Table of Contents
الركن الثاني عشر
في الفردوس العدني والنظريات التي تدور حول هذا المقام وفيه اربعة ابواب
الباب الأول
في نظرية ما هو الفردوس وفيه اربعة فصول
الفصل الاول
في ما هو عدن – وما هو الفردوس ؟
وفي اي جهة ؟
وفيه مقدمة ومقصدان
المقدمة
يجب ان نعرف بأن معظم الملافنة القديسين يقولون بأن عدن هي محل كبير فسيح مكتظ وزاخر بالاشجار الكثيرة المختلفة في مشارق الارض وفي منتصفها مكان آخر اجمل منها بكثير وازهى للنظر واشهى للتأمل هو الفردوس، وكما ان عدن هي افضل من الارض باسرها، هكذا الفردوس هو افضل من كل عدن.
المقصد الأول
في البراهين النقلية المؤيدة ان الفردوس هو في الشرق
البرهان الاول : – القديس باسيليوس في مقاله على لفظة كونوا معترفين على كل شيء “لذلك نجعل جهة التأمل بالصليب المشرق، لتنظر اعيننا الى جهة الفردوس، فنطلب بذلك مسكننا الاول”.
البرهان الثاني : – في مقاله ايضا على الصلاة الربانية “عندما نرجع نفسنا الى المشرق، فلا يدرك فقط ان الله هناك ذاك غير المنظور والموجود في كل مكان، والذي لا يدرك ابدا دائما من احد الاجزاء، لانه غير ضابط سوية، بل كاننا ننظر الى المشرق محلنا الاول، أي الحياة التي كانت في الفردوس وسقط منها، فقد غرس الرب الفردوس في عدن بالمشرق، فكلما اجلنا النظر الى المشرق، وفكرنا مليا بالسقطة من هاتيك الاماكن المنيرة المليئة بالنعم، نقدم طلب كحسب لياقتنا لاجل ذلك”.
البرهان الثالث : – مار سويريوس في مقاله لماذا نسجد نحو المشرق، “بما ان الفردوس هو في الشرق، ومن هناك خرجنا ، فننتظر أن نرجع لمحلنا الاول”.
المقصد الثاني
في قول القديس مار افرام ان الفردوس يحيط بكل الارض
لقد قال هذا القديس المذكور في احد مداريشه هكذا ” بما ان نظرة الفردوس بعيدة وليس للاعين مجال لتبلغه، فصورته سهلة وشبهته اكثر سهولة، فنرى الفردوس يدور مثل دائرة القمر ومحصور في داخله البحر والبر .
اعتراض : – يقولون ان الفردوس في الارض لا في العلى، كيف قال بولس الرسول انه خطف الى السماء الثالثة والفردوس ؟
الرد : – نقول أن المنظر الذي خطف به بولس ليس واحدا، بل مناظر كثيرة، وذلك واضح من قوله “ساتي الى الرؤى ومكاشفات الرب ” فاذن يمكن انه عندما خطف الى السماء، خطف بعدئذ الى الفردوس، واذا سلمنا وافترضنا انه خطف مرة واحدة الى السماء والفردوس، فلماذا اذن لا نستطيع القول انه يدعو جمال الملائكة ورؤسائهم الذين هنا وهناك العجيب والمدهش فردوسا. وكون الفردوس ليس في السماء بل في الارض واضحا من البراهين الكتابية التي جلبناها ومن غيرها التي اعرضنا عنها لطول المقام، وان القديس مار فيلكسينوس المنبجي يؤيد بارتفاع ارض الفردوس أكثر من هذه الأرض التي فيها سبعة اقاليم في مقاله على نظرية شجرة الحياة اذ يقول “غرس الله الفردوس ليكون وسيطا منه ولأعلى السما. وهذه الأمور تليق له، ومنه وما تحت الارض وما لها تتبعه كلها .
الفصل الثاني
في ان الفردوس مضاعف اي روحي ومادي وفيه مقدمة ومقصدان
المقدمة : نقول لما كان الانسان مركبا من طبيعتين مختلفتين روحانية ومادية، أي نفس وجسد، فمن الضروري ان يكون كماله مضاعف اي اللذات المكملة للنفس وهي نظریات الاشياء الموجودة، واللذات المكملة للحواس الجسدية، فالمنظورة شهية والمسموعة لذيذة، والمستنشقة طيبة، فالنوع الأول يدعى الفردوس الروحاني، والنوع الثاني الفردوس المادي (الجسماني) .
المقصد الأول
في البراهين الكتابية التي تؤيد الفردوس الروحاني
البرهان الاول : القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على الميلاد قد وضع هذا في الفردوس، فما هو هذا الفردوس، وقد كرَّمه بالسلطة الذاتية، لكي تكون النعمة لیست أقل من الذي يختارها، وافضل من الذي يعطي الزروع غارس الغرسات غير المائية أي الافكار الاكثر بساطة، والذين اكثر كمالا تلك النعمة تكون مجردة بالبساطة وبالحياة غير العملية، وبدون حجاب او ستار كهذا يليق أن يكون الذي من البدء.
البرهان الثاني : – غريغوريوس النوسي في مقاله على تكوين الانسان ان غرسة الله التي في عدن، فعدن تفسَّر باللذة، ويجب أن لا نرتاب بالثمرة التي تستحقه، ونعلم بان الانسان يقتات منها، ولا يجب من كل بد ان نفهم الفردوس قوتا زائلا ومتلاشيا الذي في الفردوس .
البرهان الثالث : – فيلكسينوس المنبجي في مقاله على نظرية شجرة الحياة يقول ” للفردوس نظريات روحية” .
البرهان الرابع : يعقوب الرهاوي في مقاله على اللاهوت يقول ” لقد تكلم موسى رمزيا على الفردوس ” .
المقصد الثاني
في الفردوس المادي (الجسماني) الذي يؤيَّد باربعة براهين
البرهان الاول : اياونيس في مقاله على شجرة المعرفة يقول ” لقد ابصرت عين آدم الفردوس وسمعته اذنه وخطر على قلبه “.
البرهان الثاني : – قوريلوس في تفسير نبوة اشعيا يقول ” ان الساكن الأول الذي حصلت عليه اليهودية، هو آدم بعدما خرج من الفردوس ” .
البرهان الثالث : ساويرا في مقاله الثاني والعشرين الذي على المنبر يقول لقد رأت عين آدم الفردوس وسمعته اذنه، وسمع خاصة كلمة “من كل اشجار الفردوس تأكل اكلا .” ورات تلك الشجرة الوحيدة التي كانت له والتي لم يؤذن له ان يأكل منها .
البرهان الرابع : – يوحنا الناسك المتوحد في مقاله على هذا العالم يقول ” لا يظن احد ان اشجار الفردوس لم تكن مادية، فان الكلام الالهي صرح بمعرفته بواسطة موسى، وصوَّر مسكن الفردوس بقوله ” واخذت حواء ثمرة واكلت ” فكيف قطفت ما لا يلمس واخذت ماهو روحاني، فالشيء الروحاني غير منقسم من اجل تقليد ذاته.
اعتراض : يقولون ان الروح القدس الذي تكلم بموسى علَّم بكون الفردوس واحدا، اذ يقول انه فردوس لا فراديس، وهذا مادي كما تصرح قصته، فاذا كان كذلك كما يخبر الكتاب، لماذا يجب ان نفهمه روحانيا، واذا لم يكن كذلك بل مثله موسى بصورة مادية وبشكل محسوس، بينما هو روحاني، فلماذا يجب الاضطرار بالقول انه في جهة المشرق أو ليس هكذا، بل يحيط في كل الأرض، وواضح ان كهذه المباحثات باطلة كلها.
الجواب : نقول لم يصرح احد الملافنة أن الفردوس المادي لم يخلق فعليا، بل اخبروا عنه بالمثل والرمز، اما هؤلاء الملافئة الذين علمونا عنه بانه روحاني، فقد اشاروا فقط ان سر اللذة العقلية التي ندعوها فردوسا روحانيا، مصور بالفردوس المادي الذي خلق آدم منذ البدء، وهذا خفي ومحجوب كقولنا، ان مسكن الزمان الذي كان يشير في وقته الى كنيستنا اليوم، ولذا لا يجب القول ان مسكن الزمان لم يحدث بالفعل .
