Table of Contents
الركن الخامس
في معرفة الجواهر السماوية وهي الملائكة
على اختلاف طغماتهم
وفيه خمسة أبواب
الباب الأول
في مساواة الملائكة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في تأييد وجودهم
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن كل شيء ليس وجوده غير ممكن، إما أن يكون ضروري الوجود بذاته، وهو الله جل شأنه، أو ممكن الوجود بذاته، وهذا إما جسم أو حال بجسم، والأول يعرف كل إنسان ضرورة وجوده، وكذلك الثاني الذي هو عرض، وأما الثالث فهو مقيد مع الجسم الآلي ومتحد معه باتحاد طبيعي واقنومي، وهو النفس الناطقة، أو ليس كذلك، وهذا إما أن يكون صالحاً ويُدعى الملاك، أو طالحاً ويُدعى إبليس، ولما لم يوجد قط في كل من هذه الأقسام شيء، فليس من المستحيل وجوده.
البرهان الثاني: – نقول إن كل شيء إما صالح بكليته وإما طالح بكليته، أو أن يغلب خيره لشره، أو شره لخيره، أو يتساوى فيه الخير والشر، والأول هو الله جل شأنه، والثاني غير ممكن وجوده، لأنه لما كان الله هو الخالق وحده، فهو الصالح الكامل. وليس من الممكن أن يخلق الخليقة وشرها كلي، وأما الثالث فهم الملائكة والرابع الشياطين (الأبالسة) والخامس هم البشر، وإذا وجد الإنسان معادلاً خيره لشره، فيجب أن يوجد الملاك الذي يغلب فيه الخير للشر من الصالح، ولا يمكن أن ينفى الصلاح من الصالح، لأن ذلك محال.
البرهان الثالث: – نقول إن الإنسان مركب من طبيعتين غير جسمية وجسمية، ونجد طبائع كثيرة تنتسب لطبيعته الجسمية، الحيوانية والنباتية والعناصر، فيجب إذن أن تنتسب إلى طبيعته غير الجسمية طبائع أخرى وهم الملائكة.
البرهان الرابع: إننا نجد بعض هؤلاء الأحياء معدمين كلياً من معرفة التمييز بين الحق والكذب كالحيوانات التي ليست كلها ناطقة، ولكن نجد بعضها تستطيع أن تدرك بتعقل هذا التمييز وهم البشر، فإذن يجب أن تكون هناك خليقة أخرى تدرك هذا التمييز بدون التفكير وهؤلاء هم الملائكة، لانهم يجب أن يكونوا ضرورة في منصف الحدين، ولما كان الإنسان وسيطاً ويشغل أحد الحدين وهو كونه من الحيوانات الناطقة، فمن الضرورة يجب أن يكون حد آخر افضل منه وهم الملائكة الناطقين في كل شيء، لانهم ضد الحيوانات غير الناطقة التي لا تشترك معهم بالنطق قط وهي مرذوله منهم.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة “السلم التي رآها يعقوب وملائكة الله يصعدون وينزلون منها”، وأيضاً ” واحتاطت جماعة ملائكة الرب بيعقوب”، وأيضاً ” وتراءت الملائكة لهاجر وإبراهيم ولوط بأشباه بشرية”.
البرهان الثاني: – أيوب “مثلث الملائكة أمام الرب” وأيضاً ” ويلقي عجباً في ملائكته”، وأيضاً “وإلى ممن تلتفت من الملائكة” وأيضا “عندما خلق معا كواكب الفجر، رتل جميع بني الملائكة”.
البرهان الثالث: – المزامير ” نقَّصته قليلاً عن الملائكة”، وأيضاً “لأنه يوصي ملائكته بك”، وأيضا ” اسجدي أمامه يا جميع ملائكته”، وأيضاً ” عمل ملائكته أرواحاً وخدامه لهيب نار”، وأيضاً ” سبحوه يا جميع ملائكته وعظميه يا جميع قواته”، وأيضاً “ركب على الكروبيم وارتفع”، وأيضاً ” أيها الجالس على الكروبيم اظهر”، وأيضاً “ويجلس على الكروبيم فتضطرب الأرض”.
البرهان الرابع: – سفر الملوك” وبسط الملاك يده على أورشليم لإهلاكها”، وأيضاً ” الملاك الذي قتل مئة وخمسة وثمانين من جماعة الأشوريين”.
البرهان الخامس: – دانيال” وملاك الندى هبط مع الأطفال في الآتون”، وأيضاً ” الملاك الذي قال اقلعوا الشجرة”، وأيضاً “وأرسل الله ملاكه”.
البرهان السادس: – الإنجيل ” الملاك الذي تراءى لزكريا ومريم ويوسف والرعاة” وأيضاً ” ومن الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون” وآيات كثيرة غيرها.
البرهان السابع: – الابركسيس “ووجد رجلان قائمين أمامهم بثياب بيض” ، وأيضا “تكلم ملاك الرب مع فيلبس قائلاً له” وآيات غيرها.
البرهان الثامن: - بولس “لا موت ولا حياة ولا ملائكة”، وأيضاً “تصبحون هزءاً للعالم والملائكة والناس”، وأيضاً “ولم يأخذ من الملائكة” وغيرها تشبهها.
الفصل الثاني
في رأي الناكرين وجود الملائكة
وفي مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: – يقولون إن الله له المجد ليس جسماً ولا عرضاَ، ولا جوهراً متحداً بالأجسام كالنفس الناطقة، فلو كان هناك شيء آخر يشارك خواص طبيعته أي الملائكة، لوجد الخالق مشاركاً غيره بطبيعته وهذا المحال. لأنه يجب عندئذ أما إن يكون الخالق ممكناً كالملاك، أو الملاك واجب الوجود كالله. وهذا مستحيل.
الاعتراض الثاني: – يقولون إن الجسم وأعراضه يدركها الحس ضرورة، والله له المجد قد أدركه العقل، بسبب احتياج الجسم وأعراضه إلى مكوِّن، وهكذا النفس الناطقة، أدركها العقل بسبب احتياج هذه الآلة البشرية في إدراكاته العقلية، فالملائكة لما كانوا غير معقلين ولا متحدين بشيء من الأجسام كالنفس ولا بالأجسام ولا الأعراض ولا من الحس، وكل من لا يشهد بوجوده العقل أو الحواس فليس موجوداً.
الاعتراض الثالث: – يقولون إن كثيرين من الملافنة سلموا بأن الملائكة يسبقون في الوجود السماء والأرض وسائر الكائنات الجسمية، فيفهم من ذلك أنهم لم يخلقوا بزمن، لأن الزمن هو مقياس الحركة السماوية، ولما لم تكن هناك سماء أو حركة ممكنة الوجود، كذلك الزمن لم يوجد، والحال لو كان الملائكة موجودين، لما تميزوا عن الخالق لا بالزمن ولا بالمكان ولا ولا بالوجود ولا بالعدم ولا بالجسمية، لأن الله أيضاً ليس جسماً، ومن هنا يجب إما أن تكون لله له المجد طبيعة ملائكية، أو للملائكة طبيعة إلهية، وكلا الافتراضين باطلان، ولما كان فهم وجود الملائكة يؤدي إلى كهذه المستحيلات، فليسوا موجودين.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول: – إن عدم كون الملاك جسماً أو عرضاً أو جوهراً متحداً بجسم هو خواص سلبية، ولا يجب من اشتراك شيئين بخاصة النفي أو بخواص أخرى سلبية، اشتراكهما بالطبيعة أيضاً أو بخواص طبيعية، وإلا لوجب أن اللون الأبيض والأسود، ليس خليط كل منهما لوناً أحمر، فنقول اللون الأحمر الأبيض الأسود، ولا الأحمر الأسود الأبيض، وهكذا الله له المجد، أما الملائكة وإن كانوا مشتركين بغير الجسمية والعرضية وبدون الاتحاد مع الجسد، لئلا يكون كل منهم ذلك الآخر ضرورة، فإذا حدث أن اشترك شيئان بخواص إيجابية، فلا يجب أن يكون الإنسان حصاناً ولا الحصان بشراً. ولهذا لا تتولد من قضيتين (مقدمتين) موجبتين نتيجة سالبة في الشكل الثاني.
الجواب على الاعتراض الثاني: – إن إدراك العقل للمعقولات ليس بطريقة واحدة، لكي بها ذاتها نجزم على الشيء الذي لا يدرك إنه غير موجود، ولذا نقول وإن لم يدرك الملاك بخاصة الاتحاد بالجسم، ولكنه مدرك بخواص أخرى عدا تلك، أي في البراهين الأربعة التي أيدنا بها وجود الملائكة، وبالبراهين الأخرى التي لم نذكرها.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول إن هذا الاعتراض له نفس قوة الاعتراض الأول، فنقول لهم لماذا ادعيتم أن الخالق والملائكة لا يجب أن يتميزوا عن بعضهم، لا بالزمان أو بالمكان ولا بالوجود أو العدم ولا بالجسمية أو بدونها، ولماذا لم يتميز الخالق بوجوده الضروري من الملاك الممكن الوجود؟.
الفصل الثالث
في أن الفلاسفة الخارجين يثبتون وجود الملائكة
بمثل هذه البراهين
حيث يدعونها في كتابهم بالعقول
البرهان الأول: – يقولون واحد هو الخالق المسجود له، إن يكون معلوله واحداً. وهذا (المعلول) إما جوهر أو عرض، ولا يجب أن يكون عرضاً ولا توجد جواهر تحتاج في وجودها إلى عرض عندما يكون العرض يحتاج في قوامه إلى الجوهر، وذلك محال. فينتج إن الجوهر هو معلوله. ولأن للجوهر خمسة أنواع: الجسم والمادة والنوع والنفس الناطقة والعقل المميز، أي الملاك. ولا يمكن أن يكون الجسم معلول الخالق. لأنه مركب من العقل والنوع. فيوجد إذن الخالق علة المعلولين معا، وذلك مستحيل. ولا يمكن أن تكون المادة معلولة، وإلا لوجدت المادة القابلة بالطبيعة. خالقة بالطبيعة لسائر الجواهر، وهذا أيضاً مستحيل. ولا يمكن أن يكون النوع معلوله، لأن النوع لا يستطيع أن يوجد بدون مادة، ولا يمكن أن تكون النفس الناطقة معلولته ،لئلا توجد جميع الأجسام معلولة للنفس ومن هنا لا يجب أن تحتاج النفس على الاتحاد بالجسد، لأن المعلول يحتاج إلى العلة لا العلة إلى معلول، ولو لم تحتاج إليه لما اتحدت معه فينتج إذن أن العقل المميز الذي هو الملاك. هو ذاته المعلول الأول للعلة الأولى، ومن هنا يجب ضرورة أن يكون موجوداً. كان إن علته الله له المجد موجود.
