Table of Contents
الركن الثاني
في طبيعة المخلوقات
وفيه مقدّمة وثلاثة أبواب
أوّلًا: المقدّمة
كان للأوّلين آراءٌ كثيرة متباينة على طبيعةِ المخلوقات، فمنهم من جعلَ المياهَ أصلًا متحرّكًا لكلّ الأشياء، كطاليس الملطيّ الذي ابتكرَ الفلسفةَ إذ قالَ: إنّ كلَّ حيوان يتولّد من رطوبة الزّرع، وبها ومنها تنمو وتتربّى النباتات، وبواسطة أبخرتها الحارّة تتربّى وتنتعش كلٌّ من النار والشمس والنجوم، وقد وافقَ على هذا الرأي هوميروس الشاعر، إذ دعا المحيطَ، أي البحر والرطوبة، أصولًا لجميع المخلوقات.
وقد افترضَ غيرُه الهواءَ سببًا ومصدرًا للعالم، كأناكسيمينوس وديوجينوس اللذَين قالا إنَّ نفسَ كلّ حيّ تُحفظ في الهواء، وأنَّ الهواءَ والرّيح يحفظان العالمَ. واعتقدَ غيرُهما أنَّ أصلَ العالم هو النار، مثلَ ديوفوفاموس وهيرقليطس وثاوفريطس الذين قرّروا أنَّ الحرارة تولد كلَّ شيء وتُنعشه، وعندما تخمد الحرارة يزول هذا العالم. واعتقدَ غيرُهم أنَّ أصلَه مبدأ غير متحرّك (الجماد)، كسونوفانيس، فهو يُبطل كلَّ تكوين وفساد. واعتقد غيرُه أنَّ الوجود هو أسمى من كلّ تغيير وتبلبل، وقال فرمنديس إنَّ أصلَه غيرُ متحرّك (جماد)، ولكنّه واحد بالكلمة وهو محدود. أمّا ميليسوس، فقد اعتبرَ أصلَه ماديًّا ومتجزّئًا، واعتقدَ غيرهم للعالم مصادر كثيرة، ومنهم اعتبروا مصادرَه غير محدودة ولا متجزّئة، كأنكسوغورس الذي قال: إنَّ كل هذه الأجزاء عندما تحتكّ بعضها ببعض، وتنفصل بعضها عن بعض، تولد التكوين والفساد، وجعل المادّة علّة فاعلة للوجود. وقال لوقيوس بمصادرَ غير محدودة ولكنّها متغيّرة، أمّا الوجود فدائميّ، أي دائمة التجدّد، وليس هناك مصادر موجودة وغير موجودة معًا، أو وجود مبادئ غير محدودة ولا متناهية، وهي كرويّة الشكل، تنفصل بالقوّة فقط وليس بالفعل. ومن هؤلاء ديموقراطيس، أمّا إبيقورس فقال في المصدر إنّه من مبادئ غير محدودة ولا منفصلة، وتتحرّك بكفاءة كاملة غير محدودة، ولها شكل وجسامة وثقل. واعتقد غيرُهم بأنَّ المصدر هو مبادئ محدودة، كأمفيدوقليس الذي قال بوجود العناصر الأربعة كأصل للكون، فيدعو الاختلاط الذي هو الوجود محبّة وإلفة، ويعتبر الانفصال، الذي هو الفناء والعدم، غلبة وقوة. أمّا أرسطو فيعتقد بثلاثة مبادئ: وهي المادّة والفصل والعدم. كما اعتقد الرواقيّون بقِدم الله والمادّة، كالفاعل والمفعول، وذلك أنَّ العدم هو المصدر، لأنَّ فناء كل نوع (فصل) سبب وعلة لوجود فصل آخر، كقولنا الأب والأم. واعتقدَ بعض الرواقيّين أنَّ المبادئ خمسة وهي: الله والنفس والمادّة والزمان والخلود (الفراغ). أما فيثاغوروس بن ميساكورس الذي من (كلمة ناقصة في النص) والذي وصف ونعت صاحب الفلسفة بالفيلسوف أوّلًا، اعتبر الأعداد مصدرًا للكون بقوله إنَّ الأشياء المركّبة قد تولّدت من البسيطة، وليس أبسط من الأعداد باعتبارها مجرّدة من الطبائع، ولـمّا كانت كلُّ طبيعة يتبعها عددٌ ضرورة، فهو مركّب وليس بسيطا، وقال إنَّ العدد الأوّل هو الفاعل (الخالق)، والثاني هو المادّة القابلة، والعدد الكامل هو العاشر، إذ لا يُمكن الإضافة عليه، بل الأخذ منه، والعددُ الرابع هو أساس لأنَّ بها الكمال، أي في الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة. وقال أطيقوس في مقاله الأوّل بكتاب فيلكس: إنَّ أفلاطون يرتأي أنَّ المبادئ أربعة: العقل الذي هو الخالق، وهو الله له المجد، والمكان أي العقل وهو الأمّ القابلة والمنزلة يدعوها، والصورة (التصوّر الذي يدعوه المبدأ الملائم الذي به صُوِّرت الكائنات، والحركة أي النفس التي كانت بدون فكر في المادّة كمبدأ أوّل ولم تكن تتحرّك بنظام وترتيب بل بتبلبل. وقال أفلاطون في كتاب طيموثاوس إنَّ المبادئ ثلاثة: الكائن والمكان والوجود، وهو الثالوث الكائن قبل وجود السماء، فهو يدعو الله بالكائن والمبدأ، ويسمي المادّة بالمكان، ويدعو بالوجود الحركة أي النفس. وقال في محلِّ آخر إنَّ المبادئ اثنان أي يوحّد الله والفصل فيعتبرهما واحدًا. ويعتبر المادّة والحركة واحدًا أيضًا، أما سيبريس الذي يتبعه ويوافقه فلوطينوس ولبوتيس الذي يوافقه لوزجيوس معلم فورفوريوس، فيجعلون المبادئ كثيرةً بحسب آراء أفلاطون، ولضيق المجال نترك البحث جانبًا، وأما من الفلاسفة المتأخّرين فبرديصان الذي يعتقد بخمسة مبادئ أزليّة وهي: النار والهواء والماء والنور والظلام. أمّا ماني فاثنين فقط الخير والشر. ولما كان هؤلاء الفلاسفة الخارجيّون يعتبرون هذا العالم أزليًّا لا مخلوقا، لذلك تسفههم البيعة المقدّسة التي تعترف بأنّه (العالم) غير أزلي بل مخلوق أي ذو بداية وزمان، وبذلك نثبت وجوده ونهدم أزليّته، ونسفّه كلَّ آرائهم الباطلة معًا، لأنّنا نحتاج عندئذٍ أن نقول كلمةً خاصّة ضدّ كل من هذه البدع بنوعٍ يتّسع مجالًا أكثر من هذه الكتابة المختصرة.
الباب الأوّل
في وجود هذا العالم
وفيه فصلان
الفصل الأوّل
في أنَّ هذا العالم مخلوق (محدث) وغير أزليّ
المقصد الأول
في البراهين العقليّة التي تؤيّد هذه القضيّة
البرهانُ الأوّل: نقول يجب أن تكون أجزاءُ هذا العالم المادّي ماديّة أيضًا (جسميّة) لذلك، هذه الأجزاء إذا كانت أزليّة فإما أن تكون جامدة بأزليّتها أو متحرّكة، والافتراض الأوّل غير صحيح، لأنَّ الأنواع الأزليّة ضروريّة، والضروريّة غير متغيّرة مطلقًا، وإذا كان جمود الأجزاء أزليًّا فحركتها غير مستحيلة وجوبًا، ولما كانت متحرّكة فجمودها ليس أزليًّا. وهذا الافتراض أيضًا غير صحيح، لأنَّ كلَّ حركة لها بداية ونهاية والذي هكذا كيف يكون أزليًّا، وإذا ليست كذلك، فلیست متحرّكة قط ولم تكن في الأزليّة.
البرهانُ الثاني: نقول إنَّ هذه الأجسام التي هي أجزاء هذا العالم المادّي لو كانت أزليّة لكان كلّ منها يخرج من المحلّ الخاصّ به ضرورة، لأنَّ الأزليّة لا تقبل التغيير، ولما خرج بواسطة الحركة التركيبيّة، فليس إذن أزليًّا وهكذا كلّ الأجزاء والعالم الذي يتكون منها.
البرهان الثالث: لو كان هذا الجسم (العالم) أزليًّا مُطلقًا. فأزليّته إمّا كانت جسميته أو شيئًا آخر، والافتراض الأوّل غير صحيح، وإلا كل من يعلم الجسم يعرف الأزليّ، وذلك ليس هكذا. والافتراض الثاني أيضًا غير صحيح، لأنَّ ذاك الشيء إذا كان أزليًّا لوجد لكل أزليّة جسميّة مقابل إلى لا نهاية وهذا محال. وإذا كان غير أزلي فتوجد الأزلية ليست أزلية، وذلك أشدّ محالًا.
الفصل الثاني
في آراء القائلين إنَّ العالم أزليّ وهدمها
وفيه مقصدان
المقصد الأوّل
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأوّل: يقولون لما كان هذا العالم ممكنًا، يحتاج إلى علّة واجبة الوجود، بواسطة أو بدون واسطة، وهذه العلّة إذا كانت كافية للإيجاد، فمعلولها أيضًا يجب أن يكون أزليًّا مثلها، وإذا لم تكن كافيةً فهو مخلوق ويفتقر إلى علّة، فإذن هذه العلّة إمّا أن تكونَ أزليّة أو ليست أزليّة، وهكذا إلى لا نهاية والتسلسل باطل، فالعالم إذًا أزليّ كعلّته.
الاعتراض الثاني: يقولون إنَّ الله له المجد إذا كان علّة بأزليّته وخالقًا، فالعالم الذي هو معلوله وخليقته يجب أن يكونَ أزليًّا، وإذا لم يكن كذلك، أي أنّه أصبح أخيرًا علّة وخالقًا فينتج أنّه طرأ على طبيعته تغيير وهذا باطل.
الاعتراض الثالث: يقولون إنَّ كلَّ ما وُجد بعد أن لم يكن موجودًا، لو لم يكن ممكن الوجود لما وُجد مطلقًا، ولما كان للامكان حاجة إلى قوّة للموضوع ليقوم به، وذاك الموضوع يجب أن يكون أزليًّا، وإلا لو وجد عندما لم يكن ممكنًا للوجود فذاك محال، وتدعوه الفلسفة بالمادّة، ولما كانت أزليّة فيجب أن تكونَ بنوعٍ أزليّ، وبدونه لا يمكن أن توجدَ، ولما كان كلاهما أزليّين، كذلك هذا العالم الأزليّ المادّي المركّب منهما يجب أن يكون أزليا، ومن هنا يتّضح بأنّه أزليّ وغير محدث.
الاعتراض الرابع: يقولون كلُّ مخلوق عدمه منذ القديم هو وجوده، وهذه القدميّة ليست ذاتها العدم، وإلا كيف يُحد بها العدم، فهذه القدميّة إذن لما كانت موجودة فهي مُحدثة وذات بداءة وتفتقر إلى قدميّة أخرى، وهذه على أخرى إلى غير نهاية، والكلام يدعو هذه القدميات والأخريات زمانًا أي مقياس الجسم الدائري، فالزمن والحركة والجسم كلّها أزليّة معًا.
الاعتراض الخامس: يقولون إنَّ وجود هذا العالم هو خير، وإلا لما أوجده الله مطلقًا، ولو لم يوجده الله بالأزليّة، لوجد له المجد خليا من الخير ردحًا طويلًا وهذا محال.
الاعتراض السّادس: يقولون إنَّ أزلية العالم تؤيد أنَّ الله يفعل ويؤثّر طبيعيًّا، ووجوده (تكوينه) يوصلنا إلى أنَّ الله يفعل ما يفعل إراديًّا لغاية، بسبب عدم إمكانية الجذب بدون جاذب، فإذن ذلك الشيء إذا أفاد الخالق يوجد أنقص من سابقه، وإذا لم يفده فيكون فعله عبثًا والافتراضان باطلان.
اعتراض (شك) وجوابه: يقولون لا يجب القول إنَّ ذاك الشيء يفيد الخليقة، لا الخالق الذي خلق العالم وكونه بسببه.
ويجيبون: إنَّ تلك الفائدة للخليقة إما فائدة شبيهة بفائدة الخالق أوّلًا، وبذلك نصل إلى المحال الأوّل، فالعالم ليس مُحدثًا وذا بداءة بل أزليًّا بلا بداية.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول: – نقول لو أمكن ايجاد معلول أزلي من علة أزلية ليست محدثة وذات بداية فقط لوجب ان لا يطرأ على عالمنا هذا اي حدث أو تغيير أو فناء، لان كل الكائنات تنتهي بوجودها الى علة أزلية واحدة فالعالم لما كان محدثا وذا بداية، فقد وجد من علة غير مخلوقة وأزلية وهو الله.
اعتراض يقولون ان الاعمال هي محدثة وذات بداية لیست معلولات الله غير المخلوق وغير البدائي، بل للحركات الفلكية التي يأتيها المخلوقون وذوو البداية.
الجواب: – نقول فإذن هذه الحركات الفلكية باعتبارها محدثة تفتقر الى علل موجودة، فكيف تسندون كل المعلولات للواجب الوجود وغير المخلوق. ولما كان من الضرورة وجود علة غير مخلوقة لهذه الحركات السماوية المخلوقة، فلماذا تنكرون اذن وتحكمون بالمحال على خلقة الله غير المخلوق للعالم المخلوق؟
الرد على الاعتراض الثاني: – نقول ان الله كان علة لهذا العالم بالازلية في القوة، وعندما خلقه اصبح علة بالفعل، وكهذا التغيير هو تغيير بالصلة التشبيهية وليس التغيير بالطبيعة واذا كان المهندس وهو انسان ضعيف وان هندس ربوات من الآبار يطرأ على طبعه البشري تبديل كبير مرارا كثيرة كيف يمكن الظن في طرء تغيير بخلقته.
الرد على الاعتراض الثالث: – نقول لو وجب لكل ممكن مادة تقوم بها امكانيته فيجب ان تكون للمادة باعتبار امكانيتها مادة اخرى وللاخرى اخرى الى لا حد، والتسلسل باطل، لذا هذا الرأي محال.
الرد على الاعتراض الرابع: – نقول ان تلك القدمية ليست الوجودية، وإلا كيف تحمل على العدم فيقال العدم السابق والعدم الاخير، ولما كانت غير موجودة كيف يقال فيها انها مخلوقة وتفتقر الى قدمية اخرى وهذه الى اخرى وهذه الى اخرى حتى لا حد . وكيف يعترف بأزلية الزمان والحركة والجسم؟
الرد على الاعتراض الخامس: – نقول ان خلقة كل من الاشخاص البشريين هي خير والله هو علتها دون واسطة حسب رأينا وبواسطة الحركات السماوية كرأيكم، فكيف اذن المخلوقات ليست أزلية أي أن الاشخاص البشريين ليسوا أزليين فكيف المخلوقات الحيوانية والنباتية؟
الرد على الاعتراض السادس: – نقول ان الذي يعمل اراديا يستطيع ايصال الواحد من كلا طرفيه مع الآخر بدون علة موصلة، كالذي يريد ان يشرب اذا قدم له كأسان معا متساويي الشيء. لاشك سيشرب من احدهما وان لم يتفاضل بشيء عن الآخر، وهكذا الله له المجد، فقد أوجد العالم في الوقت الذي لم يفده وجوده شيئا ولا عدمه ينقصه شيئا.
الباب الثاني
في حداثة هذا العالم وزواله
وفيه مقدمة وفصلان
المقدمة
نقول ان العالم لما كان معدوما ووجد ضرورة، يجب ان يكون له طبيعة قابلة للزوال، وهكذا لما كان ممكنا وليس موجودا من ذاته، أي لم يوجد إلا بواسطة علة وهو الله له المجد الذي عمل كل شيء اراديا وليس طبيعيا، فاذن كون الله له المجد سيحفظه الى الابد ام سيلاشيه كليا، أو يزيل شكله فقط هذه أمور لا نستطيع بعقلنا وتفكيرنا الاهتداء أليها الا من الكتاب المقدس المنطوقة بالروح كما يظهر.
الفصل الاول
في أن هذا العالم الفاسد سوف يلبس عدم الفساد بالامر الالهي الخالق
المقصد الأول
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول: – داود “لقد ثبت الارض على أوتادها ودعائمها فلا تتزعزع الى الابد”.
البرهان الثاني: – بولس في رسالة الى أهل رومية لقد خضعت الخليقة للباطل ليس بارادتها بل للذي استعبدها على الرجاء، فهذه الخليقة ستتحرر من عبودية الفساد بحرية مجد أبناء الله.
البرهان الثالث: – القديس غريغوريوس الثاولوغوس « ننتظر تحرير العناصر وتجديد العالم كله .. وايضا على كلام ملاخي النبي وقوله ستتحرك معا في وقت واحد السماء والارض كأنها تتألم، هذا حسبما كان يعلم من القديم عن حفظ الراحة وبطلانها وترك الاعمال والخوف الاخير فنذعن لقول الرسول بولس القائل ليس شيء أخير مجيء المسيح وتغيير هذا العالم، وانتقاله الى الجمود والعدم.
وله أيضا: في مقاله على أخيه قيسريوس . لماذا أصير صغير النفس عند الرجاء، ولماذا أمكث زمنا طويلا بعيدا عن كلام رئيس الملائكة عن البوق الاخير الذي يعلن بتغيير تكوين الارض ولتحرير العناصر وتجديد هذا العالم؟
البرهان الرابع: – متوريوس في كلامه ضد اوريجانس “بعد ما تجتاز السماء والأرض والهواء بالنار النازلة لتطهير وتجديد هذا العالم”.
البرهان الخامس: – القديس يوحنا الذي من بيسان في ايضاحه قول القديس ديونيسيوس الاريو باغي عن وضع العالم وسقوطه أو رفعه يقول ، ان سقوط هذا العالم، يشبه الوضع وعمله ايضا فيعود ويركب ثم يوطد ثم يرفع من الاشياء التي وطدها ووضعها في الطبع، ويدعوا الفلاسفة هذا الوضع الذي لا يدانية الشياطين حتى على مادته والسقوط هي الخواص التي تنزع عن الانواع اي البرودة واليبوسة من الارض فتضحي ماء، فالله يعود ويهيء حتى هذه.
الفصل الثاني
في رأي القائلين: باضمحلال هذا العالم كله وهدمه
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في براهينهم الكتابية
البرهان الاول: – داود “كلها تمضي وانت ثابت كلهم يبلون كالثوب والجبال تذوب كالشمع من امام الرب الآتي لدينونة الأرض”.
البرهان الثاني: – اشعياء “إنني أخلق سماء جديدة وأرضا جديدة، وتدور السماء كالعجلة”.
البرهان الثالث: – الانجيل “تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والكواكب تتساقط من السماء ، وأيضا الارض والسماء يزولان ولكن كلامي لا يزول”.
البرهان الرابع: – يوحنا في رسالته الجامعة أيضا “سيزول العالم وشهوته”.
البرهان الخامس: – يوحنا في رسالته الجامعة الأولى “سيزول شكل هذا العالم لذلك لا اريدكم أن تكونوا مهتمين به”.
البرهان السادس: – يهوذا الرسول في رسالته “يأمر النار بأمره السريع وبلحظة عين فتنشب بالعناصر الثلاثة وبالنيرات وتحرقها كالخشب”.
المقصد الثاني
الرد على براهينهم هذه بأسرها عامة
نقول أن هذه كلها معا تشير الى بطلان نوعية هذا العالم الفانية وليس زواله الكلي ونهايته المطلقة، لان بلاء الثوب وذوبان الجبل ودوران السماء كالعجلة وظلمة الشمس والقمر. وسقوط الكواكب ورقة وتطهير العناصر بالنار ومجانستها، لا تشير هذه كلها الى التلاشي وليس تشير الى بناء سماء جديدة وأرض جديدة، فداوي يطلب خلقة قلب جديد في أعماقه، لتطهير قلبه لا لفنائه وتشير ايضا لفظة تجتاز الى التغيير من حالة الفناء والفساد، فكلام الرسول الالهي بولس بالكاد يكفي ليفسرها بقوله بصورة هذا العالم وليس العالم.
الباب الثالث
في معرفة كل من المخلوقات بحسب الترتيب البيعي في ٦ أيام
وفيه ستة فصول
الفصل الأول
في المخلوقات التي خلقت في اليوم الاول
وفيه مقدمة وستة مقاصد
المقدمة
إن المخلوقات التي فطرت في اليوم الأول هي السماء العالية الضابطة الكل والارض والمياه والنور، وقد صر وحصر الهواء داخل الماء، والنار حصرت بالنور لمناسبتها جميعا لطبيعة بعضها، أما من جهة الجلد (السماء المنظورة) الذي خلق في اليوم الاول فقد تضاربت آراء العلماء والملافئة القديسين فيه، فيقول القديس باسيليوس انه غير الرقيع المخلوق في اليوم الثاني، أما اياونيس فيقول بأنه هو ذاته ولكنه ذكره في اليوم الثاني ولم يخلقه، أما مار أفرام ومار يعقوب السروجي فيقولان انها ذات السماء وذات الارض وهي الخليقة المعقولة أعني الملائكة وهي محسوسة أيضا وأعلن بذلك سمو الحكمة الالهية. أما يعقوب الرهاوي فيصرح بأن موسى دعا النار والهواء سماء، لان للكتاب المقدس عادة أن يسمي الهواء سماء كقول المرتل داود طير السماء. وفي التوراة ورد طل السماء، وعندي أن الرأي الأصوب هو كون السماء العالية خلقت في اليوم الأول أما السماء التي تدعى الرقيع فقد خلقت في اليوم الثاني. أما الثمانية الاخرى الضالة وغير الضالة ليس من اللائق بالحكمة الخالقة ان توجدها معا لان بينها فرق كبير، فالسماء العالية عارية من الكواكب وتتحرك سريعا من المشرق الى المغرب، وفيها ينفصل النهار من الليل، ويكمل اليوم دورته الكاملة. أما الاخرى الباقية ففيها كواكب وتتحرك ببطء من المغرب الى المشرق، وبعض الناس المرضى بآراء الفلاسفة المتطرفين يقولون ان النور وحده قد خلق في اليوم الأول، وما سواه فكلها ازلية مستدلين بلفظة منذ البدء ». ولكن نجيبهم ان لفظة منذ البدء لا تفيد الازلية في كل مكان، فقد ورد في محل « في البدء كان الكلمة. وأيضا من كان اقدم من الذي منذ البدء وفي غير محل ليس المعنى كذلك كقوله « لانه خلقهم منذ البدء ذكرا وأنثى ، وأيضا “لانه (ابليس) منذ البدء قتال للناس”. وقد وافق بعض الملافنة على نص الكتاب فقالوا ان الخلائق فطرت بستة ايام كالقديس غريغوريوس الثاولوغوس القائل: لهذا خلق الله الخليقة الجديدة في ستة ايام ليدخل معها النظام والترتيب والقديس مار اياونيس يقول: كان يجب ان تخلق الخلائق ولكن ليس كلها معا وهذا ما اتفق عليه مار افرام والسروجي أما غريغوريوس النوسي ويعقوب الرهاوي فلم يرتأيا هكذا. بل قالا انها خلقت في لحظة واحدة وفي طرفة عين ، وما قيل انه في اليوم الفلاني خلق كذا وفي اليوم الآخر كذا، فلأجل الترتيب لا غير. وهذا الرأي بحسب العقل والحساب صحيح وثابت ولكن بحسب الكتاب فهو اكثر صوابا وصحة، ويجب الاستناد على رأي الكتاب النبوي اكثر من الراي العقلي لانه احرى بالاعتبار.
