Table of Contents
الركن الثامن
في الكلام عن النفس الناطقة
وفيه مقدمة وثمانية أبواب
مقدمة
وفي المقدمة مقصدان
المقصد الأول
في آراء الأولين عن النفس الإنسانية
نقول إننا نعلم ضرورة أن الشيء الذي يتكلم عنه كل إنسان، إذا لم يكن شيئاً، لهذا الشيء الأكثر وضوحا وشهرة لكل إنسانٍ من كل شيء، سواء كان ذلك الإنسان عالماً أم جاهلاً. ولكن الفلاسفة قد تضاربوا في ماهية ذلك الشيء. إذ قال بعضهم أنه جسم، وقال آخرون أنه عرض قائم بالجسم، وقال آخرون أنه ليس جسماً ولا عرضاً قائماً بجسم، والذين قالوا إنه جسم، منهم قال إنه هو الهيكل الجسدي، وهؤلاء هم معظم المسلمين. وبعض المسيحيين الذين يؤيد رأيهم هذا بقول المرتل داود عن يوسف لقد “دخلت في الحديد نفسه” ومنهم قالوا ليس هو بل الجسم المحصور به. وهؤلاء يقول بعضهم انه التئام أربعة عناصر ومنهم ينفون ذلك فيقولون انه دم فقط. كقول موسى: “نفس كل انسان دمه ” وغيرهم ينفون هذا أيضاً فيقولون إن النفس هي روح تصدر من القلب إلى المخ. ومن هؤلاء هو إقراطلوس، وغيرهم يقولون إنها واحدة، أي جزء غير منقسم عن أجزاء القلب. ومن هؤلاء هو قراطيوس، وآخرون ينفون ذلك، بل هي الأعضاء الحقيقية التي وجدت في الإنسان بالنسل منذ البدء كالعظم والأعصاب والأوردة والشرايين الخ. وعندما تقطع عنها لا تستطيع الرجوع بعكس الجسد وسائل الدم هو أساسها لا النسل. ولذا عندما تقل تزداد أيضاً وهي ذاتها نفسه. وآخرون ينفون ذلك فيقولون النفس هي الأعضاء الرئيسية أي القلب والكبد والخ. وآخرون قالوا إنها الماء، ومن هؤلاء هو ثاولوس، وقال آخرون إنها الهواء، كرأي اناكسيمينوس، وقال آخرون إنها الرأي كرأي اراقليطوس. وهؤلاء كلهم اعترفوا بالنفس أنها جسم محصور في الجسد. فالذين قالوا إنها عرض، منهم صرحوا بأنها امتزاج واختلاط العناصر، كرأي الكسندروس الافروديسي، ومنهم دعوها اتحاد أو التئام العناصر. أما أريسطوطاليس وجميع أصحابه مع كافة المسيحيين وبعض المسلمين يقرون أنها غير جسمية ولا عرض، وتستعمل الجسد كآلة. وهي لا تموت ولا تتلاشى بتلاشي الجسد، وتكمل وتتنعم بالنظريات الإلهية، فإذا عدمت منها (النظريات) تبقى ناقصة وتتعذب إلى الأبد، وهي غير سابقة للجسد بخلقتها، ولا تنتقل من جسد إلى آخر، فبهذه الأمور وإن سلّم الفلاسفة المشائيون للفلاسفة الكنسيين، لكنهم لا يعترفون باستقامة بجميع النظريات عن النفس. فهوذا أرسطوطاليس يقول: إن النفس تدرك الكليات فقط لا الجزئيات. وقال أيضاً: لقد حازت النفس الوجود من العقل المؤثر أي المدير لدائرة القمر والمسلط في عالم التكوين والفساد وليس من الله. وقال أيضاً: عندما تنفصل مرة واحدة من الجسد لا تعود تتبعه قط أي في القيامة، أما الكنيسة المقدسة فلا تعتقد كذلك، وهذه هي الآراء الضعيفة التي تحتجب وتوؤد في محلها.
المقصد الثاني
في تحديد النفس بحسب رأي الفلاسفة الخارجين والكنسيين
يحدّ أرسطوطاليس النفس الناطقة بقوله: هي تقويم أي كمال الجسم الأول الطبيعي والآلي الحي بالقوة، فقوله الكمال، كالصورة غير المادية، بل الجوهر القائم بذاته، وقوله الأول بالنسبة إلى الكمالات الأخرى والأخيرة التي تحدث للإنسان بعد ذلك، كما في المعارف أو الأجزاء. وقوله الطبيعي ليميز الجسد من بقية الأجسام الاصطناعية كالتمثال والسرير الخ. وقوله الآلي لأن النفس تفعل في الجسد كآلة، وبواسطته تتاجر بالفضائل، وقوله حي بالقوة، لأن النفس تتبع أولاً جسم النسل الذي يكون حينئذ في القوة الحية لا بالفعل. أما ملافنة البيعة وإن حدوها تحديدات كثيرة. ولكن تحديد القديس غريغوريوس النيسي وجد أكثر أفضلية رغم اختصاره من جميع التحاديد. إذ قال في مقالة للمدعوين، إن النفس هي طبيعة روحانية مخلوقة حية عارفة، مجردة من هذه المادة الجسمية، وتظهر أفعال قوة حياتها بآلة حواس الجسم. فنقول وإن كان هذا التحديد مقبولاً ومفضلاً، لكن الملفان قد أضاف عليها ماليس ضرورياً بقوله، الطبيعة المجردة من المادة الجسمية، فهذه لفظة الروحاني القائل فلا تفد شيئاً آخر، بل التحرير من هذه المادة الجسمية. فإذاً لا حاجة إلى ذكر هذا أيضاً
الباب الأول
في عدم جسمية النفس الناطقة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أن النفس غير جسمية ولا تحل في جسم كعرض
ولكنها تقوم بذاتها كبقية الجواهر
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن النفس الناطقة عارفة بجميع الطبائع الكلية، وإلا لكانت جسماً قادراً على كل شيء ولها حجم خاص وشكل خاص، ويجب أن يكون للطبائع الكلية المعروفة منها مقياس خاص صلب وشكل، وذلك غير ممكن، لأنه لو كان للطبع الكلي حجم خاص، كيف يصدق على الطبائع الجزئية التي لها حجوم مختلفة مثلاً، لو كان للإنسان العام أي للنوع مقياس ذراعان، كيف يمكن أن يشترك بها جميع الأشخاص المختلفين بالحجوم، أي لهم ذراع واحد وذراعان وثلاثة ال. ولما كان لا يمكن أن يكون حجم ما للطبع الكامل المعروف من النفس، وليس للنفس العارفة، وكل مجرد من الحجم الخاص ليس جسماً، فالنفس ليست بجسم، كما أن الأشياء المعروفة منها وهي الطبائع الكلية ليست بأجسام أيضاً.
البرهان الثاني: – نقول إن النفس الناطقة لو كانت حالّة في جسم ما، أي في القلب أو في المخ وفيه قائمة، لوجب أن كل ما تعرفه لذاتها، تُعرف به من الجسم الذي لها منه القيام بالذات. والأمر ليس كذلك، لأن كل إنسان يعرف ذاته دائماً، وليس دائماً، أو ما يخطر على باله أو قلبه أو مخه أو أحد أعضائه. فالنفس غير حالّة بالجسم بل قائمة بذاتها كالجوهر غير الجسمي.
البرهان الثالث: – نقول إن النفس الناطقة لا تحتاج في أفعالها إلى الجسم. لأنها تدرك جيداً ذاتها والجسم الذي هو آلتها، فلة أدركت بواسطة الجسم، لكان إدراكها له بواسطة غيره والآخر بغيره، وهكذا يتسلسل الكلام إلى اللانهاية وهذا محال. ليس محتاجاً في فعله على جسم ولا في قيام ذاته. لأن فعل الشيء يكون بواسطة قيام ذاته. ولو كان قيامه بالذات يحتاج إلى جسم لاحتاج فعله أيضاً على جسم ضرورة. ولقد أظهرنا بأن النفس الناطقة لا تحتاج على جسم في أي شيء من أفعالها أي في إدراك ذاتها والجسد الذي هو آلتها، فإذاً لا تحتاج على جسم أيضاً في قيام ذاتها.
البرهان الرابع: – نقول لو كانت النفس الناطقة جسماً، لحازت القيام بالذات أما بالجسد. وبالتالي تضعف بضعفه. والحال ليس كذلك. لأنه بقدر ما يضعف المخ بواسطة التفكير الكثير.
تقوى النفس وتكمل وكذلك العقل الذي هو القوة الأولى للنفس الناطقة. تبتدئ بعد الأربعين تتكامل، والجسد يتناقص ويضعف. كقول الرسول الإلهي بولس: ” ولذا لا نفشل، لأنه وإن كان إنساننا الخارجي يفسد فالداخلي يتجدد يوماً فيوماً فالنفس إذاً ليست جسماً ولا حالّة بجسم.
البرهان الخامس: – نقول إن القوة الجسمية تضعف وتُذِل حتى الجسم ذاته بتواصل وتواتر الأفعال، إن النفس الناطقة، تقوى كلما واصلت أفعالها، فالنفس ليست جسماً ولا جسمية. وذلك واضح مما قيل ” القوة الرائية هي جسمية، وكلما تنظر إلى المرئيات الكثيرة والبعيدة تتلاشى وتزول وهكذا القوة المحركة الخ. أما النفس الناطقة فبقدر ما تهجس بالمرئيات الكثيرة والسامية عنها، تزداد قوة وشجاعة وكمالاً على الإدراك. وهكذا الذي يطالع، وإن ضعف من كثرة القراءة، أما نفسه فتقوى جداً بمعرفة القراءة والحديث والمعنى.
البرهان السادس: – نقول إن القوة الجسمية لا تستطيع إدراك الضعيف بعد القوي. فالذي ينظر ويرى قرص الشمس عندما يلتفت فينظر إلى السراج، لا يستطيع الرؤية، وهكذا الذي يسمع صوت الرعد لا يقدر أن يسمع صوت الذبابة في نفس الوقت. أما النفس الناطقة، فليست كذلك بقدر ما تدرك المعارف الصعبة والشديدة، تسهل أمامها بالأكثر المعارف البسيطة والسهلة. فالنفس ليست جسماً وليس قيام ذاتها به.
البرهان السابع: – نقول إننا ندرك جبلاً من الياقوت، وبحراً من الزئبق. ولكن من الواضح أن هذه الصور (التخيلات) غير موجودة بالفعل. بل بالقوة (العقل) فقط. فإذاً إن المحل الذي توجد فيه هذه الصور إما جسم أو قوة جسمية، وإما ليس جسماً ولا قوة جسمية، ولا يمكن أن يكون جسماً أو قوة جسمية، إذ كيف يمكن أن تحصر المسافات البعيدة الواسعة في الجسم الصغير أو القوة الجسمية التي في داخلنا. وإذا أمكن الوجود فتكون الأجسام الصغيرة مساوية للكبيرة وهذا محال. فينتج إذاً أن المحل الموجود فيه هذه الصور ليس جسماً ولا قوة جسمية، بل هي للنفس الناطقة ذاتها.
البرهان الثامن: – نقول إننا نعلم ضرورة أن السواد عكس البياض، فلو لم يوجد كلاهما معاً في عقلنا، لما استطعنا أن نحتم هذا الحتم. ولما كان غير ممكن للمضادات أن توجد معاً في موضوع جسمي واحد، أي لا يمكن أن يوجد جسم واحد أبيض وأسود في وقت واحد معاً. ولا الحار والبارد، فيجب إذاً أن يكون المحل الذي تجتمع به المتضادات معاً عند الحتم عليها ليس جسماً ولا قوة جسمية، وهو الذي ندعوه النفس الناطقة.
البرهان التاسع: – نقول لو كانت النفس الناطقة جسماً، لاستطاعت أن تقوم معرفة الشيء المعروف في جزء من أجزائها، ولا تقوم في جزء آخر منه، ويوجد الإنسان في وقت واحد عارفاً وغير عارفٍ للشيء المعروف ذاته وهذا محال.
البرهان العاشر: – نقول عندما ترسم صورة شيء ما، تمحو كلياً محلها لكيلا ترسم صورة أخرى فيه، أما في النفس الناطقة فليس كذلك. بل عندما نرسم بها صورة شيء معروف. تصبح أكثر استعداداً أو أهلية لرسم صور أخرى معنوية كثيرة. وبدون أن تمحي الصورة الأولى منها. ومن هنا تُعرف حقيقة، بأن النفس ليست جسمية.
البرهان الحادي عشر: – نقول إن كل إنسانٍ يعرف ضرورة أنه هو ذاته الذي كان قبل عشرين سنة وليس آخر. أما الجسم وأجزاؤه فليست هي ذاتها. لأنها تتغير تغيراً حقيقياً بواسطة كلا الحرارتين الخارجية والداخلية، والأجزاء الأخرى تضاف في محل الأجزاء الأولى بواسطة التغذية، فالنفس هي ذاتها ليست جسماً. لأن الجسم لا يبقى كما هو.
البرهان الثاني عشر: – نقول إن جميع أعضاء الجسد الباطنة والظاهرة، خلقت بمثابة آلات للاستعمال. ولهذا يقول الإنسان، رأسي وعيني وقلبي وكبدي الخ. فيجب إذاً أن يكون صاحب هذه الأعضاء الآلية هو شيء منها وليس كلها. أما النفس الناطقة ليست شيئاً من الأعضاء الجسمية أو القوى الجسمية، بل جوهراً غير جسمي وقائماً بذاته.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة ” هلموا نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” فأقول إذاً الذي خلق بصورة الله وشبهه، من الضروري ليس جسماً كما أن الله له المجد ليس جسماً.
البرهان الثاني: – المزامير ” إن نفسي عطشى إليك أيها الإله الحي، متى آتي وأرى وجهك” فأقول لما كان الله له المجد ليس جسماً، كذلك الذي يمكن أن يراه لا يجب أن يكون جسماً، لأنه إذا رؤيَ من المجسمين فيكون جسماً.
البرهان الثالث: – الإنجيل ” أما الروح فمستعد وأما الجسد فضعيف” نقول إذا كان الروح أي النفس ليس جسماً، كيف تتغير إرادتها من إرادة الجسد الجسمي.
البرهان الرابع: – بولس ” لأننا نعلم هكذا ونذعن بأنه طالما حالون في الجسد فنحن أموات عن الرب. ولذا فننتظر ونشتاق للموت من الجسد ونكون مع ربنا ” فأقول لو كانت النفس جسداً كيف تحل في الجسد.
البرهان الخامس: – فيه أيضاً “أعرف رجلاً بالمسيح سواء بالجسد أمبدون الجسد لا أعلم، الله أعلم وقد اختُطِفَ إلى السماء الثالثة” فأقول لو كان الإنسان جسداً بكليته، كيف تقال هذه الكلمة سواء بالجسد أم بدون الجسد؟
البرهان السادس: فيه أيضاً ” اذكروا المتضايقين كأناس لابسين الجسد ” فأقول لو كانت النفس لحمية (جسدية) كيف يلبس الجسد جسداً، فالثوب (اللباس) هو غير اللابس.
البرهان السابع: – الثاولوغوس في مقاله الاحتجاجي ” هذه هي للنفس التي لها المنزلة العليا من الله والإلهيات، والمنتسبة إلى جمال الأصل الذي من السماء وإليه تسرع دائماً، وإن قيدت بهذا الحقير (الجسد).
البرهان الثامن: – أوغريس ” إن غنى النفس هو معرفة الروح، وفقرها عدم هذه المعرفة” فأقول لوكانت النفس جسماً أو قوة جسمية لما كانت المعرفة غناها. بل اعتدال المزاج وجمال الهندام. ورؤية المنظورات الجميلة. وسماع الأغاني الموقعة. واستنشاق الروائح الذكية، وتذوق المآكل الشهية. ولمس الأشياء اللطيفة والملساء أو مظاهر الزينة والتبرج. وواضح أن هذه الأمور هي غنى الجسد لا النفس، فالنفس هي غير الجسد.
الفصل الثاني
في رأي القائلين: إن النفس هي جسم
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: -يقولون إن الإنسان عندما يقول رأيت وسمعت وعلمت وفكرت ورغبت وغضبت ودخلت البيت وخرجت منه، يعرف ضرورة أنه رأى وسمع الخ. فإذاً يجب أن يعرف ضرورة أنه يعرف، وإلا كيف يستطيع أن يحمل (ينسب) ما لا يعرف على ما رأى وسمع الخ. ولو كان الإنسان شيء آخر عن الجسد وأجزائه، لوجب ضرورة أن يعرف ذاته، ولما كان الإنسان لا يعرف ضرورة شيئاً آخر عن جسده، فلا تكون النفس شيئاً آخر غير الجسد، فجسد كل إنسان حي هو نفسه، وليست النفس شيئاً آخر غير جسمي. إذ ليست معرفة الإنسان أنه غير جسمي ضرورة، وإنه يعرف ذاته ضرورة.
الاعتراض الثاني: يقولون إن الإنسان يقول جلست وقمت وذهبت إلى السوق ودخلت الكنيسة وصعدت على السطح، وتصدرت وجلست في المجلس، وكل هذه كما يتضح يقولها عن نفسه لا عن غيره، فلو كانت النفس ليست جسماً، لكانت هذه الألفاظ كاذبة، لأنها للأجسام ولا تطلق على غير الجسم. فغير الجسم لا يُحَدُّ بمحلٍّ، في السوق أو الكنيسة أو السطح، ولما كانت هذه الكلمات ضرورية التصديق، فالنفس إذاً ليست غير جسمية بل جسماً.
الاعتراض الثالث: -يقولون لو لم تكن النفس جسماً وقد أسرت بالجسد الذي قادته وديرته مدة من الزمن، وتبعت آخر ودبرته. وبالتالي يجب علينا أن نرتاب إذا رأينا اليوم جسد بطرس وفي الغد نراه أيضاً، ونفكر هل هو ذاته الذي رأيناه بالأمس أو ليس هو. لأنه لو تركته النفس التي كانت تديره وتبعت آخر، لما بقي موجوداً، ولما لم يتبع معرفتنا شك كهذا، فلا تكون النفس المقيدة مع الجسد شيئاً آخر، بل الجسد هو النفس ذاتها.
الاعتراض الرابع: – يقولون إن الإنسان يحد بكونه حيواناً ناطقاً مائتاً، وللحيوان قوتان، قوة مدركة وقوة محركية، وواضح أن هاتين القوتين تصلان إلى الأعضاء بواسطة الأعصاب، والنطق الذي هو التفكير (العقل) حال في الجهة الوسطية للمخ. ولما كنا نملك قوة غير هاتين القوتين وبها يتم كمال إنسانيتنا، وهاتان القوتين قائمتان في الأجسام اللطيفة يصدق أن النفس هي شيء آخر بدون جنس ومجرد من المادة، عدا هذه القوى الهيولية القائمة في الأجسام. وإذا كانت فأين توجد؟ وإذا كانت منا أو جزءاً منا أو هي نحن بكليتنا، كيف لا نعرف أنفسنا أو جزءنا أو ما يصدر عنا، ومن هنا يُعرَف بأن النفس ليست شيئاً آخر غير هذه القوى المادية الحالّة في الأجسام وبها قائمة وممتزجة.
الاعتراض الخامس: – يقولون إن الإنسان وإن لم يعرف بإثبات الأعمال الكثيرة. ولكنه يعرف ذاته بأكثر إثبات وبدون شك أو ارتياب أو انقسام، فلو كانت نفسه جوهر غير جسمي ومجرد، لما شغلت حيزاً ولما كانت داخل العالم ولا خارجاً عنه ولا قريبة منه ولا بعيدة عنه، فإذاً يجب أن يعرف كل إنسان ذاته هكذا، أي لا يشغل حيّزاً وليس داخل العالم ولا خارجاً عنه. ولما لم يظن أحدٌ هذا عن نفسه، ولو ظنَّ لعُدَّ مع المعتوهين، فإذاً نفس كل إنسانٍ هي جسمية.
الاعتراض السادس: – يقولون إن الجسد يدرك الكليات والجزئيات، فلهذا يجب أن يكون هو الإنسان وهو النفس التابعة للجسد والمقيدة به كما قلتم. وإلا يكون وجودها عبثاً بالأكثر دون نفسها ورذلها. والذي يدرك الجزئيات من الضروري أن يدرك الكليات. ويتضح ذلك من أن الحس عندما يدرك أن هذا الإنسان جزئي، من الضروري أن يدرك الإنسان العالم، لأنه لو لم يكن أدرك ذلك الإنسان، لما استطاع أن يدرك الجزئيات، هكذا بالشكل نفسه يدرك الكليات، ومن هنا يتضح أن الإنسان ليس شيئاً آخر غير الجسد وأجزائه وقواه.
الاعتراض السابع: – يقولون لو لم تكن النفس جسماً ولا عرضاً، لوجب أن تؤثر بالجسد وتحركه بدون أن تلمسه، ولو كان هذا ممكناً لديها، لوجب أنه كما تحرك جسدها بدون أن تلمسه، كذلك تحرك وتؤثر في سائر الأجساد الأخرى، لأن جميع الأجساد متساوون في الاستعداد والقابلية للانجذاب والتأثر، والأمر ليس كذلك، فالنفس إذاً لما لم تستطيع أن تعمل أفعالها بدون اللمس، فهي جسم أو قوة جسمية، أما إنها جسم أو قوة جسمية، فذلك لأن الأجسام والأعراض التي فيها هي تستطيع فقط أن تلامس الأجسام وليس غير الأجسام.
الاعتراض الثامن: – نقول لقد سلّم جميع الفلاسفة بأن الإنسان حيوان ناطق، وعل حيوان جسم، لأن جسم المتنفس هو جنس الحيوان، والحيوان هو نوعه، ولما كان الإنسان جسماً، فكل ما ليس بجسم ليس إنساناً، فالنفس إذاً إذا كانت إنساناً أو جزءاً منه فهي جسم أو جسمية.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول إن هذه القضية التي صرحتم بها ليست حقيقية (صادقة) لأن الإنسان يعرف ضرورة أن ما يتجرد منه ليس شيئاً آخر عن جسده، لأن الإنسان يعرف ضرورة أن هذا الجسد لا يتحرك من ذاته بدون محرك آخر، وإلا لوجب أن يتحرك بعد الموت أيضاً. والحال ليس كذلك، لأننا نقول عن المتحرك بدون نطق أن النفس الجسمية تتلاشى بتلاشي الجسد. وذلك عندما نتحقق بالبراهين التي أتينا بها من سابق، والبراهين التي سوف نجلبها.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إن النفس غير الجسمية باتحادها مع الجسم، تنسب إلى ذاتها أموراً جسمية وإن لم تلائم طبعها، ولكن لأجل التلاؤم والاتحاد له عرضياً في الأمور الموجبة، فإذاً عندما يقول الإنسان جلست وقمت، فنفسه الناطقة هي القائلة إن جسدي جلس وقام وذهب إلى السوق ودخل الكنيسة الخ. وذلك واضح وصريح من أن في الحيوانات غير الناطقة يوجد من جثا وقام وذهب ودخل فقط، ولا يوجد من يقول جلست وقمت وذهبت ودخلت. ففي الإنسان كلاهما، ولو كانت النفس غير جسمية لتساوى العقلاء بالجمادات، وهذا محال.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول إن لكل نفس انتساب خاص إلى جسدها الخاص بسبب تساوي نمو ووجود خلقتهم معاً، ولأن خلقة الجسد هي سبب خلقة النفس. أما السبب فليس هو الخالق بل السبب القابل، لأنه كما إن الجسد لا يخلق ولا النفس تخلق، فإذاً كل نفسٍ تشتاق أن تتبع جسدها خاصة وتديره طبيعياً، وغير ممكن انفصالها عنه طالما هو يميل إليها تربطها معه رابطة الشوق الجوهري، ومن هنا يتضح أن القضية التي تقول إن النفس تستطيع ترك جسدها الخاص واتباع آخر هي قضية سفسطية وغير حقيقية.
