دائرة الدراسات السريانية

الركن الثالث

Table of Contents

الركن الثالث

في اللاهوت النظري

وفيه عشرة أبواب

     الباب الأول

في إثبات وجود الله الواجب الوجود

فيه فصلان

 

الفصل الأول

وفيه مقصد واحد يحوي البراهين العقلية

البرهان الأول: كل موجود إذا كان لا يتلاشى من طبعه هو واجب الوجود وهو الخالق. وإذا كان متلاشيا من طبعه فيكون مساويا ضرورة للأشياء التي تساويه بالوجود والعدم، وكل ما كان كذلك يحتاج الى مرجح الوجود في وجوده، وهذا المرجح ايضا إذا كان ممكنا يحتاج الى مرجع آخر، وهكذا نصل الى التسلسل وهذا محال. إذن نحتاج الى مرجح واحد فقط واجب الوجود وهذا هو الخالق الله.

البرهان الثاني: كل الاجسام تتساوى بالجسمية ضرورة، وإلا لوجب أن يكون جسم أكثر جسمية من جسم آخر وهذا محال، ولما كانت متساوية فمن الضرورة أن ينسب كل نوع الى نوع آخر، ولا يمكن ان تنسب إلى بعضها بوجودها فقط فتحتاج إذن هذه الاجسام الى مكون، وهذا المكون إذا كان جسما يحتاج الى مكون آخر، ومن الضرورة يجب أن نصل إلى مكون خارج من الاجسام غير جسم منح الأجسام الوجود بعد العدم وهذا هو الله

البرهان الثالث: العالم له بداية كما برهنا سابقا، وكل ما كان له بداية يوجد بعد أن لم يكن موجودا، وكل ما كان كذلك لا يكون موجودا من طبعه وإلا لكان معدوما وموجودا في آن واحد، وهذا محال. يحتاج إذا إلى مكون آخر، وهذا ايضا إذا ساواه في الوجود يحتاج الى آخر، وهكذا حتى نبلغ ضرورة إلى مكون أزلي وهذا هو الله.

البرهان الرابع: يقول الأطباء أن القوة الحيوية الكامنة في الجسم الحي تنتزع جزءا من الغذاء وتسكب فيه دماء مولِّدة وتَحفظ هناك متكونة دما مولِّدا. يقول غيرهم، إن الحرارة الشهوية عندما تضطرم في الجسم تنتزع من كل عضو منه جزءا وتخزنه في القوى المولِّدة ليكون هناك مؤونة للتوليد، وحسب الرأي الأول يجب أن يكون هذا الدم اجزاء حيوية من طبعه أي يكون بسيطا.

وحسب الرأي الثاني لا يمكن أن يكون الدم أجزاء، لأنه إذا كان هذا الدم أجزاء يكون مكونه إما الطبيعة ذاتها كما يقول الأطباء، أو قوة خارجية تأتيه من أحد الأجرام السماوية كما يقول الفلاسفة، وكان يجب أن يتجسم الجسم بشكل كروي أعني بشكل طبيعي متأت من الكائنات البسيطة. وإن لم يكن الدم أجزاء. فمن الضرورة أن يكون كل جزء شبيها بالأجزاء. لأنه والحالة هذه يكون مركبا من البسيط وهذا نستبعده، وهكذا كان يجب أن يُركَّب كل عضو من أعضاء الجسم من أجزاء كروية، هذا إذا كان مكونه قوة خارجية من أحد الأجرام السماوية وهذا محال. يبقى إذن، إن الخالق والمكون والإله ليس قوة هيولية ولا قوة هابطة من أحد الاجرام عاملة بدون تفكير أو شعور، بل تكون طبيعة واجب الوجود تعمل بتعقل وإرادة، وقد أوجدت كل الكائنات من العدم، وهي تمنح للممكنات وجودها. كما أنها تحفظ في الوجود حسب مشيئتها الاشياء الموجودة. وقد اشار النبي اشعياء إلى ذلك بقوله: “الرب الذي خلقك وجبلك في الرحم وعضدك” (اش44: 2).

الفصل الثاني

الاعتراضات على وجود الله وفيه بحثان

البحث الأول

اعتراضات المضادين

الاعتراض الأول: – لو كان الخالق من الكائنات الموجودة لشاركها بالوجود لأنه موجود، وانفصل عنها بخاصة ازلية، وكل ما كان كذلك يكون مركبا من الجنس والفصل ولا يكون بسيطا، فالخالق إذن – إذا كان موجودا هو مركب، ولما كان وجوده بالغا إلى هذا المحال لا يكون موجودا إذن.

الاعتراض الثاني: – لو كان هذا العالم مفتقرا إلى خالق. أو يفتقر عليه وهو موجود أو وهو معدوم والأول غير صحيح لأنه يؤدي إلى خلقة ما هو موجود. والثاني أيضا ليس صحيحاً، لأن المعدوم كيف نقول عنه أنه يحتاج إلى كذا وكذا، فالحاجة تفترض الوجود. ولهذا لا يمكن إسناد هذه الحاجة إلى شيء غير موجود. فالعالم إذن وجوده طبيعي وأصلي من ذاته وليس من مكون آخر.

الاعتراض الثالث: – لو كان لهذا العالم خالق، إما أن يكون قد خلق طبيعته أو وجود طبيعته، والأول غير صحيح، لأن السواد لو نال لون بواسطة الخالق والصانع كان يجب أن يبتعد عنه سواده إذا ابتعد عنه صانعه. فنقول ابتعد السواد عن السواد، وهذا محال. لأن السواد هو سواد دائماً سواء إذا كان الصانع موجوداً أو غير موجود. والافتراض الثاني أيضاً ليس صحيحاً لأنه كان يجب حينئذ إذا ابتعد الخالق أن يبتعد الوجود أيضاً وهذا محال. لأن الوجود هو وجود سواء إذا كان الصانع أو لا يكون. فالعالم إذن لا يحتاج إلى صانع لا في كيانه ولا في وجوده.

الاعتراض الرابع: – لو كان إمكان الوجود محتاجاً في الممكن إلى علة موجدة، كان يجب أن يفتقر إمكان العدم الى علة موجدة ايضا وهذا محال، لأن العدم وهو ليس شيئا كيف تَنسب إليه الحاجة وإذا كانت هذه غير ممكنة أي إمكانية الوجود تفتقر في الممكن إلى موجد يوجدها.

الاعتراض الخامس: – لو كان إمكان وجود محتاجاً إلى موجد في الممكن لوجب أن يحتاج إلى موجد بعد صيرورته ممكنا، لأن صيرورته ممكنا لا تخرجه من حيز الإمكان بل يبقى في حيز الإمكان (بالقوة) فالممكن إذا حتى إذا وّجِد لا يحتاج إلى موجد.

الاعتراض السادس: – إن الصور والاعتراض الوقتية في هذا العالم لو وجدت بواسطة علة حقيقية. يكون موجدها إما أزليا وإما ذا بداية، ولا يمكن أن يكون أزلياً، لأنه لو كان أزلياً، إما أنه محتاجا في خلقتها إلى علة ذات بداية لأنها هي أيضا ذات بداية أو لا يكون محتاجا، والافتراض الأول ليس صحيحا، لأنه يقال حينئذ إن العلة ذات البداية إما أن تحتاج الى علة اخرى ذات بداية في وجودها أو لا تحتاج، وإذا كانت محتاجة الى علة اخرى تكون ذات بداية لا محالة. وتلك ايضا تحتاج إلى علة أخرى، وهكذا تمضي في التسلسل إلى اللانهاية وهذا محال، والافتراض الثاني ايضا ليس صحيحا، لأن وجود الاشياء الزمنية توجد محتاجة إلى أزمنة أخرى بدون علة موجدة وهذا محال، ولا يمكن أن يكون خالق الكائنات التي لها بداية ذا بداية، لأنه هو ايضا يحتاج إلى موجد آخر ذي بداية وذلك أيضاً يحتاج إلى آخر. وهكذا حتى اللانهاية. ولما كانت هذه الكائنات التي لها بداية لم تتأت لا من موجد أزلي ولا من موجد ذي بداية. تكون إذن بدون موجد. ولما كان هذا العالم كله مثلها، لأنه ذو بداية أيضاً، فلا تحتاج إلى موجد.

الاعتراض السابع: – كل الأعمال ذات البداية المتكونة في هذا الزمان إذا كانت غير محتاجة إلى خالق ذلك ما نطلبه. لأننا نقول إن العالم بكليته وهو ذو بداية لا يحتاج إلى موجد. ولو كانت محتاجة إلى موجد، إما أن يكون ذا بداية أو أزلياً. والافتراض الأول ليس صحيحاً لأنه هو أيضاً يحتاج إلى موجد آخر ذي بداية وذلك أيضاً يحتاج إلى آخر، وهكذا حتى اللانهاية وذلك محال. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح لأن هذا الموجد أزلي، فقبل وجود الشيء الذي له بداية لم يكن موجداً فتكون صفة كموجد ذات بداية، ومن هنا يحتاج إلى موجد آخر ذي بداية، وهذا إلى آخر حتى نبلغ اللانهاية وهذا محال. ولما كان موجد العالم لا أزلياً ولا ذا بداية ليس شيئاً إذاً، لأن كل موجود إما أن يكون أزلياً أو ذا بداية.

البحث الثاني

حل الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: – إن الخالق الواجب الوجود لا تشارك أزليته وجود الممكنات فيتأتى من ذلك تركبيه من جنس وفصل كما قلتم، لأن جنسه وجنس الممكنات لو كان الأزلية لَنُسب الوجود إليه وإليها على السواء، وليس الأمر كذلك لأن الوجود يُنسب إليه منذ القدم وأصلياً. وأما على الممكنات فينسب إليها الوجود مؤخراً، وليس أصلياً. وهذا ضد جنسه. لأن الإنسان ليس بكليته حيواناً (بل هو مركب من طبيعة حيوانية وطبيعة أخرى ناطقة عاقلة) أما الثور فكله حيوان، فواجب الوجود إذن هو موجود أصلاً، لأن هذا الوجود هو له من طبعه، وأما الممكنات فوجودها عرضي، لأن هذا الوجود ليس من طبعها، بل هو متأتياً من واجب وجود أول السامي بأزليته.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن العالم احتاج إلى خالق عند تكونيه لا قبل ذلك ولا بعده، ولذلك لا تنطبق عليه براهينكم.

الرد على الاعتراض الثالث:– لو كان اعتراضكم الثالث صحيحا لما رأينا في هذا العالم عملا ما، لأننا نقول إن المبدع إما أن يعمل كيانه أو عمله، وكلاهما باطلان، فينتج عدم القيام باي عمل. ولكننا نرى ضرورة ونعرف اعمالا كثيرة لا حد لها قد كونت، فاعتراضكم إذن باطل من أساسه.

الرد على الاعتراض الرابع: -إن الإمكان الثلاثي لا يحتاج إلى علة فاعلة، لكن إلى عدم علة إمكانية أزلية كما هو معلوم، إن علة العدم هي عدم العلة، ولذلك يكون برهانكم ساقطاً.

الرد على الاعتراض الخامس: – لما كان الممكن مفتقراً إلى علة، فذلك ليس لكي تمنحه وجوداً جديداً، بل لكي تحفظ وجوده الذاتي.

الرد على الاعتراض السادس: – لو قلنا إن مبدع العالم أي خالق الجواهر والأعراض يعمل طبيعة لكان اعتراضكم صحيحاً. ولكننا لا نفتقد ذلك لأن الخالق لا يعمل إلا بإرادته، فإرادته هي العاملة متى شاء يعمل وإن لم يكن هناك سبب آخر.

الرد على الاعتراض السابع: – إن ردنا على الاعتراض السادس يكفي للرد على هذا الاعتراض، لأننا نقول إن علة الكائن الأزلي الذي له بداية، ليس إلا إرادة الكائن الأزلي ومعرفته وعلة معرفته هي طبعه، وهناك ينتهي كل شيء ولا نذهب بالتسلسل إلى اللانهاية، لأن طبع الخالق ليس معلولا بل هو علة لجميع المعلولات، وبه ومنه كل الأشياء. ولا تستطيعون القول: كما أن طبيعته ومعرفته أزليتان. يجب أن تكون إرادته وأعماله أزليين، وإن كانا معلولين له، لأننا نقول إن ذلك يُطلق على الكائنات التي تعمل طبيعة وليس على التي تعمل بإرداتها.

 

الباب الثاني

في أن الخالق أزلي وأبدي

 

الفصل الأول

في البراهين الفكرية المؤيدة ذلك

البرهان الأول: – الأزلي هو الكائن الذي لا بداية له كما تُعرِّفه الحكمة. والأبدي هو الذي لا نهاية له كما يقول القديس ثاولوغوس إن المدة التي ترافق الكائنات الأزلية لا بداية لها ولا تنتهي ويجب أن نعرف أن الكائنات الممكنة تأخذ بدايتها من الكائنات الازلية التي هي علة ضرورية وهي بذاتها ضرورية الوجود. وما كان بذاته ضروري الوجود، لا يمكن أن يطلق عليه العدم بتاتا. وما كان كذلك فمن الضرورة يكون أزليا وأبديا، ودائما يطلق عليه أنه موجود وكان موجودا وسيبقى موجودا دائما. وقد أيَّد فمه المقدس بواسطة اشعياء فقال: “انا الأول والآخر ولا يوجد قبلي إله ولا يكون بعدي” (اش ٤٢: ١٠).

البرهان الثاني: – لو نسب العدم إلى كيان الخالق لكانت تلك النسبة متأتية إما من ذاته أو من آخر، والافتراض الأول باطل لأن الشيء لا يمكن مطلقا أن يوجد ذاته فيكون علة ومعلولا، والافتراض الثاني أيضا لا يصح، لأن ذلك الآخر أيضا إذا كان أزليا هو الكائن الأسمى الذي نريده وهو واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون إلا واحدا، ولكن إذا كان ممكنا يجب أن يُخلق من كائن آخر واجب الوجود ويُحفظ منه كما برهنا. فكيف يمكن إذن أن يلاشيه.

البرهان الثالث: – لو أمكنت ملاشاة ينبوع الوجود، أما أن يصيبه ذلك من كائن اقوى منه أو مساو له او أضعف منه والافتراضان الأولان باطلان، ويكون حينئذ أكثر من أزلي واحد وذلك محال، والافتراض الثالث باطل لأن الكائن الأضعف يجب أن يغلب هو ولا يمكنه أن يغلب.

البرهان الرابع: – لو أمكنت ملاشاة العلة الأولى لجميع الكائنات لأمكن أن يطلق عليها العدم والوجود بآن واحد. ولو كان ذلك الخالق ذا بداية. لاحتاج إلى آخر وهذا الى آخر، وهكذا حتى اللانهاية، ولكان الكون بدون خالق وهذا محال فإذن – يجب أن يكون خالق العالم أزليا وأبديا كما يؤيد النص النبوي “أنت أنت وسنوك لا تنتهي” (مز102: 24-26).

 

الفصل الثاني

في براهين الذين ينكرون أزلية الخالق وأبديته

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الأول: – ليس من المستحيل أن يكون خالق هذا العالم المحسوس ذا بداية، ويكون خالق آخر أزلي لذلك الخالق ذي البداية. ومن هنا نتأكد أن خالق هذا العالم ذو بداية وليس أزلياً. فالفلاسفة أيضاً يقولون إن مدبر جميع الكائنات المحصورة في دائرة القمر هو العقل الفاعل، وهذا العقل الفاعل هو معلول للعقل الذي يدير الفلك، وهذا معلول لآخر. حتى تنتهي إلى عقل أخير هو معلوم للأول الواحد. وهذه هي العلة الأزلية، ويقول أحد الشعوب، إن الله تعالى خلق سبعة أفلاك ووضع فيها الكواكب السبعة الضالة (السيارة) ووكل بها تدبير العالم من وجود وملاشاة ما إليهما، وبحسب هذه الأفكار لا يكون خالق هذا العالم لا أزلياً ولا أبدياً، وما كان كذلك ليس من المستحيل أن يتلاشى لأنه ممكن، ولا يكون أيضاً أبدياً.

الاعتراض الثاني: – لو كان الخالق أزلياً، لوجد هذا العالم أما معه أو بعده، والافتراض الأول باطل حسبما تعتقدون، لأنكم تعترفون أن هذا العالم ذو بداية وليس أزلياً، والافتراض الثاني أيضا غير صحيح، لأن أزلية الخالق، إما أن تنسب إليه بمقدار محدود أو بمقدار غير محدود، والأول يؤذي إلى القول ببداية الخالق، والثاني أيضاً ليس صحيحاً، لأن بداية هذا اليوم الذي ابتدأ، تكون نهاية للمقدار الذي لا ينتهي، وهذا محال، لأن النهاية تدل على اضمحلال الشيء فينتهي غير المنتهي، وذلك أشد محالاً فتأكد لدينا إذن، أن خالق العالم ليس أزلياً.

الاعتراض الثالث: – لو كان الخالق أزلياً وأبدياً، لصدق عليه حقيقة أنه الذي كان والكائن والذي سيكون دائماً، ولو صدقت عليه هذه الألفاظ، لأمكن أن يحوي في ذاته قوة الخلق والملاشاة والتجديد والإبطال، وذلك محال. لأن الذي كان يدل على كون الشيء موجوداً في الماضي وليس موجوداً الآن. وأن يكون في المستقبل ذلك يدل على أن الشيء سيوجد وليس موجوداً الآن. ولما كانت أزلية الخالق وأبديته تؤيدان إلى مثل هذا المحال ليس الخالق لا أبدياً ولا أزلياً.

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: ­- سنؤيد فيما يأتي بحول الله أن الخالق المسجود له واحد، ولا إله غيره. ومن ذلك يبطل القول بمقدرة العقول المتوسطة على العمل والأفلاك التي أشرتم إليها.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن الخالق يسبق الخلقة بزمن لا يحد ولذلك لا يمكن أن يعين هذا الزمن ويُطلق عليه المنتهي أو غير المنتهي، لأن الخالق هو خالق الأزمان أيضاً. ولعلكم تقولون إذن يتساوى الخالق والخلقة بالزمن ومن هنا ينتج إما بداءة الخالق أو أزلية الخلقة، وكلاهما محالان. فنردهما بقولنا، إن الأول ليس صحيحاً، لأن أجزاء الزمن ليست مساوية لبعضها في الزمن، وإلا لوجد للزمن زمن آخر، ولا ينتهي بنا الأمر إلى اللانهاية، وينتج من ذلك. ليس من المستحيل أن يسبق الخالق مخلوقاته على هذا النحو أي لا يتساوى معها في الزمن. بل يكون قبلها بأزليته لا يلحقها زمن.

الرد على الاعتراض الثالث: – إن قولنا عن الخالق أنه كان وهو الكائن وسيكون، ذلك يدل على استمرار الوجود، بغض النظر عن الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، بحيث لا يتبدل مع تبدلات هذه الأزمنة الثلاثة. ولا يمكن أن نفهم ذلك على غير هذا النحو مطلقاً.

 

الباب الثالث

في أن الخالق لا يحصر بمكان ولذلك فهو غير جسم

ولكنه بسيط

 

الفصل الأول

فيه مقصد واحد

البراهين العقلية

البرهان الأول: – لو كان الخالق جسماً لكان ذا بداية غير أزلي، لأن كل جسم له بداية كما أثبتنا سابقاً، ولما كان الخالق أزليا فهو إذن- غير جسم. ويؤيد ذلك القديس غريغوريوس اللاهوتي بقوله: إذا سمعت أن الله جسم فأعلم أنه كان بعد أن لم يكن أعني يجب أن يكون ذا بداية، لأن الذي له بداية يفترض أن عدما سبقه بمدة.

البرهان الثاني: – لو كان الخالق جسماً لكان منقسماً، ولو كان منقسماً لكان ممكناً، لأن كل منقسم بوجوده إلى الأجزاء التي ينقسم إليها. ولما كان الخالق واجب الوجود، فهو إذن غير جسم.

البرهان الثالث: – لو كان الخالق جسماً لكان ذا نهاية، ولو كائن ذا نهاية لكان غير أزلي، لأننا نطلق كلمة الأزلي على الذي لا نهاية له. ولما كان الخالق أزلياً، فهو إذن غير جسم.

البرهان الرابع: – لو كان الخالق جسماً، لشارك جميع الأجسام بالجسمية، ولو كان مفصولاً عنها، بأحد الأنواع الطبيعية، لكان مركباً من طبيعة عامة (هي طبيعة بقية الأجسام) ومن جزء خاص (جزء الكائن) أو بالحري لكان مركباً من جنس وفصل. وكل مركب هو ممكن وليس أزلياً. ولو كان غير مفصول عنها بشيء. لوجب أن يكون مثلها قابلاً للكينونة (الوجود) والتلاشي مثلها، وذلك كفر مبين.