المقصد الأول
في طبيعة (كنه) السماء
لا تعرف كنيسة الله المقدسة طبيعة اخرى غريبة عن العناصر الاربعة لطبيعة السماء وما فيها، أي السماء العالية والجلد، ولكنها تبحث عن كونها مركبة من العناصر الاربعة أو من كل جزء على حدة، وقد اختلف بذلك علماء البيعة، غير ان اشعياء المجيد بين الانبياء لم يخبر عن ماهية السماء بل قال انها تشبه الدخان كما ورد “الذي بسط السماء كالدخان”، وقال القديس باسيليوس “ان الرقيع ليس من اختلاط الاجسام، بل هو طبيعة ثابتة راسخة ولا يدرك بالحواس”. أما غريغوريوس النوسي فيقول “ان الرقيع هو الحد المتوسط بين هذه الخليقة الحسية والخليقة الروحانية وله شكل ولون”. ويقول مار افرام وثاودورس المفسر “لقد تكون الرقيع من طبيعة الماء كالجبنة من الحليب وكالجليد من الماء. وقال مار اياونيس “لا يفحص احد عن الرقيع ليس انه ماء جامد ولا هواء مجمع”. وقال مار يعقوب الرهاوي في محل آخر : “انه (الرقيع) هواء مضغوط ثابت، وقال ايضا في كتاب الدينونة “ان الروح القدس قد شد انحلال المياه ومد منها الرقيع كالخيمة والقبة”. ولم يعتقد كل علمائنا انه عنصر خامس كما اعتقد ارسطاطاليس، لكنهم يقولون انه مكون من العناصر الاربعة، فمن الضرورة يكون قابلا مثلها التكوين والفناء والتمزيق، ويكون إما حارا أو باردا يابسا أو رطبا ثقيلا أو خفيفا الخ. وهذه القضية نؤيدها بالبرهان.
برهان: – نقول ان كل الاجسام متساوون بالجسمية، ولو وجد لماهية السماء نوع آخر خاص فإما لوجود جسم له ومن هنا يتضح ضرورة أن ما يوجد له يوجد لكل الاجسام ايضا وبالعكس، وإما لان النوع الذي هو علة خاصة لذلك النوع موجود فيه. وذلك النوع اذا كان ضروريا لطبعه (لذاته) يجب ان توجد لكل الاجسام علته ايضا، فإذا لم يكن ضروريا، يفتقر ضرورة الى علة، وعلة هذه إما ضرورية أو لا، وهكذا تتسلسل الى لا نهاية وذلك محال. فالجسم السماوي يجب أن يكون قابلا لكل انواع بقية الاجسام القابلة.
اعتراض: – يقول المنجمون إن السماء لا تتمزق لان التمزيق يحدث بحركة مستقيمة، والسماء تتحرك باستدارة ولما كانت غير قابلة للتمزيق، فلا تقبل الوجود والفناء ضرورة وهي ليست حارة، لان الحار (الحرارة) يتحرك للاعلى، وليست خفيفة ولا باردة ولا ثقيلة، لان كهذه الاجسام تنتزع بحركتها الى الاسفل، وليست رطبة أو يابسة لانها لا تتأثر لا بسهولة ولا بصعوبة، وليست ملونة، وإلا لمنع القسم الجنوبي السفلي القسم الاعلى منه عن نظرنا، ولكننا ننظر الكواكب العلوية والسفلية معا. والاستدارة تشهد ببساطة السماء وعدم تركيبها، ولا تكبر ولا تصغر، وإلا لوجب العدم الكامل وذلك غير ممكن لأنها حية وليست كالعناصر غير الحية، والنباتات التي تتحرك باستقامة، ويقولون أيضا ان العناصر الاربعة غير الحية إزاء مساحة السماء الواسعة بنسبة حبة الحنطة التي يبتلعها الانسان بالنسبة الى جسده ولما كانت حبة الحنطة مائتة في داخل الانسان فهي لا تمنعنا ان ندعو الانسان حيوانا، وكذلك هذه العناصر الميتة في قلب السماء لا تمنعنا من أن ندعو السماء حيوانا ناطقا بدليل جمال نظامها وحركتها العجيبة، وواضح انها لا تملك من الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة وليس فيها حدة أو شهوة، وذلك واضح أيضا لان هاتين القوتين وجدتا لجلب الفوائد ودرأ المضار، وهي مفيدة للسماء الروحية فقط ولا تجذب بالحواس.
الرد: – نقول أن برهاننا ذاك هو الفريد والوحيد لدحض كل الاعتراضات معا، ولو أخذنا بالتكلم على كل واحد وحده الضاق بنا المجال.
المقصد الثاني
في البحث عن العنصر الارضي
أولا: – في طبعه (كيانه) وشكله: لم يتذبذب احد في كون الارض باردة ويابسة بطبعها، لذا قلنثبت شكلها فنقول ان الارض بطولها تمتد من المشرق الى المغرب باستدارة، وذلك واضح بكون الشمس تشرق في الاماكن الشرقية قبل الغربية. وذلك واضح من ان خسوفات القمر تبتدئ في الاماكن التي في الشرق قبل الاماكن التي في الغرب. أما في عرضها، فهي تمتد من الجنوب الى الشمال باستدارة، وذلك واضح بانه كلما اقترب انسان من الشمال يرتفع عن القطب الشمالي واذا دارت بطولها وعرضها بصورة دائرية، فمن الضرورة أن يكون شكلها كرويا وإن وجدت فيها الجبال العالية والوديان السحيقة ولكنها لا تخرجها عن كرويتها، لانه مهما كبرت واتسعت فهي صغيرة جدا بنسبة وشكل حبات الخردل التي فيها إزاءه.
ثانيا: – في لونها: يقول الفلاسفة أن الارض لبساطتها يجب ان تكون بلا لون كبقية العناصر، أما نحن فنقول أن التركيب وان كل علة (سبب) اللون، ولكن ليس من الضروري وجود كل لون من التركيب، فالقضية كلية موجبة كما يعلمنا المنطق لا تعكس على ذاتها، فنقول اذن ان لون الارض الطبيعي اسود، وذلك واضح من انه كما ان الحرارة تسود الرطوبة عندما تذيب منها وتحلل أجزاء الماء والهواء الصافية، فالبرودة يجب أيضا أن تسود الأشياء اليابسة عندما تكثفها، فاللون الأغبر لا يتراءى لنا اسود بسبب أجزاء (ذرات) الغبار (الهواء) المحصورة فيه كالمحل المتمزق بالزجاجة والزجاجة مسحوقة، فالبقع الحمر والصفر والبلق والبيض ليست اساسية ببساطتها، بل فيها بعض التركيب من الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة الخ.
ثالثا: – الجبال: – ان الحرارة الشديدة عندما تصادف طينا كثيرا سائلا تحجره وتصلبه وتجعل منه صخرة كبيرة هائلة تدعى جبلا، وسبب ارتفاع الجبال هو كون الطين بعد تحجره بالصلابة والليونة تتغير جزيئاته، فإذا كان ثمة مياه كثيرة فإما تهب عليه رياح شديدة فتحفر اجزاءه الرخوة وتفككها وتبقى تلك صلبة وهكذا تتولد الجبال العالية والوديان العميقة، ولكون الصخور ناتجة عن اختلاط خواص العناصر الاربعة، ففيها قوى مختلفة كحجرة الدم (النار) التي تجفف قرحة العين وكحجر اللازورد وحجرة (كلمة ناقصة في النصّ) التي تفرغ وتنظف المرارة السوداء. وكالحجرة اليهودية التي تفتت الحصى من المثانة وكالزرنيخ الذي يحلق الشعر ويطهر الاسنان وأشياء كثيرة غيرها.
رابعا: – في الرمل: عندما يفيض البحر على الجبل يفتته مع طول المدة، وإن فاض على التراب يرخيه ويلينه، وثم تتحجر هذه الأجزاء ذاتها بواسطة اشعة الشمس فتعود الى صلابتها ومتانتها، ثم تفرقها الرياح الشديدة لهبوبها عليها بصورة متواصلة، فتذريها كالعصافة وتبددها وهكذا يتكون الرمل، وكذلك القرميد والطين اذا رطبا بالماء وأدنيا من النار فيتفتت القرميد والطين يتحجر.
خامسا: – في الاجسام المعدنية والحفريات: – وهذه الاجسام إما أن تكون سالمة التركيب أو ضعيفة، أو أنها مطروقة كالذهب والفضة والخارصين والنحاس والحديد والرصاص والزنك، أو غير مطروقة، وهذه إما عدم طرقها يعود الى شدة رخاوتها كالزئبق أو بسبب شدة قساوتها. وهذه أيضا الاخيرة إما تكون مجردة من اللدونة ولذا تتفتت حالا كالياقوت أو مع اللدونة الموجودة بنوع قوي في الحجرية أو انها صقلت أجزاءها وتصلدت فنتج عنها حجر الماس. فهذه الاحجار ليس انها لا تطرق بل انها تغوص في السندان اذا وضعت عليه فعندما تقوي كل جسم وتقهره، فيمكن ان ترش بدم المعز فيفتتها ويلاشيها، أما الاجسام الضعيفة التركيب، فإما أن تذوب بواسطة الرطوبة كالاشياء المالحة كالزاج … والشب … او كالزرنيخ والكبريت.
سادسا: – في تكوين المعادن: – ان الطبيعيين واصحاب صناعة الكيمياء يدعون بأن أصل المعادن كلها الزئبق والكبريت، وذلك واضح من انها اذا أذيبت تشبه الزنبق في ثباتها، إذ أن الزنبق يغوص فيها، وإذا قطر الزنبق برائحة الكبريت يشد ويتكاثف ويصبح كالزنك، فإذا كان كلاهما طاهرين نقيين ويذابان معا إذابة كاملة ويكون الكبريت أبيض ينتجان فضة، وإذا كان أحمر غير محترق يكون ذهبا، وإذا امتدت اليهما البرودة المقطرة قبل غليانها الكامل فيولدان … هذه وإذا كان الزئبق طاهرا وحده والكبريت عكرا ومحترقا فيولد نحاسا، وإذا لم يمزجا معا جيدا فينتجان قصديرا، وإذا كانا كلاهما معكرين ودنسين والزنبق ترابي وأرضي والكبريت محترق ينتجان حديدا وإذا كانا مع رداءتهما رخويي التركيب فيولدان رصاصا وبهذا النوع يحتال اصحاب صناعة الكيمياء دائما ليشابهوا العمل الفني بالعمل الطبيعي، والعقل الناطق يقرر ويشهد بإمكانية إيجاد الفن.
سابعا: – في تكوين الحفريات: – ان المعادن السالمة التركيب وغير المطروقة كالحجارة النيرة من يواقيت وبلور وباقي المعادن تتكون كلها من المائية المنفعلة بالبرودة واليبوسة. أما السقيمة التركيب والسريعة الانحلال فهي من انواع الملح، اما الكبريت فهو من المائية القوية واللدونة المتبدلة والمتغيرة المنفعلة (المنعقدة) بالبرودة، وكل انواع الزاج تتولد من الملح والكبريت والحجارة الذائبة … وتتولد الحجارة والصخور ايضا من المياه التي تنساب من المغاور وتتجمد وتتحجر، وهناك مياه تستحيل حجارة عندما تدخل فيها الاخشاب، وهناك اماكن في … كل ما يدخل فيها يتحجر والجفصين (الجبس) هو طين ابيض قد اضحى صخرا، وفي عندما يرمون الطين اليابس في الينابيع فتحيله صخورا وتتولد الصخور والحجارة في شرايين الارجل التي فيها مرض النقرس أو في مثانن الاولاد الخ.
ثامنا: – في سكون الارض: – ان الارض غير متحركة وذلك واضح من كون جزئها الذي انفصل عنها قسرا عندما يدنو منها تسكن، ويقول البعض ان السماء تتحرك من المغرب الى المشرق ببطء اما الارض فتقطع يوما كاملا في سيرها السريع من الشرق الى الغرب، ويضربون برهانهم من هدوء سواحل البحر وحركة السفن وإن شعر الناظر بعكس ذلك، وهذا الهذيان غير صحيح، وذلك واضح من الهندسة التي تعلمنا ان كرة الأرض هي اربعة وعشرين الف ذراع وهذه هي كمية حركتها في اربع وعشرين ساعة أي في اليوم الكامل إذا تحركت حسب قولهم. وجزء كل ساعة الف ميل وكل ثلاثة اميال تساوي فرسخا واحدا، وكل فرسخ اثنا عشر الف ذراع، وكل ذراع اربع وعشرين اصبع، وكل اثني عشر مسير يوم واحد بسباق الخيل، فنقول اذن لو كانت الارض متحركة كما قالوا لوجب ان تتحرك (تسير او تقطع) الطيارة من محلها الذي تغادره ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين فرسخا وثلث في ساعة واحدة. ولما كان هذا النوع غير صحيح، فالارض لا تتحرك مطلقا استداريا من الشرق الى الغرب كرأيهم وليس بالعكس ايضا. ولا تتحرك نحو الاعلى … وذلك واضح من انه لو تحركت نحو الأعلى لتقربنا يوما بعد يوم من الافلاك، ولو كنا نتقرب منها كيف تزداد ربوات النجوم بشعورنا ولو تحركت نحو الاسفل لكانت الحجرة التي تلقيها نحو الأعلى لا تصل الارض بنزولها مطلقا، لكون الارض مسطحة وثقيلة اكثر منها. فهي (الارض) أثقل بكثير من الحجرة وبالتالي تكون اسرع جدا بنزولها، والسريع لا يستطيع إدراك الاسرع منه كما هو مبين والحال انها تدركها وتسقط عليها فهي ساكنة وغير متحركة.
تاسعا: – في تقسيم الارض: – لقد ظهر لنا سابقا ان الارض كروية الشكل، فنقول اننا ننحصر تحت دائرة اليوم الساحرة التي في السماء التي سنظهر عنها بحثنا بعدئذ. وهي الكرة (الدائرة) العظمى التي تشير على اتساع الارض. وهذه الدائرة تقسم الارض الى قسمين متساويين وتدعى هذه الدائرة (خط الاستواء) اذ بكل السنة يساوي النهار الليل ههنا وهناك كما سنبين ذلك، وعندما نفكر بالدائرة الاخرى الاعظم التي تجتاز الى كلا القطبين أي مه بر مصرن الارض، فتقطع الكرة أي خط الاستواء لقسمين، أحدهما في الاعلى والآخر في الاسفل، حينئذ تنقسم الارض الى أربعة ارباع متساوية اثنين منهما جنوبيين والاثنين الآخرين شماليين وستنتهي المعمورة اخيرا في هذين الربعين الشماليين أي العالي، وعندما نفكر بدائرة أخرى أكبر تجتاز الى الارباع الاربعة والقطبين اللذين في كلا الدائرتين، فهذه الدائرة تقطع المعمورة لقسمين متساويين الواحد شرقي والآخر غربي، ونقطة القطع هي خط الاستواء الذي يبتدئ من هذه الدائرة، وتدعى مركز الارض الرئيسي، ولم نجد شيئا في الكتب اليونانية عن حالة هذا المكان، اما الهنود فقد سمعناهم يقولون: هناك محل الشياطين ويدعونه بلغتهم كنجد، وتحت القطب الشمالي هناك جبل يدعونه (ميز) وهو مسكن الملائكة. وعلى الخط الذي بين كليهما مدينة أوزين الواقعة في مملكة (مالو) والقلعة (زوهيتجد) وصحراء اثانيش وهناك جبال شديدة البرد وكثيرة الثلوج أمام باب مدينة الهونيين وقد قسم المهندسون كرة الأرض ثلاثمائة وستين جزءا كما للسماء فاذا وجدنا نصف دائرة من الارض بين رجلين فمن الضروري أن تستقيم أرجلهم قبالة بعضها، أعني أن الخط المستقيم المبتدئ من تحت أرجل أهل الصين القاطنين في آخر حدود المشرق يسير باستقامة ويتصل تحت أرجل أهل جزيرة غاديرا في آخر حدود المغرب ويتم ذلك الخط لان راس كل انسان من هذين المحلين يتجه نحو جهة السماء والأرجل الى جهة الارض، ولذا قيل أن البعد بين رأسي القائمين على الارض أكثر من البعد بين رجليهما، وهذا البعد يظهر في اولئك المتباعدين من بعضهم ولا تظهر في القريبين.
عاشرا : – في طول الارض وعرضها: – ان طول المعمورة حسب رأي اليونان يبتدئ من جزائر أوزنين الست التي في الغرب، وتدعى بالسعيدة والخالدة، وهي تبعد عن ساحل البحر نحو عشرة أجزاء من ثلاثمئة وستين جزء. وقال آخرون انه يبتدئ من ساحل البحر، فوجد رمزان (شبهان) لطولها في الكتب ويتفاوت كل منهما بعشر درجات عن الآخر. أما عرض المعمورة فيبتدئ من خط الاستواء نحو الشمال ولذا فعرض كل محل نحو الجنوب أقل من الذي نحو الشمال كلما ازدادت الابعاد والمسافة عن خط الاستواء يزداد العرض بالأكثر.
حادي عشر: – في الاقاليم السبعة: – لقد سبقنا فقلنا ان المسكونة كلها تتجه نحو الشمال من خط الاستواء الواقع تحت الدائرة المستقيمة أي من الارض المحترقة. وذلك واضح من تساوي الليل والنهار في كل محال وأن الظلال تنحرف نحو الشمال عند الظهر، وهكذا صرح بطليماوس المجسطي ولكن بعد ذلك علم المسكونة انها تنحرف نحو الجنوب من خط الاستواء نحو ستة عشر جزءا وربع وسدس، وقد كتب عنها في كتاب الجغرافيا، وليس بصحيح ما قيل عن منطقة خط الاستواء باعتدال مزاجه، وذلك واضح من ان سكانه مشمسين وسودان ومحترقين وكل القريبين منه هم متناسبون باللون والشعر والعادات والعقول، فكيف يوجد الاعتدال في أمزجة ذلك المحل الذي تصهر الشمس أفخاخ سكانه. لكي إذا ابتعدت عنهم الشمس قليلا في الفصلين المعروفين الشتاء والصيف يتخلصون ويرتاحون قليلا من الحرارة اللاهبة.
الإقليم الأول: – يبتدئ الاقليم الاول بالعرض من خط الاستواء، وينتهي الى جهة الشمال بمقدار عشرين درجة وأربعة عشر دقيقة، وفيه من المدن مازوي التي بناها موسى وسماها على اسم ماروس ابنة فرعون التي ربته، ويبتدئ من المشرق من أرض الصين ويمر بتلك الانهار حيث تجتاز السفن قادمة من البحر، ثم ينتهي الى حدود الاوقيانوس وسكانه بشعاء وعراة، مجردون من الناموس وحيواناتهم كاسرة وحشية وطيورهم مخيفة وتنانينهم جسيمة وهوامهم كثيرة.
الإقليم الثاني: – وهذا يبتدئ حيث ينتهي الاقليم الاول وينتهي الى الشمال ويكون عرضه واتساعه سبعة وعشرين درجة واثنتي عشر دقيقة. فيبتدئ من المشرق من ارض الصين، ويمر في شمال جبال قامرون ويكبوج ويارانسي وأوجين، وعليه تقع مدن الحبشة مملكتا سواي وبيل. وفي مغربه عُمان وهاجر واليمامة ومهرة وشبا وسبا ويثرب ومملكة الاحباش واسوان وقوص وصعيد العليا وينتهي الى بحر الاقيانوس، وسكانه أقل جهامة من سكان الاقليم الاول. اما حيواناتهم فكالاول وليسوا عراة كسكان الاقليم ويستعملون الرموز والعرافة والسيميا والرقى الخ.
الإقليم الثالث: – وهذا يبتدئ حيث ينتهي الاقليم الثاني وينتهي الى الشمال حيث عرضه ثلاث وثلاثون درجة وستة عشرة دقيقة، ويبتدئ من المشرق من أرض الصين، وفيه مملكة خورسان ومملكة الهند الخارجية وفيه مدن ثانيش وقندهار ومولتان وكرور وسجستان وكرمان وفرس واصفهان وبلاد الاهواز والكوفة وبعض من بلاد فلسطين وسوريا والشام واورشليم، وبحر الاحمر وبرية أرض مصر والاسكندرية وافريقية وقبائل البرابرة الذين في المغرب وينتهي أيضا في الاقيانوس.
الإقليم الرابع: – وهذا يبتدئ حيث ينتهي الاقليم الثالث، وينتهي الى الشمال حيث عرضه يبلغ ثمانية وثلاثين درجة وخمس وثلاثين دقيقة. ويبتدئ من المشرق من أرض الصين ويجتاز على مادي واري وبابل و همدان وأثور ونصيبين وحران والرها ومنبج وحلب واوفيميا وكريت وقبرص ورودس وسلوقية وحمص وحماه وطرسوس وممقسطا وانطاكية وينتهي في الأوقيانوس وسكانه حكماء ومنتظمين وأحسن جميع الناس.
الإقليم الخامس: – وهذا أيضا يبتدئ حيث ينتهي الاقليم الرابع، وينتهي نحو الشمال وعرضه ثلاث واربعون درجة وخمسة عشرة دقيقة، ويبتدئ من المشرق من أرض الهونيين أي أجوج وماجوج وبلد السودان، ويمر على قبائل الترك المختلفة حتى الكاشجر وبلاسفوت وسمرقند و بخاری و خوارزم حتى الى باب الابواب وميا فرقاط وارمينية وملطية ورومية العظمى والقسطنطينية واثينا وتراقية وينتهي الى البحر، وسكانه حمر وكثيرو الحروب والقتال.
الإقليم السادس: – وهذا يبتدئ حيث ينتهي الاقليم الخامس وينتهي الى الشمال وعرضه ستة واربعين درجة وإحدى وخمسين دقيقة، ويبتدئ من المشرق من أرض الترك أي الاماكن التي تدعى قاي وقون وكريكر وكماج وقارب ويمر على بحر طربيزونطا بالقرب من بيزنطية وبلاد الافرنج وتسكنه شعوب تسمى أجلوفريغوس الصغيرو الجسم والقصيرو القامة، وتدعى حيواناتهم ونساؤهم أمزاناس ويقطعن ثديهن الايمن ليستعدون لرشق النصال، وينتهي الى البحر الغربي.
الإقليم السابع: – ويبتدئ هذا حيث ينتهي الاقليم السادس وينتهي الى الشمال ايضا، وعرضه نحو خمسين درجة، وفي هذا الاقليم سكان قليلون، وفي شرق هذه الاماكن جبال شامخة يسكنها قوم جوج وماجوج وقبائل اخرى بربرية وفيها المدينة التي تدعى بوريستاني وداخل هذه المدينة يجري النهر في بلاد سار محطة الداخلية، ويمر على جبال باشكرت وحدود المغول والبلغار وسقيتية، وينتهي في البحر الغربي، ويشتد البرد في هذا الاقليم، وتقصر حياة سكانه ولا يبنون فيه البيوت بل يجولون مع الشمس على العجلات ووراء هذا الاقليم الى الشمال قبائل قليلة تدعى بالتركية ایسوارانج ويورا أناس سمجو الاخلاق بشعوا المنظر يشبهون الحيوانات أكثر منهم البشر، وهذا النوع الذي به قسم الحكماء المسكونة (المعمورة).
وهناك أقوال أخرى عن التقسيم يجب أن نستعرضها وهي:
1- في تقسيم نوح: – لقد قسم نوح الارض الى أجزاء ثلاثة بحسب العرض، فقد أعطى الجهة الجنوبية التي في السودان لحام ابنه ومنح الجهة الشمالية التي في البيض ليافت والوسطى وفيها السمر أعطاها لسام ابنه.
2- في تقسيم الهنود: – أما الهنود فقد قسموا الارض الى تسعة أجزاء جهة الشرق ودعوها بلغتهم يوارب، وجهة المغرب وسموها يسجم، وجهة الشمال ودعوها وتر، وجهة الجنوب ودعوها دكشن وجهة الشمال الشرقي ودعوها أيشن. وجهة الشمال الغربي ودعوها بايب والجنوب الشرقي ودعوها لبني والجنوب الغربي ودعوها نيرت والجهة الوسطى لجميعها، ودعوها مدراش (مردش).
