخل انسان الابنين الاول الذي من الآب والثاني الذي من مريم، اذ ليس واحدا هو ذاته، يسقط من ذخيرة البنين المحفوظة للمؤمنين باستقامة”، فالطبيعتان اثنتان اي الله والانسان كالنفس والجسد، اما الابناء فليسا اثنين ولا الهين فيقولون يجب اذن ان تقولوا بأحد الامرين، اما ان هذا الملفان يعترف بالبدعة وليس بالحق المستقيم او ان تقروا بالمسيح طبيعتين وابنا واحدا كما اعترف هو.
البرهان السادس عشر:- فيه ايضا بالميمر نفسه بعد قليل واذا وجب ان نقول سريعا ان الآخر والآخر اي اللاهوت والناسوت اللذين منهما مخلصنا، فلو لم يكن كذلك، اي ان الغير منظور نظر، والغير محدود بزمن خضع تحت الزمن، لا يمكن ان يكون بشكل آخر، فكلاهما اصبحا واحدا بلا امتزاج اي عندما تأنس الله الانسان في احشاء العذراء ومن يستطيع وصف ذلك، ثم يقولون اذا كان الملفان المتكلم بالالهيات يعلم جهارا بان الانسان تأله فلِمَ عندما تسمعون منا ذلك تحسبوننا مجدفين؟.
المقصد الثاني
في الرد على براهينهم النقلية
الجواب على البرهان الاول:- نقول ان داود وابراهيم يسبقان الله المتجسد والسيد المسيح وهو الله له المجد يسبقهما قبل تجسده.
الجواب على البرهان الثاني:- نقول ان الله احتمل بالجسد الامور الوضيعة بتواضعه، كقول الرسول بولس لما كان بشبه الله الآب وضع نفسه الخ.
الجواب على البرهان الثالث:- نقول اننا نعرف ابنا واحدا وهو ذاته الله والانسان بسبب الاتحاد، واذا كان ابن الله عندكم اخر، فافترضوا ابنين واسكتوا متخلصين، وبالتالي تغربوا وتجردوا عن تعليم الآباء القديسين.
الجواب على البرهان الرابع:- نقول ان مخلصنا لأجل تساوي الاسم دعا هيكل جسده بالهيكل السليماني، كما دعا داود المن الذي اقتات به بنو اسرائيل في البرية خبز الملائكة مع العلم ان المن ليس خبزا.
الجواب على البرهان الخامس:- نقول لو لم نكن قد اعترفنا بربنا الها كاملا وانسانا كاملا، لا نطبق علينا قولكم ولما كان انسانا كاملا، فكيف لا يليق ان يسمى رجلا.
الجواب على البرهان السادس:- نقول بالحقيقة ان الله الكلمة باتحاده مع الجسد، جعل ذلك الجسد الذي اتحد به ربا، ولا نقول ان الله بالنعمة انسان، اذ ليس لنا الهان احدهما بالطبيعة والثاني بالنعمة، ولم يعلم بهذا احد الآباء. والقديس غريغوريوس الناطق بالالهيات يرذل بعنف كل من يقول ان الاتحاد كان بالنعمة وليس جوهريا، وذلك كما جاء في ميمره الثالث والاربعين في القسم الاخير هكذا “ان قال احد كما جاء على لسان النبي اعمل بالنعمة، ولا يقول انه اضيف جوهريا وجبل معا، مجردا من العمل الصالح، وبالتالي يكون مشحونا بالمضادات”.
الجواب على البرهان السابع:- نقول ويجب ان يكون لكم احد الامرين إما أن تعترفوا بان المسيح الذي تألم حقيقة وصلب ومات الها او ليس الها واذا كان هو الله، فأنكم تعترفون معنا بما لا تريدون الاعتراف به واذا لم يكن الها. فقد ابتعدتم كليا عن ساحة المسيحية.
الجواب على البرهان الثامن:- نقول ان الله هو الله ذاته الله ولا يمكنه ان يكون لئلا يوجد عندئذ اله مساعد واله مساعد، وهكذا الله بالطبيعة لا يستطيع ان يتحد مع بالنعمة، لئلا يوجد اله كامل واله ناقص لان الاله بالطبيعة هو اشد کمالاً، والذي بالنعمة اشد نقصاناً.
الجواب على البرهان التاسع:- نقول كون الابن عين من الأب ليكون ديانا للأحياء والاموات، لا يدخل النقصان الى لاهوته، كما انه لا يدخل فيه بكونه (الابن) ولد من الاب وهو معلوله.
الجواب على البرهان العاشر:- نقول ان الرسول الالهي بقوله اذا اعترفت بفمك، يؤيد لاهوت ربنا، وبقوله “واذا آمنت بقلبك” يؤيد ناسوته، اذ لا يفصل الطبائع والاقانيم بعد الاتحاد، وإلا لا يحمل الى واحد ما يحمله الى كليهما معا.
الجواب على البرهان الحادي عشر:- نقول ان هذا البرهان يشجب ناكري ناسوت ربنا، وليس لنا نحن الذين نعترف فيه انسانا كاملا والها كاملا، وقد اظهرنا سابقا جدا بطلان ومحالة وجود اله بالطبيعة واله النعمة التي تؤدي الى اثنينية الالهة.
الجواب على البرهان الثاني عشر:- نقول بالحقيقة ان الطبيعة والاقنوم الانساني هو الذي استحق هذه العظمة كلها، ولكن بعد الاتحاد لا يجب عد الطبائع والاقانيم، لئلا يبطل الاتحاد، لان كلمة الاثنينية تنفي الاتحاد وبالعكس.
الجواب على البرهان الثالث عشر:- نقول بالحقيقة ان الذي قام من بين الاموات، هو الذي من نسل داود، ولكن لاتحاده بالله الكلمة، فصدقت فيه لفظة الله الكلمة اي قام من بين الاموات كقول الرسول الذي قبل الكل صار باكورة من بين الاموات ليكون اولا في كل شيء.
الجواب على البرهان الرابع عشر:- نقول اننا بقولنا “تجسد” نؤيد بالمعنى كلمة اخذ جسدا، لان كل متجسد يأخذ جسدا، وانتم بقولكم أخذ، لا تؤيدون كلمة تجسد، لأنه ليس كل من يأخذ جسدا متجسدا أو يتحد معه الها. ومن هنا وتجدون مضادين للإنجيل القائل الكلمة صار جسدا ولإيمان الثلاثمئة والثمانية عشر، الذين ايدوا انه تجسد وصار انسانا.
الجواب على البرهان الخامس عشر: نقول ان الملفان عنى بالطبيعتين اللتين منهما صارت طبيعة الله المتجسد الواحدة، ولم يفصل بين الطبائع بعد الاتحاد، وذلك واضح من البرهان الذي أتاه عن النفس والجسد، وإلا لوجب ان يكون لكل من الاشخاص البشرية طبيعتان واقنومان وذلك محال ولوجب أن يعترف بربنا ثلاث طبائع وثلاثة اقانيم وهذا اشد محالا اي طبيعة واقنوم اللاهوت، وطبيعة واقنوم النفس، وطبيعة واقنوم الجسد.
الجواب على البرهان السادس عشر: نقول أن كلمة الانسان تأله تؤخذ بمعنيين:
الاول – ان تأله الانسان حدث حال بشارة الملاك للعذراء، حيث اجابته هي قائلة: “ها أنا أمة للرب فليكن لي كقولك”.
الثاني – تأله الانسان الذي صار بعد العماد، عندما نزل عليه الروح القدس، ولذا من ذلك الوقت شرع يجترح العجائب.