الفصل الثالث
في انه باي من الايام الستة خلق الفردوس ؟ ولماذا خلق ؟ وهل يشبه بخلقته بقية الخلائق ؟
لم يعلن جهاراً الحكيم والكليم الالهي موسى عن اليوم الذي خلق الله فيه الفردوس، إذ تكلم على كل خليقة وفي أي يوم جاءت الى الوجود، اذ يشهد وجود الشيء ان الله خلق في اليوم الثالث العشب والاشجار والاغراس، وهكذا ايضا خلق الفردوس الذي ليس شيئا آخر عن المحل البهي المزدان بالنباتات والاشجار، ولا يشك احد ان الفردوس خلق لاجل سكن وتجوال وراحة آدم .
اعتراض : – يقولون اذا كان الفردوس خلق في اليوم الثالث وآدم في اليوم السادس، فكيف اتى الله بذكر الفردوس في التوراة بعد ذكر خلقته آدم ؟
الجواب : – نقول لان خبر الفردوس يحتاج وصفا مسهبا، لذلك أخّر ذكره الى نهاية جميع الخلائق، وكون الفردوس يشبه بطبيعته الى بقية الخلائق واضحا من انه مركب من اربعة عناصر، وان اغراسه واشجاره تحمل اثمارا مأكولة ومزينة بالأوراق والازهار، اما من جهة اعتدال مزاج الارض ونقاء الهواء وصفاء المياه، فيجب ان تكون اشجاره اكثر بهاء واغراسه اعظم جمالا واثماره اكثر لذة. ومن جهة حصوله على مزاج ربيعي واحد متساو هنا وهناك، وليس هناك فصول سنوية كما عندنا نحن، فلا تتجرد هذه الاشجار من الاثمار والاوراق، بل تدرك الجديدة العتيقة بتواصل كما هو المعهود في بعض الاشجار عندنا، من ذلك
الاطرنج، وماهي العلة المعدلة (الملطفة) لمزاج ذلك المحل، سنرى ذلك في الاخير بالكلام الطبيعي.
اعتراض : – يقولون لو كان الفردوس قد خلق لاجل تطواف آدم، وقد طرد منه عاجلا، فهل بقي عبثا وفارغا وباطلا، بعد خروج آدم منه، وكيف يليق بحكمة الله ان تعمل شيئا باطلا وعبثا، لاسيما كالفردوس الأكثر جمالا وبهاء وازدهاء من كل شيء جسمي (مادي) كما تقولون ؟
الجواب : – نقول لم يخلق الفردوس عبثا، وان خرج منه آدم عاجلا، واصبح مطرودا ومنفيا منه، ولكن سكن به منذ الأول آدم وحواء، وبعدهما سكنت فيه انفس الابرار كالآباء الذين احسنوا لله، اي ابراهيم واسحق ويعقوب والانبياء والابرار واللص اليمين والرسل والشهداء والنساك الذين جالوا ويجولون فيه. وكذلك اخنوخ وايليا اللذين يطوفان في الجسد، فهؤلاء الى القيامة وبعد القيامة، اذا لم يستحق جميع البشر ملكوت المساء، ولا يسلمون كلهم للعذاب الجهنمي الشيطاني اي الظلمة الخارجية، يوجد عندنذ متوسطين كثيرين بين الحدين، وبالتالي ليس من المستبعد أن يستحق بعض الناس غير الكلي الكمال ولا الكلي النقص أو الاثمة للسلوك الابدي في الفردوس، ويشهد الحق سبحانه بما قاله “ان في بيت ابي منازل كثيرة ” ولماذا يستبعد أو لا يمكن ان يكون الفردوس احد هذه المنازل، ويقول موسى بن كيفا “ان الفردوس سيبقى فارغا ومجردا بعد القيامة”، ويأتي ببراهين ضعيفة وواهية تؤيد عدم محالة هذا الرأي، اما نحن لما كنا نربأ بالعناية الالهية الحكيمة في كل شيء عن الاعمال الباطلة، ونتبع التكلم بالالهيات، ويقولون ليس شيء عبثا من جميع الأمور التي يعملها الله .
ايضاح : – نقول ان ماقيل عن سعة النهر الذي يسقي الفردوس ويتشعب الى اربعة انهار كبيرة يشير الى سعة وعظم الفردوس برهان ضعيف، لانه لو كانت ارض الفردوس هكذا واسعة ورحبة، لوجب ان النهر العظيم الذي يسقيه لا يستفيد من هذه المياه الخارجية من الفردوس، والحال – ان اربعة انهار تخرج منه، فالنهر العظيم عندما يجتاز من مكان يسقيه فليس كل النهر هو الذي يسقيه بل جزء منه، أي المياه التي لم تخرج الا من ذلك المكان فقط، وليس كل المياه التي تجري وتمر .
الفصل الرابع
في ان ملكوت السماء هي غير الفردوس
نقول ان الملكوت السماوي هو معرفة الثالوث الاقدس والازلي والروحي والسماوي، كما علمنا هو الحق سبحانه عن الآب والابن بدون انقسام، فقد وعد باعطاء مقاليدها بقوله عندما كان مزمعا أن يصعد الى السماء والجلوس عن يمين الآب .”ساذهب لاعد لكم محلا، لكي حيث اكون انا يكون هناك خادمي” “وقال ان الملكوت السماوي هو المعد لكم منذ انشاء العالم ” ويقول الرسول بولس “نعلم أن بيتنا الجسدي الذي في هذه الارض سيتلاشى، ولكن لنا بنيان من الله بيت لم يصنع بايدي البشر، هو في اعلى السماوات”، وقد سبق وميز الله حكمته الخفية من قبل انشاء العوالم لمجدنا التي لم يعرفها قط احد سلاطين هذا العالم. وقد تكلم عنها الرسول الالهي ذاته سريا بقوله ” لم ترها عين ولم تسمع بها اذن ولم يخطر على قلب بشر ما اعده الله للذين يحبونه” . فقال يوحنا المتوحد في مقاله الأول على العالم الجديد “ان ملكوت السماء التي هي للمسيح ليست تحت الجلد بل فوق السماء، حيث تقوم المراتب والقوات ” وقال القديس اوغريس “اذا كانت ملكوت السماء تعرف جزئيا لكل قديم ومحدود، فان عذاب الذي يُعرفون بشيء مضاد يُعلم ايضا” وقال هو ايضا “مفاتيح ملكوت السماء هي موهبة الروح الواضحة للعقل بانها نظرية العمل الروحاني ومنهم الطبائع والاقوال الالهية، وهذه هي ملكوت السماء والفردوس خارجي ووقتي ومادي وارضي كما يؤيد موسى مع جميع الانبياء والملافنة.
اعتراض : – يقولون اذا كان الفردوس مضاعفا عندكم اي روحاني ومادي، واذا دعوتم الفردوس الروحاني الذي يصير للنفس باللذة العقلية التي من النظريات الالهية، وكنيتم الملكوت السماوي اللذة والمعنوية والعقلية ذاتها، لماذا لا تقولون ان الفردوس الروحاني هو ذاته الملكوت السماوية، والملكوت السماوية هي ذاتها الفردوس الروحاني ؟ بل تجعلون الفردوس الروحاني غير الملكوت السماوي .