البرهان الثاني : – يقولون ليس للحركات (الأفلاك) السماوية بداية أو نهاية، فهي ليست محدودة، ولذا لا يمكن أن تكون علتها قوة جسمية، لأن كل قوة جسمية محدودة بحدود الجسم، ولا يمكن أن يكون المحدود علة لغير المحدود، ولا يمكن أيضاً أن يكون الله له المجد علة لهذه الأفلاك، وإلا لوجدت العلة لأكثر من معلول واحد وهذا محال. فينتج إذن أن علة حركة كل من الأفلاك هي العقل المميز الذي فيه قوة غير محدودة، أي الملاك المميّز ( المدرك)
البرهان الثالث : – يقولون لا يمكن أن تكون جسمية (مادية ) الجسم علة للأنفس الناطقة، والا لكان كل جسم معلولا للنفس، ولا يمكن أن يكون الجسم علة، لأن العرض لا يستطيع الوجود في الجسم ولو كان العرض مع الجسم علة للنفس، لوجد الجسم علة للنفس الأمر الذي زيفناه سابقا، فينتج إذن انه لا الجسم ولا العرض علة النفس، ولا يمكن أن يكون الخالق علة الأنفس الناطقة، والا لوجدت العلة لأكثر من معلول واحد، وبالتالي إنَّ العقل المدرك هو علة الأنفس الناطقة، الذي هو الملاك.
البرهان الرابع : – يقولون إن جميع المعارف التي للنفوس الناطقة، يجب ضرورة أن تكون لها علل ولا يمكن أن تكون الأعراض عللها ولا الأجسام، لأنها غير مدركة، لأنها أعراض وأجسام، فينتح إذن أن الجواهر غير الجسمية هي منيرة الأنفس الناطقة، لأنها مجردة في كل شيء عن قيود ظلمة الأجسام المادية، وهذه الجواهر هي العقول المدركة ( المميزة ) التي هي الملائكة.
البرهان الخامس:– يقولون إن الأجسام مركبة من المادة والأعراض، فمن الضروري أن يكون الثالث الذي يربط كليهما مع بعضهما شيئا آخر، وهذا الثالث لا يمكن أن يكون جسميا ولا عرضا، وإلا لوجد الجسم أو العرض محتاجا لذاته وهذا محال. ولا يمكن أن يكون الخالق هو الرابط الثالث، والا توجد له معلومات كثيرة وذلك محال أيضا، فينتج إذن إن العقل المدرك هو ذلك الرابط، أي الملاك.
البرهان السادس: – يقولون إن علة وجود الأفلاك، إما الجسم أو غيره.، والحال لا يمكن أن يكون الجسم، لئلا يجب عندئذ أن يكون الماسك على الممسوك، أو الممسوك علة الماسك، والافتراض الأول غير صحيح، لأن الماسك يوجد سابقاً لوجود الممسوك، ووجود الممسوك مع التجرد (العدم) الفراغ. فإذا وجد الماسك بدون ممسوك، وجد الفراغ ضرورة، ولما كان وجود الفراغ غير ممكن، وجب ضرورة أن لا يكون الماسك علة الممسوك قط. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لأن الماسك يكون اسمى وأفضل بكثير من الممسوك داخله، ولذا لا يمكن أن يكون معلولاً للوضيع والحقير. وبالتالي ينتج أن علة الأفلاك هي الجوهر غير الجسمي، ولا يمكن أن يكون الله علتها، لسبب كثرة المعلولات غير التي لا يمكن وجودها، ولا يوجد إلا العقول المدركة التي هي الملائكة.
البرهان السابع: – يقولون إن الحركة السماوية إرادية، ولهذا يجب أن يصير بحسب طلب الكمال الرئيسي، لأن الذي لا يكون كما لا حقيقياً (أصلياً) بل مجازياً ووهمياً، لا يثبت طلبه إلى الأبد، بل يزول بالتجربة. فإذن طلب الكمال الأصلي هذا، إما يحدث من الأجسام أو ليس منها. والافتراض الأول غير صحيح، لأن الجسم عنصري ويحتاج في تكميله إلى السماويين. وإذا كان سماوياً، كيف يحتاج إلى ذاته للتكميل. فيجب أن يتحرك كل السماويين إلى جهة واحدة عندما يريدون التشبه ببعضهم بالكمال. فينتج إذن. إن كل فلك يريد الحصول على الكمال من الجوهر المجرد وغير الجسمي الذي هو العقل. أي أن يستمد شيئاً جديداً بواسطة كل حركة جديدة, وإن المنحة الشعاعية تشرق على ذات الفلك من العقل المميز (المدرك) الكامل بكل شيء. كما تجري خاصتنا فينا، فيتولد من حركة الحرارة والصفاء، الهواء علة وجود توهج الأشعة الشمسية، وذلك واضح لولا أن العقل أي الملاك. لما تحرك الفلك العقل بتواصل.
إيضاح كنسي: – أما نحن أبناء البيعة المقدسة، لم نتأكد وجود الملائكة بهذه البراهين الموجودة في هذه القضايا غير المقبولة لدينا، بل بواسطة البراهين التي ذكرناها في أول الباب، وشهادات الرجال الكاملين والقديسين الذين صاروا معاينين للمراتب العلوية. فنحن لا نعتقد أن الله خالق الجميع علة لمعلول واحد فقط. بل لجميع الموجودات، ولا نقر بأن السماوات خلقت وتتحرك لأجل ذاتها. بل لجمال نظام هذا العالم، ولا تحيا وتتكلم لتكون لها هذه الحركة إرادة. بل كما إن للعناصر التي فينا حركة مستقيمة بالطبيعة كذلك وللسماء حركات دائرية بالطبيعة. وكلاهما تحت الإشارة الخالقة.
الباب الثاني
في عدد الطغمات الملائكية وإنارتها
واستنارتها وأسمائها
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في حديث طغماتهم بحسب التقليد الكنيسي
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في كيفية ترتيب هذه الطغمات
يعرف علم اللاهوت ثلاث بيع سماوية، وفي كل بيعة ثلاث طغمات أي رتب، وهكذا تضاعف الثلاث ثلاث مرات، فتصبح تسع. واحيانا يعد ديونيسيوس الجلاّس هي الطغمة الأولى للبيعة الأولى والعليا. مسترشدا بإشارة حزقيال القائل: “المجلس الأول الذي تراءى عليه الرب” وأحيانا يضع السرافيم إذ يتخذ هذا التقليد من إشعياء القائل: ” والسرافيم القديسين يترآون قائمين حول الله” ويسلم بهذا الرأي الثاني معظم الملافنة. أما نحن فنقول، ليس من المستبعد الظن في أن حزقيال دعا السرافيم جلاساً، بصفة أن عليها يجلس رب الكل، وفيهم تكمل إرادته، ولم يأل جهداً بقوله يجلس على الكروبيم أيضاً، على حسب نص قول المرتل الإلهي داود عندما تأمل في هذا القصد ” أيها الجالس على الكروبيم تجلَّ” ومن هنا يتضح بحسب التقليدين، إن السرافيم في الرتبة الأولى، ثم الكروبيم ثم الجلاس، والطغمة الأولى للبيعة الوسطى الرابعة بين المراتب عندما تذكر من الأعلى ثاني طغمات السيادات، والطغمة الوسطية للبيعة الوسطى الخامسة بين المراتب هي طغمة القوات، والطغمة الأخيرة للبيعة الوسطى السادسة بين المراتب هي طغمة السلاطين، والطغمة الأولى للبيعة السفلى السابعة بين المراتب هي الرياسات، والطغمة الوسطى للبيعة السفلى الثامنة بين المراتب هي طغمة رؤساء الملائكة، والطغمة الأخيرة التاسعة بين المراتب هي طغمة الملائكة. هكذا يعبَّر اللاهوت عن ترتيب الطغمات السماوية وموضوعة في كتاب مار ديونيسيوس بشكل آخر، الرتبة الأولى والعليا السرافيم، الثانية الكروبيم، الثالثة الجلاس، الرابعة السيادات، الخامسة القوات، السادسة السلاطين، السابعة الرياسات، الثامنة رؤساء الملائكة، التاسعة الملائكة.
المقصد الثاني
في أنه كيف شبهت البيع الثلاث السماوية ببيعتنا
الرابعة في العهد القديم
وهكذا رمز موسى الكليم الإلهي بالأحجار الكريمة التي رصَّع بها صدرة القضاء أي الرداء وضع في الصف الأول عقيقاً احمر وياقوتاً أصفر وزمرداً. وفي الصف الثاني، بهرمانا وياقوتاً أزرق وعقيقاً ابيض، وفي الصف الثالث عين الهرويشم وجمشت، وفي الصف الرابع زبرجدا وجزعا ويشب فقد رمز بهذه إلى بيعتنا الرابعة التي فيها رؤساء الكهنة والكهنة والشمامسة، وهكذا يحد عدد أجواق الروحانيين أي أنواعهم بعدد معروف ومحدود، أما عدد ذواتهم فلا يعرفه إلا الله وحده، أما تصريح دانيال النبي في سفره بكونهم الوفا مؤلفة وربوات، فذلك يشير إلى كثرتهم الهائلة التي تشير إلى وفرتهم غير المحدودة لا إلى عددهم المحدود.
الفصل الثاني
في تسمية السماويين
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
من أين أسماؤهم هذه؟
نقول إن اسم السرافيم يشير في اللغة العبرية إلى الحرارة والاتقاد. ودعيت هذه الطغمة بهذه الكناية لسببين:
الأول – لدوام تحركهم في الأمور (الخدم) الإلهية بواسطة تقربهم وانتسابهم.
الثاني – لجذبهم للذين أدنى منهم، لكي بواسطتهم يرتفعوا إلى تلك الدرجات الإلهية.
وكلا هذين النوعين خاصتان بالحرارة، أي الحركة والجاذبية، أما الكروبيم فهي لفظة عبرية أيضاً، وتفيد غزارة المعرفة وسكب الحكمة وكأن فيهم تكمل إرادة الألوهية. كقوله وخدامه العاملون إرادته واسم السيادات مأخوذ من السمو غير المستعبد، والمجرد عن كل تواطؤ. واسم القوات مستمد من الجبروت المماثل بالله. واسم السلاطين مأخوذ من حسن انتظامهم لاقتبال الأشعة الإلهية، وعدم تصرفهم بقساوة وغشم مع الانزلين منهم. لأن الظالم (القاسي) يدعى سلطاناً بالمجاز لا أصالة، وكنية الرئاسات مأخوذة من أنهم يلتفتون كلياً إلى الرئاسة السامية عن كل رئاسة، ويقودون الأخرين إلى رئاسة الكهنوت، ويتشبهون بها قدر إمكانهم، واسم رؤساء الملائكة مأخوذ من رئاسة الكهنوت، فكما إن اسم الرئاسات هو رئيس رؤساء الملائكة، وطغمة رؤساء الملائكة رئيسة الملائكة، وكنية الملائكة مستفادة من كلمة الإرسال والأمر والخدمة بحسب رأي فلاسفة اليهود.