والكنيسة المقدسة تعتبر الرأي الأول ونحن ايضا نسلم ونقر بما اشار اليه الملفان، اما الرأي الثاني، فهو باطل ومرذول وتدحضه الكنيسة الجامعة، ونهرب منه جميعا كما من سَمٍ قاتل، لان عقيدتكم تناسبه وتتصل به، وذلك واضح من تصعبكم بدعوة العذراء والدة الله كأنكم تعتقدون بانها عندما ولدته لم يكن هناك اعتاداً مع الله الكلمة، ولكنكم مضلون برأيكم ان طالما الاتحاد موجود حقيقية، كيف لا تكون والدة الله؟.
الباب الخامس
في انه طالما ان خواص التغيير الطبيعي محفوظة
فكنيستنا المقدسة تعترف بطبيعة واحدة متحدة
من طبيعتين وليس بامتزاج الطبيعتين معا
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في تأييد هذا الرأي
وفيه مقصدان
المقصد الأول
البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- نقول ان الاشياء الممتزجة مع بعضها من الضرورة يجب ان تكون في جميعها قوة الفاعلية والمفعولية (الانفعالية) وليس بواحد منها خاصة (فقط)، لان الذي لا ينفعل لا يتغير، والذي لا يتغير لا يمتزج، والطبيعة الالهية بما انها اسمى من التغيير الجوهري، فمن المستحيل اذن ان تمتزج بشيء آخر.
البرهان الثاني:- نقول ان الضعيف والنحيل يتأثر وينفعل بالقوي والشديد، ولما كانت الطبيعة الالهية قوية في كل شيء، واشد من الكل وتغلب الكل، فمن المستحيل ان تتأثر وتنفعل من أخرى، وبالتالي لا يمكن ان تتغير ولا تمتزج.
اعتراض:- يقولون ان الطبيعة الالهية ليس اتحادها بالطبيعة البشرية، تغيرت عنها وامتزجت بها، وهذا زعم رؤساء الهرطقة وهم: والنطيوس وابوليناريوس واوطاخي ولكن الطبيعة الالهية تغيرت الى الجسد السماوي الذي انزله الكلمة من السماء وهو ليس ابن طبيعة الجسد الانساني، ولم يؤخذ من العذراء، وهكذا صار طبيعة واحدة ممتزجة.
الجواب:- نقول لقد ايدنا ههنا عدم استحالة وتغيير الطبيعة الالهية التي سبقنا فأيدناها ايضا.
البرهان الثالث: نقول ان الامتزاج والتبلبل يتبع نسبيا الاجسام واعراضها، ولكن الطبيعة الالهية لما كانت لا جسما ولا عرضا. فمن المستحيل امتزاجها مع الاجسام والاعراض.
اعتراض: يقولون وماذا يمنعنا القول انها امتزجت مع النفس الناطقة التي ليست جسما؟.
الجواب:- نقول لم يحمل احد من الأولين والمتأخرين الامتزاج على غير الجسم، ونقول ايضا، ان مذيعي هذه البدعة ينكرون النفس الناطقة، فيجعلونها نفسا حيوانية او نباتية والقوى هي اجسام اي يقولون ان ربنا اتخذ اعراضا، ولذا فيضطرون ان يقولوا ان اللاهوت قام محل العقل، لأنه ليس للنفس الحيوانية والنباتية عقل.
البرهان الرابع:- نقول لو كانت الطبيعة الالهية قد تغيرت وامتزجت بالجسد السماوي، او بما هو جسد، وصارت لدينا طبيعة واحدة ممتزجة من طبيعتين، لنتج ضرورة ان تلك الطبيعة لم تكن لا الهية ولا انسانية ولا سماوية، وذلك محال.
فالافتراض الاول – لان الطبيعة الالهية تكون قد تغيرت ولم يبق ما كان موجودا.
والثاني – لان الطبيعة الانسانية مركبة من النفس الناطقة والجسد، وذلك الجسد الذي يقولون عنه مجرد من النفس الناطقة.
والثالث -لان شكل الطبائع السماوية مستدير، ومعلوم أن ذلك الجسد الالهي شكلا انسانيا، وهو ملتئم وذو هيئة بالاعضاء الانسانية.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول:- اثناسيوس “اذ قال احد ان جسد ربنا هو من السماء وليس من العذراء القديسة مريم او ان اللاهوت استحال الى جسد او تبلبل وتغير، فهذا تحرمه الكنيسة المقدسة الجامعة”.
البرهان الثاني:- القديس مار اياونيس في ميمره على الميلاد “لما كان الله قد صار انسانا، لم ينتقل من كونه الها فلم يصر اللاهوت انسانا في السماء، ولكن بما انه هو الله الكلمة لعدم التألم صار جسدا، ولم تتغير طبيعته”.
البرهان الثالث: ساويرا في الميمر الاول من كتاب على المنبر “ولئن تجسد وتأنس، فقد بقي بدون تغيير ذلك الموجود ازليا، وهو ذاته ذاق الموت وبقي متجسدا وغير مانت لانه غير قابل الآلام بطبيعته”.
الفصل الثاني
في رأي الاوطاخيين الفاسد الذين يدخلون
الامتزاج والتغيير في الطبيعة الإلهية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الاول:- يقولون لو اتحدت الطبيعة الالهية مع الانسانية، لما بقيت كما هي، واذا لم تتحد لما بقيت كما هي فمن الضرورة انها تغيرت وامتزجت مع التي اتحدت معها.
الاعتراض الثاني:- يقولون ان الطبيعة الالهية عندما اتحدت مع الطبيعة الانسانية، فاذا بقيت كما هي فاين خواص الاتحاد، واذا لم تبق كما هي، فمن الضرورة انها تغيرت.
الاعتراض الثالث:- يقولون ان الكلمة ليست جسدا، ولا الجسد كلمة، فاذا كان الكلمة قد صار جسدا وبقي كلمة والجسد ليس كلمة ينتج ان الجسد ليس كلمة وهذا محال. لان ذلك يؤدي الى ملاشاة الشيء نفسه، ويتضح من هنا انه لا يصدق القول الكلمة صار جسدا، الا بتأييد التغيير والامتزاج.
المقصد الثاني
برهانهم الكتابي
القديس غريغوريوس الثالوغوس في ميمره الثالث والاربعين في الجزء الاخير ضد الهرطقات، لو لم يكن ذاته المنظور لغير المنظور، وغير الزمني للخاضع تحت الزمن لما كان اتحاد اللاهوت والناسوت بشكل آخر، وكلاهما واحد بلا امتزاج.
الفصل الثالث
في هدم رأي الاوطاخيين الفاسد
وفيه مقصدان
المقصد الأول
الرد على اعتراضاتهم العقلية
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول لقد اظهرنا اعلاه ان الاتحاد هو اتباع الطبائع بدون تغيير جواهرها، كاتحاد النفس بالجسد بدون ان تتغير طبيعة النفس لطبيعة الجسد، او طبيعة الجسد لطبيعة النفس.
الجواب على الاعتراض الثاني: نقول ان خواص الاتحاد لا تظهر بتغيير الجوهر، بل بالأيات العجيبة الخارقة للعقل البشري، التي ظهرت من الجسد المقدس، وبشهادة الآب وحلول الروح القدس عليه بأنه مخلص الكل.
الجواب على الاعتراض الثالث: نقول لان يكون الشيء شيئا آخر، فاما هذا النوع بالتغيير الجوهري او يكون بالتغيير الجوهري، كأن يصير الهواء ماء والماء هواء، او بالتغيير الجوهري، وهذا هو النوع او بتغيير هذه الانواع التي تقوم بالجوهر. اما بالجسد فكقولنا عنه قد صار ابيض واما بالنفس كقولنا عنها قد صارت حكيمة، وإما ليس بتغيير الانواع القائمة بالجوهر، بل بتغيير الاشباه والاضافات المجردة من الجنس الاول من المقولات العشر عن الشيء، كما جاء في داود: يا رب صرت مسكنا لنا الى ابد الدهور، وكما قيل ان هابيل صار راعي غنم، فإذن نقول ان لفظة الكلمة صار جسدا لا تشير الى تغيير الجوهر بسببين:
الاول – ان الطبيعة الالهية غير متغيرة.