الجواب : – نقول أن الفردوس الروحاني هو لذة العقل بواسطة النظريات، وهكذا ملكوت السماء لذة العقل بواسطة النظرية، ولكن الفردوس الروحاني هو لذة العقل بواسطة الموجودات أي الطبائع العنصرية البسيطة والأولية، والطبائع الثانوية التي تتركب منها النباتات والحيوانات والكواكب والافلاك والحركات الطبيعية والارادية لكل هذا الكون. ومعرفة الطبائع الناطقة، أي الانفس البشرية ومراتب الملائكة، وواضح ان العقل لما كان يقوم على حقيقة هذه الامور وادراكها، وفيها يدور فينال لذة ليست يسيرة، ولذته هذه هي اقوى بكثير من لذة الحواس بادراك المحسوسات للذين جربوا كليهما كما يشهدون، وهذه كلها هي الفردوس الروحاني واشجاره الجميلة واثماره الشهية واوراقه العجيبة واغصانه المذهلة. اما ملكوت السماء هي الاسمى من الفردوس اي معرفة الطبيعة الالهية وحدها المخصوصة بالاقانيم الثلاثة. كما أن الأمر المعروف ههنا هو الله له المجد الاسمى والاعظم من الأمور المعنوية للفردوس الروحاني كلها، ويجب أن تكون اللذة التي فيه هي اسمى من اللذة الموجودة هنا وهناك، ومن هنا يتضح ان ملكوت السماء هي غير الفردوس الروحاني، وكما ان الفردوس الروحاني هو اسمى واعظم من المادي، كذلك ملكوت السماء هي اسمى واعظم من الفردوس، وبواسطة الفردوس الروحاني، تستطيع النفس التسامي لوراثة ملكوت السماء كقول القديس اوغريس ” هكذا هي معرفة كل موجود، لتبلغ النفس شريكته الى معرفة الثالوث الأقدس” .
الباب الثاني
في شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، وفي الحية المضلَّة
وفيه اربعة فصول
الفصل الأول
في ماهية شجرة الحياة
نقول لقد فسر ملافنة البيعة كلا الشجرتين ثانويا (مضاعفا) اي روحيا وماديا، فيقولون ان شجرة الحياة الروحية هي وحدة العقل الذي يربط فقط برؤية خالقه، ولا يميل الى هنا وهناك كما هم الملائكة القديسون، وبحسب هذا الرأي توجد ملكوت السماء أي معرفه ورؤية الخالق جزءاً من الفردوس وتحصر فيه حصرا، وهذا محال وغير ثابت. ولكن يجب أن نمثل شجرة الحياة الروحانية بمعرفة جميع الموجودات أي بادراك العقل لجميع الخلائق، اما ملكوت السماء فبمعرفة الخالق فقط، كانها هي الاسمى والافضل، وقد اعترف أكثر الملافنة أن شجرة الحياة المادية التي خلقت من الله عمليا هي كاحدى طبائع النباتات، وقال نيموسينوس الفيلسوف المسيحي “لفظة لقد اخرجه من شجرة الحياة تضاد القضية السلبية التي لله، اي الى التراب تعود” وقال مار يعقوب السروجي في ميمره على خروج آدم من الفردوس ” يمكن ان تمنح شجرة الحياة حياة ابدية لآدم لو أكل منها ” وقال مار فيلكسينوس المنبجي “اني لا اتخاصم على هذه الاشياء لاني أومن ان كل شيء سهل عند الله، وهذا ما راينا الملافنة يقولون من اي نوع كانت تلك الشجرة، واي نوع كانت تحمل من الاثمار، ولم نسمع احدهم يخبر عن ذلك .
الفصل الثاني
في ماهية شجرة معرفة الخير والشر
وهكذا فسر الملافنة شجرة المعرفة مضاعفا، فقالوا ان شجرة المعرفة الروحانية، تنازل العقل من معرفة الخالق الى معرفة الخلائق، لانه بقدر ما هو مقيد برؤية خالقه فقط، فهو شغوف بالخير. وعندما تزعزع وهبط الى الخلائق، شعر بالشر الذي لحقه. وقال غيرهم أن شجرة معرفة الخير والشر هي رمز الناموس الموسوي والتي يتميز بها الخير من الشر والطاهر من الدنس، ويقول غيرهم ومنهم موسى بن كيفا، ان شجرة المعرفة هي النظرية على الالوهية التي عندما تدرك باستقامة فهي خير وصلاح، وعندما تدرك باعوجاج فهي شر، وقال غيرهم ان هذه الشجرة ليست فعلية، بل هي مثل الزواج الذي منعهم منه الله بقوله “احفظوا الطهارة والقداسة”، وعدم صحة هذا الرأي الأول واضح من أن معرفة الخالق هي ملكوت السماء كرأي جميع الملافنة، ويبان أن هذه (الملكوت) هي اسمى وافضل بكثير من الفردوس واشجاره. وعدم صحة الرأي الثاني واضح من انه لم يوضع بعد الناموس الموسوي، فكيف يُأمر آدم بحفظه قبل ان يعطى، والرأي الثالث هو ذاته الأول ونظيره بدون تغير، والرأي الرابع اذا كان آدم وحواء بتولين (اعزبين) حقيقة عندما خرجا من الفردوس، فهو ايضا غير ثابت وصحيح، لانه لم يذكر عن ذلك في التوراة، عدا انه عندما خرجا من الفردوس آدم وحواء، فحبلت وولدت، وربما عرفها قبل أن يخرجا ولكنها لم تحبل، فأدى هذا التعارف الى طردهما، ويقولون لو لم يذنبوا بسبب الزواج، لماذا حكم على حواء هذا العقاب ” أكثر اوجاعك وحبلك وبالألم والشدائد تلدين البنين ” ولماذا خجلا من الاعضاء التناسلية التي هي الآت الزواج خاصة، فاحتموا في اخفائها كانهم يريدون اخفاء ذنبهم، فان الاطفال الذين لم يجربوا فعل الزواج ولم تتحرك فيهم الشهوة، لم يخجلوا قط من تعري هذه الاعضاء، ولا يحاولون حجبها، ولكنهم يقولون في وقتنا هذا “ورؤساء جبلتنا منذ البداية” ويجعلون هذه العلامات تؤيد بسهولة هذا الرأي الاخير ليصبح قابلا للتصديق، واما الذين فسروا شجرة المعرفة ماديا، قالوا ان ثمرتها هي الحنطة وجميع المسلمين لهم هذا الرأي، ويتبعهم بعض اصحابنا مؤيدين رأيهم بقولهم “لان ربنا عمل جسده من الخبز لكي يفي بها الذنب الأول”، وقال غيرهم كلا، ان ثمرتها هي العنب، لان الرب جعل دمه من الخمر، ويصرح البعض بعدم صحة هذين الرأيين بقولهم ” أن نبتة الحنطة تدعى السنبلة والعنب تدعى جفنة وليست شجرة” فنقول عندما يريد المتكلم ان يتكلم سريا، ليس من العجيب أن يدعو السنبلة او الكرمة، وقال مار فيلكسينوس المنبجي في مقاله على شجرة الحياة، ان الشجرة التي اكل منها آدم وحواء كانت تينة واكد قوله بكون حال اكلهما وتعريتهما، صنعا لهما مأزر من الشجرة ذاتها وغطيا عورتها. ويسلم بهذا الرأي كثيرون من ملافنة البيعة، ويقول علامتنا ذاته “سمعت من معلمي يقول ان هذا الرأي يستحق العجب كيف شاء الله له المجد ان يجرب حرية آدم وسلطته الذاتية بهذه الاكلة الحقيرة بقوله من كل شيء تأكل الا التين، كما انه لم تكن شجرة التين هكذا جميلة للنظر ولذيذة وشهية للاكل كما قال عنها الكتاب أكثر من بقية الاشجار كالنخيل والتفاح والكمثرى والجوز وسائر الاشجار. وعندما كان ينطق المعلم بهذه الاشياء، كان يرتاب بقوله اقبل يابني هذه الامور روحانيا، واتبع المتكلم بالالهيات القائل : ان نظرية هذه الغرسة كنظريتي، فهذه لا يتوصل اليها الا الكاملون باحتراز، اما البسطاء بعد والمنغمسون بالشهوة لا تفيدهم، اذ لا يفيد الطعام القوي للصغار والمحتاجين الى الحليب بعد، وعندما كان يحدث بهذه الاقوال ويتلذذ ،خاصمته وجادلته مضادا اياه بدالة وقلت “وإن فسر بعض الملافنة القديسين روحانيا الفردوس والشجرة، ولكن لا اظن انهم انكروا ماديتهما كما تشير انت، اما هو فاضطرب ثم ابتهج واجاب، لا تستطيعون جميعكم احتمال هذه الكلمة وسكت، ولم يعد يتكلم بهذا القصد شيئا، وانشغل بنظريات اخرى.