3- في تقسيم الفرس: – لقد قسم أفريدون عظيم الفرس الارض الى ثلاثة أجزاء بالطول، فالجهة الشرقية التي فيها … والصينيون أعطاها لابنه توج، والجهة الغربية وفيها الروميون منحها لابنه سلم، والجهة الوسطى وفيها ايرانشهار أعطاها لابنه ايرج.
4- في تقسيم آخر للفرس: – وغيرهم من الفرس قسموها الى سبعة أجزاء أو ممالك ودعوا كل جزء منها كشور بلسانهم فالمملكة الأولى هي للهنود والثانية للعرب والثالثة للسريان والغرب والرابعة وهي ايرانشهر والخامسة وهي مملكة الرومانيين والسقوتيين والسادسة وهي للتركيين والبرابرة والسابعة وهي للصينيين وأهل التبت الذين يذكرهم النبي.
5- في تقسيم اليونان: – لقد قسم بطليماوس في كتابه … إلى سبعة أقاليم التي سبقنا وذكرنا عنها وذلك بحسب ميلان قرص الشمس، وطول وقصر الايام والليالي أما في كتاب الجغرافيا أي اخبار الارض قسمها الى ثلاثة بحسب الطول لكل الارض طبعا، فجهة الشرق مصر ودعاها آسيا عامة، والجهة الغربية وفيها بحر ادريانس الخضم الذي بين الاسكندرية وبلاد بيزنطية، وقد قسم تلك الجهة الى جزئين، ومن جنوب هذا البحر حتى الأوقيانوس الشمالي الذي يسكنه بعض البيض والحمر ودعاه أوربا، والجهة التي في الجنوب من هذا البحر حتى الارض الحارة أي منطقة خط الاستواء التي يسكنها السودان والسمر دعاها لبواي، ولأجل ان الجهة الشرقية هي ضعف الجهة الغربية، فأفرد منها بابل وخرسان وسماها آسيا الصغرى وسمى الباقي آسيا الكبرى.
المقصد الثالث
في البحث عن العنصر المائي
أولًا: في طبيعة المياه: – لم يشك أحد في برودة الماء و رطوبته، إلا البعض الذين قالوا أن الارض هي أشد برودة من الماء لسببين:
- إن الارض أكثر كثافته ولذا فهي أشد برودة.
- الارض أبعد بكثير من الحركة الفلكية المدفئة.
فنجيب ضد الاعتراض الاول قائلين وان كان البرد سيبا للكثافة، ولكن ليس من الضروري أن تكون الكثافة معلولة للبرودة، لان القضية كلية لا تنعكس على ذاتها، فإذن يمكن أن لا تكون كثافة الارض من برودتها بل من علة أخرى.
ونجيب ضد الاعتراض الثاني بقولنا ان الحركة الفلكية لو تدفئ كما اعترضتم لما وجب أن تستحوذ البرودة على الماء والهواء والارض عندما تبتعد الشمس فينتج اذن أن المياه أكثر برودة من الارض، وذلك واضح من ان جسنا لها (للمياه) تبرد له يدنا أكثر من جسنا للارض.
ثانيًا: في برودة المياه: – إن المياه ترشح وتسيل طبيعيا وذلك واضح من أنه لو ابتعد الجسم الذي يدفئ وهو الشمس لتجلدت ولما كانت تجري طبيعيا فهي مجموعة ومعقدة طبيعيا، وجريانها بسبب ذوبانها.
ثالثًا: في لونها وطعمها: – لو لم يكن للماء لون لما نظر، ولما تلبس بأشعة من القنينة المملوءة به، كما لا يتلبس من القنينة الفارغة. اما من جهة طعمه فنحن في شك لاننا لا نعرف اننا نحس به بقوة حاسة عندما نشربه أو بقوة ذائقة.
رابعًا: في شكل الماء: إن الماء كروي وذلك واضح من أمور ثلاثة:
- بكون الذي يجري في البحر، يرى رأس الجبل (قمته) أولا وهذا لا يحدث إلا بسبب ترقرق الماء وانحدار جريانه الذي يمنع المرء من رؤية أسفل الجبل قبل رأسه.
- عندما نسكب الماء الى الاعلى فقطراته تأخذ شكلا كرويا وهكذا عندما نرش بعض القطرات على التراب الناعم.
- بكون الماء بسيطا، وشكل الاجسام البسيطة كروي.
خامسًا: محل الماء الطبيعي: – إن محل الماء الاصلي هو فوق الارض، ولولا الروابي والجبال المرتفعة عن الارض لغمرت المياه كل مكان ويحصل الغرق، ولكن قد أعدت العناية والحكمة الالهية ان يحجزها هذا الارتفاع لاجل قوام كل حيوانات اليابسة، وليس القصد في المياه اذا سلكت داخل ثقوب الارض السفلى الاحتقان تحت الارض وحسب بل ان تكون معرضة للهواء الموجود في تلك العقار الواسعة، ثم لتأخذ مجراها الى اعماق الأرض طبيعة، ولا تظن لها محلا طبيعيا فوق محلها، والمياه تغمر ثلاثة أرباع الارض كما توصل الى بيان ذلك الحكماء. اما البحث عن بقية البحار والانهار فندعه في الكلام عن اليوم الثاني.
سادسًا: في الروح الذي كان يرف على وجه المياه: قال القديس باسيليوس في مقاله الثاني عن الايام الستة، وقد وجه له السؤال الذين سبقونا عن هذه الروح إذ قالوا انه الروح القدس، وهذا ما يجب الاعتراف به بعقلنا، وقال عن معنى الترحيف (الرفرفة) وقد تعلمها من رجل سرياني فاضل، إذ أراد أن يوحد بين اللسانين الآرامي والعبري، ان روح الله كان يرف على وجه المياه ليمنحها قوة الاستعداد لولادة نفس حية من جنسها بشبه الدجاجة التي ترفرف فوق فراخها التي تحتها وتحتضنهم بمزيد حبها وحنانها، لتمنحها حياة وتحل فيها حركة، ويوافق مار يعقوب الرهاوي على هذا الرأي. أما مار أفرام ففي تفسيره لسفر الخليقة التطبيقي ومار يعقوب السروجي في ميمر الايام الستة وثاودورس مفسر النساطرة فيقولون: لم يكن ذاك الروح روح القدس بل ريح هذه المسكونة أي الهواء، فقد قال السروجي . لقد جن الظلام وهبت الريح فوق المياه الروح المخلوقة وليست المقدسة كما ظننت فقد دعاها موسى روح الرب كما قيل: ان خليقة الرب كانت ترفرف على كل خلائقه والرأي الأول أصوب وأثبت، وذلك واضح من انها لو لم تكن روحا لما دعيت روح الله، اذ لم يدع مطلقا هواء الله أو ماء الله، أو أرض أو نار الله، أما عن الروح القدس فتدعى دائما هكذا، كما ورد في المزامير ، وترسل روحك ويخلقون ، وهكذا ورد عن الابن لفظة كلمة الله أمجد كلمة الله ونطقوا بأشياء أخرى كثيرة لتأييد هذه القضية والفكرة، وقد وجدت هذه الكلمة المختصرة ناقصة جدا. أما مار سويريوس في كتابه ضد جر مطيقوس يقول ان مار افرام رجل سرياني وانه ليس صاحب هذه الفكرة بدليل انه قديس ولا يفكر هكذا.
المقصد الرابع
في البحث عن العنصر الهوائي
أولًا: في طبيعته: – ان الهواء حار بطبعه وذلك واضح من وجهين:
- لانه اذا أردنا أن نصير الماء هواء، يجب علينا ان نغليه بحرارة شديدة فيصبح هواء.
- كون الهواء رطبا كما يظهر، فلو كان باردا لصار ماء وكونه ليس ماء فهو اذن حار.
أما البعض فيعترضون قائلين: إذا كان الهواء حارا لطرأت عليه البرودة كلما ابتعدت الشمس، ولو أنه حار فلماذا الهواء النقي الموجود في رأس الجبال بارد ، وإذا كان حارا فهو حار في الابعاد والاقصاء الاخيرة حيث لا توجد فيه برودة تبدد حرارته. ولو كان كذلك لدعي نارا لا هواء، ولو لم يكن باردا كيف لا تتضاعف حرارة النار التي بجانبه فتقوى على حرارته وكلتاهما الحرارتان تجففان جوهره ومن هنا يتضح أن الهواء يجب أن يكون ناشفا وليس رطبا وهذا غير صحيح، ونقول ضد الاعتراض الاول عندما تنحرف الشمس من برودة الارض، يبرد الهواء، وليست البرودة هي طبيعته ونجيب ضد الاعتراض الثاني ان بواسطة هبوب الرياح الباردة على رؤوس الجبال يبرد الهواء وليس بطبيعته ونجيب عن سبب برودة الهواء حتى النهاية بقولنا ضد الاعتراض الثالث: أن رطوبته لا تدع ولادة الحرارة في الاقصاء النهائية (الاخرى) لان الحرارة تشتد مع اليبوسة ولكنها تتبدد مع الرطوبة، ونجيب ضد الاعتراض الرابع ليست واحدة منطقة الهواء، بل ثلاث الأولى هي العليا وتتبع النار فهي نارية، والثانية وتتبع الارض والماء، وهي باردة مثلها إذ ليس ما يسخن والاخرى وسطى وهي الهواء الرئيسي والطبيعي الحار والرطب، ولا يتشكك أحد في رطوبة الهواء إلا بنوع جزئي بسيط، ثم ان الهواء خال من اللون والطعم والشكل، فلا حاجة التشبث بالامور المتولدة عن الهواء أي بالامور التي يدعوها القدماء … أي الاحاديث الفاهية والخرافية.
ثانيا: في السحاب والمطر والثلج والندى (الطل) والسقيط (الزميتة): – إن حرارة أشعة الشمس عندما تذيب رطوبة الماء وتبخرها، فتمنح البخار خفة، وتصعده إلى أعلى، فإذا ارتفع الى الفضاء كثيرا ولامس العنصر الناري الحار هناك يتلاشى وينحل ويصبح هواء، وإذا ارتفع بمقياس محدود فيكون الهواء ليس باردا جدا فيتجمع ذلك البخار وينعصر ويسقط بشبه وابل المطر، والبخار المتجمع يدعى سحابا والقطرات النازلة تسمى مطرا، وإذا لم يتجمع تجمعا قويا فيدعى ضبابا، ومن هنا يتبين لنا أن الضباب هو أكثر كثافة من الهواء وأرق من السحاب، وإذا كان الهواء باردا جدا فقبل أن تتحد أجزاء السحاب تجتمع الى بعضها، فتلامسها طبقة باردة، وعندئذ يحدث الثلج، وإذا اتحدت هذه الاجزاء مع قطرات المطر تلامسها برودة شديدة جليدية، فعندئذ يسقط البرد، وطول مدة نزول (هبوط) ذرات البرد ينفرط عقد اتحادها، فتصير على شكل كريات صغيرة، وإذا ارتفع البخار الى محل أوطأ من محل السحاب والضباب ويكون قليل الكمية، وتصادفه برودة ليست شديدة جدا، فتجمعه لتحصره وتجلده فيضحي طلا، وإذا كان زائد الكمية فيهطل مطرا، وإذا لامسته برودة مجلّدة، عندئذ يصير سقيطا أو زميتة، وإذا كان أقل من السقيط، فيسقط مطرا متجلدا بقوة بشبه قطرات تشق السحاب وبصورة متواصلة فتدعى … والثلج الذي يسقط بفتة بتواصل يدعى إعصارا، وبقدر كل القطع النازلة تسيل المجاري وتشتد الزوابع القاسية. أما الصحو فليس أمرا غريبا عن الهواء الخالي من السحاب والضباب.
ثالثا: في الدائرة: – إن الغمامة (السحابة) الصقيلة الملساء والمتلبدة والنيرة عندما تتكون تحت القمر، فيبان من القمر … ذاتيا. أما شعاع جماله فينعكس على السحابة التي حول دائرته، وهكذا تتراءى خيالا دائرة كاملة مستديرة، وتبدو جليا عند منطقة الظهر وليس في الافق، أما حوالي الشمس فتبدو الدائرة عرضا ، لانه ليس الشمس فقط تجذب البخار وتذيبه، أما حول الكواكب فتظهر أحيانا، لان الكوكب يجذب بصورة ضعيفة ويذيب أيضا كذلك. فإذا كانت السحابة متلبدة بالاكثر وممتدة، فتبدو الدائرة حول الشمس أيضا، حيث تظهر السحابتان الواحدة فوق الاخرى حسبما قيل سابقا، فتتراءى دائرة فوق الاخرى، وقال البعض أنهم عاينوا سبع دوائر.
رابعا: في قوس القزح: – عندما تظهر في قطر الشمس الاجزاء والعيون صافية وصقيلة، فيبدو الجسم من ورائها ممتدا وكثيفا ومظلما، أي الجبل أو السحاب، حينئذ تسطع أشعة الشمس الميزة على تلك الاجزاء القيلة، وتتراءى الاشعة ملونة بألوان مختلفة بأشكال قوسية، فتبدو الدائرة (القرص) الخارجية للقوس حمراء لكونها نيرة، وربما يبدو وسط السواد احمرار والدائرة التي وراءها تبدو خضراء لبعد النور والدائرة الثالثة ارجوانية لزيادة بعد النور، وفي منتصف الدائرة القوس لان الشمس هي بقرب الافق لذلك فنصف الدائرة الآخر يجب أن يكون غير منظور وهو في أسفل الارض، ولا يحدث قوس القزح حول الكواكب مطلقا لضعفها، أما حول القمر فأحيانا قليلة لانه في الليل تتضاءل ألوانه عند الانحجاب والشرط بظهوره (القوس) أن يكون القمر كاملا وإلا لا تدركه الحواس، ويكون ظهوره مرة في الشهر عند طلوعه جليا لا وقت غروبه، وقد قال أرسطوطاليس انه أبصر قوس القزح بعد مرور خمسين سنة مرتين فقط.
خامسًا: في بنات الشمس: – ان السحابة المتلبدة والصقيلة عندما تتجمع وتظهر قرب الشمس تصبح كبيرة شبه المرآة حيث انها تبقي كافية لاقتبال أشعة الشمس مع اللون وكذلك الشكل، حينئذ تبدو بنات الشمس، فتبدو أيضا فيها أجزاء الدائرة والقوس وكل واحدة أصغر من بنات الشمس فلا تستطيع قبول وإعلان الاشعاع الشمس والقمر فقط دون شكلها وبنات الشمس هذه تظهر حواليها عند الغروب خاصة، ونادرا عند وجود الشمس في قلب الظهيرة أي في المركز، كقول أرسطو طاليس أن بنتين للشمس أشرقتا ولبثتا كل النهار وعندما غابت غابتا معها، فتحدث (تتولد) بنت الشمس من البخار المعكر المتصاعد في الهواء، ثم يصفى ويبلغ الدائرة (العجلة) النارية، ويستنير هناك ويبدو كالشمس ويمكث أياما وأشهرا بالنسبة الى كثافته وأحيانا يجول مع الافلاك.
سادسًا: في النيازك: – إن النيازك والسهام التي تدعى قضبانا والعصي هي وهمية تشبه قوس السحاب في لونها وتبدو في جانب الشمس من اليمين والشمال، وتظهر باستقامة كالخط المستقيم، وذلك إما بسبب كونها أجزاء صغيرة من الدوائر الكبرى فترى مستقيمة، أو لأنها تشبه الذي يرى قامة حدباء فيمكنه أن يراها كأنها مستقيمة، ونادرا تتراءى قرب الدائرة الظهرية عندما تتلاشى وتبيد من شدة الحرارة عند شروق الشمس أو غروبها.
سابعًا: في الرعد والبرق: – يجب ان نعلم ان الدائرة والقوس وبنات الشمس والنيازك ليست كائنات فعلية بل خيالية فقط ووهمية، وترى بالنسبة الى نظرنا، أما الرعود والبروق وسائر البوادر التي سنتكلم عنها فهي كائنات ذاتية ثابتة لا خيالية، فنقول انه أحيانا ترتفع الابخرة الرطبة مع الهواء الى الاعلى فعندما يرتفعان تنعقد منهما السحابة فتحصر هذه الاعطرة الهوائية داخل البخار الذي أصبح سحابة، فعندما يسخن هناك، يرتفع الى المحل الناري الاعلى فيخترق السحابة التي حصرته ومن ذلك الخرق الشديد. يسمع صوت التأثير الذي يدعى الرعد. لان في هذا الهواء الهباني جسما رقيقا وجزءا مانيا وآخرا أرضيا، فالحرارة هي وليدة الحركة عندما تسخن المائية الارضية، تغيرها الى حالة اللدونة وهكذا تجعل الجسم قريب الالتهاب والاستنارة أي الجسم المركب منها وتلك الاستنارة تدعى برقا، وهكذا لما كان الرعد سبب البرق، فالبرق يشعر فيه قبله لان الشيء المسموع لا يستطيع ان يسبق او يتقدم المنظور، لاسيما إذا كان المنظور أكثر خفة واستنارة والمسموع يكون أقل سرعة بدنوه من الاذن كالشيء المترطب بأجزائه. وإن النظر أقوى من السمع وذلك واضح من أن الذين يضربون المطرقة، فإننا نسمع صوت الطرقة الأولى بعد أن نرى الطرقة الثانية، أما أمفهر وقليرس وأناكسوغورس فارتايا أمورا أخرى وأفكارا عن البرق والرعد فقالا انهما وهميان، أما لاوديموس فاعتقد بخيالية البرق فقط، ونبتعد عن مجادلتهم وإجابة اعتراضاتهم لئلا يشذ كلامنا عن القصد.
ثامنًا: في … : – ان الهواء الهباني (الدخاني) الذي تقذفه السحابة الى أسفل إما بسبب ثقله أو بسبب المانع أو الحاجز من الصعود، عندما يصل الى الارض بقوة شديدة ويكون مضطرما جدا، فإذا حوى مادة أكثر رقة وخفة، يمر في الجسم الذي يصادفه بدون ان يحس وبدون ان يضعف لونه، وهذا يدعى أرغيوس أي أبيض وإذا حوى مادة أقوى وأكثف من هذا فيسود الاجسام التي يمر بها ويجتاز في الاجسام المسطحة والمسقطة دون أن يضرها أما الاجسام الصماء الجامدة فيحرقها، كما حدث عندما صادف أحيانا كثيرة الترس فأذاب نحاسه وحفظ فيه الخشب دون ضرر، وهذا يسمى فسلوانوس أي اللامس (الشبكة) وأحيانا يصادف أو يلامس الجبال العالية فيبيدها وأحيانا يغطس في البحر ويحرق حيواناته، وأحيانا يقطع الجسم نصفين (قسمين) كالسيف البتار وهذين القسمين يدعيان باسم عام قهرانوس أي …، وإذا كان للهواء الدخاني مادة أكثر كثافة وعكورة ولدونة فيحرق الهواء النقي ويضرمه فيظهر كالجمرات، كما ظهر ذلك الحريق في هيكل افسوس وهذا يدعى … .
تاسعًا: في المصابيح والشرار وسائر ما يرى في الليل: – إن الاماكن التي فيها طبع الكبريت تصعد منها أبخرة كبريتية وتنتشر في الهواء الذي ترطب بالبرودة الليلية، وهكذا يتغير ذاك الطبع الى طبع لدن سهل الاضطرام، إذ يلتهب بأشعة (أنوار) الكواكب، كما يحدث في السراج الذي يستنير فيه القسم السفلي من النور العلوي، وهكذا تتراءى أنوار كثيرة كالاعمدة تنزل الى الارض والبحر، وتتراءى نيران كثيرة أيضا في الليل حيث تبدو ثابتة في الليالي الصاحية خاصة وتدعى (الهوتات النارية) وكذلك خيالات (أشباه) قرمزية وأرجوانية كثيرة ترى فيها. لان اللون المتوهج بالنار عندما يختلط مع الظلام الخفيف، يولد ألوانا كهذه، وعندما يترجرج النور، يجعل هوة خيالية نارية، وهذه السلاهب لا ترى في النهار بسبب الشمس.
عاشرًا: في الكواكب المذنبة: – إذا ما وصلت المادة الرخوة والرهنية والهبائية عجلة النار تحترق، وعندما تلتهب كليا تستحيل الى طبيعة النار وتصبح غير منظورة، وترى كالكواكب الذي يسقط من السماء وينتثر. وإذا لم تحترق كليا بحسب ثقلها وكثافتها تبقى أياما كثيرة، وتبدو شبه مذنب أو ذنب أو خيمة أو حيوان قرني، وإن كانت كثيفة جدا فتظهر فيها علامات مخيفة حمراء وسوداء، وأحيانا تدور ملتصقة بالنار التي تدور مع العجلة الفلكية بشبه الدائرة، وقد إدعى ديموقراطيس وأناكسوغورس وبعض من … وأيسوقراطس الذي من فيوس واسكولوس رفيقه ان المذنبات هذه هي وليدة اجتماع الكواكب الغير الضالة (السادرة) أو الثابتة ولهم أوهام وظنون من جهة قربها لبعضها، وانعكاسها عليها، أما أرسطو طاليس فيزيف ويسفه كل اعتراضاتهم.
حادي عشر: في الحريق: – إن البخار الدخاني المتعكر عندما يرتفع من الأرض دون ان ينقطع أصله منها (الارض) عندما يصل الى الهواء الناري يحترق ويلتهب، وهكذا تنشب النارية رويدا رويدا في كل أجزاء ذلك البخار حتى تصل الى الارض فتحرق كل ما عليها كما رأينا في أيامنا، ما حدث من النار التي أحرقت معظم أهالي أربيا (بلاد العربية) وجامع المسلمين هناك المدعو الكعبة حيث المحجة.
ثاني عشر: في طريق التبانة (الثبان): – يقول ارسطو طاليس انه بخار ثابت في الهواء، وهو ذوابة الدائرة الكبرى. أما ديموقريطس وأنا كسوغورس فيقولان انه بعض من نور الكواكب الصغيرة والكثيرة العدد والقريبة من بعضها، وقد أصاب أريسطو عن بقية الفلاسفة في كل آرائه عدا هذه النظرية التي ليست قوية، إذ كيف يبقى البخار العطري هكذا بدون تغيير زمانا طويلا ولم يستحل، إذ ليس من المعقول ذلك، ولو فرضنا أنه بقي في الهواء، كيف لا يرى متغيرا، … يقولون ان هذه الطريق هي عبارة عن سقوط أحد الكواكب في الحريق الذي قيل عن … وقال غيرهم أن الشمس كانت تجري أحيانا في هذه الطريق ولذا احترقت مكانها. وهذه الكلمات كما يتضح تفيد للتمثيل أكثر منها للتأكيد.
ثالث عشر: في الرياح: – ان البخار الهبائي عندما يصعد من الارض ويصل الى طبقة الهواء الباردة، فإذا تبددت حرارته بتلك البرودة، حينئذ يثقل وينزل وبنزوله يثير لجة في الهواء التي يدعوها الكلام ريحا أو هبوبا، وإذا لم تتبدد حرارته هناك، فبدون مانع سيبلغ الى العجلة النارية، ولان هذه العجلة تدور مع دائرة الفلك، فتمنع البخار الهوائي من الصعود، ولذا يتحرك نحو الاسفل فيولد كما قيل الزوبعة (اللجة) في الهواء ويثير الرياح. وقال ابقراط والرواقيون ان سير وجريان الهواء هما الرياح، وعدم صحة هذا الظن واضح من انه في السنين المجدبة التي يندر فيها المطر تزداد الرياح، وهذا يشير لنا ان البخار الدخاني اليابس هو مادة الرياح، كما ان البخار الرطب هو مادة المطر. وبما ان هذين البخارين متضادين فيتساعدان معا على طريق الصدفة فيساعد البخار العطري البخار الهباني في الحدوث، لان الارض إذا ترطبت وانتعشت تبعث بخار أكثر، كالقشور الرطبة تولد رياح المطر لانها تطرد السحاب فتعصرها وتذيبها، وبرقتها في هبوبها تناسب بين البخار الدخاني مع الهواء، حيث يترك البخار كالحمل الثقيل والغريب، وحينئذ يبرد الهواء ويتلبد ويهطل مطرا. ان الرياح تبدد المطر طبيعة، اما المطر فبطبيعته يبدد الرياح إذ تخمد بخارها الدخاني، وكذلك الرياح تخفف المطر، إذ تبدد كل الاجزاء (القطرات) السحبية.