الثاني – قول الانجيلي “وحل فينا” الذي يشير ان كلمة الله ما لم يحتمل التغيير، لان الذي يحل هو غير الذي يحل فيه، ولا الى تغيير الاعراض فتكون اذن الاشارة الى تغيير الصلة في اتحاد الله الكلمة مع الجسد، بما ان الكلمة صار جسدا اي بأخذه الجسد الذي اتحد به الكلمة، وهذا الأخذ ليس كأخذ الفن مثل هابيل الذي زاد فأخذ الراعي، او اتخذ اضافة الكرامة كما هو مكتوب واؤتمن صموئيل ليكون نبيا للرب في كل اسرائيل، بل بالاتحاد الطبيعي والأقنومي كما برهنا مرات كثيرة، ونقول ايضا كما ان ربنا صار لعنة وهو لم يخضع تحت اللعنة، ليربح الذي تحت اللعنة، وكقول مار بولس عن نفسه صرت للذين تحت الناموس كخاضع للناموس، بينما اني لست تحت الناموس، ولكن لأربح الذين تحت الناموس، هكذا الكلمة صار جسدا بدون تغيير وقد لبث الها، ليجعلنا نحن الجسديين المنقادين والخاضعين للخطية غير متغيرين.
المقصد الثاني
الرد على برهانهم الكتابي
نقول ان القديس غريغوريوس وجه كلامه ضد الذين يمزقون الطبائع والاقانيم، كما ان الفصل ذاته يدعو الاتحاد امتزاجا، ليظهره اشد وضوحا اي طبيعي واقنومي وليس شخصيا (فرصوفيا) فقط، كما ظن بعضهم. ونقول ايضا ان لهذا الملفان عادة ان يدعو الاتحاد غالبا امتزاجا، اما لعدم اهتمامه بالألفاظ بل بالأفكار فقط. أو لاقتداره من الكلمات فيستعمل الاسم بنفس المعنى، فهذا الذي يتكلم عنه من الجهة المضادة التي فيها تشذ كلمته فانه يدعو ايضا اتحاد النفس والجسد امتزاجا، كقوله في ميمره على الميلاد، لا يوجد بعد امتزاج لكليهما ولا اختلاط الامور المتضادة، ومن الواضح ان النفس ليست مختلطة او ممتزجة مع الجسد، او العقل مع الحس، ولكن فقط بنسبة الملاحة والمتأثر فيها، وهكذا اتحادهما كالسفينة والسفان.
الباب السادس
في ان الجسد لم يتغير الى طبيعة الكلمة بعد الاتحاد
وليس نظيره غير محدود وغير متألم قبل القيامة
كقول اليوليانيين
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في تأييد هذا الرأي وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول:- نقول لو لم يكن جسد ربنا محدودا، فمن الضروري أن يكون اما ازليا او لم يخلق بعد، والافتراض الاول غير صحيح، لأنه اخذ بداءته من مريم والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، وإلا يبطل كل التدبير، وبما ان في القول بعدم خلقته يؤدي الى حدوث هذه المستحيلات. فإذن هو مخلوق.
البرهان الثاني:- نقول لو لم يكن جسد ربنا ابن طبيعتنا، كما يقولون ان استحال الى طبيعة الكلمة في الاتحاد فيجب الحكم بأحد الامرين اما ان يكون غير جسم وغير منظور كالكلمة، أو يؤدي الى العدم والتجرد، ولما كان الأمران باطلين فينتج ان جسد ربنا هو ابن طبيعتنا.
البرهان الثالث:- نقول ان جسد الله هو اله بالطبيعة، فهو اذن اله الله بالطبيعة وهذا محال.
اعتراض:- اذا لم يكن جسد الله الها بالطبيعة، فيكون اذن الها بالنعمة، واذا حسن لك هذا القول، فلم تعذل نسطور الذي تعتقد اعتقاده؟
الجواب:- نقول ان الله هو اله بالطبيعة والجسد جسد بالطبيعة بدون تغيير، ولأجل الاتحاد الطبيعي نقول الله المتجسد، لنبتعد ونتخلص من كلا المحالين أي من الاعتراف بان الجسد اله بالطبيعة، ونجرده من طبيعة المشابهة لنا الاقرار بالهين احدهما بالطبيعة والثاني بالنعمة كرأي نسطور وهكذا لا نستطيع عندئذ ان نحيد هنا وهناك عن الطريق الاصلية، لأننا نسير في اثر الآباء القديسين.
البرهان الرابع:- نقول لو كان الكلمة والجسد واحدا بالطبيعة بنوع الامتزاج والاستحالة كما تقولون وليس واحدا من اثنين مع حفظ خواص التغيير الطبيعي، فيجب احد الامرين اما ان يصير الكلمة جسما كالجسد، او الجسد غير جسم كالكلمة، والامران باطلان
البرهان الخامس:- نقول لو كان جسد ربنا غير متألم وغير مائت قبل القيامة كما بعدها، فلا يكون قد مات، فكيف يقوم من الاموات من لم يمت واذا كان المسيح لم يمت ولم يقم، فباطلة كرازتنا كقول الرسول بولس.
اعتراض:- اننا نقول ان تألم ومات اراديا وليس طبيعيا لأنه لو كانت الأمه ليست ارادية بل طبيعية فيكون قد تألم ومات اضطراريا بدون ارادته لان الانواع الطبيعية ضرورية ولا تخضع السلطة الذاتية، ومن هنا يسقط ضرورة في بطلان ومحالة الآلام الاضطرارية ذلك الذي يعترف ان الآلام طبيعية.
الجواب:- نقول لقد ضللتم بما ظننتم ان حملتم الانواع الاضطرارية الى الانواع الطبيعية المضادة لها، كأنكم تحملون الاسود الى الابيض والمرض الى الصحة، ونقول ايضا لو صدق كل طبيعي اضطراري، فيوجد الله له المجد ان يكون صالحا قسرا ورحيما ومقتنعا بالجميع اضطرارا، ونقول ان الارادة لا تعاكس الطبيعة لانهما يتبعان بعضهما غالبا، ويوجدان متفقين مع بعضهما، فمخلصنا اذن عندما شاء وحسن له اسلم روحه لاحتمال الآلام طبيعيا.
البرهان السادس:- نقول لو مات اراديا لا طبيعيا حسب قولكم لما انفصلت نفسه من حسده، لان الموت الطبيعي هو انفصال النفس عن الجسد، ولو ان نفسه لم تنفصل من جسده، فيكون حيا بالجسد واذا كان حيا بالجسد، وبلاهوته ايضا غير مانت، فباي نوع مات ذلك الموت الارادي الذي تقولونه طالما لم يمت لا بالجسد ولا بلاهوته؟
البرهان السابع:- نقول اذا كان غير محتاج الى قوت وغير متألم وغير مانت بطبيعته، اظهر ذاته انه محتاج الى قوت فيكون انه تألم ومات بنوع الخيال والظن وليس بالحقيقة، فأذن اما اراد ان يخفي عدم احتياجه وعدم تألمه وعدم موته من الذين انكروه، او من الذين آمنوا به. والافتراض الاول غير صحيح، لانهم لو تأكدوا من عدم تألمه لعلهم آمنوا به ولم يحيدوا عن طريقه والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، لأنه كيف يليق ان يضل خاصته واصدقاءه، ويمهد لهم الطريق المؤدية الى الالحاد، وكيف انه غير مانت يظهر لهم بانه مات ولما كان الافتراضان باطلين فكذلك القول بانه اظهر لهم خياليا انه تألم ومات بينما لم يتألم ولم يمت ليس حقيقيا.