الفصل الثالث
لماذا دعيت الشجرتان بهذه الكنى السابقة ؟
نقول لم تدع شجرة معرفة الخير والشر بهذا الاسم لنوالها على قوة طبيعية لمنح معرفة التمييز بين الخير والشر للذين يقتاتون منها، ولكن لان بالاكل منها تعلم آدم بالتجربة انه كم كان حفظ الوصية الالهية خيرا وكم الحق اجتيازها وعدم التحذر منها شرا وضيقا، وكذلك شجرة الحياة لم تدع بهذا الاسم لنوالها طبيعة منح عدم الموت لآكليها، بل لانه بالنعمة الالهية تمنح الحياة غير المائتة للذين يفطمون انفسهم من الاكل من شجرة المعرفة والاشتهاء للتلذذ منها، ويؤيد ذلك مار سويريوس في مقاله عن الصليب اذ يقول ان للشجرة الثانية اي شجرة الحياة كرامة للمتناول منها لو حفظ الوصية ولم يقهر من الأكل بدون اوانه، وقال مار فيلكسينوس المنبجي، عن شجرة المعرفة “لم يمت آدم لاكله منها كما ياخذ الانسان بعض السموم القاتلة فيموت، والا كيف لم يمت حالا، ولا اجتياز الوصية أماته، والا كيف لم يمت داود باجتيازه ثلاث وصايا، فقد زنى وغضب وقتل، ولكن آدم بكونه صدق مشورة الشرير ورغب ان يصبح إلهاً مات واخرجه فكره هذا من الفردوس كما ان هذا الذنب (الكبرياء ) اسقط الشيطان من السماء. اما نحن فلا نفهم بهذا الموت الطبيعي الذي هو انفصال النفس عن الجسد، بل موت الخطية الذي هو انفصال النفس عن الله، فنقول اذن ان كليتهما اصبحتا علة لموت آدم بنفس اليوم الذي اكل فيه لئلا يكذب القول الالهي، اذ اشتهى شيئا مستحيلا واجتياز الوصية، وقال موسى بن كيفا عن شجرة الحياة “لقد دعيت شجرة الحياة لتحريض آدم على حفظ الوصية، وليس للحصول على الحياة للآكلين منها، أي كون الله قد جزم على آدم بقوله “اذا اكلت من شجرة المعرفة تموت واذا لم تأكل منها، اسمح لك ان تأكل من شجرة الحياة فتحيا الى الابد ” فقال ان هذا واضح من كون وجود معنى كليتهما مضادين لبعضهما، اي ان الاولى غير مأكولة الى الابد لكي كلما يأكل منها آدم يموت ويحرم من تناول ثمر شجرة الحياة، ويشهد بذلك القديس غريغوريوس الثاولوغوس اذ يقول ” كان خيرا لو اكلت ثمرتها في وقتها، وكيف كنَّت الحكمة الالهية شجرة الحياة الشيء المجرد من ان يكون علة الحياة ؟ .
الفصل الرابع
في الحية التي أطغت آدم
نقول لقد سلم جميع ملافنة البيعة أن الحية تكلمت بشكل جسمي مع حواء كلمات مضلة، وشيطانية، اما مار افرام فيقول في تفاسيره “ان الشيطان سأل من الله ان يعطي نطق للحية لتجربة حرية آدم كما سأل ان تعطى له اموال ايوب لاجل فحصه، وتشهد آتان بلعام ان للّه عادة ان يمنح النطق للبكم ايضا. وقال قوريلس في مقالته الثالثة ضد يوليانس ” لقد تشبه الشيطان بالحية وتكلم مع الامرأة وهو الذي لُعِن بصورة الحية” وقال مار يعقوب السروجي في ميمره على خروج آدم من الفردوس” ان الشيطان دخل الحية وتكلم مع المرأة” ويسلم كثيرون بهذا الرأي الاخير، اما السبب الذي اضل الشيطان لاجله آل آدم، ليس غير حسده منهما، ونعمة الجولان في الفردوس التي اعطيت لهم. ولما كانا جسميين وماديين، فقد وجدا بحالة الملائكة ولكونه روحانيا وغير مانت اصبح أشقى من جميع الجسديين والموتى، فقد جرته الآلة المضلة وحده خاصة الى الضلال، بسبب انه كما بواسطة حسده من حياة الانسان الجسدية، هكذا لم يتراءى بشبه الانسان لحواء لئلا تحسب هذا النظر خياليا، اذ كانت تذعن بأنه لا انسان انئذ غيرها وغير آدم، كما انه لم يتراءى بصورة مذهلة لئلا تضطرب وتخاف، ولم يتظاهر كما هو، لانه غير منظور، وكون ماقيل للحية انك تمشين على بطنك يشير ذلك الى انه كان لها اربع ارجل لا إثنتان لانها دعيت حيوانا وبهيمة لا طيرا أو حمامة .
اعتراض : يقولون كيف ان الشيطان الذي اضل لم يلعن، وحواء التي اصبحت آلة فقط لاجراء هذا الضلال لفت بدون نطق ولا اراديا، افلا يكون هذا الحكم ظلما صريحا ؟ الجواب : نقول ان حواء لتأديب آل آدم لينظروا كم يكون ضيق الذين يصيرون سببا لذنب الآخرين شديدا وقاسيا، لانه لو لعن الشيطان فلانه غير جسمي، لا يظهر امام آل آدم آلامه وضيقه الذي احتمله في سبيل الذين اخطأهم، ولما استفادت ذريته اية فائدة، او اتَّعظت بتوبيخ من الذين يخطأون ويخطِّئون، ولا يجب الاقرار بعدم لعن الشيطان لعدم ذكر الكتاب عن لعنه، اذ لم يصرح بجميع اسرار واحكام الخالق الخفية معا وسوية، ولكون الكتاب يخبر في هذا المقام عن كل شيء ماديا. لذلك اهمل من ذكر اللعنة الروحية للشيطان الروحاني، ولا يستطيع أن يسمع ابناء ذلك الجيل وكثيرون بعدهم شيئا من نظريات غير المجسمين الروحانية، وضد قولهم ان لعن الحية ظلم لانها لم تضل بحريتها، بل بغيرها صار الاضلال يقول البعض، ان امورا كثيرة يفعلها الله كهذه ولا يُسأل لماذا، فان البهيمة التي يضطجع معها الانسان تُرجم بحسب الناموس، وحيوانات كثيرة وبهائم كثيرة وبهائم وطيور بادت كلها بالطوفان بدون ان تخطئ، وهكذا قطعان ايوب ذهبت ضحية للنار، وكذلك سمح للجئون (الشياطين) ان يخنق قطيع الخنازير في اعماق اليم، وكذلك قل عن الثيران والعصافير والحمام واليمام التي ضحيت لاجل الخطاة بدون ذنب. ويقول الآخرون ان الله لعن الحية ليحزن الشيطان ويخزيه بفشله وشقاء آلته، فان المرنم يحزن بانكسار مزماره والفارس بربط فرسه واعتقالها، والملاّح بتمزيق اشرعة سفينته واثاثها.