البرهان الخامس : – لو كانت الجسمية والانتهاء لا تضادان معنى الألوهية، لما استطعنا بسهولة أن ندحض ألوهية الشمس والقمر، لأننا لا نستطيع دحض تلك الألوهية الموهومة إلا بكونهما جسمين منتهيين، ولو تصورنا إمكانية جسمانية الخالق، لكان هناك آلهة كثيرة وليس إله واحد، كالشمس والقمر وغيرهما. كما اثبت القديس ديونيسيوس (لست أقول كما يقول الوثنيون إن الله خالق الكل هي الشمس) ويقول أيضا القديس غريغوريوس قد (أعطى بعض الناس صفة الألوهية للشمس، والبعض للقمر، والبعض للكواكب، والبعض للسماء، بينما هذه كلها ليست آلهة).

البرهان السادس : – لو كان الخالق جسما لكان محصوراً في مكان، ولكان مكانه إما أزليا أو ذا بداية. والافتراض الأول غير صحيح، لأن المكان يفترض امتداد فسحة تحصر أجساما، وقد أيدنا سابقا أن كل جسم له بداية. والافتراض الثاني أيضا ليس صحيحا، لأنه لو كان الخالق موجوداً. قبل وجود المكان، فإذن يكون طبعه غير محتاج إلى مكان، ولما كان ذلك افتقارا طبيعيا، كان يجب أن يرافقه إلى اللانهاية، ولما كان الخالق ليس محصورا في مكان فهو إذن غير جسم.

البرهان السابع: – ان هذا العالم هو كروي الشكل، ولو كان الخالق جسما، لوجب أن يكون في إحدى جهاته (العالم) ولو كان في إحدى الجهات، لوجب أن يكون فوق البعض من الناس وتحت البعض الآخر. ولما كان ذلك محالا، فالخالق ليس جسما، لأنه ليس محصورا في مكان.

 

الفصل الثاني

في فكرة الذين يقولون إن الله جسم

فيه مقصدان

 

المقصد الأول

اعتراضاتهم

الاعتراض الأول: – إن الكائنات الموجودة، إما أن تكون متساوية في المكان كالجوهر والعرض إذ لا يمكن وجود الجوهر في مكان آخر، أو كانت منفصلة عن بعضها مثل جسمين، لأن مكان كل منهما يجب أن يكون مفصولاً عن مكان الآخر، لوجب أن كل موجود أن يكون في مكان وكل شيء يحصر في مكان هو جسم، فالخالق إذن جسم.

الاعتراض الثاني: – الجسم يكون في مكان وهو قائم بذاته، فالخالق إذا كان قائماً في ذاته وليس عرضاً فهو إذن جسم.

الاعتراض الثالث: – إن جميع الناس ببساطة أفكارهم وعدم رسوخهم على رأي واحد في إثبات ديانة واحدة، ومع اختلافهم في العقائد فجميعهم عندما يصلون يرفعون أيديهم إلى فوق ويسألون طلباتهم من الجالس في العلاء، ولو لم يكن الخالق في ذلك المحل الرفيع، لما ارتفعت إليه أيدي البشر وقلوبهم، ومن كان كذلك هو محصور في مكان، فالخالق إذن محصور في مكان، وبالتالي هو جسم.

 

 

المقصد الثاني

البراهين الكتابية التي يوردها مجسمو الله لتأييد مزاعمهم

البرهان الأول: – من التوراة – “كتب اللوحان بأصبع الله”

البرهان الثاني: – من التوراة – “فرأوا إله إسرائيل وتحت قدميه ….

البرهان الثالث: – من المزامير- ” يمين الله رفعتني، يمين الله عملت معي قوة فلا أموت”

البرهان الرابع: – من المزامير- ” الجالس في السماء يضحك”

البرهان الخامس: – من المزامير- ” في البحر طريقك وسبلك في مياه كثيرة”

البرهان السادس: – من إشعياء- ” إني قويتك وعضدتك وسندتك بيميني البارة”

البرهان السابع: – من اشعياء- “السماء كرسيَّ والأرض موطئ قدمي”

البرهان الثامن: – من ناحوم- ” الرب في الضباب وفي العاصفة طريقه والسحب غبار قدميه”

البرهان التاسع: – من دانيال- “كنت أرى وإذا بكراسي وضعت فجلس قديم الأيام وثيابه كالثلج الأبيض وشعر رأسه كالصوف النقي. كرسيه كلهيب النار، وعجلاته نار متقدة. نهر يجري ويخرج من أمامه”

البرهان العاشر: – من حبقوق- “الله يأتي من الجنوب والقدوس من جبل فاران”

البرهان الحادي عشر: -من الإنجيل- “أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك”

البرهان الثاني عشر: – من ليتورجية القديس يعقوب أخي الرب- “الجالس في الأعالي والناظر إلى الأعماق”

البرهان الثالث عشر: – من أعمال الرسل من اسطيفانوس- “نظر إلى السماء ورأى مجد الله ويسوع جالساً عن يمين الله”

البرهان الرابع عشر: – لو لم تكن المركبة مكاناً كيف يرى الجالس عليها، ولو لم تكن جسمية فكيف يمكن أن يحملها المجسمون كالإنسان والأسد والثور والنسر كما هو مكتوب.

 

الفصل الثالث

في الرد على براهينهم

وفيه مقصدان

 

المقصد الأول

الرد على براهينهم العقلية

الرد على الاعتراض الأول: -إن تقسيمكم ناقص، لأن العقل يرى ثلاثة أشياء وليس اثنين، فالكائنات لديه إما أن تكون متساوية في المكان أو منفصلة، أو غير متساوية في المكان ولا منفصلة، وأزلية الخالق يؤيدها القسم الثالث، لأنه ليس موجوداً في مكان، ولذلك ليس متساوياً غير مادي.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن الجسم ليس موجوداً في مكان لأنه قائم في ذاته، بل لأنه جسم، لأن كل مدرك للجسم، يدرك ضرورة شيئاً موجوداً في مكان وفي جهة معينين، وليس كل من يدرك القائم بذاته، يدرك ضرورة كأننا محصوراً في مكان. فيرتاب بذلك ويقول: إن هذا الشيء القائم بذاته ولا يحتاج إلى الشيء الذي يقوم فيه كما يحتاج العرض إلى الجوهر. فهل يا ترى يحتاج إلى مكان في وجوده أو لا يحتاج؟ ومن هنا يظهر أن القيام بالذات ليس سبباً لوجود الشيء محصوراً في مكان. فالخالق إذن هو قائم بذاته وليس محصوراً في مكان.

الرد على الاعتراض الثالث: – لو افترض رفع ايدي الناس وأنظارهم إلى السماء وجود الخالق محصوراً في محل عال لافترض أيضاً ركوعهم ونظرهم إلى الأرض في السجود وجوده تحت الأرض، ولما كان الغرض الثاني غير صحيح، كان الأول أيضاً غير صحيح.

المقصد الثاني

الرد على براهينهم الكتابية

تمهيد: – نقول إن شيئين يهدياننا إلى الحقيقة، كتاب الله والعقل. ولما كان هذا الكتاب مؤسساً على التفكير إلهي أكثر أصالة، وهو موحى به بطريقة فائقة، ولم يعط اعتباطاً، يكون الفكر (الإلهي) أصلاً، والكتاب فرعاً، ولأننا نراهما متفقين في كل حين، نظن أن بينهما تضاداً، ولما كان العقل والكتاب متضادين (بنظرنا) ولا يمكن تصديق كليهما معاً، وإلا لسعينا إلى التألف بين ضدين، وذلك محال. ولا يمكن أيضاً أن لا نقبل كليهما معاً، فنّحرم عندئذ كلياً من الهداية، ونكون قد سعينا إلى إنكار وجود شيئين حقيقيين وذلك أشد محالاً. ولا يمكن أيضاً أن نقبل الكتاب ونرفض العقل، لأن ذلك أما أنه يؤدي إلى رفض الكتاب. لأنه إذا كان هذا الكتاب أصلاً رديناً. يكون فرعه مثله، ولا يمكن أيضاً أن نقبل العقل ونرفض الكتاب، لأننا نعرف أنه موحى من الله، ولما كانت هذه الأمور هكذا، لا يوجد إلا هذا الأمر أي أن نقبل العقل ونفسر الكتاب. ونأتي به إلى العقل ليفهمه، وإن ظهر أنه يستعمل ألفاظاً مضادة للعقل، فنبحث عن الذي أرسلها (الألفاظ) إليهم الكتاب، ولأي سبب قيلت. فنرى أن الضلال ينتج من اتخاذ الكلمات بمعناها الحرفي.

الجواب على البرهان الاول: – ذكر الكتاب إصبع الله المطابقة ذلك على فكرة الشعب الغليظ الرقبة السريع الرجوع القهقري، ومعنى ذلك أن اللوحين كتبا من الله وبإشارة منه وليس بإصبع كالأصبع البشرية، والإصبع هنا ترمز الى إشارة الله. لأننا نحن أيضا نشير كثيرا بأصابعنا إلى آلام نفوسنا، ولما كان الإسرائيليون لا يفهمون الكتابة إلا بالإصبع فبالإصبع أشار إليهم الكتاب لكي يفهموا.

الجواب على البرهان الثاني: – إن إدراك العقل البشري للأمور يسمى في اليقظة وحيا في المنام حلماً، ويظل كل منهما كما هو، أي كما أدركه العقل، وتصورته المخيلة، فلا يحتاج إلى شرح أو تفسير، أما إذا كان فيه أمور رمزية، فإذا كان وحياً يحتاج إلى شرح وإذا كان حلماً يحتاج إلى تفسير، والوحي هنا يذكر صريحاً أن هذه الامور الرمزية تشير إلى أمور خاصة بالخالق، فشبه الفلك الذي تحت قدميه (الله) بالأسمانجوني الأزرق، لأن هذا هو لون السماء وريه الناظرون تحت قدميه، ذلك لكي يرمز إلى حداثته وأزلية الخالق ووجوده تحت قدميه يشير أيضاً إلى أن قوات السماء هي رهن إشارة الخالق بحركاتها كما تكون القدمان رهن إشارة صاحبها.

الجواب على البرهان الثالث: – إن يمين الله المذكورة في الكتب المقدسة تشير إلى قوة الخالق وعظمة لا إلى وجود أعضاء مادية، وذلك واضح من أمرين:

الأول – إن اليمين تذكر دائماً مرادفة للقوة والجبروت كقول المرتل ” يمينك أيها الرب حطمت أعداءك”

الثاني – يؤيده الاختبار، فاليمين لدينا هو رمز القوة والنشاط.

اعتراض: – إن يمين الله لا يدركها البشر كما قال اوغريس (الابن وحده جالس عن يمين الأب وهو وحده يعرف يمينه، فكيف تجاسرتم أنتم على تفسيرها؟).

الجواب: – إن اليمين ليست غير مدركة مطلقاً، لأننا نعرف أن الله يميناً أي قوة، وهذه اليمين هي أقوى من جميع الأقوياء والجبابرة. أما كم هي القوة، وهل هي عرض أم جوهر فلا نعلم، لأن قوة الله لا تحد وإذا حُدَّت تكون متناهية.

الجواب على البرهان الرابع: – إن العقل البشري الأن قد تعوَّد إدراك الكائنات الروحية مصوَّرة ومحصورة في مكان، ولما كانت السماء في عرفه أجّل وأسمى وأسطع من الأرض، جعلها كناية عن مكان يوجد فيه الله. على هذا الشكل يستطيع العقل البشري القاصر تصور الخالق، وقد ذكر القديس ديونيسيوس، أن الخالق العظيم يتسامى عن جميع العقول التي في الأرض أو في السماء، ولا يدرك لأنه فوق العالم، فوق السماء، فوق الجوهر، وأما النبي فلأنه يرسل كلمته إلى البشر البسطاء قارب كلامه إلى عقلهم الطفيلي وقال “الجالس في السماء يضحك”  بينما ليس الله محصورا في السماء ولا يضحك.

الجواب على البرهان الخامس: – إن معنى قول النبي “في البحر طريقك” يرمز إلى خفاء الله الذي لا يدرك ولا يوصف. فكما أن الطريق لا يعرف في البحر، كذلك أمور الله. وذلك واضح من قول النبي ” وخطواتك لم تعرف”.

الجواب على البرهان السادس: – نرد على هذا البرهان بما دحضنا البرهان الثالث.

الجواب على البرهان السابع: – نرد عليه بما دحضنا به البرهان الرابع.

الجواب على البرهان الثامن: – ان قول النبي “طريقه في الضباب وفي العاصفة ” يشير الى امتداد قوته وسلطانه وقوله ” السحب تحت قدميه ” يشير إلى أن السحب المرتفعة من الأرض كالأبخرة متكاثفة إلى خفانه ايضا. فقد شبه النبي الضباب بالقوة والأرض بالقدمين كما أشرنا سابقا، لأن الله لا تسعه الأرض ولا السماء ولا الكون كله لأن عظمة هذه الأشياء المحدودة ترمز إلى عظمة غير المحدودة وأزليته.

الجواب على البرهان التاسع: – إن هذه الرؤية تحتاج إلى تفسير كما قلنا سابقا، لأن الله تراءى للنبي بشكل بشري، وليس بجوهره، وذلك واضح من أن النبي لم ير ملك بابل كما هو لكنه رآه كأسد مجنح أو نسر ورأى ملك الماديين كدب وملك الفرس مثل نمر أما ملك الملوك واله الآلهة ورب الأرباب، فرآه مثل إنسان، وقدم الأيام يشير إلى أزليته، وبياض الثياب والشعر إلى سطوع أشعته غير الهيولية، وكرسي النار والعجلات الملتهبة إلى اضطرام الرتب الروحانية والتهابها. ونهر النار الجاري من أمامه إلى الفلك الأسمى الدائم الحركة، وكل ذلك أشار إليه النبي بشكل ناري.

الجواب على البرهان العاشر: – الجهة التي تكون عن يمين الناظر إلى الشرق تدعى جنوباً، وفاران اسم جبل في الجنوب والقول إن الله يأتي من هذا الجبل يدل على أن الله يعضد الذين يدعونه بقوة وجبروت (الأمر الذي يعبر عنه الكتاب بيمين الرب).

الجواب على البرهانين الحادي عشر والثاني عشر: – راجع عن ذلك الرد على البرهان الرابع.

الجواب على البرهان الثالث عشر: – راجع الرد على البرهان الثالث.

الرد على البرهان الرابع عشر: – لو كانت المركبة جسمية، لكانت محدودة، لأن الجسم محدود، ولو حملت هذه المركبة المادية المحدودة الخالق الذي لا حدَّ له. لافترضنا انحصار غير المحدود بالمحدود، وذلك محال. ولذلك وجب أن تكون هذه المركبة معنوية ترمز إلى اشتراك الطغمات الملائكية بخدمة الخالق وظهرت القوات الروحانية بصورة بشرية لأجل معرفتها، وبصورة الأسد تدلُّ على الملكية، وتغطية أرجلها المعنوية تشير إلى خفاء الألوهية، شكل الثور يرمز إلى اشتياق الأثلام المعنوية إلى المطر الروحي أي شعاع الألوهية. الذي يحتاج أن يشرق عليها بدون انقطاع. وشكل النسر يدل على الملكية وحدَّة الطيران ورهبة المنظر، وهكذا تدل جميع الكلمات المعبرة عن أعضاء جسمية إلى القوة الإلهية غير المدركة كما قال القديس غريغوريوس (نقول إن الله نام، ومعنى ذلك أنه يهملنا لأجل شرورنا، وأنه استيقظ ومعنى ذلك عاد إلى العناية بنا).

 

الباب الرابع

في أن الخالق ليس جسما وهل له قوى حسية كالسمع والبصر ام لا

الفصل الأول

وفيه مقصدان

المقصد الأول

البراهين العقلية التي تؤيد ذلك

البرهان الأول: – إن البصر والسمع قوتان تدلان على الكمال وعدمهما يدل على النقص، ولما كان الخالق كاملا وأسمى من كل نقص. فمن المحال أن نظنه لا يرى أو يسمع.

البرهان الثاني: – الخالق حي والحي في كيانه إمكان البصر والسمع، ولكن إذا كان لا يرى أو لا يسمع فمن الضروري أن ندعوه أعمى أو أصماً، ولما كان الخالق أرفع من أن يدعى كذلك، فمن الضروري إذن أن يرى ويسمع.

البرهان الثالث: – إن الخالق يدرك الكائنات كما هي، ويدرك الألوان والأصوات من طبيعتها، فإذن يدركها أيضاً (الألوان والأصوات) لأن الإدراك يكون بالسمع والبصر، فمن الضروري إذا أن يرى الخالق ويسمع.

البرهان الرابع: – النفس الناطقة ليست ممزوجة بالجسد، وليست جسمية، ومع ذلك فهي تدرك أن الأبيض والأسود لا يمكن أن يجتمعا معاً بشيء واحد، ولما كان الأسود والأبيض لونين، لا يدركا إلا بالنظر. وتدرك النفس أيضاً أن الضحك خاصة الإنسان والصهيل خاصة الفرس، ولما كانت هذه أصواتاً لا تُدرك إلا بالسمع، ولما كانت النفس غير هيولية وليس لها أعضاء جسمية ومع ذلك تسمع وترى، فكم بالأحرى الخالق الذي تكون النفس قطرة واحدة في بحر معرفته وسراجاً ضئيلاً بالنسبة إلى مصباحه، أفلا يجب أن يرى ويسمع.

اعتراض: – إن النفس تشعر بهذه بالأشياء (الألوان والأصوات) بواسطة أعضاء جسمها، أما الخالق فليس له لا جسم ولا أعضاء، فكيف يشعر؟.

الرد: – إن النفس تحتاج إلى أعضاء جسمية لكي تدرك لأجل ضعفها، وأما الخالق فلكماله لا يحتاج إلى مثل ذلك. ألا ترى النجار لا يستطيع أن يعمل أنية خشبية بدون قدوم أو منشار، ولكن الخالق يعمل أشياء كثيرة بدون آلات، فقد برأ الألوان الزاهية العجيبة، وزين الأشجار والأوراد والحيوانات (بدون أن يحتاج إلى أي آلة).

 

المقصد الثاني

البراهين الكتابية التي تؤيد ذلك

البرهان الأول: – من سفر التكوين – ” ورأى الله أن كل ما خلقه حسن”.

البرهان الثاني: – من المزامير – ” حتى متى لا تفهمون أيها الجهال الذي عمل الأذان ألا يسمع، الذي خلق الأعين ألا يفهم؟.

اعتراض: – إن الكتاب هنا لم يقل (ألا يرى) بل قال ألا يفهم؟ ومن ذلك نستنتج أن الفهم غير النظر.

الرد: – وإن كان الفهم غير النظر، لكن النبي هنا يريد به النظر ذاته وذلك واضح من قوله (ألا يسمع؟) عندما ذكر الأذان، ومن أمكنه أن يسمع ليس من المحال أن يرى.

البرهان الثالث: – من المزامير- ورأى ضيقاتهم وسمع تضرعهم …

البرهان الرابع: – من الإنجيل – وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية.

البرهان الخامس: – من بولس – ” وليس شيء في البرية يخفى أمامه، ولكن كل شيء عار وظاهر أمام عينيه”..

وهناك نصوص كثيرة في الكتب المقدسة تؤيد ذلك، فنكتفي بما ذكرنا.

 

الفصل الثاني

في فكرة منكري بصر الله وسمعه

وفيه مقصدان

 

المقصد الأول

في اعتراضاتهم

الاعتراض الاول: – لو كان الخالق يرى ويسمع، إما أن يكون نظره وسمعه أزليين أو حادثين والافتراض الأول غير صحيح، لأن الأشياء المرئية والمسموعة حادثة، ولما كانت هذه معدومة كيف أمكن أن ترى وتسمع والافتراض الثاني ايضا باطل لأنه ستوجد في الخالق أشياء جديدة حادثة بعد أن لم تكن. وهذا محال

الاعتراض الثاني: – إن البصر والسمع يحدثان بواسطة تغيير الأعضاء الجسمية والله تعالى ليس له شيء من هذه الأعضاء وليس متغيرا (إذن – لا يرى ولا يسمع).

 

المقصد الثاني

الرد على هذين الاعتراضين

 

الرد على الاعتراض الأول: – إن للأزلية نوعين الأول بالفعل والثاني بالقوة، والمرئيات والمسموعات بالفعل ليست أزلية، وذلك لا يمنع وجودها أزلية بالقوة، أو أن يسبق الخالق فيعرفها قبل وجودها. فإذن، ليس من العدل أن نقول عنها أنها غير موجودة أزلياً، لكي لا يمكن أن يتناولها نظر الخالق أو سمعه، وهنا ملاحظة دقيقة لا يستطيع فهمها إلا من استضاء عقله بالأنوار الإلهية الساطعة.

الرد على الاعتراض الثاني: -إن السمع والبصر لا يحدثان بواسطة تغيير الأعضاء الحسية، لأن النظر يدرك حالا نصف الكرة الفلكية، ولا يمكن لعضو صغير كحدقة العين أن تدرك تلك العظمة، فتتغير عند ارتسام صورتها فيها، والسمع أيضا يدرك الصوت والجهة التي ينبعث منها. والصوت وإن كان يصل إلى الغشاء الطبلي في داخل الثقب الحلزوني، كيف يتغير منه، ولكن تلك الجهة لا تصل إليها لكي تغيرها، ولو كان الإدراك بواسطة التغيير لما أمكننا أن ندرك شيئا فالخالق إذن يدرك هذه الأشياء دون تغيير.