البرهان الثامن:- نقول لو كان جسد ربنا ليس محدودا كيف حمله ووسعه هذا العالم المحدود، فان غير المحدود لا يمكن ان يحصر في المحدود، ولو كان غير محدود، فالذين لا اعراض جسمية له ليس جسما، ولو لم يكن جسما بل جسدا، فكيف تدعونه جسدا، وايضا لو كان غير محدود كيف يقال انه حبل به في احشاء مريم خاصة وليس في احشاء جميع النساء.
المقصد الثاني
في البراهين النقلية التي تؤيد ان جسد مخلصنا
كان قبل القيامة متألما قابل الفساد بطبيعته
البرهان الاول:- اثناسيوس في ميمره على الثالوث الاقدس وتجسد الكلمة “من اين اشير عليكم ان تقولوا بان الجسد غير مخلوق، فإما ان تدعوا ان لاهوت الكلمة استحال الى جسد او ان تظنوا بان تدبير الآلام والموت والدفن كان خياليا ليس الا”.
البرهان الثاني:- فيه ايضا برسالته الى افيقطيوس “لقد حلت يد الهاوية فاما يقال ان ابن طبيعة لاهوت الكلمة صار جسدا من مريم او ان الكلمة تغير الى جسد وعظام”.
البرهان الثالث:- افيفانيوس القبرسي في كتابه ضد البدع “اذن لما كان هو الحكمة والله غير المتألم، الذي خلص بواسطة الأمه جميع المستعبدين لآلام الجسد، لم يرسل ساعيا ولا ملاكا ولا نبيا سابقا لذلك، بل هو الرب ذاته جاء، وعندما اتخذ الجسد المتألم تألم به حقيقيا، بينما لاهوته بقي غير متألم”.
البرهان الرابع:- القديس اياونيس في ميمره الرابع في تفسير الرسالة الى العبرانيين، ذلك الذي نقص قليلا من الملائكة، نرى يسوع من اجل ألم الموت، وبعد ذلك: “وهذه الفضائل، فقد تكلل بالمجد والكرامة” الم تر اذن كيف يطلق عليه كل هذه، فكلمة نقص قليلا هل توافق آخر او الذي بقي ثلاثة ايام فقط في الهاوية، وليست لنا نحن الذين تتجدد دائما.
البرهان الخامس:- فرقلوس في تفسيره الرسالة الى اهل كولوسي، لقد خرب الموت المسيح، اما المسيح فعندما خرب قتل اخيرا الموت بالجسد المائت، وبطل ما كان يظن انه ليس مائتا.
البرهان السادس:- القديس غريغوريوس الثاولوغوس في رسالته الى قلود ونيوس انه محدود بالجسد وغير محدود بلاهوته، وهو ذاته الارضي والسماوي المنظور والمعروف والمحصور وغير المحصور.
البرهان السابع:- باسيليوس ذلك الرب الذي لأجل تأييد التجسد الحقيقي، قبل بالظن آلام الجسد الطبيعية.
البرهان الثامن:- مار افرام السرياني الملفان في ميمره على ميلاد البكر لقد رأى الله اننا سجدنا للمخلوقات فليس جسدا مخلوقا، ليصطادنا بفعلنا (لعادتنا) وبهذا المجبول شفانا جابلنا، وبهذا المخلوق احيانا خالقنا.
البرهان التاسع:- قورياس في خبر عذل اندراوس في حرمه الثاني عشر “أن قد جعل الآلام لجسده كما قلت، وهذا ما تراءى للرسول بطرس الالهي القائل أن المسيح تألم عوضنا بالجسد فهذه الكلمة هي غير الكلمة التي يقال فيها في الجسد انه تألم والاخرى التي يقال فيها بالشبه نفسه انه تألم بطبيعة لاهوته لأنه موجود معا وهو ذاته الله والانسان ولفظة غير المتألم تنطبق على الطبيعة الالهية، ولفظة المتألم على الانسانية، فما هو اللوم اذن اذ قيل في الممكن ان يتألم قد تألم، ولعلم انه سيتألم بقي غير متألم”.
البرهان العاشر:- فيه ايضا في الميمر الرابع عشر ضد يوليانس وضع في القبر الجسد المقدس المائت والعديم النفس.
اضافة ايضاح وتأييد:- يجب ان نعلم ان الفساد يقال بأنواع كثيرة في الكتب المقدسة، بنوع الخطية والقصاص كما ورد من يفسد هيكل الله – اي الخطية – يفسده الله – العقاب.
وبنوع انحلال العناصر كما ورد انت ايها الاله انزلهم الى جب الفساد وبنوع الضعف كما جاء ويشوهون وجوههم ليظهروا للناس انهم صائمون وبنوع الآلام التي تطرأ على الجسد الجوع والعطش والتعب والصراخ والضربات، وكذلك وان كان انساننا المخلوق يفسد، الا ان الداخلي يتجدد. وبنوع الموت الذي هو انفصال النفس عن الجسد كما جاء كيف لم تخف ان تفسد مسيح الرب والآباء الاولون عندما يدعون جسد ربنا قابلا للفساد قبل القيامة، فليس بلأنواع الثلاثة الأولى وحاشاهم من ذلك لأنه لم يفعل خطية ولم يسقط تحت طائلة عقاب ولم تنفصل اجزاء جسده في القبر. كما ورد في المزامير لأنك لم تدع صفيك يرى فسادا بل بلأنواع الثلاثة الاخيرة فقط. لان سخنته ضعفت وجاع وعطش وتعب، وثقبت يداه ورجلاه بالمسامير وطعن بالحربة وانفصلت نفسه عن جسده على الصليب، بينما لاهوته لم ينفصل لا من نفسه ولا من جسده، وهذه هي قوة الكتاب المقدس.
المقصد الثالث
في البراهين الكتابية التي تؤيد ان الرب جعل
جسده غير متألم وغير مانت وغير فاسد بعد
القيامة
البرهان الاول:- بولس وان عرفنا المسيح بالجسد، ولكن من آلامه لا نعرفه كذلك، ويفسر هذه الآية القديس اياونيس اذ يقول: ان قوة كلام الرسول هي وان عرفنا المسيح متألما، اما الان فليس كذلك، ولا نقول ان وضع الجسد حاشا، فقد قيل: “هذا يسوع الذي صعد منكم الى السماء، هكذا سياتي كما رايتموه اي مع الجسد”.
البرهان الثاني:- اثناسيوس في تفسيره نشيد الانشاء متى يلبس الجسد عدم الفساد، وهذا المائت عدم الموت.
البرهان الثالث:- امفيليكوس اسقف مدينة ايقونية في ميمر الحق الحق اقول لكم من يسمع كلامي ويؤمن بمن ارسلني، سيصير الجسد غير متألم وغير مانت بعد القيامة من اجل الاشتراك الذي عندي فهو غير منقسم واستحق الجلوس.
البرهان الرابع:- ثاوفيلس الاسكندري في ميمره على كلمة وكان يسوع يطوف في كل الجليل الرب ملك وتمنطق بالبهاء، بما انه اخذ جسدا قابل الفساد وتمنطق بالبهاء، اذ اقامه ليس قابلا للفساد بل غير قابل للفساد “.
البرهان الخامس:- ابيفانيوس القبرسي في رسالته على میلاد ربنا وعمل الجسدي غير قابل الفساد، والجسدي روحانيا والمائت غير مائت.
البرهان السادس:- القديس اياونيس في تفسير آية “لا اشرب من عصير هذه الجفنة حتى اشربه جديدا”. فما هو هذا الجديد جديدا الذي يسمو عن العادة، أي ليس عندما كان لي جسد متألم، بل غير متألم وغير قابل الفساد وغير محتاج الى القوت ولم يأكل ويشرب بعد القيامة لأنه محتاج لان الجسد لم يعد يحتاج الى هذه الامور.
البرهان السابع:- قوريلس في رسالته الى اقاق السقيني انه في قيامته من بين الاموات نزع الفساد ومعه جميع متعلقاته.