الباب الثالث
عن كيفية الحياة في الفردوس وفيه فصلان
الفصل الأول
في انه كيف كانت تكون حالة ذرية آدم لو لم يجتاز الوصية ؟
نقول أن الملافنة القديسين يستطيعون اظهار هذا السبب، فقد قال القديس الثاولوغوس في مقاله على الاحد الجديد ” لو بقينا كما كنا وحفظنا الوصية، لاصبحنا ما لسنا نحن الآن، اذ ندنو من شجرة الحياة بعد شجرة المعرفة، وكيف نكون عندئذ عديمي الموت كليا وقريبين من الله دائماً . وقال مار فيلكسينوس المنبجي “هكذا ايضا مسكن الانسان الأول قبل خطيته، فقد وجد الفردوس الذي قبل فيه الوصية السهلة والبسيطة التي لو حفظها لارتفع من الفردوس الى السماء، ولكنه لاحتقاره اياها ورذله كلام إلهه، لم يحرم من منزل السماء وحسب الذي كان ينتظره وهو مسكن القوات العلوية، بل طرح بالخجل والعار من الفردوس الذي هو المحل الوسطي، فهبط وسكن مع الحيوانات والبهائم في هذه الارض واستعبد للخطية. وقال مار يعقوب السروجي “ان الله خلق آدم لا ليخرج من الفردوس، بل ليتسلط فيه ويكون وارثا له” فنفهم من قوة هذه الكلمات ان آل آدم لو حفظوا الوصية ولم يتناولوا من الثمرة التي منعوا عن الأكل منها، لسمح لهم بعد ذلك ان يأكلوا منها في الوقت المعين وبعد ذلك يستحقون تناول الثمرة من شجرة الحياة وبعدها يؤهلون للتسامي والمثول أمام الله ولوراثة ملكوت السماء . وان كنت أيها السامع محتاجا بعد الى كلام واضح وصريح أكثر من هذا فاسمع، اذا كنت انسانا روحانيا لا جسديا (ماديا ) جدا، لسمح لآل آدم منذ خلقوا في البداية أن يأكلوا من جميع اشجار الفردوس اي الاشتراك بكل الملاذ المحسوسة عدا لذة واحدة محسوسة التي مُنعوا منها زمناً وهي شجرة المعرفة، فاذن لو حفظوا هذه الوصية مع الزمن وبالتدرج، لسمح لهم ان يستعملوا التدرج شيئا فشيئا من الملاذ المحسوسة الى اللذة المعنوية بالمدركات العقلية للموجودات المادية وغير المادية اي الى شجرة الحياة ومنها الى لذة معرفة الطبع الالهي الذي هو الملكوت السماوية حيث يعتلون ويتسامون كما علمنا بذلك مرارا كثيرة .
الفصل الثاني
في كمية المدة التي لبث آل آدم في الفردوس وعندما يرتفعون الى ملكوت السماء ؟
نقول انهما مكثا حتى اثمرا واكثرا كما قيل لهما من الرب “انموا واكثروا واملأوا الارض وتسلطوا عليها ” وعندما يبلغ عدد الناس كبيرا كعدد الشيطان وقواته الذين سقطوا من السماء، حينئذ يبطل تناسلهم ويرتفعون جميعهم إلى الملكوت السماوية، ويؤيد هذا القديس غريغوريوس الثاولوغوس “يجب أن يكمل العالم العلوي” وقال غريغوريوس النوسي في مقاله على تكوين الانسان ” ان غاية الكثرة هي كون الانتقاص من الملائكة اثَّر كثيرا بحيث يربي الانسان وينميها إلى العدد المحدود في فكر الخلق ” ويجب ان نعلم ايضا أن النسل الذي كهذا اي قبل اجتياز الوصية كان مزمعا ان يحدث بدون زواج، وذلك بواسطة السلوك بالقوة الالهية، وبحسب الحكمة المدبرة كل شيء والمخضعة لكل شيء. وقال مار يعقوب السروجي “لقد جبل الله الانسان وخلق العالم لأجله، وعندما جُبِل سكن الفردوس ولم يكن عندئذ لفظة الزواج قط .
اعتراض – يقولون كيف يمكن ان يتولد النسل بدون زواج، وان سلمنا انه ممكن بواسطة القوة الالهية التي تستطيع ان تدع الحجارة تثمر وتولد، ولكن اي حاجة كانت لخلقة الاعضاء الزوجية للذين لم يخلقوا للزواج، والاعضاء كالقضيب الرجولي والخصى، والرحم والحضن للامرأة، أفهل تخلق الحكمة شيئا عبثا او لعلهم كما يقولون ان تلك الاشخاص الأولى بافكارهم واختلاطهم مع بعضهم، علموا لو لم يخلقوا لاجل الزواج لماذا هذه الآت الزوجية التي تشتد حركاتها عندهم لما يغلبون من الشهوة، أو هل يعقل انه لم تكن لهم شهوة، وقد خلقوا بقامة كاملة وبكمال الاعضاء الاصلية وتكوين الحواس الباطنة والظاهرة، والاربعة كياميس الخ ؟ .
الجواب : – نقول أن هذا السؤال بارد وسخيف ولا نستطيع نحن الدنو منه والتعرض له لئلا نسقط من علياء العقل والكتاب المقدس، ولكن ما سمعناه من الملافنة القديسين فقط نبديه عنه، قال القديس غريغوريوس النوسي في مقاله على تكوين الانسان هكذا “اذا حاول الانسان أن يعرف غاية وجود الانفس، فلو لم يحتاج الى مساعدة الزواج، لسألناه سؤالا ضده، كيف يكون قيام الملائكة بربوات غير محدودة؟ وقال مار يعقوب في ميمره على خروج آدم من الفردوس “اي زواج اولد آدم، واي مخاض طرأت عليه فاخرج حواء، هوذا الوف وربوات من الملائكة قائمة امام عرش الرحمن، ولم يولد احد منها بالتناسل، ولا من الميلاد والمخاض والحبل، فاذن كم بالاحرى يقدر أن يخلق اناسا بدون زواج كما خلق الأولين .
الباب الرابع
في تفسير تلك الكلمات التي في التوراة المخبرة عن الفردوس
وفيه تسعة فصول بحسب عدد هذه الكلمات
المقدمة : – ان اليهود وبعض الذين هم بالاسم مسيحيون يفهمون الكتاب المقدس ماديا فقط، ولا يريدون التصديق ان قوة أخرى عقلية مخفية في هذه الكلمات، ولذا يرذلون جميع التفاسير الروحية، اما نحن فنقول ضد اليهود لو وجب الحكم على ظواهر الاقوال فقط، فعن اي اساس قال الرب لحزقيال “ها أني اعطي مطرا يجرف فتسقط صخور الماس وتشق ريح العاصفة ويسقط الاساس” ويقال لكم اين الشك الذي اظهرتمونه ؟ واي فتاة يقول لها الرب هكذا بواسطة حزقيال ” ان اباك أموري وامك حيثية ووالدتك لم تقطع صرتك ولم تغسلك في الماء ولم تملحك بملح” وما يشابهها “وأي نسر عظیم ذو اجنحة كبيرة محتبكة بالريش وكثيفة خوافيه قد اتى الى لبنان” وماهي الغرسة التي نمت على مجاري المياه وصارت جفنة مرتجفة منحنية الساق، واي اسد له اجنحة النسر كما قال دانيال قد تناثرت ريش أجنحته فقام کالانسان على رجليه، واعطي له قلب الانسان، والدب الذي فيه ثلاثة اضلاع والنمر الذي له اربعة اجنحة واربعة رؤوس والوحش الذي له اسنان هائلة حديدية وعشرة قرون فيأكل ويسحق وما يستفيده يسحقه برجليه، ولماذا ايضا غطاء اشعيا المسحي وتعري جسده، ونير واغلال ارميا وامرأة هوشع الزانية، وتشعب شعر حزقيال واضطجاعه على جنبه، ومن هي الامرأة التي تدعى اهلة والأخرى التي تدعى اهليبة . فهذه الاشياء وغيرها لو تأمل بها الانسان ظاهريا لايرى بها اي رأي، ونضيف بالقول ضد هؤلاء المسيحيين الذين يضادون التفاسير الروحية كاليهود فنقول ” ألعلّكم تجسرون ان تهذروا بعدم لياقة تفسير الرب للحية النحاسية التي أشار عنها موسى بنظرية الصليب بقوله ” وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الانسان” والماء الذي وعد به للمحلة ربما تفهمونه ماء عنصريا، وكذلك المقاليد التي سلمها لبطرس ربما تظنونها حديدية، أو تظنون أن الرب هو راعي الخراف غير الناطقة ايضا، وحنطة يوحنا وتبنه ورفشه وشجرته وفأسه كلها ربما تظنونها مادية، وكيف فسر بولس الرسول نساء ابراهيم كلتيهما في كلا العهدين اي ساره وهاجر، وكيف قال الصخرة التي أفاضت ماء للاسرائليين كانت المسيح، فهذه يجب ان يقال قبل تغيرها لقد وفينا الكلام عن الفردوس، فيجب أن ندنو الى تفسيرها، ولان تفسيرها عملي اي مادي واكثر اشراقا وصراحة وغير مبهم، فلا يعسر علينا تفسيرها في هذا المقام، ونقتصر على التفسير الروحاني ههنا فقط .