رابع عشر: في الزوابع والاعاصير والعواصف: – ان الريح التي تتملص وتهرب من السحابة تهبط حالا، فإذا صادفتها سحابة أخرى فتطرحها الى الجهة السفلى وتلك ترتفع مندفعة نحو الاعلى وهكذا من كلا التصادم تنتج الريح التي تدور حول نفسها وبدورانها تدعى زوبعة أو إعصارا، وعندما تميل للصعود نحو الاعلى فتسمى عاصفة وأعاصير، وعندما تصل الارض مادة شديدة وكبيرة واسعة عندما تصل الارض، تندفع بالعكس من جرم الارض الى فوق فإذا صادفتها ريح أخرى نازلة في طريقها تصادمها ومن تصادم كليهما الذي يحدث يقلع أحياناً كثيرة الاشجار من أصولها وتغرق السفن في قلب البحر وهذه تسمى العواصف.
خامس عشر: في الجهات التي تهب منها الرياح: – لقد قسموا دائرة الافق إلى اثني عشر قسماً متساوياً ثلاثة شرقية أي … ودعوا ريحه الشرقية باسم بسيط. صعود الشمس ودعوا اسم ريحه … الذي يصعد الشمس الشتوية ودعوا ريحه … وإلى ثلاثة غربية، أي لمغرب الشمس ودعوا ريحه الغربية باسم بسيط أيضا، مغرب الشمس الصيفي ودعوا ريحه … . مغرب الشمس الشتوي ودعوا ريحه ليبا، والى ثلاثة شمالية أي في محل القطب الشمالي ودعوا ریحه شمالية، والذي في الشمال الشرقي ودعوا ريحه أفريقيوس، والذي في الشمال الغربي ودعوا ريحها … والى ثلاثة جنوبية أي في محل القطب الجنوبي ودعوا ريحه جنوبية بالبساطة، والذي في الجنوب الشرقي ودعوا ريحه … والذي في الجنوب الغربي ودعوا ريحه … وللفلاسفة أبحاث واسعة وطويلة حول الرياح وتأثيراتها لا يحصرها كتابنا هذا.
سادس عشر: في الاهتزاز أي زلزلة (حركة) الارض: ان البخار الهبائي الشديد الحرارة والكثير الكمية يتولد في داخل الارض، وتبقى الارض في الساحة الخارجية أي وجه الارض صلبا جدا، حينئذ يضغط البخار للخروج، فيحصر هناك من جراء الضغط الشديد الذي في الارض فيشتد ويحرك ويزلزلها، وإذا كان (البخار) شديدا جدا يشق الارض شقا ويخرج مع أصوات قاسية مختلفة ومخيفة، فحينا كصوت الصافور وأحيانا كخوار الثور بالنسبة الى شكل أخاديد الارض، وأحيانا أخرى كثيرة يبقى الزلزال الارضي متواصلا زمنا طويلا، بسبب كثرة الريح والتواء الارض، وبقاء أسبابه تولد الابخرة، وأحيانا عدا هذا الزلزال تخرج صرخات من أعماق الأرض، إذ لا تكون الريح لزلزلة الارض، فتشقها وتخرج، وأحيانا قد أصعدت الريح من الرماد المحتوية فيه النار كاللهب من الاعماق وملأت به مدينة دليافورا (ليبارو) وهكذا حل في مدينة باطني حيث حفرت أجانات نارية. وأحيانا تخرج من قلب الارض صخورا هائلة وأحيانا طينا وأحيانا أخرى تفيض ينابيع الماء، وأحيانا ينابيع فارغة وأحيانا تحدث الحركة (الزلزال) بالعرض مرعبة جدا وأحيانا في الاعماق بشدة حيث تفتح هوة كبيرة وهذا يحدث ناذرا، وقال أناكسوغورس ان الارض عريضة ومحمولة من الماء كصفيحة الذهب المحمولة من الماء، فإنها تهبط بحيث ان الارض تتخلخل منها لانبساطها ورخاوتها عدا الاماكن القاسية في وجهها، وأيضا يسقط فيها قسم من الهواء فلا يمكنها أن تصعد لالتحام وشدة وجهها (الارض). فتزعزعها وتزلزلها. ويقول ديمطريوس (ديموقراطيس) ان أحشاء الارض مملوءة، فعندما تزداد مياه الامطار الهابطة الى أعماقها ولا تسعها تلك الاحشاء حينئذ تضغط بشدة وتندفع فتولد زلازل ورجات أرضية. أما أناكسهمينوس فيقول: إن رؤوس الجبال عندما تذوب من الامطار، فإما تتفتت من اليبوسة وتسقط وتحدث زلزالا للارض. وإن الرياح هي سبب هذا الزلزال وليس الهواء والماء أو قمم الجبال، وذلك واضح من أن هذه الرجات (الزلازل) تحدث غالبا في الليل بواسطة الكثافة التي من البرودة. وفي الظهر. وذلك لان الشمس عندئذ تجفف وتحجر وجه الارض وكذلك في الربيع والخريف، أما في الشتاء، فالبخار الهبائي قليل التعقيد، أما في الصيف فيتلاشى وينحل لان الزلازل تحدث في الشمال أكثر من الجنوب بسبب الكثافة الزائدة، وكما تحدث فينا الرجفة والرعب والقشعريرة من الريح كذلك تحدث في الارض.
المقصد الخامس
في البحث عن العنصر الناري
أولا – في طبيعته: ان الشعور يشهد بأن هذه النار التي عندنا هي حارة نعم لأن البعض ظنوا أن تلك العجلة النارية ليست حارة، لأنها لو كانت حارة لماذا لم تحرق الهواء مجيرها كل هذه المدة الطويلة ويحيله ناراً. أما كونها جافة (يابسة) فذلك لعدم التصاقها بالجسم كالماء بهذا النوع تكون عديمة الالتصاق بالاجسام وليس بنوع صعوبة الشكل أو ما أشبه.
ثانيًا – في أنها غير ملونة (عديمة اللون): لو كان للنار لون لحجبت نظرنا للكواكب الاعلى منها، ولما كانت عندنا شبيهة بالنار التي في كور الصانع أو الحداد مهما اشتد لهيبها. وفي اسفل السراج لا لون فيها، ويتراءى محلها فارغا، فكيف تكون النار بلا لون.
ثالثًا – في أنها تدور بدوران الفلك: نقول ان كل جزء من النار موضوع في جزء من فلك القمر كمن في محل وكل شيء يجب ان يتحرك بحركة محله، فالنار تتحرك بحركة الفلك.
رابعًا – في دلع النار وإطفائها: – إن كل جزء من النار المضطرمة إذا تصاعدت طبيعيا نحو الاعلى ينطفئ من البرودة الملامسة له، ويتبع إنطفاء الجزء الآخر، وهكذا تتواصل العملية بقدر ما هناك مادة غير منتهية للاندلاع. وهناك نوع آخر للاطفاء، وهو ليس بالاطفاء حقا كقولك إذا امتدت نار مضطرمة في مادة محترقة، فإن أجزاءها الارضية والمائية والهوائية تضمحل بالكلية، وتتحول جميعها الى طبيعة النار، ومن هنا تبين بلا لون وكأنها غير موجودة، كما يحدث للكواكب المذنبة التي عندما تتغير الى طبيعة النار، تظن أنها انطفأت وتلاشت.
خامسًا – في النويرات المتصاعدة من جبال فريجية وبلاد المغرب وبصقلية وأثينا الخ: – إن علة هذه كلها هي الريح الجنوبية التي تهب من الارض المحترقة أي من خط الاستواء، تدخل في حزوز وأخاديد وشقوق الارض، فتستنير بواسطة الحرارة الزائدة التي فيها بسبب حركاتها السريعة، وعندما ترى لها مخرجا تخرج، وخاصة من المسالك التي ينبع منها الماء، فيسخن تلك المياه ويجعلها حارة، وفي جزيرة كيوس المياه الحارة المحرقة النابعة من داخل صخور في البحر، قد جذبها كثيرون بواسطة أنبوب رصاصي الى اليبس، وقد اتخذوا عليها حمامات للاستحمام والاستشفاء.
المقصد السادس
في البحث عن النور والظلام
وألوان الليل والنهار
لقد قال بعض علمائنا كالقديس غريغوريوس النوسي ويعقوب الرهاوي ان النور هو شعاع وضياء النار، وهو مخلوق من السابق، وكان مختلطا مع بقية العناصر، وعندما قال الله ليكن نور، فانفصلت العناصر من بعضها، فارتفعت النار الى المحل الاعلى سريعا وأشرق بصيصها على المسكونة وأعلم ان هؤلاء الملافئة وغيرهم علمونا بأن نار النور الذي خلق في اليوم الاول هو موجود قبل خلقة الشمس والقمر والكواكب وهو ضياء (شعاع) النار وليس كل النور، وإذا أردنا أن نحده بنوع ما نقول النور هو ماهية (ذات) يرى بدون توسط شيء آخر منظور وترى بواسطة جميع الامور المنظورة، والظلام ليس شيئا ذاتيا، بل هو عدم النور فقط وأما الظل هو انحجاب ذرات النور عن النظر بتوسط جسم جامد بينهما.
أولا – في أن النور ليس جسما: لو كان النور جسما لتحرك الى جهة واحدة، والحال انه يتحرك الى جميع الجهات في وقت واحد، وعدم كونه جسما واضح من انه لو أوصدنا بغتة كوى البيت في النهار لما بقي فيها نور مطلقا، وكذلك ان النور ينتشر على وجه المعمورة كلها عندما تشرق الشمس فلو كان جسما كيف يصل كل الاماكن البعيدة والقريبة معا بلحظة واحدة، فينتج إذن أنه ذات جسمية ولكنها صقيلة ونيرة جدا.
ثانيا – في ان الظلام هو عدم النور: وذلك واضح من انه لو أغمضنا أعيننا في النهار وان لم نغمضها في الليل لما رأينا مطلقا في الحالتين، ومن كون الجالس في الظلام يرى الذين في الخارج، أما الذين في النور خارجا لا يرونه، فلو كان الظلام وجودا ذاتيا لوجب ان الجالس في الظلام لا يرى أيضا الجالسين خارجا في النور مطلقا.
ثالثا – في اللون: اننا نشعر باللون بواسطة الحس طبيعيا وندركه، ولذلك فإن الذين يعلمون الالوان بواسطة الحدود والقرائن، ويخبرون عن المعلوم بواسطة الخفي، أما البعض فينكرون وجود الالوان ويقولون ان البياض ليس شيئا غير احتباك الهواء مع الاجسام الصافية كزبد الماء وكالزجاج المسحوق والسواد هو لون لان كل الالوان تخالفه أما هو فلا يخالف أي شيء، والبعض يقولون ان الالوان الرئيسية هي الابيض والاسود، أما الاخرى فتتولد منها، وغيرهم جعلوا الالوان خمسة أساسية الاسود والابيض والاصفر والاحمر والاخضر، أما … فيدعون لكل جسم لونا. ويقول أمفيدوقليس اللون هو الشيء الذي يسقط عليه شعاع النظر، ويقول زينون أن العرض هو شكل العناصر الاول ويقول أفلاطون ان اللون هو حد الجسم الخارجي المشترك بالنظر.
رابعا – في الليل والنهار: – إن وجود النهار يمتد كل المدة التي يبقى فيها النور على وجه الارض ، والليل كل المدة التي في عدمها، ولم يتشكك أحد بذلك، أما العلماء الكنسيون فقد شكوا، إذ قالوا لما كان النور الاول هو شعاع هذا النور، وان النار تحيط بكل العناصر ليل نهار، فكيف كان يقوم الليل في الايام الثلاثة التي سبقت خلقة الشمس والقمر والنجوم؟ فيقول ما أفرام ومار يعقوب السروجي “ان السحب قامت بجانب (بإزاء) الشمس المنيرة في اليوم الاول اثنتي عشرة ساعة، ثم صار الليل وغاب أيضا اثنتي عشرة ساعة وصار النهار، وفي اليوم الثاني والثالث بسط الجلد ظلا كهذا في الليالي وفي النهار كان النور يصعد فوق الغمر فيطرد الظل. وقال غريغوريوس النوسي ، كانت النار قائمة (موجودة) حينا في الجانب الأعلى وأحياناً في الجانب السفلي، وكان يحدث الليل والنهار، أما يعقوب الرهاوي فيقول انه في هذه الايام الثلاثة كان الليل يستضيء بالنور المنسكب بدون ترتيب ونظام.
خامسًا – في أيهما الأسبق (الليل أم النهار): – يرتأي الملفانان مار باسيليوس ومار اياونيس ان النهار أسبق من الليل ويقول ان ذلك واضح من انه بعدما خلق الله النور وفصل بينه وبين الظلام دعا النور نهارا ونهايته مساء، ودعا الظلام ليلا ونهايته صباحا، وان نهاية النهار تدعى مساء واضحة من قول الانجيلي “في مساء السبت أي ليلة الاحد”، وأيضا “عندما صار مساء يوم الاحد”. أما مار أفرام فيقول “عندما أكمل الظلام المستحوذ على وجه القمر اثنتي عشر ساعة وصار الليل، خلق النور، وعندما أكمل هذا اثنتي عشر ساعة أيضا صار النهار”، ويشير البرهان بأن الرأي الأول أصوب وأثبت وكوننا نحتفل بقيامة مخلصنا من ليل الاحد، وان اليهود يبتدأون بحفظ السبت من المساء كما أمروا من الله، فذلك واضح انه لا يشير الى سبق خلقة الليل بل لاستعداد الارادة فقط، والتذكر باقتبال الايام الجليلة ومن هنا يتضح أيضا انه في نهاية نهار يوم الاربعاء والجمعة يبتدئ السريان خاصة في الصوم، أما حلهم الصوم وأكلهم الزفر فهذه عادة ضعيفة واهية دخلت اليهم، وليس من مصدر آخر، ولذا فهم يحلون غالبا المسائين تبلبلا لا غير.
الفصل الثاني
مياه العالم
في المخلوقات التي خلقت في اليوم الثاني
وفيه مقدمة ومقصد واحد
المقدمة
لقد خلق الرقيع (الجلد) في اليوم الثاني كما أعلن الكتاب الالهي فقط، وفصل بين المياه العليا والمياه السفلى. وقد أسلفنا الكلام عن طبيعة الجلد وشكله فيما سبق بقدر استطاعتنا، لان الرقيع وإن كان واحدا بالجنس والنوع ولكنه ليس واحدا بالعدد، أما عن عدده كم هو فسنرجئ ذلك عند التكلم عن الكواكب، وهنا يجب التكلم فقط عن ماهية المياه التي فوق السماء.
مقصده الواحد
في المياه التي فوق الرقيع (الجلد)
يقول القديس أثناسيوس الكبير وغريغوريوس النوسي ان الكتاب يدعو الملائكة المياه التي فوق السماء، وذلك واضح من أمرين:
الاول: من قول داود: “والمياه التي فوق السماء تسبح اسم الرب”، ولما كانت المياه غير ناطقة ولا حية ولا متنفسة فكيف تكون مسبحة.
الثاني: لما كانت المياه ذائبة ومنحلة وجارية ومترقرقة، كيف تقوم فوق قبة السماء أو تجري في قبة السماء أو تجري في قبة الفلك، وقال القديس باسيليوس في بحثه عن الايام الستة اننا نقول عن الماء ماء ويمكننا ان ندركه ولكن ليس لأجل ما قيل ان المياه العلوية تسبح رب الكل. إذ لا يجوز ان نقايس غير الناطق بالناطق أعني الملائكة، فقد قيل “ان السماء تعلن مجد الرب”، وهي غير ناطقة وليست ملائكة. وقال دانيال “الطل والجليد والبرد تسبح الله”، وقال أيضا داود “إن التنانين واللجج تسبح الرب”، وضد الرأي الأخير نقول انه لم يحمل شكل على الرقيع المرتفع نفسه، وليس بشبه … وقد اتقن، بل هناك محل لائق معد فوقه مسطح، كما نرى ان الابنية[1] تصعد من الداخل بانحناء من كل جهة، أما السطح الخارجي فيكون مسطحا ومستقيما كما صرح بذلك القديس مار أفرام ويعقوب السروجي، أما مار يعقوب الرهاوي فيضيف قائلا: إن الجلد هو الهواء الشديد المضغوط والثابت المحيط بالارض، وفوق هذا الهواء هناك المياه، ومنها ينتج المطر والطل الخ. أما أنا الضعيف فعندما أرى مقاوما لعظمة مار باسيليوس وإن بجسارة فإني أقول ، وإن كان ظهر الرقيع غير مسطح، ولكنه منحن ودائري ومقبب وهو ممكن ان يحصر المياه التي فوقه إن لم تحجزه من جميع الجهات موانع قوية وليست هذه الموانع بمفيدة إزاء دوران الجلد المتواصل ولما كان كهذا الكلام يلوم قائله فالاعدل والأصح أن ذلك يتعلق بأمر الخالق فقط، وليس الماء وحده محصور ومتعلق بأمره، بل كل ما في الكون وهو هين لديه، وإذا أراد القارئ كلمة طبيعية فاصلة فالأنسب له أن يفكر ويماثل بياض البيضة الذي يحجز ويفصل بين صفارها وقشرها.
وهكذا المياه التي فوق الجلد فهي منحصرة بينه وبين السماء العالية التي خلقت في اليوم الأول من كل الوجوه، وبجانب هذه النظرية لا نضطر ان نتصور سطحا منبسطا للجلد المنحني ولا نخاف من إنسكاب هذه المياه، وأظن أنه لأجل تبريد الحرارة المتولدة من الحركات المتواصلة والسريعة التي . للافلاك، قد وضعت المياه بين الجلد السماوي الثاني وبين السماء الأولى.
الفصل الثالث
في الكائنات التي خلقت في اليوم الثالث
وفيه مقدمة ومقصدان
المقدمة
ان المياه التي سبقت فخلقت في اليوم الثالث عندما اجتمعت الى محل واحد حصل من اجتماعها البحار، والارض التي سبق وخلقت في اليوم الأول عندما غاضت المياه من على وجهها دعيت أرضا وانبتت خضارا، وابتدأ العشب ينمو ويرتفع جيدا، وعندما يكمل الزرع يضحي سنبلا، والشجر يعلو ويتفرع ويظلل، وهنا تمنحنا العجب الحكمة الالهية، حيث أوجدت هذه المخلوقات قبل خلقة الشمس التي تنمي وتنبت هذه الاشجار والنباتات، حيث تنمو وتحمل أوراقا وبراعم وتتفرع لها أغصان وثمار الخ، كما يؤيد مار أفرام ومار يعقوب، وكما ان القمر خلق بدرا، وخلق آدم وحواء كاملين في القامة كذلك خلقت هذه أيضا، ولم تخرج الارض ما عليها من النباتات بل الامر الالهي منحها قوة لتخرج كل ما عليها كما صرح مار باسيليوس الكبير، وقال القديس نفسه و ان موسى لم يذكر كل ما أمر الله الارض ان تخرجه، فهناك أشياء أخرى كثيرة لم تزرع كالقصب والبردي والثيل قد تركها، وكذلك الاشجار غير المثمرة كالدردار والسرو والغرب الخ.
المقصد الأول
في البحار
أولًا – في أن البحر هو مجمع المياه: لو لم يكن البحر مجمع المياه، لوجب ان تكون مجموعة المياه محصورة في عمق الارض، وهنا يظهر أن العنصر الماني أصغر بكثير من الارض وهذا محال. وهذه فكرة أرسطو طاليس ويوفقه عليها مار باسيليوس في مقاله الرابع عن الايام الستة ان هذه البحار تتصل ببعضها، فالامر الالهي قد فصل لها محلا واسعا لتجتمع فيه هذه المياه الكثيرة. ويقول أفلاطون في … أنه في … الذي في المراكز أي في منتصف الارض الداخلية تجتمع كل مجموعة المياه، ويسفه هذه الفكرة أرسطوطاليس بأقوال كثيرة.
ثانيًا – في سبب ملوحة البحر: ان مياه البحر المالحة، وذلك لان الجزء الصافي الذي فيها قد تبخر من شدة حرارة الشمس، أما كثافتها وعكورتها وقساوتها فبقيت، ولذا فالملاحون عندما تنقص مياه الشرب يطبخون (يسخنون) ماء البحر ويسحبون منه الابخرة ويعصرون المياه العذبة منها والمياه الباقية توجد أكثر ملوحة وكثافة أضعافا، ويقول أمفيليدوس عندما تسخن الارض أكثر من الشمس فإن مياه البحر تعرق، ولذا تجري كما يجري العرق المالح من جسد الانسان. ويقول أناكسوغورس “ان ماء البحر مالح بسبب اختلاط الارض، فإن المياه الراسبة من خلال الرماد (التراب) تصير مالحة، فكيف يكون (البحر) سبب ملوحتها الكاملة لكي لا تفسد وتنتن الهواء الذي يستنشقه الجميع، مع أن المياه المالحة أكثر كثافة من العذبة وذلك أن في المياه المالحة تطوف البيضة أما في العذبة فتغوص، وكذلك السفن التي تمخر في البحر أكثر ثقلا من التي تجري وتسير في البحيرات والانهار فهي خفيفة، فالتي تسير في بحر الهند فلانها تجري محاذية للبحر تفرق نادرا.
ثالثًا – في أن البحر ينتقل من محل إلى آخر: – إن البحر يأخذ من الانهار أو المعن والأمطار كفاءته (مؤونته) وهذه عندما تنقص في محل ما تفيض في الآخر، ولذا ففي البحار أيضاً يحدث تغيير كهذا، وذلك واضح من أن مصر لما كانت بحرية، فقد غمرها النيل ورفع فيها الأرض، فجف البحر وصار يبساً، وكون مصر كانت بحرية من السابق دليل واضح يؤيده العمق الذي يدعى … حتی اليوم، ففيها علامات الارض البحرية وهي الحلزون والصدف الموجودة فيها بكثرة.
رابعًا – في اضطراب البحار: – إن مياه البحار تضطرب إما من الرياح التي تهب على وجه الماء أو على جوانبها ، أو بسبب اجتماع المياه في المسالك الضيقة التي فيها، ولذا يقول ارسطو طاليس “إن مياه اوريفي (أوربا ) فهي تسير على الجانبين، ولذا فاوريفوس هو مجاز بين البحرين، فعندما تهب الرياح تندفع المياه التي فيه بذلك المجاز وتجري حتى البحر، وعندما يبطل هبوبها ترجع المياه إلى محلها متقهقرة وقال غيره أموراً أخرى، والرأي الاثبت التي تشهد له التجربة هو إن سبب رجوع مجرى المياه إلى محله يعود إلى اختلاف وتغيير القمر اليومي والشهري في كماله ونقصانه، وقيل أيضاً أن في بحر أوريفوس راس واحد يصعد وينزل عشر مرات في اليوم وفي وقت واحد خمسمنة ذراع، حتى يظهر قعر البحر وقد جلس بجانبها أياماً كثيرة. أما افلاطون فلم يستطع ادراك السبب وهناك مرض ومات.