زيادة في الايضاح والتأييد والتنبيه:- يجب ان نعلم ان الجسد الالهي، وان كانت له بعض خواص الكلمة الذي اتحد به في بدء الاتحاد، وذلك ان يغلب العالم ولا يغلب من آلامه ولا يطأ عليه نوع من الخطية فقط، ومن بعد القيامة ايضا غير متألم وغير قابل الفساد وغير مانت وغير محتاج الى القوت، ولكن لا يجب التفكير بانه يحوز جميع خواص الطبيعة الالهية، فذلك غير ممكن مع حفظ الطبائع وعدم تبلبلها،
فإذن هو مخلوق ومحدود وليس، ازليا وجسم ومنظور وغير متساويا بالجوهر للكلمة الذي اتحد معه. ولكن موجود كما هو بطبيعته قبل القيامة مخلوق ومحدود وزمني وجسم ومنظور، وبعيد عن جوهر الكلمة المتحد معه، وان كان واحدا بالاتحاد، ولكن ليس بمساواة الجوهر، وهكذا بقي بعد القيامة، وكل من لا يعترف هكذا، يحسب مع مبلبلي الجواهر، ويقع في راي استحالة الطبائع وتغييرها.
الفصل الثاني
في رأي اليوليانيين الذين يدعون أيضاً بالخياليين
والغريغوريين
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الاول:- يقولون ان الكلمة ليس محدودا، فلو بقي الجسد محدودا بعد الاتحاد، لأمكن ان يكون منفصلا اتحاده مع الكلمة. لان غير المحدود هو الذي لا يحصر في مكان، اما المحدود فيحصر في مكان ولما كان الكلمة غير محصور في مكان، فمن الضروري ان لا يكون معه الجسد الذي لا يشابهه في عدم المحدودية، وهكذا يبطل الاتحاد، ولما كان الاتحاد غير منفصل، فكذلك الجسد غير محدود كالكلمة بواسطة الاتحاد، وكل غير محدود غير مخلوق، وكل غير مخلوق ازلي وكل ازلي غير متألم، وكل غير متألم غير متلاشي وكل غير متلاشي لا يحتاج الى قوت، وكل من كانت له هذه الخواص ليس ابن طبيعتنا لأننا لا نحوز هذه الخواص، اذن فهو مخلصنا الذي تراءى بشيء من خواص طبيعتنا وواضح انه اظهر ذلك خياليا، امام ناظريه وليس بالحقيقة اي انه اكل وشرب وتعب وتألم ومات الخ…..
الاعتراض الثاني:- يقولون اذا كان جسد ربنا مخلوقا بعد الاتحاد، ويعترف به ويسجد منكم الها، فيكون لكم الها احدهما مخلوق والثاني غير مخلوق، وتوجدون عابدين وساجدين للخليقة وهذا محال.
الاعتراض الثالث:- يقولون لو كان المسيح ابن طبيعة الآب والاب ليس ابن طبيعتنا فينتج ان المسيح ليس ابن طبيعتنا، فكيف تعترفون انه ابن طبيعتنا، واذا كان ابن طبيعة الأب وليس ابن طبيعتان لاب كله في كله اي انه ازلي باللاهوت والجسد، وغير محدود وغير متألم وغير متلاشي مع الاتحاد.
الاعتراض الرابع:- يقولون لوكان المسيح ابن طبيعتنا فهو انسان مثلنا بالطبيعة وليس الها واذا كان ابن طبيعة الاب الها وليس انسانا، فمن الخطر يكون اذا اعترفنا به انسانا بسيطا وليس الها، فهوذا النوع الثاني هو الاصح والافضل، كيف لا وهوذا يعترف به منا ومنكم وغير متألم وغير مانت وغير متلاشي كالله بعد القيامة.
الاعتراض الخامس:- يقولون اما ان جسد الكلمة هو اقنومه او ليس اقنومه، فاذا كان اقنومه (الكلمة) فهو نظيره غير مخلوق وغير محدود وازلي وليس ابن طبيعتنا، واذا لم يكن اقنومه، فهو اقنوم آخر، واذا كان اقنوما آخر، فلم اللائمة لنسطور.
الاعتراض السادس:- يقولون لقد سلم جميع الملافنة بان ربنا لبس جسد آدم قبل ان يخطئ، فطالما خلق جسد آدم غير مائت بطبيعته، هكذا صار جسد ربنا غير قابل الموت بالشبه عينه وخلقة آدم غير مانت واضحة من انه لو خلق قابل الموت بطبيعته وليس بالحكم الذي حتم عليه اي ان يموت اذا اخطأ. فالقابل الموت طبيعة ان اخطأ او لم يخطئ يموت ضرورة.
المقصد الثاني
في براهينهم الكتابية
البرهان الاول:- فيلكسيوس المنبجي ان كلمة الله قبل جسد ونفس وعقل آدم قبل اجتياز الوصية، ولذلك لم يكن مستعبدا للآلام والاحتياجات ولانه لم يولد من زواج فكان محررا من الآلام والجوع والعطش والنوم والمرض وسائر الامور كالضيق والخوف، الا انه قبل كل هذه بإرادته لأجلنا وكانت مغروسة في نفسه وجسده طبيعيا، ولكنه كان يحتملها تدبيريا، اذ لم تكن مغروسة في طبيعته ولن يحتملها قسريا.
او كانت تصدر من اعماقه، وواضح انه قبلها تدبيريا، لانه لم يكتب عنه انه اكل بعد ان جاع، او شرب بعد ان عطش وتعب وارتاح، فنحن نأكل بعد التعب، اما هو فقد احتمل وتكبد كل شيء خارج عن النظام كما قيل صار عرقه كعبيط الدم ذلك ما لم يوجد في الطبيعة البشرية، ولم يستيقظ من اضطراب الامواج، فلو كانت هذه للطبيعة، لاحتملها لأجل ذاته وليس لأجلنا.
البرهان الثاني:- موسى بن كيفا لقد لبس ربنا جسد آدم الذي كان له قبل ميله للخطية، وان ظهرت آلام الحكم في اقنومه، ولكنها لم تظهر في جبلته بل في ارادته، ولذا لم يكن يجرب بها دائما، اذ قد حدد اوقاتا معينة لنومه وجوعه وعطشه وتعبه وألمه وموته.
البرهان الثالث:- من سيرة مار برصوم في اعجوبة الحادية والثمانين أن جسد المسيح كان كجسد بقية البرش فبغتة صرخ الشيطان في امرأة ما اذا كان جسد يسوع كجسد البشر. فكيف يمكن للإنسان ان يكسر جسده ويمنحه قوتا لرفاقه، اما اذا كان دم الجسد المصلوب كدم جسد آدم فأي دم لذرية آدم يقدر أن يطهر الخطايا.
الفصل الثالث
في هدم هذه النظرية الخيالية وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في الرد على اعتراضاتهم العقلية
الجواب على الاعتراض الاول:- نقول لو كان اتحاد المحدود والمشغل محلا مع غير المحدود وغير المشغل محلا ليس ممكنا، لوجب عدم اتحاد الجسد البشري مع النفس الناطقة قطعا، لأنه كما ان الجسد يحد ويحصر في محل بواسطة الحدود الثلاثة، فالنفس مجردة من الحدود وغير محصورة في محل ولما كان اتحاد النفس مع الجسد ممكنا. فبالشبه نفسه اتحاد الله الكلمة مع النفس وبواسطتها مع الجسد، كما حسنت كلمة الامكان للناطق بالإلهيات، وكما لا يجب الحكم من عدم جولان النفس الناطقة مع الجواهر، عدم امكانية الجسد الوصول الى هدفها لئلا يؤدى الى انحلال وبطلان اتحاده معها، هكذا لا يمكن القول والحكم من عدم انفصال الله الكلمة من الاب والروح انفصاله من النفس والجسد.