 

الباب الخامــس

في أن الخالق يعرف ذاته ويعرف جميع الكائنات

 

الفصل الأول

في تأييد هذه الفكرة وفيه مقصدان

 

المقصد الأول

البراهين العقلية

البرهان الاول: – كل جوهر مجرد (عارف) من الضروري أن يُعرَف من جوهر آخر مجرد عندما يكون منفردا، فيتلائم مع جواهر أخرى، ومن هنا نستنتج أن كل جوهر مجرد يمكن أن يتبع جواهر أخرى مجردة ويجتمع معها، والمعرفة ليست إلا هذا التلائم بين الجوهر القابل أن يُعرَف وجوهر آخر عارف. ولما كان الخالق جوهرا مجردا (عارفا). فمن الضروري أن يعرف كل الاشياء القابلة أن تُعرف، وكل من يعرف شيئا فمن الضروري أن يعرف كونه يعرف ذلك الشيء القابل أن يُعرَف، ومن هنا يجب أن يعرف ذاته أيضا، لأنه لو لم يعرف ذاته، كيف أمكنه أن يحتم على ذاته أنه يعرف الشيء القابل أن يُعرَف، فالخالق. إذن لما كان عارفا بالأشياء القابلة أن تعرف فمن الضروري أن يعرف ذاته ايضا.

اعتراض: – إن تلائم الجواهر المجردة واجتماعها الذي قلتم عنه ايدتموه بالجوهر العارف، ومن هنا يجب أن الخالق لا يعرف شيئاً، لكن هو ذاته مع الشيء المعروف الآخر يعرفان.

الرد: – نقول إن وجود جوهر الخالق يعبر عنه بالجوهر العارف، وهذا ما أيدناه سابقاً، ولكن لو لم يكن لديه إمكانية الوجود مثل هذه، بل وجد بعد الجوهر العارف لعَرَف أنه لا يمكن أن يوجد في جوهر عارف، وألا لوجد من فيه هذه الإمكانية قبل وجودها، وذلك محال. ولكن الخالق وبقية الجواهر المنفردة لما كانت قائمة بذاتها وليست فقط في جوهر آخر عارف يمكنها أن تتلائم مع بعضها وتجتمع ومن هنا يجب أن تعرف بعضها وأن تُعرف من بعضها دائماً ولا شيء يمنعها من ذلك كالنفوس البشرية.

اعتراض: – لو صح قانونكم هذا لكان الخالق مدركاً كل العقول ولما كان غير مدرك كما تنادون.

الرد: – بعد قليل سنوضح بأي نوع يكن الخالق مدركاً وبأي نوع يكون غير مدرك.

البرهان الثاني: – إننا أطلقنا كلمة الجوهر المجرد على الجوهر الدائم الوجود، وما كان دائم الوجود وهو مدرك أيضاً، من الضروري أن يعرف ذاته، ومن هنا أيضاً إذا كان علة المعلولات أخرى يجب أن يعرف كل معلولاته، لأنه إذا عَرَف ذاته، فمن الضروري أن يعرف كونه علة لمثل هذه المعلولات، فالخالق إذن وهو جوهر مجرد وعلة هذه الكائنات كلها. من الضروري أن يعرف ذاته ويعرفها، ويشير الى هذه الفكرة القديس ديونيسيوس بقوله ” إذا كان الله بعلة واحدة أعطى الكائنات وجودها، فبالعلة الواحدة نفسها يعرف كل شيء ويدرك كل الكائنات كأنها منه وبه ” وقال هذا القديس أيضاً “إن الله إذن ليس له معرفة خاصة لذاته ومعرفة أخرى عامة للكائنات، بل له معرفة واحدة لكل شيء، وبهذه المعرفة يعرف ذاتها ويعرفها.

البرهان الثالث: – كل جوهر مجرد قابل أن يُعرف يوجد مع جوهر آخر مجرد عارف لا بد أن تتفاعل المعرفة بينهما، لأنه كان قبل وجوده عارفاً بالقوة، ومن هنا يجب أن يصبح الجوهر القابل أن يُعرف عارفاً بواسطة ذلك التفاعل نفسه، لأنها إذا حلت في جوهر مجرد آخر تجعله عارفاً بواسطة ذلك التفاعل. كم بالأحرى إذا كان عارفاً بنفسه، فإن الحرارة التي يمكنها أن تسخره الأجسام لو أمكنها القيام بذاتها أو تكون جوهراً كم كان يجب أن تكون حرارتها قوية. فالخالق إذن هو عارف بذاته وبالتفاعل وإليه ينسب كل جوهر عارف.

البرهان الرابع: – إن أعمال الخالق جل اسمه هي عجيبة وكاملة وكل ما كانت أعماله عجيبة وكاملة. من الضروري أن يكون قد عملها بمعرفة عجيبة كاملة، ومعرفته تفوق كل معرفة غيرها وكمال أعمال الخالق وكونها عجيبة تعرف من هذه الأفلاك وكواكبها وحركاتها وليس من هذه فقط. بل بكل خييونة صغيرة حيث نرى في أعضائها الداخلية والخارجية أموراً عجيبة كثيرة، وذلك ما يبرهن سمو معرفة الخالق.

اعتراض: – إن الأعمال العجيبة لا تدل على سمو المعرفة أو على المعرفة فقط وإن كانت عجيبة، فهوذا النحلة غير العاقلة تبني الخلايا المسدسة الزوايا بدون مسطرة أو أية آلة أخرى يحتاجها الرجل المهندس في أعماله. والعنكبوت أيضاً ينسج خيوطه في الهواء ويبني له بيتاً بدون آلات، الأمر الذي لا يستطيع أن يأتي مثله أي حائك ماهر آخر.

الرد: – نقول إن هذه الحيوانات تعمل ذلك بالغريزة كالنار التي تحرق والشمس التي تنضج الفواكه، ولذلك لا يجب أن ندعوها هي الفاعلة. أما الذي يعمل بالعقل والروية والإرادة فذلك هو الذي تنسب إليه المعرفة بالنسبة إلى عمله كالإنسان.

 

المقصد الثاني

البراهين الكتابية التي تؤيد هذا المقصد

البرهان الاول: – من التوراة “ويكون ابراهيم رئيسا لشعب عظيم وتتبارك به جميع أمم الارض لأني أعرفه”.

البرهان الثاني: – من المزامير “يا رب فحصتني وعرفتني وأنت عالم بجلوسي وقيامي وفاهم من العلى كل أفكاري وتعرف طريقي وسبلي”.

البرهان الثالث: – من اشعياء “عملت ذلك بقوتي وحكمتي لأنني عليم”.

البرهان الرابع: – بولس “يا لعمق غنى حكمة الله وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء”.

البرهان الخامس: – ديونيسيوس الاريوباغي ” كيف يوجد الله حكمة أسمى من الحكمة وعقلا ونطقا ومعرفة كيف يفهم كل شيء لو لم تكن فيه هذه المعرفة. أو كيف يعرف المحسوسات لو لم يكن فيه حس أسمى”.

البرهان السادس: – غريغوريوس النزينزي “هذه كانت النعمة الأولى والمعرفة السامية التي تكمل بالكلمة وتؤيد بالروح”.

البرهان السابع: – اوغريس “إني أرى في كل الصنائع صانعها. أما نظرية معرفة الحق فهي توجد في جميعها، لأن الرب قد خلق كل شيء بالحكمة.

الفصل الثاني

في فكرة منكري معرفة الخالق

وهي بدعة وخيمة تنقسم إلى سبع بدع

البدعة الأولى

إنكار معرفة الخالق

المقصد الأول

اعتراضاتهم

الاعتراض الاول: – لو كان الخالق عارفا، فمعرفته هذه إما أن تكون غير طبيعية أو أن تكون شيئا آخر والافتراض الأول ليس صحيحا، لأننا نحمل المعرفة على طبيعته، ونحن نعلم أن الموضوع ليس المحمول بذاته، وإن كان الموضوع أحيانا يصدق على المحمول، والافتراض الثاني أيضا ليس صحيحا، لأنه عندما توجد له هذه المعرفة، فإذا وجدها يكون طبعه فاعلا ومفعولا، أو واهبا وموهوبا، وذلك محال، لأن الواهب بما أنه واهب ليس موهوبا، والأخذ بما أنه أخذ ليس مأخوذا، ومن هنا يكون طبع الخالق مركبا بصيرورته واهبا أو فاعلا وأخذاً ومفعولا، وذلك أشد محالا، إذ يجرد الخالق من بساطته، فإذا كان الخالق بسيطا ليس عارفا.

الاعتراض الثاني: إن طبيعة الخالق من دون معرفة، إما أن تكون كاملة أو غير كاملة، وإذا كانت كاملة فباطلاً توجد المعرفة له، وإذا كانت غير كاملة بدونها، يكون الخالق ناقصاً في طبيعته ويفتقر إلى أن يكمله آخر وذلك محال.

الاعتراض الثالث: – إذا كان الخالق إلهاً على كل العالم، فلو أو يكون مفتقراً إلى هذه المعرفة يكون وجودها شيئاً زائداً، وإذا كان مفتقراً تكون ألوهيته مركبة من الطبيعة والمعرفة وهذا محال، لأن كل مركب هو ممكن والخالق ضروري الوجود وليس ممكناً.

 

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: – إذا كان الواهب والأخذ شيئاً واحداً، لا يؤدي ذلك بالبسيط إلى شيء من التركيب، فإن الوحدة التي هي أبعد كل شيء عن الكثرة، ومع ذلك هي نص الإثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وهكذا حتى اللانهاية، وواضح أن كلا من هذه المعاني يمتاز عن البقية ومع ذلك لا تخرج الوحدة عن كونها بسيطة بانتقالها إلى صور وأشكال ومعاني كثيرة مختلفة، وهكذا الخالق ومعرفته.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن كمال طبيعة الخالق هو سبب وجود المعرفة في طبيعته منذ الأزل، وليس وجود المعرفة علة لكمال طبعه، وإن كانت المعرفة كمالاً لطبعنا نحن الضعفاء، وتستطيع أن تفهم ذلك من وجود الكائنات التي هي علة معرفتنا بينما هي ذاتها معلولة لمعرفة الخالق.

الرد على الاعتراض الثالث: – إن علة هذا العالم هو طبع الخالق الذي هو ضروري بوجوده ومعرفته، فمعرفته متأتية من كمال طبعه، وليست سبباً لهذا الكمال كما ظننتم، فلا تكون إذن الألوهية مركبة من الطبع والمعرفة.

البدعة الثانية

في رأي القائلين إن الخالق لا يعرف ذاته

الاعتراض: -إن المعرفة توجد صلة بين العارف والمعروف ولكنها لا تستطيع أن توجد إلا عند هذه الاثنينية اي حيث لا يكون العارف نفس المعروف، ولما كان الخالق واحدا وبسيطا أصلا، كيف يمكن أن توجد الاثنينية في طبعه لكي تثبت فيها معرفة ذاته، فإن كلامنا يعرف ذاته ويُعرف من ذاته بواسطة نفسنا، فالنفس ليست بعيدة عن التركيب كليا لأنها مكبلة بالجسد وهي مربوطة به وبقواه ربطا طبيعيا.

الرد: – أثبتنا سابقا أن الخالق يعرف كل شيء وكل عارف بشيء من الضروري أن يعرف بتلك المعرفة، ومن هنا يجب أن يعرف ذاته، وأما قولكم أن المعرفة توجد صلة بين العارف والمعروف واستنتاجكم الاثنينية من تلك المعرفة، فنرده بقولنا أن ليست كل كثرة لفظية كثرة حقيقية ومعنوية، فإننا نقول إن البشرية هي غير طبيعتها، وكذلك النفس هي غير قواها، ولا يدل ذلك على وجود اثنينية، هكذا يجب إذا أن نفهم العارف والمعروف عندما يكون العارف والمعروف واحدا.

البدعة الثالثة

وهي فكرة القائلين إن الخالق يعرف ذاته، ولكنه

ممكن أن يعرف غيرها

الاعتراض: – إن المعرفة في شيء يجب أن تكون متميزة عن المعرفة بشيء آخر، ولولا هذا التمييز لوجب أن نعرف كل الأشياء لمجرد معرفتنا شيء واحد، ولو كان الخالق عارفاً كل الأشياء لكان في ذاته لكل شيء معرفة خاصة وذلك ليس صحيحاً، لأن الجمع بين معارف كثيرة لا متناهية بالفعل لا يمكن.

الرد: – الجمع بين معارف لا متناهية في عارف متناه لا يمكن، وأما في اللامتناهي فهو ممكن، فإن الله هو غير متناه، واعتراضكم بهذا الصدد ليس إلا هذياناً لأننا نأخذ معرفتنا من الأشياء الموجودة، وبالنسبة إلى كثرتها يجب أن تزيد معارفنا، أما عند الخالق فذلك أمر هين لأنه بمعرفة واحدة وهي معرفة طبعه يعرف كل الكائنات.

البدعة الرابعة

هي فكرة القائلين إن الخالق يعرف الأشياء الكلية

ولا يعرف الجزئية

المقصد الأول

الاعتراضات

الاعتراض الاول: – لو علم الله أن سقراط جالس الآن في هذا المكان وعندما ينتقل من هذا المكان، فإذا ظلت المعرفة الأولى كما كانت فهي جهل. لأن سقراط قام وانتقل من محله، وهي تجد كأنه جالس فيه. أما إذا لم تبق هذه المعرفة كما كانت فقد تغيرت، ولا يمكن أن يدخل التغيير في كيان الخالق مطلقاً. إذا يعرف الله سقراط أنه إنسان، ويمكن أن يجلس أو يقوم أو ينتقل من مكان إلى آخر، وهذا نوع من المعرفة لا يمكن تغيره، لأن الأشياء الكلية هي غير متغيرة ويؤيد فكرتنا هذه ديونيسيوس بقوله: “إن الحكمة الإلهية تعرف جميع الأشياء الهيولية غير هيولية والمنقسمة غير منقسمة والكثيرة موحدة”.

الاعتراض الثاني: – كل إدراك جزئي يكون بحاسة آلية خاصة، كالنظر بواسطة العين والسمع بواسطة الأذن. الخ. ولو كان في الخالق معرفة الجزئيات لكان لديه حواس جسمية وجسم ذلك محال.

الاعتراض الثالث: – إن معرفة وجود الشيء هي الشيء نفسه، لأن الشيء إن لم يكن موجوداً كيف يمكن أن يعرف وجوده، ولو عرف الخالق الأشياء التي تصير وتحدث لكانت هذه الأشياء علة لمعرفته ولأصبحت معرفته ممكنة غير ضرورية وهذا محال.

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: – إن الله تعالى يعرف حقيقة أن سقراط جالس وكم هو مزمع أن يجلس ومتى يقوم، لأن معرفته كاملة، ومن هنا نستنتج أن هذه المعرفة لا تتغير لا في جلوس سقراط ولا في قيامه، لأنه كان يعرف بقيامه قبل أن يقوم.

اعتراض: – إن المعرفة التي بواسطتها عرف العارف أن سقراط سيقوم لا تكفي أن يعرف ذلك العارف أن سقراط قد قام، فإن الفلكي الأعمى يعرف أن في الساعة الفلانية سيخسف القمر، ولكن لا يستطيع أن يعين ويتأكد أن القمر قد خسف. كما لاي يعرف أن ساعة خسوفه قد دنت ومن هنا نتأكد أن المعرفة بكون سقراط سيقوم وبكونه قد قام، وبان القمر سيخسف وأنه قد خسف ليست واحدة.

الرد: – إن اعتراضكم هذا لا يحدث لقليلي المعرفة، لأن قليل المعرفة يمكن أن يعرف حدوث الشيء ولكنه يجهل زمن حدوثه كما برهنتم عن الأعمى العديم البصر. أما الخالق الذي هو أسمى من كل نقص وهو كامل بكل معرفة لا يمكن أن يطرأ عليه ما شرحتم. فإننا نصرح أنه يعرف الأشياء الهيولية بصورة مجردة من الهيولية أي لا يراها بالحواس التي هي آلات هيولية كالعين والأذن وما إليهما، لكنه بمعرفته الشاملة الواحدة غير الهيولية، ويريد الكتاب المقدس بقوله ” إن الحكمة الإلهية تعرف الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة” إن الحكمة الإلهية لا تعرف فقط كمية هذه الأشياء وزمن حدوثها، بل تعرفها قبل حدوثها وبعده، وبعد انعدامها.

الرد على الاعتراض الثاني: ­– ليس كل إدراك جزئي يكون بآلة جسمية، فإن النفس الناطقة ليس لها في ذاتها عيون وأذان ولكنها تعرف المرئيات والمسموعات وجميع الأشياء الحسية ولو لم تدرك هذه الأشياء لما استطاعت أن تجزم بتضاد بعضها البعض كالأسود والأبيض وما شاكل ذلك.

الرد على الاعتراض الثالث: – إن وجود الشيء هو علة معرفتنا نحن نسله، هو علة معرفة الخالق ننكر، فالخالق معرفته هي علة لجميع الموجودات، أما معرفتنا فهي معلولة ومسببة، ولهذا لا يمكن أن نشابه هذه بتلك.

البدعة الخامسة

وهي بدعة الذين يقولون إن الخالق يعرف

المواضيع وأعراضها بعد وجودها

لأن بمعرفته السابقة يعرف طبائعها فقط: وفيه

مقصدان

 

المقصد الأول

اعتراضاتهم النظرية

الاعتراض الأول: – لو كان الله يعرف المواضيع الجزئية قبل وجودها لكانت هذه المواضيع ضرورية أو غير ممكنة، لأن ما يعرفه الله أنه سيحدث فمن الضروري يحدث وما يعرفه الله أنه لا يحدث لا يمكن حدوثه مطلقاً، وهنا تنفى حرية البشر وسلطتهم الذاتية وتكون كل الشرائع الإلهية التي وضعت لإصلاح البشر باطلة، وواضح أن مثل هذا الرأي يؤدي إلى الكفر بالله. ولو قلنا إن الله تعالى بمعرفته السابقة يعرف بطرس وبولس ويعرف الإيمان والكفر قبل وجودهما، وإنه لم يعرف بطرس سيكفر وبولس سيؤمن إلا بعد كفر هذا وإيمان ذاك لأدى بنا الأمر أن معرفة الله بذلك تحدثها حتماً، لأنه لو عرف كفره ولو عرف أن بولس سيؤمن، لما استطاع بولس ألا أن يؤمن فلماذا إذا يُمدح كأنه قام بالعمل من ذاته.

الاعتراض الثاني: – إن المواضيع قبل وجودها هي في العدم، وما كان في العدم لا يستطيع أن ينفصل من المواضيع الأخرى التي هي في العدم، لأن هذا العدم يطلق على جميعها وليس لها قوة تنفصل بها عن بعضها، وما لا ينفصل عن مماثله في العدم، كيف يمكن أن يدرك أو أن يعرف، فالمواضيع إذن بعد وجودها يعرفها الخالق، وليس قبل وجودها.

الاعتراض الثالث: – لو عرف الله موضوعاً ما قبل وجوده، لعرف أنواع نعم الأبرار وأنواع عذابات الأشرار، ولو كانت هذه الأنواع معروفة لديه وإنها غير منتهية وذلك واضح بدليل قول الرب ” فيذهب هؤلاء إلى الحياة المؤبدة وأولئك إلى العذاب الأبدي” وواضح أن كلمة الأبد لا حد لها ولا نهاية، فالخالق إذن لا يعرف المواضيع إلا بعد وجودها.

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: – إن المواضيع الجزئية كالقيام والجلوس والكفر والإيمان ليس سببها معرفة الله بها وإن كان يعرفها، ولكن حرية سقراط وسلطته الذاتية هي سببها كما سنبين. ولكن معرفة الله التي ليست سبباً لها، ولا تمنع حدوثها أو بالحري لا تقيد حرية سقراط أن تقوم بأعمالها الإرادية الحرة لكي يمكن أن ينال هذا عقابه أو ثوابه في العالم الآخر.

الرد على الاعتراض الثاني: – لو احتاجت المواضيع عند انفصالها عن بعضها أن تُوجَد فعلاً، فهوذا كل منا يميز بين المثلث الزوايا والمربع الزوايا وإن لم يكن أي منهما حاضراً لدينا.

الرد على الاعتراض الثالث: – إن الله تعالى يعرف كل شيء كما هو، فيعرف المتناهي متناهياً وغير المتناهي غير متناه.

البدعة السادسة

في آراء القائلين إن الله يعرف المواضيع المحدودة

وأما غير المحدودة فلا يعرفها

المقصد الأول

اعتراضاتهم

الاعتراض الأول: – لو عرف الله المواضيع غير المحدودة، لوجدت في ذاته معارف لا تحد بالفعل، وذلك لا يمكن، لأن كل عدد بالفعل يقبل الزيادة والنقصان هو محدود وليس غير محدود.