المقصد الثاني
من أين وصلنا هذا التقليد عن أسمائهم؟
نقول لقد وصلتنا بعض هذه الأسماء من بعض المعلمين الإلهيين كالأنبياء والرسل الذين عرفوا في البيعة المقدسة، كيشوع بن نون، إذ دعا الذين رآهم رؤساء قوات، وكنَّاهم داود ملائكة وشمامسة، وسماهم إشعياء سرافيم، وحزقيال دعاهم كروبيم وجلاَّس، ودانيال سلاطين، وبولس الرسول جلاساً وسادات ورتب وسلاطين وقوات.
المقصد الثالث
في أنه كيف تدعى جميع الطغمات باسم عام ملائكة
طالما هم طغمة واحدة من تسع طغمات
لقد دعا الكتاب المقدس غالباً جميع الطغمات عامة ملائكة كقوله: “باركوا الرب يا جميع ملائكته” وأيضاً “صنع ملائكته أرواحاً” وهذا ليس بنوع مجازي، بل لأن الملائكة مرتبون بالطغمة السفلى، فلهم كل ما في الطبيعة، والأعلى لهم ما للذين في الأسفل ولا يعكس. لان العلويين اكثر كمالا من السفليين، فالعلويين لا يلامون إذا سموا بأسماء السفليين، بل من العذل على السفليين أن يسموا بأسماء العلويين، ولا يحوزون ما يحوزه أولئك، ويمكن الأخذ بما قيل عن التشابه والرمز عن بيعتنا السفلية، إن رئيس الكهنة عندما باستطاعته أن يكمل جميع أعمال القسوس والشمامسة. ليس من المحال أن يسمى قسيساً أو شماساً، ولكن من الكذب الفاضح أن يدعى الشماس أو القس رئيس كهنة. فبطرس الرسول هامة الرسل أي رئيس رؤساء الكهنة وبطريرك، دعا نفسه قسيساً بقوله: “اطلب من الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ (القسيس) رفيقهم”. وبولس الرسول الذي كان رسول الأمم ورئيس كهنة، سمى نفسه شماساً بقوله إذا “كانوا خدام المسيح، فأنا افضل منهم”.
اعتراض: – يقولون جزما، لا يجب أن يسمى السلاطين والرياسات ورؤساء الملائكة والملائكة الأدنون من القوات قوات، أما إنهم دعوا كذلك فواضح مما قيل من الرب أنهم قوت “قوات السماء تتزعزع” وكيف دعي الكاهن الأرضي الذي دون الملاك ملاكاً. كما قال ملاخي النبي ” إن ملاك الرب ضابط كل شيء”؟.
الجواب: – نقول لقد دعيت جميع الطغمات الروحانية قوات، لأنه لا توجد ولا طغمة واحدة بينهم ليس لها قوة فاعلة بالنسبة إلى مقدرتها، ودعي الكاهن الأرضي ملاكاً لسبب تشبهه بالملائكة، لأنه مثلهم يسترشد (يستنار) وينبه ويكمل (يرسم) من الذي فوقه، وإذا كانت للإنسان مقدرة للتشبه بالله بتساوي الاسم، كقولنا اله الإلهة، واله فرعون، فليس من الشيء العظيم أن يساوي التشبه بالملائكة التسمي بأسمائهم.
الفصل الثالث
في إشاراتهم إلى بعضهم
وفيه أربع مقاصد
المقصد الأول
في أن كل طغمة تشير إلى الطغمة التي تحتها
يجب أن نعلم أن طغمة السرافيم العلوية تسطع فوقها الأشعة والإشراقات والمكاشفات الإلهية أولاً، من بدء (رأس) الألوهية، بدون واسطة كبقية الطغمات، ولا بالرموز المنيرة كما تشرق علينا، ويستنير الكروبيم من السرافيم، والجلاس من الكروبيم، والسيادات من الجلاّس. والقوات من السيادات، والسلاطين من القوات، والرياسات من السلاطين، ورؤساء الملائكة من الرياسات، والملائكة من رؤساء الملائكة، والمستحقون من البشر كالأنبياء والرسل والكاملين من الملائكة، وهكذا بالنسبة إلى كثرة المتوسطين وقلتهم ترتفع درجة المرتشدين وتنخفض، لأن كل موهبة صالحة وكل عطية كاملة تهبط من العلى من أبي الأنوار على السرافيم بدون واسطة، وبواسطتهم على الكروبيم، وهكذا رويداً رويداً حتى تبلغ العطية إلى السفليين، أما العلويين فعندما يسترشدون (يهتدون) من الله يرشدون السفليين، وذلك واضح من نبوة داود عن صعود ربنا إلى السماء بقوله: “ارفعن أيتها الأبواب رؤوسكن كمن تأمر البيعة الوسطى للسفلى، وهذه الأخيرة تسأل بدورها، من هو هذا ملك المجد ” فتشير إليها الأولى (الوسطى)” “هو الرب القوي الجبار” ثم عندما وصل إلى الوسطى أمرتها العليا قائلة “ارفعن أيتها الأبواب رؤوسكن ليدخل ملك المجد” وهي تجيب كأنها تسأل ثانية العليا ” من هو هذا ملك المجد” فتشير إليها تلك (العليا) هو الملك الممجد، وعندما وصل إلى البيعة العليا، تّشار من الألوهية رأساً بدون واسطة. عندما تسأل كقول إشعياء النبي “ومن هو هذا الآتي من آدم وثيابه محمرة من الخز، فيجيب الرب: أنا هو الرب المتكلم بالبر والحكم والخلاص”.
المقصد الثاني
في أنه طالما يّستشار الملائكة من بعضهم،
فبواسطتهم تصل إلينا الإشارة
إن استشارة الملائكة لبعضهم تصل إلينا بواسطتهم واضحة من أربعة براهين كتابية:
البرهان الأول: – من زكريا القائل “وخرج الملاك الذي تكلم فيَّ، وجاء ملاك آخر لاستقباله، وقال له، اسرع وقل لذلك الغلام إن أورشليم ستسكن الضياع من كثرة الناس والبهائم التي فيها”، وهذا يشير جلياً إن الملائكة يستشارون من بعضهم، ويشيرون إلى الكاملين من الناس.
البرهان الثاني: – فيه أيضاً ” وأجاب ملاك الرب قائلاً: ” أيها الرب القوي حتى متى لا تترحم على أورشليم وعلى مدن يهوذا التي غضبت عليها سبعين سنة، فأجاب الرب وقال للملاك الذي تكلم فيَّ كلمات حسنة وعبارات معزية، فقال لي الملاك الذي تكلَّم فيَّ ناد وقل، هكذا يقول الرب القوي غرت بأورشليم الخ…
وهذا يشير أن الأنبياء يشار إليهم بالأسرار الإلهية بواسطة الملائكة.
البرهان الثالث: – حزقيال “صعد مجد اله إسرائيل من الكروبيم القائم على زاوية البيت، ودعا الرجل اللابس الحرير والمتمنطق بزنار من الزبرجد على حقويه، وقال له الرب، اعبر في مدينة أورشليم واختم ختماً على جباه الرجال المتحسرين والمتألمين على جميع الرجاسات والشرور المصنوعة داخلها والذين معهم قل لهم اجتازوا أمامي داخل المدينة ورائي وخربوها الخ. ألا إذن أين هي الاستشارة التي خرجت مجد الله للكروبيم الذي من البيعة السفلى.
البرهان الرابع: – اسطيفانس المتكلم بكلماته هكذا “أخذتم الناموس بأمر الملائكة ولم تحفظوه” فنقول إن هذه الكلمة تشير إلى أن الناموس أعطي من الله لبني إسرائيل بتوسط الملائكة.
اعتراض: -يقولون إذا لم يستطع البشر إن يستشاروا من الألوهية إلا بواسطة الملائكة، فكيف يصدق ما قيل “وقال الرب لموسى كذا وكذا” ودانيال القائل “ورأيت كراسي موضوعة وجلس العتيق الأيام” وقال ميخا ” رأيت الرب جالساً على كرسي” وقال عاموس “رأيت الرب جالساً فوق المذبح وعلى السور العالي” وقال إشعياء “لقد رأت عيناي الملك الرب القوي” وقال إرميا “وكان علي كلام الرب قائلاً “ويقولون أيضاً، لو استشار المتوسطون بواسطة الأعلى منهم بالقرب، فكيف قيل إن إشعياء تطهر بواسطة السارافيم؟
الرد: – نقول إن كلام الرب مع موسى لا يضاد كون الرب تكلم معه كل شيء بواسطة الملاك. إذ لم يفسر موسى هذا الجزء كما هو لئلا يميل الإسرائيليون بسرعة لعبادة الملائكة، لو قال لهم إن الملاك قال لي كذا وكذا….وضد ادعائهم على رؤية الأنبياء للألوهية بأشكال مختلفة نقول: إن هذه الرؤية تدل على تخيل مجد الله وليس للاستشارة بدون واسطة. وضد ادعائهم على كلام إرميا ” إن كلام الرب كان عليَّ” نقول لقد ورد في محلات كثيرة في إرميا “إن الكلام صار إلى إرميا من قبل الرب” ولفظة “من أمام الرب” تشير إلى الاستشارة التي بواسطة، وهي ” من قبل الرب” وضد ادعائهم عن كيفية تطهير اشعياء من السارافيم، نقول إنها تشير إلى تطهيره بواسطة الحجرة الإلهية، التي حملت إليه بواسطة السارافيم، فإذن النبي عاين الخاصية (الصفة) الساروفية وفي صاحبها الذي كان معه وهي الاتقاد، فدعاها السارافيم، وإن كان ملاكاً وليس ساروفيماً.
المقصد الثالث
في أنه بأي الأشياء يهدون (يرشدون) البشر؟
إن الملائكة ينيرون ويرشدون البشر، إما بتحريضهم على التطهير، كما قيل لموسى “اخلع نعليك من رجليك” أو بهدايتهم إلى طريق الحق والخلاص، كما في حادثة قورنيليوس “أرسل إلى بطرس الخ”. أو بإعلانهم عظمة وجمال الكلام الإلهي كما أعلن عند اشعياء على الكرسي، وعند حزقيال على المركبة، وعند دانيال كعتيق الأيام، أو بإعلامهم عن الأسرار غير الموصوفة، كقضية مار بولس عندما صعد إلى السماء الثالثة، أو بسبقهم وإظهارهم المستقبلات، كما جاء في إشعياء “ها العذراء تحبل وتلد ابناً” الخ.