خامسًا – في وضع البحر ومسالكه: – إن البحر الاعظم هو الخارج من كل المعمورة ويحيط بكل الارض ويدعى الاطلانطيكي أو الاوقيانوس، والبعض يدعون خاصة شاطنه (جانبه) الغربي بالاقيانوس، فهذا البحر فيه ثغر ضيق من الجهة الغربية، ويدعى راس (مجاز) ارقليدس. وهناك نصب (تماثيل) …، وهذا الراس أو الخليج عندما يتجه نحو الشرق يعرض فيولد بحر ادريا الذي هو بحر الروم وسوريا من ذلك المسلك، ومن هذا المسلك يؤخذ منه راس آخر يمتد ويدق ويصل إلى قرب سور القسطنطينية ويقال له بحر البنطس، وعلى جانب هذا البحر المسمى ادريا من الجهة اليمنى للبحر تقع الاسكندرية ومصر، ومن الجهة الشمالية تقع القسطنطينية ورومية وكل بلاد الافرنج وفيه تقع الجزائر المشهورة والمعروفة كجزيرة قبرص وساموس وكيوس ورودس وصقلية، ومن مشرقه اماكن سوريا، وهذا ما وصفناه عن بحرنا. أما الأوقيانوس الخارج عن الانصبة … فعندما يتجه مجراه نحو الجنوب يمر في بلاد الغرب المسلمة وعلى جبال الفضة والجبال القمرية، ومن مغاورها تنبع مياه نهر النيل ويجري في بلاد الحبشة وبلاد الليبيين أي في كل بلدان السودان، وفي اقاصي هذه الارض يمتد منها الراس (المسلك) الصغير نحو الشمال تجاه مصر ويدعى البحر الاحمر، كان حد ونهاية البحر الكبير. وفيه اجتاز بنو اسرائيل مشياً على الاقدام وغرق فرعون ولكثرة الجبال والصخور الموجودة في هذا المسلك، لم تستطع السفن ان تمخر فيه، وربما في النهار على السواحل فقط، وهذا البحر الذي يخرج منه المسلك يدعى البحر الاحمر، وهذا عندما يجري نحو الشرق يمر على بلاد شبا و سبا وعلى كل الارض التي تدعى بالبساطة باسم التيمن، وهناك اشجار البن وفي نهاية هذه الارض والبحر المدعو بالاحمر راس آخر أكبر نحو جهة الشمال منها ويدعى بحر فارس وفي الجانب الغربي من هذا البحر تقع المدينة المسماة البصرة وكل ارض بابل ساليق وقطيسفون وفي جانبه الشمالي تقع كل بلاد الفرس، وفي جانبه الشرقي بلاد الهند وهذا البحر الكلي الخارج عن هذا المسلك (المجاز) عندما يمر على بلاد الهند من جهة الشرق يولد مجازاً آخر في نهايتها يتجه نحو الشمال ويدعى ببحر الهند، ومن مغرب هذا البحر تقع بلاد الهند، ومن شرق بلاد التبت، وخلفها بلدان الصين وفي شماله بلاد البرابرة (الهونيين) أي الاتراك وهم المغول أي بلادهم الأولى التي خرجوا منها، والبحر الجامع (الكلي) الخارج عن هذا المجاز عندما يجري نحو الشرق يجتاز في الجزائر الهندية المشهورة، وتدعى احداها سرنديب والاخرى قمير وسائر الجزائر والجبال التي تجلب منها الادوية والتوابل الحارة والعطور الرئيسية كالقرنفل والفول والفلفل والكافور وغيره، والحجارة الكريمة ايضاً كاليواقيت وغيرها، وعندما يمتد من الشرق نحو الشمال يجتاز في بلاد التبت والصين وبلاد البرابرة التي ذكرناها وعلى بلاد ايبيرية وعلى اراضي كثيرة قاحلة وجبال غير مسلوكة، ويمر على الجبل العظيم الاسود الذي إلى الجنوب في الشمال، وعلى بقاع قفقاسيا وعلى ارض الألانيين، وهناك يمر المسلك من الشمال إلى الجنوب ويدعى الاوربخ بلسان ذلك المكان، وهكذا عندما يمتد من الشمال إلى الغرب يمر على بلدان سقيثية وعلى مدن بلغاريا وعلى بلدان الافرنج، وعلى بلاد الاندلس المسلمة، وقد تسلط عليها في ايامنا الأفرنج، وتنتهي فيها الاعمدة … من حيث ابتدأت، وهكذا تصبح المعمورة كلها كجزيرة واحدة وتصبح داخل البحر الجامع (الهادي) المحيط بالارض كالاكليل في الراس وكالزنار للظهر، ومن هذه الصورة التي رسمناها تظهر هذه التقسيمات كلها في المسكونة جمعاء كمي بمرأة، إذ تنقسم إلى الاقاليم السبعة، ووضع كل بلاد وكل راس بحري الموصل من البحر الكلي، وهناك في بلاد ايبيريا بحيرة واحدة تجري منها وإليها ولا تتصل بالبحر الجامع لكي من يبتدئ من محل معروف على ساحل البحر ويسير حواليه يستطيع الوصول إلى المحل الذي ابتدأ منه، وذلك بواسطة النهر الكبير المدعو (إيل) الذي يصب مياهه في هذه البحيرة المذكورة والتي لاتساعها وجسامتها تدعى بحراً لا بحيرة في الكتب والكلام والعادة، والذي يدعوه بطولماوس بحر ارقانيا وفي ايامنا يدعونه بحر الخزر، وفي غرب هذا البحر الباب الحديدي وبقعة قفقاسيا وشروان وطربستان وفي جنوبه ارمينية الكبرى وفي شرقه بلاد ايبيريا وفي شماله الجبل العظيم المقفر والاسود الواقع في نهاية تلك الارض من الجهة الجنوبية الشرقية.
سادسًا – في البحيرات: – أما البحيرات فهي التي لا تتصل بالبحر الكبير (الأوقيانوس) وهي كثيرة في المسكونة، أما المهمة لدينا والمعروفة فهي بحيرة اوفيمية وبحيرة طبريوس وبحيرة مربوط بجانب الاسكندرية، وبحيرة كزت التي لا توجد فيها الاسماك كما علمنا لأن مياهها تتغير ثلاث مرات باليوم وينبع منها الحمر اشبه بالثور الذي بلا رأس ولا يقطع لا بالحديد ولا بالحجارة بل من الماء النتن، أو ينحل في الحيض والبحيرة التي في ارمينية وتسمى ارخسطية أي ارگيش، وبحيرات أخرى كثيرة بلا عدد.
سابعًا – في الينابيع والانهار: – لقد سبقنا فقلنا أن الابخرة نوعان الواحد يابس وهباني (دخان) والآخر هبائي ايضاً ورطب، وكل منهما إما يكون فوق الارض أو داخلاً فيها. والدخاني يولد رياحاً فوق الارض ويعكر الهواء، ويزعزع ويميد الارض داخل الارض بحسب قوته، والآخر الهباني يولد خارج (فوق) الارض أي في الهواء الامطار والثلوج الخ. ويجري داخلها ينابيع المياه، فهذه الابخرة التي في الارض إذا كان لها قوة أن تشق الارض وفيها مياه غزيرة فتولد جداول، وإن كانت مياهها قليلة فتولد غدرانا، وإن لم يكن لها قوة لشقها، فإذا كانت الينابيع جارية فيها تسمى قناقرة وإن لم تجري فتدعى آباراً، ومعظم الينابيع تجري من الشمال بسبب الجبال العالية هناك، كما أن اخاديد الجبال تشبه ثقوب الاسفنج، ومن كل الجهات تترسخ المياه إلى الاسفل، وأن الانهار الاعظم من الجبال العالية تنبع منها، وذلك واضح من أن نهر اراكسيس الكبير ينحدر من جبل فراناسوس الذي في اسيا، ومن جبل الاندوس ايضاً يجري اعظم كل الانهار. أما نهر فاسيس فيجري من جبل القوقاس وينزل إلى البنطس وهذا الجبل المذكور هو أعلى من جميع جبال الشرق المركزية وذلك واضح لأن في الثلث الوسطي من الليل فقط لا ترى فيه الشمس ومن فوريني الجبل الذي في الغرب يجري نهرا … الكبيران، ومن الجبل الذي في قوتية تجري انهار كبيرة وعظيمة، ومن بلاد السودان تجري أنهار عظيمة … ومن الجبل الفضي … والنيل تنبع أنهار كثيرة، وفيشون كما يخبر كتاب التوراة هو النهر الذي يسقي بلاد الهند ويدعى الحويلة، وجيجون وهو النيل الذي يسقي أرض السودان ومصر والمغرب ويدعى شيحور، ودجلة الضيق والزاخر ويسقي أرض فارس والشمال والفرات ويسقي أرض بابل وميشان أي البصرة.
ثامنًا – في العجائب التي في الانهار: – يقولون ان في اسبانيا نهر واسمه البطوس، ويصب مياهه في الساعات الست الاولى من النهار في البحر، وبالساعات الست الاخرى تحتقن مياهه في الينبوع، ويرى كل السهل حوله يابسا، وفي اسبانيا أيضا نهر آخر تجف مياهه ست سنوات كاملة وفي السنة السابعة تجري فيه مياه كثيرة، وفي اسبانيا نهر ثالث يجف ستة أيام ويجري في يوم السبت أي السابع أو يقال عن أحد هذه الانهار ان جريانه ليس ماء بل رمل يابس ويجري بقوة شديدة ولا يعبر بالارجل (مشيا) ولا بالسفينة، وفي اليوم السابع (السبت) يقف جريانه، ويظهر فيه الرمل حتى غروب الشمس ويبدو الرمل مجسما كالارض اليابسة.
المقصد الثاني
في البحث عن النباتات
أولًا – في طبيعتها: – يقول أنا كسوغورس وهو من الاقدمين “ان للنبات طبيعة حيوانية، لانها تفرح وتحزن”، ويقول هو مفهوقليوس “وهي أيضا ذكور وإناث، لان هذه الطبائع مختلفة ومجتمعة وممتزجة في كل منهما”، وقال أفلاطون “وقد منحت جزءا شهويا لانه ضروري في الجوهر ليشعر بالرغبة واللذة من الشبع والشدة والتضايق من الجوع، وهذه الامور تميزها بواسطة الحس، ويقولون كما هو معلوم انها حيوانات أيضا باعتبارها تنمو وتلد وتشيخ وتمرض وتشفى ، وقد اعتبر ديموقراطيس الحس فيها ماديا، ولذا لا يجب ان نقول فيها غير حية، ففي الحيوانات الجليلة التي في السماء شك على الحس، لانه ليس شيء نحس به خارجا عنه، وبكونها عدم متحركة اراديا، فالشمس والكواكب جميعها لا تتحرك اراديا بل تتحرك بحركة أفلاكها، ويتضح بكونها حيوانات لان لها أعضاء كالحيوانات وقشور كالجلد، وأصل كالفم وجذور كالاعصاب ولها غصون وسيقان وقضبان كالايدي والارجل ولها أوراق وأزهار وبراعم كالشعر وقشور، وثمار كالاجنة وفيها شحم ورحم الخ. فارسطو طاليس يسفه ويفند جميع الاعتراضات ويفترض لها طبيعة متنفسة وليست حيوانية.
ثانيًا – في تقسيمها: – كل نبات إما شجرة إذا كان لها سيقان من أصلها وكثيرة الاغصان كالزيتون والتين، وإما وذلك إذا لم يكن لها من أصلها سيقان ولا تتفرع أغصانها كالقصب والعوسج، أو يكون كالهشيم إذا كانت أصوله كثيرة من أساسها وكذا أغصانه أو بالاحرى الشجيرات الصغيرة كالنيوفر والزداب، أو نبات عشبي إذا كان له ورق بلا قضبان وكل عام ينبت ويجف كالبقل، أما الساق فهو بين العشب والخضار كالأس والتفاح والرمان والكمثرى، فتنمو هذه أولا غرسات صغيرة (شتول) ثم تنمو بشبه أشجار كبيرة.
تقسيم آخر: – الاشجار منها برية وأثمارها كثيرة، ومنها أهلي وثمارها جيدة وجميلة ولذيذة.
تقسيم آخر: – والنباتات بعضها وحيدة القشرة كالتينة وبعضها كثيرة القشرة كالارز ومنها قشرية بأسرها … والبصل.
تقسیم آخر: – منهم جمع بين المسكر كالعنب والتفاح والرمان والتوت والأس، ومنهم من قسمها الى زيتية كالجوز والزيتون والأرز، وهذه تعيش كثيرا بسبب رطوبتها السالمة ومنها ذات دبوقة حلوة كالتين والثمر، ومنها حادة كالزعتر والخردل ومنها مرة كالاسفنتين.
تقسيم آخر: – بعض الثمار مركبة من اللحم والالياف كالخوخ والترعوز، ومنها من اللحم فقط كالتفاح، ومنها من الرطوبة والحبوب كالرمان.
تقسيم آخر: – والنباتات منها ما يزرع ومنها ما تشتل ومنها ما ينمو لذاته ومن التي تشتل، فإما ان تشتل في الارض أو في الشجرة كالمطعمة، ويجب ان تكون الشتلات تناسب بعضها في التطعيم، فالتفاح بالتفاح والتين بالتين والعنب بالعنب ويمكن ان يكون بجنس آخر كالصنوبر البري بالدلب والبطم بالزيت والشجرة الاهلية بالبرية والبري بالبلدي، ومعظم الشتول تزرع في الربيع ثم بالخريف والشتاء، ولكن على قلة وفي أماكن قلائل تزرع بعد ظهور الجبار (…) كما في قوريني وبلاقونيقي.
تقسيم آخر: – والثمار بعضها بقشرة كالتي تعصر باليد ومنها بغشاء كالحنطة ومنها لحمي كالثمر ومنها بالجلد كالبلوط والتفاح ومنها بالقشرة القاسية والغشاء والصلابة كالجوز ومنها كثيرة القشور كثمر الزيتون الذي فيه القشرة الأولى والجلد والثانية غشاء لحمي والثالثة صلبة والرابعة الداخلية، والزرع وهو الخامس داخل هذه كلها.
ثالثًا – في اختلاف النباتات عن بعضها: اللهوقي وهو الحور، فهو يطعم بالحور الرومي، أما النعام الجبلي فإنه يتحول ويصير نعنعًا بريا، والسماق …، والحنطة والكتان يتحولان الى الزوان، والترمس الذي بالفارسية يسمى لزنج فنباته في العجم مهلك واما بمصر وسوريا فيؤكل والرمان الحامض إذا زمي فيه زبل الخنازير مع ماء بارد فيحلو، واللوز المر إذا أخذ عوداً طريا ودق في راس شجرته الى الاصل فتزول المرارة ويحلو والنخلة إذا وضع في قلبها من زهر النخل الذكر فينضج ثمرها ولا يسقط، والنخل الذكر وغيره من جميع الشجر فإنه كظ وكثير الاغصان وصلب وهو قليل الدسوم وثمره صغير ولا ينضج، والاناث من الشجر بالعكس. وأحيانا عندما تهب الرياح تأخذ قوة من شجر الذكر للانثى، وحمل التين البري يوافق التين البلدي وزهر الرمان للزيتون، وهذه من عجائب اليوم الثالث.
الفصل الرابع
في مخلوقات اليوم الرابع
وفيه مقدمة وثلاثة مقاصد
المقدمة
في هذا اليوم خلقت النيرات التي في جلد السماء وهي الكواكب والكوكب الأكبر أي الشمس وضع لسلطان النهار والنير (الكوكب الاصغر وهو القمر لسلطان الليل وصارا للعلامات، وبهما ترتيب الازمان والايام والشهور والسنين ويشك في كيفية دعوة الله له المجد لهذين الكوكبين بالكبيرين ثم دعا القمر كوكب صغيرا.
نجيب: – ان كلاهما كبيران بنسبة بقية الكواكب، فالقمر قيل انه صغير بنسبة الشمس لا بنسبة الكواكب الاخرى. ويشك أيضا كيف قد خلق النور من السابق وعن الشمس قيل انها خلقت للانارة؟
فيجيب القديس باسيليوس قائلا: “سابقا خلقت ماهية النور أما الآن فجسميته أي تركيبه، ولذا يؤكد القديس غريغوريوس الثاولوغوس بقوله « ليس هناك نوع أسبق وأسبق للمادة إلا هذا”.
ويقول القديس غريغوريوس النوسي “إن الجوهر المنير قد مازج الزروع بأجناسها جميعها، وجميعه قد اجتمع نحو الشمس عندما خلق فيها النور”.
وقال آخرون “إن النور غير المجتمع قد اتحد بأمر الباري في قرص الشمس واما انا فأظن ان النار خلقت أولا، وليس ببعيد عن الصواب أن نضع ماهية ذاك النور الأول، إذا لا يمكن ان يتسرب بضغط الكلمات. فإذن في الايام الثلاثة الاولى كانت تتميز الايام والليالي عن بعضها بنور النار، وبعد ذلك انعزل الليل من النهار بواسطة نور الشمس، أما من جهة طبيعة الشمس، فقد قال القديس بسيليوس في مقاله ضد سابليوس واريوس ، انه ليس من هذه العناصر الاربعة لان حركة تلك مستقيمة وأما حركة هذه فغريبة وليست مركبة منها، لان كل مركب رهين التعب. أما هذا فلا يتعب ولا يهدأ فإذن إذا كانت هذه هكذا، لماذا ينتهر ارسطو طاليس بقوله: ان الشمس وجميع الكواكب السماوية الحركة تدعى عنصرا خامسا. أما عن القمر فيفكر مار أفرام ومار يعقوب السروجي ان القمر خلق بدرا وهذا الرأي جميل، وبيان ذلك بانه سماه منيرا لينير.
المقصد الأول
في الاجسام السماوية وفي اعداد الافلاك والكواكب
اننا نرى حركتين لكل من الكواكب الواحدة سريعة وعامة من الشرق الى الغرب، والآخر بطيئة وخاصة من الغرب الى الشرق، فنعلم إذن أن كلا من هاتين الحركتين يحدث بواسطة العجلة، وهذه العجلة تحرك الجميع غصبا ويجب ان تتحرك من الشرق الى الغرب العلوي، وذلك واضح من ان المحصر (الحاضر) معتاد ان يقود المحصور فيه ولا يعكس، ثم نرى كل الكواكب الثابتة تتحرك بقياس واحد غير متزعزع من الغرب الى الشرق بدون ان تبتعد من بعضها، وهكذا تعلم ان عجلة واحدة لجميعها تدور (تتحرك) ونرى أيضا كل واحد من الكواكب السبعة السيارة يتحرك خاصة من الغرب الى الشرق بواسطة القرب والبعد من بعضها ومن تلك الثابتة فاستبان لنا ان لكل منها عجلة خاصة به تدير السبع الأخرى، والواحدة للثابتة أيضا والاخرى لغير المكوكبة التي تحصر الكل، وهكذا تصبح كلها تسع.
أولًا – في حركاتها وجسامتها: – ان القمر يكمل دورته في تسعة وعشرين يوما ويرجع الى حيث ابتدأ، وهو جزء واحد من تسعة وثلاثين من الارض. أما عطارد فيكمل دورته في سنة كاملة، وهو جزء من اثنين وعشرين الف من الارض والزهرة يتحرك كالسابق، وهو جزء من اربعة وثلاثين من الارض والشمس تتحرك هكذا وتكبر الأرض مئة وست وستين مرة المشتري ويكمل دورته في سنة ونصف، ويكبر الأرض مرة ونصف، والمريخ وهو … ويكمل دورته في اثنتي عشرة سنة، وهو يكبر الأرض نحو اربع وثمانين مرة. زحل وهو … يكمل دورته بثلاثين سنة ويكبر الأرض إحدى وثمانين مرة، والكواكب الثابتة تكمل دورتها في ثلاثة آلاف وسبعمئة وست وعشرين سنة، والاكبر بينها يكبر الأرض اربع وستين مرة، والاصغر فيها يكبرها نحو ست عشرة مرة، والقمر لما كان أصغر كلها، فسبب قربه منا يظهر هكذا كبيرا، وهكذا علمنا ارباب الهيئة والمساحة.
ثانيًا – في اعداد الكواكب الثابتة واشباهها (اشكالها): – لما كانت هذه الكواكب كثيرة جدا وتفوق العدد، فقد احصى منها الحكماء الف واثنين وعشرين كوكب فقط، وقد سموها ووصفوها بأشكال مختلفة، إذ احتسبوها على خطوط يصلون بعضها ببعض، وقد حصروها بثمان واربعين شبها. اثني عشر منها على منطقة الابراج، ولذا فتدعى بالابراج وإحدى وعشرين منها الى الشمال وخمسة عشر الى منطقة الجنوب.
ثالثًا – في صور أو رموز الابراج:
– الخروف: – وكواكبه ثلاثة عشر، وله عشرة كواكب خارجة عن التشبيه، وله صورة الذكر الذي وجهته للغرب ووراءه للشرق وكالعائد الى الوراء أي أن خرطومه على ظهره دائما كالاعرج.
– الثور: وكواكبه اثنان وثلاثون، وله احد عشر كوكبا خارجة عن صورته فيها صورة الثور في نصفه الامامي، قد احنى رأسه للنطح ومنها الثريا.
– التوأم: – وكواكبه ثمانية عشر، وله سبعة كواكب خارجة عن العدد، فيها صورة ولدين قائمين وكتف كل منهما على كتف الآخر، ورأساهما في نهاية طريق التبان من الجهة الشمالية الشرقية، وأرجلهما داخل طريق التبان من الجهة الجنوبية الغربية.
-السرطان: – وكواكبه تسعة ، وله اربعة كواكب غيرها اماميتها للشرق ووراؤها للجنوب الغربي.
– الأسد: وكواكبه سبعة وعشرون وله ثمانية كواكب اخر خارجة عن عدده، وشكلها كامل والكوكب الذي يليه يدعى الاسد وهو كوكب مستنير وكبير، وهو رابع الكواكب الثلاثة الاخرى الموضوعة في الخط المنحرف (الملتوي).
– السنبلة: – وكواكبها ستة وعشرين وستة خارجة عن صورتها، وكوكب … من شماله وهو يشبه طفلة بجناحين وقد مدت اكتافها.
– الميزان: – وكواكبه ثمانية، وله تسعة كواكب خارجة عن عدده، وشكله كإسمه.
– العقرب: – وكواكبه واحد وعشرون وله ثلاثة خارجة عن الصورة، وصورته كاملة.
– الكوكب المنقضّ: – وكواكبه واحد وثلاثون، وفيه صورة حصان وانسان أي جسم البهيمة، ومن عنقه يخرج نصف انسان وقد أعد القوس وملأها بالسهام.
– الجدي: – كواكبه ثمانية وعشرون أماميته كنصف جدي ومؤخرة كذنب السمكة.
– الدلو: وكواكبه اثنان وأربعون، وثلاثة كواكب خارجة عن الصورة، وصورته كرجل قائم ويداه منبسطتان وفي احداهما قبضة كف (مزبلة) قد جرت مياهها وفمها منسكب الى رجله نحو الجنوب.
– السمكة: وكواكبه اربعة وثلاثون واربعة خارجة عن الصورة، وشبهه سمكتان متشابكتان الاذناب ببعضها.
رابعًا – في الاشباه (الصور) الشمالية:
– الدب الاصغر: – وكواكبه سبعة وتدعى العجلة (العِجلة). وكوكب آخر خارج عن الصورة وعلى راس ذنبه ما يسمى بالجدي، وعلى جانب القطب أو المحور الشمالي، والعرب يدعونه بنات نعش.
– الدب الأكبر: – وكواكبه سبعة وعشرون وصورته تشبه الدبّ الأصغر.
– التنين: – وكواكبه واحد وثلاثون، وصورته تشبه الحية الملتوية والطويلة، وتبتدئ من اربعة كواكب تربيعية.