الفصل الأول
في تفسير الاقوال التي تشير الى خلقة الفردوس
المتن : “وغرس الرب الاله فردوس عدن منذ القديم ووضع هناك آدم الذي جبله واخرج الرب الاله من الارض كل شجرة جميلة للنظر شهية للأكل وشجرة الحياة في وسط الفردوس وشجرة معرفة الخير والشر” .
التفسير : – ان عدن هي الارض المرتبة فيها سبعة اقاليم وهي فائضة ومليئة بالحيوانات المختلفة والنباتات، والمواد الاخرى البهية والجميلة، والفردوس هو آلة هذا الجسد البشري المزين بالاعضاء البهية البسيطة والآلية، فقد قيل منذ القديم ان الله خلق هذا الفردوس، ثم وضع فيه آدم الذي جبله اي النفس الناطقة، لانه وان كانت النفس والجسد متساويين بالهشاشة، ولكن يتبع الجسد سبق الجبلة وثم ارتباط النفس الناطقة، وقد اظهرنا سابقا انه لا يمكن ان تخلق النفس بدون الجسد، والاشجار الشهية للأكل والجميلة للنظر هي الحواس العشر التي نمت في حقل الجسد الفردوس، وشجرة الحياة هي القوة المفكرة والعقلية التي تدرك الجواهر غير الجسمية والكلية التي لا تموت ولا تتلاشى وتبقى حية دائما، ويكون القول أكثر انتساباً ان نمثل شجرة المعرفة بقوة الزواج الشهوية، لانه عندما تفعل ناموسيا من ابناء هذا العالم الذين يرتضون ان يعيشوا عالميا لا روحانيا فذلك خير، وهكذا بزمن بواسطة التناسل يصبح قوام ووجود الانفس الناطقة المخلوقة على صورة الخالق وبها يكمل العالم العلوي، ويتم العدد الملائكي الذي نقص بالسقطة الشريرة. عندما تفعل بدون الناموس والنطق فهي شر ومهلكة الشخص او الذات، وتكون سببا لشرور كثيرة، ويدعى الزواج خاصة وغالبا باسم المعرفة في الكتاب المقدس، فذلك واضح من الكتاب نفسه، اذ جاء في التوراة ” كل امرأة عرفت مضجع الرجل ” وفي الانجيل ” كيف يكون هذا وانا لا اعرف رجلا” ويشهد المرتل داود “ان الخطية ابتدأت في جنسنا بواسطة الزواج اذ يقول ” وبالخطايا حبات بي امي” وهذه هكذا وان لم تحسن لكثيرين من الملافنة، وكون الشجرتان هما في منتصف الفردوس الجسد اي في القلب واضحا من انهما قوتان، القوة العارفة والقوة الحاسة، كما اسلفنا سابقا فايدنا باسهاب أن القلب هو العضو الأول والاساسي، وجميع القوى تخرج الى كل الجسد عنه ومنه .
الفصل الثاني
في النهر العظيم الذي يتشعب الى اربعة انهار ويسقي الفردوس
المتن : – “وكان يخرج النهر من عدن ليسقي الفردوس وكان يتشعب من هناك ويصبح اربعة رؤوس، اسم الواحد فيشون الذي يسيل في كل ارض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الارض خالص وجيد، وهناك ايضا تكثر الحجارة الكريمة والمرجان والياقوت، واسم النهر الثاني جيحون الذي يجري في كل ارض كوش، واسم النهر الثالث دجلة الذي يجري مقابل أثور (نينوى) والنهر الرابع الفرات”
التفسير : – ان النهر الذي يخرج من عدن هو المواد الغذائية والمياه الخارجة من هذه الارض المعدنية، فتغذي وتسقي الفردوس الجسد، ومن هذا الغذاء والماء تتولد وتتكون اربعة انهار أي الرياح اللطيفة المركبة للقوى الرباعية للاعضاء الاساسية الاربعة، ففيشون هو الروح النفسية التي تبتدئ من المخ وتجري في الاعضاء الى الاعضاء الحساسة وتتحرك اراديا، وتحل قوى الحواس والحركة الارادية، ولذلك يتضح ان هذه الحواس دعيت ذهبا خالصا وحجارة كريمة وياقوت وزبرجد وكلها براقة حمراء وخضراء والوان اخرى زاهية وبهية، لاجل صفائها ونقائها، وللكتاب المقدس عادة غالبا ان يدعو المدركات العقلية والاقوال المعلنة لها ذهبا وحجارة كريمة. كقول المرتل داود “لذلك احببت وصاياك أكثر من الذهب ومن الحجارة الكريمة” وكقول الرب “لا تلقوا جواهركم امام الخنازير اي اقوالكم امام الغفَّل” والنهر الثاني جيحون وهو الروح الطبيعية التي تبتدئ من الكبد وتولد الدم وتفيضه على جميع الاراضي الجسدية بواسطة الاوردة. والنهر الثالث دجلة وهو الروح المولدة التي تبتدئ من الخصى وتحمل القوة الشهوية وتمر وتجتاز باعضاء النسل التي هي مجازات ضيقة كمن بغربال. والنهر الرابع الفرات وهو الروح الحيوانية التي تبتدئ من القلب، وتجري في المفاصل معا الى كل الاعضاء لكي تمنحها قوة لتعيش ولا تتلاشى بقدر الامكان وتقتات وتشعر وتتحرك وتثمر. ولذلك دعي فراتا هذا النهر لاجل هذه القوة، لانه شيء مثمر، ولسبب وجود وقوام هذه القوى الثلاث ثلاث أخرى أي عدم الحياة والحس والحركة، وعدم التغذي او امكانية الاثمار، ولهذا دعي الفرات افضل ماسمي جميع الانهار، ومياهه صحية وعذبة، كما أن القوة الحيوانية بالنسبة الى القوة الأخرى، وكون يعقوب يشبهها بالمرارة السوداء والثلاث الأخرى بالكياميس ولكن لم ينسب الثلاث الآخر كثيرا .
الفصل الثالث
في بداية الوجود بالفردوس ووضع الناموس والتهديد، وبداية ازدياد الاشخاص البشرية
المتن : – “واخذ الرب الاله آدم وجعله في الفردوس العدني ليفلحه ويحفظه (يحرسه) وامر الرب آدم قائلا له ” من جميع اشجار الفردوس تأكل اكلا، اما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، ويوم تأكل منها موتا تموت ” وقال الرب الاله ليس حسنا ان يبقى آدم وحده، اصنع له مساعدا نظيره”.