الاعتراض الثاني: – كل شيء يُعرف منفصلاً عن غيره هو متناه، لأن المنفصل هو الذي يمتاز عما يجاوره بحده ونهايته أو بمسافته، فكل ما يعرف الخالق إذن يجب أن يكون متناهياً.

الاعتراض الثالث: – إن مخلوقات الله هي أقل بكثير من الأشياء المعروفة لديه، كيف لا وهوذا مواضيع كثيرة نعرف أنه يعرفها وقد خلقها كالشموس والأقمار الكثيرة وبحار من الزنبق وجبال من الجواهر. فمن يوجد إذاً مواضيع كثيرة أخرى لا نعرفها نحن، وهو يعرفها ولم يخلقها بعد. ولما كان الأمر كذلك، إذن من الضرورة تكون الأشياء المعروفة لديه أضعاف مخلوقاته. ولما كانت مخلوقاته محدودة، فالأشياء المعروفة لديه أيضاً يجب أن تكون محدودة لا غير محدودة، لأن أضعاف المحدود هي محدودة.

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: (فارغ في الملف)

الرد على الاعتراض الثاني: – إن غير المتناهي يمتاز وينفصل عن غيره بعدم التناهي، أعني من الأشياء المتناهية، ولكن ذلك لا يخرجه عن عدم تناهيه.

اعتراض: – إن ذلك يعني امتياز غير المتناهي من المتناهي فقط، أما الأشياء غير المتناهية فبماذا، تمتاز عندما تشارك أشياء أخرى غير متناهية.

الرد: ­­– إنها تمتاز بطبعها، لأن طبع الشيء هو ممتاز عن تناهيه، كيف لا وهوذا عدم التناهي عام لكل من الأشياء غير المتناهية، ويُطلق على جميعها. أما طبيعة كل منها فهي خاصة فقط بكل واحد، ولا تطلق على كلها.

الرد على الاعتراض الثالث: – …

البدعة السابعة

وهي بدعة القائلين إن الله لا يعرف جميع الأشياء

 القابلة أن تعرف

المقصد الأول

اعتراضاتهم

الاعتراض الأول: – لو كان الله عارفاً بكل الأشياء القابلة أن تعرف، فعندما يعرف أحد تلك الأشياء وجب أن يعرفه، ولما يعرفه يجب أن يعرف أنه يعرفه، ولما يعرف ذلك، يجب أن يعرف أنه يعرف، وهكذا حتى اللانهاية، ولما كان ذلك محالاً، يصدق القول بأنه لا يعرف كل الأشياء القابلة أن تعرف.

الاعتراض الثاني: – لو كان الله يعرف جميع الأشياء القابلة أن تعرف أي الأشياء الموجودة والتي يمكن أن توجد، لوجب القول إنه عندما يعرف شيئاً منها كالإنسان مثلا لا يكون ذلك الشيء قادراً أن يتعلم الفنون بالقوة، وإن يعمل الأعمال بدون حد، وإن يكون بأزمنة غير محدودة، إذ يتحد مع كونه إنساناً أن يكون طبيباً أو فلكياً أو مهندساً أو نجاراً أو اسكافياً، وبما أنه حيوان أن يجلس أو يقوم أو يركض أو أن يقتات بفاكهة أو تين أو ثمر. وبما أنه ذو بداية أن يولد قبل الطوفان أو بعده بيوم أو يومين أو ثلاثة. وهكذا ينتج أن لا عدد لهذه الأشياء، ولما كانت هذه المعرفة الخاصة بكل من هذه الأشياء غير متناهية، يجب أن تكون معرفة كل هذه الأشياء بلحظة واحدة، ولما كان العقل لا يقبل ذلك، يكون الافتراض كله باطلاً، والله لا يعرف كل الأشياء القابلة ان تعرف.

المقصد الثاني

الرد على الاعتراضين

الرد على الاعتراض الأول: – إن معرفة الله واحدة والدرجات التي أحصيتم ليست إلا أشباهاً وأشكالاً للأشياء الكثيرة القابلة أن تعرف، وكلها تخص تلك المعرفة الوحيدة النوع، وليس من المستحيل وجود أشكال لا متناهية وأشباه غير محدودة في الوحدة، لأن الوحدة هي نصف الاثنين وثلث الثلاثة والخ.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن إمكانية وجود المعارف الكثيرة التي ذكرتم، لم توردوا فيها برهاناً واحداً وأساسياً إلا ما لا يقبل العقل، وليس من الضروري أن لا يوجد كل شيء لا يقبله العقل البشري بينما العقل لا يستطيع البلوغ إلى أوج معرفته، فهوذا كثير من العقول البشرية لا تقبل أن النفس لا تضمحل باضمحلال الجسد، أو أنه يوجد شيء ليس بجسم ولا بمكان وليس في العالم أو خارجاً عنه، وليس من الضروري لأجل ضعف العقل أن ننكر وجود هذه الأشياء. فالمعارف الإلهية هي أسمى كمالا من جميع الكمالات وأعظم من جميع العجائب ومن يستطيع إدراكها كما هي.

 

الباب السادس

في أن الخالق لا يُرى بالعيون الجسدية

الفصل الأول

في إثبات البحث

المقصد الأول

البراهين العقلية التي تؤيد هذا البحث

البرهان الأول: – لكي تتم الرؤية الحقيقية، تفتقر إلى تسعة شروط: سلامة عضو النظر. صفاء الجو. تلويحه الشيء الذي تُطلب رؤيته. أن لا يكون في منتهى القرب ولا في منتهى البعد. أن لا يكون في منتهى الصِغر ولا في منتهى الدقة. أن لا يكون حاجز بين الرائي والمرئي. وأن يكون موضوعاً على خط مستقيم. فالشروط السبعة الأخيرة تختص بالأجسام فقط. والله تعالى ليس بجسم إذن لا يُرى. ولا يمكن أن نقول إن الشرطين الأولين يكفيان لجعل الشيء أن يُرى، فمع وجودها الآن، فإننا لا نرى الخالق، في أي عضو، بصرنا سليم والجو صاف ومع ذلك لا نستطيع أن نراه ولن نراه لأنه لا يمكن أن يُرى.

البرهان الثاني: – كل شيء يمكن أن يرى يجب أن يكون موضوعا على خط مستقيم مثل رائيه، والوجود في خط مستقيم لا يمكن أن يكون إلا لشيء يمكن وجوده في حيز ومكان، فالله تعالى لا يوجد لا في حيز ولا في مكان فهو إذن لا يُرى.

البرهان الثالث: – كل شيء تُمكن رؤيته يجب أن ينطبع شكله ولونه ضرورة في عين الرائي. وليس لله لا شكل ولا لون فلا يُرى إذن.

اعتراض: – كيف ليس لله شكل ولون وقد خلق الإنسان بشبهه وشكله؟.

الرد: – سنوضح في كلامنا عن النفس البشرية أنها هي خلقت على صورته الله وليس الجسد.

البرهان الرابع: – كل شيء تُمكن رؤيته يجب أن يكون له لون وشكل، كيف لا وهو الهواء الخالي منهما لا يرى، وإن كان بالإمكان الشعور به. فالله إذن ليس له لون ولا شكل، لا يُمكن أن يُرى، لأن هاتين الصفتين تخصان الأجسام، والله ليس بجسم.

 

المقصد الثاني

البراهين الكتابية التي تؤيد هذا البحث

البرهان الأول: – من التوراة ” وقال الله لموسى لا تستطيع أن ترى وجهي، لأنه لا يراني إنسان ويعيش، فترى فقط ورائي وأما وجهي فلا يُرى”.

البرهان الثاني: – من إنجيل يوحنا ” الله لم يره أحد قط”.

البرهان الثالث: – لديونيسيوس الأريوباغي ” كما إن الأشياء المعنوية صعبة الإدراك ولا تراها الحواس المادية، كذلك الله. لأن الأولى (المعنوية) هي بسيطة، وليس لها شكل، وأما الثانية (الحواس) فهي جسمية مادية، وهذه لا تستطيع أن تتوصل إلى تلك.

البرهان الرابع: – له أيضاً” إذا كان إنسان قد رأى الله فلا يفهم ما رأى، ولم يبصره بل أبصر الأشياء الخاصة به.

البرهان الخامس: – له أيضاً ” إن السحابة الإلهية هي النور البعيد الذي قيل إن الله يسكن فيه، ولما كان ذلك النور لا يُرى لأجل شدة إشعاعه، فالله أيضاً لا يُرى”.

البرهان السادس: – لغريغوريوس الثاولوغوس ” كيف يُرى الذي ليس له نهاية وحد وشكل وهيولة، فهذه الأمور خاصة بالأجسام وليس بالمتعالي عن الأجسام”.

البرهان السابع: – له أيضاً ” يجب أن نعرف الأشياء المادية من شكلها ونظامها فنرتقي منها إلى الأشياء التي لا تُرى (ومعنى ذلك أننا نرتقي من معرفة المعلولات إلى معرفة علتها”.

البرهان الثامن: – له أيضاً ” مهما أراد عقلنا أن يفصل بينه وبين الأشياء التي يستطيع أن يراها، لا يقدر أن يتوصل إلى الأشياء الروحية التي لا يمكن أن تُرى”.

البرهان التاسع: – له أيضاً ” كلمة الله الموجود قبل الكائنات الذي لا يُرى”.

البرهان العاشر: – للقديس اوغريس ” الذي هو بشبه الله لا يرى، هو وحده يفصح عن ذاته، أعني يترجم ذاته بواسطة القوة الناطقة التي هي على صورته”.

البرهان الحادي عشر: – ليوحنا فم الذهب “لنجلَّه كثيراً لذلك الذي لا يُرى ولا يُدرك”.

الفصل الثاني

في بدعة القائلين: إن الله منظور

المقصد الأول

برهانهم العقلي

إن الجسم والعرض يتساويان بالإمكان، وهذا الإمكان الذي يعمهما من الضرورة أن يكون علة عامة لكليهما، وهذه العلة إما أن تكون بداية لها أو أزلية، ولا يمكن أن تكون بداية، لأن البداية تدل على كون الشيء بعد أن لم يكن، إذن لا يمكن أن تمت إلى الأزلية بشيء، وكل شيء لا يمت إلى الأزلية لا يمكن أن يكون علة لشيء أزلي كقابلية الرؤيا، ينتج من ذلك أن تلك الأزلية تكون علة لقابلية الرؤيا الخاصة بالجسم والعرض. ومن هنا يجب أن توجد هذه (قابلية الرؤيا) حيث توجد تلك (الأجسام والأعراض) وأزلية الخالق هي موجودة دائماً. إذن، الخالق يقبل الرؤيا دائماً، وأما عدم استطاعة الإنسان رؤيته فذلك يعود إلى ضعفه.

المقصد الثاني

براهينهم الكتابية

البرهان الأول: – من التوراة ” وصعد موسى وهرون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله إسرائيل”.

البرهان الثاني: – أيوب ” سمع الأذن سمعتك والآن قد رأتك عيني”.

البرهان الثالث: – قول منوح ” سنهلك أيتها الامرأة لأننا رأينا الله”.

البرهان الرابع: – إشعياء ” وقد رأت عيناي الملك الرب القوي”.

البرهان الخامس: – حزقيال ” ورأيت فإذا منظر كشبه النار فمن ظهره إلى ما فوق رأيته كالشعاع وكشبه الله”.

البرهان السادس: – ميخا ” رأيت الرب جالساً على كرسي”.

البرهان السابع: – عاموس ” رأيت الرب جاساً على المذبح وعلى السور العظيم”.

البرهان الثامن: – دانيال ” كنت أرى كراسي قد وضعت وعتيق الأيام جلس”.

البرهان التاسع: – من الإنجيل ” من رآني فقد رأى الأب”.

البرهان العاشر: – الإنجيل أيضاً ” طوبى للأنقياء القلب فإنهم يعاينون الله”.

البرهان الحادي عشر: – بولس ” غير منظورات الله منذ تأسيس العالم تُرى بالفهم”.

البرهان الثاني عشر: – ديونيسيوس ” عندما نصبح غير مائتين وغير زائلين ونبلغ إلى الهدف الأسمى وهو المسيح. نكون في كل شيء مع الرب كما يقول الكتاب. فنمتلئ من رؤية الجلال الإلهي”.

البرهان الثالث عشر: – القديس غريغوريوس الثاولوغوس ” فيجب عندما نبتعد من هذه الأشياء أن نرى الله بذاته”.

البرهان الرابع عشر: – اوغريس ” كما إننا نرى الآن هذه الطبيعة بواسطة الحواس ثم سنراها عند انتقالنا بالعقل، هكذا عند تأملنا العميق بالعوالم غير الجسمية وعندما نبلغ إلى حد التطهير الأسمى. نستحق أن نرى الثالوث الأقدس”.

الفصل الثالث

في هدم هذه النظرية

المقصد الأول

الرد على برهانهم العقلي

إننا نرد على برهانهم العقلي بستة أشكال:

الشكل الأول: – إن اعتقادكم بأن الجسم والعرض متساويان بإمكانية النظر بعيد عن الصحة كثيرا، لأن الجسم يرى بواسطة لونه، ولهذا السبب لا ينتج أن الجسم والعرض لا يتساويان بإمكانية النظر، ولما كان أساس برهانكم على الرمل في استنتاجكم أن الخالق يمكن أن يرى باطل.

الشكل الثاني: – لو سلمنا معكم أن الجسم والعرض يتساويان بإمكانية النظر، نسألكم عن سبب قولكم، إن هذه الامكانية هي عامة بين هذين الشيئين وكيف لم تعرفوا أن العلة الواحدة يمكن أن تكون علة لمعلولات كثيرة مختلفة، والعمل الواحد يمكن أن يكون مشتركا بين أشياء كثيرة كالركض مثلا وهو عمل وحيد النوع ولكنه في الذئب علة الافتراس وفي الحمل علة النجاة.

الشكل الثالث: – نسلم معكم أن المعلول العام يحتاج إلى علة عامة، ولكن لماذا قلتم في هذه العلة. ما أن تكون ذات بداية وأزلية ولم تقولوا شيئاً آخر، وإن قلتم لم ندرك شيئاً آخر، نقول لكم أن عدم إدراككم للشيء لا يدل على عدم وجوده، وليس عسيراً على القائل أن يقول إن هذه العلة ليست لا ذات بداية ولا أزلية، ولكنها ممكنة الوجود. ولما كان وجود الله ليس من الممكنات. بل هو ضروري، فهو إذاً غير منظور. وإن الإمكان والبداية يمتازان عن بعضهما فذلك واضح، لا بداية وجود الشيء يدل على أنه كان بعد أن لم يكن، والإمكان يدل على أنه سينال الوجود من كائن آخر دون أن يُحد ذلك الكائن أو يُعرف، ومن هنا يتضح أن كل ذي بداية ممكن ولا يعكس، وإن كان كل ممكن من الأشياء الموجودة بالفعل ذا بداية حسب رأي الكنيسة المقدسة القويم، لأن الله تعالى قد أتى بجميع هذه الكائنات من العدم.

الشكل الرابع: – سلمنا معكم أن إمكانية النظر، إما أن تكون ذات بداية أو أزلية وليس شيئا آخر، ولكن لماذا قلتم إن البداية لا تصلح ان تكون علة بسبب عدم نسبتها الى الازلية، وكيف لم تفهم أن البداية لا تطلق على الحادث إلا من حيث زمن وجوده، وواضح أن في ذلك الزمن، لا يمكن أن يدخل عدم الوجود بمعنى الشيء الحادث وبحسب هذا الرأي يكون الخالق غير حادث، فهو إذن غير منظور.

الشكل الخامس: – سلمنا معكم أن الوجود هو علة قابلية الرؤية ولكن لماذا قلتم إنه عند وجودها. فمن الضرورة يجب أن يوجد المعلول، فهذا يوجب وجود شيء يمنع ذلك. فالشمس مثلا تنبت جميع البقول وتنمي الأشجار، ولكن عندما لا يكون شتاء يمنع حرارتها، فإذا وإن وجد الوجود الذي هو على قابلية النظر كرأيكم بالنسبة الى الخالق، فذلك لا يمنع وجود أسباب مانعة تحجب رؤية الخالق، ولذلك هو غير منظور.

الشكل السادس: – لو سلمنا معكم بزوال المانع (من الرؤيا) لما استفدتم شيئاً، فيمكن عدم وجود قابلية النظر إلا بوجود الشيء الذي يمت إلى كيان الخالق بصلة الوجود. فهذا فقط يستطيع رؤيته وهذا النوع أيضاً يكون بحسب انطباع ذاته في حدقة الرائي أو أن يوضع أمام نظره على خط مستقيم، وهذا محال، ولا يستطيع أي كائن أن يواجه الله فإذاً الله غير منظور.

المقصد الثاني

الرد على البراهين الكتابية التي اوردوها

الرد على البراهين التي اوردوها من العهد القديم:

-قلنا إن الخالق بطبعه من حيث هو موجود هو غير منظور، أما إذا تراءى بأشباه جسمية للذين يريد الظهور له. فنحن لا ننكر ذلك، فقد أيد ذلك تعالى بفم نبيه القائل ” لقد كثرت أشكالي وتراءيت بواسطة الأنبياء” فيكون نظر الانبياء إليه إذن خياليا وليس واقعيا، وذلك واضح من أن كل واحد منهم رأه بشكل خاص، والقديس ثاولوغوس يفسر رؤيا منوح بقوله: “إنهما لما تخيلا الله ظنا أنهما رأيا الله. ولكن بالحقيقة لم يرياه، ولعلهما رأيا بعض خواصه كالظل من الجسم، ومن العدل أن أقول إنهما لم يتوصلا إلى ذلك أيضا”. ونقول أيضا إن النظر يطلق أحيانا على السمع في الكتب المقدسة. فقد ورد في اشعياء قوله ” الخطاب الذي رآه اشعياء ابن اموص” والخطاب يسمع ولا يُرى ولذلك يمكن أن بعض الأنبياء عندما سمعوا شيئا من الكلمات الالهية ظنوا أنهم رأوا الله.

الرد على براهينهم التي في العهد الجديد: – يجب أن نعلم أن كلمة النظر تطلق أحياناً على نظر العينين الجسديتين وأحياناً على الأعين العقلية كقول القديس أوغريس إن رؤيا العقول هي حقيقية، فإن العقل الطاهر يرى كل شيء وكلمات الفلاسفة تؤيد ذلك، والرؤيا التي أخبرنا عنها العهد الجديد تشير إلى الرؤيا العقلية، وذلك واضح من قول الرب ” من رآني فقد رأى الأب” وإلا لو أراد. بها الرؤيا الحسية، كان يجب أن جميع الذين نظروا الابن أن ينظروا الآب أيضاً، ولو كان ذلك حقيقياً لما احتاجوا أن يقولوا له أرنا الآب وكفانا، فإذن لم يروا الآب برؤيتهم الابن، ولذا طلبوا إليه ذلك. ولو كانت رؤية الله حسية لما طوَّب الرب أنقياء القلب وكان يجب أن يطوب أنقياء العيون، وبواسطة هذه الأشياء زل النساطرة. فوجهوا سؤالاً سخيفاً في عهد جاثاليقهم طيمثاوس. إذ ظن بعضهم أن ناسوت الرب يرى اللاهوت، وقال غيرهم أن ذلك محال. ولو اهتدوا إلى التمييز بين الأعين العقلية والحسية، لما وقعوا بهذا الغلط، فالأعين الحسية لا تستطيع أن ترى الأشياء البسيطة التي تراها الأعين العقلية. فلو ميزوا ذلك. لما ناقضوا بعضهم وحرم بعضهم بعضاً، وأما رؤية الله العقلية أو الروحية، فذلك ما ينتظره جميع القديسين، ولما نال بعض السذج من الناس شيئاً من الكمال، لم يكن غير ممكن هذا النوع من الرؤيا لإنسان الله أن يتحد به. فمن يجرأ أن يقول إنه غير ممكن؟.

 

الباب السابع

في أن الله لا يدرك

الفصل الأول

في إثبات هذه القضية

المقصد الأول

 البراهين العقلية

البرهان الأول: – إننا لم ندرك من طبع الله إلا وجوده فقط. وقد قررنا أن جميع الممكنات أخذت وجودها من واجب الوجود وأسماؤه الجوهرية تدل على أنه لا يحصره جسم ولا مكان وليس له فضاه، واسماؤه الجوهرية الخاصة أيضاً هي معنوية. كالأزلي ومعناه الذي لا بداية له، والأبدي ومعناه لا نهاية له، والحي ومعناه الذي لا يموت، والقوي ومعناه عكس الضعيف، وأشباهه بالنسبة إلى ما يحيطه هي كنسبة الخالق إلى المخلوق. وهذه الأشياء كلها قد أخذت وجودها منه. وفيه صفات كثيرة تدل على انفراده بها كالحكمة التي تدل على كمال أعماله وإتقانها. وواضح أننا لا نستطيع أن ندرك منه تعالى إلا هذه الأنواع الثلاثة، وهذه وحدها لا تكفي للتعبير عن طبعه بوضوح ذلك لأننا عند تأملنا بها لا ندرك أكثر من أن الطبع الإلهي يحوي هذه الصفات فقط وما يشبهها، أما كنهه وطبعه فلا ندركهما مطلقاً. مثال ذلك المغناطيس كائن يمكن جذب الحديد، وإن لم يكن ملتصقاً به. أما كيانه هو حجر أم حديد أم خشب أم كائن آخر فلا نفهمه من هذه الجاذبية، بل من النظر إليه واللمس والتأمل، هكذا أيضاً الطبع الإلهي لا نعرف منه إلا الأشياء الظاهرة، ويوضح غريغوريوس ذلك بقوله

” لا نستطيع أن نفهم بساطته إلا إذا قايسناها بالكائنات المركبة بنوع أسمى”.