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول إن القوة الحالّة في جهة المخ الوسطى، ليست قوة ناطقة ومفكرة، بل تدعى قوة المخيلة، وتوجد أيضاً في الحيوانات غير الناطقة، وهي القوة التي بواسطتها يعرف الحمل أن الذئب عدوه وأن الإنسان الذي يطعمه هو صديقه، والقوة الناطقة والمفكرة غير قائمة في الجسد والأعضاء، بل في النفس الناطقة وغير الجسمية القائمة من ذاتها ولذاتها.
الجواب على الاعتراض الخامس: – نقول لو كان الإنسان طبيعة بسيطة غير جسمية بكليته، لوجب أن يعرف ذاته كما قلتم، ولما كان الأمر ليس كذلك، بل طبيعة مركبة من طبيعتين جسمية وغير جسمية، فلا تجب له إذاً هذه المعرفة التي قلتم عنها.
الجواب على الاعتراض السادس: – نقول لا يصح قولكم، لأنه لو لم يدرك الحس الإنسان العام، لما استطاع إدراك هذا الإنسان، وهذا واضح من أمرين: الأول – أن الحس بسبب الأنواع المحسوسة الموجودة في هذا الإنسان يستطيع إدراكه، وهذه الأنواع هي الألوان والأشكال والحجوم الخ. ولما لم يكن للإنسان العام شيء كهذه، كيف يستطيع إدراكه، وهذه الأنواع هي الألوان والأشكال والحجوم الخ. ولما لم يكن للإنسان العام شيء كهذه، كيف يستطيع إدراكه. والثاني – لو أدرك الحس هذا الإنسان، والإنسان العام أيضاً، لوجب أنه كلما أدرك سقراطيس أن يدرك ما في ديموقراطيس وايفوقراطيس وأفلاطون وسائر الأمور المحصورة في الإنسان العام، والحال ليس كذلك، فالحس يدرك هذا الإنسان فقط. فالعقل الذي هو قوة النفس غير الجسمية يدرك الإنسان العام أي جميع الناس على السواء، عندما يجردهم من كل الأنواع المحسوسة الجزئية.
الجواب على الاعتراض السابع: – نقول ليس لجميع الأجساد مشابهة واحدة متساوية بالنسبة إلى كل نفس من الأنفس، وذلك لأجل السبب الذي سبقنا فأظهرناه، لأن كل نفس خلقت للانتساب الخاص إلى جسدها الخاص الذي وجدت له ولأجله، ولذا بما أنها تحرك جسدها طالما تنتسب إليه دون لمسه، لا يوجب أن تحرك جميع الأجساد الأخرى الغريبة بدون اللمس. وقال البعض، أنها تحرك جسدها بدون أن تلمسه، أما بقية الأجساد فتحركهم بلمسها إياهم، أما نحن فنقول، إن مرات كثيرة عندما تشتد النفس وتقوى، تستطيع أن تحرك الأجساد الأخرى الغريبة وبقية الأجسام بدون لمسها كالكاملين الذين بعثوا الموتى وأخرجوا الشياطين وأهطلوا الأمطار وعملوا سائر العجائب.
الجواب على الاعتراض الثامن: – نقول لقد سبقنا فقلنا إن الإنسان مركب من طبيعتين منظورة وغير منظورة، ولذا فهو جسم وغير جسم، أي يحمل إليها حقيقة بنوع آخر وآخر، لأن له جسداً جسيماً كبقية الحيوانات أما الناطق بما أنه يحوز على نفس غير جسمية، فهو كبقية الطبائع الروحية (غير الجسمية) الخ.
الفصل الثالث
في هدم هذا الرأي القائل بأن النفس البشرية
هي التئام أي تلاحم امتزاج العناصر
وفيه مقصد واحد
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن الجسد مركب من اجتماع (اتحاد) العناصر الأربعة، ولأن القوى لها مضادات، فمن الضروري أن تكون قوة أخرى غير هذه القول بواسطتها تحتد جميع القوى معاً اضطراراً وتمتزج ببعضها، وقولنا اضطراراً، لأنها نافرة من بعضها طبيعياً ومبيدة لبعضها، وليست منتسبة ومثبتة لبعضها. كقولي مثلاً الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وجامعها ليس الامتزاج ذاته، لأن الامتزاج يحصل بعد اجتماعها، ويجب أن يكون السبب الأول لا الأخير، فينتج إذاً أن تكون قوة أخرى سبب اجتماعها وهي التي ندعوها النفس، كقول القديس غريغوريوس النوسي ” إن الطبائع تحتاج إلى من يجمع ويلم” وقال أيضاً ” كيف التأم الجسم الذي له إمكانية التبدد من طبيعته؟ إلا من النفس؟”
اعتراض: – يقولون لماذا يمكن أن نقول إن الله له المجد هو سبب اجتماع هذه المتضادات وليست النفس. ولكن عدم مقدرة النفس أن تكون سبب اجتماعها واضح من أن النفس هي مسببة لنفس الامتزاج الذي هو معلول لاجتماع العناصر بحسب رأيكم، فهي أولى بوجودها وليست متأخرة بدرجتين.
الرد: – نقول إن الله له المجد ليس علة المعلولات فقط بل العلة والمعلولات معاً. فإذاً هو له السجود علة وجود النفس التي هي علة اجتماع قوى العناصر المضادة. ونقول ضد ادعائهم أن النفس متأخرة لوجودها درجتين. بما أنها ليست شخصاً واحداً بل أشخاص كثيرين، فتكون نفس الوالد علة (سبب) اجتماع العناصر في جسد ذاتها، وهكذا رويداً رويداً حتى تتسامى هذه السببية (العلة) لاجتماع العناصر المتضادة وامتزاجها ببعضها عند الله له المجد الذي جبل الإنسان الأول ونفخ بوجهه نسمة الحياة كقول الكتاب المقدس. ويشهد بذلك الغني بالإلهيات مار غريغوريوس القائل: ” أخذ جسداً من المادة وجعل منه حياة هذا ما تعبره وتفهمه الكلمة عن النفس العارفة وصورة الله.”
البرهان الثاني: – نقول إن الجسم من الضروري أن تتألم وتختلف كيفيته عن كيفية المحسوس لدى إدراك هذا المحسوس. فإذاً إما أن تكون كيفية الحساس الأولى هي ذاتها مدركة كيفية المحسوس، أو ليست هي، بل الكيفية الثانية التي تتجدد له بتغيره واختلافه عن المحسوس. والافتراض الأول غير صحيح، لأن الكيفية الأولى قد زالت من مدة بعيدة، والمدرك يجب أن يكون محفوظاً مع الإدراك.
والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح. لأن بعض الشيء مما يشابهه، لا يتألم ولا يتبدل. والإدراك يحصل بواسطة الألم والتبدل كما قلنا، فينتج إذاً أن مدرك كيفية المحسوس ليس امتزاج الشيء الحساس. بل الشيء الآخر الذي بواسطته تبدل وتألم المزاج الحساس يدرك كيفية المحسوس الذي ندعوه النفس.
البرهان الثالث: – نقول إن مراراً كثيرة يميل المزاج إلى شيء ما ويضطرم شوقاً إليه، والنفس تمنعه كلياً من إكمال قصد إنساني ما في الخفاء، أي من الاتباع النسائي والضعف من المآكل وغيرها. ففي الحيوانات مثلاً لأجل قصد غريزي، تمتنع الأم عن الطعام مرات كثيرة وتشقي نفسها لتقدم قوتاً لصغارها. فالنفس إذاً ليست مزاجاً ولا المزاج نفساً.
إيضاح: – يجب أن نعلم أن هذه كلها تؤيد ثلاثة براهين وهي، أن كل نفس ليست مزاجاً، ولما كانت كل نفس ليست مزاجاً، فمن الضروري أن النفس الناطقة التي عليها مدار الكلام لا تكون مزاجاً.
الباب الثاني
في خواص (ميزات) النفس الناطقة
وفيه مقدمة وتسعة فصول
المقدمة
في الآراء المختلفة التي تولدت عند البعض
عن خواص (ميزات) النفس
الرأي الأول: – يقول ارسطوطاليس مع كل الزمرة المشائية أن طبيعة واحدة لجميع النفوس البشرية، ولذا فهي ليست متباينة من بعضها بالطبيعة والنوع بل بالعدد فقط، أي بالأنواع العريضة التي تلحقها، مثلاً كحذاقة الفكر والبلاهة، وعظمة النفس وحقارتها، والاضطراب والهدوء، والعفة والعهارة وغيرها. فهذه التغيرات تتبع تغيرات الأمزجة، لأن الجسد هو آلة النفس، ولذا فالعمل يكمل دائماً بحسب خير الآلة وشرها، وإن كان صاحب المهنة ماهراً وحاذقاً. ولهذا فالحاذقون هم ثاقبو العقل وقليلو التبدل من فكر إلى فكر، أما الدميون فهم مسرورون وجميلون وهادئون، أما ذوو البلغم فهم ثقيلو الفهم قساة ذوي الملانخوليا العميقة (القوية) وحقودون وغير سهلي التبديل، وكما أن أنواع المزاج لا حد لها، فهذا الرأي هو أكثر جميع الآراء انتساباً إلى رأي الملافنة الكنسيين.
الرأي الثاني: – يقول غيرهم أن أنفس جميع الحيوانات البكماء وأنفس البشر متساوية بالطبيعة ومختلفة باختلاف تغيير أجسادها الآلي، ولكن لو كان لسائر الحيوانات مخ (عقل) كمخ الإنسان ولسان كلسانه، لفكرت نظيره وعقلت وتكلمت الخ.
الرأي الثالث: – ويقول غيرهم أن النفس البشرية هي جنس وتضم أنواعاً كثيرة من النفوس البشرية المتباينة عن بعضها بالطبيعة، وكل نوع منها هو من الجواهر غير المجسمة والسماوية التي يدعونها الطبائع الكاملة، وتحت كل نوع أشخاص كثيرة من النفوس الناطقة. فإذاً كل نوع من الأنفس يشبه تماماً الجوهر الذي هو علته في الفضيلة والسذاجة والهدوء والغضب الخ. ولذا ذاتيات الأنفس من نوع واحد تحتبك بمحبة واحدة في طبائعها نحو بعضها، فهوذا نرى أناساً كثيرين غرباء يحبون بعضهم كثيراً ولا يستطيع تفريقهم لا سيف ولا نار، كما إنهم يقولون إننا نرى أخوين وأباً وابناً يحاولون جهدهم في تحطيم بعضهم، ويقولون أيضاً لقد جربنا هذا بالمحبة العالمية، فمراراً كثيرة يحتقر الرجل امرأته الجميلة الطلعة والغنية والكريمة الحسب والنسب ووالدة البنين والشريفة ويحب الغريبة الحقيرة والقبيحة والوضيعة الأصل، فيضطرم بمحبتها، وكثيرون من الرجال يفضلون الحبشيات وغيرهم للأخريات الغريبات، وبالعكس النساء مع الرجال، ولأنه لا نسبة لمثل هؤلاء مع بعضهم في الأخلاق الخارجية والجسدية، فمن الضروري أن ينتسبوا مع بعضهم بالأخلاق الباطنية بكونهم من نوع واحد، ولهم طبيعة واحدة وأب وعلة.
الرأي الرابع: – يقول الآخرون إن جميع الأنفس البشرية تتميز عن بعضها بالطبيعة، وليس بينها مساواة طبيعية قط، وإن شابهت بعضها بالأخلاق العريضة أي بالفضيلة وغيرها.
لأن التشابه بالأخلاق العريضة (الحادثة)، لا يشير دائماً إلى تساوي الطبيعة، فإذاً نفس كل إنسان يوجد فيها النوع طبيعياً وخاصاً، ونوعيتها ذاتها التي توجد في ذاتها الوحيدة فقط، كالشمس والقمر في الأجسام السماوية، وكالعنقاء الطير الهندي في الأجسام الأرضية.
الفصل الأول
في أن جميع الأنفس البشرية متساوية في الطبيعة
وفيه مقصد واحد
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول لو كانت الأنفس البشرية متميزة عن بعضها بالطبيعة لكان غيرها الطبيعي بالنسبة إلى التغيرات الجوهرية التي هي مثبتة الأنواع ومقسمة الجنس، ولو كانت للنفوس تغييرات كهذه، لوجدت مركبة من الجنس والفصل، ولكانت بسيطة وغير مركبة، فليست مميزة عن بعضها بالتغيرات الجوهرية، ولذا فليست الأنفس البشرية متباينة بالطبيعة بل متساوية، أي لها طبيعة واحدة.
البرهان الثاني: – نقول لو كانت الأنفس البشرية متميزة عن بعضها بالطبيعة، لوجب أن تكون جميع الأشخاص البشرية متميزة عن بعضها بالطبيعة أيضاً وهذا محال، لأن جميع النفوس متساوية معاً مع بعضها عدا الحيوانية والنطق ولا يوجد شيء جوهري آخر تتميز به عن بعضها، إلا في الأنواع (الأخلاق) الحادثة التي تتبع طبيعتها من الخارج، ولما كانت أشخاص (ذوات) البشر متساوية بالطبيعة، فيجب أن تتساوى نفوسهم أيضاً بالطبيعة.
الفصل الثاني
في رأي المعتقدين بتمييز الأنفس البشرية بالطبيعة عن بعضها
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: – يقولون إن الإنسان ينتقل من المزاج الحار إلى البارد، ويتحول من الرطب إلى الجاف، أما ميوله النفسية فباقية بدون تغيير وبتغير، ولو كانت لم تتغير مثلها، لتأكدنا أنها تتبع الميول النفسية التي تبدل طبائع النفوس المتغيرة، فالنفوس البشرية متميزة عن بعضها بالطبيعة، وإن الأمزجة تتبدل بدون أن تحدث تبديلاً في ميول النفس، وذلك واضح من أن الحقود الحاد الحواس تطرأ عليه حمّى حرارية مراراً كثيرة وزكاماً وبلغماً، وحدّة حواسه لا تتبدل قط، وبعض ذوي البلغم والقيح تحدث لهم حمى الثلاثية والحنونية وغيرها، وهذا الانقسام لا يتبدل قط ولا يفارقهم البله.
الاعتراض الثاني: – يقولون إننا نرى رجلين متميزان عن بعضهما في التركيب الجسدي والنظام المزاجي، ويتشابهان بالأخلاق الجسدية، ويتميزان بأخلاق النفس. ومن هنا نتأكد أن الحواس النفسية لا تتبع الأنواع المزاجية، بل إنها تتبع طبائع الأنفس المختلفة.
الاعتراض الثالث: – يقولون إن الأعضاء الجسدية هي آلات النفس لإكمال الأعمال المختلفة، وواضح أن خيرية الآلات وشرها لا تشير إلى خيرية أو شر الصانع، لأننا نرى أن أكثر أو معظم النجارين الماهرين يعملون أشياء كثيرة غير جميلة بقدوم ومنشار ومثقب لا تصلح، ولذا لا يجب أن ننسب عدم المهارة إلى ذلك النجار، وهكذا نقول عن الأنفس أنها غير متميزة عن بعضها بتغيرات وتراكيب أمزجة الأعضاء الجسدية، لكن يكون تباينها (تميزها) ذاتياً. لأن لكل نفس طبيعة خاصة وبها تتميز عن رفيقاتها.
الاعتراض الرابع: – يقولون إننا نرى بعض الأولاد الصغار صالحين ورحومين وأسخياء وطائعين وخاضعين، وبعضهم بالعكس أشراراً وظالمين وبخلاء وجسورين وعصاة ومتمردين، فإذاً هذه التغيرات إما بسبب التبدلات المزاجية أو بسبب العادات والتمرين والأدب الذي يُكتَسَب من المؤدِّب. أو بسبب تغيرات الأنفس الطبيعية، والافتراض الأول غير صحيح، لأن السبب (العلة) الفاعلي هي النفس، والأعضاء هي آلات، فالآلات إذا لم تصلح لإرادة الفاعل لا يجب أن تعمل هذه ضد ذاتها. أي عندما لا يتم فعل الرحمة الذي تشاء به النفس لعدم صلاحية الآلة الجسدية، ولا الظلم الذي لا تشاء به النفس يجب أن يتم، بل عدم (منع) الرحمة والظلم فقط. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن هؤلاء الأولاد لم يتعاشروا مع رفاقهم وأصحابهم بعد، ولم يتأدبوا على مؤدبين، فينتج إذاً أن الافتراض الثالث هو الصحيح، وذلك أن الأنفس البشرية متميزة عن بعضها بالطبيعة، ولذا فحواسها (ميولها) متميزة أيضاً.
الاعتراض الخامس: – يقولون إننا نرى الأنفس البشرية تتميز عن بعضها بالأخلاق التي لا نستطيع وصفها قط، ومقابلتها بالتغييرات المزاجية، كرؤيتنا مثلاً بعض الناس يقبلون المعارف الفلسفية بأكثر استقامة وإتقان، ولكنهم يعجزون عن اكتساب المعارف النحوية الأشد سهولة، وبعضهم يستطيعون بمعرفتهم الفردية ذاتها أن يفهموا بعض الأسئلة الواهية أو العويصة ويحلوها بأكثر سهولة، بينما بصعوبة كبرى يدركون الأسئلة الأخرى البسيطة والسهلة. وأنا وجدت بذاتي شخصاً كان يحل أسئلة كتاب المجسطي لعظولماوس بحقيقته، ولكنه يعجز عن حساب الصوم الأربعشري، ورأيت آخر يركب جيداً جميع أنواع الأشكال الأربعة للبراهين ويكوّن النتائج من الأسئلة البسيطة والمتشابكة والظاهرة والمبهمة. بينما لا يفهم قط معرفة العلاقة بين الاسم والمسمى (الموصوف) في الأنواع الثلاثة، الأخذ والنسبة والاتباع، فيقودهم بهذا الاختلاف بسبب اختلاف المزاج أموراً بعيدة، فينتج إذاً بلا قرار أن طبيعة النفس الخاصة تصلح لنوع المعرفة الخاصة، ولا تصلح لغيره.
الاعتراض السادس: – يقولون إننا نرى بعض الحيوانات الضارة والتي تحب الاجتماع. كالأسد والذئب، منها مفيدة وتحب الألفة كالضأن والثيران والحمير. وأخرى خبيثة كالقردة والثعالب، وأخرى هادئة وديعة كالخراف، وأخرى تهتم لجمع القوت وادّخار المؤونة في المخازن كالنمل والنحل، وأخرى لا تجمع أكثر من حاجتها اليومية كالحمام، وأخرى سالبة ناهبة كالباشق والباز. وأخرى سارقة كالغربان التي تسرق الخواتم والجواهر الغالية والدراهم، وأخرى عفيفة وهادئة كاليمام التي لا تقرب قط إلى التجامع (الازدواج) مرة ثانية، وأخرى عاهرة إلى أقصى حد حتى إنها تتجامع إلى الخمسين مرة في ساعة واحدة كالعصافير. وبالشبه عينه البشر. فيقولون إننا نراهم متميزون بهذه الأخلاق، إذ فهم محرومون ومضرون وخبثاء. ومنهم ودعاء ومفيدون، ومنهم يحبون الهدوء، ومنهم يحبذون العمل، ومنهم طماعون وآخرون بسطاء وآخرون محتالون، وآخرون مقتصدون وآخرون سراق وآخرون لصوص، فكما أن الحيوانات متميزة بطبيعتها، كذلك الناس الذين يشبهونها بأخلاقهم، فيجب أن يكونوا متميزين بالطبيعة، ولما كان نوع وطبيعة جميع أجساد البشر واحدة، يجب أن تكون طبائع نفوسهم مختلفة، فالنفوس البشرية إذاً متميزة عن بعضها بالطبيعة.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول إن بعض الأمزجة هي أولية وطبيعية، وهي التي بدايتها من أول الخليقة وعلة هذا التركيب الآلي. وبعضها عرضية (حادثة) وهي التي تكتسب من العادات والقامات والأمكنة والأمراض، وواضح أن الميول النفسية التي لا تتغير ولا تنتقل، ولا تتبع هذه الأخيرة الحادثة والمنتقلة والمتغيرة.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إن الأنواع (الأخلاق) النفسية تتبع تراكيب وأمزجة الأعضاء الأصلية والباطنية، وليس الأعضاء الخارجية. فلكلا الرجلين اللذين قلتم عنهما أنهما يشبهان بعضهما بميولهما ويتميزان بتراكيبهما ومزاجهما، يمكن أن أعضاءهما الخارجية لا تتشابه فقط، أما الداخلية أي كالقلب والمخ (العقل) والكبد، فتشابه بعضها، لأن ميولها تنتسب إلى بعضها.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول يوجد في الحد الوسطي بين النفس والجسد رباط طبيعي، وهما متساويان في النمو، ويخصان بعضهما ولا يختلفان عن بعضهما، أي لا يمكن أن تكون هذه النفس لجسد آخر، ولا هذا الجسد لنفس أخرى، أما النجار وآلاته، فليس كذلك، ولذا ليس من العدل مقارنتهما ببعضهما.
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول إن الرباط الطبيعي والاتباع يؤثران ببعضهما ويتأثران من بعضها بالحيلة الشديدة الموجودة بين النفس والجسد، أما الآلات والعمال ليسوا هكذا، إذ لا تستطيع الآلة أن تحدث تغييراً في ذات العامل، ولا الصانع في الآلة طبيعياً، بل إرادياً، فإذاً تغييرات أخلاق الأولاد النفسية تتبع التغيرات المزاجية التي تصور طبيعة النفس النوعية (الخلقية) في الأشخاص المتحدة، فالاختلاف الذي كالرحمة والظلم الخ، هو عارض لا جوهري.
الجواب على الاعتراض الخامس: – نقول كوننا لا نستطيع مقارنة الأنواع النفسية بالأنواع المزاجية، لا يفيد عدم وجود مقارنة (شبه) لكلا النوعين مع بعضهما، لأننا لا نعرف جميع الأمور الموجودة كما هي، بل بقدر استطاعتنا ومقدرتنا. ولذا لا يجب أن نجزم أن كل ما لا نعلم هو غير موجود، ومع هذا نقول أيضاً أن كون الإنسان يفهم آراء الفلسفة السامية، ولا يفهم معلومات النحو البسيطة والبدائية، والآخر يكون بالعكس. فهذا يدل على اختلافات أنفسهم الطبيعية والجوهرية، فيجب ألا نظن عندما نرى أن إنساناً يموت من عقصة نحلة، والآخر لا يموت من لسعة أفعى، أم جسديهما يتميزان بالطبيعة لا بالجوهر فذاك محال، لأن جميع الأجساد البشرية تتساوى بالطبيعة والجوهر أي بالنوع، وتتميز بالاختلافات العرضية فقط، وهكذا نفوسهم.