– الملتهب: – وكواكبه احد عشر، وكوكبان خارجان عن الصورة، وصورته تشبه الرجل اللابس قبعة قد جثا على ركبتيه ويداه ممدودتان.
– حارس الشمال: – ويدعى أيضا الصاروخ وضارب الصنوج، وكواكبه اثنان وعشرون، وله كوكب آخر خارج عن الصورة، وله شبه الرجل القائم ويداه منبسطتان، وفي يده اليمني قضيب، وبين ضلوعه كوكب شمالي كبير يدعى الرامح أو (حامل النيزك).
– اكليل الشمال: ويدعوه الناس قصعة الفقراء وله ثمانية كواكب كدائرة المثمن أو (المخروط).
– الجالس والراقص: – وكواكبه تسعة وعشرون وله كوكب آخر خارج عن الصورة، وصورته كإسمه.
– الغراب أو البوم: ويدعى القيثار أو مجموع ثلاثة عشر كوكبا … ومنه الكوكب العظيم الذي يدعى النسر الساقط لان جناحه مربوطة.
– الدجاجة: – وكواكبه سبعة عشر، وكوكبان خارجان عن الصورة، ومعظم كواكبه هي في طريق التبان.
– صاحبة السرير أي ذات الكرسي: – وكواكبه ثلاثة عشر وصورته كالمرأة الجالسة على مخدة فوق السرير، ورجلاها الى الاسفل.
– ابن شاوش (السائس): – وكواكبه ستة وعشرون، وثلاثة كواكب خارجة عن العدد ، وتبين الرجل القائم ورجله اليسرى متعلقة برجله اليمنى، ويده اليمنى فوق راسه وبيده اليسرى رأس حيوان.
– ماسك السيور (العنان): وكواكبه اربعة عشر، ويشبه رجلا قائما وفي يده قضيب وبيده الاخرى قد فك اللجام.
– الحية: – وكواكبه اربعة وعشرون وخمسة أخرى خارجة عن الصورة، وتشبه صورته رجلا قائما وقابضا على حية بكلتا يديه.
– حية الحيات: – وكواكبه ثمانية عشر، وتشبه صورته حية ممسوكة من الحاوي وكما قلنا، وراس وذنب معلق فوق راس الحية.
– السهم: – وكواكبه خمسة وسط طريق التبان الى جهة المشرق.
– النسر الطائر: – وكواكبه تسعة، وله ستة كواكب خارجة عن العدد، واحدها المنير الموجود وسط ظلامين في خط المستقيم (الاستواء) ويدعى النسر الطائر لان جناحيه مفتوحان.
– الدلفين: – وكواكبه عشرة مجموعة وراء السرطان، ويشبه الحيوان البحري الذي يماثل الجود المنفوخ ويدعى صليب قسطنطين.
– جزء الفرس: – وكواكبه اربعة وتدعى صدر الفرس.
– الفرس الاكبر: – وكواكبه عشرون ويسمى المجنح ويشبه الفرس أو الحصان الذي له راس وأيدي فقط.
– المرأة المسلسلة …: – ويدعى المرأة المقيدة بالسلسلة، أو المرأة التي لم تجد لها رجلا، وكواكبه اثنان وعشرون وصورته كإسمه.
– المثلث: – وكواكبه اربعة كالمثلث الطويل، ورأسه كوكب واحد، وحلقته ثلاثة كواكب.
خامسًا: في الصور (الاشباه) الجنوبية:
– الحوت …: – وكواكبه اثنان وعشرون ويشبه الحيوان البحري، الثنائي الارجل والمذنب كالطير.
– الجبار: – وكواكبه ثمانية وثلاثون ويشبه الرجل الجالس على الكرسي وبيده القضيب، وفي ظهره كمر وسيف مربوط.
– النهر: – وكواكبه اربعة وثلاثون ويشبه الساقية الكثيرة الالتواءات.
– مجموع ۱۲ كوكب أسفل الجوزاء (…): – وهي ١٢ مجتمعة تحت أرجل الجبار، ووجهه نحو الغرب.
– الكلب الاكبر: – وكواكبه ثمانية عشر، وأحد عشر كوكب خارجة عن العدد.
– الكلب الاصغر: – كوكبان أحدهما صغير.
– السفينة: – كواكبه خمسة واربعون مجتمعة نحو الجنوب وأحدهما الاحمر الكبير ويدعى …
– مجموع كواكب أشبه بحية معوجة (…): وكواكبه خمسة وعشرون بشبه الحية الملتوية.
– الكأس: – وكواكبه سبعة بشبه الدائرة التي تدعى الأجانة.
– الغراب: – وكواكبه سبعة فقط.
– …: – وكواكبه سبعة وثلاثون يشبه الحصان الانساني، من رأسه الى ظهره يشبه الانسان، ومن ظهره لذنبه للحصان، ويشبه كمن قد مسك بيده رجلي الاسد.
– الاسد: – وكواكبه تسعة عشر مجتمعة وراء كواكب من جنوب العقرب (كواكب …).
– بيت النار: – وكواكبه سبعة، اثنان معلقان في حلقة المبخرة والآخر في … النار وثلاثة في اللهيب والآخر في راس الاحتراق (الالتهاب).
– الكلب الجنوبي: – وكواكبه ثلاثة عشر بشكل …
– السمكة الجنوبية: – وكواكبه أحد عشر وستة كواكب خارجة عن الصورة، ويشبه السمكة الكبيرة في جنوب الدلو وراسه للشرق وذنبه للغرب.
هذه هي اعداد الكواكب والابراج وهي ثلاثمئة وست واربعين، والاشباه صغيرة غير هذه الصور والاشباه المذكورة.
سادسًا – في أن القمر يستمد نوره من الشمس: – وذلك واضح من أمرين:
– الاول: – بنسبة قربه وبعده من الشمس يقل ويزداد نوره.
– الثاني: – كونه يظلم ينخسف عندما تتوسط الارض بينه وبين الشمس، ولو لم يستمد نوره من الشمس لما حدث له كهذه الأمور، وكون بقية الكواكب مستنيرة من ذاتها طبيعيا يتضح من عدم خضوعها لهذين الحادثين.
سابعًا – في زيادة ونقصان (ضعف) نور القمر: – إن القمر قد يتجرد من النور بذاته، ولكن بسبب صقولته وملامسته فهو ينير ويستنير من أشعة الشمس التي تنعكس عليه كما على المرأة، فعندما يكون مع الشمس أي تحتها، فكل قرصه المتسع يستنير أي المواجه للشمس، أما الجزء المظلم فهو الذي يكون الى الاسفل قبالتنا، ثم عندما يأخذ بالابتعاد من الشمس نحو الشرق، حينئذ تستنير تلك المساحة المظلمة والمحجوبة عنا، حتى تبتعد الشمس نحو مئة وثمانين جزء أي ستة أبراج، ثم يبقى في قطر الشمس ويضحي بدرا أي من كلا الجهتين يستنير، وبعد ذلك يأخذ بالتقرب من الشمس وقليلا قليلا يتناقص النور الذي في جهتنا ويزداد النور في الجزء الذي كان مظلما قبالتنا، حتى يدخل كله داخل (تحت) الشمس فيضحي مظلما بأسره أي محاقا، بينما مساحته العلوية تضيء.
ثامنًا – في خسوف القمر وكسوف الشمس: – ويجب القول هنا بدائرتين:
-الأولى: وهي دائرة مساواة النهار، والاخرى … المعلقة عليه الابراج، ولأن لكل واحدة وضعا خاصا منفصلا عن الآخر، لذلك تجتمعان بمكانين بوضعهما، فالواحدة تدعى رأس التنين والثانية رأس ذنب التنين، فعندما يجتمع كل من الشمس والقمر في إحدى هذين المكانين … يصبح القمر تحت الشمس، فيحجب عنا كليا نور الشمس بسبب ظلام سطحه كما قلنا، وهكذا يحصل ظلام الشمس كاملا، وإن انحرف قليلا من تحت الشمس، حينئذ تتجلى الوجهة الواحدة المستنيرة من الشمس، فيضحي الظلام ليس كاملا، أما إذا التقت الشمس في إحدى هذين المكانين من كلا الدائرتين والقمر في المكان الاخرى، فيجتمعا الشمس والقمر في مركز واحد مع بعضهما (أي في منطقة كليهما) وكذلك الارض معهما. فبتوسط هذه الاخيرة كليا بينهما تمنع الاشعة الشمسية لتندفع الى جسم القمر، وهكذا إذ يسقط تحت ظل الارض يحصل له الظلام التام (أي يصبح محاقًا) وان كان منحلا من ذلك القيد هو أو الشمس، فعندئذ يتملص قليلا من تحت ظل الارض وهذا الجزء يبدو لنا منيرا، والظلام لا يبقى عندئذ كاملا، ومن هنا اتضح لنا ان الشمس تظلم بواسطة القمر أما القمر فمن الارض.
تاسعًا – في البثور (البقع) التي تُرى بوجه القمر: – يقول البعض ان القمر صقيل كالمرآة فيجب ان يقتبل صور الجبال والبحار ناصعة كالمرآة أيضا، وهكذا تظهر فيه بعض الآثار، ويقول غيرهم أن بعض الكواكب السجية مرصعة فيه (بوجهه) ولذا ترى هكذا. ويقول غيرهم ان بعض الابخرة الهبائية التي من العنصر الناري تصعد الى وجه القمر وتولد فيه هذه البقع، ويقول البعض الآخر ان بعض الأجزاء الدقيقة من القمر عندما تذوب بواسطة حرارة العنصر الناري، فترى محلها مظلمة قاتمة كما نعلم.
عاشرًا – في أن للكواكب لونًا: – ان اكمداد لون زحل واستنارة المشتري واحمرار المريخ واصفرار عطارد، يدل ذلك على ان الكواكب لا تخلو من الالوان.
المقصد الثاني
في الزمن وأجزائه
من الواضح ان الزمن هو مقياس الحركة الدائرية للسماء، ولذا يجب ان نوضح على كل جزء من أجزائه وهي: السنين والشهور والايام والساعات.
أولًا – في السنة: – إن الشمس عندما تكمل دورتها الخاصة بحركتها الذاتية من الغرب الى الشرق ترسم (تكوّن) السنة أي انها ترجع الى النقطة التي ابتدأت منها، أما بداية هذه الحركة، فقد أشار عنها العلماء وتبتدئ من رأس برج الحمل وهو الامتزاج الربيعي، وعندما تقطع هذا البرج وبرج الثور معه، وبرج التوأم حينئذ تكمل الربيع، وتصل الى مركز … الصيفي أي إلى رأس السرطان، وعندما تجتاز هذا البرج ومعه البرجين الآخرين أي الاسد والبتول (المثلث) فعندها تكون الصيف، تبلغ بعده الى الامتزاج (المزاج) الخريفي أي إلى رأس برج الميزان وعندما تجتاز هذا الأخير والاثنين اللذين معه أي العقرب والكوكب المنقض، فيحصل زمن الخريف، ثم تصل إلى … الشتوي أي إلى رأس الجدي، وعندما تجتاز هذا الاخير ومعه الاثنين الآخرين برج الدلو والسمكة، فتكون عندئذ الشتاء. وترجع من جديد الى النقطة الربيعية أي برج الحمل الذي منه ابتدأت وانتهت. وهكذا تكون سنة كاملة بفصولها الاربعة، وهذه السنة تدعى الشمسية، وهي ثلاثمئة وخمسة وستون يوما وربع اليوم، وهناك سنة أخرى قمرية وهي ثلاثمئة وأربعة وخمسون يومًا وخمس وسدس اليوم، ولذا في كل ثلاث وثلاثين سنة قمرية تقريبا تزداد سنة كاملة من السنين الشمسية وعشرة أيام وعشر ساعات، وان السنة القمرية تنقص عن السنة الشمسية يوما واحدًا كل اربع سنوات وتدعى هذه السنة بالكبيسة ومن يريد ان يعرفها جيدا فليطرح من سني الاسكندر ثلاث ويقسم الباقي على اربعة، فان تقسم فتلك السنة كبيسة وإلا فلا.
ثانيًا – في الأشهر: – عندما قسموا الدائرة الفلكية الى ثلاثمئة وستين جزء، وكل ثلاثين جزء دعوه برجا. فدعوا المدة التي تستغرقها الشمس في كل من الابراج شهرا، وهذا هو الشهر الشمسي، أما الشهر القمري فهو المدة التي بها يكون القمر منفصلا من الشمس في الاجتماع نحو جهة الشرق، ثم يعود من جديد الى المركز الذي ابتدأ منه. وعندما أرادوا تأييد أيام هذا الشهر، نقصوا من حركة مركز الشمس (محور) تسع وخمسين دقيقة وثماني ثواني وعشرين ثالثة، ومن محور القمر ثلاث عشرة درجة واربع دقائق، وخمس وثلاثين دقيقة ثانوية، وثالثتين، والباقي قسموه على كل الدورة أي ثلاثمئة وستين درجة، فنتج من التقسيم تسعة وعشرون يوما وثماني دقائق وعشرين ثانية وهذا هو الشهر القمري.
ثالثًا – في اليوم: – اليوم هو كل المدة التي بها تعود الشمس بواسطة حركتها الفلكية العالية الى النقطة التي ابتدأت منها، وهذه تكمل بكمال (بنهاية) النهار والليل والفلكيون يعتبرون بداية اليوم من الدائرة الظهرية، وهكذا جرت معهم الحسابات، أما السريان والعبرانيون والعرب فيجعلون بداية اليوم من الافق الغربي أي من المساء، لان شهورهم قمرية وفي المساء يظهر القمر الجديد. أما اليونان والفرس فيبدأون من الافق الشرقي لان اشهرهم شمسية ويجب الابتداء من مشرقه لا من مغربه. أما الايام والليالي فليست متساوية في كل مكان، ففي الاماكن التي في خط الاستواء في المنطقة الحارة تدور الشمس عمودية وفي دورانها ترى …، وفي بقية الدورات فمتوازنة ولذا فالقوس الذي فوق الارض يساوي القوس الذي تحتها دائما. وهكذا تكون أيامهم طيلة السنة اثنتي عشر ساعة، ولياليهم اثنتي عشر ساعة أيضا. وفي هذه المنطقة يظهر القطبان عند الافق دائما بدون ارتفاع أحدهما وانخفاض الآخر كما عندنا. أما في الجهات الشمالية فيرتفع القطب الشمالي وينخفض القطب الجنوبي والشمس تسير عمودية فقط في دورة، أما في الدورات الاخرى المتوازنة فتسير منعكفة. ولذا فالقوس التي فوق الارض تكون اكبر من القوس التي تحتها من برج الحمل حتى برج السرطان. وهكذا حتى برج الميزان ومن برج الميزان حتى الجدي، وهكذا الى برج الحمل بعكس هذه. فالنهار إذن هو أطول في وسط الاقليم الأول ثلاث عشرة ساعة، وليله أحدى عشرة ساعة عندئذ وفي وسط الاقليم الثاني يكون ثلاث عشرة ونصف وفي وسط الثالث اربع عشرة ساعة وفي وسط الرابع اربع عشرة ونصف، وفي وسط الخامس خمس عشرة ساعة. وفي وسط السادس خمس عشرة ونصف وفي وسط السابع ست عشرة ساعة وهكذا تجري بالشبه الليالي أيضا. أما في الاماكن غير المأهولة في الشمال فيحتمل ان يطول النهار أكثر، أي يكون اربع وعشرين ساعة ولا يغيب كل اليوم لان الشمس تسير هناك منعكفة، حيث يكون القطب الشمالي ارفع بكثير، إذ تكون الشمس فوق الراس حيننذ. وتدور كدولاب الرحى وتدور حولها ظلال الانصبة (التماثيل) وفي تلك الاماكن (الأبراج) الستة التي تدور فيها الشمس من برج الحمل حتى الميزان يحدث نهار متواصل وعندما تنزل في هذه الابراج الستة الجنوبية تولد ليلا واحدا طويلا نحو جهة الشمال.
رابعًا – في الساعات: – أما الساعات فهي إما متساوية أو متغيرة والساعة المستقيمة هي جزء من أربعة وعشرين جزء من الليل والنهار، فلا تكبر ساعة (تزيد) عن الاخرى ولا تنقص وإن زادت ونقصت الايام والليالي والساعة المتغيرة (المعوجة) فهي جزء من اثني عشر جزء من الليل والنهار ولذا لا يتضاعف عدد الساعات المتأخرة مطلقا وان زادت أو نقصت الايام والليالي ومن هنا يتضح ان الساعات المستقيمة يزداد عددها بنسبة سعة النهار أو الليل وليس باعدادها لان كل ساعة مستقيمة هي خمسة عشر جزء من دائرة أو دورة الى ثلاثمئة وستين. أما الساعات المتغيرة فلا يزداد اليوم (النهار) والليل اتساعًا منها، بل بأجزائها، لأن كل ساعة من الساعات المتغيرة (المنحرفة) للنهار الطويل تزداد طولا أكثر من كل من الساعات المتغيرة من ليل ذاك النهار.
المقصد الثالث
في علامات النيّرين وبقية الكواكب
إن هذه الدلالات قد ذكرها الأب في العهد القديم وقد ذكرها الابن ذاتها في العهد الجديد، فقد قال: “وأعط في السماء علامات وعظائم في السماء فالشمس تتغير الخ”. ومن علامات العهد الجديد قال: “الشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه والكواكب تتساقط” فعن هذه العلامات قال اولئك المجربون “إن الشمس لما كانت تظهر محمرة في الشتاء، فانها تجعل السحابة الخارجة معها سوداء وتشير بذلك على برد الشتاء، وهكذا إنجلاء أشعتها تدل على رطوبة الهواء. أما القمر فيولد علامات مختلفة إذ يظلم في دائرة بدره (ينكسف) واعتدال قرنه وعند ولادته، ويدل بذلك على البرد والزمهرير وأشياء كثيرة كهذه، وظلمة الكواكب تدل على رطوبة الهواء. وقد رمز عليها الرب بكلمة خاصة وقال “إذا ما نظرتم غمامة مقبلة من المغرب فتقولون سيصير مطر فيصير، وإذا هبت ريح الجنوب (التيمن) تقولون يصير حر فيصير، وإذا زاد احمرار السماء في المساء يدل على الصحو، وإذا كان الاحمرار مبكرا في السماء فإنه يدل على المطر. أما بطليماوس فيقول في كتابه الذي ألفه عن التنجيم المسمى كتاب الثمرة . إذا ما ظهر في الهواء اشهب تدل على يبس الهواء وإذا قامت عواصف في جهة من الجهات، فإن ينابيع تلك الجهة تنشف وتجف ويدخل جنود غرباء ويتسلطون على ذلك الاقليم، ويتجدد فيه كوكب … والكواكب المذنبة الاحد عشر وهي بين الاحد عشر برج وبين الشمس، وإذا رأى لاحدها اذناب كثيرة في أقصى مملكة من الممالك فيموت ملكها وان ظهر في اقصى ابعاد المملكة فيموت ملك ملوكها، أو يتغير وتنهب خزائنها، وان وجد هابطا فيحدث موت بغتة، ويأسر كثيرون ويمرضون، واما ذوابة النجم، فان كانت من المغرب الى الشرق فيكون مجيء طاغ من ارض غريبة، فإذا كان هادنا ولم يسر، فيكون الطاغي من تلك الارض، وقد تكلم اصحاب التاريخ في هذه الاشارات وامثالها عما سيحدث في كل جيل. وصرح مار يعقوب الرهاوي عن العجب الذي رآه في الهواء في سنة الف واربعة لليونان، وبعد دخول جنود الاسلام الى اراضي الروم بعشرة أيام، وكان طوال الليل في دورة الفلك من المغرب الى المشرق، تمتد اشهب وزوابع نارية تشبه المزاريق بغير انقطاع من الجهة المقابلة الى الشمال باستقامة ولماذا نتيه في القول، وقد ظهرت كواكب مذنبة في مدة ثلاث سنين أي في سنة ألف وخمسمئة وخمس وسبعين للاسكندر، ورأى كوكبا له ثمانية اذناب ممتدة من برج الاسد حتى الى برج الجوزة على زحل وعطارد والمريخ، وبقي نحو ثلاثة اشهر، وفي شتاء السنة التي بعدها توفي ملك ملوك تلك الارض وبعد مدة ماتت الملكة المحترمة المؤمنة، وحدثت خسائر كثيرة للمؤمنين، وهنا نختصر القول والمنجمين أقوال شتى عن الكواكب واقتراناتها حتى ان القديس باسيليوس لم يتوان عن ذكر سفاسفهم وتعنيف الذين اتبعوا تعليمهم وتحريض الذين لم يتبعوا آثارهم ويعلقوا بتعاليمهم واشراكهم فيقولون ما أسعد الذي يتلذذ بتلك الحظوى وتلك الساعة فيكون عظيما ورئيس المدينة وغنيا وجبارا والآخر يتلذذ في ساعة اخرى فيضحي بعد قليل منتفخا ممنونا، يغير اعتاب الابواب بانتقاله ويكون مشتت الفكر يجمع له بالكاد قوت يوم وهذوا بكثير من هذه الأقوال على هذا القرار اما اشغالهم وافتراضاتهم فليست من الحقيقة بشيء. ويشهد بذلك التجريب. وقال آخرون إن الشياطين تعمل دلائل الكواكب، ويعلمون ذلك للذين يرضونهم، وإلا من أين حصل لهم سبق المعرفة في التفريم والتعريف والتنجيم الخ مع انهم أضداد ومناصبون لله وأفعاله.
الفصل الخامس
في البحث عن مخلوقات اليوم الخامس
وفيه مقدمة وأربعة مقاصد
المقدمة
لقد خلقت في هذا اليوم أيضًا كل الحيوانات المائية بأمر الخالق في عنصر الماء (مائي) وهذه تقسم قسمان: القسم الذي يسبح داخل الماء، والقسم الآخر في الهواء، وهي تشابه (تناسب) بعضها من جهة تجعد اللحم وولادة الفراخ وتجرد من الاثداء ومن الاحشاء والكلى، وان الاسماك لها أجنحة كالطيور من جوانبها وأذنابها، والبعض عندما سمعوا الكلام الالهي الأمر المياه ان تدب فيها الحيوانات ظنوا عن هذين النوعين من الحيوانات غير مركبين من العناصر الاربعة بل من احداها أي من الماء فقط، ويشهد جنس وطبع هذه الحيوانات عن عدم صحة رأيهم لانه ليست خواص الماء موجودة فقط في البرودة والرطوبة، بل الحرارة واليبوسة أيضا، ولنعلم أن لفظة الدبيب اخذت من كلمة دبا المصدر أما دبيب اليوم السادس فهي من العجز ومن قسم الزحاف ولذلك فالحيوانات وباقي الهوام قد خلقت في اليوم السادس وليس في هذا اليوم، وأما التنانين المذكورة ههنا، فإنها أجناس الحيتان العظام المتولدة في البحار البعيدة عن المسكونة. وذلك واضح لأن الإخراج السبعيني يسميها تنانين والتنانين هنا فهي حيتان. أما القديس غريغوريوس الثاولوغوس فيؤيد
ذلك، فقد سمى الحوت الذي ابتلع يونان تنينا، وأما لوياثان الذي قال عنه داود فهو تنين ما، وقد دعاه مار يعقوب الرهاوي بالعظيم من الحيات وان ذكر الكتاب المقدس جنسين من الحيوانات المائية في هذا اليوم، ولكن المفسرين يعلمون باربعة اجناس أي مع جنس السمك والطيور، جنس السرطان والودع والبطلين والحلزون والصدف والاسفنج وليس بالبعيد ان نسمي هذه سمكا أيضا، لان ارسطو قد دعاها سمكا ما ليس له دم والجنس الرابع هو الدموي كالسلاحف والضفادع.