الجواب على الاعتراض الثاني:- نقول لا نصرح بان طبيعة المخلوق بما ان الله مخلوق وهي منه وله، وليس لانها تغيرت ولم تكن مخلوقة باتحادها مع غير المخلوقة. فان ذلك غير ممكن، ولكن بما انها اتحدت مع الغير المخلوقة بدون ان يدعى الله منا قد تألم بطبيعته المتغيرة، وهو موجود، فلذا نقول ضد الذين يدعون اننا نسجد للخليقة، لو لم تتحد تلك الخليقة مع ذلك الغير المخلوق، لما استحقت السجود منا.
الجواب على الاعتراض الثالث:- نقو لان مخلصنا هو ابن طبيعة الاب بلاهوته وابن طبيعتنا بناسوتهِ، لأنه مضاعف الله والانسان.
الجواب على الاعتراض الرابع:- نقول ان كلا الخطرين في كلا البدعتين متساويان في الشر اي في الاقرار بمخلصنا انه انسان بسيط. وفي القول ان الله غير متجسد، لان كلتا القضيتين مبطلتان لسبب خلاصنا اي للتدبير في الجسد. والاعتراف الحقيقي هو ان نعترف به انه ابن طبيعتان في الناسوت وابن طبيعة الاب باللاهوت.
الجواب على الاعتراض الخامس:- نقول ان الجسد اذا ما أخذ منه وله بدون التفكير بالاتحاد، فهو اقنوم وطبيعة اخرى غير اقنوم وطبيعة الكلمة، واذا اخذ مع الاتحاد، فنعقل عندئذ طبيعة واحدة واقنوما واحدا من الاقنومين والطبيعتين، فاذا لم يكن هناك اتحاد من كليهما، فلم يلام. نسطور الذي يعد اقنومين وطبيعتين اي سيان في الاتحاد وبدونه.
الجواب على الاعتراض السادس:- نقول لم يسلم جميع الملافنة بان ربنا لبس جسد آدم قبل ان يخطئ، ولكن القديس باسيليوس وغريغوريوس واياونيس وامفيليكوس ومن السريان مار يعقوب السروجي ويعقوب الرهاوي يقولون ان جسد آدم لم يكن محتاجا الى تقويم قبل ان يخطئ اذن فالمسيح لبس الجسد الذي اخطأ، وبآلامه جعله غير متألم، وبموته منحه عدم الموت. وبقيامته اقامه من سقطته والا فالذي لم يتألم ولم يمت ولم يسقط، فما حاجته الى عدم التألم وعدم الموت والقيامة، اذ هذه كلها كانت له. وهذا الرأي معروف حقيقة من امرين
الاول – من ان الملافنة الذين اعترفوا هكذا هم اسمى بالمعرفة من الذين لم يعترفوا (أي بعكسهم).
الثاني – من قول الرسول بولس في رسالته الى اهل رومية: “لقد ارسل الله ابنه بشبه جسد الخطية لاجل الخطية ليبيد الخطية بجسده”.
ونقول ضد الزاعمين ان آدم خلق غير قابل الموت ان الموت يقال بنوعين كما سبقنا فقلنا اعلاه الموت الطبيعي وهو انفصال النفس عن الجسد، وموت الخطية، وهو انفصال النفس عن الله، فآدم اذن خلق قابل الموت بحسب النوع الاول. لأنه خلق انسانا، وكل انسان مائت، وغير قابل الموت بحسب النوع الثاني لان الخطية لا تخلق بالطبيعة، بل الارادة تتسلط على الاهواء بقدر استطاعتها ليخطئ، وهكذا يمكنه ان لا يخطئ وزلو كان قد خلق قابل الموت بحسب النوع الثاني، يوجد الله له المجد، غير مؤيد كلامه حيث قال له يوم تأكل منها موتا تموت بما انه اكل ولم يمت الموت الطبيعي يوم اكل منها فواضح اذن انه مات بحسب النوع الثاني كما قال الله.
المقصد الثاني
في الرد على براهينهم الكتابية
الجواب على البرهان الاول:- نقول ان فيلكسينوس وان لم يدع الألم الخلاصية طبيعية كبقية الملافنة اليونانيين والسريانيين ولكنه لم يقل انه احتملها خياليا او ليس حقيقة والسريانيين، ولكنه لم يقل انه احتملها خياليا او ليس حقيقة كما تقولون انتم في محلات كثيرة ان الآلام ارادية، فهو يدعوها حقيقية وغير معذولة.
الجواب على البرهان الثاني:- نقول وهكذا موسى بن كيفا، وان قال ان آلام الحكم لم تقع على جبلته. ولكن ايد انه احتملها اراديا وليس خياليا كما تدعون أنتم اي اظهر انه احتملها وهو لم يحتملها.
الجواب على البرهان الثالث:- نقول ان مار برصوم لم يكتب قصته بنفسه لنظن انه هكذا كان يعترف، بل صموئيل تلميذه، وربما عندما ارسله معلمه الى ذلك الارمني كما يخبر في الشهادة الخامسة والتسعين حيث تمرغ هناك في تعليم الخياليين، لان كثيرين من الارمن كانوا متمسكين بتعليم يوليان حتى يومنا، اذ يقولون ورغم الاتحاد فقد قام الجسد كاملا ولم يتربَّ رويدا رويدا، وهو غير متألم وغير متلاشي وغير مائت وغير مخلوق وغير محدود، واظهر انه اختتن ولم يختتن وانه اكل ولم يأكل، اذ كما اكل عند ابراهيم هكذا اكل عندما تصرف معنا، ويقولون ايضا، لم يكن عنده تطهير، لاطعامه كان يبعد بنار لاهوته، وهكذا بقية الامور الاخرى، وفي زمان اثناسيوس بطريركنا، واهنيس جاثاليقهم عندما اجتمعوا وفحصوا ورأوا حقيقة تعليمنا اتحدوا معنا وعملوا كتابا موحدا، وايضا بعد زمان ليس بقصير رجعوا من جديد الى تعليم يوليان الاول القديم ونقول ضد صرخة الشيطان كذا وكذا، ليس الشياطين هم الذين يعلمون عن جسد المسيح، ولا يجب ان نسمع جسد المسيح كان يشبه جسدنا، واشترك معنا باللحم والدم كما قال الرسول بولس.
المقصد الثالث
في خاتمة هذا الركن
الذي يخبر عن البدع التي دعيت متلبسة باسم
المسيحية الطاهر
لقد قدمت الكلمة الاجوبة قدر استطاعتها على كل البدع المصدرة بواسطة الاعتراضات، وان قام هولاء باعتراضاتهم الواهية فيجب ان نشير الى كل منها (بدعة) وما تضاد به الحقيقة وهكذا نختم هذا الركن، فحيث تكون المعارف، فتملص باحتراس.
البدعة الاولى:- عن قضية سيمون الساحر، فهذا كان يتراءى بواسطة سحره ابا لليهود وابنا للسحرة وروحا للشعوب، ويظهر للشعوب كروح، وينكر قيامة الموتى.
البدعة الثانية:- مند راس تلميذ سيمون الساحر الذي كان يقول ان الذين يعتمدون منه هم افضل بكثير من الملائكة.
البدعة الثالثة:- وطرينينوس، وهذا كان يقول ان العالم خلق من سبعة ملائكة، والله عندما كان يقول لهم هلموا نصنع الانسان على صورتنا كشبهنا، وهولاء هو المظلمون عن الناموس الذي يقولون ان الزواج من الشرير، وعندما اصبح الشياطين يساعدون الناس الاشرار، جاء الصالحليكشف حق الصالحين.
البدعة الرابعة:- باسيليوس الذي ابتدأ في بدعة عابدي الحية الذين يدعون وكان يفترض ٣٦٥ سماء كعدد ايام السنة، وكان يصرح علينا ان نكمل ناموس الفجور.