المقصد الرابع
في هل عندما ترتبت (انتظمت) المراتب السماوية
استنارت أو عندما استنارت ترتبت؟
أما هذه فهكذا، هل إن ترتيب الطغمات الروحانية هو علة استنارتها أو استنارتها علة ترتيبها، فالثاولوغوس يرتاب بذلك في مقاله عن المعمودية بقوله: لا اعلم أيهما أقول، ومار ديونيسيوس يقول بكليهما. أما نحن فنقول يمكن أن تكون الاستنارة (الإرشاد) ليست بحسب الترتيب كقانون سام، وإلا لوجب إما أن يترتبوا معاً في جميع الطغمات، أو لا يترتبون جميعهم في أي طغمة بسبب مساواتهم في التجرد من العلة الموصلة إلى السمو أو الانخفاض، وكلاهما باطل. فينتج إذن أن كل منهما بالنسبة إلى الأشعة التي استمدها من أبي الأنوار. بسبب قابلية الطبيعة التي له منذ خلقته، استحق الدرجة التي بلغها. ونقول أيضاً، لو لم يكن الترتيب بحسب الاستنارة لما وجب أن ينظم الشمامسة بصفوفهم بعد الرسامة. والكهنة بدرجاتهم ورؤساء الكهنة بكراسيهم، ولو يسبقون فيرتبون أولاً. ثم تمنح لهم الاستنارة (الرسامة) لكان ذلك محالاً، لأنهم عندما يكملون (يرسمون) يرتفعون، لا عندما يرتفعون يرسمون، فهذه حقيقة ما أدركناه بالبرهان، وأن يحسن عكس هذا في عين ابن كيفا.
الفصل الرابع
في أن الروحانيين لا يرشدون ويدبرون الكاملين
الذين بيننا فقط، بل وجميع طبائع المخلوقات
بأسرها
وفيه أربع مقاصد
المقصد الأول
في أن كل من أشخاص البشر شخصاً ملائكياً
يتبعه ويرشده، وذلك واضح ببراهين كتابية
البرهان الأول: – الإنجيل” لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأن ملائكتهم في كل حين ينظرون وجه أبي السماوي”.
البرهان الثاني: – أعمال الرسل ” وقال الذين كانوا مجتمعين في بيت مريم أم مرقس للصبية التي خرجت لتحدث سمعان، لعله ملاكه”.
البرهان الثالث: – بولس ” أوصي لأجل المرأة أن يكون لها غطاء لأجل الملائكة”.
البرهان الرابع: – وقال يعقوب ابن اسحق وهو إسرائيل “إن الملاك الذي كان يقيتني، والملاك الذي قادني منذ حداثتي”.
البرهان الخامس: – المزامير “جماعة ملائكة الرب المحيطة بخائفيه” الخ.
اعتراض: – يقولون إن هذه البراهين تشير إلى أن الملائكة يوجدون مع المؤمنين فقط، فكيف تقولون أنهم مع كل الناس.
الرد: – نقول ثلاثة هم: الملاك والشيطان والإنسان، وواضح أن إرادة الملاك هي ضد إرادة الشيطان، والإنسان حر وذو سلطة ذاتية، فإذا اتبعت إرادته لإرادة الملاك، فيقهر الشيطان ويبعده، لأن الاثنين أقوى من الواحد، ولا تبقى له حصة (شركة) في ذلك الشخص. وإذا تبعت إرادته لإرادة الشيطان، فيقهر هكذا الملاك ويبتعد، ويتسلط الشيطان على تدبير ذلك الشخص، ويضل عوض أن يهدي، ويهلك عوض أن يحي. وذلك واضح من أن فرعون القائل ” لي النهر وأنا عملته” وسلطان صور الذي ارتفع قلبه وقال ” أني الله، وجلست مجلس الله في قعر البحار” ومن قضية نبوخذ نصر القائل ” اصعد فوق كواكب السماء، وفي أعلى السحب اصنع كرسي” والواضح أن البشر ليسوا مجانين (مغبونين) إلى هذا الحد، إذ يتفوهون بمثل هذه الكلمات على طبيعتهم الغليظة والمحتقرة، لولم تكن الأرواح الشريرة التي تتبعهم هي المتكلمة فيهم، ومن هنا يعلم أن لكل شخص ملاكاً يتبعه ويحفظه في بداية وجوده، ثم عندما تتبع إرادته الأمور المتضادة (المخالفة) فيحيد عنه الملاك، ويتسلط عليه الشيطان، كما حدثت العملية مع التلميذ الخائن والغاش يهوذا الإسخريوطي.
المقصد الثاني
في أن لكل من الشعوب والأمم رئيساً روحانيناً
يتبعه ويدبره سواء كان صالحاً أو طالحاً
وهذه القضية واضحة من قول موسى ” أقيم حداً للشعوب كعدد ملائكة الله” ومما جاء في دانيال ” لقد سمعت كلماتك وأنا أتيت للتكلم عنك” ووقف قبالتي رئيس مملكة فارس واحد وعشرين يوماً، وهو ذا ميخائيل أحد الرؤساء الأولين جاء لمساعدتي، ولبثت ضد رئيس فارس وقال بعد قليل ” والآن ارجع لأشن حرباً مع رئيس اليونانيين (بابل) الذي أتى، وليس من يساعدني في هذه كلها إلا ميخائيل رئيسكم”.
المقصد الثالث
في أنه يوجد ملائكة متوكلون على العناصر الأربعة،
يحركونها عند التأديب للفائدة أو للمضرة
البرهان الأول: - ويقول البعض أن هناك ملائكة متوكلون على التدبير والاعتناء بالأرض والأنهار العظيمة، والبحار والرياح والنار، ويؤيدون رأيهم هذا بأمور ثلاثة، الأول- من قول المرتل داود عن تأديبات مصر، وأحال أنهارهم دماً ومجاريهم لئلا يشربوا ماء، وأرسل لهم هواماً وضفادع وجراداً وذبابا وجليداً وبرداً وناراً وقال بعد جميعها ” ارسل الغضب والحدة والضيق بواسطة الملاك الشرير” فيقولون من هذه يعلم أن لكل عنصر ملاكاً خاصاً يحركه إلى الشرور بإشارة الخالق
البرهان الثاني: – ما جاء في دانيال ” إن ملاك الندى هبط مع حانينا وعازريا وميشائيل إلى داخل أتون النار، وأطفأ السلهبة النارية في الأتون” فنقول إن هذه الكلمة تشهد أنه يوجد حتى للكل ملاك.
البرهان الثالث: – ما جاء في الإنجيل ” إن الملاك كان ينزل ويحرك الماء” فنقول إذا كانت قضية تحريك الماء البسيطة تحدث بواسطة الملاك. فكيف لا تكمل هذه الاضطرابات، وأعاجيبه الأنهار العظيمة والبحار بواسطة الملائكة.
المقصد الرابع
في أنه لكل من الأفلاك ملاك يدبره، ويؤيد البعض
هذه القضية بثلاثة براهين
البرهان الأول: – إن كل إنسان يدعو السماء ومن فيها والذي فيها منها ملائكة، كقول المرتل داود “سبحوا الرب من السماوات سبحوه في الأعالي، سبحوه يا جميع ملائكته سبحيه يا جميع قواته” وقول دانيال ” هو ذا رجل هو جبرائيل خلق طائراً وجاء من السماء” وكما ورد في الإنجيل المقدس ” إن الملائكة ذهبوا إلى السماء” “وملائكة السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب” فلو لم يكن الملائكة تابعين السماء، لما كانت لهم هذه المشابهات فيها (السماء) بالكتاب المقدس.
البرهان الثاني: – يقول الفلاسفة الخارجين ” لو لم تدبر كل سماء طغمة من الملائكة، كيف أصبحت طغمات الروحانيين تسعاً كعدد كرات الأفلاك التسع بلا زيادة ولا نقصان”؟.
البرهان الثالث: – يقول الفلكيون ” إن لكل عجلة (دائرة) من دوائر السماء التسع، طغمة من طغمات الروحانيين التسع تتبعها وتديرها، وذلك واضح، لأن الدائرة العلوية غير المؤشرة بقوة حركتها، تشير إلى إتقاد (توهج) السارافيم، والدائرة التي مع هذه تشير بكثرة كواكبها إلى اتقاد كثرة أعين الكاروبيم، والدائرة التي مع زحل في تأخير حركتها وبطنها تشير إلى اسم الجلاس، والدائرة التي مع المشتري، بما أنه دعي رب الالهة فهي تشير إلى انتسابها إلى السيادات. والدائرة التي مع المريخ، بما أنها القوة غير المقهورة، والجبروت الغير المقتحم، فيشير (المريخ) إلى أسماء القوات. والدائرة التي مع هذه هي الشمس، لان الشمس كوكب الملوك والسلاطين، فتشير إلى طغمة السلاطين ومن الظاهر أن الدائرة التي مع الزهرة، فهي لسبب أنوثة اسم الرئاسات. وإن الرسول بولس يدعو جمال هذه كلها فردوساً، عندما ارتفع وعاين فيها العجائب الجميلة غير الموصوفة ويقولون إن ذلك واضح، من أن ثالثة الدوائر (الأبراج) عندما نذكرها نحن، تلك هي القمر وتلك عطارد وتلك الزهرة إلى حيث يصل. والدائرة التي مع عطارد فهي ارفع من دائرة القمر الذي هو كوكب السعادة أي الملائكة، وقد دعيت الطغمة التي تديرها طغمة رؤساء الملائكة ومن هنا يتضح أن القمر الذي هو أدنى من الجميع. بما أنه غالباً كوكب السعادة والمرسلين، فله الأهمية الكبيرة، ويدعى الملائكة في الكتاب، للسبب المشير إلى الذين دعوا ملائكة في الطغمة السفلية.
إيضاح: – يقولون لولم تكن الطغمات الروحانية تابعة بالانتساب الأجسام السماوية، لما حفظ ترتيب وضعهم وعددهم وأسمائهم وأعمالهم هكذا.
الباب الثالث
في خلقة الملائكة وطبائعهم
وفيه فصلان
الفصل الأول
في خلقتهم خاصة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في هل أن خلقتهم سابقة لخلقة المحسوسات أم لا؟
وهل خلقوا أولاً وحينئذ البشر أم لا؟
نقول هناك لملافنة البيعة رأيان مختلفان عن خلقة الملائكة، فمنهم من قال أن خلقتهم سبقت خلقة هذا العالم المحسوس، ومن هؤلاء غريغوريوس الثاولوغوس وغريغوريوس النوسي وماراياونيس كروسوسطوموس ويوحنا البصري ويعقوب الرهاوي. فالثاولوغوس يقول في مقاله عن الميلاد هكذا ” يفكر أولاً بوجود القوات الملائكية والسماوية، وهذا الفكر فعلي” ويقول بعد قليل أيضاً ” لأن هذه الأولى صارت له حسنة، ويفكر أن العالم الثاني مادي ومنظور، وهذا هو القوام والمزاج المركب من مافي السماء والأرض ومن الوسط ” وقال غريغوريوس النوسي في مقاله الاحتجاج عن باسيليوس هكذا ” هناك حالة اقدم من ولادة ووجود هذا العالم” وقال ذاته في المقال الثاني “بما أن تلك الخليقة كانت أولى ومعنوية، ومنحت كل من القوات الملائكية فعلاً بالنسبة إلى قوام الكل من السلطان الذي يدبر الجميع” وقال ماراياونيس في تفسير سفر أيوب ” ولأجل هذا يعلم أن الملائكة وجدوا قبل العالم، لأنهم سبحوا بصوت عال وتعجبوا من هذه الخليقة الجديدة”، وقال البصري في ليتورجيته في القطعة التي على الغطاء هكذا ” الأرواح غير الهيولية المكرمة بقدمية الوجود” وقال مار يعقوب الرهاوي في رسالته إلى يوحنا هكذا ” لقد سبقت خلقة الثلاب والملائكة مدات وأدهار كثيرة غير معروفة لخلقة هذا العالم” أما نحن فلا نجزم بأي مقدار ترجع قدميتها، فلا تدعى تلك المدات زمناً وهذه كلها هكذا: ” إن بعض ملافنة البيعة لم يقولوا كذلك، بل صرحوا بأنهم خلقوا معاً، ومعروفون وهم أجسام محسوسة” ومن هؤلاء الملافنة مار افرام الملفان في تفسيره الفعلي للخليقة، واسقف قبرص في كتابه التقليد، ومار يعقوب السروجي في ميمره على الأيام الستة قال هكذا “إن موسى بما أنه صرح أنه في البدء خلق الله ذات السماء وذات الأرض، فلم يشر إلى وحدة خليقة المعنويين والمحسوسين، ففي خلقة السماء والملائكة، وفي خلقة الأرض والأجسام”. أما نحن فنتبع الرأي الأول ونؤيده ببراهين ستة.