البرهان الثاني: – يكون الإدراك فينا بواسطة قوتين الحس والعقل، والحس يدرك الكائنات المحسوسة كالألوان والاصوات والروائح وما إليها، أما العقل فيدرك الأشياء المعنوية كالكل أكبر من الجزء، واثنين واثنين لا تصير خمسة وواضح أن النوع الثاني هو فرع للنوع الأول، والأول أساسه، لأننا لو لم نر بأعيننا الكل والجزء لما استطاع عقلنا أن يحكم أن الكل أكبر من الجزء، فإذا طبع الخالق الذي لا يدرك بشيء من حواسنا ولا تدركه عقولنا هو غير مدرك. فالحاسة تساعد العقل على الإدراك، فمن رؤية هذه المخلوقات يرتفع العقل إلى معرفة وجود خالقها إما أن يدرك ما هو فلا يستطيع.

البرهان الثالث: – إن الخواص لا نستطيع إدراكها من الخالق لا يمنع معناها من أن يشترك بها كثيرون، وإلا لما احتجنا إلى فهم وحدة طبعه بواسطة البرهان، أما طبعه تعالى فيمنع معناه من أن يشترك به كثيرون. والذي لا يمنع هو غير الذي يمنع. إذن ما نستطيع إدراكه من الخالق ليس طبعه، فطبعه إذن خفي لا ندركه.

المقصد الثاني

البراهين الكتابية

البرهان الأول: – أيوب ” هوذا الله قوي ولا يعرف ولا يمكن أن تحصى سنوه”.

البرهان الثاني: – المزامير ” تسامت معرفتك عني وعظمت جداً فلا أستطيع سبر غورها”.

البرهان الثالث: – ابن سيراخ ” لأن أسرار الله بعيدة وأعماله خفية عن البشر” فإذا كانت أعماله خفية فما أعظم طبعه إذاً”.

البرهان الرابع: – بولس ” من يستطيع أن يعرف ما في الإنسان، وهكذا لا يستطيع الإنسان أن يعرف ما في الله إلا روح الله”.

البرهان الخامس: – ديونيسيوس ” فلا يجب أن نقول أو أن نتجاسر أو ان نفكر شيئاً عن الإلوهية الخفية التي هي أسمى من كل جوهر أكثر مما أوضحت لنا الكتب المقدسة، أما معرفة سموها وجوهرها فلا نستطيع، لأن جوهرها أسمى من كل وصف، وكل جوهر يتضاءل أمامها، ومهما استطعنا أن نتسامى لا نستطيع البلوغ إلى أشعتها السامية إلا بقدر ما تسمح لنا الأشعة نفسها”.

البرهان السادس: – غريغوريوس الثاولوغوس ” إما أن ينحصر هذا كله في العقل فذلك لا يمكن ولا يتصور ليس الكائنات الناظرة إلى أسفل فقط، ولكن للكائنات المتسامية والمحبة للأمور الإلهية أيضاً”.

البرهان السابع: – اوغريس ” كل شيء وجد إعلان عن حكمة الله فقط، وليس شيء من هذه الكائنات يدرك طبعه مطلقاً”.

البرهان الثامن: – هو أيضاً ” إن الذي ينظر إلى الله بعين عقله، فلا يرى طبعه، بل أثر حكمته فقط، وإن كان الأمر هكذا، فما أغبى الذين يتجاسرون للفحص عن روحه”.

البرهان التاسع: – إياونيس ” لذلك الذي هو أسمى من الإدراك وأرفع من عقول المائتين الذي لا يدركه الملائكة ولا يفهمه رؤساء الملائكة ولا يعرفه الكروبيون ولا يراه الساروفيون، ولا يتوصل الرؤساء ولا المسلطون ولا جميع القوات السماوية كيف تستطيع أن تنظر إليه هذه الخليقة”.

البرهان العاشر: – مار سويريوس الأنطاكي في ميمره ضد النحوي” ما هو جوهر الله لا يعرف مطلقاً ليس لنا فقط بل لكل الخليقة الناطقة”.

الفصل الثاني

في آراء القائلين، إن الخالق يدرك وليس خفياً

المقصد الأول

اعتراضاتهم

الاعتراض الأول: – إن التصور أصل، والتصديق فرع ووجود الفرع يدل ضرورة على وجود الأصل، لأنه لو لم يكن الأصل موجوداً لما وجد الفرع أيضاً، والطبع الإلهي لو لم يكن فتصوَّرا لنا، كيف كان يمكن أن يصدقه عقلنا وهو خفي غير مدرك.

الاعتراض الثاني: – إننا نحتم حتما بأن الطبع الإلهي هو موجود وضروري وأزلي وخالق وصالح الخ. ولو لم يكن هذا الطبع معروفاً لدينا، فلمن كنا نعزو هذه الأشياء العل لشيء لا نعرفه؟ وكيف كانت تصدق وتؤيد قراراتنا هذه، فإذا كانت هذه القرارات حقيقية، فالخالق معروف لدينا وبالتالي مدرك، ولو لم يكن معروفاً لدينا طبعه، لكانت قراراتنا باطلة، ولكان قياسنا قضية منطقية كاذبة أو ما يشبه حلقة مفرغة.

المقصد الثاني

براهينهم النقلية

البرهان الأول: – صموئيل ” ولم يعرف صموئيل الرب بعد لوم يتجلَّ عليه كلام الرب” أن قوله (لم يعرف بعد) يدل على أنه يتجلى له وسيعرفه.

البرهان الثاني: – سليمان ” حينئذ ستفهم معرفة الرب وتجد معرفة الله”.

البرهان الثالث: – اشعياء ” وسيعرف الرب من المصريين وسيعرف المصريون الرب في ذلك اليوم”.

البرهان الرابع: – الإنجيل ” لا يعرف أحد الأب إلا الابن فقط، والابن يظهره لمن يشاء” ومعنى ذلك كما أن الابن يعرف الأب، هكذا يستطيع الابن أن يظهر الاب للذين يريد.

البرهان الخامس: – الإنجيل أيضاً “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنك الله وحق وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”.

البرهان السادس: – ديونيسيوس “أما الآن فإننا نجد النور الأزلي ونمجده ونقول إن النور الأزلي هو الصالح نفسه، لأن نوره يملأ كل عقل فوق السماء، ويبعد كل جهل وضلال من كل النفوس التي يشرق فيها ويشرك جميعها بنوره المقدس، وينقي أعينها العقلية من ظلام الجهل المتلبد عليها. وييقظها ويفتحها لأنها ثقلت بالظلام الحالك، ويشركها أولا بأشعته الساطعة، فتصبح وكأنها ذاقت عذوبة النور أكثر اشتياقا إليه فيزيدها منه وينيرها أكثر فأكثر، لأنها أحبت كثيرا ويرفعها نحو الأعلى بالنسبة إلى ترفعها عن المادة”.

البرهان السابع: -غريغوريوس الثاولوغوس “ما هو جوهر الله الذي تريد وصفه، وتريد التساؤل عن ولادته، ذاك أمر عظيم بالنسبة إلينا الآن، ولكن في النهاية عندما يرتفع عنا هذا الظلام الحالك، فحينئذ سنفهم ما ننتظره الآن. ولكن بعد التطهير (التطهير من المادة).

البرهان الثامن: – هو أيضاً ” إن نظرية الثالوث الأقدس العليا ستشرق علينا بأكثر وضوح وأعظم سطوع، ويتحد بها العقل اتحاداً كلياً”.

البرهان التاسع: – اوغريس ” ليس العقل على صورة الله، لأنه غير جسم، لكن لأنه يستطيع أن يقبل معرفة الثالوث الأقدس”.

البرهان العاشر: -هو أيضا ” إن الله معروف قبل الدينونة للعارفين. ولكن بعد الدينونة سيعرف للعارفين ولغير العارفين كما هو مكتوب إن الله سيعرف في الدينونة “.

الفصل الثالث

في نقض نظرية القائلين، إن الله يدرك وليس خفياً

المقصد الأول

الرد على براهينهم العقلية

الرد على الاعتراض الاول: – إن الله تعالى لا نَعدَم تصوره كليا، لأن وجوده معروف لدينا، أما طبعه فليس معروفا، ومن المؤكد أن وجوده هو غير طبيعته، لان كثيرين يعرفون وجود الله وأما طبيعته فلا يعرفها أحد. ولكن مقدمات هذه الأشياء المعروفة لدينا عنه تعالى لتنحصر فقط في إدراك معرفة وجوده. أما طبيعته فلا تدرك مطلقا.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن اعتراضكم الثاني فيه نفس المعنى الوارد في الاعتراض الأول، ولا يفرق عنه إلا بالتركيب، ونرد عليه بقولنا إن العقاقير الكثيرة والأغذية نعرف مفعولها ولكننا نجهل طبيعتها ………….

 

المقصد الثاني

الرد على اعتراضاتهم النقلية عامة

إن كل شيء يمكن إدراكه إما أن يُدرك وجوده المجرد أو تدرك مع وجوده بعض مفاعيله، وإما تدرك مع وجوده كل مفاعيله، ومن المؤكد أن النوع الأول لا يعطينا فكرة صحيحة عن كيان الشيء، لأن وجوده هو عام بين جميع الاشياء المشابهة له بالجنس، وكيان كل شيء من تلك الأشياء يشابه كيان البقية، وأما النوع الثاني، وأن يعطينا فكرة صحيحة عن بعض كيان الشيء ولكنها ليست كاملة، والنوع الثالث إذا كانت مفاعيل الشيء متناهية، يعطينا فكرة صحيحة كاملة عن معرفته (الشيء) وإن لم تكن مفاعليه متناهية، فلا يعطينا شيئاً ولا نستطيع إدراكه كما أنه من الواضح أننا لا نستطيع معرفة المجهول بالمجهول، ولما كانت هذه الأمور هكذا نقول، إن معظم الناس في هذه الحياة يستطيعون أن يعرفوا الله تعالى كالنوع الأول من المعرفة وإن كانوا لا يستطيعون كلهم ذلك، وأما النوع الثاني فبعض الناس يستطيعون حيازته بواسطة الكتب الإلهية أو التفكير الصحيح أو الوحي المباشر، لأن كل واحد بالنسبة إلى نقاء عقله وصفاء فكره ومدى اجتهاده يستطيع التغلغل في السحابة الإلهية والسكن في الخيمة السرية كما قال القديس بولس ” إن كل إنسان بحسب قوته تعطى له الحكمة والهداية من الله”. والنوع الثالث من المعرفة فيجب علينا اعتباره غير ممكن الوصول إليه. ليس فقط بالنسبة إلى الناطقين الذين يدبون على الأرض، ولكن لجميع الأجواق الملكية، فكما أن الجسم لا يسبق ظله بالوجود، ولا تتساوى العشرة مع الألف أو الربوة، هكذا لا يمكن أن يحصر الكائن المتناهي الكائن اللامتناهي. وأشبه هذه المعرفة بالمثل القادم، فلنفترض رجلاً لم ير النور أبداً، ولكنه أظلَّ في بعض الليالي إلى صحراء مقفرة ومظلمة، ورأها قد استضاءت فجأة، وعند رجوعه إلى عقله يتأكد أن ذلك النور لم يوجد هناك بدون علة، بل له علة أوجدته، ولكن كيفية تلك العلة أو ماهيتها فلا يعرفها وهذا هو النوع الأول من المعرفة، ثم إذا تعمق الناظر وتأمل جيدا بالجهة المنبعث منها النور، فيرى أن هناك شيئاً، يشبه السراج الساطع في وسط ذلك النور، فيعرف حقيقة أنه العلة الوحيدة لإشعاع ذلك النور، لأن الأقل نوراً يأخذ قوته من الأكثر ولا يعكس. وهنا إدراك بعض خواص النار وكيفياتها بواسطة ذلك السراج المشع، وفي النظرة الأولى وإن ادرك بعض خواصها، ولكنه لم يدركها بذاتها بل بواسطة معلولها. وهذه هي الدرجة الثانية في المعرفة، ثم إذا قرر السير نحو تلك النار ونفذ القرار حتى بلغ موضعها وأوشك أن يصطدم بها حينئذ يدركها ويعرفها حقيقة ويفهم كل خواصها وقواها وينظرها كما هي بشدتها وقوتها وجوهرها وحرارتها، ويعرف فوق ذلك أنه لا يستطيع أن يضع يده فيها لحظة واحدة. وأن كل شيء يدنو منها، تحرقه وتحيله إلى طبعها وهي لا تتحول إلى طبع شيء من الأشياء، وعندما يعرف عنها هذه الأشياء وما إليها تكون معرفته كاملة بالنسبة إليها، وهذه هي الدرجة الثالثة من المعرفة والتي لا يمكن أن ندرك الله مثلها مطلقاً، ولكن أما نرى ذكر الله وصفاته وبعض خواصه في الكتب المقدسة، نستطيع التوصل إلى معرفته معرفة من الدرجة الأولى والثانية، وأما الدرجة الثالثة فلم يتوصل إليها مخلوق لأنها لا زالت مكتوبة عن كل الأجيال والدهور، ومن هذا التمثيل ظهر لنا أن الله تعالى لا يُدرك كل الإدراك ولا يَجهل كل الجهل، كما قال القديس غريغوريوس (هناك فرق عظيم بين معرفة وجود الشيء وماهيته. أي أننا نعرف وجود الخالق وإن كنا لا ندرك ماهيته).

 

الباب الثامن

في أن الله واحد

الفصل الأول

في إثبات هذه الحقيقة

المقصد الأول

إثباتها من البراهين العقلية

البرهان الأول: – لو أمكن وجود إلهين لاشتركا بضرورة الوجود ولا فترقا بالنوع والجنس والطبيعة، ولكان كل منهما مركباً من جزئين فاصلين أي الجنس والفصل وكل مركب ممكن وغير ضروري، وكل كائن ممكن ليس إلهاً، إذن فالله الواجب الوجود واحد ضرورة.

اعتراض: – إذن كل واحد من أقنومي الابن والروح ممكن بما أنهما معلولا الأب، ولا يصح أن نقول عن كل منهما أنه إله، ومن هنا تكون عقيدة المسيحيين باطلة.

الرد والحل: – كان ذلك صحيحا لو كنا نعتقد بوجود ثلاث طبائع للأقانيم الثلاثة، ولما كانت طبيعتهم واحدة فيصح إذن أن نقول عن كل من الأقانيم أنه واجب الوجود، فظنكم واعتراضكم بعيد عن الحقيقة، ولو قلنا إن طبيعتي الابن والروح معلولتان لطبيعة الاب لكان اعتراضكم مقنعا وصحيحا، ونحن لا نقول ذلك. لأن المعلول هنا ليس طبيعة لكن الأقنوم المعنوي فقط، فالولادة والانبثاق وما إليهما لا تؤدي إلى التركيب الطبيعي لأنها صفات أو خواص وليس فواصل.

البرهان الثاني: – لو أمكن وجود الهين، لأمكن أن يشاء أحدهما بحدوث الطوفان والآخر لا يشاء، ولكملت إما ارادتا كليهما أو لم تكملا كلتاهما معا، أو لكملت إرادة أحدهما على الأخص، وإرادة الآخر لا، والافتراض الأول ليس صحيحا لأنه يؤدي إلى اجتماع الضدين أي أن يكون الطوفان وأن لا يكون بوقت واحد، والافتراض الثاني أيضا ليس صحيحا، لأنه يؤدي إلى زوال الضدين معا، أي أن لا يكون طوفان والثالث أيضا ليس صحيحا، لأن الذي لم تكمل ارادته ليس إلها، والآخر الذي كملت ارادته هو الإله الوحيد الواحد تبارك اسمه.

البرهان الثالث: – لو كان إلهان، لكان كل منهما قادراً أن يخلق خليقة كاملة، ولوجدت هذه الخليقة أما بواسطة كليهما أو بواسطة أحدهما أو لا توجد أي منهما، والافتراض الأول باطل، لأنه إذا اشتركا كلاهما بخلقة تلك الخليقة ليس كل منهما خالقاً كاملاً لتلك الخليقة، بل هو نصف خالق، فلا تثبت والحالة هذه قدرة كل منهما على الخلق، والافتراض الثاني أيضاً ليس صحيحاً، لأن الذي مَنَع من إظهار كل منهما قوته في الخلق هو واحد آخر غيرهما، ولوجب والحالة هذه أما وجود كليهما. أو عدم وجودهما معاً وهذا محال. والافتراض الثالث أيضاً ليس صحيحاً، لأننا قلنا عن كليهما معاً أنهما يحوزان قوة الخلق الكاملة. وليس لواحد منهما. فكيف يمكن إذن أن يخلق أحدهما والآخر لا، ولما كانت تثنية الآلهة تؤدي إلى مثل هذه المستحيلات. فالله واحد حقيقة لا أكثر.

المقصد الثاني

البراهين النقلية

البرهان الأول: – من التوراة ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك واحد هو”.

البرهان الثاني: – فيها أيضاً ” انظروا إني أنا هو وليس إله غيري”.

البرهان الثالث: – زكريا ” في ذلك اليوم يكون الرب واحد واسمه واحد”.

البرهان الرابع: – دانيال ” ويعرفون أنك إله واحد وحدك وقادر في جميع أعمالك”.

البرهان الخامس: – اشعياء ” قال الرب أنا هو الرب وليس إله غيري”.

البرهان السادس: – الانجيل ” لماذا تدعوني صالحاً، ليس صالحاً إلا الله الواحد”.

البرهان السابع: – بولس ” العل إله اليهود هو واحد وإله الأمم لا، إن إله الأمم أيضاً هو هو، لأن الله واحد وهو الذي يبرر الختان بالإيمان والغرلة أيضاً بالإيمان”.

البرهان الثامن: – له أيضا نحن نعلم أنه ليس صنم في العالم وليس إله يخر إلا واحد وإن كان يوجد كثيرون يدعون آلهة في السماء أو في الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون لكن إلهنا واحد هو الله الأب”.

البرهان التاسع: – ديونيسيوس ” واحد هو الله العالي الشأن ولا ينقسم إلى أقسام وهو مجرد ولا يمتزج بآخرين كثيرين ولا يتضاعف”.

البرهان العاشر: – غريغوريوس ” وفي هذه المضادات أيضاً نسقط في شر مماثل لأننا نضع ثلاثة رؤوس وثلاثة آلهة، فمن قال ذلك فقد أراد المستحيل.

الفصل الثاني

في فكرة المعتقدين بآلهة كثيرة

المقصد الأول

اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الاول: – إن الإلهين اللذين نعتقد بوجودهما يجب أن يكونا ساميي الحكمة، والحكم هو الذي لا يريد أن يعمل إلا ما هو خير وجيد، وعمل الخير الأسمى في كل شيء هو واحد، ولما كان كل منهما ساميا في الحكمة، فمن الضروري أن يختار عمل الخير، ومن هنا المضادات الضرورية يجب أن تتساوى بوجودها وإن كانت تختلف وتتضاد في طبيعتها.

الاعتراض الثاني: – يجب أن يعرف هذا أن الإلهان ضرورة بسابق معرفتهما جميع الضروريات التي ستصير بالفعل، والتي لن تصير، ولذلك لا يمكن أن تُطلب الاشياء التي لن تصير، فيشاء كلاهما أن تصير الضرورية وأن لا تصير الأخرى، ويظهر أن متساويين في الإرادة والعمل وإن كانا لا يتساويان في الطبيعة.

الاعتراض الثالث: – يوجد في هذا العالم خير وشر، ولا يمكن أن يكون لهما صانع واحد، بل لا يمكن أن يريد بكليهما معا، فيجب إذن أن يكون خالق الخير صالحا وخالق الشر طالحا، ويجب أن يكون كلاهما خالقين اي إلهين.

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الاول: – إن عمل الخير وإن كان واحدا بالنسبة إلى إلهيكم المزعومين المختلفين بطبعهما، لكنه لا يمكن أن يكون واحدا بنفس الدرجة من الخير، فما كان يحسب عند أحدهما خيرا، لا يمكن أن يكون عند الآخر خيرا أيضا، وإلا لاشتركا بالطبع ولَمَا اختلفا، وينتج من ذلك مناقضات إرادية كثيرة بينهما وهذا ما يمنع وجود إلهين.

الرد على الاعتراض الثاني: – إن المعرفة تتبع الشيء المعروف، وليس الشيء المعروف يتبع المعرفة، وبذلك تكون إمكانية وجود العمل بالفعل.