الجواب على الاعتراض السادس: – نقول إن اختلافات هذه الأهواء التي تقولون عنها، وإن دلت في الحيوانات البكماء على الاختلافات الجوهرية لطبائعها النوعية، ولكنها ليست كذلك عند البشر. لأن الإرادة تتسلط على هذه الأهواء لزيادتها ونقصانها. فلو كانت التغيرات جوهرية غير قابلة للزيادة والنقصان كما في الحيوانات، فإن الذئب لا يستطيع أن يترك وحشيته ولا الخروف وداعته ولا العصفور يلجم شهوته ولا اليمامة تفقد عفتها، ومن هنا يتضح أن كهذه الأخلاق هي ميزات خاصة جوهرية لكل من أنواع الحيوانات البكماء. ومميزة وعرضية لكل من أنواع الأشخاص البشرية التي تتبع أمزجتهم.
الفصل الثالث
في ميزات الأشخاص البشرية بالنسبة إلى القوى الثلاث
وفيه ثلاث مقاصد
المقصد الأول
في التمييز الذي بنوع قوتنا الناطقة
وفيه نظريتان
النظرية الأولى
في أنواع النطق المختلفة
نقول ثلاث هي القوى الموجودة فينا، النطق والحدة أو الغضب والشهوة. أما النطق فهو إدراكنا العقلي الذي محله المخ. وهذا (النطق) هو ثانوي أي طبيعي واكتسابي، فالطبيعي كمعرفتنا أن الاثنين نصف الأربعة وأن الكل أكبر من الجزء. وإن جسماً لا يمكن أن يكون في وقت واحد بمحلين، فهذه الأمور وغيرها هي مواضيع مدركة، ولئن وجدت عند جميع الناس، ولكن ليست متساوية. أما الاكتسابي ويقسم إلى نوعين: المعارف والقولية والكتابية، والفنون، والمهن الحرة التي بواسطتها يحيا الإنسان حسناً في هذا العالم. وهناك بعض الناس الذين ينالون كلا النوعين وكاملون بهما وهم المتوحدون، ويوجد من هم ناقصون وقاصرون في كليهما وهم كثيرون. ويوجد من هم مفضلون بالمعارف وجاهلون بالفنون والمهن، وبالعكس يوجد من هم مهرة بالفنون وسذج بالمعارف وهم متوسطون، ودرجات المعارف الاكتسابية وإن كانت كثيرة ولكنها تحصر في ثلاثة أنواع:
النوع الأول: – إن بعض الناس ماهرون بجميع المعارف معاً وهم قلائل. وبعضهم جهال وهم كثيرون، وبعضهم مفضلون ببعضهما وجهال ببعضهما، وهم هؤلاء درجات مختلفة، لأن البعض يتلقنون العلوم الصعبة بأكثر سهولة، والسهلة بأشد صعوبة، كالذي رأيته مثلاً يدرس جميع أسفار العهدين القديم والجديد والآباء بثبات وحقيقة، ويفسر آراءهم بوضوح، وعجز عن كتابة رسالة واحدة، ورأيت آخر بعكس ذلك ونظرت آخر يعلم التلاميذ قراءة جميع الكتب بكل تأكيد وثبات. بينما عندما يقرأ هو ذاته ميمر أو مقالة في البيعة يتعثر ويلحن في محلات كثيرة.
النوع الثاني في درجات المعارف المكتسبة: – هناك بعض الناس يتعلمون بسرعة وينسون ببطء أو لا ينسون قط، وهذه هي الدرجة الأكثر سمواً. وهناك البعض الآخر يتعلمون ببطء وينسون بسرعة، وهذه الدرجة الأكثر دناءة وسفالة. وهناك البعض الآخر الذين يتعلمون بسرعة وينسون بسرعة. والبعض الآخر الذين يتعلمون ببطء وينسون ببطء. وهاتان الدرجتين متوسطتان، ولكن الأخيرة أفضل من سابقتها، لا سيما إذا وجدت عند المجتهدين.
النوع الثالث في درجات المعارف المكتسبة: – هناك بعض الناس يفهمون بصدق وتأكيد ما يتعلمون، وبعضهم ليس بتأكيد، والذين يتعلمون بتأكيد وحقيقة، إما يستطيعون أن يضيفوا على ما تعلموا أي على الوزنات التي ربحوها أو لا يستطيعون، والذين لا يفهمون بتأكيد ما يتعلمون كلياً، أو يفهمون بنوع متضاد، وهذه الدرجة الأخيرة أرذل وأحقر وأصعب للشفاء من جميع الدرجات الأخرى، لأنهم بالرغم من تجردهم من المعرفة الحقيقية والأساسية لهم معرفة أخرى تضاد الأساسية.
النظرية الثانية
في أسباب (علل) الأنواع المختلفة
السبب الأول: – نقول إن للمخ ثلاثة أجواف، الأمامي الذي فيه التخيُّل والوسطي الذي فيه التفكير، والورائي الذي فيه التذكر. فالجوف الأمامي يجب أن يكون مزاجه رطباً مع يبوسة قليلة لكي يقبل بسهولة صور المحسوسات التي ترسم عليه كمن على لوح بواسطة الرطوبة، وبصعوبة تمحى منها بسبب اليبوسة الموزونة، ولهذا فالمعارف التي تكتسب في عهد الطفولة أفضل بكثير من غيرها، لأن الرياح (النسمات) المخيّة تقبل لك الصور بسهولة في الطفولة بسبب رطوبتها، وبقدر ما تنمو القامة تكثر يبوستها التي وإن بصعوبة تقبل الصور الأخرى، ولكنها لا تدع مجالاً لمحو الصور الأولى التي رسمت في المخ من مدة بعيدة. أما الرياح التي في الجوف الوسطي، يجب أن يكون فيها المزاج حاراً، لأن العقل (الفكر) يحدث بواسطة التمارين والبراهين وهذه البراهين أو التمارين هي ميول، وهذه الميول تنتج عن الحرارة وتولد الحرارة، وهذه الحرارة يجب أن تكون موزونة (بمقياس محدود) لأنها إذا اشتدت تحدث حركات غير مرتبة في العقل. وإذا قلَّت تحدث فتوراً وجموداً. وأما الرياح (النسمات) التي في الجوف الورائي يجب أن تميل إلى اليبوسة، لأنه حسب العادة إن التذكر يحفظ في اليبوسة.
السبب الثاني: – نقول إن الفسحة الموجودة بين الجوف الأمامي والجوف الوسطي، جسم ما يشبه الدودة، فأحياناً يمتد ويدق فتفتح الفسحة، فتجري الريح من الجوف الأمامي إلى الوسطي، وتنقل الصور من التخيُّل إلى الفكر (العقل). وأحياناً يتقلص وينتفخ فيسد الفسحة، فتمنع الريح عن السير، ويمنع انتقال الصور، فإذاً كل إنسان بارد المزاج في مخه، وكثيف في جوهره، بصعوبة يتحرك ويدق فيه هذا الجسم الدودي، ولذا فيفهم ببطء ويتنور تدريجياً، وبصعوبة يجاوب، والذي مزاج عقله (مخه) حار يفهم بسرعة ويجيب كذلك.
السبب الثالث: – نقول إن الشكل المفضل والطبيعي والرئيسي، لا تكون كرويته حقيقية أو أكيدة، بل كمن يكون مضغوطاً على جانبيه من اليمين والشمال، لكي تكون له دائرة من الأمام ودائرة من الوراء أصغر من الأمامية، لأن الأمامية تقسم إلى جوفين. أما الورائية فليست كذلك. فإذا تجددت الدائرة الأمامية، فالتخيل يتنحى إلى الزاوية، وإذا كانت الورائية مجردة. فالتذكر يشان، وإذا في كليهما أي في التخيل والتذكر فلا بأس.
السبب الرابع: – نقول إن الرأس والجسد إما أن يكون كلاهما كبيرين أو كلاهما صغيرين. أو أن يكون الرأس صغيراً والجسد كبيراً وبالعكس. ففي الأول يكون المخ والقلب قويين كليهما، ويكون الإنسان بهما كاملاً، وفي الثاني يكون ناقصاً في كليهما، وفي الثالث يكون القلب أشد قوة وأكثر حرارة، والمخ صغيراً وأقل برودة، ولذا يكون القلب صغيراً والمخ يكبر وينمو بسبب كثرة المادة. ولذا لا تكون قواه المدركة نقية ونيرة، كالسراج الضئيل في البيوت الواسعة والفسيحة، وواضح أن (السراج) ينير جيداً في البيوت الصغيرة والضيقة، فالإنسان يكون قليل الفهم وضعيف القلب.
المقصد الثاني
في التمييز الذي بنوع قوتنا الغضبية
أما القوة الغضبية فهي التي بها وبواسطتها يتمكن الناس من نوال ما يفيد أو ما يظن أنه يشبه حيواناتهم، ودحض ما يضر أو ما يظن أنه يضر، ومخدعها هو القلب، وللقلب جوفان كبيران من اليمين واليسار، وفي الجهة اليسرى يتولد الجسم الهوائي اللطيف والروحاني، ومنه ينقل إلى كل الجسم بواسطة الشرايين وتمنح قوة الحياة والحرارة الطبيعية للأعضاء، وفي هذه القوة يتولد الفرح والشدة والغضب، فهذه الحرارة إذا كانت شديدة تولد جسارة، وإذا كانت ضعيفة تولد ذلاً، وإذا كانت موزونة (مقاسة) تولد قوة ممدوحة. وهكذا الضعف والكسل والسرعة والتأخير في الأقوال والأفعال، وهذه القوة توجد في الحيوانات أيضاً القاسية الوحشية أقوى وأشد، ولكن لا يقاوم أو يلجم فيها من القوة الناطقة كما فينا. ولما كان القلب والمخ محدودين، فتوجد هذه الأفعال أكثر لياقة وجمالاً، أما لو كانا غير محدودين (مقاسين) في الزيادة والنقصان، فيولدان جسارة وضعفاً، وأحياناً كثيرة عندما يكون المخ (العقل) مرتباً وموزوناً، وإن كان القلب ضعيفاً، فيمنح أعمال الشجعان للضعفاء لإكمالها بالتدبير، وإذا كان العقل غير موزون، فمراراً كثيرة يسقط الشديدي القوة كأذلاء ويقهرهم، بسبب تبلبل التدبير، وأحياناً كثيرة أيضاً يوصل القلب القوي ذوي العقل المتزن إلى عدم الاتزان والهمجية والوحشية.
المقصد الثالث
في التمييز الذي بنوع قوتنا الشهوية
أما القوة الشهوية التي فينا والتي مبدؤها الكبد، إما أن تكون بسبب الأطعمة أو الأشربة أو بالمشتركات، ويجب أن نعلم أن الجسد إما أن يكون كبيراً أو صغيراً. وهكذا المعدة إما أن تكون كبيرة أو صغيرة. والشعور بالجوع بواسطة جزء من المرارة السوداء الطبيعية التي تصب في المعدة من الطحال بواسطة الفسحة التي بينهما، فتقلصه وتحركه، فإذا كان الجسد كبيراً والمعدة كبيرة أيضاً والفسحة واسعة، فعندئذٍ يكون الجوع شديداً جداً، وإذا حدث بعكس ذلك يكون الجوع قليلاً، وإذا كانت متوسطة يكون متوسطاً، وبالشكل عينه، خواص الكبد كبره وصغره وسعة الأوردة الخارجية من جوهره وضيقها، وخواص الأغذية والأشربة البسيطة والمركبة التي هي سبب لقوة الجوع وضعفه. ويجب أن نعرف أن الذين يتغلب البلغم اللزج على معدتهم، ليشتهون المآكل الحادة والقابضة والمحرقة. والذين تتغلب اليبوسة على معدتهم، يشتهون المآكل الدهنية والحلوة، وهكذا تقارن هذه وغيرها. أما التمييزات التي تصير للناس لأجل الشهوة المشتركة، فذلك بسبب المزاج الحار والرطب ينتسب إليه كلياً، أما البارد واليابس فيضاده كلياً، فالحار واليابس والبارد والرطب تنتسب كلها بجزء وتتضاد بجزء آخر، ولهذا فيه متوسطة.
الفصل الرابع
في أنه إذا كانت النفس واحدة في كل إنسان،
كيف تفعل أعمالاً كثيرة التغيير؟
وفيه مقصد واحد
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن النفس الناطقة ليست شيئاً آخر، إلا الذي يصوب إليه القصد من يقول أنا، فهذه اللفظة واحدة لا أكثر حسبما يشهد العقل الأول والطبيعة، لأن كل إنسان يعرف ذاته أن واحد وله أفعال متميزة.
البرهان الثاني: – نقول إن الغضب هو حالة نفسية لدحض كل ما يضاد، أما الشهوة فهي أيضاً حالة نفسية تكون لطلب المنتسب. فمن الضرورة أن يدرك من يدحض لماذا يدحض(يطرد) ويدرك الذي يشتهي ماذا يشتهي، ومن هنا يتضح أن المدرك والداحض والمشتهي هو واحد ليس آخر وآخر. وإلا لوجد كل من هذه القوى من ذاتها في الإنسان أي الغضب والشهوة بدون إدراك وهذا محال.
البرهان الثالث: – نقول لو كان الذي يدرك في الإنسان هو غير الذي يغضب، والمدرك والغاضب هما غير الذي يشتهي، وليس هو ذاته المدرك والغاضب والمشتهي، لوجب عندما يتعمق الإنسان في النظريات، لا يبقى متأخراً من أن يشعر ويشتهي. وهكذا عندما يغضب لا يجب أن يتأخر من أن يولد نتائج نظرياته ويشتهي. وفي الشبه عينه، عندما يُسبى بشهوة ما، لا يجب أن يفكر أو لا يغضب، والحال ليس كذلك. إذ كثيراً ما نرى الذين يغضبون يتجردون كلياً عن عقلهم ورغبتهم، وهكذا الذين يشتهون، يبطل نطقهم ويتبدد غضبهم، تاركاً الذين عندما يشرف عقلهم من وراء ستار الحكمة الإلهية، يفقدون كل كثافتهم المادية وقواهم البهيمية، ومن هنا يتضح أن النفس واحدة ولها قوى مختلفة، فتتوحد وتتحادث ببعضها وتهمل البقية.
البرهان الرابع: – نقول عندما ندرك شيئاً من المواضيع، فإدراكنا هو ذاته يصبح سبباً محركاً لغضبنا ومنيراً لشهوتنا، ولو كان الجوهر هو المدرك فينا، لو كان الذي يغضب غير ذلك الجوهر، وكذلك الذي يشتهي، فيجب أن ذلك الإدراك لا يولد الغضب ولا الشهوة. وإذا ولدهما، فيكون الجوهر واحد، وله القوى الثلاث.
البرهان الخامس: – نقول إن الإنسان هو جسم ذو نفس، وحساس ويتحرك إرادياً، ومن هنا يقتضي أن من يحس هو ذاته الذي يتحرك والذي يتحرك هو ذاته الذي يريد، والإرادة إذا كانت جاذبة فهي شهوة، وإذا كانت سالبة(داحضة) فهي غضب.
اعتراض: – يقولون إننا نرى النفس التي تقيت موجودة في النفس النباتية العديمة من النفس الناطقة، وفي النفس الحيوانية أيضاً، ونرى أيضاً النفس الشهوية والغضبية الموجودتين في الحيوان العديم النطق، ونرى أيضاً هذه الأنفس الثلاث موجودة في الإنسان. ومن هنا نعلم أن لكل من هذه الأنفس الثلاث جواهر خاصة لذاتها، وإن وجدت معاً في الإنسان.
الجواب: – نقول بالحقيقة إن النفس النباتية متميزة بالجوهر عن النفس الحيوانية والإنسانية، والنفس الحيوانية عن النباتية والإنسانية، والنفس الإنسانية عن النباتية والحيوانية.
ولكن في الإنسان لا توجد النفس النباتية والنفس الحيوانية مع الناطقة، ولكن النفس الإنسانية الناطقة بتكميلها لقوى الأنفس النباتية والحيوانية فلها بالجوهر طبيعتها الخاصة، إذ ليس من المحال أن تنال النفس الواحدة قوى مختلفة.
الفصل الخامس
في أن العضو الأصلي (الرئيسي) بالبساطة هو القلب
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن الزرع هو جسم ويتركب من أربع طبائع، ولكن النارية والهوائية تغلبان فيه، وذلك واضح من رغوتهما وكونها تنحل في البرودة. فالله الحقيقي والجابل الأول ركَّب الأعضاء من الأجزاء الأرضية والمائية الكثيفة، ومن هذه الهوائية والنارية عمل الأرياح التي أصبحت مركبات للقوى، ولأن هذه الأجزاء بخارية وسهلة الإذابة (التمثيل)فقد جعلها في منتصف تلك الأجزاء الكثيفة وأحا اللطيفة بالكثيفة كسور، وحفظها داخلها. وواضح أن العضو الذي توجد فيه كهذه الأنواع هو القلب لذلك قال فنانو النصارى وحسناً ما قالوا: إن أول هذه الأعضاء في التكوين والحركة وآخرها في السكون والاضمحلال هو القلب. فالقلب هو العضو الرئيسي والأول وفيه تربط أولاً النفس وبواسطته تجتاز قواها وأفعالها إلى بقية الأعضاء.
البرهان الثاني: – نقول إن الجسد بواسطة الحرارة يتكون ويولد، والحرارة عندئذٍ تشتد وتكمل إذ تجتمع في محل واحد، وثابت ان مكان اجتماعها هو القلب. فالقلب هو العضو الأول والأساسي وبدء حياة جميع الأعضاء الباقية.
البرهان الثالث: – نقول إن النفس الحيوانية حساسة ومتحركة إرادياً، فعندما تتقيد هذه النفس بالروح التي في القلب، من الضروري أن تكتسب الحساسة حركة إرادية، ومن هنا يثبت لنا أن القلب هو ينبوع، والإدراك والقوة محركان، وتبطل عندئذ الفكرة الجالينوسية القائلة: إن الإدراك والحركة الإرادية هي المخ (العقل).
البرهان الرابع: – نقول إن الحس والحركة يصيران بواسطة الحرارة، ويبطلان بالبرودة، ولما كان القلب حاراً والمخ بارداً، فيجب بالأحرى أن يكون القلب مصدراً للحس والحركة وليس المخ.
البرهان الخامس: – نقول إن كل إنسان عندما يظهر ذاته ويقول (أنا) ينظر إلى قلبه، ومن هذا يتضح أن الإنسان الداخلي والحقيقي يسكن في القلب.
البرهان السادس: – نقول إن القلب موضوع في منتصف الجسد، لكي تحمل القوى المحيية منه إلى جميع الأعضاء المحدودة بمساواة واحدة، كالملك عندما يجلس في منتصف بلدان مملكته وسلطته، فيكون قريباً لجميع الأقاصي والجهات الخاضعة لسلطته بمساواة واحدة، وهكذا هو العضو الرئيسي فهو ملك الأعضاء وليس المخ المرتب في النهاية.
البرهان السابع: – نقول إن هذه الكلمة الصادرة تشير إلى نفسنا الناطقة الإنسانية أكثر من جميع الخواص والعلامات، ولما كانت هذه الكلمة تُكسب الصوت مادة، والصوت يحدث بواسطة خروج النسمة، وخروج النسمة يتم بواسطة القلب، لأنه إذا ارتاح القلب بواسطة النسمة اللطيفة ذاتها، فتتجرد عن حرارتها وتصبح دخاناً، ولهذا يخرجها ويجذب غيرها محلها، ثم يتم الصوت بواسطة القلب، والكلمة الصادرة تحدث بواسطة القلب، والنفس الناطقة بواسطة الكلمة الصادرة تعلم بأكثر جلاء ووضوح. وذلك واضح من أنه يجب أن تكون النفس الناطقة هو القلب على الأغلب خير من المخ (العقل).
اعتراض: – ويرجع جالينوس الطبيب على اريسطوطاليا ويقول: إن الصوت لا يأتي من القلب بل من المخ، لأن الصوت هي الحنجرة، وهذه مركبة من ثلاثة عظام غضروفية تتحرك بواسطة عظيمات الحنجرة، وهذه العظيمات بواسطة الأعصاب تُحمل إليها الحركة، والأعصاب تنمو من المخ، فظهر أن مولد الصوت هو المخ لا القلب. ويتضح ذلك أيضاً من أن الإنسان يبسط قارة (عُظيمة) البطن ويقلصها عندما يصرخ لا القلب، ولذلك عندما يشق (يبط) صدر الحيوان ويقلص القلب بغتة، لا يبطل صوت الحيوان، أما إذا شق الجمجمة ولمس المخ فحالاً يبطل صوت الحيوان.
الجواب: – نقول لا ينكر أحد أن الصوت يتولد عند خروج النسمة، وخروج النسمة يحدث بواسطة القلب، فعلة الصوت الفاعلة إذاً هي القلب. وهذه الأنواع التي أتيتموها تشير بكون المخ هو مساعد لتكوين الصوت، وبذلك لا نضاد لكم قط.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة “وقسّى الرب قلب فرعون”
البرهان الثاني: -المزامير ” لماذا أغضب الخاطئ الله يقول في قلبه إن الله لا ينتقم.
البرهان الثالث: – فيه أيضاً ” يتكلم الإنسان مع رفيقه بشفاه بقلب وقلب”
البرهان الرابع: – فيه أيضاً ” قال الجاهل في قلبه ليس إله “
البرهان الخامس: – فيه أيضاً ” يتكلم صدقاً في قلبه ولا يغش في لسانه”.
البرهان السادس: – فيه أيضاً “وصايا الرب مستقيمة وتفرح القلب”
البرهان السابع: – فيه أيضاً ” أعطيته شهوة قلبه”
البرهان الثامن: – فيه أيضاً ” ليحيا قلبهم إلى الأبد”
البرهان التاسع: – فيه أيضاً ” رجع عني قلبي وتركتني قوتي”
البرهان العاشر: – فيه أيضاً ” فمي يتكلم بالحكمة وفكر قلبي بالفهم.
البرهان الحادي عشر: – الإنجيل ” ياقليلي العقل وغليظي القلب للإيمان.
البرهان الثاني عشر: – فيه أيضاً ” طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله”
البرهان الثالث عشر: – بولس ” ولكنهم تمخضوا بأفكارهم وأظلم قلبهم فلم يفهم”.
البرهان الرابع عشر: – فيه أيضاً ” ألا تعلم لطف الله الذي يريد قيادتك إلى التوبة، ولكن لقساوة قلبك الذي تخزن لك كنزاً ليوم الغضب”.
البرهان الخامس عشر: – القديس غريغوريوس الثاولوغوس” أما نحن فعند الإنسان الخفي في القلب الذي فيه الغاية والأهمية والشفاء”.
البرهان السادس عشر: – أوغريس ” إن العقل كقول
سليمان يحل في القلب أما الفهم ففي المخ”.
إيضاح: – نقول إن كل هذه البراهين تؤيد أن العضو الأساسي والآلة الأولى المقيدة فيها القوى المختلفة التي فينا أي النطق والغضب والشهوة هي القلب.