البرهان الأول: – نقول بما أن الملائكة غير مجسمين وغير هيوليين. فهم أكثر اتصالاً وانتساباً للطبع الإلهي من الطبائع الجسمية والمادية، فكما أن الطبع الإلهي يسبق الطبائع المحسوسة، كذلك الملائكة الذين ينتسبون إليه
البرهان الثاني: – نقول إن الملائكة هم خدام الألوهية كما يصرح الكتاب العزيز، فكما إن الألوهية تسبق الطبائع المنظورة فكذلك خدامها.
البرهان الثالث: – قال أيوب “عندما خلق الله كواكب الفجر، سبحت ورنمت جميع الملائكة”. فلولم يكونوا سابقين وموجودين من قبل وجود الكواكب، فكيف سبحت ورنمت عندما خلقت؟
البرهان الرابع: – قول موسى ابن كيفا “إن هذا العالم خلق لأجل آدم، وخلق آدم ليشغل ليكمل العالم العلوي، كما يعلم بذلك الكتاب المقدس، فلولم يكن العلم العلوي سابقاً وموجوداً قبل هذا كيف كمل نقصه”.
ملاحظة (تنبيه): – أعلم أن هذا البرهان والسابق له ضعيفان، لأنه يمكن أن يقال إن الملائكة إذا كانوا سابقين، وخلقوا في اليوم الأول مع السماء والأرض، وعندما خلقت الكواكب في اليوم الرابع رنموا، وخلق آدم في اليوم السادس ليكمل نقصها (السماء). فمن هنا لا يجب أن يوجد الملائكة قبل السماء والأرض بل معها، ولكن قبل آدم والكواكب.
البرهان الخامس: – نقول إن هؤلاء الملافنة الذين اعترفوا بتأخير خلقة الملائكة وقدمية خلقة الأجسام هم اسمى بالمعرفة وبإدراك النظريات الإلهية من الذين اعتقدوا بوحدة خلقة المخلوقات المنظورة وغير المنظورة ولذا يجب أن نتبعهم، ونقر بما أقروا به.
البرهان السادس: – نقول إن الذين اعترفوا بسبق خلقة الملائكة. فقد أيدوا رأيهم هذا ببراهين عقلية، أما الأخرين فقد أدركوا ذلك بالتخمين ليس إلا بقولهم: إن الآية القائلة ” ذات السماء، تشير إلى الملائكة، وذات الأرض، إلى الأجسام. وواضح أنه لا يصدق التخمين وحده دائماً، لان السماء مادية أيضاً كالأرض. فكيف تشير إلى غير الماديين (الهيوليين).
الاعتراض: – يقولون إن السماء محل الملائكة، ولذا لا يمكن أن يخلق الملائكة قبل محلهم، فإذن خلقوا معهم ومحلهم.
الـــــــــرد: – نقول إن الملائكة بكونهم غير مجسمين، فلا يحتاجون إلى محل يركنون إليه، ومن هنا يبان أن السماء خلقت لأجل تلاحم (اتصال) هذا العالم وجماله، وليس لأجل الملائكة.
الاعتراض: – يقولون فإذن يكذب الكتاب والملافنة القائلون، إن الملائكة في السماء.
الـــــــرد: – نقول إن هذه ذكرت في الكتاب مجازية لا أصالة. كما يطلق على الله له المجد “إن السماء كرسي مجده والأرض موطئ قدميه” وإذا حدث أن سلمنا إنها ليست مجازية ولا أصلية، ولكن بماذا تبينون “لأجل هذا خلقت السماء الجسيمة مع الأرض في اليوم الأول، كما يقول الكتاب، والتي فيها الملائكة” فلذا ليس لقضيتكم هذه برهان واحد مؤيد. والأصح هو هذا: إن الكتاب يدعو سماء الملائكة الطغمات وتجوالهم الروحي السامي عن كل محل ومكان، كما قال القديس غريغوريوس النوسي في اجتماعه عوض باسيليوس لأجل كتابه في الأيام الستة هكذا ” وهؤلاء يملاؤن بالمادة جوهر هذا العالم غير المنظور” وقال مار يعقوب السروجي في ميمره على الأيام الستة “للملائكة السماء التي يسكنونها وهي منيرة ولطيفة وروحانية وغير جسمية” وواضح أن السماء التي خلقت مع الأرض هي منظورة وجسمية، ويقول موسى كيفا عن السماء، أما عن الملائكة فلم يذكر شيئاً.
الاعتراض: – يقولون “بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها” هذا ما يصرح به الكتاب، فلو كان الملائكة قد خلقوا قبل السماء، لما ذكروا بعد ذكر السماء.
الجواب: – نقول لم يتكلم ههنا عن هذه السماء الجسمية، بل عن غير الجسمية التي قلنا عنها، وإن سلمنا أنه تكلم عن هذه السماء الجسمية، ولكن لماذا لا يمكن القول. إنه بواسطة خلقة هذه السماء الجسمية والمحسوسة يفهمنا عن خلقة الطبيعة غير الجسمية والمعنوية. فقد سبق فذكر خلقة السماء. ونقول أيضاً لو كانت لفظة الأسبقية والبعدية تشير إلى الأسبقية والبعدية بالفعل. لوجب أن يكون الملائكة قد خلقوا بعد الخليقة. وذلك لأن ذكر خلقتهم رتب مؤخراً من خلقة السماء.
اعتراض: – يقولون إن الزمن هو مقياس الحركة السماوية، فلو كان الملائكة قد خلقوا قبل السماء، لكانوا غير زمنيين، وكل غير زمني أزلي، فالملائكة أزليون بوجودهم، وليس الله وحده أزلي، بكونه لا يبتدئ ولا ينتهي، كما تقر البيعة المقدسة وهذا محال.
الجواب: – نقول لا يجب أن نخضع الأسبقية والتأخير للزمن، لأنه حتى أجزاء الزمن تسبق بعضها أو تتأخر عن بعضها بلحظات. فيوجد عندئذ زمن لكل زمن، ويؤدي القول إلى التسلسل وهذا محال. فكذلك الملائكة لم يوجدوا ما مع الطبع الإلهي بوجودهم وخلقتهم. بل هم متأخرون عنه، وإن ليس بالزمن، كما أن أجزاء الزمن ليست متفقة مع بعضها بل مختلفة عن بعضها، وإن ليس بزمن طويل.
اعتراض: – فيقولون إذن متى خلقوا، إذا لم يكن زمن محدود؟
الرد: – نقول إن الملائكة خلقوا في تحديد غير زمني، لأنه ليس كل تحديد بزمن، فإذن عندما تحمل لفظة (متى) مجازياً لا أصلياً (حقيقية) على الملائكة، فذلك لأنهم غير زمنيين كما علمنا عنهم سابقاً أنهم غير محليين.
المقصد الثاني
في أنه لماذا خلق الله الملائكة؟
نقول لكي يشاركهم في صلاحه، كقول القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على الميلاد “لأنه لم يحسن لصلاحه هذا أن تتحرك نظريته على نفسه فقط، بل أن يسكب صلاحه ويجري على الجميع، ليتساعد به الكثيرون. وهذا الصلاح هو أول ما يجب على القوات الملائكية السماوية أن تفكر به، وهذا الفكر هو عمل يكمل بالقول ويكمل بالروح. وهكذا ظفر الأبطال ثانية وخدام المجد القديم.
الفصل الثاني
في طبيعة الملائكة
وفيه خمس مقاصد
المقصد الأول
في ماهية طبيعة الملائكة الروحيين؟
نقول إن الملائكة بما أنهم بسطاء وغير مركبين. فلا يعرفون بحد واحد. لأن كل تحديد مركب من جنس وفصل، والذي ليس جنس أو فصل، وأي تحديد له. فينتج إذن أنهم يعرفون بواسطة. أي التوابع السلبية مركبة أي صورة كانت. كقولنا أن طبيعة الملائكة نوع قائم بذاته ومجرد وغير متحد بالمادة، ولهذا فهو غير جسم، لان كل جسم مركب من مادة ونوع. ولذا ليس بمحل. ولأجل هذا فهو غير منظور ولا ملموس. لأن كل ما يرى ويلمس يشغل حيزاً، وهو غير محسوس بل معنوي فقط. وذلك واضح من أن النفس الناطقة غير محسوسة، بل جوهر معنوي كما سنبين ذلك. وتحد طبيعة الملائكة بحسب البرهان والتشبيه، كما قال القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله عن الميلاد “إذا كانت الأرواح المعنوية أو النار الهيولية وغير الجسمية أو طبيعة أخرى، فيجب الظن عن هذه بما قيل عن تلك. وكون الملائكة ليسوا أجساماً، يشهد به القديس غريغوريوس نفسه في مقاله الثاني عن اللاهوت بقوله: إذا كان ملائكياً فمن أين للملائكة الأجسام وماهي؟ ويقول قوريلس في تاريخه ضد ديودورس وتيودورس هكذا: “الملائكة هم أرواح ومن السماء وليسوا أجساماً، ولذا بما أنهم ليسوا مجسمين. فقد ظهروا ويظهرون للكاملين بأشباه مختلفة جسمية متخيلية فقد ظهروا لأليشاع بشبه مركبة وخيل، ولبلعام كرجل مستل سيفه، ولجدعون كرجل قابض عصا، ولدانيال كرجل لابس ثياب الكرامة، ومتمنطق بزنار من ذهب الأوفير، وجسمه ابيض اللون ووجهه كمنظر البرق، وعيناه كمصابيح النار، وذراعاه كالنحاس اللامع، وصوت كلامه كقوات كثيرة، كانوا يطيرون إلى القبر الإلهي، وهم متمنطقون بالثياب البيضاء.