الرد على الاعتراض الثالث: – إن الإله الصالح إذا كان قاصراً عن إبطال الخطيئة فهو ضعيف وبالتالي ليس إلهاً، وإذا كان قادراً على إبطالها ولم يفعل فهو طالح وليس صالحاً، والإله الطالح أيضاً إذا كان قاصراً عن عمل الخير يكون ضعيفاً وإذا كان قادراً ولم يفعل يكون صالحاً وليس طالحاً، ومن هنا تمتنع ألوهيتهما الموهومة.

 

الباب التاسع

في التثليث والتوحيد

الفصل الأول

في تأييد هذه العقيدة الأساسية

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذا المطلب بتسع

نظريات

النظرية الأولى

في أن الخالق حكيم وحي

إننا أيدنا سابقاً بإسهاب، أن الخالق حكيم وقد أبدع الكائنات بمعرفته وأما كونه حيا، فذلك واضح من كونه عارفا، وكل عارف حي، فالخالق إذا العارف هو حي، وقد توصلنا إلى هذه النتيجة من عكس هذا البرهان وهو أن كل كائن ليس حيا لا يعرف.

النظرية الثانية

في أن الخالق هو حكيم بالحكمة وحي بالحياة

البرهان الاول: – لو لم يكن الخالق عارفا بالحكمة وحيا بالحياة، لوجد معدوما من الحكمة والحياة، وكل معدوم من الحكمة والحياة لا يعرف ولا يحيا، فالخالق إذن لو لم يكن عارفا وحياً بالحكمة والحياة لما كان عارفا ولا حيا وذلك محال.

البرهان الثاني: – إن البرهان الذي يؤيد وحدانية الخالق لا يكفي لتأييد كونه حكيما وحيا، وإلا لما احتجنا إلى برهان آخر لتأييد كونه حكيما وحيا، ومن هنا يتضح أن طبيعة واجب الوجود تمتاز بمعناها عن معنى الحكيم والحي، فإذا يكون الخالق حكيما وحيا بطريقتين خاصتين (أي تفترقان عن كونه واحدا).

النظرية الثالثة

في أن حكمة الخالق وحياته هما اقنومان كاملان

إن حكمة الخالق وحياته، فإما أن يكون كل منهما جوهرا أو عرضا، ولا يمكن أن يكون عرضا وإلا لوجد الخالق حادثا بالإعراض وتطرأ عليه تغييرات وتبدلات وذلك محال، فإذا يكون كل منهما (الحكمة والحياة) جوهرا، ولا يمكن أن يكون جوهرا كليا، وإلا لأطلقت الحكمة والحياة على الخالق بالنسبة التي تطلق على المخلوقات بذاتها، وينتج من هذا أن كلا منهما جوهر وحيد، وهذا ليس شيئا آخر غير الاقنوم، فحكمة الخالق وحياته إذا اقنومان كاملان، لأن الحي العارف يفترق بمعناه من الحياة والحكمة كما قلنا وهو أيضاً اقنوم كامل وله الحياة والحكمة ومن هنا يشرق علينا نور التثليث واضحاً وفيه ثلاثة أقانيم بطبع واحد إلهي.

اعتراض: – لو كان الخالق بكونه حياً وعاقلاً ذا أقانيم متميزة عن بعضها، لاستطعنا أن نقول إن الخالق الصالح العادل الرحيم الغيور الأزلي الأبدي أقانيم متميزة عن بعضها، ولَمَا توقفنا عند ثلاثة أقانيم فقط، بل لتوصلنا إلى عشرة وأكثر.

الرد: – إن الصفات الإلهية بعضها جوهرية وبعضها إضافية نسبية، والصفات الجوهرية هي الحكمة والحياة لأنهما لا يقاسان إلى بقية الصفات ولا يدلان على عدم الشيء، ومن أجل ذلك اعترف بهما المسيحيون أقنومين كاملين، وأما الصفات الإضافية التي تطلق على الخالق بالنسبة إلى مستحقيها فهو صالح مثلا بالنسبة إلى الذي يستحق، ومثل هذه الصفات لا يمكن أن تكون أقانيم كاملة، لذلك لم يُعتقد بها هكذا، لأنها منتزعة من أشياء خارجية غير جوهرية وهي أكثر ضعفاً من الأعراض ذاتها، ويمكنها أن تقوم بغيرها لا بنفسها أو أن تُعقَل كذلك، وأما الصفات النسبية كالأزلية والأبدية اللتين تدلان على عدم وجود بداية ونهاية فلا نستطيع أيضاً إقرارهما أقانيم كاملة، لأنها تدل على عدم الشيء وليس على وجوده، فيجب إذن أن يكون الكلمة والروح أقنومين كاملين مع الأقنوم الذي يخصانه.

اعتراض: – إن القادر بما أنه يشبه “المقدور” (الشيء الذي يستطاع) ليس أقنوماً كاملاً، فالعارف أو الحكيم، إذن بما أنه يشبه “المعروف” ليس أقنوماً كاملاً أيضاً.

الرد: – إن “القادر” صفة لا يمكن تصورها إلا بكائن آخر، لأنه لو لم يكن المقدور “المخلوق” بالعقل أو بالفعل فمن هو إذن ” مقدور” القادر؟ إما الحكيم أو العارف فليس هكذا، لأنه يقال عن الخالق أنه يعرف ذاته أولاً واصلياً، وبواسطة معرفته لذلك، يعرف جميع الأشياء الباقية كما أوضحنا سابقاً بإسهاب، ومن هنا يتضح أن المعرفة الأولى والأساسية هي التي لا تكون تشبه معرفة أخرى خارجة عن ذات الخالق. فالمعرفة الخارجة عن ذاته هي معرفة إضافية، وهي خارجة عن المعرفة الأولى الأساسية، ولذلك نقول عن المعرفة الأولى الأساسية “أٌقنوماً كاملاً” بينما لا نطلق ذلك على المعرفة الثانية الإضافية، وقد أيَّد الفلاسفة هذا الأمر ببراهين كثيرة، وذلك عند تأييدهم وحدانية معرفة الخالق، وإن كان يعرف أشياء كثيرة.

النظرية الرابعة

في أن الأقانيم وإن كانت متميزة عن بعضها ولكنها

غير مفترقة ولا منقسمة من الأقنوم الأول الذي له

الحكمة والحياة

البرهان الأول: – لو أمكن وجود الأقانيم ذو الحكمة والحياة بدونهما، لأمكن وجوده محروماً منهما دائماً، ومن هنا ينتج المحال الذي نتج في النظرية الثانية.

البرهان الثاني: – لو أمكن وجود الحكمة والحياة بدون الأقنوم الذي يخصانه، لكانت الحياة عدماً وذلك محال، فإذاً الأقانيم ليست منفصلة ولا منعزلة من بعضها وإن كانت تتميز بنوع عقلي فقط.

النظرية الخامسة

في أن علم اللاهوت يدعو الأقنوم الحي العاقل أباً

والحكمة ابناً والحياة روحاً

إن علم اللاهوت يدعو الحكمة الالهية كلمة، وبما أن الكلمة عادة تتولد من العقل، فمن الواجب أن تدعى الكلمة ابنا، أما والدها أعني العقل الواجب الوجود الذي هو علة كل العقول والكائنات فيدعى أبا، والحياة تدعى الروح القدس وذلك بشبه ما لدينا، لأنه لا يوجد حي إلا وفيه روح محيي، أما الكلمة هنا فلا يجب أن تُعتبر ما ينطق به ويٌطلق في الهواء، بل تلك التي تشاركنا بطبيعتنا ووجودنا، ولذلك نمتاز عن البهائم وإن كان أحدنا أصم أو لا نطق له، والروح كذلك لا يجب أن يعتبر ما يجري في عروقنا وشراييننا من الحياة. بل تلك الروح غير الهيولية المعتبرة شرارة أو اشعاعا من الله، وبواسطتها نحن أحياء ناطقون.

اعتراض: – أي شيء الجأ مؤسسي ديانتكم أن يتعبوا نفوسهم وسامعيهم بهذه النظريات المتشابكة الخاطئة وأن يشركوا الطبع الإلهي بالتشابيه الحيوانية، ولو كان تعليمهم خاليا من هذه الكّن، لكانت ديانتكم أكثر وضوحا وسهولة وذلك بأن تعترف بالله طبعا واحدا واقنوما واحدا وإلها واحدا، ولاستطاع كل واحد أن يقبلها دون ريب أو شك.

الرد: – إن مؤسسي هذه الديانة لم يأتوا بهذه الكّن من نفوسهم، بل أظهر لهم فم الله المقدس كما سنرى، وليست هذه الكن جديدة في ديانتنا بل إنما قد استعملت كثيراً في العهد القديم، فقد دعي الله أباً وقد صرح تعالى أيضاً بوجود ابن ودعا إسرائيل ابنه البكر، ويجد القارئ في العهد القديم نصوحاً كثيرة تؤيد ذلك.

لو افترضنا أن المؤسسين الأولين لهذه الديانة هم الذين ابتكروا هذه الكّن من عندهم فليس ذلك باطلاً. وله ثلاثة أسباب وجيهة:

الأول: – بأن يُعطوا المتلمذين هذه المعارف الإلهية بصورة بسيطة ولا سيما إذا كان المتلمذون في بدء دخولهم وهم محاطون بغير المؤمنين وقد حذَّر بفمه الأقدس قال ” لا تطرحوا القدس للكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير لئلا تدوسها وترجع فتمزقكم” وقد كتب القديس غريغوريوس مقالاً خاصاً في هذا الموضوع وأظهر أنه لا يجوز لأي كان أن يتكلم عن موضوع اللاهوت.

والسبب الثاني: – أن يحرضوا محبي الحق بواسطة هذه الكن العقلية للارتفاع إلى معرفة الأسرار الإلهية بنشاط واهتمام، فتتولد حينئذ نظرية جديدة من النظرية السابقة وإدراك أسمى من الإدراك السابق وهكذا بواسطة هذا التدرج العقلي يتوصلون إلى المعرفة العليا وبرهاناً لذلك قد اتخذ العلماء الأقدمون هذه الطريقة فأذاعوا تعاليمهم بالغاز وأمثال مثل فيثاغورس وغيره.

والسبب الثالث: – لكي ندرك النظريات الغامضة العسرة الفهم بواسطة الاصطلاحات الخاصة بنا (الروح والحياة مثلا) وهذه وإن كانت أسمى من إدراكنا ولكننا نرتقي إلى معرفة المجهول بالمعلوم كما ينص قانون الطبيعة العادل. كما قال القديس ديونيسيوس ” إن علم اللاهوت قد استعمل تعابير شعرية بالنسبة إلى العقول الفتية، فأحضر أمام عقلنا تشابيه بسيطة ولطيفة لكي نفهم بواسطتها المدركات السامية، ونرد على قولهم بأن الدين يكون أكثر سهولة وأٌقرب إلى القبول إذا تجرد من هذه الاصطلاحات العويصة بقولنا: إن هدف واضعي كل دين هو إيصال اتباعه إلى الحق بغض النظر إذا كان سهلا قبوله أو لا، ولو قبلنا هذا  الافتراض لشذذنا عن الحق لأنه ليس كل سهل القبول حقاً، ومع هذا إن الدين المسيحي مع صعوبة فهمه هو سهل القبول للملوك والصعاليك للعلماء والجهلاء، ومع غموض هذا الدين عن الفكر البشري المجرد وكثرة مواعيده المهمة بالنسبة إلى الإنسان، فقد قبله الكثيرون واستهانوا بالسيف والتعذيب، ولو كان فهمه (الدين المسيحي) سهلاً وقبوله مستساغاً بالنسبة إلى الإنسان، لكان إنكاره سهلاً واستبداله بالعجل بسيطاً كالدين اليهودي.

النظرية السادسة

في أن الابن والروح وإن كانا معلولي أقنوم الأب

لكان خاصة الابن البنوة أو الولادة وخاصة الروح

الانبثاق

إن سبب كون خاصة الابن البنوة فقط، وخاصة الحياة أو الروح الانبثاق ولياس البنوة هو هذا. إن الكلمة عندما تكون كامنة في العقل تتلد منه بحركة فكرية، أما الحياة فلیست خفية أو كامنة لأن الكائن هو حي، وليست كالكلمة التي تكون تارة خفية كامنة وطورا تظهر، ولكنها (الحياة) تدل دائما على الظهور لأنها تحيي الكائن على الدوام كما يؤيد علم اللاهوت. إن الروح يهب حيث يشاء ومن أجل ذلك هو ظاهر غير منقطع فمن العدل إذا أن تكون خاصة الابن الكلمة البنوة وخاصة الحياة أي الروح القدس الانبثاق.

اعتاراض: – إذا كنت لا تُطلق لقب الكلمة على ما تنطق به وتطلقه، بل تخص ذلك بالكلمة العقلية كما برهنت سابقاً، فلماذا تقول إنها تبرز للظهور بواسطة ولاتها من العقل، إن الشيء الذي يدل يولد ويظهر هو الذي يطلق في الهواء.

الرد: – إن كلمة التفكير وإن كانت لا تظهر بصورة محسوسة، لكنها تعرف بواسطة تحاديد منطقية مولودة وظاهرة، فإننا ندرك ونتعلم معارف كثيرة تلك التي لم نكن نعرفها من ذي قبل، وواضح أن هذه المعارف لا تدخل إلينا من الخارج فينتج ” كلمة ” أعني يعرفها، ولكن بالنسبة إلينا نحن محدودي المعرفة والذين تكون معارفنا بالقوة، فالكلمة المولودة من عقلنا هي ذات بداية، أما عند الخالق وهو كلي الكمال وجميع معارفه هي بالفعل لا بالقوة، فكلمته مولودة أزليا لأنه لم يكن هناك زمن لم تكن هذه المعرفة فيه بالفعل. وهذه هي كلمته، ونحن ايضا بما أننا نعرف الكائن بأنواع مختلفة بسبب ضعف تفكيرنا، فكثيرة هي الكلمات المتولدة من عقلنا، أما الخالق فبما أنه يعرف الكائنات الكثيرة معرفة واحدة وهي المعرفة الكامنة في ذاته فكلمته واحدة وهي التي دعيت بعدل “الوحيد”.

النظرية السابعة

في أن الأقانيم الثلاثة جوهر واحد وطبيعة واحدة

إن جوهر الأقانيم الثلاثة أعني طبيعتهم هي واحدة، لأنه لو كان له لهم ثلاث طبائع مختلفة لكان كل منهم إما حكيماً وحياً أو غير حكيم ولا حي، والافتراض الأول باطل، لأن حكمة كل منهما وحياته لما كانا أقنومين يجب أن يكونا متميزين، وإذا كانا طبيعتين مختلفتين فيجب أن يكون للحكمة حكمة أخرى وللحياة حياة أخرى، وينتج من ذلك تسلسل لا متناه وذلك محال، والافتراض الثاني أيضاً ليس حقيقياً، لأن الكائن الذي لا حكمة فيه ليس إلهاً ولا أستطيع أن أتصوره كذلك.

النظرية الثامنة

في أن كلا من الأقانيم إله كامل ومع ذلك ليسوا

 ثلاثة آلهة

إن كل واحد من أقانيم الثالوث الاقدس هو إله كامل وخالق وأزلي ولا نقول عنهم أنهم ثلاثة الهة أو ثلاثة خالقين أو ثلاثة أزليين ونؤيد هذا ببرهانين:

البرهان الاول: – إن القول بثلاثة آلهة وثلاثة خالقين وثلاثة أزليين يؤدي إلى تثليث الطبائع وتمزيق الجواهر، وقد فندنا هذه الفكرة سابقا، ولذلك لا ندعوهم ثلاثة آلهة وثلاثة خالقين وثلاثة أزليين لاتحادهم بالجوهر. وكونهم إلها واحدا وخالقا واحدا وأزليا واحدا. وكل منهم يحوز اقنومية كاملة غير منقوصة.

البرهان الثاني: – ان كل واحد من الاقانيم الثلاثة إله كامل، وليسوا ثلاثة آلهة. لأنهم ذو معان دالة على الأقانيم، كالأبوة والبنوة والانبثاق، وبذلك يمتون إلى بعضهم بصلات وثقى، وهذه الصلات لا تؤدي بهم إلى كثرة الطبائع مثال ذلك إن داود مثلا ابن یسى هو إنسان وهو ابو سليمان هو إنسان أيضاً وجد رحبعام إنسان أيضاً، ولا ندعو داود ثلاثة ولكنه هو عينه، والطبع الإلهي يقرب من هذه الكيفية، وإن كان مع الأبوة إلهاً ومع البنوة إلهاً ومع الانبثاق إلهاً أيضاً، ولا يجب أن يُعرفوا بسبب ذلك ثلاثة آلهة، بل إله واحد أزلي واحد وخالق واحد.

اعتراض مثلثي الآلهة: – إن عدم قولنا عن داود ثلاثة رجال سببه كون داود أقنوما واحداً ولكن عندما تقولون بثلاثة أقانيم وكل منها إله كيف لا يكونون ثلاثة آلهة؟

الرد: – نردكم بقولنا إن يسى هو جوهر وليس عرضا، وكذلك داود جوهر وسليمان ايضا جوهر، ولكنهم ليسوا ثلاثة جواهر أو طبائع بل ثلاثة اقانيم فقط، لأن جوهرهم واحد وطبيعتهم واحدة هي كونهم بشرا.

الاعتراض: – لا نقول عنهم ثلاثة طبائع أو ثلاثة جواهر، ولكن ثلاثة من البشر، وكذلك أنتم وإن لم تقولوا بثلاثة جواهر وثلاثة طبائع، فيجب أن تقولوا بثلاثة آلهة مرغمين.

الرد: – إن اسم الإنسان يطلق على المتساويين بالطبيعة فقط، وليس كذلك الله، فالبشر مفصولون بالطبيعة. لأن شعوبا كثيرة تدعو المخلوقات آلهة كالملائكة والشياطين والشمس والقمر والأجرام، وآخرون يؤلهون الاصنام كالبعل وداجون، وموسى وهو إنسان دعي إلها لفرعون، ولذلك لما كانت هذه الكثرة من الناس نطلق على كل فرد منها كلمة إنسان ولا يؤدي ذلك إلى كثرة الطبائع الإنسانية كذلك إذا دعونا كل اقنوم إلها ومع ذلك يكونون طبيعة واحدة نكون صادقين، فالاقانيم الثلاثة إله واحد وأزلي واحد وخالق واحد.

النظرية التاسعة

في أن خاصة الروح القدس هي الانبثاق، فما معنى

إضافة علم اللاهوت على الانبثاق أن الروح القدس يأخذ

من الابن؟

إن التجلي على العالم يؤيد قولنا إن الروح القدس يأخذ من الابن، وذلك ثابت بالبرهانين التاليين:

البرهان الأول: – إن الولادة التي هي خاصة الابن ليست إلا إشراق المكنون وظهور الخفي، وبظهوره ظهر الروح وتجلى للعالم وعرف بين الناس بعد أن لم يكن معروفا لديهم، فهذا الظهور قد أخذه الروح من الابن وإن كان هو بذاته موجودا أزليا.

البرهان الثاني: – لو لم يتجسد الابن في آخر الازمنة لما عُرف الروح حقيقة بين البشر، أما الانبياء فقد عرفوه معرفة رمزية ضئيلة منذ القدم، وذلك واضح من أقوالهم، ولكن لما ظهر الابن متجسدا عبَّر عن ظهور الروح القدس قولا وفعلا. عرفه قولا بالموهبة التي منحها لرسله، وعرفه بالعمل عندما اخرج هذه الموهبة من القوة الى الفعل بشبه ألسنة نارية، وبشكل الحمامة التي حلت عليه عندما كان يعتمد. وأما قول البعض أنه يأخذ من الابن قوة وسلطانا وإرادة، فهو أمر ظني فقط، ولا يمكن تأييده منطقيا، وذلك لثلاثة أسباب مؤيدة بثلاثة براهين:

البرهان الأول: – إذا قلنا إن كل ما للآب هو للابن والروح القدس ما عدا الأبوة، وكل ما للابن هو للآب والروح ما عدا البنوة، وكل ما للروح هو للآب والابن ما عدا الانبثاق، إذا قلنا ذلك نؤكد أن القوة والسلطان والإرادة هي غير الأبوة والبنوة والانبثاق، فليس صحيحاً إذن أن يأخذ الروح من الابن هذه الأشياء.

البرهان الثاني: – إذا كان الروح محتاجاً إلى شيء من هذه الصفات ليأخذها من الابن فإما يحوزها ويأخذها أو لا يحوزها، والافتراض الأول ليس صحيحاً، لأن الكائن الحائز على شيء لا يحتاج حيازته مرة أخرى، والشيء الموجود يُؤخذ كأنه غير موجود ويتساوى الموجود بغير الموجود، وذلك محال. والافتراض الثاني أيضاً باطل لأنه يؤدي إلى نقص في أقنوم الروح وهذا أشد محالاً.