اعتراض: – يقولون لا يجب الاستناد كثيراً في مثل هذه الأبحاث المنطقية على البراهين الكتابية. لأن الكتاب يصنع في غالب الأحيان القصد الذي ليس بشيء كما هو بمحل فيصح. كما قال القديس غريغوريوس النوسي في مقاله على خلقة الإنسان ” حتى إذا أتى البعض بالكتاب شاهداً أن العقل في القلب، فلا يجب أن نبلغ الكلام بدون بحث، فالذي صرّح بالقلب ولم يذكر الكلى فيقول: ” فاحص القلب والكلى هو الله” فإذاً إما بكليهما أو بدون أحدهما نحصر العقل.
الجواب: نقول إن الملفان فاه بهذا الاعتراض ضد الذين يعتقدون بأن العقل مادة وقوة جسمية قائم خاصة في القلب، وذلك معروف من إضافته بعد ذلك بقوله: ” إن الطبع المعنوي لا يريد أن يكون في أعماق الجسد ولا يطرد خارجاً بكثرة اللحم ونحن لما كنا قد زيّفنا هذا الرأي سابقاً. وأيدنا النفس البشرية قائمة بذاتها وليست جسمية، فلا نمسك بهذا الاعتراض، لأن النفس الناطقة متحدة مع الجسد، وقد أيدنا في هذا الجواب عن أي العضو الأساسي الذي صُوِّر أولاً وفيه ترتبط النفس قبل بقية الأعضاء والتي بواسطتها تصل قوة تأثيرها إلى جميع الأعضاء الأخرى.
اعتراض: – يقولون لقد قال القديس في مقاله هذا: وليس لأجل غليان الدم حول القلب في الأعمال الغضبية نعتقد وجود العقل فيه فكيف تقولون إن العقل مقيد بالقلب؟
الجواب: – نقول إن الملفان قدَّم هذا الاعتراض ضد الذين يعتقدون أن تأثير العقل يظهر في القلب فقط ولا يجتاز في جميع الأعضاء. وذلك صريح من إضافته بقوله: إن العقل كما يظن يقترب على السواء من جميع الأجزاء، كالقول غير المفسَّر عن الامتزاج، أما نحن فلما كنا نعتقد أن فعله يصل إلى جميع الأعضاء بواسطة القلب أي الروح التي في الجهة اليسرى، فلا نتكلم ضد آراء الملفان قط.
الفصل السادس
في الرأي الطبي بأن المخ هو عضو أساسي
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في الاعتراضات التي يأتيها جالينوس في كتابه
الدياغنوسطيقي
الاعتراض الأول: – يقول إن المخ هو أصل الأعصاب، والأعصاب هي آلات لإيصال الإدراك إلى الأعضاء، والذي يكون أصل الآلات والإدراك، يجب أن يكون مصدراً لقوة الإدراك، فالمخ هو مصدر إدراك الإنسان العقلي، وكون المخ هو أصل الأعصاب واضحاً من أن أعصاباً كثيرة توجد في المخ. أما في القلب فلا يوجد إلا عصب واحد وصغير فقط.
وكون الأعصاب آلات لإيصال الإدراكات واضحاً من أنه عندما يشق العصب ويُربط، يبطل الحس والحركة من جميع الأعضاء التي تحت الرباط، ولا تبطل التي فوق الرباط، وبذلك تتحقق أن المخ كما أنه أصل الأعصاب فهو مصدر قوة الإدراك.
الاعتراض الثاني: – يقول لو كان الحس والحركة يُنقلان من القلب إلى المخ، لوجب عندما نربط العصب بشدة بالخيط، يبقى الحس مع الحركة في جانب القلب، ولبطلا من جانب المخ، ونحن نرى بعكس ذلك ولذا فنتأكد أن قوى الحس والحركة تنقل من المخ إلى القلب، وليس من القلب إلى المخ.
الاعتراض الثالث: – يقول إن جميع الفلاسفة الحكماء
سلموا بأن قوتي الحس والحركة تصلان إلى الأعضاء بواسطة الروح اللطيفة التي تجري في الأعصاب، وفي المخ أمكنة مضاعفة كهذه الروح، أما في القلب فليست موجودة، وذلك ظاهر من أنه يملأ الفوهة اليمين للدم، أما اليسرى فعندما تُشق، توجد فيها مجاري الدم، فالمخ إذاً هو مبدأ كلا القوتين الحس والحركة.
الاعتراض الرابع: – يقول إن العقل هو أفضل جميع القوى، ولذا يجب أن يكون محله أفضل من جميع المحلات، وأفضل المحلات هو مسلط عليها، والحال إن المخ هو الأعلى، فيجب أن يكون محل للعقل الأفضل، ولهذا فبعدل ما قيل، إن الرأس هو موزع الحواس، كما إن الملك يجلس في بلاط العالي، لذلك العقل الملك يحل في المخ وتحتاطه الحواس من كل الجهات كخدام، وكذلك كما أن الرأس بالنسبة إلى الجسد كالسماء إلى الأرض، والسماء مربع الروحانيين، هكذا المخ يجب أن يكون مسكن العقل لأنه روحاني.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات كأنها معتدة من المشائيين
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول لا يجب الظن أن المخ هو أصل الأعصاب، وليس القلب، بسبب وجود كثرة الأعصاب في المخ وقلتها في القلب. فإن حبة الزرع التي يتولد منها غصن الشجرة فجذوعها تتضاعف وتغلظ أعضائها وتقوى تشعباتها وتبسط أوراقها من تلك الحبة الأصل ܡܫܢܝܢܓܣ أيضاً المنبط تحت المخ. فإن الشرايين والأوردة التي فيه هي أكثر من القلب. فإذاً يجب القول إن دواء الشجرة هو أصلها (جذورها) هو أصل الشرايين وهذا محال.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إن الريح القلبية حارة جداً وتقاس من برودة المخ. وتتولد منها قوت الحس والحركة. وعندما تُمنع منها البرودة التي من المخ بواسطة الرباط أو الحاجز، فتضطرم وتتبلبل ولا تتولد فيها هذه القوى.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول إن هذا الاعتراض يمنع القلب أن تكون فيه الروح قط. وجالينوس نفسه يقر في جميع كتاباته أن القلب هو مصدر القوة الحيوانية. ويسلم بأن الروح المخية تصعد من القلب إلى المخ. بعد أن تقبل بعض الإذابة (الاستمالة) من هناك. فالروح النفسية هي التي حملت قوى الحس والحركة.
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول إن هذه البراهين العقلية التي جئنا بها لتأييد نظريتك. أظهرت لي ألفاظاً شعرية كهذه لتنقض.
إيضاح: – نقول لقد سلم الجميع بأن الروح الحيوانية تولد في القلب. وعندما تصل إلى المخ والكبد وتقبل الاستمالة (التمثيل) تنتج عنها روحان أخريان. النفسية والطبيعية. وهي ذاتها مادتهما. فمنهم قالوا إن جميع القوى النفسية والطبيعية هي سابقة الوجود في الروح الحيوانية قبل أن تحمل إلى المخ والكبد. ولكن تلك الأفعال التي لهذه القوى لا يمكن أن تنكشف. ولكن بعد التمثيل الذي تقبلانه في المخ والكبد. وهذا رأي الفلاسفة. أما الأطباء فيقولون لا يبلغ شيء من القوى ما لم يحصل عليها بعض التمثيل. والرأي الأول أصح. وذلك واضح من أننا سبقنا فأيدنا أن النفس الناطقة يقال عن وجودها متأخرة في الروح القلبية. وعندما توجد النفس الناطقة. توجد الحيوانية ضرورة. لأنه من المستحيل وجود نوع بدون جنس. فعندما توجد الحيوانية يوجد الحس والحركة أيضاً اللذين هما الميزات الثابتة للحيوان، ومن هنا يعرف أنه فضلاً عن القول بأن النفس الناطقة مع الروح الحيوانية، فإن قوى الحس والحركة والغذاء توجد في الروح ذاتها. وإن كانت أفعالها (أفعال هذه القوى) تحتاج إلى المخ والكبد لأجل إتمامها وإظهارها.
إيضاح آخر: – اعلم أن جميع هذه القوى وأفعالها التي ذكرناها هي قوى جسدية، وأفعال جسدية، وآلات القوة المعنوية أي القوة التي فينا. التي منها هي القوة الأخرى. لأن هذه وإن كانت موجودة عند الحيوانات البكماء أي قوى الغضب والهدوء والفرح والشدة والحواس الباطنة والظاهرة والقوى الطبيعية أي المولدة والمرتبة والمغذية، أما العقل موجود فينا فقط من الأجسام. وقد أيدنا ارتباط العقل فينا بالروح الحيوانية التي في القلب، فلا تفهمها إنها ممزوجة معه أو حالة فيه، فحاشا ذلك، لأن هذه فكرة الذين لا يضعون حكم الله نصب أعينهم ونجسر أن نميتها مع الجسد، تلك غير المائتة المخلوقة على صورة الله.
الفصل السابع
في درجات النفس الناطقة في المعارف والعلوم عدا التي
ذكرناها سابقاً
وهي أربع
الدرجة الأولى: – وهي التي عن العقل المادي، كنفوس الأولاد الصغار المجردة من جميع المعارف والعلوم، بل بالقوة تكتسب إمكانيتها أو قابليتها.
الدرجة الثانية: – وهي التي تدعى العقل الغريزي، وهو الطبيعي، ولا توجد في الناس بدون علم، كعلمنا أن الكل أكبر من الجزء الخ. وبواسطة هذا العقل تكتسب جميع المعارف المتعلمة، وبهذا العقل أيضاً وإن كان طبيعياً، ولكن لا يشترك فيه جميع الناس بدائياً، لأن بعضهم يعرفون أموراً كثيرة طبيعية، وبعضهم لا يعرفون أموراً كثيرة، والبعض يتعلمون بسهولة ويتاجرون بالمعارف المكتسبة بواسطة المعارف الطبيعية، وغيرهم لا يفعلون ذلك بسهولة. لأن الإنسان فضلاً عن إنه يفكر بأنه يجب أن تكون القوة القابلة للفساد في العقل، ويفكر أيضاً أن النفس غير مادية، فهو يصدق بسرعة النفس غير مائته، بينما الآخر لا يفهم ذلك عاجلاً، بل بعد مدة، ولذا فهذا الفهم والإدراك يكون بقدر الإمكان في الحد النهائي من النقصان، لكيلا يفهم الإنسان شيئاً أن يكون (الفهم أو الإدراك) في الشبه عينه في الحد النهائي من الزيادة، ولكي يعلم الإنسان كل شيء بدون غشاء، وهذه هي درجة الكاملين والأنبياء والفلاسفة الإلهيين.
الدرجة الثالثة: – وتدعى العقل بالفعل، لكي تكون المعارف المكتسبة حقيقية وثابتة في كل شيء، ولكنها لا تكون مستعدة معاً في العقل، بل عندما يشاء العقل يُعِدها، فتظهر بدون تأخر بلا اضطراب في أعماق الأفكار.
الدرجة الرابعة: – وهي العقل الذي فيه توجد معاً كل المعارف الطبيعية والمكتسبة كاملة بالفعل، وتدعى العقل المتاجر، وعندما تستحق النفس لهذه الدرجة، تصبح قد وصلت من بعيد إلى الحد النهائي والسامي لدرجات الأنفس البشرية، وقد خطت إلى درجة الملائكة الأولى والسفلى.
إيضاح: – يجب أن نعلم أن الحس الظاهري المتحد بالمادة الخاصة، عندما يحضر المحسوس يستطيع إدراكه، كالتخيل والهدس الخ. فالعقل وحده يقدر أن يدرك المواضيع بدون المادة. وعندما يجعل المواضيع غير المادية مادية حينئذٍ يدركها، كما يصور من سقراطيس مثلاً وأفلاطون وسائر الأشخاص الماديين صورة ما غير مادية وهي الإنسانية فيدركها، فإذا استطاع أن يرى الأمور المادية كغير مادية، فكم بالأحرى أن يرى الأمور غير المادية بطبيعتها، فهو يستطيع أن يرى أنفس الملائكة، ويعاين كالطوباويين ناظري الله كل شيء. إذا لم تظلم باصرتاه بأدران المادة.
برهان وتأييد: – وهذه المعارف المكتسبة التي ذكرها، إما تكتسب بالتمرين والجهد ونقاء العقل، كالأنبياء والرسل والمتوحدين الكاملين والنساك. وإما بواسطة تركيب القضايا الحقيقية بالبرهنة كهؤلاء الفلاسفة وليس بالمجاز كالملافنة القديسين. ولهذا يشير القديس أوغريس بقوله: إن رؤية العقل كما هي، إما أن ينظر العقل النقي أو يشير بذلك كلام الحكماء، والمجرد من كليهما يبلغ إلى لوم الكاتب.
الفصل الثامن
في خواص النفس البشرية
وفيه خمسة مقاصد
المقصد الأول
في الأهواء النفسية الخاصة بالإنسان
في التعجب: – ويحدث هذا عندما يرى الإنسان أو يسمع أو يفكر في قضية ما لا يعرف سببها، ولذا فيحدث في نفسه ألم خاص يدعى بالتعجب. وعندما يشتد هذا الألم يدعى انذهالاً.
في الضحك: – عندما يشعر الإنسان بلذة ما في نفسه، تتولد فيها حالة خاصة حتى أن تنحط وتضمحل تأثيرات الجسد والكبد تنفجر وتثور. وينبعث منها بخار، فيندفع إلى عظام الوجه فيبسطها حتى ينفتح الفم. ويفغر الفك بانبساطها ويحدث الضحك. وكذلك في حال اللذة تتوسع وتنحل تأثيرات الجسد. ولكن في الضحك يؤثر الفكر (العقل) بالأكثر في ثوران الكبد واندفاع البخار إلى صوب الفم، ومحاولة الطبيعة لإحالته. أما في اللذة فالحرارة الموزونة تنبسط إلى الحزن فتحل وتهمل التأثيرات الجسدية بواسطة الرطوبة النباتية، ويمكن أن تكون هذه اللذة بالإنسان والحيوانات غير الناطقة معاً أما الضحك فالإنسان فقط بسبب خاصيته العقل (التفكير).
في البكاء: – وهذا يحدث عندما يشعر الإنسان بأذى ما، فتتقلص الحرارة إلى الداخل. ويضغط الدم القلبي، وكذلك يضغط المخ، وتندفع الرطوبة التي في أعماقه بواسطة تأثيرات أساسه نحو العين عندما يجذبها تفيض الأجفان المبللة بالقطرات إلى الرطوبة، لأنه يحدث تقلص أو انكماش في الضيق كما للحرارة، ولكن حال البكاء يؤلم العقل النفس بالأكثر فتؤذي الجسد حتى تُضغَط أعضاؤه الأصلية، ويحدث هذا الضيق لكلا الناطقين وغير الناطقين، أما البكاء فللناطقين فقط.
في الخجل: – عندما يفكر الإنسان أن صاحبه أحس بعمله الذميم، أو بالكلام غير اللائق الذي فاه به، يستولي عليه الاضطراب أولاً، فيشجع نفسه بعدم جسامة ذنبه، فتبتدئ حرارته بالانبساط من جديد إلى الخارج، ويحمر وجهه بسبب مذلتها ولدونتها وتباعد مسامها من الدم المتحد بالحرارة ينجذب ويقاد بواسطة الحركة، ثم ينشب به الخوف الذي هو أقوى من الاضطراب. فيقطع أمله من الشجاعة، وعند ذلك تختفي الحرارة إلى الداخل بالتدريج، وتزول ومعها الدم، وهكذا يتغير لون الذين يصابون بهذا المرض (الحادث) أما الخجل فلا يحدث لغير الناطقين، بل الخوف فقط، لتجردهم من العقل المشجع والجاذب للحرارة والدم الخارج.
في الاستحياء: – عندما يفكر الإنسان إذا فعل شيئاً قبيحاً يرذل من الناس ويعذل منهم وإن لم يستطيعوا مضرته، حينئذ ينحجم ويكبت جماحه من ذلك الفعل، وهذا السبب بذاته يدعى استحياء، ويمتاز الخوف عن الاستحياء، بكون أن الإنسان في الخوف يحذر من المضرة الشديدة القاسية، أما من الاستحياء فيحذر من اللوم فقط، وهذا الاستحياء ليس موجوداً في غير الناطق، لأن الحيوانات غير مستعبدة للناموس.
المقصد الثاني
في أنواع المعارف
في الكلمة الصادرة: – نقول إن الإنسان لو كان وحده في هذا العالم كشخص مريد وحيد، ومتصرفاً في حالة طبيعية فقط، لعاش حياة تعيسة، ولما استطاع بالأحرى أن يعيش، لأن الغذاء واللباس الطبيعي لو لم يهيئا بالعمل، لما صلحت قط لقوام طبعه، ولما كان الإنسان وحده لا يستطيع الزرع والطحن والعصر والخبز والنسج والخياطة والطلب والتفصيل والقيام بعمل النجارة والصناعة وغيرها من الأعمال الكثيرة، لهذا احتاج البشر ضرورة إلى مساعدة بعضهم، وهذه المساعدة تتم بالتعارف، وهذا التعارف يحصل بالكلام الواضح المسهب، ولذا عندما أخذوا القابلية من الطبيعة، وركبوا اسما لكل طبع وفعل بدون زمان، وفعلاً لكل عمل مع زمان، وربطوا الأسماء مع الأفعال بالحروف اللائقة، وهكذا كونوا كلمة صادرة بواسطة المعارضة والاحتجاج ومن التحرك الهوائي من الرئة والتضارب وخروج الكلام وشكل اللسان والأسنان والشفاه بصورة مختلفة، وهذه الكلمة ليست تلك التي تقصد في تحديد الإنسان، وذلك واضح من أنها تبطل بدون بطلان الطبع البشري كما يحدث في الطرش والمقعدين، ومن أن تلك جوهرية وتستعملها جميع الشعوب وهي مقومة الطبع البشري، وهذ عرضته وليست هي ذاتها مستعملة عند كل الأمم والقبائل، وتقوم بالطبيعة إرادياً، ولأن غير الناطقين يستطيعون أن ينطقوا بها كالببغاء.
في التعارف الرمزي: – ويوجد للإنسان قابلية طبيعياً ليركب لكل طبع وعمل لفظة، ليعرف بشكل خاص، إما بواسطة عينيه أو شفتيه أو أصابعه، وبالأحرى بجميع أعضائه التي تتحرك إرادياً. عندما تعقد اتفاقية بينه وبين أصدقائه كما يتعارف الحاسبون بأصابعهم، فيشيرون لكل عدد بعلامة خاصة، وكذلك الحراس يتعارفون عن أمور كثيرة وأسماء غريبة مختلفة بهذا النوع، وهذا النوع وإن ساعد على التعارف، إلا أن التعارف بواسطة الكلام أكثر إفاضة وجلاء وسهولة.
في الكتابة: – كما أن الإنسان استطاع أن يركب لكل معنى لفظة، كذلك استطاع بالشكل عينه أن يصور لكل فكر صورة خاصة، ولأن المعاني تتشتت إلى لا حد، ولا يستطيع الإنسان أن يحفظ هذه الصور التي لاحد لها في مخيلته وذاكرته، فحاول هؤلاء الناس واستنبطوا حروفاً بسيطة بالنسبة إلى المعاني والأسماء البسيطة، وركبوا منها بسهولة تراكيب كتابية بلا حد، كما من العناصر، ولذا كنوا عدلاً هذه الحروف بالعنصرية.
المقصد الثالث
في الفن
يُحَد الفن بكونه ملكة نفسية، بواسطتها يستطيع الإنسان استعمال الموضوع الخاص لأجل قصد خاص بحسب الإرادة التي تُقاد بالأفكار قدر المستطاع، ويعلم من هنا أن لهذه الاستطاعة هدفين (رأسين) الفاعل والآلة، أما الفاعل فهو عقلي (فكري) أي قوة متخيلة. وأما الآلة فهي الأعضاء الجسدية، ولذا لو لم يسبق الموضوع الذي سيعمل فيُتصوَّر في العقل، لما أمكن أن يحدث في العقل كما يجب، ولذا فالعمال يتباينون بالمهارة عن بعضهم في الزيادة والنقصان بواسطة العقل لا بالأعضاء، وإن بالغ تمرين الأعضاء الذي يمنح القابلية في المساعدة لإيجاد العمل، فهذا كثير من الحيوانات البكماء تفضل عن أكثرية الناس في أعمال فنية مدهشة، كالنحلة في بناء الخلايا المسدسة الزوايا والعنكبوت في نسيجه، ولكن الأشياء لا تتأتى عن العقل والحرية، بل من القوة الغريزية (الطبيعية) التي ولدت فيها هذه الإمكانية.
المقصد الرابع
في الشيء الحسي والشيء القبيح
على الإنسان أن يحكم نفسه بنفسه خاصة في نيته، ويقرر أن هذا هو عمل حسي لائق وممدوح ومعتبر، والآخر قبيح ومرذول ومحتقر ومذموم، وأن الأعمال إما في طبيعتها هي حسنة أو سيئة، أو بتسليم الناس أ، هذه حسنة وتلك مذمومة. وبعد ذلك نظهرها بنعمة الله، فهناك بعض الحيوانات وإن لم تفعل شيئاً رديئاً أو تستطيع كالأسد أن يدرب ويتعلم ولا يضر مدربه، فهذه كلها ليست من ذاته، بل يكتسبها غصباً، أما الإنسان فليس هكذا بل يشتاق إلى الأعمال الحسنة ويغض الطرف عن الرديئة من ذاته، إن لم يقهر من القوة البهيمية التي فيه فيفقد عندئذ إنسانيته.
المقصد الخامس
في تذكر الأعمال الماضية
يقول البعض إن تذكر ما فات ليس من خاصية الإنسان، لأن التذكر تستعمله الحيوانات البكماء أيضاً، فالحمار الذي يعثر بحجر مرة واحدة، كلما يجتاز بجانبها يميل عنها، فلو لم تكن عثرته الأولى محفوظة بذاكرته، كيف يتحذر منها بعد ذلك، وإن وجود التذكر عند الحيوانات حقيقي، ولكن ليس كاملاً كما عند الإنسان.
إيضاح: – إن القوة المفكرة وإن كانت موجودة على الأخص عند الإنسان، ولكنها تغير جوهري لا خاصة عرضية، ولذا لا نعدها مع الخواص، فهذا الأساس كما هو وبه ولأجله تفعل النظريات.
الفصل التاسع
في البراهين التي أتى بها الحكماء للنفس الناطقة
بنسبتها للجسد وأجزائه
وفيه سبعة رموز أو أشباه
الرمز الأول: – لقد قالوا إن النفس هي شبه الملك والجسد ولاية ملكة، ولهذا الملك كُتّاب وخدام وحكام وهم الحواس الباطنة والظاهرة، وكما أن الملك بواسطة هؤلاء يغنى ويرتاح، هكذا في النفس فهي تغنى بواسطة الحواس المعرفة الحقيقية للاهتداء ومعرفة الخير للعمل. والحواس عندما تدرك المحسوسات، فحينئذ العقل وهو القوة الأولى للنفس يدرك الأمور المشتركة والمنفصلة، وهكذا تتاجر النفس بواسطة الأمور الجزئية بالمعارف الكلية وغير الهيولية، وكما إن الملك عندما يدبر الذين تحت سلطته جيداً لكيلا يضعفوا أو يفقروا فلا يؤدوا له الجزية والخراج الخ. كذلك النفس يجب عليها تدبير الجسد لئلا يتضعضع ويهلك فتنفصل عنه قبل أن تتاجر وتنال بواسطته تجارة كلا النوعين النظرية والعملية، ويشير إلى هذا مار بولس عندما أرسل إلى تلميذه طيموثاوس بقوله: ” اشرب قليلاً من الخمر لأجل معدتك”. وكما أنه لا يجب على الملك أن يترك أبناء بطانته أن يغتنوا كثيراً في الأموال والعبيد والخيل والسلاح لئلا يتمردوا عليه ويهلكونه، كذلك النفس لا يجب أن تدع قوى الجسد أن تشتد كثيراً لئلا إذا قويت فتحطمها وتؤذي بها الهلاك. بل عليها أن تهتم في التغلب عليها دائماً ولا تغلب في شيء، إذ تقدم الرزق الكافي لقوام هذه القوى الجسدية ليس إلا.