المقصد الثاني
في تحديدهم
نقول إن الملائكة محدودون بالطبيعة، لانهم مخلوقون. ولأن معرفتهم تقوم عند حد ما، ولا يعرفون كل الأشياء، فهذه المعرفة لله وحده. وذلك واضح من البرهان المؤيد عدم إدراك الطبيعة الإلهية، ولو علم الملائكة كل شيء موجود، لعرفوا الله كما هو أيضاً، ومن هنا نستنتج أن الله مدرك وهذا محال. ويشهد القديس عن عدم إدراك الطبيعة الإلهية من الملائكة بمقاله على عدم إدراك الله بقوله “الذي لا يدرك من الكروبيم والذي لا يرى من السرافيم والذي ولا يعرف من المراتب ولا من السلاطين ولا من القوات”. ونقول أيضا لم يعرفوا حتى سر تجسد الكلمة. كقول الرسول بولس “لتعرف هذه السلاطين في السماء بمعرفة حكمة الله المملوءة تمييزاً”. فمن هنا يتضح أن الشهادات كثيرة فالملائكة غير محدودين بنوع التحديد المحلي، لأن الجسم يحد في محل فقط لا غير الجسم (الروح) وقول ابن كيفا “إنهم محدودون في المكان الروحاني غير الجسمي، فهذه لفظة غير معقولة. لأن المكان ليس شيئاً آخر غير امتداد الجسم الداخلي الذي يحصر لأن الجسم الذي يحصر يتبعه الامتداد، والذي لا جسم له، فأي امتداد يَحصر ويُحصر. وما كان كذلك واضح أنه يخلو من أسس وأجسام صماء، ولكنه لا يكمل خدمته بتأخير بالنسبة إلى العمل الذي وجه له. وقول القديس باسليوس أيضاً في رسالته إلى امفيليكوس” إن كلاً من القوى الأخرى يعترف بأنه محدود” فالملاك الذي صار إلى قورنيليوس ليس ذاته الذي صار إلى فيلبس ولا ذاته الذي تكلم مع زكريا من المذبح، وهكذا يثبت وجوده في السماء ويكمل خدمته، فهذه تشير إلى عدم كفائته لإدراك واتباع جميع الموجودات، ولكن عندما يفرز لعمل ما يتبعه خاصة ويرجأ عن اتباع غيره. أما كون الله موجوداً في كل شيء، فيشير الملفان عن هذا الرأي بقوله “لا يمكن أن يحد في محل ذاك الذي لا يقوم في محل”.
المقصد الثالث
في أن الملائكة غير مائتين ولا متلاشين طبيعة
نقول أن الموت هو انفصال النفس عن الجسد، والفساد هو انفصال نوع خاص من المادة، وتعويض نوع آخر في محل المتلاشي والفاسد، والحال أن الملاك ليس له لا جسد ولا مادة، إذن لا يموت ولا يتلاش.
اعتراض: – يقولون إذا كان الملائكة ليسوا مائتين ولا متلاشين كالله له المجد، فكيف يصدق قول بولس القائل ” الذي له فقط عدم الموت طبيعياً، ويسكن في النور غير المتداني”.
الجواب: – نقول إن الموجود، إما له الوجود من ذاته، أو ليس من ذاته بل من علته، والأول هو الطبع الإلهي وحده ولا يشاركه به كائن آخر من الخلائق قط، كما أيدنا بالبرهان: أن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً فقط، ويشير إلى هذا المقصد الرسول الإلهي بقوله ” الذي له وحده عدم الموت” أي أولية وأصالة وأكثر نسبية. أما الأخرون وإن كانوا غير مائتين، ولكن ليس عدم الموت فيهم أولياً وأصلياً وأكثر نسبية (مناسبة) كما لله وحده فقط.
المقصد الرابع
في أن الملائكة ذوو سلطة ذاتية ولهم حرية
ويتصرفون بحسب الشريعة، فتبريرهم وأخطاؤهم
ممكن لا طبيعي فيهم
إن كون الملائكة ذوي سلطة ذاتية واضحا في البراهين العقلية والكتابية الآتية:
البرهان العقلي الأول: – نقول إن الأفعال الطبيعية تتبع بأكثر انتساب للعديمي الحياة (للجمادات) كالمغناطيس جاذبة الحديد. ثم للأحياء بالقوت والنمو والولادة، أي للنباتات. ثم للأحياء غير الناطقة (البكماء) وكلا الأفعال موجودة فيها، أي الطبيعية والإرادية، فبسبب شعورها تتغلب حريتها (الأحياء) وبحسب طبيعتها على تعكير (اضطراب) ماديتها، وعدم كمال إدراكها، ثم للأحياء الناطقين أي للبشر الذين يوجد فيهم كلا نوعي الأفعال، ولكن حريتهم تغلب طبيعتهم، لأن حركتهم وإدراكهم هما شعاع من الإشراق العام، وسراج من الضياء الكلي، وذلك واضح، لأن إرادات كثيرة تحجب (تكبت) من التيارات (القوى) الكثيرة، وبهذه القوى يجوع البشر ولا يأكلون ويعطشون ولا يشربون، ويتعرون ولا يلبسون ويتعذبون بلا هواء، عندما يتلهفون ويتشوقون، ويتوقون ولا ينالون، ولكن ليس ذلك كل شيء، بل عنصرية التهديد ومادية القوام (الوجود). أما الملائكة فبكونهم أحياء ناطقين ومجردين كلياً وغير مُناشين بشيء من الأمور السفلية، لذلك يجب أن تكون جميع أعمالهم وحركاتهم إرادية وحرية لا طبيعية، وهذا هو سر القول “إن الحرية شريكة النطق وقرينته” ومتحدان ومتعانقان بتساوي الميل، ليكون كل ناطق ذا سلطة ذاتية، وكل ذو سلطة ذاتية ناطقاً.
البرهان العقلي الثاني: – إن الشيطان كان أحد الملائكة، ولولم يكن ذا سلطة ذاتية، لما قبل عقاب سقطته من درجة المجد، فالعقاب يتبع الزلات الإرادية لا الطبيعية، وإلا من يلوم النار عندما تضر، أو الجدول الفائض عندما يجرف، وهذان هما البرهانان العقليان. أما البراهين الكتابية فهي هذه.
البرهان الأول: – يقول ديونيسيوس في الباب السادس في المقال الثاني هكذا ” لو قبض على أحدهم لأجل الشر، لسقط من المجمع السماوي غير المتبلبل لعقول الجواهر الإلهية إلى دركات إليشع المتمردة المظلمة حيث يتخبط هناك”.
البرهان الثاني: – يقول باسيليوس في رسالته إلى امفيليكوس هكذا “إن القوات السماوية ذات سلطة ذاتية، ولهم تساوي الميل إلى الفضيلة والشر، ولهذا يحتاجون إلى مساعدة الروح”.
البرهان الثالث: – وقال القديس غريغوريوس في مقاله عن الميلاد “تجعلين الدالة أن أظن وأقول بأنهم (الملائكة) متحركون ولكنهم صعبوا التزعزع”.
اعتراض: – يقولون لو كان الملائكة ذوي سلطة ذاتية، لما كانوا صالحين وقديسين طبيعة، لأن ذا السلطة الذاتية هو الذي كما يستطيع بكل مقدرته أن يكون صالحاً يستطيع بعكس ذلك، ولما يمكن أن يكون قديساً، يمكنه بعكسها أيضاً.
الجواب: – نقول واحد هو الصالح والقدوس طبيعياً وهو الله له المجد. أما الملائكة فيشتاقون إليه بالنسبة إلى إدراكهم للصالح وبالنسبة إلى رغبتهم، تفاض وتسكب عليهم المنح الصالحة من الينبوع غير الناضب. وكما إنهم غير متساويين بطغماتهم، كذلك غير متساويين بإدراكهم. فالقريبون جداً هم الذين يدركون، ولذا يشتاقون بالأكثر ويسعدون بالاستنارة، ويؤيد هذا الرأي باسيليوس في مقاله الثالث ضد اونوميوس بقوله “إن السلاطين والرئاسات الخ لهم القداسة من اجتهادهم وتأملهم المتواصل بالله، ولا يدعون قديسين من طبيعتهم، إذ عندما يتوقون إلى الخير يناولون القداسة بالنسبة إلى درجة إلى درجة اتحادهم بالمحبة الخالصة لله، وقال أيضاً في مقاله عن الثالوث هكذا “إن هؤلاء العلويين يستمدون كل منهم القداسة لذاته من الروح القدس بالنسبة إلى درجة كل رتبة من رتبهم” ومن هنا يظهر لنا أنهم ليسوا صالحين بالطبيعة بل بالحرية التي تجذبهم إلى الصلاح والنعمة، ولئن كانوا هكذا، فإنهم غير مائلين إلى الشر، وذلك واضح بأمرين، لزيادة إدراكهم للصالح، ولتأملهم العميق بالتجربة التي حلت برفيقهم الذي سمي لأجل مجده كوكب الصبح، ودعي ظلاما لأجل عجرفته وسقوطه، ويؤيد هذا القديس الثاولوغوس بقوله “لهم ميل لا إلى الشر بل إلى الخير لأنهم عند الله، ولأن الرئاسات تسترشد من الله. أما الذين ههنا (الأرضيون) فارتشادهم ثانوي” وكونهم ذوو سلطة ذاتية واضح من أن لهم شريعة إلهية يتمسكون بها ويتدبرون فيها. وهذه الشريعة هي كور لفحص الحرية، فعندما يحفظون هذه الشريعة ينالون المكافأة المضاعفة في أحضانهم وهي الانتساب إلى الله، وإذا أهملوها أو أجبروا على حفظها، أو فعلوا ما ليس مسموح به، فيصبحون منفيين من مجاورة الله.
إيضاح: – وفضلاً عن أن هذا هو رأي البيعة المقدسة القديم، إلا أن ارويجانس العجيب لا يفكر هكذا، بل يصرح في المقال الأول على الرئاسات بعد أن قال يحدث السقوط من جديد للعقول السماوية، يقول “إن بعد الانقضاء يكون لجميعهم ما يحق لكل من العالمين من الضعفات والسقطات”.