البدعة الخامسة:- بدعة الابيونيين الذين يدعون بالعبرانية المساكين لانهم كانوا يعتقدون بالمسيح اعتقادا وضعيا دنيا، وكانوا يقولون انه اخذ بداءته من مريم ويوسف.
البدعة السادسة:- بدعة كيرنثوس الذي كان يقول سنعمل الشهوات الف سنة في الارض بعد القيامة، وقال ان الملائكة خلقت العالم، وقال ان المسيح ولد بالنمو والتدرج في السلوك.
البدعة السابعة:- ميليطينوس وكان يقول ان ربنا جلب جسده من السماء وقد اجتاز في العذراء كمن
البدعة الثامنة:- قردون وقال بازليين كثيرين، وكان ينكر قيامة الاجساد.
البدعة التاسعة:- مرقس، كان يضل بأسماء كثيرة وكان يستعمل اللغة العبرية لإعجاب الكثيرين.
البدعة العاشرة:- مرقيون، وهذا لم يكن يعترف بالمسيح ابن الخالق ولم يولد من مريم، وكان ينكر القيامة والحكم ويعتبر بثلاثة ازليين غير مولودين، الأول صالح، وهو خفي ومحله في العلى وهو ابو ربنا يسوع المسيح، والثاني الخالق العادل ومحله في الوسط، والثالث المادة وهو الشر ومحله في العمق، فعندما اراد الخالق ان يقهر الشر، اخذ المادة وخلق كل شيء، ومن المادة الطاهرة عمل السماء والعناصر والفردوس، ومن الفردوس اخذ ترابا وخلق آدم، ومن طبيعته القى فيه نفسا، ومن الرسوب عمل الجحيم والهاوية وكان يشتم الخالق لأنه هو ايضا طبيعة كالمادة، وهكذا الانبياء، ومن الانجيليين كان يقبل لوقا فقط، وكان يقول أن العهد الجديد أعطي من الصالح والعهد القديم من العادل الذي يسميه الخالق فنزل ربنا يسوع ابن الصالح ليحرر الذين يؤمنون به من عبودية الخالق. وظن انه انسان بينما لم يأخذ شيئا من الانسان وتألم بينما لم يتألم.
البدعة الحادية عشرة:- بدعة الانكريتيين التي ابتدعها انسان اسمه طيطينوس من ما بين النهرين هذا كان يقول بالعوالم غير المنظورة كوالظينوس، ويسمي الزواج زنى ووضع انجيلا يدعى الدياطسرون اي المختلط، لأنه قطع نسب الاجيال وكلما يدل على ان المسيح من نسل داود وبدل ايضا في كتابات الرسل.
البدعة الثانية عشرة:- مونطوس هذا ادعى نفسه فرقليطا، وكانت معه امرأتان فرسقلا ومكسيميلة اللواتي كن يسمين نبيات، ودعا مدينة فافوزا وطيمون اللتين في اسيا اورشليم وكان يعلم بأسرار ذميمة، واخيرا قتل هؤلاء انفسهم بأيديهم.
البدعة الثالثة عشرة:- برديصان، وهذا قال بثلاثة طبائع كبرى القوة والعقل والفكر، وباربعة ازليين النار والماء والنور والروح، وهولاء الازليين خلقوا ٣٦٠ عالما، وقال ان الذي تكلم مع موسى والانبياء كان رئيس الملائكة وليس الله، وان مريم لم تلد جسما قابلا الموت، بل نفسا نيرة تشبهت بشكل الجسد، وقال ان الملائكة والكواكب خلقت الانسان، فالملائكة اعطته النفس، والكواكب السبعة اعطته الاعضاء، وقال كما ان القمر ير سل نوره ويدخل كل شهر مرة عند الشمس، هكذا ام الحياة تبعث توبتها وتدخل الى اب الاحياء مرة في كل شهر، ويشترك معها. فتلد سبع مرات، وقال ان الميسشح ولد في ساعة بيل وصلب في ساعة اريس وقام في ساعة بيل أيضا، وينكر القيامة ويدعو الزواج نظافة (نقاء).
البدعة الرابعة عشرة:- اوريجانس وهذا قيل عنه انه لم يعتقد بسلامة في الثالوث الاقدس، وكان ينكر قيامة الأجساد، نعم كان خصب التعليم، وعمل تفاسير كثيرة للعهدين القديم والجديد، حتى كان كثيرون من ملافئة الكنيسة حتى زمان مار اياونيس (٤٠٧+) وهو ذاته أيضا يفتنون من تأليفه ويستفيدون اي انهم كانوا يقطفون الزهور ويحرقون الاشواك.
البدعة الخامسة عشرة:- بدعة الهلقسنيين، وهؤلاء كانوا يقولون لا يشجب الكافر بفمه والمؤمن بقلبه، ولهم كتاب من كان يسمعه كان ينال غفران الخطايا، وكانوا يرذلون كتب الرسل.
البدعة السادسة عشرة:- بدعة ناواطيس وكان يقول لا غفران للذين يخطئون بعد المعمودية، ودعي رئيسا للذين كانوا يسمون قاتوريين الاطهار) وكان يقول القديس غريغوريوس الثاولوغوس عندما يوبخ هذا المذكور، ارني نقاوتك فاني اجزع وانت مملوء بالجروح البليغة التي ليس فيها شفاء. وقال القديس ذلك ايضا لان نابطيس هذا كما يقال قد كفر في الاضطهاد الذي اثاره داقيوس على المسيحيين سنة ٥٦١ يونانية (٢٥٠+) م.
البدعة السابعة عشرة:- سابليوس وكان يقول بقنوم واحد للثالوث الاقدس، فهو اقنوم الأب في العهد القديم وهو اقنوم الابن المتجسد في العهد الجديد، وهو الروح القدس عندما تكلم بالرسل.
البدعة الثامنة عشرة:- ديوافطيس المصري، وكان يعلم كاليهود. وقال سيصير الف سنة للقديسين على الارض اكلا وشرباً.
البدعة التاسعة عشرة:- بولس الشميشاطي الذي ادعى المسيح انسانا بسيطا، ولكنه استحق النعمة الالهية، وقد اتخذ بداءته من مريم، وكانت النساء الجميلات مرافقات له يتغنين باسمه، كأنه لا يرى في الزنى عارا.
البدعة العشرون:- ماني وهذا دعا نفسه المسيح والروح القدس، وقال بازليين الخير والشر، أي الله والمادة، والمادة عندما اضطربت قام اولادها ضد بعضهم وهم الشياطين والنار والماء والاصنام، وصاروا يضطهدون ويضطهدون من بعضهم حتى وصلوا الى السماء مرتع النور، والله الخير (الصالح) عندما خاف لئلا يمزجوا ظلامهم بالخير والنور حبسهم هناك، واخذ كمية من النار والقاها على المادة فعندما ابتلعته ربطها، ولذلك استطاع الله ان يبارك العالم اما عن آدم وحواء، فلم يقل انهما كونا من الزينة المسلطة. وقال عن نبروائيل، أن الشمس والقمر هما سفينتان تأخذان نفوس البشر وكل صلاح اختلط بالمادة، فتفرغان مرتع النور حتى يتخلص كل النور من الامتزاج مع الشر، وحينئذ يسلم الله المادة الى النار مع النفوس التي لم تؤمن بماني. وقال ان الزواج هو من الشرير، وانكر قيامة الاموات واعتقد بالتقمص وقال عن العناصر انها حية، وهكذا النباتات والمزروعات وقال ان ربنا ليس له نفس وجسد، لكنه لم يظهر كخيال وتأمل وعمل كل شيء، واعتقد بوجود خمسة وعشرين الها، ولهم اثنتا عشرة امرأة.