البرهان الثالث: – إذا كان ما يأخذه الروح من الابن موجوداً في الآب، فلماذا يأخذه الروح من الابن على الأخص ولا يأخذه من الآب. وإذا كان الشيء ليس موجوداً في الآب فيكون الآب ناقصاً بالقوة أو بالسلطان أو بالإرادة أو بشيء آخر وذلك محال.

اعتراض: – إذا كان لأحد الاقانيم صفة أو ميزة خاصة لا توجد في الأقنومين الآخرين، يؤدي ذلك إلى النقص، وينتج منه أن يطرأ النقص على كلهم، لأن ميزة كل منهم لا توجد في غيره.

الرد: – إن عدم وجود ميزة كل منهم الخاصة في الأقنومين الآخرين تؤدي إلى أن كل أقنوم هو غير الأقنومين الآخرين وذلك ليس محالاً، ولكنه ضروري أي ألا يكون الآب ابنا أو روحاً ولا الابن مخالفاً للباقيين بالإرادة، فذلك يؤدي إلى نقص في الطبيعة والأقنوم وذلك أكثر محالاً.

المقصد الثاني

البراهين النقلية المؤيدة هذا البحث

البرهان الاول: التوراة – ” هلموا نعمل إنسانا على صورتنا كشبهنا” وأداة الجمع هنا تظهر صراحة أن القائل أكثر من واحد. ونتأكد أن هذه الجملة نطق بها الثالوث الاقدس فقال (نعمل وصورتنا وشبهنا) وهذا يشير من طرف خفي إلى التثليث للذين يفهمون.

البرهان الثاني: – التوراة – “هلموا ننزل إلى بابل ونبلبل هناك ألسنتهم “.

البرهان الثالث: – فيها أيضا “انزل الرب على سدوم نارا من أمام الرب”.

البرهان الرابع: – المزامير ” ليباركنا الله إلهنا وليباركنا الله”.

البرهان الخامس: – فيه أيضا ” بكلمة الرب خلقت السموات وبروح فيه كل جنودها”.

البرهان السادس: – فيه أيضا ” أمجد كلمة الله “.

البرهان السابع: – إشعياء “رأى إشعياء السرافيم وسمعهم يهتفون ثلاث مرات قدوس قدوس قدوس الرب القوي ” وذلك يدل على الاقانيم الثلاثة والإله الواحد (التثليث والتوحيد).

البرهان الثامن: – الإنجيل ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس”.

البرهان التاسع: – فيه أيضا “كما إن للآب حياة في ذاته هكذا أعطي الابن أيضا أن تكون له حياة في ذاته وقال أيضا روح الحق الذي من الآب ينبثق”.

البرهان العاشر: – فيه أيضا “من يجدف على الروح القدس لا يغفر له لا في هذا العالم ولا في المزمع”.

البرهان الحادي عشر: – فيه أيضا “الله روح هو”.

البرهان الثاني عشر: – بولس” أما إلهنا فهو واحد الآب الذي منه كل الأشياء والابن الذي بيده كل الكائنات”.

البرهان الثالث عشر: – هو أيضا ” إن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله، فمن يعرف الإنسان وما في الإنسان إلا الروح الذي في الإنسان هكذا أيضا ليس أحد يعرف ما في الله إلا روح الله”.

البرهان الرابع عشر: – الابركسيس ” هكذا تراءى للروح القدس ولنا أيضا ألا يثقل على التلاميذ أكثر من هذه الأمور الضرورية”.

البرهان الخامس عشر: – فيه أيضاً ” وسار الرسل في فريجية وغلاطية ومنعهم الروح القدس من أن يتكلموا بكلمة الله في آسيا”.

البرهان السادس عشر: – فيه أيضاً ” كانوا يريدون أن يذهبوا إلى بيثونية ولم يسمح لهم روح يسوع”.

المقصد الثالث

في البراهين الخارجية التي تؤيد هذا البحث

البرهان الأول: – قال هرمسطريس ” إن النور المعقول المنبثق من النار الأزلية هو واحد فقط، ويستنير منه العقل العام، ولا يمازجه شيء آخر، وهو يحيط بكل شيء بالروح، ولا يوجد غيره لا إله ولا ملاك ولا شيطان ولا جوهر آخر يشاركه بالألوهية، بل هو وحده الإله والآب، وكل شيء به وجد وهو تحت سلطانه الذي تخرج منه كلمته كاملة وتولد وهي خالقة مثله، وبولادتها حلت على المياه فجعلتها مثمرة.

البرهان الثاني: – ورد في الطَّلسم الذي دُفع إلى هاليس في إفريقية عندما سُأل عن الذي سيخضع الأرض بعده أو اخضعها قبله. فقيل له قد اخضعها قبلك الله وبعدك يخضعها الكلمة والروح المتساويان، وهؤلاء كلهم ( الله والكلمة والروح) هم واحد وهو الذي سلطانه إلى الأبد، والآن ستموت أنت عاجلاً ويبيد ذكرك.

البرهان الثالث: – قال أونوميوس الفيلسوف ” إن ينبوع الآب غير الزائل هو دائم الجريان، وبإرادته له قوة تساويه بالسرعة، ومنه ينحدر الكلمة العظيم الذي يُمسك كل شيء بقوته”.

البرهان الرابع: – قال بلوتارك ” لا نستطيع أن نتصور شيئاً قبل العلة الأزلية، وكل شيء قد تأتى منها، ولها كائن مثلها وكائن آخر يساويها، ولكن لا ينفصلان عنها”.

البرهان الخامس: – قال هورميس ” لما كنت إلهاً وأباً لم تنل ذلك من كائن آخر، ولم تحظ وجودك الدائم من غيرك، وبعدك أعرف كأننا واحداً مثلك، وكما هو معروف أنت ولدته وهو ابن لك وإله من إله وجوهر من جوهرك الذي يحمل دائماً صورتك غير الزائلة، وشبهك التام ليكون هو فيك وأنت فيه كمرآة ووجه جميل متّحدين”.

البرهان السادس: – قال ارسطوطاليس ” ليس شيء أقدم وجوداً من ابن الله لأن منه (الله) تحدَّر الكلمة الفائق القوة”.

البرهان السابع: – قال سوفوقلوس ” إن هذا هو الله الآب الذي هو من نفسه بلا آب وابنه الذي منه، والذي أكمل عدده الثلاثي، وأما نحن البشر والملائكة فنحن ذرة صغيرة لا نستطيع إلا السكوت أمامه”.

البرهان الثامن: – قال أفلاطون ” واحد هو علة الكل ومنه ابن واحد وهذا هو واحد قبل الأزمنة، وهو أزلي وأبدي يمتاز عنه ولا ينفصل، ولا يساويهما شيء آخر بالأزلية”.

ملاحظة: – إن الذي ترجم هذه الشهادات والطلاسم من اليونانية إلى السريانية هو الفاضل نونا، وقد وجدت شهادة أخرى، ولأنها كانت تشبه كلام هوميروس (الرمزي) لم أستطع تفسيرها.

الفصل الثاني

في آراء منكري التثليث

المقصد الأول

اعتراضاتهم العقلية

وهم الفلاسفة واليهود والمسلمون والسابليون

الاعتراض الاول: – لو كان لواجب الوجود اقانيم أكثر من واحد لكانت تلك الاقانيم إما واجبة الوجود أو ممكنة، والافتراض الاول باطل لسببين، الأول لأن واجب الوجود هو واحد فقط، والثاني لأن هذه الاقانيم تمتاز عن بعضها بواسطة الطبيعة، ومن كان له فصل غريب هو ممكن، وليس واجب الوجود (وبالتالي ليس إلها) والافتراض الثاني أيضا ليس صحيحا، لأن الاقانيم الممكنة تفتقر إلى علة، ولا يوجد علة إلا واجب الوجود، وأن تكون هذه العلة علة وجود اقانيم في ذاتها لا يمكن، لأنها تكون بوقت واحد فاعلا بنفسه ومنفعلا لنفسه وذلك محال، ويجب والحالة هذه أن يكون منفعلا لفاعل آخر خارج عنه، والاقانيم التي تقولون فيها لما كانت غير واجبة الوجود ولا ممكنة ليست إذن موجودة، لأن كل شيء موجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكنا.

الاعتراض الثاني: – لو كانت حكمة الله أعني كلمته، وحياته أعني روحه أقنومين متميزين لوجد الله مفتقرا إليهما ليكون حكيماً وحيَّا، والمفتقر ليس إلهاً، وينتج من ذلك أن الله ليس إلهاً وذلك محال.

الاعتراض الثالث: – لا يمكن أن يوجد أكثر من أقنوم للجوهر غير الهيولي. لأن تعدد الأقانيم يكون بواسطة تنويع الأشكال الحاصلة في العقل، وهي القد والقامة والألوان والأنواع والأوقات، وهذه كلها يجب أن يمتاز بها الأقانيم. فإن سقراط لا يمتاز عن أفلاطون بالطبيعة أو الجوهر، لكن بهذه الفوارق، ولولا وجود هذه الفوارق، لما امتاز عنه بشيء مطلقاً. ولما كانا اثنين بل واحد، فكيف إذن يمكن وجود الاقانيم مع عدم وجود مثل هذه الفواصل الهيولية أو المحسوسة، ولما كان الخالق غير هيولي فأٌقنومه أيضاً واحد هو كجوهره.

الاعتراض الرابع: – كل جوهر ليس أقنوم واحد يمتاز عن أقانيمه بأن يكون هو معقولا وأٌقانيمه محسوسة، فالجوهر البشري لا يدرك إلا في العقل فقط، وأما أقانيمه فالبحواس، كسقراطيس وأفلاطون ولما كان الخالق معقولا غير محسوس، فأقنومه إذن واحد كجوهره.

الاعتراض الخامس: – إن كل واحد من أقانيم الجوهر الإلهي إذا كان أزلياً كالجوهر الإلهي، إما أن ينفصل الجوهر والأقنوم من بعضهما أو لا ينفصلان، والأول ليس صحيحاً، لأن الجوهر الإلهي يكون مركباً من الأزلية ومن ما يميزه عن ذلك الأقنوم، وكل كوكب ليس ضروري الوجود. والجوهر الإلهي لما كان ضروري الوجود، ليس إذن مركباً، والافتراض الثاني أيضاً ليس صحيحاً، لأنه وأن لم ينفصل الجوهر عن الأقانيم، يجب أن يكون هو أيضاً جوهراً كالاقانيم ويجب أن يكون لكل من الأقانيم جوهر خاص، ولما كان الأقانيم ليسوا بثلاثة جواهر لا يجب إذن أن يكونوا ثلاثة أقانيم.

الاعتراض السادس: – إن هذه الأقانيم إما أنها أزلية أو غير أزلية، والافتراض الأول ليس صحيحاً، لأن كل أزلي هو ضروري (واجب الوجود) ولو كان هناك أكثر من أزلي واحد، لكان في الوجود أكثر من ضروري واحد، وهذا محال. لأن ضروري الوجود (واجب) واحد هو، والافتراض الثاني أيضاً ليس صحيحاً، لأن الأمر يؤدي عن عدم وجود أقنوم أزلي لضروري الوجود، لأن كل جوهر لا يستطيع أن يوجد بالفعل إلا بواسطة الاقنوم، وإلا لكان ضميراً مجرداً بسيطاً فقط، ولما كانت هذه الأٌقانيم غير أزلية، يمكن أن لا تكون موجودة أيضاً، لأن كل موجود إما أنه أزلي أو غير أزلي.

الاعتراض السابع: – لا شك في أن الله تعالى يعرف أموراً كثيرة. فهو يعرفها إما بمعرفة أي حكمة واحدة التي هي الكلمة أو بواسطة معارف متناهية، والافتراض الأول ليس صحيحاً، لأنه هذه المعارف المتناهية تكون حَريَّة بكائنات متناهية بالعدد وذلك محال، والافتراض الثالث أيضاً ليس صحيحاً، لأن وجود عدد غير متناه مستحيل، كيف لا وكل عدد يقبل الزيادة والنقصان وكل ما كان هكذا هو متناه كما أوضحنا سابقا، ولما كانت هذه الفكر الثلاث مستحيلة، فإذن الخالق لا يعرف الأشياء بواسطة المعرفة أي الحكمة التي هي أٌقنوم الابن.

الاعتراض الثامن: – لو كان الله يعرف هذه الأشياء بواسطة كلمته. لكان من الضروري أن يعرف كلمته بواسطة كلمة أخرى أو ليس بواسطة كلمته، وهذا الافتراض ليس صحيحاً، لأن الكلمة التي بواسطتها يجب أن يعرف كلمته يجب أن يعرفها أيضاً بواسطة كلمة أخرى، وهذه بواسطة أخرى، وهكذا حتى اللانهاية، وذلك محال. لأن ذلك يُنتج وجود أقانيم كثيرة، إذن لا يعرف الله كلمته بواسطة كلمة أخرى، ولما كانت كلمة بعض معارفه، لا يعرف إذن بقية معارفه بواسطة هذه الكلمة، ومن هنا ينتج أن ليس للخالق كلمة كأقنوم.

 

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: – لو استحال أن يكون الشيء الواحد فاعلا ومنفعلا معا، لاستحال أن يكون شيئان معلولين لعلة واحدة، ولما كان ذلك غير مستحيل كما سنؤيد نكتفي الآن بهذا البرهان.

الرد على الاعتراض الثاني: – لما كان الجوهر الإلهي مفتقراً إلى كلمته وروحه فهو مفتقر أن يكون (حكيماً وحياً فقط وهذان الشيئان في نفس جوهره) ولا يفتقر إلى شيء خارج عن جوهره، وهذا الافتقار لله يؤدي إلى محال لأنه بالحقيقة ليس افتقاراً، وإن كنا عبرنا عنه لضيق اللغة وحاجتها بكلمة افتقار، لأنه لا يوجد لله كلمة وروح خارجاً عن جوهره، فإننا نقول إن الإنسان لكي يكون إنساناً يجب أن يكون حياً وناطقاً (يفتقر إلى الحياة والنطق) وواضح أن الإنسان ليس شيئاً آخر مفترقاً عن اجتماع الحياة والنطق، ومع أن الإنسان هو من الكائنات المركبة، فليس ذلك بمحال عليه. فكيف يكون محالاً إذن بالنسبة إلى البسيط.

الرد على الاعتراض الثالث: – ليس من الضروري تعدد الأٌقانيم عند تعدد الأشكال. لأن تعدد الأقانيم يفترض تعدد الأنواع المادية. فالقضية الكلية من الممكن أن يفيدها إلى قضية جزئية كما ينص علم المنطق. والنفوس الناطقة عندما كانت متساوية بالجوهر فلا تمتاز عن بعضها بالأقنومية إلا بالانفصال الذاتي، وذلك قبل الاتحاد بالجسد وبعده كرأي أرسطو، وبعد الانفصال عنه كرأي أفلاطون، أما الجوهر الإلهي فأقانيمه مفصولة عن بعضها بدون اختلاف أو انفصال بالأنواع المادية وما إليها.

الرد على الاعتراض الرابع: – ليس كل جوهر ذو أٌقانيم متعددة يحوي أقانيم محسوسة، كما برهنا في مثل النفوس الناطقة المنفصلة عن اجسادها.

الرد على الاعتراض الخامس: -إن الأبدية لا تحوز معنى الأزلية، لأنها تنفي فقط عدم البداية، ولذلك لا يمكن أن تكون جزء الشيء، أي أن يتركب منها ومن شي آخر شيء جديد.

الرد على الاعتراض السادس: – إن الشيء الأزلي لا يكون دائماً ضروري الوجود وذلك مؤيد ببرهانين:

الأول: [1]– إن هذا العالم كفكرة الفلاسفة الخارجين هو أزلي ولكنه ليس ضروري الوجود، لأن هذه الصفة ليست ذاتية فيه لكنه أخذها من الخالق.

والثاني: – إن الأزلي هو الذي لا بداية له، وهو ضروري الوجود وليس له علة ولهذا يمتاز عن الأزلي الأول، وينتج من هذا أن الأزلية وضرورة الوجود يتفقان تارة ويختلفان أخرى.

 

الباب العاشر

في أن الابن والروح ليسا مخلوقين ومحدثين

حسب رأي الأريوسيين والمقدونيين

وفيه ثلاثة فصول

 

الفصل الأول

في تأييد هذا الرأي

وفيه مقصدان

 

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه النظرية

 

البرهان الأول: – إذا كان الابن والروح القدس مخلوقين، يكونان متساويين للمخلوقات، وإذا كانا كذلك، فإما أن يتساويا معا بالطبيعة أو لا يتساويان، والافتراض الأول غير صحيح. لأنهما إذا كانا متساويين لبقية المخلوقات، وهذه المخلوقات هي منفصلة عن الآب. يكون الابن والروح القدس أيضاً منفصلين ومتميزين عن الآب وهذا محال، لأننا أثبتنا فيما مضى أن الأقانيم الثلاثة متساوون في الجوهر. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأنهما إذا كانا مختلفين ومتميزين عن المخلوقات بالطبيعة، يلزم أن يكون في المخلوقات طبيعة قابلة أن تكون مخلوقة. فالابن والروح إذن إذا كانا مخلوقين. يكونان متساويين للمخلوقات وهذا محال. وقد أيدنا أنهما يختلفان. إذن هما غير مخلوقين.

البرهان الثاني: – إن الآب عندما خلق الابن والروح القدس – على رأيكم –  إما أنه كان ذا حياة وحكمة أو لم يكن، والافتراض الأول غير صحيح، لأنه لا يمكن وجود شيء مرة ثانية بعد وجوده، والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن غير الحي لا يستطيع أن يخلق أبداً، وغير العاقل فليس فقط لا يستطيع أن ينظم شيئاً، بل لا يستطيع أن يعمل شيئاً.

البرهان الثالث: – وأخيراً نقول: هل خلق الاب والابن والروح قبل أن يخلق الزمن أو بعده؟ فإذا كان الأول صحيحاً لأنه لو أمكن وجود البرايا بدون زمان لكانت خلقتها باطلة. وإذا كان التالي أيضاً غير صحيح، لأنه لو تمكن من أن يخلق شيئاً دون أن يكون له حياة وحكمة، الكائنان اللذان هما أقنوما الابن الروح القدس. فباطلاً وجد الابن الروح القدس.

المقصد الثاني

البراهين الكتابية التي تؤيد هذا البحث

البرهان الأول: – من الإنجيل ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والله هو الكلمة”.

البرهان الثاني: منه أيضاً ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر”.

البرهان الثالث: منه أيضاً ” إن الله ختم الآب”.

البرهان الرابع: – منه أيضاً ” إن الله روح والذين يسجدون له، فالبروح والحق ينبغي أن يسجدوا”.

البرهان الخامس: – بولس ” نرى مجد الرب كمن بمرآة، ولذلك الشكل نتغير من مجد إلى مجد كما من الرب الروح”.

الجواب على البرهان الأول: – أعلم أن البرهان الأول يعرفنا بأن الابن ليس مخلوقا، لأنه لو كان مخلوقا لقال يوحنا ” في البدء خلق الله الكلمة” وليس “في البدء كان الكلمة” وذلك واضح من قول موسى عنما تكلم عن الخلقة إذ قال ” في البدء خلق الله السموات والأرض” وليس “في البدء كانت السماوات والأرض” لأن لفظة (كان) لا يمكن إطلاقها على المخلوقات، ولا لفظة الغير المخلوقين للمخلوقين.

الجواب على البرهان الثاني: – ويُظهر هذا البرهان بأن الكلمة هو شريك طبيعة الآب، فإن الحضن ههنا يشير إلى طبع الله الخفي، لذلك فهو ليس مخلوقا.

الجواب على البرهان الثالث: – إن الكلمة هو إله حقيقي لذلك ليس مخلوقاً ولكنه مولود. كما قال المرتل ” لأني ولدتك قبل كوكب الصبح”.

الجواب على البرهان الرابع والخامس: – ويؤيدان بأن الروح هو رب وإله، لذلك ليس مخلوقاً، والخلاصة أن هذه البراهين تؤيد بأن كلا من الابن والروح إله ورب، وكل من كان رباً وإلهاً هو خالق وليس مخلوقاً.

الفصل الثاني

في رأي الذين يعتقدون بأن الابن والروح القدس

مخلوقان محدثان

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في اعتراضاتهم العقلية

الاعتراض الأول: – يقول المعترضون هل الآب بإرادته ولد الابن وبثق الروح أو بدون إرادته؟ فإذا كان بإرادته، هذا هو المطلوب. إذ يكون الابن والروح معلولي الإرادة وليس الطبيعة، وبالتالي يكونان مخلوقين ومحدثين، وإذا كان بدون إرادته، فيكون الآب عندئذ مرغما ومضطرا بصيرورته علة للابن والروح وذلك محال، ولما كان هذا الافتراض باطلاً، فمن الضرورة أن يكون الأول حقيقياً.

الاعتراض الثاني: – يقولون هل كان الابن والروح موجودين، فولد الأول وانبثق الثاني أو غير موجودين، فإذا كانا غير موجودين هذا هو المطلوب، إذ يكونان ذا بداية. وكل ذي بداية مخلوق، فالابن والروح مخلوقان، ولا يمكن أن يكونا موجودين، فولد الأول وانبثق الثاني، لئلا تؤدي إلى وجود الموجود ثانية وذلك محال.