المقصد الخامس
في هل أن الملائكة متساوون بالطبيعة أم متميزون
فيها؟
نقول إن الملافنة يقرون بأن الملائكة الكثيرين عددا يتميزون بالطبيعة من المتساويين فيها. فهو ذا مار ديونيسيوس الاريوباغي يدعوهم جواهر، ويقول ” متوديوس في مقاله عن القيامة إن جنس الملائكة هو غير جنس السلاطين” ويقول قوريلس في مقاله عن خدمة الروح “إن نجماً أفضل من نجم بالمجد، فأقول إن بين الملائكة القديسين اختلاف كبير في المجد، ولكنهم متساوون بالدرجة بحسب المنزلة الموجودين فيها”. ويقول مار أفرام في مداريشه عن الإيمان ” إن طبائع الملائكة هي نار وروح” ولكن القديس باسيليوس يقول في مقاله الثالث ضد اونوميوس “إنهم طبيعة واحدة، أما اختلاف سمو شرف الواحد عن الآخر فهو بالنسبة إلى نوع خدمته” ويتراءى لي: إن جميع الملائكة متساوون بالطبيعة الجنسية، لأنهم معنويون لا محسوسون، ولأنهم أرواح الخدمة، ولأنهم لا يشغلون كل شيء كالله. فالطغمات التسع تتميز عن بعضها بالطبيعة، ولذا فجميعهم متساوون بالطبيعة، فالتأموا بطغمة واحدة، لأنهم إذا كانوا متميزين بالنوع في كل الطغمات بشخص ما لتساووا، فالطغمات متساوية بالجنس ومتميزة بالطبيعة، والذين يتساوون بالطبيعة ويتميزون بالشخص في كل من الطغمات. والفلاسفة يقولون إن كلا من العقول أي الملائكة يتميز بالطبيعة، لأنهم يدعون أن التميز الشخص لا يمكن الوجود إلا بواسطة المادي، فغير المادي بشخصه الفرد تحصر نوعية خاصة. وهنا تنتج كثرة الفساحة والحصر، ولا نحتاج إليها في هذه القضية.
الباب الرابع
في مشابهة الملائكة للناس
وفيه فصلان
الفصل الأول
في أن الملائكة أفضل من الناس الكاملين
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن الملائكة ناريون ونورانيون وعلويون، والبشر وإن كانوا كاملين فهم ترابيون ومظلمون وسفليون، ولذا فالأولون أفضل.
البرهان الثاني: – نقول إن الملائكة هم مرشدو الأنبياء والرسل وجميع الكاملين. وواضح أن المرشد أفضل من المرتشد.
البرهان الثالث: – نقول إن الملائكة وسطاء بين الله والبشر، فكما إن الله أفضل منهم، كذلك هم أفضل من البشر.
البرهان الرابع: – نقول إن الملائكة مجردون من الحدة والغضب والتوهم (التخيل)، لأنهم قوات مخفية الأشعة الإلهية عن أعيننا المعنوية، أما الكاملون وأن يتطهروا بواسطتهم، ولكنهم لا يستطيعون كلياً أن يتحرروا من غيرهم طالما منهمكون بالجسد، ولذا يجب أن يكون الملائكة أفضل منهم.
البرهان الخامس: – نقول إن الأجساد تكمل باتباعها (اتحادها) الأنفس الناطقة، والأنفس تكمل باتباعها الملائكة وانتسابها إليهم. والذي يكمل به الشيء. من الضروري أن يكون أشد كمالاً من ذلك الشيء
البرهان السادس: – نقول أن الملائكة هم سعاة من الله إلى الأنبياء، سعاة إلى الشعب. فكما إن النبي أفضل من الشعب كذلك الملاك أفضل من النبي.
البرهان السابع: – نقول إن الملائكة صعبو التزعزع إلى البشر. كما قال الثاولوغوس. فالبشر هم سهلوا السقوط في الزلل، ولذا فالقسم الأول أفضل.
البرهان الثامن: – نقول إن إنسانية ربنا أقل من الملائكة، كما صرح داود وفسر بولس كلامه، فإذا كانت إنسانية ربنا هكذا، فمن هم الآخرون؟
البرهان التاسع: – نقول إن الملائكة سماويون، وفي السماء ومن السماء، كما ينص الكتاب المقدس، فتكون لهم الأفلاك كأجساد والكواكب كقلوب، وهم الملائكة كالأنفس الناطقة. فكما أن الجسم الفلكي أفضل من الجسم البشري، كذلك الملاك أفضل من النفس.
إيضاح وتأييد: – ومن يتشكك ولم يصدق أن الجسد بالنسبة إلى السماء كحبة خردل بالنسبة إلى المسكونة بأسرها، أو كقطرة من البحر المحيط. ولذا يجب أن تكون النفس الناطقة بالنسبة إلى الملاك كالسراج المدخن بالنسبة إلى قرص الشمس الساطع.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – قال ديونيسيوس في الباب الأول من المقال الثاني عن رئاسة الكهنوت هكذا ” إن يسوع ذاك العقل ورأس الألوهية السامي عن الوجود، ذاك الرأس والجوهر والقوة. بدء الألوهية الذي ينير رئاسة الكهنوت والقداسة وتأله الجواهر المغبوطة والأفضل منا بأكثر استنارة ومعرفة”.
البرهان الثاني: – وقال غريغوريوس الثاولوغوس برسالته الثانية إلى قليدونيوس هكذا “فلا تعلمون أن ما يقال عنه عند الله أنه كامل عند غيره ليس بكامل بالنسبة إلى الجبل والحبة بالنسبة إلى الباقلاء، وكشيء آخر من الأشياء الصغيرة بالنسبة إلى الأشياء الكبيرة يقال عنه أنه من أفراد الجنس، فإذا شئت فالملاك عند الله وعند الملاك الإنسان”.
البرهان الثالث: – إياونيس في مقاله الرابع عن تفسير رسالة مار بولس إلى تلميذه طيمثاوس يقول “إذا تحاكمنا بالنسبة إلى الملائكة، فالخطأة يظهرون أبراراً”.
البرهان الرابع: – فيه أيضاً بمقاله الثاني عن إدراك الله هكذا “هناك ملاك واحد أقوى من جميع الخليقة المنظورة، وهو أشرف منه خاصة فإذا كان العالم بأسره يساوي رجلاً صديقاً” كما قال الرسول بولس “عن الذين لا يشتمهم العالم، فالملائكة أفضل وأشرف من الأبرار”.
الفصل الثاني
في الرأي القائل، إن فضيلة البشر الكاملين هي
أسمى من الملائكة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضات المتشبثين بهذا الرأي
الاعتراض الأول: – يقولون إن الإنسان مخلوق على صورة الله وشبهه كقول الكتاب، ولكن عن الملائكة لم يذكر شيء كهذا، وواضح أن الذي خُلِق على صورة الله، هو أكثر فضلاً من الذي يكون عكس ذلك.
الاعتراض الثاني: – يقولون إن الكتاب يدعو غالباً البشر أبناء الله، كقوله “وأبوك الذي يرى في الخفاء” وكقوله أيضاً “وإذا صليتم قولوا أبانا الذي في السماوات” وأشياء أخرى كثيرة كهذه، أما عن الملائكة فلم يكتب شيء كهذا، وواضح أن الذي يستحق أن يدعى ابن الله هو أفضل من الذي يكون عكس ذلك.
الاعتراض الثالث: – يقولون إن سر تجسد الله الكلمة، ذاع بين الملائكة بواسطة البشر، والذي يصير سبب لمعرفة رفيعة من الضرورة أفضل منهم.
الاعتراض الرابع: – يقولون رغم أن الإنسان يقاوم القوى المضادة المخلوقة معه، أي الحث والشهوة والتخيل ويظفر بها، يستطيع أن يحسن لله. فالملائكة بدون أن يتحاربوا مع قوى كهذه يحسنون لله. ومن الأكيد أن الذي يتقدم إلى الله بعد جهود عظيمة وتجارب فادحة، هو أكثر فضلاً من الذي يكون عكس ذلك.
الاعتراض الخامس: – يقولون إن الإنسان بما أنه في سجال دائم مع الشكوك والارتيابات التي تقاوم، لكونه لم يدرك ما يدركه الملائكة أو الأجسام السماوية أو حركات الكواكب، والطبائع العنصرية. ومع هذا يعترف بالله الواحد خالق الجميع، الذي له كلمة وروح أقنوميين. أما الملائكة فلما كانوا يدركون هذه الأمور بأكثر كمال، والذي يعترف دون أن يرى هو أفضل من الذي يرى ويعرف كما يشهد الرب بقوله “طوبى للذين لم يروني ويؤمنوا بي”.
الاعتراض السادس: – يقولون إن للملائكة عقلاً بدون غضب وشهوة، وللحيوانات البكماء غضباً وشهوة بدون عقل، أما الإنسان فعقل وغضب وشهوة. فكما إنه عندما يسلط غضبه وشهوته على عقله يصبح أحقر من جميع الحيوانات البكماء كقول الكتاب ” لأن الإنسان لم يتأمل بمجده، بل استسلم للحيوان وتشبه به” هكذا عندما يسلط عقله على غضبه وشهوته، يكون أفضل وأشرف من الملائكة.
توهم (ارتياب) وحله: – يقولون إذا كان الكتاب قد صرح “إن الإنسان لا يصبح عند ذاك أحقر من الحيوانات، بل يتشبه بها، فنقول وإن لم يظهر الكتاب ذلك، ولكنها ولكنها معلومة هكذا، لأن الحيوانات لا تأتي إلى الحكم قط، وتنجو من العذاب. أما الذي يخطئ فليس هكذا، بل يسلم إلى الهلاك الأبدي، وظاهر إن الذي يكون كذلك، هو أحقر بكثير من البهيمة.
برهان كتابي: – من رؤيا يوحنا اللاهوتي، فقد قال القديس المذكور “وعندما سمعت ونظرت، سقطت للسجود أمام رجلي الملاك الذي كان يبين لي هذه كلها”، وقال لي” انظر لست رفيقك، وأخوتك الأنبياء والذين يحفظون أقوال وتعاليم هذا الكتاب، فاسجد لله” فيقولون إن هذا البرهان يشير بصراحة أن الملاك ليس أفضل من الإنسان الكامل، ولكنه رفيقه ومثله.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات كأنها منا
الجواب على الاعتراض الأول والثاني: – يحل هذين الاعتراضين القديس اياونيس في تفسيره الرسالة إلى القوليين بكمال فيقول: حيث يكون الفقر الكثير، فيظهر هناك الكتاب مجدا بكل وثق. حيث إن العظيم هو الطبع، فلا حاجة إلى الالتفات لغيره.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول لم يعلم البشر الملائكة سر التجسد. إلا لأن اتخاذ الجسد كان من عندهم ولذا عرفوها جيداً. بينما الملائكة هدوا وارشدوا وكشفوا لهم عن عظمة هذا السر. كما فعلوا عند مريم والرعاة ويوسف الخ..
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول لو كان يقتني الفضيلة بالأتعاب هو أفضل من الذي يكون عكس ذلك. لوجب أن الذي يحل سؤالاً في عشرة أيام أفضل بكثير من الذي يحل عشرة أسئلة بساعة واحدة، ولوجب أيضاً أن الشقي الذي يحصل بالجهد وبعرق الجبين على خبزه وثيابه أفضل بكثير من الملك. وكلها باطلة والأظهر أن الإنسان بالنسبة إلى الملاك كالرجل المريض والسيء الخلق بالنسبة إلى الصحيح الجسم واللطيف المزاج، ويتأيد لدينا أن الذي يحفظ صحته بالأفراح والمسرات بسهولة، لا يجب أن ندعوه أفضل.