الرمز الثاني: – وقالوا أيضاً إن النفس كالملك، والعقل مشيره الذي يريد بخيره، والشهوة طباخه، والغضب حارس بابه، ولأنه في بعض الأحيان يكون الطباخ محتالاً وغاشاً، وأحياناً يُعد أطعمة لذيذة شهية، ويصنع فيها سم الموت، كما إن حارس الباب أحياناً يضر أصحاب الملك ولا يدعهم التقرب إلى باب البلاط، ويقدم وينسب (يقرب) المبغضين والمحتالين، فيحدث للملك ضيق ومضرة من محادثتهم، وأحياناً يثلب الطباخ وحارس البلاط مشير الملك إذ لم ينزل عند رغبتهما، ولذا فيحتاج الملك نفساً تدبر بيقظة كلية، وتفحص الخدام فحصاً دقيقاً، ولا يترك الأمور لئلا يتلطون عليه ويكملون فيه إرادتهم الشريرة.
الرمز الثالث: – وقالوا أيضاً النفس هي ملك والجسد مدينته، والحواس خدامه، والأعضاء عبيده، والغضب والشهوة هما الأعداء المتخاصمان معه للاستيلاء على مملكته، فإذا استيقظ وحاربهم واستعبدهم وأضعفهم، يصلح حال ملكه ويرتاح ولا يعودون يتسلطون عليه، ويسلبون بلدانه ويبيدون خدامه ويقتلونه.
الرمز الرابع: – وقالوا أيضاً النفس تشبه الخيال الذي يركب ويخرج للصيد، والشهوة هي حصانه والغضب (الحدة) كلبه، فإذا كان هذا الصياد ماهراً في الصيد، وحصانه مدرَّباً وخاضعاً وكلبه متمرناً، فبسهولة يصيد ما يريده، أما إذا لم يكن الإنسان مجرباً ليكون خيالاً وحصانه غير مدرب على اللجام والرسن، وكلبه لا يخضع لإرادته، فعندئذٍ يرجع خجلاً خالياً فارغاً، إذا لم يسقط من على حصانه فوق الجرف أي إلى الهاوية السفلى للسلوك مع الشياطين.
الرمز الخامس: – وقالوا إن نظر العقل يشبه نظر العين، وهذا التشابه يكون بأربعة أنواع:
النوع الأول: -كما أن العين لا تستطيع رؤية الأشد نوراً كالشمس، بل تبهر منه، كذلك العقل لا يستطيع أن يحدق بالأعظم نوراً وإشراقاً كالله له المجد إذ يبهر منه.
النوع الثاني: – وكما إن الهواء لا يُرى بسبب نقائه، كذلك العقل لا يستطيع أن يرى القريبين منه كالملائكة والأنفس البشرية.
النوع الثالث: – وكما إن العين إذا لم تحرك أجفانها بتواصل نحو الشيء المرئي وتجمعها بذاتها لا تستطيع أن ترى بإتقان واستقامة الأشياء البعيدة، كذلك العقل إذا لم يتحرك بتواصل نحو الشيء المعنوي ويجمع ذاته من التشتت مع الحواس لا يستطيع أن يراه.
النوع الرابع: – وكما إن العين لا تقدر أن تنظر بجلاء الهواء، كذلك العقل لا يستطيع أن يرى إلا بنور الروحانيين، وكما إن الكوكب المنير العظيم والجسمي هو الشمس ثم القمر الذي يأخذ نوره عنها ثم النار، ثم الملائكة الذين يأخذون عنه النور، ثم الأنفس البشرية التي انتقلت من أجسادها.
الرمز السادس: – قول القديس مار أفرام في ميمره الذي مطلعه “الرجل العطش للمعرفة” فهو يصنع العقل شبه الله، وهو يسكن في المخ الشبيه بالسماء، ويخدمه التخيل والذاكرة والقوة المميزة بين الحق والباطل، وبين القبيح والجميل كالملائكة الروحانيين لأنهم روحانيون، ويجعل الفكر يشبه الملك حيث يُزيَّح في هيكل القلب، والفهم والعظمة كسعاة يسرعان أمامه، ويقول إن الرأي والنية يحلان في الحجاب المبطن أي المغشّى.
الرمز السابع: – هو ذاته الملفان في الميمر نفسه حيث يشبه الجسد بمسكن الزمان فيقول: إن الغشاء المبطن يفصل الباب اللحمي (المادي) لبيت القدس عن قدس الأقداس، وتحل داخل القلب وهو قدس الأقداس كمن في صندوق، وترتعد من الإشراف على القلب، كالكروبين في جناحيهما، والاستنشاق والنسمة كعطر البخور، وكما إنه لا يوجد في قدس الأقداس شراباً أو طعاماً، كذلك لا يوجد حقد داخل القلب بل هواء فقط. والكبد كمائدة خبز الوجوه. والقوى السبع الطبيعية، وهي الثلاث المخدومة أي القوى المولدة والمقيتة والمربية، والأربع الخادمة، الجاذبة والماسكة والمحيلة (الممثلة) والطاردة تشبه المنارة ذات السبعة سرج، والقارورة توضع كإناء أمام باب مسكن الزمان، والمعدة كمذبح المحرقات التي لا تخمد ناره قط. والطحال كزوايا الدار التي خارج محل الشحم والرماد أي المزبلة، وهو الذي يأخذ الدم الثمين أي المرارة السوداء والساقان كعواميد مسكن الزمان، والأرجل مساندها، وبالأعطرة مطلية كلها، واللحوم كلون بساط السماء المائل إلى الحمرة، والأحمر القرمزي، والجلد كالخيم الشعرية.
الباب الثالث
في خلقة النفس الناطقة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في إن للنفس بداية زأنها خلقت مع الجسد وليست أزلية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول لو كانت النفس الناطقة أزلية سابقة لخلقة الجسد، لكانت إما نفساً واحدة أو نفوساً كثيرة. والافتراض الأول غير صحيح، لأنه يجب عندئذ أن النفس التي تبث أجساداً كثيرة إما أن تبقى واحدة كما كانت، أو تتجزأ ومن تجزئها تنقسم وتكثر، فعدم صحة الافتراض الأول، هو كون من الواجب أن تكون نفس واحدة لجميع البشر، ولوجب أيضاً أن كل ما يعرفه الفرد الواحد يعرضه جميع الناس وهذا محال. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن انقسام الأجزاء من الممكن أن تركب الأجسام فقط لا غير الأجسام (الأرواح) البسيطة. وعدم صحة هذا الافتراض أيضاً ظاهر، لأنه ينتج أن تلك الأنفس الكثيرة، إما كانت متميزة عن بعضها قبل خلقة الأجساد بالجوهر أو بالعرض. والافتراض الأول غير صحيح، لأننا ثبتنا بأن كل الأنفس الناطقة متساوية بالجوهر وغير متميزة (منفصلة) بالطبيعة، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن الأعراض المفصلة (المميزة) لا تتبع إلا المادي فقط لا الأشياء المادية، فالنفس إذاً ليست أزلية وغير مخلوقة قبل الجسد.
البرهان الثاني: – نقول لو كانت الأنفس سابقة في وجودها للأجساد، إما كانت مقيدة في أجساد أخرى أو ليس هكذا، والافتراض الأول غير صحيح، لأننا سنظهر بعون الله عدم إمكانية انتقال النفوس من جسد إلى آخر. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن إذا كانت لها هذه المعارف منذ القديم، لكان تقيدها بالأجساد عبثاً، وإن كانت غير مجردة من هذه المعارف، فتوجد خلقتها عبثاً وهذا محال. لأنه لا عبث في طبيعة الأشياء.
البرهان الثالث: – نقول إن النفس البشرية قابلة للأنواع البدائية، كابتدائها في معرفة معظم الأمور غير المعروفة، وقابل الأنواع (الصفات) البدائية يجب أن يكون ذا بداية، وذلك واضح من أنه لو كان للأزلية قابلية الابتداء، لتساوى بالأزلية ذو البداية والأزلي، وهذا محال. والنفس البشرية لما كانت قابلة للصفات البدائية، إذاً يجب أن تكون ذات بداية.
اعتراض: – يقولون إن النفس هي ذات بداية لكونها قابلة هذه الخواص (الصفات) بالفعل، ولكنها ليست قابلتها بالقوة.
البرهان الرابع مقدماً: – نقول لو كانت الأنفس البشرية أزلية، لوجد الله له المجد مشاركاً إياها بالأزلية، ومنفصلاً عنها بخواص أخرى، وهذه الخواص إذا كانت جوهرية، يوجد الخالق عندئذ مركباً من جنس وفصل، وإن كانت عرضية، فيوجد قابلاً للأعراض ومتغيراً، وكلاهما باطل ومستحيل، فالأنفس البشرية ذات بداية وليست أزلية.
الجواب مؤخراً: – نقول لو كانت هذه الصفات البدائية ممكنة الوجود في الأزلية، لأمكن للنفس أن تقبلها بالقوة أزلياً، ولما لا يمكن أن توجد في الأزلية، وإلا لما كانت بدائية، فلذا لا تقدر النفس أن تقبلها بالقوة أزلياً، وبالتالي لا يمكن أن تكون النفس أزلية.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة “وجبل الله آدم ونفخ في أنفه نسمة الحياة”.
البرهان الثاني: – أيوب “حتى أخذت طين الأرض وجبلت حيواناً ناطقاً وجعلته على هذه الأرض”.
البرهان الثالث: – زكريا النبي “وخلق الله روح الإنسان في داخله”.
البرهان الرابع: – الإنجيل “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” فالبعض يقولون ويؤولون هذه الكلمة عن الأنفس التي تخلق كل يوم، أما نحن فنقول إنها لا تشير إلى هذا الرأي خاصة، لأنها يمكن أن تطلق على أفكار أخرى كثيرة.
البرهان الخامس: – غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على كلام الإنجيل ” أخاف لئلا يداخلكم فكر غير لائق” كالنفس التي عاشت في محل آخر ثم حصرت في هذا الجسد.
البرهان السادس: – غريغوريوس النوسي في مقاله عن تكوين (خلقة) الإنسان لأن الكلمة في كلا الظنين (الافتراضين) هي تحت طائلة اللوم، أي قول الذين يدعون باستهزاء، أن الأنفس سابقة في العالم بنظام واحد خاص، وقول الذين يدعون أن أنفساً أخرى تُخلق بعد الأجساد.
البرهان السابع: – ساويرا في رسالته إلى سيموس يقول” لا تخلق النفس الناطقة قبل الجسم ولا يجبل الجسد قبل النفس.
البرهان الثامن: – المطران مار يعقوب الرهاوي في رسالته إلى يوحنا الأتاربي ” لفحص ظني بالاختصار هذا هو” لا تسبق نفس في خلقتها الجسد، ولا يسبق الجسد في خلقته للنفس، ومن يفكر بمثل هذا يكون رأيه مرذولاً وإن كان رأيي.
إيضاح: – يجب أن نعرف أن جميع ملافنة البيعة سلموا بأن الأنفس البشرية ليست أزلية، بل ذات بداية، ولكن تضاربت آراؤهم عن زمن خلقتها، لأن القديس مار أفرام ومار يعقوب وفيلكسينوس المنبجي وثاودوريطا القورشي يقولون “إن الأجساد تجبل (تخلق) اولاً، ثم تُخلق الأنفس، فيقول مار فيلوكسينوس في تفسير الإنجيل ” ولئن حتى الكتاب الإلهي يعرف هذه القضية، إذ أمر في محل أن الإمرأة التي تلد الذكر تبقى جالسة على الدم النقي أربعين يوماً، والتي تلد الأنثى ثمانين يزماً، كأنها كانت حاملة طيلة هذه الأيام جسداً ميتاً عدا النفس، ويعتقد أوريجانوس أن الأنفس تسبق بخلقتها الأجساد، ولكن ليس كرأي الوثنية المحتقر، لأن الوثنيين ينسبون الأزلية إلى النفوس ولا يقرون بخلقتها قط. أما الملافنة اليونانيون الأرثوذكسيون نظير باسيليوس والغريغوريوسان الثاولوغوس والنوسي يرذلون هذين الرأيين، ويصرحون بخلقتها معاً. والبراهين التي جئنا بها تؤيد أصالة رأيهم هذا.
زيادة الايضاح: – وقد ارتاب الملافنة القديسون في النسمة التي نفخها الله بوجه آدم عندما جبله من التراب، لأن غريغوريوس الثاولوغوس يقول، إنها كانت النفس الناطقة، بزعمه أن النفس التي لم تكن موجودة وكانت مزمعة أن توجد، فجاءت (تكونت) بواسطة النفخة، فألقيت فيها النعمة الروحانية بالحياة معاً. وبها وجدنا ونحيا ونتحرك. ويقول قوريلس، إن تلك النفخة الإلهية كانت الروح القدس إذ لا نقول كانت النفس ثابتة وغير متغيرة، كأنها انبعثت من الله، حاشا، ولكنها (النفخة) بالاشتراك بالروح القدس الذي جُعل (وُجد) في النفس الإلهية منذ البدء، ولهذا وجدت حيواناً ناطقاً على صورة الله، وهذه النفخة جددها الرب يسوع عندما نفخ بتلاميذه. أما القديس مار سويريوس، فعندما أراد ألّا يضاد كلا الرأيين لهذين الملفانين قال: إن الذين سألوا قوريلس. ظنوا أن النفخة عندما تبدلت ولَّدت النفس للإنسان، ولم تخلق من النفخة كما أن بواسطة الأيدي الجسد. وقال موبخاً عدم معرفتهم (جهلهم): لا يجب أن النفخة أصبحت نفساً، ولا يجب أن يظنوا بتغير واستحالة أو هوى طرأ على الجوهر الإلهي. أما القول إن النفس تولدت من النفخة، فهذا يشير إلى أن الروح خلق النفس كما خلق بقية القوات السماوية. فغريغوريوس قال بمضاعفة قوة النفخة والروح القدس التي أعطتها للنفس. هذا بعض ما قاله مار سويريوس في رسالته إلى الراهب بطرا. أما نحن فنقول، لو صادق قوريلس أن النفس تولدت من النفخة، كيف قال بعد أن خلق الله التراب من الأرض ونفسه بواسطة النفس الناطقة والعارفة ليكون مشاركاً للروح القدس نفخ به نسمة الحياة؟
الفصل الثاني
في رأي المعتقدين بأزلية النفس
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: – يقولون إن الحركات الفلكية هي بدون نهاية ولا هوادة، كما تؤيد الفلسفة. ولذا يجب أن تكون الأجساد البشرية بدون نهاية، فلو كانت الأنفس البشرية ليست أزلية بل خلقت مع الأجساد، لوجب أن تكون بلا نهاية كالأجساد، لأنها غير قابلة للفساد كما يظهر، وجب أن يكون عدد لا حد له بالفعل للنفوس معاً، وهذا محال. لأن كل عدد غير محدود، من الضروري أن يكون نصفه محدوداً، وإلا لوجد نصفه مساوياً لكله، وهذا غير ممكن، وكل ما رُكِّبَ من محدودين، من الضروري أن يكون محدوداً، عندما يكون العدد غير محدود بالفعل، لا يمكن أن يوجد، وبالتالي أن يوجد، وبالتالي لا يمكن أن تخلق الأنفس مع الأجساد، بل هي سابقة لها وبالتالي أزلية.
الاعتراض الثاني: – يقولون إن النفس الناطقة هي ثابتة إلى الأبد أي خالدة وبدون نهاية كما سنبين ذلك، فيجب إذاً أن تكون أزلية أي بلا بداية، لأنها لو كانت طبيعة قابلة التلاشي أيضاً، وتكون طبيعتها قابلة التلاشي كلياً بعد وجودها لأن طبيعتها ثابتة دائماً كما هي، فيجب ألا تكون قط قابلة التلاشي دائماً، فالنفس الناطقة هي أزلية، وليس هناك وقت لم تكن موجودة فيه.
المقصد الثاني
في الرد على هذين الاعتراضين
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول لقد أيدنا في الركن الثاني أن الحركات الفلكية تنتهي (تحد) وتهدأ وتبطل.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إن للنفس الناطقة طبيعة قابلة التلاشي، قبل وجودها وبعده. ولكن عدم قابليتها التلاشي بعد وجودها، ليس بسبب طبيعتها، بل بسبب العلة التي خلقت وجودها وحفظته، وهي الله له المجد.
الفصل الثالث
في الرأي الأوريجاني الذي ينسب لخلقة النفس
القدمية دون الأزلية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: – يقولون لو كان ما قيل صدق، إن الله خلق المسكونة وكملها في اليوم السادس، لصدق أنه خلق الأنفس الناطقة من زمن بعيد وكملها في اليوم السادس. ولَما عاد يخلق شيئاً منها بعد اليوم السادس.
الاعتراض الثاني: – يقولون إن الله خلق منذ البدء جميع الخلائق من العدم، واليوم ليس من العدم، بل من الإنسان يخلق الإنسان ومن البهيمة البهيمة، ومن القذارة البق، أما الأنفس الناطقة فلأنها خلقت منذ البدء من العدم، فلا تخلق الآن أيضاً.
الاعتراض الثالث: – يقولون إن الإنسان مركب من العناصر ومن النفس الناطقة، فكما إن العناصر سابقة في خلقتها قبل تكوين (تركيب) الإنسان، كذلك النفس سابقة بخلقتها السامية قبل تركيب الإنسان.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول إن الكتاب المقدس في التوراة يحدثنا فقط عن خبر خلقة الأجسام في ستة أيام، لا عن غير الأجسام، فإذاً الله خلق الأجسام فقط وكملها في اليوم السادس لا النفوس الناطقة وغير الجسمية.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إن الله له المجد يخلق الأجسام واحد عن الآخر، أما الأنفس الناطقة فلأنها غير جسمية، فيخلقها دائماً من العدم.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول إن الإنسان ليس مركباً من العناصر والنفس تركيباً قريباً (مباشراً) بل من الجسد المركب من العناصر ومن النفس، فكما إن الجسد ليس سابقاً في الإنسان، كذلك النفس ليست سابقة فيه، ولذا فليس الجسد الذي فيه سابقاً.
الباب الرابع
في انتقال الأنفس من أجسادها
وفيه مقدمة وفصلان
المقدمة
في الآراء التي تولدت عند البعض عن هذه القضية
الرأي الأول: – يقول بعض أتباع أفلاطون، إن الأنفس سابقة الوجود للأجساد، فعندما اشتهت مخالطة المادة، تبعتها واتحدت معها، واستعملتها، كآلة لإكمال أهوائها فيها، ولأن الجسد لم تكن له طبيعة ثابتة لأنه يضمحلّ، فتنتقل إلى غيره ومنه إلى غيره، حتى تخمد أهواؤها فتشبع وتنفر من هذا الاتباع، حينئذٍ تنتقل ولا تتبع جسداً بعد، بل تصير إلى محلها الأول وترجع إلى مكانتها القديمة.
الرأي الثاني: – ويقول آخرون إن النفس عندما تتبع الجسد، إذا كان لذلك الجسد مزاج، فتلك قوة مختارة وسامية، أي لا تكون فيه قوى هائجة ترغب في الشهوات الجسدية كما تشتهي النفس الشهوات الحسنة، بواسطة ذلك الجسد الذي تتمرن فيه. فعندما يتلاشى هذا الجسد تنتقل إلى جسدٍ بشري آخر، أفضل منه، ومن الآخر لآخر أفضل منه وهكذا رويداً حتى تنتهي وتكمل، وتجول مع الملائكة، أما إذا كان لذلك الجسد الذي تتبعه النفس مزاج (ميل) بهيمي، فتضطرم بمحبة الشهوات الجسدية، واللذائذ المادية. وعندما يتلاشى هذا أيضاً، تنتقل إلى جسدٍ آخر أكثر منه غير حساس، ومنه إلى آخر غير حي أي من إنسان إلى حيوان غير ناطق كالخنزير والكلب والأسد والذئب أو العصفور أو النسر، بحسب طبيعتها، ومن جسد الحيوان إلى النبات، ومن النبات إلى النار والماء أو الصخر، كما يخبر القديس غريغوريوس النوسي مسفهاً كهذا الرأي المرذول بقوله، إنهم يقولون إن أحد حكمائهم يقول: إن الرجل وجد كما هو، وبعد ذلك تمنطق جسد امرأة، وحلق مع الطيور إلى العلى فخرج نباتاً، وأصبحت له حياة داخل الماء.
الرأي الثالث: – يقول غيرهم كما إن النفس المختارة عندما ترتفع وتنتقل من جسد إلى آخر تستحق التطواف السعيد مع الملائكة. أما النفس الرديئة. عندما تتخبط إلى الدركات، تنتقل من جسد إلى آخر. وتنتهي في التطواف مع الشياطين، حيث تشقى إلى الأبد.
الرأي الرابع: – يقول غيرهم إن النفس الرديئة عندما تنتقل من جسد إلى آخر أحقر وأردأ منه، تبلغ في النهاية إلى التلاشي والفساد هو الهلاك الآخر بعينه، ويصف القديس غريغوريوس هذا الجوهر بقوله: إنها تجتاز بواسطة محبتها للأهواء من الناطق إلى الأبكم، ومنه تنتقل إلى النباتات العديمة الحس والغير النفسي هو جار لغير الحساس، ومن هذا إلى عدم ثبوت البق، لكي بالإجماع تنتقل النفس إلى هذه كلها بواسطة اتباع غير الموجود.
الرأي الخامس: – يقول غيرهم إن النفس البشرية تستطيع أن تنتقل من الأجساد البشرية إلى أجساد الحيوانات البكماء وبالعكس، لا تقدر أن تنتقل إلى أجساد النباتات والمعادن والعناصر.
الرأي السادس: – يقول غيرهم إن النفس البشرية عندما تتبع الجسد البشري إذا فعلت الصلاح والفضيلة عندئذ تستحق التنعم من الله في الجسد السامي جداً عن جسدها الأول. أما إذا لم تكن كذلك بل مثقلة بالأدناس والخطايا، فإنها تنتقل إلى الجسد الأكثر حقارة لتعذيبها، أي إلى جسد اللص والسالب الذي يقتل والسارق الذي تقطع يده أو الزاني الذي ينشر ويحطم أو الحمار أو الجمل المحملين.
الفصل الأول
في عدم إمكانية انتقال النفس من أجساد إلى أخرى
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول لقد أيّدنا بالبراهين القوية السابقة أن الأنفس الناطقة تخلق مع الأجساد، لا قبلها ولا بعدها، فعندما يخلق الجسد وتخلق معه النفس الخاصة، إذا أمكن لنفس أخرى أن تتبع بعد الجسد الآخر الذي تلاشى ذلك الجسد الجديد، لوجدت نفسان لجسد واحد وهذا محال. لأن كل إنسان يعرف له نفساً واحدة لا أكثر. فانتقال النفس من جسد إلى آخر غير ممكن.