الاعتراض الثالث: – يقولون إذا كان عدم الولادة ليس خاصة الطبيعة الإلهية، فتكون الولادة أيضاً ليست خاصته. لأن لكل شيء وجهتين سلبية وإيجابية، ولما كان الابن مولوداً لا غير مولود، فلا يجوز إذن الطبيعة الإلهية، وإذا كان موجوداً، فيجب ضرورة أن يكون مخلوقاً أي محدثاً.

الاعتراض الرابع: – يقولون إن كل موجود إما أن يكون مولوداً أو غير مولود، فالروح إذن إما مولود أو غير مولود، ولما كان غير مولود ولا مولود فليس موجوداً، لأنه إذا كان مولوداً فهو ابن، وإذا كان غير مولود فهو أب وليس روح، فالروح إذن ليس موجوداً بكليته.

الاعتراض الخامس: – يقولون هل يلد الآب الابن ويبثق الروح دائماً أم لا، ولما كان الافتراض الأول غير صحيح لئلا يؤدي إلى وجود الموجود ثانية وذلك محال. وجب إذن أن يكون الافتراض الثاني هو الصحيح أي لا يلد وينبثق دائماً، ومن هنا يظهر أن ولادة الابن حدثت من مدة، وبالتالي لها نهاية، وهكذا انبثاق الروح، ومن كان له نهاية لا بد أن تكون له بداية، وكل من له بداية مخلوق، فالابن والروح إذن مخلوقان.

الاعتراض السادس: – يقولون هل الآب هو علة الابن والروح بالطبيعة أم بدون طبيعة؟ فإذا كان بدون الطبيعة، هذا هو المطلوب، لأن كل معلول لا يكون معلولاً بالطبيعة فهو مخلوق وحادث. فالابن والروح إذن مخلوقان ومحدثان، وإذا كانا معلولين بالطبيعة، فيكونان متأخرين عند الطبيعة، ومن كان كذلك، لا يجب أن يساوي جوهره طبيعة علته. ولأنهما يتساويان بالطبيعة، فليس تقديم أو تأخير إلا بالزمن، كما يختلف سليمان عن داود، وواضح أنه ليس متأخراً عنه بالطبيعة بل بالزمن فقط، ولما كان الابن والروح مختلفين وغريبين بالطبيعة عن الاب فهما إذن مخلوقان وحادثان.

الاعتراض السابع: – يقولون هل الآب هو أب في الطبيعة أم في الصناعة؟ فإذا كان في الصناعة، هذا هو المطلوب، إذ يكون الآب خالقا والابن مخلوقاً، وإذا كان في الطبيعة، كذلك هو المطلوب، إذ يؤدي بنا الأمر إلى تمييز طبيعتي الآب والابن، فإن تلك الطبيعة يمكن أن تكون علة، والمعلول لا يمكن أن يكون، ويجب أن يكونا مختلفين عن الطبيعة التي تكون بالعكس أي يمكن أن تكون معلولة، ولا يمكن أن تكون علة. فالابن إذن إذا كان مولوداً من الآب فهو شريك بطبيعته وليس مولوداً بل مخلوق وحادث.

 

المقصد الثاني

الرد على هذه الاعتراضات

الرد على الاعتراض الأول: – نقول إن الشيء الذي يكون علة طبيعية لشيء آخر، يجب أن يكون حياً عاقلاً، لأن من كان حياً وغير عاقل لا يقال عنه يريد أن يخلق المعلول أو لا يريد كحالة النار في تسخينها الأجسام، وإذا كان حيا وعاقلاً، تتبع إرادته بطبيعتها لعقل معلوله. أي أن عقل معلوله يصبح علة لترضى عنه علته، ومن هنا يُعلم أن الإرادة هي معلولة لمعلول العلة وليست علة المعلول. فالعقل مثلا يصدر عن النفس الناطقة طبيعياً، والنفس تشاء به، وليس من العدل أن نقول بأن العقل هو معلول إرادة النفس، لأنه يصدر من طبيعتها طبيعياً، ولا من العدل أيضاً القول بما أن العقل لا يسمى معلول إرادة النفس، فالنفس مضطرة ومرغمة في إصدارها إياه، لأنها تشاء به بعد وجوده. ولا يجب أن نفهم هذه القدمية والبعدية وقتيتين، بل أن قدمية العلة والمعلول وبعديتها كحركات الأصبع والخاتم. فنقول تحركات الإصبع ثم تحرك الخاتم، ثم تحركات الإصبع، وإن تحرك كلاهما معاً في لحظة واحدة. وبهذا الشكل نقول إن الآب الخفي طبيعيا أولد الابن المسجود له وبثق الروح القدس السامي عن الأزمان والأوقات. وشاء بذلك بإرادته، ومن هنا يظهر أن إرادة الآب تتبع إرادة الابن والروح، وليس إرادة الابن والروح لإرادة الآب كما يدعي السفسطيون الاريوسيون والمقدونيون.

الرد على الاعتراض الثاني: – نقول إن ولادة الابن لیست شيئا آخر، فقط إنها له من الاب بما أنه كائن منذ البدء والآن وإلى الأبد. وهكذا انبثاق الروح، فالابن بكونه ابنا يقال إنه ولد، وكذلك الروح بكونه روحا يقال إنه انبثق. ومن هنا نعلم أن الكلام لا يؤدي بنا إلى الاعتقاد بوجود الموجود ثانية، لأن بكونهما ابنا وروحا، الأول ولد والثاني انبثق. لأنهم متساوون بالوجود الأزلي، وإن وجود كل منهم وولادته وانبثاقه لا يتقدم أحدهم الآخر، لأزليتهم.

الرد على الاعتراض الثالث: – نقول إن الطبيعة الإلهية هي طبيعة عامة، وعدم الولادة والولادة تتبعان الاقانيم المتميزة، لذلك لا يحسن أن نقول إذا كان عدم الولادة خاصة الطبيعة الإلهية، فالولادة لا يجب أن تكون خاصة كما لا يليق أن نقول: إذا كان عدم النطق خاصة الحيوان، فالنطق لا يجب أن يكون خاصته. ومن هنا يظهر أن الانسان الناطق لا يحوز على الطبيعة الحيوانية وهذا محال. لأن الطبيعة الحيوانية الطبيعة العامة، ويتبع النطق وعدمه أشكالها المختلفة.

الرد على الاعتراض الرابع: – نقول إن عدم الولادة ليست خاصية الآب، فكيف يكون الروح غير المولود أباً، أما عدم الولادة فيتبع الآب والروح معاً على السواء، لأن خاصية الآب هي الأبوة لا الولادة، وخاصة الروح هي الانبثاق وليست عدم الولادة.

الرد على الاعتراض الخامس: – نقول إن الآب يلد الابن ويبثق الروح دائما. أي أن كليهما موجودان في الآب منذ الازل والآن، والى الابد. كما قلنا في الرد على الاعتراض الثاني. ومن هنا لا يعتري كلامنا أي محال.

الرد على الاعتراض السادس: – نقول ليس كل من كان بالطبيعة هو علة لشيء معلول، لئلا يختلفان عن بعضهما (العلة والمعلول) فإن النار هي علة طبيعية للحرارة، وواضح أنهم ليسا منفصلين بالطبيعة (النار وحرارتها) بل لكليهما طبيعة واحدة، وبهذا الشكل والشبه عينه تكون طبيعة واحدة لعلة الآب ولمعلوليه الابن والروح.

الرد على الاعتراض السابع: – نقول إن الطبيعة إما أن تكون عامة وتدعى طبيعة بسيطة، أو جزئية وتدعى أقنوماً. فالآب إذن هو أبو الطبيعة الجزئية أي أٌقنوم الآب ذاته، ومن هنا لا يحدث أي محال، لأن الآب والابن لا يتساويان بالاقنوم بل بالطبيعة فقط.

 

الفصل الثالث

في براهين الأريوسيين والمقدونيين الكتابية

وفيه مقصدان

المقصد الأول

في إيراد البراهين

البرهان الأول: – أمثال ” الرب خلقني في أول خلائقه وصورني قبل أعماله ومنذ القدم”.

البرهان الثاني: – الإنجيل ” لا يقدر الابن أن يعمل شيئاً من نفسه ما لم ير الآب يعمل”.

البرهان الثالث: – فيه أيضاً “نزلت من السماء لا لأعمل مشيئتي بل مشيئة من أرسلني وكل ما أعطاني لا أفقد منه شيئاً”.

البرهان الرابع: – فيه أيضاً ” ليعرفوك أنت وحدك الإله الحقيقي، ويسوع المسيح الذي أرسلته”.

البرهان الخامس: – فيه أيضاً ” لماذا تدعوني صالحاً وليس صالحاً إلا الله الواحد”.

البرهان السادس: – فيه أيضاً ” لا تضطرب قلوبكم آمنوا بالله وبي آمنوا”.

البرهان السابع: – فيه أيضاً ” لا يعرف أحد ذلك اليوم الأخير وتلك الساعة لا الابن ولا أحد آخر إلا الآب”.

البرهان الثامن: – فيه أيضاً ” أشكرك أيها الآب لأنك سمعتني وأنا أعلم أنك تسمعني دائماً ولكن لأجل الجمع الحاضر أقول هذا ليؤمنوا أنك أرسلتني”.

البرهان التاسع: – فيه أيضاً ” الآب الذي أرسلني أعطاني سلطاناً بما أقول وما أتكلم”.

البرهان العاشر: – فيه أيضاً ” لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون بذهابي إلى الآب، لأن أبي أعظم مني”.

البرهان الحادي عشر: – فيه أيضاً ” وعندما يأتي الفارقليط الذي أرسله إليكم من عند أبي”.

البرهان الثاني عشر: – بولس ” عندما يسلك الملك لله الآب، عندما تبطل كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة، عندما يُستعبد الابن أيضاً للذي استعبد الكل”.

البرهان الثالث عشر: – فيه أيضاً ” الذي في أيام جسده إذ قام بصراخ شديد ودموع وطلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وستمع له من أجل تقواه مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به وإذ كمل … الخ”.

البرهان الرابع عشر: – فيه أيضاً ” وكذلك الروح أيضاً يُعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين”.

إيضاح: – يقول الأريوسيون والمقدونيون إن البرهان الأول يعلن جلياً أن الابن مخلوق وحادث، والبراهين الأخرى تظهر بأنه أقل من الآب، والروح أقل من كليهما، وهذا الأخير أقل من الآب، لأنه يصلي عوضنا بأنات لا ينطق بها كما يقول القديس بولس، وأقل من الابن لأنه أُرسل منه كما شهد الابن ذاته في الإنجيل، وما كان أقل من الشيء، لا يمكن أن يكون شريك طبيعته، فالآب والابن والروح ليسوا متساوين بالطبيعة، لأنهم يتسامون ويقلون عن بعضهم بدرجات خاصة.

المقصد الثاني

الرد على هذه البراهين

الجواب على البرهان الاول: – نقول إن كلمة خلقني هنا يعني بها سليمان ولدني (قناني)، ويتضح ذلك من الجملتين السبقتين لها إذ يقول: ” أنا الحكمة ولدت الفهم” والمخلوق لا يمكن أن يكون خالقا، والتي عقبتها إذ يقول بعد هذه الكلمة المذكورة “ولدت حين لم تكن الغمار وحبل بي قبل أن أقرت الجبال” فلو كانت الحكمة الإلهية مخلوقة، كيف كانت تقول ولدت وحبلت، وليس من المحال أن يتكلم السامي بالأمور المتواضعة (الوضيعة) لأنه كلي الفضيلة والكمال، ولكن المحال إذا تكلم الوضيع بالأمور السامية عنه كثيرا جدا.

الجواب على البرهان الثاني: – نقول إن عدم مقدرة الابن على عمل شيء من نفسه، إلا ما يرى الاب يعمله، لا يدل على ضعف الابن، بل على عدم استطاعة إيجاد إرادة خاصة للابن لا توافق إرادة الاب موافقة كلية. لأن كل ما للآب هو للابن ما عدا الولادة وبالعكس، فإذن كيف يمكن أن توجد للابن إرادة أو فعل ليس للآب؟.

الجواب على البرهان الثالث: – نقول إن قول الرب ” ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة من أرسلني” يدل على أنه ليس للابن إرادة خاصة دون إرادة الآب بل هي ذاتها. ويتضح ذلك من إرداف كلامه إذ يقول ” وهذه مشيئة أبي أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له الحياة الدائمة وأنا أٌقيمه في اليوم الأخير”. فلو كانت للابن مشيئة أخرى غير مشيئة الآب. لَمَا أراد أن تكون الحياة الدائمة لكل من يؤمن به ولما أراد أن يقيمه في اليوم الأخير، أي جاهل يبلغ إلى هذا الشذوذ؟.

الجواب على البرهان الرابع: – نقول إن قصده له المجد ” ليعرفوك أنت وحدك الإله الحقيقي، كان لتحطيم شأفة أصنام الشعوب ومنحوتاتها التي ليست بالحقيقة آلهة، ويتضح ذلك من إرداف كلامه والذي أرسلته يسوع المسيح ” أي للاب والابن طبيعة واحدة، فلو لم يكن هذا هو معنى الكلمة الحقيقي، كيف حسن له أن يقول ” ليعلموك أنت الله وحدك ولا آخر معك، فيما لو كان هناك إله آخر معه لا يساويه بالطبيعة كما يتبجح الاريوسيون.

الجواب على البرهان الخامس: – نقول إن مخاطبة الابن لذلك السائل “لماذا تدعوني صالحا” كان لنظره إياه إنسانا بسيطا، والبرهان على ذلك إضافته هذه الكلمة ” ليس أحد صالحا” ولأن السائل لم يدر أن مخلصنا هو ابن طبيعي للأب ولم يعترف به.

الجواب على البرهان السادس: – نقول إن اسم الله المسجود له بنصوص كثيرة في الكتب المقدسة، فتارة يطلق على الآب خاصة، كتكلمنا عن المسيح قبل الله، وطورا على الابن خاصة كقولنا ” عندما ننتظر الرجاء المبارك ووحي إلهنا العظيم ومحيينا يسوع المسيح” كقولنا “ربي وإلهي” وأحيانا نطلقه على الروح القدس خاصة كقولنا ” إن إلهنا هو روح” وكقولنا ” من الرب الروح” إذن لا يجب أن نستنتج من قول الرب “آمنوا بالله وبي آمنوا أنه ليس إلهاً، لأن اسم الله ينطبق عليه حقيقة كما علمنا، ونفهم ذلك صراحة من المقدمة المنطقية الجزئية، عندما تضع شيئاً فوق شيء. لا يجب أن ترفع ذلك الشيء الذي وضعته من البقية التي أخذت منها ذلك الشيء. فعندما نقول مثلاً: بعض الإنسان كاتب، لا يجب أن نعتبر الباقين غير كتاب.

الجواب على البرهان السابع: – نقول إن الابن بكونه لبس جسداً وصار إنساناً، صرح عن نفسه بأنه لا يعلم ذلك اليوم وتلك الساعة كبقية الناس، ولكنه من الضروري أن يعرف كل شيء كالآب لأنه إله يساويه، ومن المعلوم أنه سبق هذا الكلام بقوله لا يعلم بهما أحد، أي أنه ساوى ذاته مع الناس بهذا السؤال، وذلك لمعرفته أن لا فائدة من فهمهما للذين سألوه، ولو أجابهم بحسب سوآلهم لنتجت لهم مضرة كبرى، لأنهم إذا علموا ساعة الأجل ووقوع يوم القيامة، فينصرفون بدون خوف إلى تكميل أهوائهم وشهواتهم، متكلين على اليوم الأخير حيث يتطهرون ويتنقون من خطاياهم، ومعتقدين بأن التوبة مقبولة دائماً وبابها مفتوح في كل لحظة[2]. هذه هي أجوبة المفسرين لهذا السؤال، وهناك أجوبة كثيرة أعرضنا عنها لضيق المقام.

الجواب على البرهان الثامن: – أما الجواب هذا السؤال فهو موجود ضمنه. أي أن الابن ذاته طلب من الآب أن يسمعه، ليس لأنه لا يستطيع بسلطانه أن يقيم ذاك الذي نتن من مدة، لكن ليتأكد قليلو الإيمان بالقوة التي فعلت ذلك، وليبطل زعمهم القائل إنه يخرج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين.

الجواب على البرهان التاسع: – إن قوله ” الآب الذي أرسلني أعطاني سلطاناً بما أتكلم”، يؤيد مساواة إرادتهما كليهما هو والآب، وربما إنه إنسان كامل فليس من المحال أن يقول عن نفسه مأمور (مسلط) من الله.

الجواب على البرهان العاشر: – نقون وإن صرح هنا بأن الآب أعظم منه، لكننا نراه في محل آخر يقول ” أنا والآب واحد” ومعنى الاثنين واحد، لأنه نفس الشيء إذا كان عظيماً أو متساوياً، وهذا كله لا يمكن القول به، فالآب إذا أعظم من الابن بما أنه علته ومساويه بكونه واحداً معه. وواحداً بالطبيعة الإلهية الواحدة، وهكذا بالروح. ويمكننا أن نطلق كلمة عظمة الآب من جهة طبيعة الابن الإنسانية، لا الطبيعة المنتسبة.

الجواب على البرهان الحادي عشر: – إن قوله له المجد ” أرسل لكم الروح من عند أبي” يشير إلى مساواة إرادة الآب والابن والروح. ومن المعلوم أنه قال في بداية الآية ” الذي يأتي” لكي لا يظن أحد أن الروح جاء من عنده وليس بإرادة الآب، وأضاف الابن بقوله ” أنا أرسله إليكم من عند أبي”.

الجواب على البرهان الثاني عشر: – نقول إن قصد الرسول بهذه الكلمة هو أن يعرفنا إلى أي درجة من الكمال ستصل إليها الطبيعة الإنسانية بواسطة مشابهة الرؤية الإلهية. ” عندما تبطل كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة” أي كل تدبير غير إلهي، لأن هذه المُشابهة لا يمكن أن تصير إلا بمساعدة وسيط، والوسيط يجب أن يكون مشتركاً بين كلا الحدين (الطرفين) البعيدين، وهذا الوسيط هو المسيح ذاته الذي يشارك الطبيعة الإنسانية بناسوته، والإلهية بلاهوته، ومن هنا نعلم أن هذه المشابهة يجب أن تصير بشخص الابن أولا بسبب التجسد. كما أشار الرسول عن ذلك في محل آخر إذ قال: حيث لا يوجد لا يهودي ولا وثني لا ختان ولا غرلة لا بربري ولا أسود (سكيتي) لا عبد ولا حر، بل المسيح الكل بالكل، فهو اقنوم الابن الذي شابه بالآب جميع الذين تشبهوا به، وقربهم إليه. وهذا هو سر الآية المذكورة عندما يسلم الملك لله الآب وتعني أيضاً عندما يستعبد له الكل. حينئذ يُستعبد الابن الذي استعبد الكل، ويكون الله الكل بالكل”.

الجواب على البرهان الثالث عشر: – نقول إن الطلبة والتضرع اللذين قدمهما الابن يوافقان طبيعته الإنسانية لا الإلهية، وتُعرَف من قول الرسول ” في دموع” تمت هذه الطلبة. ولا شك فإنه ليس للطبيعة الإلهية دموع، فلو لم يكن أقنوم الابن متجسداً، لاستطاع هؤلاء الأريوسيين أن يحطوا من درجة الابن عن درجة الآب، ولما كان التجسد في الواسطة، فكفى ذلك حجة.

الجواب على البرهان الرابع عشر: – نقول إن كون الروح وسيطاً عند الآب لأجلنا يؤيد المساواة إرادتيهما كليهما، كما علمنا عن الابن كذلك، وقول الرسول بتنهدات، يدل على شفقته علينا ولطفه بنا، ولا يجب أن نتعجب بسبب أن الروح كلمة وضيعة كما قيل، فإن أموراً كثيرة كهذه قيلت في العهد القديم عن الآب، وكقولنا: تأسف وندم وغضب واحتَّد الخ…..

 

 

 

 

 

[1] يؤيد المؤلف هنا أن العالم أزلي بالقوة، وذلك بالنسبة إلى وجوده في عقل الحالق منذ الأزل وهذه الأزلية مُنحت له من الخالق وليست جوهرية أو ذاتية فيه، أما بالفعل فهو حادث لأنه كان بعد أن لم يكن، وغاية المؤلف من هذا إيجاد الفرق بين الأزلي الواجب الوجود وهو الله الأزلي بالقوة وبالمنحة وهو العالم.

[2] إن الابن لم يجهل ذلك اليوم إلا أنه قصد: إن الأفعال الإلهية الخارجة وإن كانت مشتركة بين الاقانيم لكن بعضها ينسب للآب وبعضها للابن والأخرى للروح القدس، فأفعال القدرة والتدبير للآب، والحكمة والفهم للابن والجودة والتعزية للروح، وحيث إن معرفة اليوم من فعل التدبير الإلهي فنسب للآب خاصة.

Scroll to Top