البدعة الحادية والعشرون:- اريوس، وهذا حسب ابن الله مخلوقا، اذ قال قبل ان يخلق الله الأب جميع الخلائق خلق الابن و به خلق كل شيء، وبالتالي لم يعترف بالابن ابن بدهاء آخر بقوله: ان الله الكلمة اخذ جسدا بدون نفس واللاهوت قام مقام النفس، وافسد نظام التسبيح الثلاثي المقدم في البيعة ان علم هكذا:
“المجد للاب بواسطة الابن وبالروح القدس. نعم لم يجسر ان يبدل لدعوة على المعمودية التي علمنا اياها ربنا نظر لجلاء الضلالة والاثم”.
البدعة الثانية والعشرون:- عودي الرجس، فهذا اظهر اربعا وتسعين خرافة سماها اوحية او جليانات، وعلم فيها بأبي الحياة وأم الحياة وبالأبناء الكثيرين والارواح الكثيرة والالهة الكثيرة، وقال ان احد الملائكة خلق الملائكة، وان الله خاضع للقضاء، وانه يزول ويحول في النهاية مع جميع شركائه، وان الله هو صالب المسيح، والمسيح مخلوق، وان الابن حلَّ في الكواكب ولم يعرفه سكانها، وقال ان جسد ربنا سماوي، وانه ضرب بالحربة ولم يضرب، وعلق على الصليب ولم يعلق. وقال ان الخلائق وجدت بواسطة الازليين، وان الشر ممزوج بالطبيعة، وان الملائكة فسدوا بالفجور، اي ان الشياطين تغري البشر بالأفكار السمجة، وان جسدنا هو من الشيطان وانه لا قيامة وانه قد تم ذهاب النفوس الى الدينونة، وان الزواج دنس، ويعتقد ب ٣٦٠ سماء، وان النورانيين يصيرون بوجه الله، وانه قال لحواء احبلي مني قبل ان يأتي الرؤساء فيشاركونك، وايضا احبلي مني قبل ان يأتي يقترب منك خالقو آدم.
البدعة الثالثة والعشرون:- مقدونيوس، وقال ان الابن هو ابن طبيعة الاب. اما الروح القدس فليس كذلك، وقال فيه القديس غريغوريوس النازينزي ماذا قيل؟ يقولون تكلم لنا. عن الروح القدس ايها الاله الغريب وغير المكتوب، فأولئك من عن الروح القدس ايها الاله الغريب وغير المكتوب، فاولئك من مدة كانوا يشكون في الابن ايضا.
البدعة الرابعة والعشرون:- اونوميوس، وهذا قال ان الله خلق الابن قبل كل شيء، والابن خلق الروح القدس قبل جميع الكائنات، وبدل استعمال دعوة الثالوث ثلاث مرات في العماد، الا الذين كان يعمدهم باسم موت يسوع المسيح. فكانوا يغطسون المعتمد بالماء من رأسه حتى صدره، اما بقية الاجزاء فكانت تترك كأنها ليست طاهرة وتجاسر ايضا فادعى انه لا يخفى عنه شيء من أمور الله، بل يدرك كل شيء حتى الجوهر الاهلي، وهكذا يعرف الله كما يعرفه هو (الله).
البدعة الخامسة والعشرون:- بدعة ابوليناريوس، وهذا لما كان يؤيد وحدة الطبيعة الالهية للثالتث، وافترض درجات بقوله عن الأب انه العظيم والابن الاعظم والروح الاشد عظمة وقال بان الكلمة تأس واخذ نفسا ولكن ليس ناطقة بل نباتية وحيوانية، ولم يأخذ عقلا، بل هو الله قام مقام العقل وفي محل آخر يضع التدبير على الثالوث مثل سابليوس، وقال ان جسد ربنا كان سماويا، وقال ان للابن طبيعة واحدة ممتزجة، واعتقد بالاكل والشرب والزواج بعد القيامة، ووضع الف مزمور بقوله انها اجمل بكثير من مزامير داود.
البدعة السادسة والعشرون:- اوسابيوس الرهاوي، وهذا تتلمذ له بعض الشيوخ الذين كانوا يدعون احلام واعمال الشياطين مكاشفات روحية، وقالوا بان الذين يقبلون اليهم ينالون مواهب الروح، حتى انهم لا يشعرون بمضاجعة النساء، وان الجسد الذي نأذِهِ لا يفيد شيئا.
البدعة السابعة والعشرون:- بدعة اوطاخي، وكان من تباع فكرة اولنطيوس وابوليناريوس، وقال ان الله الكلمة لم يأخذ شيئا بشريا من العذراء، بل استحال وتغير الى جسد. ولذا فجسده ليس ابن طبيعتنا وقال ان المسيح طبيعة واحدة ممتزجة مبلبلة.
البدعة الثامنة والعشرون:- بدعة يوليان الخيالي، الذي من قرنسوس، وهذا قال ان جسد ربنا استحال بفعل الاتحاد الى الطبيعة الالهية، ولذا فهو ليس ابن طبيعتنا، وقال ايضا انه (ربنا) اكمل جميع تدبيره في العالم خياليا وليس حقيقيا.
البدعة التاسعة والعشرون:- بدعة الطريتيين، وهؤلاء كانوا يقولون لما كان من الحق ان يقال عن كل من الاقانيم بذاته طبيعة، فالثالوث اذن بثلاثة طبائع وثلاثة الهة كما انه بثلاثة اقانيم.
البدعة الثلاثون:- بدعة اسطيفان البرصوديلي، وهذا كان يقول بنهاية العذاب، وان الائمة لا يعذبون الى الابد بل يطهرون بالنار، وهكذا يرحم الشياطين، ويعود كل شيء الى الطبيعة الالهية، كما قال الرسول بولس ليكون الله الكل بالكل وقد وضع كتابا لتأييد هذه العقيدة اسماه ايريثاوس استاذ القديس ديونيسيوس، كأنه له اي لايريثاوس، وكان كثيرون يظنون أن ذلك كذلك.
زيادة الايضاح:- ويجب ان نعلم أن جميع هذه المذاهب التي سردناها هي بدع باطلة ومستهجنة لانها تفسد الطبائع، وتخلط التعليم الوثني بالعقيدة المسيحية، ولذا فالله له المجد استأصلها من اصلها.
اما المذاهب الأخرى السائدة اليوم في العالم فأنها ترتأي حسنا من جهة الثالوث وحفظ الطبيعتين في المسيح دون استحالة وامتزاج، ولكنها اختصمت بسبب اسماء الاتحاد فقط، فان البعض اقروا بان الاتحاد طبيعي واقنويم وهم اليعاقبة السريان والمصريون والاحباش والنابديس اما الارمن وان مالوا الى شيء قليل من تعليم يوليان لكن ليس كليا. وذهب غيرهم ان الاتحاد لم يكن طبيعيا ولا اقنوميا بل فرصوفيا (شخصيا) فقط، وهؤلاء هم النساطرة خاصة. ومنهم اختاروا الطريقة المتوسطة بين الطريقتين، فقالوا بالاتحاد الاقنومي غير الطبيعي وهم اليونانيون والرومانيون والسريان الملكيون والموارنة السريان، والايبريون والروسيون والآلآنيون فالرومانيون يتميزون عن هؤلاء الآخرين لانهم يقولون ان الروح القدس ينبثق من الآب والابن والموارنة يتميزون عن هؤلاء الجميع بقولهم ارادة واحدة ومشيئة واحدة للطبيعتين وليس ارادتان ومشيئتان وهكذا جميع اليونانيين كانوا يعترفون بإرادة واحدة وسيادة واحدة، حتى زمن الراهب مكسيميانس وثاودريق الحزاني من ويوحنا الدمشقي. ويعرج النساطرة على الجانبين في قضية الاعتقاد بالارادتين اذ لا يوجد شيء من ذلك في كتبهم القديمة، وقد سمعنا كثيرين من علمائهم يقولون بالإرادة الواحدة للطبيعتين والاقنومين.