التفسير : – اخذ الرب آدم وتركه في الفردوس اي ان آدم ربط النفس الناطقة بالجسد الانساني الفردس، لكي يدبره ويحرسه بدون ضرر، بواسطة العمل الناطق العقلي، وقد سمح لآدم أن يأكل من جميع اشجار الفردوس عدا واحدة وذلك يشير الى مخاطبة النفس قائلا : انت ايها النفس الناطقة استعملي وتمتعي بجميع اللذائذ المحسوسة والضرورية لحفظ جسدك واتحادك به عدا الشهوة البهيمية غير الضرورية لحفظ مسكنك ومحلك لانك اذا تخبطت في اشتراكها بسببك بواسطتها، فعند ذلك تنفصلين عن الله وتموتين ولا تقدرين ان تعرفيه، لانها تقوم امام باصرتيك كسحابة مضببة فتظلمين، وعندما لا تفكرين بشرفك، تنحدرين من علو مجدك وتستسلمين للحيوان، وتصبحين عبدة لسيدين، واذا لا تبغضين احدهما لا تقدرين أن تحسني للآخر. وقال الرب “ليس حسنا ان يكون آدم وحده” لانه اذا كان قد خلق الانسان ليمتلئ العالم العلوي عوض الذين خسروا وسقطوا من ذلك العالم اي الطغمات الكثيرة الشيطانية التي ظهرت من اولئك، أما لفظة كيف يحسن، اما يستطيع شخص واحد فقط بنفسه البشرية الكاملة ان يملأ محل هؤلاء الكثيرين الغير المحدود، فاصنع له مساعدا نظيره لشريك نوعه وبعدئذ مساعد بل آخرين كثيرين له وان لم تكن نظيره اي حيوانات بكماء .
الفصل الرابع
في خلقة الطبائع الحية غير الناطقة
المتن : – “وجبل الرب الاله في الارض كل حيوانات البرية، وكل طيور السماء وجاء بها الى آدم ليرى ماذا يسميها، وكل ما دعاها آدم فاسمه نفس حية، ودعا آدم بالاسماء لكل البهائم وطيور السماء وحيوان البر .
التفسير : – حيوان البرية هو القوة الغضبية، وطيور السماء هو التفكير بالأمور التخمينية والخيالية التي بواسطتها سواء كان الانسان هادئا ام نائما إما يستطيع الصعود الى السماء والتجوال في الهواء والتطواف في اربع جهات بدون مانع. والبهائم هي القوة المعتنية في التغذية فقط مع تبديد الغضب، وواضح أن النفس الناطقة تدبر هذه كلها وتعرفها وتدعوها باسمائها .
الفصل الخامس
في حالة ازدياد البشر واتباع الكثرة
المتن : – ولم يوجد لآدم مساعد نظيره ” فالقى الرب الاله على آدم سباتا فنام واخذ احد اضلاعه وملأ لحماً محلها، وكوّن الرب الاله من ذلك الضلع الذي اخذه من آدم امرأة، واتى بها الى آدم، فقال آدم هوذا الآن هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي هذه تدعى امرأة لانها من امرئ اخذت، ولذا يترك الرجل اباه وامه ويلحق بامرأته، ويكون كلاهما جسدا واحدا، وكانا عريانين اي آدم وحواء دون خجل “.
التفسير : نقول وان كان للنفس الناطقة مساعدون كثيرون، اي خالقها الازلي الخفي عن العقول، والجواهر الاخرى الملائكة، الا انه لم يكن لها عندئذ مساعد شريك نوعها، لذلك عندما هدئت مدة قصيرة ونامت واستراحت من الهدس بالله واللهج بالالهيات، ذاب جزء من جسدها وتمثل، فهذا الجزء أصبح ضلعا أو نسلا، وهذا ما اطلق عليه الضلع، وكون خالق الكل من هذا الجزء شخصا جسديا آخر، واسكنه بالآخر اي اقنوم النفس لاسيما سكنها فيه، ومن ذاك الجسد الأول كوّن جسدا آخر، وليس هكذا من الاخير لكي يمهد طريقا لتناسل وولادة الواحد من الآخر أي من آدم وحواء، ومنه ومنها آخر وأخرى، ومن ذاك وتلك وهكذا هؤلاء واولئك الخ. هذه اذن تدعى امرأة لانها من امرئ اخذت، وذلك واضح بحسب فصاحة السريان لم يكن اصل لفظة الأخذ صحيحا، ولا ينتج ثمرة كقاعدة للكلام فاي نسبة اذن او مشابهة للفظة الامرأة بالنسبة الى اسم الرجل. فينتج اذن بحسب اللهجة العبرية ان تكون المشابهة بين الذي يعطي والمعطى له. لان الرجل يدعى في العبرية (ايش) والامرأة (ایشو) فاذن بحسب ذلك يصرح القائل هذه تدعى ايشو، لانها من امرئ اخذت، اما لفظة يترك الرجل اباه وامه ويلتصق بامرأته، فالاب والام هما علة وجود الرجل وعندما يوجد اية حاجة تبقى له عليهما ولذا يجب ان يتبع امرأته ضرورة كما ان بحسب ناموس الطبيعة من اجتماع شيئين ينتج شيء واحد غريب يشبههما، ولفظة يكون كلاهما جسدا واحدا، فاذا امكن وجود معلول مادي بواسطة علة خالقة ومقبولة، فالحقيقة يكون كلاهما علة واحدة كاملة اي جسدا واحدا بالنسبة الى وجود المعلول، وكل واحد منهما أي من الرجل والمرأة يصبح جزءاً للعلة وانقسام العلة وليس علة كاملة، ولذا كلاهما جسد واحد، ولفظة كان كلاهما عريانين بدون خجل فذلك لعدم تأثرهما واستعبادهما آنئذ للشهوة المخزية كما يحدث للأطفال والطفلات عندنا .
الفصل السادس
في نوع سبيهم للشهوة
المتن : – “وكانت الحية اخبث من جميع الحيوانات التي خلقها الرب الاله، وقالت الحية للمرأة اصحيح قال الله لا تأكلوا من جميع أشجار الفردوس ؟ فاجابت المرأة للحية كلا نأكل من جميع اثمار الاشجار والتي في الفردوس، اما من ثمار الشجرة التي في وسط الفردوس فقال الله لا تأكلوا منها ولا تدنوا اليها لئلا تموتون، فقالت الحية للمرأة لا تموتون موتا، لان الله يعلم ان اليوم الذي تأكلون منها تنفتح اعينكم وتصيران آلهة تعرفان الخير من الشر، فتأملت المرأة ان الشجرة شهية للأكل وجميلة للنظر وبهية للعيون فاخذت من ثمرها واكلت ثم اعطت لزوجها فأكل”.
التفسير : – الحية هي القوة الشهوية، وهذه القوة اكثر خبثاً من القوة الغضبية، وذلك واضح من ان الذي يتمخض بالغضب بدون تفكير يود الانتقام والذي يضطرم ويكلب بالشهوة يفكر خبثا في كيفية نوال المشتهيات، فكأن كهذا الراي والفكر خطر على بال الامرأة واشار اليها اذا حصلت على ما تشتهين وتحبين، لا فقط لا تموتين مع شريكك، بل تصيران كالله الهة، ويصبح الآخرون مثلكم بعدما يولدون، وعندما تغلَّب عليها كهذا الفكر وحرضها على استعمال تلك الشهوة التي قهرتها، قدمت الى رجلها وهي تتملقه وتتلمسه حتى جعلته يحسن بما عندها كانه الجواهر، فجذبته لاشتهاء ما اشتهته، وتركته يحيا كحيوان وبهيمة، ويجب أن نفهم انها اكلت فأكل واشتهت فاشتهى، وليس انها اشتركت واشترك، لانهما كانا بتولين لا متزوجين كما يقول الملافنة .
الفصل السابع
في نوع خجلهم واحتجاجهم لواضع ناموسهم
المتن : – “وتفتحت اعينهما وعلما انهما عريانان فقطفا من اوراق التين وحاكا لهما مآزر، ثم سمعا صوت الرب الاله يدوي في الفردوس في عصر اليوم، فاختفيا من امام الرب الاله بين اشجار الفردوس، فدعا الرب الاله آدم وقال له آدم این انت، فقال له سمعت صوتك في الفردوس ورأيتني عريانا فاختفيت، فقال له الرب ومن اعلمك انك عريان، العلك اكلت من الشجرة التي أمرتك ان لا تأكل منها فقال آدم الامرأة التي جعلتها معي هي اعطتني من الشجرة فأكلت، وقال الرب للمرأة ماذا فعلت ؟ فاجابت المرأة الحية أطغتني فأكلت “.