المقصد الأول
في جنس الاسماك (الحيتان)
ليس لأي سمكة عنق، بل لها حنجرة لتقذف بها الماء. وتقبل الماء بفمها وتخرجه من آذانها، فمن الاسماك من لها اثنين ومنها اربعة ومنها خمسة من السمك، ومن السمك من لها حراشف كالشبوط الخ. من ليس لها حراشف كالسلور والحنكليس وسمك الالفوس الذي يعلو جلده شوك، ولكل السمك أسنان مشتبكة أو متفككة عدا سمك … وكل الاسماك تهرب عندما تستنشق رائحة دمها، ومنها من لها أعين ومنها ليس لها، كالاسماك الحادة العيون، ومن الحيوانات المائية لها حناجر بدون رئة، وبينها من لها قلب غضروفي كالفرس، ومن الاسماك لا لسان لها خصية، بل لها اعضاء تناسل ومنها من لها جنحان وبعضها اربع اجنحة ومنها من لا اجنحة لها، وليس بين السمك كلها ذكور وإناث. فالحنكليس ليس له ذكر وانثى وعديم الولادة، وأما غير هذا الجنس من السمك كالبحري، فهو يتقارب بعضه الى بعض وتتجامع، أما العريض ذو الذنب كالباطوس … أي القليل الشوك، عندما يدنو من الانثى ويركب فوقها يلتصق بعضها ويزدحم ويحرك أذنابه عند التزاوج، وكثير من السمك البحري تتناقر كالكلاب، ومنها إذا تزاوجت تأكل بعضها، والبعض يأكل زبلا والبعض سيانا، والبعض العشب البحري، والبعض يأكل نسل غيره، والبعض يأكل ما قد رسب في الماء كالقفاهلا، ولكنها لا تذوق (تأكل) نسلها، وإذا ما أكبت رؤوسها كانت تستتر كل أجسادها، ومن جنس السمك فانه يجتر، إذ انه يأكل اللحم، أما الحنكليس فيعيش على الماء الصافي العذب، ولذا عندما يصطادونه يكدرون الماء كالصيان ويصيدونه، وإذا مات ولم يطف على وجه الماء كبقية الاسماك بل يرسب الى اسفل فيخسرونه والامطار توافق الاسماك إذ تزداد عددا في المياه العذبة، كما ان اوجاع الاحشاء والجوف تزداد في الماء العذب بالاسماك فتموت جميع الحيوانات ما عدا الاسماك التي يقل بعضها منه، وجميع الاسماك إذا شاخت لا تصلح للتمليح، إذ تنتفخ جدا، وقد جاء وقت وجد حوت يزن خمسة عشر قنطار وعرضه ذراعين وشبر كما ذكر أرسطو، ومن السمك ما يمشي قطعانا، وهذه تصاحب بعضها، ومنها لا وهي أعداء لبعضها ومنها تحب أولادها كثيرا، كالمفلس فهو وديع ويساعد رفاقه، وقد وجد في وقت … وجنس من الاسماك تحمل ميتا غير مأكول من الاسماك الاخرى، والحيوانات المائية حناجرها تنفسية، ومنها تستنشق الهواء بواسطة انبوب كالدلفين، ومن الحيوانات المائية … أي التي لا حنجرة لها كالبار والدلفين ولها رئة تتنفس بها.
المقصد الثاني
في جنس … وغيرها
إن الحيوانات المائية الثنائية الارجل والرباعية الارجل لها دم، وهذه كثيرة الارجل ك … فهي بلا دم ويظن الاسفنج هو من الحيوانات وهو يلتصق في الصخر وفيه جنس من السوابح لها بصر ومنها لا، أما التي تبصر فهي أصحاب الغضاريف. وهذه أجناس أسماك الملوك، وجنس … الكثير الارجل وليس لها بصر ولا عظيمات كالحلزون والصدف، ومنها لها بصر فهي لينة الجلد كالتي ليس لها قوائم … التي لها أرجل من الامام وتستعملها كالأرجل. أما السرطان وحده فله اربع ارجل امامية، ومن الحيوانات المائية الضفدع الذي له لسان والسلاحف وهي الحيوانات التي لا ارجل لها ولها حنجرة وتلد حيوانات أو سلاحف صغيرة، إذ تسبق الولادة فتبيض داخل الماء وهكذا الافعى. وأيضا من حيوانات الماء تلك التي تلد حيوانات بالبيض ولها شوك، فهذه والدة الحيوانات لها شوك غضروفي، وهناك جنس … وهذه رؤوسها بين أرجلها لبطونها ولها ريش حول هذه الاعضاء دائري الشكل وأرجلها ثمان وكل منها مضاعفة عدا الارجل الاخرى الكثيرة التي في مؤخرها وهي صغيرة وبيضاء، ورأسها ينقسم الى قسمين لاجل الزواج ولاسيما … لها أرجل طويلة تحمل بها الغذاء وتوصله الى فيها، وعندما يهيج البحر فتجمعها وتقف عليها فوق الصخرة، أما الكثير الارجل فيدخل من فوق مؤخره وله انبوب مزروق فياخذ به الماء ويطرحه ويبدل لونه بحسب الارض، وليس لأحد هذه الانواع أعضاء داخلية إلا النوع المدعو … وجوفه كله سواد، وله بيض كثير كحجارة البرد. وفي فينيقية كالسرطان نوع يدعى الخيل لسرعة سيره، وكل أنواع السرطان لها عشرة أرجل، أما الحلزون فمنها وحدانية الظهر المسمى بالقرمز (الارجوان) ومنها ثنائية الظهر كالتي تدعى … وهي صدفات وهذه عندما تتحد تظن انها تطير ومن هذه أيضا شوكية بلا لحم كالقنفذ البحري. ومنها لحمية بلا أشواك، كا …. أما … أي الاملس فهو ملتصق بالصخرة وكلها لحمية بلا عظم وتعيش على الحيوانات الساقطة على الصخر، فتتشبث بها وتقتات عليها وليس فيها زيادة. … والسمك الابيض، فكلها لينة الظهر (الجلد) فيتم اشتراكها على الظهر. أما جنس السرطان فاشتراكها من الجهة الامامية والكثيرة الارجل … فتتزاوج من فمها عندما تعانق بعضها من مؤخرتها، أما الحردون (التمساح) الهزي فيقولون انه يبيض ستين بيضة ويجلس فوقها ستين يوما. والسلحف عندما يأكل من لحم الافعى، يأكل بعد ذلك … ولا يموت. أما الضفادع فانها تبيض وتلد، ولكنها كالامعاء الجوفاء مملوءة بالحب الاسود كالقمح، وفي بلاد قوريني لا تصرخ (تنق) الضفادع مطلقا.
المقصد الثالث
في الطيور شحمية الاجنحة
إن النمل والجراد والذباب بما انها تناسب ذات الجناح والقوائم والسرطان في كثرة الارجل فهي نظيرها بلا دم، ومن هنا تتحقق هذه القضية الكلية القائلة ان كل حيوان كثير الارجل بلا دم وهذه الطيور إما ان تكون اجنحتها ظاهرة كالخشاف (الخفاش) والجراد والزنبور والنحل والذباب والماشوط (الجندب) أو خفية الاجنحة كجنس الخنافس، ومن جملة هذا الجنس ذات الجنحين لها عقيرة من الامام كالذباب والبعوض والبق، ومن هذا الجنس الزنابير والذباب ذوات الأربع أجنحة فإن عقيرتها من الوراء والنحل أيضا. أما الزنبور والذباب ففي أجنحتها تون وتصوت حين تطير. أما الجراد فعندما تتحرك وتدب تولد صوتا في أفخاذها، البق يأز من فمه. أما الزنابير والنحل فمن داخل العقيرة، وإذا ما بقيت عقيرتها في جسم الملدوغ فإنها تموت. أما بعض الطيور الدهينة الاجنحة لها قرون أمام عينيها وعرقوبان طويلان كالاغصان المنحنية الى الوراء، وأكثرها وحيدة المعي من فمها الى مخرجها، وفي الذباب إناث أكبر من الذكور، وكذلك في الضفادع والحيات والضب، ويقول البعض ان نسل النحل يتولد من أزهار الزيتون والبعض يقولون كلا بل من التزاوج، وذلك باشتراك ملوكها. وملوك النحل لها جسامة الواحد باثنتين من الإناث، ويقول الآخرون ان … التي ليس لها عقيرة ولكن ذكور فقط تزاوجها، أما ملوك النحل فلها عقيرات كالنحل. وهناك في كل كوارة (خلية) ملوك كثيرون، إذ انها تموت حيث لا يكون فيها ملك، ويتكون العسل في وقت انحصار المطر، أما النسل ففي وقت المطر، لان العسل الخريفي أفضل بكثير والقطر هو من الزهر، أما الرحيق فمن دموع الاشجار، والعسل من الهواء والطل (الندى) واعلم انه بمقدار يومين أي إذا كان الطل فإن النحل يلتقط ما لا يلتقطه في عشرين يوم، والنحل يلتقط من كل النوار المحصور في الشرنقة، ولا يضر بالثمر والشمع فتحمله النحل بين عراقيبها وتلتقط العسل في فمها. وتجلس على النسل (البيض) كالطائر ونسلها أبيض، فتلد أولا دودا، وعندما يتربى يصير نحلا، وملك النحل لا يولد دودة، بل يصبح نحلا حالا، ومدة حياة النحل ست سنين أو سبع، إذا تدخن الشلخ فتحمل عندئذ مقدار كبيرا من العسل لانها تعلم سوف يفقد منها، فهي تشفق عليه قبل ذلك وتوفره وإذا كان عسلها قليلا، فتقتل الذكور من بينها أي الملوك الاردياء، ومنها ما يحمل الزهور ومنها يحمل الماء، ومنها ما يسحق ذلك، ومنها تخلط الشهد، وتبدأ من السطح، فتجعل ثقبا (فوهة) لها فمين فالتي تموت بينها تخرجها من الكوائر لانها تمقت كل رائحة كريهة، وتطرح الاوساخ في طيرانها حفظا في نقائها، وتشترك جميعها في جمع الشهد وتفرح في القرع والطنين، ومن أراد أن يجمعها فيقرعون بالحجر (الفسيفساء)، ولا يعلم اجتماعها هل لاجل اللذة أم من الخوف، أما الوطاويط الخفاش الليلي لما كان من الطيور التي لها أجنحة لينة كالحيوانات الرباعية الارجل لها اربع ارجل أيضا وتحمل وتلد في أحشائها وترضع صغارها من ورانها ولها أسنان أيضا.
المقصد المرابع
في الطيور الممزقة (المشققة) الاجنحة
وهذه الاجناس إما ان تكون قاسية تأكل اللحم وتدعى طيرا كالنسر والعقاب، ومنها مسالمة هادئة، وتأكل العشب وتدعى طيورا بالاطلاق كالحمام والعصافير، أو وسط هذين الجنسين كالزاغ والغراب ومن الطيور جنس يطير كجيش أو قطيع، ومنها يطير بمفرده، وجميع الطيور التي لا رحمة لها، فهي منعكفة الاظافر وذات مخالب ولا تطير معا، ومن الطيور من لها قائد تنقاد خلفه كا … ومنها لا كالبقية. ومنها كثيرة التزاوج كالحجل والديك ومنها لا كالغراب فنادرا يتزاوج، ومنها خجولة كالوز، ومنها حسودة وتحب الجمال كالطاووس، وهناك طائر وحيد مربع الاجنحة والارجل ويسمى … اذ يولد في يوم واحد ويشيخ ويموت ومن الطيور مشقوقة الارجل كالغربان ومنها متحدة الارجل كالطير الماني، ومنها عريضة اللسان كالتي تقلد صوت الانسان كالببغاء، ومنها لها أظافر او مناقير او مخالب كالديك، وليس هناك طائر معكوف الاظافر وله منقار معا او مخالب ومنها من له عرف ومنها لها عرف كالقشور مخالبها ومنها له عرف منتصب كالديك، ومنها مقوقس كالتاج عوض العرف كالطاووس، وكثير كهذا ما يرى في طبائعها واجناسها من العلامات والصفات التي ترى في … وملوكها. والشديد الطيران بين الطيور فهو يسكن في الكهوف وبين الصخور كالنسر والصقر. اما القليل الطيران وضعيفه فيطير فوق الارض بقليل كالحجل، وبعضها لا يجلس حتى فوق الاشجار كالقبرة، اما الحمام لا يريد التزاوج كثيرا الا في ترملها. وعندما تتألم الانثى في المخاض يأتي الذكر ويساعدها، ويلقم فراخها ويعلمها الالتقاط، ويضع الطعام (القوت) في فمها. اما النسر فيبيض ثلاث بيضات اثنتان تفقسان والواحدة تعدم، ومن الاثنتين تخرج واحدة. اما الحجل فيبيض سربين (قطيعين) يجلس الذكر على القطيع الواحد والانثى على الآخر. وكل منهما يقول فراخه اما الباشق فعندما يأكل اللحم الحي (الطري) لا يأكل فيه القلب وفرخ العقاب لا يرى احد عشر، وديك البر يعشش في الجبل وينشد اناشيد دائمة. اما البلبل فهو مبقع الارجل ويحب الماء والجداول وغذاؤه جميل وحسن السير والعادات، وله صوت شجي لاسيما في اواخر حياته عندما يطير الى البحر واذا حمل بالريح الى الاعماق فينشد بألم كانه عتيد ان يموت واللقلق يطعم الفرخ والديه، ومن الطيور … فهو وحده اعرج برجل واحدة طبيعيا والاخرى قلما توجد في البعض. اما الغراب والزاغ لا يغيران محلهما ولا يدخلان في وكر. اما … فتسافر في الشتاء من الاماكن الشمالية الى الجنوبية ثم تعود من جديد.
… يلد في عش غريب ويربي فراخه، واحيانا كثيرة يرذل فراخه فيخرجها ويطردها، لانه يراها جميلة ولانه لا يستطيع اعالتها جميعا لضعفه فيسلمها فريسة، اما طير النحل يعشش في خلايا النحل ولذا يدعى بهذا الاسم.
… يطير احيانا كثيرة مع المعز ليرضع من حليبها. اما اجناس النسور فكثيرة، والنسر اذا كبر وعمر فينعكف مخلابه ويقارب الى الموت من جوعه، اذ لا يعود يستطيع فتح اسفل منقاره فيموت من جوعه اذ لا يمكنه إلا صيد الارانب والثعالب وبنات أوى و نظره حاد وهو اقوى من الباشق بكثير الذي يدعى مثلث الخصى، وكذلك اجناس الباشق كثيرة وهي عدوة للحمام، اما الدجاج فاذا ظفرت بالديكة تصرخ وتظهر اظافرها ومنقارها، وهناك ذكر اذا ماتت الانثى يربي فراخها، وتركب ولا يركب والطيور المنقار عوض اليد. اما الطير الكبير فرغم قوته والاظفار الكبيرة التي عنده، فله منقار قوي ينقر البلوطة، والطيور المرقعة الارجل والمائية فلها سيقان طويلة لجذب الاشياء من العمق، وتستعمل اعناقها كالالة الموافقة لعملها. اما المنقار فهو للصيد فقط. والطيور الصغيرة الجسم فريش اجنحتها خشن وبالعكس البيض المستطيلة تولد اناثا اما الممدودة القصيرة فتلد الذكور، والبيض في وقت الصيف وبالعكس في الشتاء، فتفسد من صوت الرعد، وصفار البيض هو غذاء الفرخ والبياض هو نفسه، وهناك نوع من البيض لها صفاران والطائر يتحرك في الهواء بواسطة جنحيه، اما على الارض فبارجله وعندما ينبسط فباجنحته، والذنب فيها كالسنان والمحرك يتبعها وليس لكل طائر، فالطاووس والدجاج والاوز لا تطير إلا ما كان من جنس الطائر الذي لا ذنب له اي عندما تمد ساقيها عوضه تأخذ استقامة كاللقلق. اما الديكة فعندما تظفر تنادي بالاكثر تشير على غلبتها، والاوز يقظ بطبعه، حتى انها قد أرجفت باصواتها المتصلة المحاربين الطاغين في مغاور الارض عندما راموا وطأ مدينة رومية، فهربوا ونجت المدينة من شرهم كما اخبرنا بذلك القديس مار باسيليوس والعصفور الفارسي فهو طائر يبيد الجراد ولا يشبع بطبعه واما البهموت فقد قال عنه مار يعقوب الرهاوي وهو اسم جميع جنس الحيوان والبهيموت المذكور في سفر ايوب فهو الجراد، وذلك واضح من قوله انه لا ياكل العشب كالثور. واما الطائر الاعظم فهو ضخم جدا اي الرخ وكل الطيور التي تاكل اللحوم وتسمى ذات الاكناف اي الاجنحة.
الفصل السادس
في الكائنات المخلوقة في اليوم السادس
وفيه مقدمة واربعة مقاصد
المقدمة
لقد خلقت في هذا اليوم البهائم والحيوانات الكبيرة والهوام ويدعو الكتاب البهائم تلك التي تاكل العشب والخضار كالحمر والثيران والحيوانات المفترسة تلك التي تاكل اللحوم كالأسد والذئب اما الهوام فهي التي تلج الارض وتسكنها كالفيران والصرار والديدان، وكذلك الانسان وهو الحيوان الناطق خلق في هذا اليوم بصورة الله وشبهه، ويقول جميع الملافئة القديسين ان النفس خلقت على صورة الله. فقد قال القديس غريغوريوس الثاولوغوس “فقد وضع الله الحياة في النفس العارفة وصورته كما يخبر الكتاب وهو ايضا قد حرض ادم وحواء ان تنظر نفسهما باحتراز لانها صنعت على شبه الله”، وقال يعقوب السروجي في ميمره عن الايام الستة “لقد خلق الجسد على صورة الله وهذا فكره فقد تنازل وبلغ الى الحضيض الحقير الى طين آدم وفي ذلك الطين صور ذاته العظيمة، وانحطت الى الارض صورة اللاهوت وعلى الادمة شكلت ذاتها لايجاد آدم”. وقال مار يعقوب الرهاوي شاتما هذا الميمر وصاحبه بسوء، ولكنه نفاه عن يعقوب السروجي وناحلا اياه لاحد الشويعرين الذي اراد الظهور وحشر نفسه بين الشعراء والكتاب، ولطخ هذا الميمر وعنونه باسم مار يعقوب السروجي، ولكن مار يعقوب قال ذلك كسرّ “اي لانه اراد (الله) ان يخلق الانسان من جسد ونفس ولذا يشهد يعقوب ذاته أن النفس تتحد مع الجسد حال جبلته، ولذا كرم الجسد. اما ابن كيفا يضرب براهين كثيرة في امكنة متعددة من هذا الميمر ولم يسفهه ولم يحتج ضده، ولعله قال ذلك ضد المانويين والمرقيونيين الذين يرذلون الجسد ولاجل اتحاد النفس والجسد، وقال القديس مار غريغوريوس النوسي “ان الانسان بكونه ناطقا يشبه الله، وبكونه جسديا فليس كذلك”، لانه كما قال الرسول “ان في المسيح يسوع لا ذكر ولا انثى”، وقال مار سويرا سابوخت “قد يميزون بين الصورة والشبه فيقولان هذه الامور هي لنا بالشبه طبيعيا، وتلك بالصورة (بالمثال) ننالها اراديا، فنحن نتشبه بالله قدر استطاعتنا اما عن المخلوق فليس فرق بين الصورة والشبه، ولكن ما يقال عليهما في الشكل فقط على غير المتنفس، اما الصورة والشبه فعلى العقلاء، فالصورة (المثال) على الانسان احرى”، ويعترض البعض في انه كيف اذا كان آدم قد خلق وحده، يقول (ينادي) الله بصورة الجمع “ويتسلطون على سمك البحر وطير السماء الخ”، ويجيب غيرهم قائلين: “لان حواء كانت مختفية في طبع آدم، وكانا مزمعين أن يوجدا ويكثرا ولذلك خاطبهم الله بذلك . اما انا فاجيب حقا ان حواء قد سبقت فخلقت من ضلع آدم عندما لفظ الله كلمة (يتسلطون) فقد قال الله الكلمة بالجمع من الاول وليس بصيغة المفرد. وقال آخر لنصنع ولكن لا الانسان، وان جلب ذكر الفردوس مؤخرا فقد سبق وخلق في اليوم الثالث. فقد نطق الروح المتكلم بموسى عن كيفية خلقة آدم والقديس باسيليوس ختم مقاله في الايام الستة عند تكلمه عن خلقة الانسان، وقد شجب هذا المقال كناقص ومفتقر الى مادة من غريغوريوس النوسي ولذا اتبعه بمقال عجيب على خلقة الانسان آتيا به على كل الاشياء التي سبقت فوجدت في الانسان وعلى الاشياء المنتظر وجودها والتي ستوجد ، اما انا الضعيف فمن الفتات المنتثرة من مائدة هذا ورفاقه قد اغتذيت، وبلغت الى كمال القامة فحكمت ان هذه فقط قيلت عن تكوين الهيكل الجسدي فقط في هذا الركن وادع الامور الاخرى في الاركان التابعة.
المقصد الأول
في الهوام
اما الهوام فينقسم الى اجناس كثيرة ومختلفة، فهو إما مربع الارجل كالحيوانات المفترسة والبهائم، فيحبل ويلد مثلها كالخلد والفيران وابن عرس او مربع الارجل ويلد بالبيض كالصرصر والحردون وابو سبع وسبعين والضب … اي السواد ويدعونه اليونان باسد التراب ويتغير الى كل لون او ان يكون كثير الارجل كالعقرب وابي سبع وسبعين والجندب او المسدس الارجل كالحجل والقمل والبراغيث او المثمن الارجل كالعنكبوت او بدون ارجل كالحيوانات الملساء الحيات والديدان والجندب، وايضا الهوام الطائر، والنمل الذي يعد من الهوام، وهكذا الصرصر والجراد فهي تطير مع الطيور ولا تدب مع الدبيب. اما العقرب عندما تلد تفترس من اولادها وابن عرس يحبل بفمه ويلد من اذنه والفيران يبعدها عن البيت دخان …، والصراصر تتزاوج من فمها وتلد فراخها، اما النمل فلا تتزاوج ولا تتناسل بالتزاوج، بل تخرج منها مادة قليلة وتسقط في الارض فتولد الصغار، وتتكامل داخلها وتولد ومن رائحة السحيق الناعم تتغذى النمل اما البق فيلد على مجاري السواقي. والخلد لا اعين له ويتعذب كثيرا ويحفر في الارض ويكون له شغلا لا يفيده ولا يفيد الآخرين، وسمعه مرهف جدا اما الفيران فهي سارقة كل شيء وخاصة للمؤنة، وهكذا ابن عرس والضب يسكن في بيوت الملوك ويقتات على الذباب اما الحيات فتبدل اماكنها، ومنها ما يقتل بألم ووجع ومنها بدون وجع يقتل الملدوغ وزبد الانسان هو عدو لكل الافاعي نافثة السم، وكل الافاعي تهرب من …، اذ هو اصغر من جميعها، والافاعي شرهة في اكلها وفي شرب الخمر، واحيانا تبقى بلا طعام مدة طويلة والحيات والصراصر عندما تتقارب من بعضها تجامع بعضها وتلد فراخا، وتستعمل اربع نقاط للإنسكاب فاذا ارتفعت تاخذ بالاذن وتصل الى ما بعدها، ولها لسانين وتذوق الطعم الطيب في النبات والحية عندما تخرج الى النور وتبهر عيناها بالاشعة، فتتغذى بالطعام المرمى، وللافعى وجه انسان ولا يبيض كباقي الحيات والافاعي، وليس له مخرج إلا كخرم الابرة، وعند التزاوج اذا قبلت النسل فتقطع طبيعة الذكر، لانها تتزاوج من الفم، وهكذا يموت الذكر، وهي عندما تريد ان تلد تاكل فراخها بطنها وتخرج، وهكذا يموت كلاهما . اما الفطايا فهي كالصرصر تدخل النار ولا تتضرر، والعنكبوت تخرج من بطنها سائلا رقيقا اشبه بالخيوط وتمدها في الهواء، وبها تصيد الذباب وتفتذي بها، وهناك عنكبوت تقتل لسعتها، وهناك نوع منها يدعى الدب لا تنسج والانثى فيها تنسج، أما الذكر فيشاركها في الصيد والانثى من الجراد اذا حملت فانها تطمر اولادها في قلب الارض والارض تجبلها وتنسج شرائقها وتكون تلك المادة لا صورة فيها، ثم تصورها الارض بعد ان كانت في جوفها الثاني وتجعلها زحافا.