البرهان الثاني: – نقول إذا كان من الضروري للنفس أن تتبع جسداً آخر، عندما تنتقل من جسدها الأول، إما تستطيع أن تبقى مدة بعد انتقالها من جسدها أو لا تستطيع. والافتراض الأول غير صحيح، لأنه عبث في طبيعة الأشياء، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأنه من الضروري عندئذ أن يتساوى بالعدد الذين يولدون والذين يتلاشون ويموتون، أي يجب أن يموت جسد ويولد جسد آخر بنفس جديدة، والحال ليس هكذا، لأنه في الطوفان العام الذي فيه يقطع النسل، كيف يقول الإنسان أنه بعدد الهالكين يولد في محلهم آخرين؟ ومن هنا يظهر عدم إمكانية انتقال الأنفس من أجسادٍ لأجساد.
البرهان الثالث: – نقول لو كانت هذه الأنفس متحدة بأجساد أخرى قبل أجسادنا هذه، كيف لا نتذكر شيئاً بسيطاً من الأعمال الأولى وإن لم تكن كلها على الأقل جزءاً منها، وكيف لا يكون من الضروري لنا أن نذكر شيئاً كهذا، وهو ذا نرى من يردد قراءة قصة ما مئة مرة، من الصعوبة ينساها، والذي يرددها مئتين من المحال نسيانها، والذي يرددها ألف مرة، فالنفس الناطقة التي قضت مدة سبعين أو ثمانين سنة في الجسد الذي أدارته ودبرته، ثم انتقلت منه، كيف تنساه كلياً، والحال أن النفس الناطقة لا تعرف أو تتذكر شيئاً كهذا، فإذاً لم تكن متحدة (تابعة) بجسد آخر.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – المزامير ” عطشت إليك نفسي أيها الإله الحي، متى آتي و أرى وجهك”.
البرهان الثاني: – الجامعة ” ويرجع الجسد إلى الأرض وتعود الروح إلى الله الذي أعطاها”.
البرهان الثالث: – الإنجيل ” عندما مات اليعازر حملته الملائكة إلى أحضان إبراهيم”.
البرهان الرابع: – اسطيفانوس عندما كان يُرجم ” يايسوع اقبل روحي”.
البرهان الخامس: – بولس “إنني أشتاق أن أنطلق لأكون مع المسيح”.
البرهان السادس: – غريغوريوس الثاولوغوس أمثل تشبيهات أفلاطون والعبرانيين للأجساد، وإدراك أنفسنا والتذكر الجديد والمحبة غير المنظمة التي تحسن للنفس بواسطة الجسد.
البرهان السابع: – غريغوريوس النوسي في مقاله على خلقة الإنسان ” أولئك الصائرين ف يالكلمة الأولى والمعتقدين أن تدبير النفوس هو أقدم من الحياة بالجسد. لا أظن أن تعليمهم أنقى من تعليم أبناء الوثنية، الذين يتحججون في اعتقادهم بانتقال الأنفس من الأجساد إلى أخرى بأقوال استهتارية.
الفصل الثاني
في رأي المعتقدين بانتقال الأنفس من أجساد
إلى أخرى
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية واحتجاجاتهم على براهيننا
الاعتراض الأول: – يقولون إن الأنفس الناطقة تخلق لأجل أن تتكامل وتتاجر بالفضائل المتنوعة النظرية والأعمال (العملية). وتؤسر مع الأجساد، فإذاً عندما تبتعد النفس عن جسدها قبل الإكمال اللائق لطبعها، من الضروري أن تتبع جسداً آخر، ومن هذا لآخر حتى تكمل، ولا تعود تحتاج إلى ارتباط مع الجسد، وأنتم تشهدون كلكم أن النفس لا تتبرر ولا تتدنس بدون الجسد.
الاعتراض الثاني: – يقولون لما كانت النفس طبيعية نيرة وغير مادية وسامية، فارتباطها مع المادة المظلمة والكثيفة والحقيرة، من الضرورة أن يكون لها كنوع من العذاب، تسبق أن تخطئ، لما جزم عليها الله السامي هذا الجزم قط، وهو التقيد الشديد، فإذا استطاعت بارتباطها الأول مع الجسد الأول أن تفي دينها وتتفق معه طالما هي في الطريق، تحررت من الرباط، وإلا تسلم من ذلك الجسد إلى الجسد الآخر ومن الآخر إلى آخر، وهكذا لا تخرج من هناك حتى تفي الفلس الأخير كما ينص القول الإنجيلي.
الاحتجاج على البرهان الأول: – يقولون لماذا قلتم عندما يعلم الإنسان أن له نفساً واحدة، لا يمكن أن تكون له نفسان، فإن النفس تعرف ذاتها أنها نفس، فإذاً كل من النفسين التابعتين للجسد الواحد تعرف ذاتها أنها واحدة وهكذا عندما تكونان أكثر من اثنتين.
الاحتجاج على البرهان الثاني: – يقولون لماذا قلتم، أن النفس لا تستطيع أن تبقى مدة بدون الجسد، لأنه لا عبث في طبيعة الأشياء، حتى أنكم دعوتم تاوميسطوس، هذّاء وهذّار، لأنه قال إن أنفس الأطفال والغفل تضمحل باضمحلال أجسادها، لأنه بسبب تجردها من الفضائل يبقى وجودها عبثاً، ولا عبث في طبيعة الأشياء؟ ويعاكسون قولنا بكون يجب أن يتساوى عدداً جميع الذين يولدون والذين يموتون، بزعمهم من أحصاهم جيداً ولم يجدهم متساويين، ويقولون ضد خبر الطوفان، أن الهالكين كثيرون، كما أن المولودين كثيرون أيضاً، بل بالأحرى إن بعض المولودين هم من الحيوانات البحرية، والخرافات والبق وسائر الأجساد الحقيرة، فلو لم تكن النفوس متساوية للمقيدة معهم، لما هلكت بالطوفان أجسادهم البشرية العجيبة.
الاحتجاج على البرهان الثالث: – يقولون لا يجب الظن أنه لعدم تذكر النفس التدبير الأولي، لم تكن متحدة بجسد آخر قبل هذا الجسد، فإن كهذا النسيان هو بسبب غرقها في فكرها الذي تولد فيها من هذا الجسد، أو لعل الذين يغرقون في هذه البحار أو يسقطون في الأنهار، عندما يحاولون جهدهم ويحتالون لتخليص أنفسهم ألا ينسون آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم والمساكن والبلدان، فهذا أيضاً هكذا.
الاحتجاج على البراهين الكتابية: – يقولون أن الحجز الثاني والثالث الخ، هو عذاب للنفس المنتقلة من جسد إلى آخر لأجل اكتساب الفضائل، كما إن التاجر لا يسافر من محل لآخر لأجل التجارة والكسب دون أن يحتمل التعب والشقاء والعذاب، ولهذا كان يتضرع داود أن يحتمل التعب والشقاء والعذاب، ولهذا كان يتضرع داود واسطيفانوس وبولس إلى الله وهم مشتاقون وظمأى، بأن لا تتبع أرواحهم أجساداً أخرى فتشقى بالقيود والسلاسل. وهل قال سليمان أن الأنفس تنتقل من جسد إلى آخر أم قال ” ترجع الروح إلى باريها” ويمكن بعد انتقالها من جسد إلى آخر، كما يمكن أن نفس اليعازر بعد أن عبرت من جسد إلى آخر، حملتها الملائكة إلى أحضان إبراهيم. ويقولون عن كلام الغريغوريسين أنه غير مقبول، لأن ما فاها به هو بدون براهين تطبيقية مؤيدة.
المقصد الثاني
في الرد والجواب على هذه الاعتراضات
والاحتجاجات
الرد على الاعتراض الأول: – نقول لو كان انتقال النفس من جسد إلى آخر لأجل إكمالها، لما وجب أن تنتقل قط من جسد مختار إلى جسد حقير، وهذا لا تقرون به أنتم، كما تقرون بأن الأنفس البشرية تجتاز في أجساد الكلاب والخنازير، وأي كمال يصير لها باجتيازها بمثل هذه الأجساد الحقيرة.
الرد على الاعتراض الثاني: – نقول لقد أيدنا في البراهين القاطعة عدم إمكانية وجود الأنفس قبل الأجساد، فالذي ليس موجوداً كيف يمكن أن يخطئ، ويحتم عليه العقاب والعذاب؟
الجواب على الاحتجاج الأول: – نقول لو كانت النفس تعرف ذاتها فقط، لما أمكنها أن تعرف شيئاً آخر، ولصدق هذا القول، وكيف يصدق أن نفسين تشتركان في تدبير جسد واحد ولا تعرفان بعضهما؟
الجواب على الاحتجاج الثاني: – نقول إننا نثبت بمعونة الله والبراهين الدامغة أن النفس غير قابلة الفساد، ولذا لا نذعن لوساوس تاوميسطوس القائل: إن أنفس الأطفال والفعل يبقى وجودها عبثاً، ولا تستنير بالأشعة الإلهية المشرقة على الكل. أما الأنفس الخاطئة فهذه لا تقدر على الاستنارة بسبب أدناسها، أما الأنفس غير المخطئة فماذا يمنعها من الاستنارة، وضد زعمهم أن الحيوانات التي تولد أثناء الطوفان كثيرة سنبين لهم بعد ذلك عدم إمكانية إيجاد النفوس الناطقة نفوساً بكماء.
الجواب على الاحتجاج الثالث: – نقول ليست النفس متخبطة دائماً وغارقة في فكر هذا الجسد، إذ يرى كل منا نفسه أحياناً صافية وخالية من كل الأفكار، ومفكرة في الأمور غير الضرورية، ولو كانت متحدة (تابعة) بجسد آخر، كيف لا تذكر قط شيئاً عنه.
الجواب على الاحتجاج على البراهين الكتابية: – نقول إن الأنبياء والرسل وجميع الكاملين الذين علموا معظم الأعمال والأفكار الخفية للبشر، لو كان كهذا الأمر حقيقياً، كيف لا يساعدونهم به إذا كانوا يعرفونه، ويرشدونهم ويحرضونهم على اكتساب الفضائل بقولهم، اجتهدوا بهذا لئلا تتعذب نفوسكم باجتيازها من جسد إلى آخر، ولكننا نراهم يعلمونهم معاً بقولهم “اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة” لئلا تحترقون كالهشيم في النار المتقدة الخ.
الباب الخامس
في الأنفس الحيوانية البكماء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أن الحيوانات البكماء مجردة من النفس الناطقة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول لو كانت للحيوانات البكماء أنفس
ناطقة، لتساوت بطبيعتها لأنفس البشر، ولما كانت متميزة في
الطبيعة والنوع، إذاً لا تملك أنفسا ناطقة.
البرهان الثاني: – لو كانت الحيوانات العجماء ناطقة،
لظهرت فيها علامات النطق، ولما كانت غير ظاهرة فيها، فهي
ليست ناطقة.
البرهان الثالث: – نقول لو كانت ناطقة، لخضعت
للناموس، والحال إنها ليست خاضعة، إذاً ليست بناطقة.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول: – المزامير “لا تكونوا كالحصان أو البغل
غير حكماء(فهماء) اللذين يلجمانهما من صغرهما”.
البرهان الثاني: – فيه أيضا “الإنسان لم يفطن بكرامته،
بل استسلم إلى البهيمة وتشبه بها”.
الفصل الثاني
في رأي الذين يثبتون وجود نفس ناطقة
للحيوانات البكماء
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضهم العقلي والبراهين الطبيعية التي
يجلبونها
الاعتراض: – يقولون إننا نرى بعض الأعمال تحدث
من بعض الحيوانات التي ربما يستطيع عظماء الناطقين
(البشر) ومشاهيرهم الإيتان بمثلها، ومن هذا تحققنا أنها
(الحيونات) غير محرومة من الأنفس الناطقة، وهذه الأعمال
مذهلة جداً كما تبينت جلياً من وفرتها.
البرهان الأول: – يقولون إن الفأرة تدخل ذنبها في قارورة زيت ضيقة العنق فتلحسه، والواضح أن هذا العمل لا يأتي إلا بمعرفة أربع قضايا: 1- احتياجها على الزيت. 2- رأسها لا يدخل. 3- ذنبها يمكن أن يدخل. 4- بالحكمة التي كهذه تكمل الشهوة.
البرهان الثاني: – يقولون إن النحل يبني بيوتاً مسدسة الزوايا، لأن في هذا الشكل من دون سائر الأشكال توجد فائدتان، ولأن الأشكال منها ما تملأ كل المحل الذي يجتمع فيه النحل معاً. كالمثلث والمربع وغيرها، ولكن بسبب ضيق الزوايا، ولكن لا يمتلئ منها المحل المجتمع فيه معاً، إذ توجد معظم الأمكنة بينها فارغة، أما الشكل المسدس الزوايا، فيه نقصان، وهما اتساع الزوايا وامتلاء المكان. ولو كانت له (للنحل) معرفة أكثر، كيف اختار كهذا الشكل، بينما الإنسان لا يستطيع بدون مسطرة أن يبني بيتاً وبدون شاقول، متساوي الأضلاع، فكل نحلة تبني بيوتاً كهذه بدون مسطرة أو مقياس، وهناك أمور عجيبة للنحل في خضوعها لملكها، وأنواع أخرى مذكورة في كتب الحيوانات.
البرهان الثالث: – يقولون إن النمل يجتهد في الصيف ليخزن الغلة في وكره، فلو لم يعلم أنه لا يستطيع أن يحضرها في الوقت الذي يحتاج إليها، لما كدَّ هذا الكد لأجل جمعها في الوقت الذي يقدر على جمعها، وإن لم يحتاج إليها في الوقت الحاضر. وهناك ثلاثة أمور مدهشة تُرى في النمل وهي: شعوره برطوبة أرض مخزنة، فيقطع الحبة إلى قطع، لعله إذا لم يكسرها تنمو وتفسد، وإذا تجزأت لا تنمو قط. ثم إخراجه هذه الغلة المرطبة إلى الخارج عند شروق الشمس باجتهاد كلي، ثم معرفته بسقوط المطر وهبوب الرياح فيدخلها إلى أوكاره قبل أيام من حدوث هذه الطوارئ، وهذه الأمور كافية لتؤيد هذه المعرفة المدهشة التي يحوزها الحيوان الحقير الصغير.
البرهان الرابع: – يقولون إن العنكبوت تنسج نسيجاً شبكياً بنوع عجيب جيد ولطيف، لكي تصطاد به الذباب قوتاً لها، فلو لم تبحث أولاً في كيف يجب أن تكون كهذه الشبكة وكيف تمسك فيها الذباب، لما نسجتها قط.
البرهان الخامس: – يقولون إن الحمار والجمل عندما يسيران في طريق لم يخطواها بعد في ليلة مظلمة حالكة، وتصدف أن يسيراً فيها مرة ثانية لا يتيهان قط، وذلك واضح من أن التجار عندما يضلون الطريق يسيرون أمامهم الحمير والجمال ويتبعونها مهتدين بها، وكذلك الإنسان لا يستطيع الذهاب من محل إلى آخر بدون علامات كما إن الكراكي اللقالق والسنونو تذهب وتيأب في جميع الأقطار، ولا تنسى أوكارها وأعشاشها.
البرهان السادس: – يقولون إن الثعلب عندما يجوع يرتمي على ظهره، وعندما تظن الطيور إنه مات تحط عليه لتفترسه، فيقفز ويخطفها، وكذلك عندما يتأذى من البق والبعوض، يأخذ بفمه قطعة من جلد حيوان ميت، ويذهب فيضع يديه ورجليه في الماء، وهكذا يغطس شيئاً فشيئاً، وعندما يشعر البق والبعوض بالماء، فتجتمع فوق الجلد، أما هو فيغطس، ويخرج عما يطرحها، وهذه حيلة لعل محتالي الناس فقط يستطيعون أن يأتوها.
البرهان السابع: – يقولون إن الحيات يضعف نظرها تشفى بالشمرة (رازنايج) وعندما تأكل الحية السلحف الجبلي، تنجو من الضيق والألم، وابن عرس في أكله السذاب تقوى عليه الحية وتقتله، لأنها لا تحتمل رائحة هذا النبات وتجمع الذهب والفضة واللآلئ وتعبث بها، وعندما تؤخذ منها، تنتقم من آخذها فتشق ثيابه ومنامه، والكلاب عندما تتدود بطونها، تأكل سنابل الحنطة وتشفى، وأمور أخرى جوهرية التي تعملها الناس من الحيوانات.
البرهان الثامن: – يقولون إن القنفذ يسبق فيعرف مهب الرياح، ولذا يصنع وكره (الحجرة) منفذين، فعندما يعلم أن الريح ستهب يسبق فيسد الثقب الذي يضادها ويفتح الآخر، ويُقال إن رجلاً في بيزنطة كان له قنفذ، جمع بسببه مالاً طائلاً إذ تعلم منه أشياء كثيرة وعلمها للناس عن وقت مهب كل ريح من الرياح، وواضح أن سبق المعرفة يعجز عنه جميع الحكماء.
البرهان التاسع: – يقولون إن السنونو تبني أعشاشها بالطين والخشب بصورة عجيبة وعندما يعوزها الطين، تسبح في الماء وتتمرغ بالتراب، وهكذا تجبل الطين وتضعه على أجنحتها وتستعمله في عشها، وتربي فراخها تربية جميلة، وتعلمها أن تنجس خارج العش.
البرهان العاشر: – يقولون إن الحجل حكيم جداً، إذ عندما يقرب الصياد، فحيثما توجد له فراخ، يقفز أمام الصياد إلى الجهة الأخرى من فراخه، وهكذا حتى يبعد الصياد عن الفراخ يهرب من أمامه.
البرهان الحادي عشر: – يقولون إن العير يُصاد لأجل خصيتيه التي تصلحان للشفاء، فعندما يُطارد يقطعها منه ويلقيها، فإذا أُدرِكَ يرتمي على ظهره ليُظهِر أنه ليس له خِصى.
البرهان الثاني عشر: – يقولون إن العير إذا ولد ذكراً يأتي أبوه ويقطع خصيته، لكيلا تكون له ثمرة في شهوة الإناث، ولهذا عندما تلد الذكر، تهربه وتخفيه حتى يكبر، ومن لا يقول إن هذه الأعمال التي تعملها الحيوانات نتيجة عقل شفاف.
البرهان الثالث عشر: – يقولون إن النسر عندما يريد أن يفحص شريكته ليعرف هل هي فاجرة أم لا، عندما تلد، يأخذ صغارها أمام أشعة الشمس، فإذا أحدقت مثله، يترك أحدها، وإذا تأثرت، فيوبخ أمها الفاجرة ويعذبها، ويطرح الصغار من عشه، أما احترام الصغار لأبيهما فهكذا، عندما يضعف ويدنو إلى الشيخوخة، تحمله على أجنحتها وتسنده وتنقله أينما شاء.
البرهان الرابع عشر: – يقولون إن الغراب وهو الزاغ له زواج واحد، وعندما تموت شريكته، لا يتبع أخرى، وكذلك الأنثى، وصغارهما عندما يشيخان، تحملهما على أجنحتهما وتسندهما من كل جانب عندما يذهبان لانتجاع الراحة، وتهيئ لهما الطعام أيضاً.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة ” ولكي أطلب دم أنفسكم، أطلبه من يد كل حيوان ومن يد الإنسان، فيقولون لو لم تكن للحيوان نفس ناطقة، كيف يُطلب دم الإنسان منها، كما يُطلب دم الإنسان من أخيه الإنسان؟
البرهان الثاني: – المزامير ” الجميع ينتظرونك لتعطيهم طعامهم في حينه” فيقولون لو لم يكن لها عقل يفكر ويفهم، كيف ينظرون الله له المجد ليقيتهم؟
البرهان الثالث: – إشعياء ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه” فيقولون إذاً نوعان هو الإدراك الواحد من الحواس ويدعى إحساساً، والثاني من العقل ويدعى معرفة، وهوذا النبي حمل (نسب) كلمة العقل على الثور والحمار، فينتج إذاً أن لهما عقلاً.
الفصل الثالث
في هدم هذا الرأي
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في الرد على ذلك الاعتراض وتلك البراهين
نقول إن الأعمال العقلية والنطقية هي التي تفعل بواسطة الحرية والسلطة الذاتية إرادياً، أما الأعمال التي بددت من هذه الحيوانات التي ذكرتموها فتحدث طبيعياً لا إرادياً، إذ ليس العقل الباطن علتها، بل هو الله له المجد منح لكل من هذه الحيوانات قوة خاصة، فعمل واحد بسيط فقط يمكن أن يحدث بدون تضاد، كالمغناطيس الجاذبة للحديد، أما عند الإنسان فليس هكذا، بل منحه عقلاً ناطقاً، يستطيع بواسطته أن يعمل أعمالاً كثيرة مختلفة ومضادة كيفما شاء.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية والجواب عليها
الجواب على البرهان الأول: – نقول إن الحيوانات عندما يطلب منها دم النفس، حاشا أن يطلب منها بعد أن يُعرف الذنب أو الزلة. ولكن ليكون ذلك ناموساً عاماً على المذنبين، وليحذر الناس من أن يخطئوا.
الجواب على البرهان الثاني: – نقول إن ذلك يشير إلى عناية الله له المجد الكلية على جميع خلائقه، وليس الله مقيت الذين يفكرون أنه مقيت الناطقين فقط.
الجواب على البرهان الثالث: – نقول المعرفة هنا حُملت مجازياً واستعارياً على غير الناطقين، كاسم الإنسان الذي يحمل على الصورة المرسومة على الجدار.
الباب السادس
في بقاء (خلود) الأنفس الناطقة بعد تلاشي
أجسادنا
وفيه فصل واحد
في أن النفس غير مائتة ولا تفنى بفناء الجسد
الفصل الأول
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
المقدمة: – يجب أن نعلم أن هذه القضية ضرورية معرفتها أكثر من كل القضايا لجميع الفصول وكل الأبواب وكل الأركان البيعية، لأنه إذا لم تتحقق عدم ميتوتية (خلود) النفس بعد الجسد، توجد جميع نبوات الأنبياء عبثاً، وكذلك كرازات الرسل وضيقات الشهداء وحكمة الحكماء، ولا سيما تجسد الله الكلمة، لأن الجهلة كثيرون والحمقى أغنياء، ومخصبون في هذه الحياة الزمنية العابرة، أما الحكماء فقليلون والفضلاء فمعدودون، والمتعجبون حزنون ومتألمون، وتُضحك القضية لو لم تكن هناك حالة أخرى في الحياة الجديدة ولهذا بكل مكاننا لا يجب أن نقلل قدر القوة من جلب البراهين المثبتة وغيرها على تأييد هذه الحقيقة.
البرهان الأول: – نقول إن النفس غير قابلة الفساد، لأنها لو كانت قابلة إياه، لوجب أن تبقى ثابتة بعد فسادها، وهذا لا يمكن، أي أن يكون للشيء وجود بعد أن يبلغ التلاشي، لأن القوة القابلة لشيء موجود، يجب أن تبقى بوجود ذلك الشيء، أما الأجسام فتتلاشى، لأن جزءها المادي هو يقبل فسادها، أما تلك فلا تزول ولا تتلاشى بفساد الأجساد، فالنفس إذاً بما إنها ليست مادية فلا تقبل الفساد.