التفسير : بعد ان مالا الى الشهوة خجلا بدون ان يشعرا بألمهما وبدون نطقهما، ولكي ينفصلا من غير الناطقين بسلوك عقلي وجدا لهذه الاعضاء الذي هي الآت فرصة لتكميل ونوال رغبتهما لاسيما محاولتهما الاختفاء بواسطة الاوراق وغيرها، فعادا الى ذاتهما وسمعا التهديدات الالهية على بقية الفردوس اي رجعا الى شهوات الجسد لعلهما يختفيان بينها ويتحدثان معها فينسيان الشهوة البهيمية، ولما لم تتبدد منه الشهوة حينئذ اشتدت فيهما النظرية الالهية التي دعت الانسان بصورة سؤال این انت. اذ ليس ذلك لعدم معرفتها اين هو، بل لكي توقظه ليعرف ذاته واين هو وانه مصاب بهذا الداء فاجاب ما اجاب لا ليخبر اين هو او ليُعلم الذي لم يخف عنه شيء، بل اعترف بفشله وعريه، حينئذ كشف الرب بوضوح العلة سبب ذنبه، اذ وضع على قهره من الشهوة على ضعف وانحلال زوجته، حينئذ دبَّت القوة الشهوة الاشد من جميع القوى الحيوانية خبثا وخداعا فيها فجذبها واضلتها، وذلك اخذت تحتج .
الفصل الثامن
في نوع العقاب الذي قبلاه من الخالق
المتن : -“فقال الرب للحية لانك فعلت هذا فملعونة من جميع البهائم على بطنك تدبين وترابا كل ايام حياتك تأكلين، واضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يدوس رأسك وانت تلدغين عقبه، وقال للمرأة تكثيرا أكثر أوجاعك ومخاضك، بالشدائد تلدين البنين والى زوجك ترجعين وهو يتسلط عليك، وقال لآدم لانك سمعت كلام امرأتك واكلت من الشجرة التي أمرتك أن لا تأكل منها فملعونة الأرض بسببك، بالاوجاع تأكلها كل ايام حياتك، وتنبت لك شوكا وحسكا، وتأكل عشب الحقل وخبزك بعرق جبينك حتى ترجع الى الارض التي اخذت منها لانك تراب والى التراب تعود.”
-التفسير : يقول الرب أي أن هذه هي مدبرة للحكمة الالهية للقوة الشهوية فهي أكثر من جميع القوى البهيمية والحيوانية تستحق الخزي بواسطة اللعنة، ولذا يستعمل الانسان في كل الشهوات بدون خجل، أي في الاكل والشرب والشم والسمع، واذا منح القوة الشهوية خاصتها يسقط بخجل عظيم شرعيا وبدون دالة، وبحكم النية والذنب الجسيم، ولذا فانها تدب على بطنها وتطرق الى الاسفل بنظرها، ولا تستطيع التأمل الى الاعلى، لان فاعل الشيء السيء يرى حقيرا، ويتضح أن هذا الخجل مغروس في الانثى اشد اذ تُحقِّرها الشهوة كعدوة. اما لفظة نسل الامرأة اي الانسان عندما يحاول سحق رأس الشهوة والقضاء عليها بالموت، فهي تحاول لدغه من اسفل الارجل والكعب بواسطة الحركات، وانت ايها المرأة طالما ظهرت ضعيفة جدا وتهت وراء شهوتك فاللذة التي سبتك تكون لك علة للآلام والشدائد والاحزان، وتجعلك تلدين بالشدائد وتكونين ناقصة محتاجة الى بعل، وعندما تكملين حاجته تستعبدين له، ولا تكون لك اي حرية على ذاتك، وانت ايها الرجل الذي لم تفطن جيدا ونسيت الوصية سمعت الضعيفة لضعفك، فترافقت معها واشتركت وسمعت كلامها وصدقت، فيفرغ محل تصرفك وحياتك من الراحة، وبالبكاء تستطيع قطف ضرورياتك بالتعب والشقاء. والشهوات التي فكرت ان تعمل حسنا با كمالها هي تكون لك سببا لا فقط عدم صيرورتك حسنا وحسب، بل لا تصير قط، اذ تختفي وتخمد بكيفيتها وكميتها حرارتك الطبيعية وتبدد وتحيل وتلاشي رطوبتك المغروسة، وهكذا ترجعك الى تربتك الأولى الطبيعية وتوصلك الى الفساد.
الفصل التاسع
في العناية الالهية المدبرة، ومن بعد ما منحتهم المساعدة بعد العقاب
المتن : – “ودعا آدم اسم امراته حواء لانها صارت اما لكل حي وعمل الرب الاله لآدم وامرأته قمصانا جلدية والبسهما، وقال الرب الاله هوذا آدم قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر، فالآن لعله يبسط يده ويتناول من شجرة الحياة، وياكل فيحيا الى الابد، وطرده الرب الاله من فردوس عدن ليفلح الأرض التي أخذ منها، واقام في شرق فردوس عدن كاروبا، والحربة النارية بيده ليحفظ شجرة الحياة”.
التفسير : – لقد كُنِّيت الامرأة بهذا الاسم خاصة، لانها والدة الحي، ولان الرجل يلد نسلا حيا بالقوة فقط وميتا بالفعل، لانها تجلب الى الوجود الجنين الحي بالفعل كاملا، ولفظة القمصان الجلدية التي كساهم الله له المجد بها، فذلك عندما خطر في بالهم كهذا الخاطر اي ان يكسوا عورتهما، اذ لم يكتف لهم بعد العري ولم تكف المآزر الورقية ان تسترهما، فنسجت لهما اقمصة من جلود الحيوانات وهذه القمصان هي كما قال مار أثناسيوس في مقاله على الصليب وكذلك القديس مار افرام اكثر مناسبة للظن فيها خير من اوراق الشجر او من اللحم الكثيف والقاسي الذي قال عنه القديس غريغوريوس النزينزي وافضل من شهوة الجسد والزواج الذي من كلا الرجل والامرأة ومن الطهارة والقوت والمرض والغضب والموت، كما قال القديس غريغوريوس النوسي الذي سلم معه ايضا مار فيلكسينوس المنبجي، وبعد هذه قال الله الوحداني الطبيعة بالنسبة الى ثلاثية اقانيمه بالكثرة. “هوذا آدم قد صار واحد منا،” أي قد عرف حقا ما عرفناه نحن، وكيف يحتم حفظ الوصية، وماهي الشرور التي يجرها ويجلبها اجتياز الشريعة. ولذا فاشتهاؤه للذة المحسوسة التي سبي فيها لعله يحاول الاشتهاء والتلذذ المعنوي في النظريات المذكورة التي لا يمكن أن تمحو بعضها، وهذه المدركات كما صرح هو الحق سبحانه “لا يستطيع عبد ان يخدم سيدين الخ”. ولذا يجب ان يصبح منفيا من ديار الفردوس. لأنه لو تدبر كما يجب لاستحق الاكل من شجرة المعرفة في اوانها، ولما وقع تحت طائلة اللوم لو استعمل ذلك شرعيا، كما انه لم يُحرم من شجرة الحياة، وهكذا أخرجه الله ليس من الجسد الفردوس بل من سلوك الجسد الأول الذي يستحق الدعوة الى الفردوس اصالة، لاسيما قد اخرج ذاته بذاته، واختار التعاسة والشقاء في هذه الارض، هكذا لُعِنت الجهة التي اشرقت منها له معرفة الموجودات، وبواسطة البراهين التي فيها المشابهة الكبرى عن كثرة اعين الكاروب حافظا الفردوس، فبالكاد يمكن ادراك شيء من المعارف الاصلية، اذ غالبا تشبه الآخرين الشبيهين في حرابهم، فيضرب اما بالحربة أو بالقاء الريح العاصفة، كل من يحاول التقرب بعقله من الامور العقلية حتى مجيئ ذلك الذي فتح ومهَّد طريق شجرة الحياة الحقيقية كما صرح فمه الاقدس وقال “وهذه هي الحياة الحقيقية ان يعرفوك الخ” . ولعل طريق الشجرة الذي بخيره ترك الشر بقدر ما استطاع .