المقصد الثاني
في البحث عن الحيوانات الكاسرة والبهائم والانسان
ان بعض الحيوانات مسالمة دائمة اي داجنة وتشبه الانسان، ومنها برية دائما كالنمر، ومنها يمكن تدجينها كالفيل، والحيوانات التي تكون هادئة فهي برية ايضا، ولذا فالبشرية القاطنة في اقاصي المسكونة بربرية وبرية، ومن الحيوانات شجاعة ومرباة جيدا وحرة كالاسد، ومنها قوية ووحشية وعدوة (عدوانية) كالذئب، ومنها مكراء كالثعلب ومنها اليفة كالكلب، ومنها هادئة ومتحببة كالايل، والحيوانات كثيرة الاولاد كثيرة الاثداء، كالكلبة والخنزيرة، وليس هناك حيوان غير مظلف اعني مفروق الحافر وله قرون ما عدا حمار الهند فله قرن واحد، واما الجمل العربي فله سنام واحد، وهناك جنس من الجمال له سنام محدودب الجانبين ومن الحيوان من له ثديان كالامرأة، والانثى من الايل والاسد، وفي الحيوان من له اربع خانات البقر والنمر والانثيين اللذين للفيل خفيان وليسا ظاهرين والانسان فقضيبه غضروفي، والجمل والايل عصبي والثعلب والذئب والعظاية فعضو، وقرن الايل فقط غير مجوف ومنتصب اما باقي الحيوانات فقرونها مجوفة، وتتبع القرون الجلد، وثيران كثيرة تحرك قرونها كاذانها، وجلد البقر فيه رطوبة خلف مخاطيه، ولذا يصنعون منه الفري، وشعر الانسان فقط ابيض والامرأة اذا انقطع حيظها ينبت لها ذقن الاطفال اما الخصيان اللذين قد خصوا فلا ينبت لهم ذقن لانهم كالنساء. ولذلك فصوتهم قاس جدا وحاد. والارنب وحده له شعر خفي بين اضلاعه وفي راحات رجليه والامرأة كثيرة الدم ودمها رطب جدا ويجري منها شهريا، ويحتقن من الجريان فتنجو من الآلام الكثيرة ان المخ النخاع العظمي في الخنازير قليل اما في اللبوة فمعدوم. لقد سال حليب من الرجل في وقت ما ان في الحيوان كله ابيض وفي الحبشي ليس اسود كقول ازودوطس، لقد وجد اللسان في الكلب والسنور للذوق لا للصوت، وانما التصويت فلاجل الاكل في الانثى خاصة، لا يصرخ الخنزير في مدينة مقدونية، وجميع الحيوانات ذات الاربع قوائم واللبونة تنام وتحلم اما الانسان فيحلم كثيرا ولكن هلقينوس يقول انه في البلاد المسماة ليبية لا يحلمون بعد الهزيع الرابع من الليل والبعض لا يحلمون مطلقا في بلاد الحبشة في جميع الحيوانات يوجد الذكر اثقل صوتا وكلاما من الانثى عدا البقر، الرجل له قوة التناسل الى السبعين سنة. اما المرأة فالى الخمسين والحمل الخروف الى احد عشر سنة والحصان الى ثلاث وثلاثين سنة والفرس حتى الاربعين. الخنزير الكاسر الى الثلاثين والكلبة الى العشرة، الناقة تحمل سنة وتلد واحدا، والفيلة مدة حملها سنتان وتلد واحدا، الحمار لا يوجد فيه قمل او قذار، واما الثور فيوجد ذلك فيه، وفي الغنم والكباش يوجد فيها القذار، وعلى الكلاب ذباب الكلب البقرة والبغلة يسيل حيظها، اما المعز والنعاج فمدة حملها خمسة اشهر. والنعجة تلد احيانا كثيرة اثنين واربعة، والخروف مدة حياته عشر سنين اما الماعز فثماني سنين. ومدة حمل الكلبة شهران، وتمكث اولادها لا تبصر يومين وهناك جنس آخر من الكلاب مدة حملها ثلاثة اشهر، وتبقى اولادها سبعة عشر يوما لا تبصر، ومدة حياة الكلب مهما طالت عشر سنين. اما الثور والحصان فضعف والبقرة تلد بعد عشرة اشهر والثور يتزاوج بعد سنة من عمره، والخيل بعد احد عشر شهرا وفي الثاني عشر تلد، والخيل تتزاوج بعد ثلاث سنين، والفرس تلد في كل سنة، وهناك جنس من الخيل يلد سنة وينقطع اخرى والحصان (البردون) يقارب في عمره للانسان والانثى تلد كل سنة واحدا ، اما ما قيل عن تعمير الفيل طويلا، فهذا رأي لا يستصوبه ارسطو طاليس. والدب يلد اولادا اصغر من العظاية واكبر من الفار، وهي عمياء وبلا شعر وشرايينها رخوة، وتحمل اللبوءة شهرا واحدا وتلد ،شبلين، اما السلحفاة (الضبع) لها قوة التناسل للذكور والاناث وما يرى كانه قطعة غير مثقوبة والارنب تحبل من بطنها وتلد في كل شهر، والثعالبة تلد فراخها كقطع اللحم، وتقويها بلسانها، والسلحفاة تلد اربع، والذئاب تلد مرة واحدة في حياتها، والذئاب لا تأكل اللحوم فحسب، بل العشب وغيره كمن للشفاء، اما الاسد فلا يأكل كل شيئا آخر غير اللحوم، اما الفرس والحمار والثور عندما تجوع فبالكاد تشعر بجوعها، ولكنها تشرب كثيرا، والفيل كثير الاكل والشرب أن الفرس الحبلى عندما تشم رائحة دخان السراج المنطفيء يسيل حيظها، وكذلك المرأة يحدث معها احيانا، ان الحمار يبرد أكثر من جميع الحيوانات لذلك لا يعيش في بلاد البنطس ولا في بلاد سيقينية، ان الكلب يجامع الثعلبة ويلد منها اولادا بنات أوى واحيانا الذئبة ايضا. ان الاناث ضعيفة في جميع الحيوانات في عاداتها عدا الدب والنمر وهذه الاشارات واضحة في الانسان وغير مستقرة لان هذا الحيوان كامل والمرأة اكثر شفقة وعطفا من الرجل وكثيرة البكاء والحسد وتندب حظها وتحب الشتائم صفيقة الوجه قليلة الحياء، ردينة النفس سيئة المزاج شديدة الحزن ضعيفة الامل وقحة جدا وتحب الكذب وتخدع سريعا كثيرة السهر والكسل قليلة الحركة، ولكنها تحب الشغل وتفتقر الى غذاء بسيط يسير، واذا تعسر الطعام على كل جنس الحيوان تتخاصم ولو كانت من جنس واحد، والذكور مع الاناث. واذا كان الغذاء متيسرا لها، فتكون في صلح وسلام مع بعضها ان الذئب عدو الحمار والثعلب والثور والثعلب صديق الغراب والحية تتخاصم مع الفيل دائما، ومن يفشل يرتجف من الغالب ان اجهل وابلد كل الحيوانات النعجة التي تخرج حيث لا يجب الخروج، وان نزلت الامطار والثلوج. ولا يمكنها نيل المساعدة من الراعي وهكذا المعزى اما الخيل فترعى بشكل آخر. واذا ما اضاع المهارة فتاكل البقية، ومن بين جميع حيوانات البر الايل ذي فطنة وتدبير في الولادة، واذا ما تساقطت قرونه فيحترز على ذاته شاعرا بضياع سلاحه واذا ما بلع سرطانا بريا يشفى والمعز تشفى … والنمر يشفى بزبل الانسان والكلبات بالحنطة اما العظايا بالشذاب، وكموقف الذئب من الخراف والنعاج، كذلك العظايا والنمس مع الطيور والاسد كثير السكون، الا اذا كان جائعا، فانه لا يخاف شيئا عدا النار، ويتعلم الفيل اشياء كثيرة حتى انه يسجد للملك والانثى التي تحمل منه لا يعود يقربها مطلقا، الجمل لا يجامع امه، وقد مكر به رجل في يوم من الايام وغطى رأسه فقتل الرجل لذلك، وقيل ان البردون (الحصان) فعل كذلك وطرح الذي زجره من اعلى الشقيف الى اسفل. ان النساء الكثيرة الأولاد تتعفف لا تنعهر، والكثيرو الجماع من الرجال والنساء يشيبون سريعا، ان الحاملة تشعر بحبلها بعد اربعين يوم، وبهذه المدة اذا اسقطت وكان الجنين ذكرا اذا القت الدم في الماء ولا ينحل، فيعلم ان الجنين قد صار أكبر من النملة، ومذاخره وعيناه موجودة، اما الانثى فلا تعرف كيفية جسدها (التضخم) الا بعد كمال ثلاثة اشهر، أي قبل هذه المدة فشعورها بطيء، وذلك داخليا، اما من الخارج فبطنها تنتفخ وتشب وتمتد اكثر من لو حبلت بالذكر، وتصل الى حد القامة في الولادة والكهولة، ويحصل للحوامل شهوات مختلفة بسبب انحجاب (احتقان) الدم، ان زمن الحبل في البشر غير محدود، فربما يحصل بثمانية اشهر أو سبعة اشهر او تسعة أشهر أو عشرة او احد عشر شهرا، وقد وجدت امرأة ولدت في اربع مرات عشرين ولدا والامرأة عسرة الولادة أكثر من جميع الحيوانات بسبب كسلها ولانها لا يمكنها التنفس، حتى اليوم السابع لان الجنين يكون تحت الخطر ولذا بعد اليوم السابع تسمى الاجنة بالاسماء، ويخشى بعدئذ على الجنين في امتلاء القمر ايضا. اما الحيوان السابح والطائر والزاحف، فاجزاؤه الظاهرة غليظة وقوية ما عدا الانسان، فعوض الرجلين الاماميتين قد خلق الله يدين، ولم يكسوهما لحما كثيرا لكي لا يحمل القوة ثقلا كبيرا معنويا اي للجزء المعنوي الالهي، ولانه حكيم (الانسان) فله ايدي لعمل كل الاعمال المختلفة كقول ارسطو طاليس وليس انه حكيم لوجود الايدي فيه كما ظن اناكسوغورس، فالمغني يجب ان يعطى له الناي، ولا يجب ان نحكم بصفة الغناء على كل من له ناي ولان اجزاؤه السفلية اثقل، وهو معتدل القامة حقا، فالاطفال الذين لم تتشدد اعطاؤهم السفلى هم من قسم الزحاف وليس من قسم الساعي وادراكهم قليل، وهكذا الرجال الذين اجزاؤهم العلوية غليظة، فيكون عقلهم ناقصا وان كانوا ذوي شجاعة. وقد عرفوا جيدا من التشبه بغير الناطقين أي اهل الفراسة، وكما ان الكثافة العالية تنقص العقل كذلك الحس وادارة الرأس الى الاسفل كما في العديمي الشعور، تجعل اعلاهم الى الاسفل واسفلهم الى الاعلى كما في النبات فللنبات اصل هو الفم والراس والانسان ليس لتجرده من السلاح والملجأ هو اقل من الحيوانات في تقويمه، فانه يملك العقل وكل شيء يتبع العقل، وعدم السلاح افضل للانسان من اقتنائه، وذلك واضح من المضطرين ان يناموا عزلا غير مسلحين، فحياتهم كلها بريئة، اذ يجب أن نتعقل كيف ينبغي لنا التقلب بحسن شكلنا الآن واي شيء ينقص عقلنا، لاننا لم تعط ذلك عبثا.
المقصد الثالث
في البحث خاصة عن تكوين الانسان واعضائه
في استعمال الاعضاء البسيطة
ان الآلة الجسدية لما كانت مفتقرة على سند في حركاتها، وعلى قوة مساعدة في اعمالها او داحضة، وهذه لا يمكن ان توجد في الاعضاء الضعيفة والهزيلة بل في القوية الشديدة فقد خلق الله للانسان العظام لتتعلق بها الاعضاء الاخرى اللينة، ولم يخلق هذه العظام عظما واحدا طويلا دون انفصال، لكي لا تتألم بألم جزء واحد كل الاجزاء. بل اجزاء كثيرة مرتبطة ببعضها بوثق قوية، وهكذا تتكون فائدة الاتصال والانفصال معا. والعضلات من الآلات التي للحركة الارادية، وباتحادها تجذب الاعضاء المتحركة اراديا بواسطة الاوتار (الشعور) المنبثقة من الاصل (الراس) وتربط بالاعضاء والاعصاب عندما تبرز من المخ (النخاع) والعصب الشوكي فتحمل الحركة والاحساس الى بقية الاعضاء والشرايين تبتدئ من القلب أي من البطن اليسرية (اليسرى) وتحمل الدم النقي الصافي والحياة المعنوية والهواء الى كل الاعضاء ، وقد خلق اللحم ووضع لسد الفراغ والمحل الباطن بين الاوردة والشرايين والاعصاب لكي لا تقطع الحركة القسرية وليمنع العوارض الخارجة، وليسخن الجسد بحرارته ورطوبته لكي لا تصل الرطوبة الى آلة الجوف، وخلق الشعر لينقي الجسد من الفضلات الحادثة عن الغذاء وخلق في بعض الاجزاء لاجل الزينة، كالرأس والحواجب وجفون العين والدقن وخلق لاجل الزينة والحراسة للرجال فقط، واما زينة النساء فهي عدم ذلك، ومع هذا لا يحتجن الى غطاء الوجه واما سكنتهن الدائمة في البيت فهي دواء عظيم يمنع عنهن البرد، وخلقت الاظافر لاجل تقوية رؤوس الاصابع ولاجل الزينة والتسلح للقاء الحيوانات غير الناطقة (العجماء).
المقصد الرابع
في استعمال الاعضاء الآلية
أولًا – في استعمال الرأس: – ان الجمجمة تشبه الخوذة تضبط الراس (المخ) وتحجبه وتحفظه من الاضرار الخارجية ولان الراس لم يوجد في منتصف (وسط) الجسد، لذا ليس جميع الاعصاب تنمو منها لئلا تتعرقل في سيرها الى الاعضاء البعيدة بل من جوهر (قلب) المخ فيتوسط جزء على طول الجسد وسط العظام القوية التي تكون كالجمجمة للمخ تحفظ هذه كلها وتسترها. وهذه هي الفقرات اي خرزات عظم الظهر (العمود الفقري) حيث تنتهي الى العظام الصلبة (العصعص). فاذا النخاع كلما اتصل بنزوله الى قبالة عضو من الاعضاء يحتاج الى حركة ارادية، فينبت فيه زوج من الاعصاب الواحد من اليمين والآخر من الشمال ومن هنا القوة الحساسة تكمل بوجود هذه الاعضاء. اما عضو الظهر فيتركب من اجزاء شتى لكي يستطيع الانسان ان ينحني او ينبسط واما مقدمية الدماغ فقد خلقت لينة ومؤخرها صلب لان من المقدم تنبت اعصاب الحس لانها ادق من اعصاب الحركة، لان اعصاب الحركة محتاجة الى الاسعاف والصلابة وتنبت في المؤخر. اما العينان فقد ترتبتا في الراس لانهما كالرقباء اي كالديدان ولاجلها انتصب الرأس الى فوق، ولم تكن استقامته لشيء آخر، وعند نهاية ثقوب المناخر عضو ما يشبه الاسفنجة بكثرة ثقوبه لكي منها تصل الرائحة الى الزائدتين القريبتين من مقدم الدماغ لانه بارد بالطبع ولا نحدار الفضلات المخاطية من الدماغ واما الاذن فهي آلة لادراك الصوت واما العضو الذي يتم به هذا الادراك فيجب ان يقرعه الهواء المحمول خاصية الصوت، ولو وصلت اليه البرودة الملازمة للهواء لقرعته، فقد خلق الله في مقدمته عضوا حجريا مثقوبا لولبيا لكوكب النجار لكي يتأخر الهواء ويمتزج ولا يضر بالبرودة العصب الحساس، وقد امتد على ذلك الثقب غضروفة كجلد الطبل ليجمع الصوت ويمنعه عن التشريد. اما هذا الجوهر. فقد خلق غضروفيا، لان الغضروف يقبل الصوت كالجلد اليابس الممتد الى الطبلة، واما الاسنان فقد خلقت صلبة في جوهرها اصلب من بقية الاعضاء شبه الحديد الصلب الزائد الجفاف واليبوسة بالنسبة الى الحديد اللين والاسنان التي من الامام فهي عريضة قاطعة كالازميل، لكن تصلح للقطع والكسر والاضراس قد عرضت رؤوسها لتوافق للطحن، وجذور الاسنان العالية اشد واقوى من السفلية، لتقدر على حمل ثقلها المخالف لتركيبها، وذلك بعكس تركيب السفلية، ويرتبط الفك السفلي ارتباطا كليا بالفك العلوي ولا يعكس، لان السفلي اخف من العلوي، وهو سريع الحركة لجهات المختلفة.
ثانيًا – في استعمال اعضاء التنفس: ان قصبة الرئة قد خلقت مرتبطة في الحالب (الحشاء) ليسهل الانبساط والانقباض عندما يتنفس الانسان عند رفع صوته او خفضه او السكوت. وقد وضع من الامام لكي يلتحم (يلتصق) بالرانة قريبا وباستقامة واما الحلق فهو على شكل ثلث دائرة والثلث الآخر من غشاء رقيق، وذلك ليتسع عند الصراخ وهذا المسلك قد ترتب جانب الحلق ليسهل دحضه حين يضغطه الحلق وقت الاكل والحلق له غطاء من الوراء على فمه، لكي لا يسقط فيه شيء من المأكل او المشرب، واذا ما حدث هذا الحادث، وكان ذلك المسلك مفتوحا حين التنفس والتكلم ويسقط فيه شيء مما قد ذكر، فيحدث منه اختناق وسعال كثير. وقد رتّب القلب والرنة في اعلى الصدر. وتحيطها الاعضاء من كل الجهات وتحتها الغشاء التربي (الحاجز). ليسترهما عن البلاء والضرر الخارجي، وهناك بين الاضلاع غظاريف من الخارج والداخل لتكمل بها حركة الصدر كالانبساط والانقباض، وعندما تنبسط الرئة يدخل الهواء البارد وحين تنقبض يندفع البخار اي الهواء المحترق ولما كانت الرئة منفاخ القلب، لذلك قد خلقت واسعة من الداخل مستديرة، ومن لحم رخص ولين ليسهل انقباضه وانبساطه ولانها خزانة مادة الروح الحيواني، فتركبت من ثقوب شتى اما المسلك الذي يدخل به الدم والهواء الى القلب فله طابق يغلق الى الخارج، وليكن ايضا سهل الافتتاح ليدخل الدم والهواء من القلب ولكي لا ينفتح اذا ضغطا وخرجا. فينطبق انطباقا وثيقا والمسلك الذي يخرج منه الروح الحيواني الصادر من القلب الى بقية الاعضاء، فينظم من الخارج، وينطبق لكي يسهل فتحه عند خروج النفس، وليعسر اذا ضغط من الريح الداخلي لئلا يرجع القهقرى، فيعود الى القلب ثانية، لذلك ينطبق انطباقا منيعا، وهذه الحركة خارجة عن الطبيعة.
ثالثًا – في استعمال اعضاء الغذاء: – اما المري فمستطيل وفي عرضه الياف والمعدة لا تحتاج الا لجذب الطعام ودفعه لا غير. فصار ذلك منحرفا لاخذ الطعام في المعدة واكمال نضجه اما فمها فضيق من الاسفل وواسع من الاعلى ليسهل خروج الغذاء اي اذا اصبح كيلوسا، واما الامعاء، فهي مائلة الى الرقاقة، ولها حلق ملتف ليبقى فيها الغذاء زمنا طويلا. ولا يمكن خروجه، ولكي ينال الجسد منه حاجته، واذا اكتفى الجسد بحاجته، فتخرج فضلاته وهي نواقل بالحقيقة. فتدفع الى المعي الذي في الاسفل، وهو معتدل وواسع ليقبل الفضلات الداخلة اليه، ولا يحتاج الانسان الى قيام متواتر اي الاراقة، وصار لها عند ذلك عطلة ما لتنفتح وتغلق حسب الارادة اما الاوردة فهي دقيقة ممتدة من المعدة والامعاء وملتصقة بالكبد. وفائدتها لينحدر فيها الكيلوس الصافي، وهي تنقسم الى اجزاء كثيرة دقيقة، ليسهل تغيير الكيلوس ويصل صافيا الى الكبد. وقد يوجد لهذا المخرج الكبدي فضلتان اخريان الواحدة المرة اي الصفراء التي تجذبها المرارة باحد اطرافها وتدفعها بطرفها الآخر الى الامعاء، فاما الجذب فسببه ميل خزة الدم والدفع لتحرك المعي ليقوى على دفع الفضلات الفاسدة اي البراز ويتنظف منها. واما الفضلة الاخرى وهي المرة السوداء وهي التي يجذبها الطحال باحد مسالكه، وفي الآخر يدفعها الى فم المعدة. والجذب ههنا يكون حسب ما ذكر اعلاه والدفع يكون لتنبه الى شهوة الطعام بحموضتها ودفعها، واما الكليتان فهي آلة لاخذ المائية من الدم في وسط الكبد واليمنى هي اعلى من اليسرى بوضعها، لئلا يحصل الجذب من الجهتين على السواء اعني من الكبد ولكي لا يخالفان بعضهما، وكل واحدة منهما تمنع الاخرى عن فعلها، ولكل واحدة منهما راسها المحد في العرق الكبير الخارج من اعلاها، وفيه تجذب المائية، وفي العرق الاسفل المجاور للمثانة يدفع ذلك اليها، وهذا المسلك ورفيقه يسميان برابخ اعني عنقي الكليتين السفلية، وعلى فم المثانة عضلة ضابطة فمها باحتراز لئلا يسيل شيء من البول بغير ارادتنا، ويتبلبل النظام الحسن، واما البرابخ ومجاري البول فبدايتها من الكلى وتصل الى المثانة أي تشق الغشاء الواحد وتمتد بين الجهتين حتى تصل الى فم المثانة، ثم ينفصل الغشاء الآخر الداخلي، وهناك ينسكب البول في المثانة، واما هذه المجاري فقد خلقت هكذا ليتيسر ادخال البول ويتعسر خروجه وكلما امتدت بالطول (المثانة) عند امتلائها فيسد ذلك المجرى بقوة شديدة. والجسد مركب من منتين وثماني واربعين عضوا ما عدا العضو الذي في الحنجرة الشبيه باللبدة واما العضو الذي في قلب الانسان فقد وجده ارسطو طاليس في الخيل والثيران وفي الاجسام الصغيرة الشبيهة بالسمسم الذي في الاصابع، وايضا من خمسمنة وسبع وسبعين وعشرون عضلة، ومن سبعة ازواج اعصاب متلدة من الدماغ، ومن واحد وثلاثين زوجا وفرد لا قرين له النابتة في العضو الصلب، ثم من الكبد اصلين اوردتهما ممتدة الواحد من داخل التجويف ويدخل منه الغذاء الى الاعضاء ومن القلب ينبت اصلان اي شريانان، كما سبق اعلاه، وهنا تم الكلام عن الاجساد وتكوينها وتركيبها.
[1] هذه القضية مغلوطة والمطلوب عن البيضة وقشرها وصفارها المشبهة بالجلد الفاصل بين السمانين العلوية والسفلية.