البرهان الثاني: – نقول لو كانت النفس تفنى، إما تفنى لوجود مُفنيها أو لعدم مقيمها (مبقيها) والافتراض الأول غير صحيح، لأنه لو كان المفني موجوداً بوجود النفس، كيف لم يلاشيها، وإذا لم يكن ووجد بعد ذلك، فإذا كان جسماً أو عرضاً، كيف يستطيع أن يلاشي النفس الأقوى من الجسم والعرض وإذا لم يكن جسماً، يجب أن يساوي النفس بالطبيعة، ولهذا يقدر أن يلاشيها، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن علة النفس الخالقة هي الله، الذي كان والكائن والذي سيكون ثابتاً، فالأجسام وإن كان الله هو مقيمها، ولكنها تتلاشى بسبب المادة التي لها قوة قابلية التلاشي، أما النفس فلأنها غير مادية، فهي ليست فانية.
البرهان الثالث: – نقول لقد سبق فعلمنا أن النفس ليست جسماً ولا عرضاً، والذي يكون كذلك، ليس بعيداً عن الأجسام ولا قريباً منها، ولا يوجد لا داخلها ولا خارجاً عنها، وتأيَّد أيضاً أن الجسد بالنسبة إلى النفس كالآلة بالنسبة إلى العامل، وكالسفينة بالنسبة إلى السفان، وكالمركبة بالنسبة إلى القائد (السائق) وكالبلاط بالنسبة إلى الملك. ولا يجب أن نفهم من تلاشي الآلة أو السفينة أو المركبة أو البلاط، تلاشي العامل أو السفان أو السائق أو الملك. فالنفس لا تموت بموت الجسد.
البرهان الرابع: – نقول إن النفس بما إنها حية وعارفة وقادرة فهي تدير الجسد، ولو كانت حياتها بسبب وجود الجسد، وكذلك معرفتها وقدرتها، لوجد الجسد الذي يحيا بها مانحاً الحياة لها وهذا محال.
البرهان الخامس: – نقول لو أن النفس تموت بموت الجسد، لوجب أن تضعف هي أيضاً بضعفه، والحال إنها لا تضعف، وذلك واضح من أربعة أمور:
- من القراءة الكثيرة في العلوم المختلفة التي تضعف الجسد وتقوي النفس.
- الزهد والانفطام عن الشهوات الجسدية التي تضعف الجسد وتذلله وتنير النفس.
- إن الجسد يموت في المنام تبطل حواسه، والنفس تستيقظ وترى أموراً خفية وسرية بواسطة الأحلام.
- إن الجسد يأخذ بالضعف في الناس الذين بلغوا منتصف الحياة. أما النفس فتقوى وتتشدد، كما تشهد التجربة، فإذاً لما كانت لا تضعف بضعفه، لا تموت أيضاً بموته.
البرهان السادس: – نقول إن الموت لا يفيد فساد الأجزاء الجسدية، لأن الإنسان يموت وأجزاؤه كلها موجودة، فهو خنقها فقط أو إخماد الحرارة الطبيعية، وواضح أن الحرارة هي عرض، وأن العرض هو أضعف من النفس، ظاهر من أربعة أمور: 1- إن الجسد يحتاج إلى محل في وجوده. 2- النفس ليست كذلك. 3- بأن تأثر (انفعال) الجسد من النفس أكثر من تأثيره فيها. 4- تبقى في الجسد بعد موته جميع صفاته الجسمية والعرضية، ولكنها لا تستطيع أن تحفظه بدون فساد، لأن النفس وحدها يمكنها أن تحفظه، ولما كان العرض الضعيف أكثر من النفس هو المائل إلى الموت، فكيف يقدر أن يلاشي النفس، فإذاً لا تموت النفس بموت الجسد.
البرهان السابع: – نقول إن النفس لا تمرض بمرض الجسد، ولهذا لا تموت بموته ولا تمرض بمرضه، وذلك واضح من أن الفحص هو محاربة الطبيعة والمرض كما جرّب الآباء، هذه الطبيعة إما إنها مزاج الجسد أو النفس. والافتراض الأول غير صحيح، لأنه إذا كان مزاج الجسد هو الذي يتضاءل ويضعف، كيف يخاصم ذاته. فينتج إذاً أن النفس هي الطبيعة، وأنها لا تمرض واضح من أنها لو مرضت أو ضعفت، كيف تستطيع أن تستقوي على سبب المرض القاسي، فالنفس هي ذاتها التي تتخاصم لأجل قوام الجسد عندما يأخذ بالتلاشي، فكيف تتلاشى بتلاشيه.
البرهان الثامن: – نقول لو لم تبقَ النفس بعد موت الجسد، لوجد الإنسان أكثر حقارة وتجرداً من الراحة عن سائر الحيوانات، لأنه يمتاز عنها بالعقل، وهذا العقل إما يفكر بالأمور الماضية أو الحاضرة أو المستقبلة، والماضية إذا كانت سيئة يمتلئ ندامة وحسرة، وإن كانت صالحة يحزن لعدم بقائها والحاضر أيضاً إذا كانت رديئة، يقلق ويتضايق، وإن كانت صالحة، كذلك يتألم فكرياً لخوفه من الشيء الذي يتوقع التجرد منه، ولشوقه للأشياء الأكثر صلاحاً. والمستقبلة أيضاً عندما يفكر فيها كثيراً يتعذب بالأوهام خوفاً منه لئلا لا يحدث حسب رغبته. أما الحيوانات الأخرى لما كانت مجردة من العقل، فهي محررة من كهذه الأذيات والأضرار. ومن هنا يُعلَم أنه لو لم تكن هناك حالة أخرى للنفس بعد الجسد حيث تتناثر منها الضيقات والحسرات والآلام، لكان الإنسان أحقر من الحيوانات البكماء، ولما كان أفضل منها، فمن الضروري أن تكون نفسه غير مائته.
البرهان التاسع: – نقول لقد خلق الإنسان إما ليستفيد ويتلذذ أو ليخسر ويتضرر، أو لا ليستفيد ويتلذذ ولا ليخسر ويتضرر، والافتراض الثاني غير صحيح، لفيض نعمة الخالق. والافتراض الثالث أيضاً غير صحيح، لأنه حتى لو لم يخلق، لوجدت فيه هذه الصفة (الخاصة) ولذا تكون خلقته عبثاً وهذا محال. فينتج إذاً أن الافتراض الأول هو صحيح، ولما لم توجد في هذا العالم ولا راحة حقيقية وثابتة، فيظهر إذاً أن الإنسان خلق ليرث ويتلذذ في العالم الآخر الروحاني.
البرهان العاشر: – نقول تشهد عقول جميع الناس، بقدر ما يقلل الإنسان في التمتع بالشهوات الجسدية، بقدر ما يكون كاملاً في نفسه، وبالعكس. ولهذا عندما يرى الناس الرجل البتول والمتنسك والمتقشف والمبغض كثيراً المجد، والهارب من الرئاسة، والممقت الغنى، يعظمونه ويمدحونه ويودون أن يتباركوا بمسموع صلواته، والسادات كالعبيد والملوك ينحنون أمامه ويعفرون جباههم بالتراب ويقبلون رجليه للتبرك منه، كما إن بعض المضلين عندما يتزيون بحلة الكذب والافتراء الخارجية، ويرذلون بعض هذه الصفات الممدوحة المذكورة أعلاه، ينالون شرفاً ظاهرياً لأنفسهم من الشعب، فلو لم تكره هناك حياة أخرى جديدة يرتاح فيها الإنسان بعد موته، كيف يحسبه الناس هكذا أسعد من الجميع، وهذه القضية هكذا أسعد من جميع الناس، غير مرتاب فيها، ومن الضرورة أن تكون حقيقية بالنسبة إلى النظريات، فالنفس إذاً لا تموت بموت الجسد.
المقصد الثاني
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة” وقال الله لموسى أنا إله إبراهيم واسحق ويعقوب” ومن البيِّن أن أجساد هؤلاء كانت فانية آنئذٍ، فلو كانت نفوسهم فانية ومتلاشية أيضاً، فلمن كان الله إلهاً؟
البرهان الثاني: – فيه أيضاً ” اليوم تكون معي في الفردوس” فلو كانت النفس قد سبقت وماتت بموت جسده، كيف يمكنها أن تكون مع الرب في الفردوس في ذلك اليوم؟
البرهان الثالث: – فيه أيضاً ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، أما النفس لا يقدروا أن يقتلوها” فلو كانت النفس مائته، كيف لا يستطيعوا قتلها؟
البرهان الرابع: – رسالة بولس الثانية إلى أهل كورونثوس” إننا نعلم إذا كان بيتنا هذا الأرضي في الجسد يزول، فلنا بناء من الله غير مصنوع بالأيادي.
الباب السابع
في معرفة النفس بعد انفصالها من الجسد
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في أن النفس تعرف جميع الأمور الكلية والجزئية
بعد الانفصال
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول لقد سبق فتأكد لدينا أن النفس جوهر غير جسمي ومدبرة للجسد، فإذاً إما تدركه بواسطته، أو ليس بواسطته، والافتراض الثاني صحيح، إذ كما أن النفس لما كانت متحدة بالجسد أدركت ما أدركته بدون توسطه، كذلك بعد انفصالها عنه، تدرك بذاتها مواضيعها، فمعرفة النفس محفوظة من بعد الانفصال.
البرهان الثاني: نقول إن النفس بارتباطها مع الجسد، تعرف ضرورة أن العين تنظر والأذن تسمع الخ. فلو عرفت أن العين تنظر بتوسط العين، لوجب أن تعرف هذه العين بواسطة عين أخرى، والأخرى بواسطة غيرها، وهكذا إلى نهاية، وهذا محال فينتج إذاً أنها لا تدرك المدركات بتوسط الجسد، وبالتالي تستطيع أن تدرك بدون الجسد كل ما يمكنها إدراكه.
البرهان الثالث: – نقول عندما يجزم الإنسان أن سقراطيس بشر مثله، فسقراطيس هو جزئي، وأن يرى بجسده، لأن الإنسان الكامل لا يرى بجسده بل بعقله، والعقل عندما يرى ويعرف الشيء الكلي، من الضروري أن يرى ويعرف الجزئي الذي ينضوي تحت الكلي، ولو كان يرى ذلك الجزئي بواسطة الجسد، لوجب أن ذلك الجسد الجزئي يرى بواسطة جسد آخر، والآخر بغيره، وهكذا إلى اللانهاية وهذا محال. فينتج إذاً أن النفس لا تعرف ما تعرف بواسطة الجسد، ولذا لا تبيد (تفنى) معرفتها بفناء الجسد.
البرهان الرابع: – نقول عندما تكون متحدة بالجسد تعرف ذاتها ضرورة، أما الجسد فهو آلتها وجميع الأشياء، فإذاً إما تعرف بواسطة الآلة الجسمية أو بدونها.
والافتراض الأول غير صحيح، لأن ذلك يؤدي إلى أنها تدرك آلتها بواسطة آلة أخرى إلى اللانهاية. فينتج إذاً أنها تدرك آلتها بدون آلة أخرى عندما تكون متحدة بالجسد. وهكذا عندما تنفصل تدرك آلتها وجميع ما تشابهها، فالنفس إذاً تدرك بعد انفصالها جميع المعارف الكلية والجزئية.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – الإنجيل ” ومات الغني ودفن، وعندما كان يعذب في الهاوية، رفع عينيه فرأى إبراهيم من بعيد والعازر في حضنه، فرفع صوته وقال” نقول لو لم تكن معرفة النفس محفوظة، كيف يرفع الغني عينيه ويقول، طالما قد تلاشت عيناه ولسانه؟
البرهان الثاني: – بطرس الرسول ” لأن المسيح مات مرة واحدة، الصديق لأجل الخطاة ليقربكم لله، ومات بالجسد وعاش بالروح، وكرز للنفوس المقيدة في الهاوية” فنقول إن الكرازة تكون للعارف ين والفاهمين لا للعادمين المعرفة والفهم.
البرهان الثالث: – أدى الرسول في تعليمه بالرها ” لا يبطل تفكير النفس ولا معرفتها، لأنها صورة الله غير المائتة”.
البرهان الرابع: – غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله عن دفنة قيساريوس أخيه ” إني أذعن لأقوال الفلاسفة، ونتأمل جيداً بالخير الذي سيخلد لها، لأن الذي كان يظلمها قد تطهر واستأصل، ولا أعلم ما يجب أن يقال، أنها اللذة العجيبة التي تتلذذ فيها النفس وترتقش”.
البرهان الخامس: – فيه أيضاً على دفنة أبيه “وأذعن ثانية، إذ لم يتركنا الراعي الصالح الذي وضع نفسه عن خرافه، بل هو قريب منا ويرعانا ويرشدنا دائماً، ويعرف خاصته وخاصته تعرفه”.
البرهان السادس: – غريغوريوس الأوبلي في مقاله عن القيامة ” أظهر اللهم قوتك، وقوِّ يا رب ما هيأت لنا” فالنفوس إذاً تتضرع وتتخشع إلى الله لتقبل آلة أجسادها التي صارت باجتهاد إناء حكمتها وخادمتها، وليست آلة أخرى غيرها.
الفصل الثاني
في رأي القائلين: إن النفس لا تدرك الأشياء
الجزئية لا عند وجودها بالجسد ولا بعد انفصالها منه، بل الأشياء الكلية فقط وغير الجسمية (المادية)
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: – يقولون إن جميع البشر يعرفون ضرورة أن الأشياء المرئية تدرك بواسطة العين لا الأذن أو شيء آخر.
الاعتراض الثاني: – يقولون إن التجارب الجوهرية تعلمنا، أنه عندما تضر في الحواس الظاهرة، وفي الباطنة أيضاً يتضح ذلك أنه عندما الجوف الأمامي للمخ يتأذى، يبطل التخيل ويضطرب، وكذلك يحدث للوسطى الذي هو العقل (الفكر) الورائي وهو التذكر، والنفس المجردة من هذه الأعضاء، من الضروري أن تتجرد من أفعالها في هذه الحياة وفي الأخرى.
الاعتراض الثالث: – يقولون لو كانت النفس الناطقة هي المدركة لهذه المحسوسات، والحيوانات البكماء أيضاً تدرك المحسوسات، لوجب ضرورة أن تكون لها أنفس ناطقة، وهذا محال، فالنفس الناطقة لا تشعر بالمحسوسات لا قبل انحلالها ولا بعده.
الاعتراض الرابع: – يقولون عندما ندرك الكرة، من الضرورة أن ترسم صورتها في فكر مدركها، والمحال من المستحيل وجود صورة الكرة إلا في مكان، والمكان هو الحد الداخلي للجسم الذي يحصر النفس الناطقة التي ليست جسماً، فلا يجب إذاً أن يكون فيها محل لصورة الكرة، وبالتالي لا تستطيع إدراكها.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول وإن كانت المرئيات تدرك بواسطة العين، والمسموعات بواسطة الأذن الخ. ولكن النفس بواسطة هذه المحسوسات مدركة من النفس، وتبقى معرفتها فيها إلى الأبد وإن تلاشت الآلات، كالذي يدخل إلى الجزيرة بواسطة السفينة، وقد دخلها منذ مدة بعيدة وإن لم تكن السفينة موجودة بعد، وهكذا كمن رأى البياض من مدة، فإنه يعرفها وإن أغمض عينيه.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول إن الكاتب إذا انكسرت خنصره، تقف كتابته، ولكن لا يجب القول إن الخنصر هو الكاتب لا الإنسان.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول لا يجب أن تكون للحيوانات نفوس ناطقة كما للإنسان، بكونها تشاركه في إدراك المحسوسات، فإن البياض والسواد يشاركان بعضهما في طبيعة اللون العامة، وليس من الضروري أن يكون السواد كالبياض شفافاً للنظر، ولأجل هذا لا تتولد نتيجة في الشكل الثاني من القضيتين الإيجابيتين.
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول لو كان إدراك الكرة يتولد بانطباع صورتها في المحل الخاص، لوجب ألا تدرك النفس الناطقة حتى الكرة الكلية والجسم الكلي، وواضح أنكم لا تقدرون إنكار ذلك.
الفصل الثالث
في أين وكيف توجد الأنفس الناطقة بعد الانحلال
من الأجساد
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في الكلام الموضح لهذه القضية
إن لفظة أين، عندما تدل على نسبة الجسم إلى محله، فمن التأدب أن نسأل عن النفس غير الجسمية التي لا يمكن أن تشغل حيزاً، أين تكون أي في أي مكان، وإن الذي يسأل عن أين، لا يقصد أنه يريد فهم مكانها، بل مع من تجول، فلا يحيد كثيراً عن جادة الحق في سؤاله، إذ نقول إن جميع الآباء القديسين سلموا بأن النفس عندما تنحل من الجسد، يقصدها الملائكة والشياطين للاستقبال، فتتبع الجانب الذي تنتسب إليه وتجول مع أصحابه حتى يوم القيامة، حيث تنال مع شريكها الجسد، إما التنعم الكامل أو العذاب الدائم. ولأنها بواسطة اتحادها بالجسد، حازت فيها الخواص الجسدية ملكة راسخة، فليس من العجب أن تطوف الأنفس البارة مع الملائكة في الفردوس الذي خرج منه آدم، وتتمتع باللذة المادية التي تقطفها من تجوالها. أما الأنفس الخاطئة فتشقى في الهوى الأرضية المظلمة مع الشياطين، ولأن هذه القضية ليست عقلية بل سماعية، فنؤيدها بالبراهين الكتابية فقط.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – القديس ديونيسيوس الأريوباغي في رسالته إلى ديموفليس المتعهد ” هؤلاء الأفاضل أبناء الوعد ورفقاء الملائكة ههنا وهناك، والوارثين معهم المنازل السعيدة في العالم الذي لا يزول ويكونون مع الله إلى الأبد، فهذه عظيمة وسامية أكثر من كل الخيرات. أما الآخرون فيسقطون من درجة السلام الإلهي الذي كان لهم، ويكونون مع الشياطين الوحشيين ههنا وبعد موتهم هناك.
البرهان الثاني: – غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله عن الفصح ” بواسطة الجسد الذي لم يصبه الفساد من الموت، فحليت ذاك كان ضابطاً سلطان الموت، وبواسطة النفس مهدت الطريق للص للدخول إلى الفردوس”.
البرهان الثالث: – القديس أثناسيوس في قصة الأب أنطونيوس ” لما كان الأب أنطونيوس مزمعاً أن يأكل خبزاً، قام ليصلي فرض الساعة التاسعة، فشعر أن عقله ارتفع إلى العلى، فظن أنه تجرد عن جسده، ورأى ذاته يرتفع في الهواء منتقلاً إلى الله، والملائكة الودعاء اللطفاء يمشون أمامه ويرافقونه، وعندما قطع مرحلة من سيره، رأى آخرين مضطربين وجسورين وهائجين ينظرون بحدة وبهول، انتصبوا أمامه في الهواء يمهدون له جسوراً ويمنعونه من العبور، وكانوا يقولون له، سنأخذك كمدين لنا بالأمور السيئة التي تخصنا، وعندما كانوا يوبخونه على أعماله السابقة لرهبنته، كانت تقول له الملائكة، لقد محا الله بنعمته جميع نقائصه بواسطة أعمال رهبنته، حينئذٍ هرب أولئك الشياطين وتبددوا كالدخان.
البرهان الرابع: – القديس أوغريس” إن النفس العابدة التي نجحت بنعمة الله، وانتقلت من الجسد، تصير في أمكنة المعرفة حيث توصلها إليها أجنحة عدم الآلام والأهواء.”
البرهان الخامس: – سويريوس في رسالته إلى توما الجرمانيقي ” بعد أن تطير النفس من الجسد بعد الانتقال من ههنا، تصادفها القوات الملائكية الصالحة وزمرات الشياطين الأشرار، لكي بحسب تأثيرات هذه الأفعال التي فعلتها، سواء كانت صالحة أم شريرة، يأخذها أما أولئك، أو هؤلاء إلى الأمكنة التي تستحقها لتحفظ حتى اليوم الأخير الذي نقوم فيه جميعنا، حيث نُحمَل إما إلى الحكم أو إلى الحياة الأبدية أو السلهبة النارية غير المنطفئة أو إلى الملكوت السماوي التي ليس لها انقضاء.
البرهان السادس: – مار يعقوب الرهاوي في مقاله على خلقة الإنسان ” النفس تنتقل إما إلى أنفس الأبرار أو إلى أنفس الأثمة مع أجواق الشياطين المتمردة. كل نفس كالقضاء الذي يصدر عليها من الله حتى يأتي زمان قيامة كل الجنس البشري، والحكم والجزاء العادل الذي يتحتم على كل فرد بحسب أعماله.
الفصل الرابع
في أن اللذات الروحانية التي تكون للنفس بعد الانفصال الأسمى جداً وأعظم من اللذات الجسدية
والشهوات المادية
وفيه مقصد واحد
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
المقدمة: – إن كثيرين من أبناء العالم، لاسيما غير المؤدبين، يظنون بوجود اللذة ولكنها مادية، ويقرون بالسعادة والتنعم، ولكنه جسمي، ولذا لا يصلون ولا يصومون ولا يتصوفون ولا يتضرعون إلى الله إلا لكيلا ينقصهم شيء من الشهوات كالأكل والشرب والزواج الخ، من هذا العالم وفي الآخر، وهذا الظن بعيد جداً عن جادة الحقيقة، وتليق هذه الأمور بمن يطيش عقله ويتيه فكره، وهذه البراهين الآتية كافية للتأييد.
البرهان الأول: – نقول لو كانت هذه اللذات الأصلية مادية، لوجب أن الجمل الذي يأكل بأصناف أكثر من الإنسان، والذئب يستطيع الانتقام والمضرة أكثر منه، والعصفور الذي يستعمل الزواج أكثر منه، وكلها أفضل وأسمى من الإنسان، ولما كان الأمر ليس كذلك، بل هي (الحيوانات) أكثر حقارة، وتُستعبَد للإنسان، فيظهر أن السعادة ليست باللذات الجسدية، بل بالأخرى غير الهيولية.
البرهان الثاني: – نقول لو كانت المآكل والمشروبات والزواج مكملة للإنسان، لوجب بقدر ما يستعملها الإنسان يزداد كمالاً، والحال ليس كذلك، لأننا نرى جميع الذين صرفوا أيامهم بهذه الأمور، وتشبهوا بالبهائم أكثر من الناس، سقطوا سقوطاً عظيماً من درجات الفكر الذي هو قوة الإنسانية الأولى.
البرهان الثالث: – نقول لو كانت هذه اللذات الأساسية محسوسة، لوجب أن يكون الإنسان أحقر وأكثر نقصاناً من الحيوانات البكماء، لأن للإنسان قوة منعته وهي العقل الذي يزجر ويبعد دائماً عن التطفل، إما بواسطة الخجل، أو بالخوف من العقاب العالمي والأبدي. والحيوانات مجردة من هذا المانع، ولذا يجب أن تكون أفضل من الإنسان وإن كانت أحقر منه، حتى في ملذاتها الحقيرة والممقوتة.
اعتراض: – يقولون إن هذه اللذات الحقيقية هي مادية، وكما إن الإنسان أفضل من الحيوانات، كذلك لذاته أفضل من هذه، وهناك شبه لطعامه وشرابه واضطجاعه ومنامه بتلك.
الرد : – نقول إن كل إنسان يقطف لذته بالنسبة إلى طبعه، ولهذا لا تقل اللذة التي تنالها الخنفساء من رائحة الزبل عن التي يستمدها الإنسان من رائحة الورد، وكذلك ربما لا تقل اللذة التي تنالها الخيل من العشب الربيعي عن التي ينالها الإنسان من الأطعمة المتنوعة، وهكذا الريش والشعر الجديد الذي تكتسي به الحيوانات والطيور عندما تنشر وتطرح عنها العتيق، وربما لا يقل تمتعها فيها من تمتع الإنسان في أكسيته، ومن هنا يتضح أن في نوع اللذة عينه يتساوى الناس والحيوانات، لا سيما فهم الحيوانات لها أكثر من الإنسان، ولذا يجب أن يكون الإنسان نوع آخر للذة عدا هذه، بالنسبة إلى استحقاق فضيلته.
البرهان الرابع: – نقول إن هذه اللذات الجسدية، ليست لذات حقيقية، بل أسباب مهيجة للأهواء فقط، وذلك واضح من أن كلما اشتد الألم بسبب الجوع، تشتد بالأكثر اللذة (الرغبة) للأكل، وهكذا بقدر ما يشتد الألم من تجرد (العري) تشتد الرغبة في الكساء، وهكذا بقدر ما تقوى أعضاء النسل من كثرة المادة وشدتها، بقدر ما تشتد الرغبة (الشهوة) في إفراغها بفعل الزوج، ولما كانت كهذه الأنواع ليست لذات أصلية، لأنه لولا هذه الأهواء والرموز المريحة منها، كيف تزول الآلام والضيقات والحسرات التي تتطلب لمثل هذه اللذات، فاللذة البشرية هي غير هذه ولا تشبهها، لأنها أسمى منها، وتُنال بالعقل والحواس، لأن المعرفة تليق بالنسبة إلى جمال المعرفة.
البرهان الخامس: – نقول إن المعرفة الضرورية تشهد، بأن فرح الملائكة باحتجابها، أسمى جداً من فرح البهائم في علفها وبطونها، وواضح أنه ليس للملائكة لذة حسية، فلو لم تكن هناك لذة غير هذه الحسية، لوجدت الحيوانات البكماء أكمل بكثير من الملائكة وهذا محال. فالإنسان بما إنه وسيط بين الملائكة والحيوانات، يجب أن تكون لذته أسمى من الحيوانات وأقل من الملائكة.
البرهان السادس: – نقول إن الذين يقولون ليس لذة غير هذه المادية، فعندما نرى إنساناً يحتقرها ويزهد عنها، ويلوذ بالطهر والقداسة، نعطيه الطوبى ونعظمه، ونكنيه بالملاك البشري، ولو لم تكن لذة غير هذه المادية، لوجب أن نبكيه ونتحسر عليه، كمن قد حرم هذه اللذة من نفسه، ولم ينل الأخرى، والحال ليس كذلك، ويشير إلى هذا القصد الرسول الإلهي بولس بقوله ” لو نبشر بالمسيح في هذه الحياة فقط، لكنا أشقى من جميع الناس”.
البرهان السابع: – نقول لو كانت هذه اللذات الجسدية أسمى وأفضل، لوجب أن يفتخر بها كثيراً الذي يحوزها كاملة، والحال ليس كذلك، إذ لم يفتخر أحد من العقلاء بأنه أكل وشرب وتزوج كثيراً، بالعكس يخزى بها فاعلوها بالأكثر، ويبان ذلك من أنها تشير إلى الألفاظ المعيرة، كالجشع والشراهة والعهارة والغضب، ومن أن الإنسان لا يخطب له خطيبة أمام جميع الناس، وإن لم يمنع الناموس من خطبتها، ولو لم تكن هذه الشهوات كلها حقيرة ومرذولة ومبغضة ونتنة، لما أنكرت هكذا واخفيت وحثت سرياً وبالخفاء.
البرهان الثامن: – نقول إن الساكنين في أقاصي المسكونة، كالزنوج والذين في الإقليم الأول، والأقزام الذين في البلاد الآلآنية في الإقليم السابع، فلضعف قوتهم المنحلة وحقارتهم، هم أذلاء وعبيد لكل الناس، ولا يصلحون إلا للعبودية فقط، وإن لم يكونوا حقيرين بسبب أكلهم وشربهم وزواجهم ونعمهم، فإن سكان الإقليم الرابع رغم أنهم حكماء وعقلاء وودعاء وبسطاء، وفضلاء، فهم يشقون أكثر من كل إنسان وهذا ما يدل على كمال الإنسان يصير في المعارف الحقيقية والأعمال الفاضلة، وليس في الشهوات الجسدية.
البرهان التاسع: – لو لم يكن نوع آخر للذة عدا لذة الأكل والشرب والزواج، لما وجب على الذي يهتم في لعبة الشطرنج أن يصيبر على الجوع والعطش، والأمور الضرورية الأخرى، كما يحدث مراراً كثيرة لكثيرين، ولما كانت اللذة التي من الأكل والشرب والزواج، ليست شيئاً بالنسبة إلى اللذة المكتسبة من معرفة الجواهر الملائكية والثالوث الأقدس الكلية النور، فتلك تذوب كالشمع أمام النار وتتذرى في الفضاء كالهشيم أمام الريح.
البرهان العاشر: – نقول لو لم تكن هناك لذة أخرى، غير من هذه التي في الذوق والحس، كيف يحتما الكلب ألم الجوع، بينما يوصل الصيد إلى صاحبه سالماً، والحمامة تشتاق أمام صغارها إلى الغداء الذي أكلته من مدة طويلة، وغيرها من الحيوانات التي تضرب حتى بالسهام في سبيل إنقاذ صغارها من الضيقات القاسية، دون أن تهرب، وكذلك الصيادون الذين لا يخذلون أنفسهم ولا يرجعون القهقرى لأجل أن يمدحوا من الناس ولا يذموا، ويعرضون أنفسهم للموت، فإذا كانت هذه اللذات الوهمية التي تغلب في هؤلاء جميعهم لأجل الأكل أو الحس، كيف يجب أن نفكر في اللذات العقلية الأساسية (الحقيقية).
اعتراض: – يقولون لو كانت اللذات العقلية أقوى من الحسية، كيف نتلذذ (نتمتع) بالثياب التي نلبسها والطعام الذي نتناوله والأمور الأخرى التي نفعلها؟ أكثر من فهمنا معظم المعارف، حتى إننا نتألم إذا حرمنا لذة محسوسة، ولا نعبأ بمعرفة العلوم الكثيرة التي لا نعرفها؟
الرد: – نقول إن عدم الإدراك هذا الذي يحدث للنفس باللذة العقلية والأذى، فهو بسبب الجسد المانع، فالمصاب بمرض قاسي مر، ينفر من كثرة المآكل الشهية والحلوة ويحسبها مرة، كما قال أحد الحكماء شعرياً، كيف يقول الذي يذوق الشهد أنه مر، لو لم يكن فمه مر وسيء المزاج.
ܕܡܪܝܪ ܕܒܫܐ ܐܝܟܢ ܢܐܡܪ ܐܝܢܐ ܕܛܥܡܗ ܐܢ ܡܪܬܢܐ ܒܝܫ ܡܘܙܓܐ ܠܐ ܢܗܐ ܦܘܡܗ
وكذلك الأجرب، فإن أعضاءه تتناثر دون أن يشعر، وكذلك المتخدر (المتنمل) لا يستطيع أن يحيد أو يميل عن النار. وكما إن أمزجة كهذه الأمراض عندما تصيب الإنسان، يقع الإحساس في هذه اللذات والأهواء، كذلك عندما تنقشع سحابة الجسد، تدرك النفس حينئذٍ لذاتها العقلية وأهواءها ويؤيد أوغريس أن عدم المعرفة هو مرض النفس بقوله: إن غنى النفس هو معرفة الروح وفقرها عدمها، فإذا كان عدم المعرفة هو حرمان المعرفة، فيتضح إذاً أن الغنى يسبق الفقر، وصحة النفس تسبق المرض.
الباب الثامن
في الرؤى والأحلام التي تراها النفس الناطقة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في الأحلام
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في الأحلام الكاذبة وأسبابها
نقول أولاً إن لمعرفة القوة المتخيلة الحالة في منتصف المخ عملاً طبيعياً به تدرك الصور مع بعضها وتفسرها، ويقوي تأثيره عند النوم كثيراً، لأن القوى الداخلية تُساعَد من العمل الخارجي، وهذه الأحلام المتولدة من تركيبات العمل وأصوله، أحياناً تكون صادقة وأخرى كاذبة وللكاذبة أربعة أسباب:
الأول – عندما يشعر الإنسان بالشيء المحسوس في يقظته، وتبقى صورته منطبعة في لوحة التخيل، فعندما ينام تلك التي تدعى صورة يجتاز التخيل إلى الحس المشارك الخيال فيحس به. الثاني – تلك القوة المفكرة عندما تركب شكلاً بصورة الأشياء النهارية، فذلك الشكل يصوّر في التخيل، ويجتاز أثناء النوم إلى الخيال ويحس به.
الثالث – عندما يحتجب مزاج الروح الحاملة للقوة المتخيلة، تحتجب أفعالها أيضاً، فإذا غلبت فيها الحرارة، يرى الإنسان نيراناً وبراكين وأتون وسلاهب مضطرمة، وإذا غلبت البرودة، فيرى ثلجاً وجليداً وبرداً وميازيب، وإذا كان متألماً بالكفاية، فيرى ركاماً من الأوساخ فوقه، أو أن يرى نفسه في تفكير بمن يريدون أن يغطسوه في الماء.
الرابع – في الفعل المضاد لمعظم الذين يحاولون الاضلال في الأحلام، ويستطيع الإنسان أن يعرف كل من هذه الأنواع من السلوك السابق، والجزم على غير الحقيقي منها.
المقصد الثاني
في الأحلام الحقيقية
نقول إن جميع الأشياء التي حدثت وتحدث وستحدث معروفة عند الله له المجد، وجميع الأشياء التي حدثت وتحدث معروفة عند الملائكة، وبعض الأشياء التي صارت وتصير معروفة عند النفوس الناطقة التي انفصلت من أجسادها، والنفوس التي لم تنتقل لها قوة في طبيعة الانتساب والاقتراب إلى الله له المجد وإلى الأنفس رفيقاتها، فتمنع من الانتساب الدائم كهذا بسبب الارتباط الجسدي، فإذاً عندما يحدث للنفس سكينة قليلة، إذا لم تكن مسبية ومنجرفة للأهواء الجسدية، تقرب حالاً عند ذاتها الجواهر الروحية، فتنخرط بأجواقها وترتسم بصورها، وتنطبع فيها تلك المعارف المنتسبة لها ولجسدها، وفيها تهجس باليقظة، كرئيس السقاة الذي رأى نفسه يعصر العنقود في كأس فرعون، والخباز الذي تخيل ذاته حاملاً سلة، وذلك الأب المجازي، الذي قيل له قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وأمور أخرى غيرها، ولأن لتلك القوة المتخيلة طبيعة تشبه المعاني (الرموز) بالأفعال، فإذاً ذلك التشبيه إذا كان كاملاً، لا يحتاج الحلم إلى تفسير، لأن الذي يراه يعاين معنى الأشياء كما هي، وكما ستصير، وإذا لم يكن كاملاً إلا بعض الشيء كما يرى في الصورة ما يضادها بسبب التشبيه الجنسي الموجود بينهما، أو أن يُرى التابع في محل المتبوع، والأول كالبكاء الذي يستحيل بالتعزية، والثاني كالثيران الثمينة المشيرة إلى سني الجوع، فهذا يحتاج إلى تفسير ضرورة، والتفسير هو معرفة التشابه بين الصور المتخيلة للمعاني العقلية.
الفصل الثاني
في المكاشفات (الأوحية)
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في المكاشفات الكاذبة وأسبابها
نقول إن الأسباب الأربعة التي ذكرناها للأحلام الكاذبة هي ذاتها تصدق على المكاشفات الكاذبة.
الأول – عندما ينشغل الحس الخارجي في المرئيات والمسموعات والمستنشقات والمستذوقات والملموسات القوية جداً، وإن زالت تلك المحسوسات، فصورتها تبقى في التخيل، وتعتبر من التخيل إلى المخيلة، فيحس بها جهاراً كأنها بالفعل، وهذه تحدث كثيراً للذين يحدقون باعتناء في القمر، فيرون أقماراً كثيرة في كل مكان، وكذلك الذين يسمعون ألحاناً قيثارية ونغمات كنارية زمناً طويلاً، فإن سكنت أصوات تلك القيثارات والكنارات، فسامع تلك الألحان يسمعها دائماً كأنها توقع أمامه، وهكذا الأمور الأخرى.
الثاني – يحدث للذين يسيرون طويلاً في البراري المقفرة والطرق الصادية، إذ تنشغل مخيلتهم بالتفكير.
الثالث – يحدث للمتوحدين الساكنين في العزلة.
المقصد الثاني
في المكاشفات الحقيقية وأسبابها
نقول إن النفس الناطقة لما كانت أشد مراساً في قواها النظرية، كيف لا تستطيع الهموم العالمية أن تمنعها من الخدمة داخل الستر الروحانية، وبسهولة تستطيع أن تكبت إحساسها وتكون بعيدة عن العالم والجسد، وهذا هو النوع الذي يحدث أثناء النوم كما قلنا للمهتمين في الأمور الجسدية، ويحدث في اليقظة للكاملين النفس القوية كما قلنا أيضاً، فيتعلمون معاني الأشياء التي حدثت، والحادثة والتي ستحدث من العالم المعنوي، وهذه المعاني عندما ترسم في لوحة التخيل تدرك محسوسة. فالمشابهة الكائنة بين المعاني والأشياء كاملة، وتلك المكاشفة لا تحتاج إلى تفسير كسائر المكاشفات التي كانت تظهر لموسى، وتشير جهاراً إلى الأشياء كما كان يقال له، اذهب إلى فرعون وقل له كذا وكذا. ولم يكن يُتَكَلَّم معه بالرموز. كما جاء في سفر الأعمال “إن ملاك الرب تكلم مع فيلبس وقال له، قم اذهب إلى التيمن (الجنوب) في طريق البرية النازلة من أورشليم إلى غزة” وأشياء كثيرة كهذه، فلو لم تكن كاملة، لاحتاجت تلك المكاشفة إلى تفسير كرؤى حزقيال ودانيال، إن الحيوان الفلاني يشير إلى المملكة الفلانية، وغيرها من الأمور التي تشبهها.
الفصل الثالث
في أنفس الأنبياء والرسل والآباء الكاملة
وفيه أربعة مقاصد
المقصد الأول
في كيفية احتياج البشر إلى الأنبياء والرسل
وهذه لسببين
السبب الأول: – نقول إن كمال الإنسان ليس شيئاً آخر إلا معرفته الحقيقة لأجل ذاته، والخير لأجل عمله، والنوع الأول يتم بواسطة تكميل القوة النظرية كالشيء الذي يكون ذا قابلية لترسم فيه جميع صور الموجودات كما هي، أي أن يعرف كل موجود كما هو، والغير الموجود أيضاً. والنوع الثاني يتم بواسطة اشتداد القوة الفاعلية، كالذي يستطيع غض النظر عن هذا العالم وشهواته الزائلة، وأن يعيش روحانياً بقدر ما يمكن للجسديين، ويتلذذ باللذات المعنوية الباقية، ولأن الإنسان غير قادر أن يهتدي بذاته لمثل هذه الأمور، فاحتاج ضرورة إلى هادٍ وهو إما نبي أو رسول أو رجل كامل ومعلم للحق من الآباء.
السبب الثاني: – نقول إن بعض الناس ناقصون في كلا القوتين النفسيتين النظرية والعملية، وبعضهم كاملون بكلتيهما، وبعضهم متوسطون، وواضح أن الناقصين والمتوسطين يكلمون بواسطة الكاملين وهم الأنبياء والرسل والآباء، ولا يفرغ العالم من إنسانٍ كهؤلاء وذلك واضح من أمرين: الأول – لأننا نرى اختلافاً كبيراً بين الناس في معرفتهم وأعمالهم، حتى إننا نرى فرداً منهم خالياً من المعرفة ومسبياً بالشهوة، ولا يمتاز عن الثور أو الحمار إلا في الشكل الخارجي، وآخر له هذه الأمور وسطية، وآخرين أكثر سمواً، ومن الضرورة أن يكون بينهم إنسان قطع مرحلة الفضيلة النظرية والعملية، وهو إما النبي أو الرسول أو الأب الروحاني الذي بواسطته وعلى يده يكمل الآخرون.
الثاني – إننا نعلم أن الجسم جنس وله ثلاثة أنواع، ونعلم أيضاً أن الحيوان تفضل في هذه الأنواع، وفي الحيوان يفضل الإنسان وحده أكثر من سائر الحيوانات كالحصان والأسد والثور، ولأن قبائل مختلفة تنضوي تحت اسم الإنسان، كالأحباش والهنود واليونان والرومان والبرابرة والالانيين والهونيين، وواضح أن الذين يعيشون في الإقليم الرابع، هم أفضل من الجميع، ولأن الذين في هذا الإقليم ينافسون بعضهم بالفضائل، فمن الضروري أن يوجد بين جميع الناس رجل كامل أكثر من الكل، يكفي أن يكمل الآخرين وهو الهادي الحقيقي.
المقصد الثاني
في أنه بأي شيء يهدي (يرشد) الأنبياء والرسل والآباء
نقول اثنان هما مرضا النفوس، الأول هو الابتعاد من الله والإلهيات، والثاني التقرب من المادة والماديات، ولما كان الأنبياء والرسل والآباء أطباء النفوس، فهم يعالجون البشر من هذه الآلام والأهواء، وهذا الإرشاد يكون له حينئذً كاملاً، حيث تستطيع نفوسهم أن ترجع النفوس الأخرى من المادة والماديات إلى الله والإلهيات، وطالما هذا هو هدف عملهم، فمن الكماليات تكون معرفتهم للفنون والأعمال الأخرى كالطب والهندسة والحساب وبقية المعلومات التي لا تتدخل في هدفهم، بل تشغلهم بالأكثر وتمنعهم من التفرغ في هذه الأهداف الإلهية بكمال.
المقصد الثالث
في خواص أنفس الأنبياء والرسل والآباء الكاملين
والملافنة المتبحرين
وهي أربع
الخاصة الأولى: – إن نفس النبي أو الرسول أو أحد الكاملين عندما تستنير بالأشعة الإلهية، وتتوهج بالأضواء السماوية، تقوى جداً وتستنير دون مادتها، وتتسلط في هذا عالم التكوين والفساد، وتطيعها العناصر، وتأتلف معها الحيوانات الضارية والكاسرة، كالأسد والذئاب والدببة الخ. وهكذا تجترح عجائب باهرة فائقة العادة، تشهد للقوة القادرة التي مُنحتها من الله.
الخاصة الثانية: – يجب أن تكون نفس كل من هؤلاء الكاملين متميزة عن بقية الأنفس الأخرى بالكمال في النظريات والأفعال، والكمية والأينية، فبالكمية، لأنها يجب أن تعرف النظريات الإلهية الكثيرة، والأينية، لأنها يجب أن تكون معرفة أساسية حقة بعيدة عن الغش والمجاز وما إليه.
الخاصة الثالثة: – إن الأشعة التي تشرق على أنفس الكاملين، تعكس بعضها على أنفس الذين يذعنون لتعاليمهم، ويستنيرون بها، كقولنا مثلاً الأشعة التي تنعكس من الشمس على المرآة أو على المياه الصافية أو الأجسام الصقلية الأخرى، ومنها تنعكس على الجدران التي مقابلها، فالشمس هي الله له المجد، والملائكة والمرآة هم الكاملون، والجدران هي الذين يتتلمذون لهم.
الخاصة الرابعة: – وهؤلاء الأنبياء والرسل والآباء، لما كانت سعادتهم الكاملة من الله، فجميع الذين يتبعونهم، يشتركون بسعادتهم، ويكملون منهم وبواسطتهم.
المقصد الرابع
في الآراء التي تولدت للناس عن العجائب التي
تحدث على يد الكاملين
رأيان فقط تولدا عند الناس عن هذا المقصد، الأول – هو رأي المتمسكين بالناموس الإلهي والأنبياء، ويعرفون أن جميع العجائب يفعلها الله على يد الذين يشاء بهم، ويتفق بهذا الرأي اليهود والمسيحيون والمسلمون. الثاني – هو رأي الفلاسفة الخارجيين، وهؤلاء يقسمون العجائب إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: مقدرة الكاملين للامتناع عن الطعام، أي أن يصوموا مدة طويلة.
النوع الثاني: أن يعملوا وهم ضعفاء أعمال أشد قوة ومراساً.
النوع الثالث: أن يسبقوا فيعرفون المستقبلات ويشيرون إليها.
النوع الرابع: أن يستعبدوا العناصر والحيوانات الكاسرة، ويؤيدون النوع الأول بقولهم، إن الإنسان عندما يمرض مرضاً حاراً، يبقى مدة طويلة بدون طعام، بسبب تلك الحرارة الطبيعية في دحض ذلك المرض المؤلم (المزعج)، ولذا لا يحتاج إلى الطعام. وهكذا الإنسان الكامل عندما تنشغل نفسه في تذكر النظريات الإلهية، تنجذب معه الحرارة الطبيعية، ويبقى هكذا زمناً طويلاً لا يحتاج إلى طعام. ويؤيدون النوع الثاني بقولهم إننا نرى مراراً كثيرة عندما يغضب الإنسان” أو يعمل عملاً واحداً فوق طاقته، أو عندما يخاف أو يرتعد ويتضايق، يهمل قوته كلياً، فهذا الرجل الكامل عندما يغوص في الفرح الإلهي يغرق في بحر، لا عجب إذا فعل أعمالاً فوق طاقته. أو يسير مسير عشرة أيام في يوم واحد، ويؤيدون النوع الثالث بقولهم، لا يوجد إنسان لم يجرب مراراً كثيرة بنفسه أثناء النوم أن يرى أحلاماً لا تتميز عن النبوة الحقيقية، وسبب ذلك إن النفس عندما تهدأ وقت النوم من الهواجس العالمية، تتحد بعالم الروحانيين وتُستشار منها عن الأمور المستقبلية. فإذاً ليس من العجب أن تنال نفس الكامل في اليقظة بسبب كمالها ما تناله أنفس الآخرين أثناء النوم. ويؤيدون النوع الرابع بقولهم، إننا نرى الأفكار التي فينا تغير أجسادنا، فليس من العجب إذاً أن أفكار الكاملين تبدل أجسام العناصر والحيوانات البكماء، وتخضعها لإرادتها، كما تخضع أفكارنا لأجسامنا، ونقول أيضاً إن الأعمال الفائقة العادة، أي العجائب تحدث في هذا العالم من ثلاثة أسباب:
الأول- إن النفس الناطقة تحصل بطبيعتها خاصية فعل العجائب الصالحة والمفيدة إذا كانت نفس النبي، أو الشريرة والمضرة إذا كانت نفس الساحر.
الثاني – العجائب التي تفعل بتوسط القوى العنصرية، كجذب المغناطيس للحديد.
الثالث – العجائب التي تحدث بتوسط القوى الفلكية كالطلاسم.