الجواب على الاعتراض الخامس: – نقول إن الذي يعاين الحق ويدركه ويصدقه جهاراً، أكثر فضلاً من الذي يكون عكس ذلك. والطوبى الذي منحها الرب للذين لم يروه وأمنوا به أطلق بالنسبة إلى الذين رأوه ولم يؤمنوا به، لا بالنسبة إلى الذين رأوه وأمنوا، وإلا لوجب أن كلا منا، وخاصة من الصغار المؤمنين أكثر من الرسل القديسين بأضعاف كثيرة وهذا محال.
الجواب على الاعتراض السادس: – نقول إن الجزء الناطق في الإنسان لا يدعه أن يكون أحقر من البهيمة وإن سلط غضبه وشهوته على عقله، وكذلك الجزء المادي الذي فيه لا يتركه أن يكون أفضل من الملاك، وإن سلط عقله على غضبه وشهوته، فهو وسط بين كلا الجانبين. ونقول ضد ادعائهم على خبر العذاب الأبدي، إن الموجود وإن كان في العذاب هو أفضل من الذي يصير إلى التلاشي، والإنسان وإن لم يكن له أمل أو عزاء آخر في عذابه عدا تذكره برحمة الله ورأفته، وعدم غضبه إلى الأبد، وانتظاره نعمته، وإن لم تكن نهاية لعذابه فيكفيه هذا العزاء.
الباب الخامس
في الآراء التي تولدت للخارجين عن الملائكة
وفيه فصلان
الفصل الأول
نظريات الفلاسفة عن الملائكة
النظرية الأولى: – يقولون إن العلة الأولى أي الحق الأول هو الله له المجد، ولأنه بسيط فيستطيع أن يكون علة للعقل الواحد البسيط والمجرد فقط. وهو (العقل) وحده معلوله بدون واسطة. وعندما تفلسف أحد الأريوسيين قال: إن ذاك العقل الذي هو المعلول الأول، كان الابن الكلمة الذي خلقه الله في أول خلائقه، لأن العقل بحسب الاصطلاح الكنسي يدعى ابناً، ويشهد بذلك ديونيسيوس في الباب الأول عن رئاسات الكهنة البيعي إذ يقول “إن يسوع ذاته هو ذلك العقل وبدء اللاهوت الخ..”. هذا ما فاه به ذلك الأريوسي. ثم عندما فكر العقل الذي هو المعلول الأول بضرورة وجوده بعلته، فتفكيره هذا أصبح علة لعقل آخر ثاني هو طغمة السرافيم، كما يؤيد التقليد الكنسي، وعندما فكر بإمكانية وجوده بذاته. فتفكيره هذا الآخر اصبح علة لوجود الفلك العلوي غير المكوكب. وعندما فكر العقل الثاني بضرورة وجوده بعلته، فتفكيره هذا في ضرورة وجوده بعلته أصبح فعلاً وعلته لوجود عقل ثالث آخر وهو طغمة الكروبيم، وتفكيره بإمكانية وجوده بذاته، أصبح فعلاً وعلة لوجود فلك متعدد الكواكب، وهكذا شيئا فشيئاً، حتى وصلت إلى العقل الفاعل (المؤثر) الذي هو طغمة الملائكة، لا فلك القمر. ثم تفكير هذا العقل السفلي بضرورة وجوده وعلته، أصبح علة لوجود النوع، وتفكيره بإمكانية وجوده بذاته، أصبح علة لوجود المادة، وهكذا تكوَّن العالمان أزلياً. أي العالم المحسوس. والحركات السماوية هي التي منحت وتمنح القابليات للمادة، فتشرق عليها من العقل الفاعل والسفلي الأنواع الملونة والأشكال المختلفة.
النظرية الثانية: – يقولون إن هذه العقول المذكورة هي أزلية لأنها لو كانت ذات بداية وزمنية، لكانت مادية والحال ليس كذلك.
النظرية الثالثة: – يقولون إن هذه العقول هي إلى الأبد، لأنها لو كانت منتهية ومبتدئة، لكانت مركبة، والحال ليس كذلك، لأن كل مركب منحل.
النظرية الرابعة: – يقولون إن كلا من هذه العقول يتميز بالطبيعة عن رفيقه، لأن كثرة الأشخاص تتولد بطبيعة ونوع واحد، بسبب المادة. ولما لم تكن مادة، فالطبيعة أي النوع يوجد بشخص واحد فقط، كما هي الشمس والقمر.
النظرية الخامسة: – إن كلا من الملائكة يعرف ذاته، لأنه مميز (مدرك) ومجرد، ولا تستطيع المادة المثول أمامه، بل تختفي منه.
النظرية السادسة: – إن كل واحد من العقول يعرف جميع الموجودات بنوع كلي وغير متغير، لأنه بسيط، ولذا له وجهة (صورة) واحدة متساوية بالنسبة لجميع الأشياء المعنوية.
النظرية السابعة: – لأن هذه العقول المذكورة علل العالم المحسوس، لأن الجسم لا يقدر أن يكون علة للجسم ولا العرض ولا الله له المجد، لأن العلة الأولى هي لمعلول واحد فقط.
النظرية الثامنة: – إن تلك العقول لا تدرك شيئاً من الجزئيات التي تحدث بواسطة الآلات الجسمية التي هي الحواس الباطنة والظاهرة.
النظرية التاسعة: – إن تلك العقول مجردة ومميزة (مدركة) من العقل، وهي غير جسمية ولا منظورة، ولا مكانية.
النظرية العاشرة: – إن جميع كمالات هذه العقول موجودة فيها بصورة ممكنة. وليس لها شيء بالقوة لأنه لم يكن لها.
النظرية الحادية عشرة: – إن عقل القمر الفاعل والسفلي هو علة نفوسنا الناطقة وجميع كمالاتها.
النظرية الثانية عشرة: – إن هذه العقول التسعة عدا العقل الذي هو العلة الأولى، هي كلية لكل فلك من الأفلاك، وتوجد عقول أخرى خاصة لتلك العملات (الدوائر أو الأبراج) وهي الدوائر الساحبة والحاملة والخارجة عن المركز الخ. تلك التي نعرفها من حركاتها المختلفة. من المغرب إلى المشرق. ومن المشرق إلى المغرب. ومن بطئها وسرعتها.
النظرية الثالثة عشرة: – إن كلاً من الأفلاك تتحرك لأجل الصورة (الشبه) التي في عقلها لأنها تميل إليها، ولأن هذه العقول هي متميزة طبيعة، كذلك حركات الأفلاك متباينة ومختلفة، وقال ثاوميسطوس، يستطيع الفلك أن يكمل هدفه الذي هو إخراج الموضوع من القوة إلى العقل بنوع حركي واحد غير مختلف. ولكنه اختار أن يتحرك باختلاف لتلوين (لتغيير) الحركات التي تفيد قوام هذا عالم التكوين والفساد أما فاريفاطيتوس فيزيف هذا الرأي بقوله: إنه ليس قوياً جداً.[1]
الفصل الثاني
في الاعتراض التي يوجهها القائلون: إن الملائكة
يخدمون (يعبدون) بواسطة السجود للأصنام
الاعتراض الأول: يقول الهنود إن لكل جهة من جهات العالم، ولكل شعب من شعوب البشر ملاكاً روحانياً يدبره فيليق إذن بكل شعب أن يعبد ويكرم ويسجد لفلك الملاك الذي يدبره، وذلك العقل يعبد الذي فوقه، هكذا حتى يبلغ السجود إلى العقل القائم أمام العظمة الخالقة كل شيء، وهو يمجد ذاك كما يجب ويمدحه ويبجله ويقدسه بدون فتور، لأن العقل الروحاني وغير المنظور، قد رتبت وصورت له صورة وجوباً، ليُعرَف بسهولة من كل إنسان، فيؤمه كل إنسان ولا يُنس ذكره.
الاعتراض الثاني: يقولون إن كل إنسان يعرف ضرورة بأن الصورة أو التمثال المصنوع بلا يدي من الياقوت أو اليشب أو الخشب المصقول أو النحاس، بما أنه غير حي ولا يحس، لا يستطيع أن يكون سبباً لفائدة أو لخسارة بعض الخارجين إرادياً. والسجود للأصنام كان موجوداً في العالم من قبل الطوفان وإلى اليوم، ولولم يكن السجود مفيداً للروحاني بواسطة ذلك التمثال (الصنم) كيف يضل الناس العارفون طيلة هذه المدة في مثل هذا الضلال؟ الذي لا يخفى حتى على الأطفال والبسطاء. فينتج إذن ذلك الروحاني الذي يعبد التمثال يعبد الصالح، لأن الشيطان وإن كان روحانياً، ولكنه شرير مضر ولا يجب العبادة.
الاعتراض الثالث: يقولون أن يظن الإنسان الوضيع والترابي أن يستحق لعبادة الله الذي لا تقدر الملائكة أن تقدسه كما يليق به من الإجلال والتعظيم، هي ذنب وحقارة (وجهالة) ولكن يجب عليه أن يعبد الملاك الأقرب منه والذي فوق الأقرب منه، وهكذا رويداً رويداً تمتد هذه التسابيح والمدائح والتباجيل من واحد إلى آخر بأصوات جميلة ساحرة، الماديون يقدمونها مادياً والروحانيون روحانياً، لكي يصرِّح حتى الرجل البسيط والضعيف والبائس بقوله: إني لا أخدم إلا ملك الملوك. وبذلك يكفل له الشقاء الدائم في حياته ولا يستطيع البلوغ إلى هدفه، فلا يليق به أن يخدم الأرفع منه وذاك الآخر وشيئاً فشيئاً، حتى تمتد الخدمة إلى ملك الملوك. كالذي له جنينة صغيرة مثلاً، فإذا قال، إني لا أسقيها قط إلا من نهر الفرات العظيم. فإما لا تنجح هذه الأمنية، أو يحدث أن تنجرف جنينته هذه ويُخطئ الظن والهدف.
الاعتراض الرابع: يقولون، لو كان لكل شعب ملاك يدبره ويهتم في صالحه وخيره، كيف لا يليق بذلك الشعب أن يعبد هذا الملك ويشكره دائماً.
الاعتراض الخامس: يقول أخرون، كل رجال كامل وفاضل كان يموت قديماً، كان يقام له تمثال لكي لا يُعفى ذكره بواسطته، وليقتدي به الأخرون.
الاعتراض السادس: يقول غيرهم، إن الله له المجد، والملائكة هم أجسام لطيفة ونيرة، ولهم أشكال عجيبة وساقين، إذ رسم لكل منهم شكل خاص يشبه، لكي بواسطته يُعرف ويُسجد.
الاعتراض السابع: يقول غيرهم، إن لكل درجة من درجات الفلك الثلاثمئة والستين ملاكاً خاصاً يفعل فيها، ويتم ذلك الفعل بدخول الشمس إلى تلك الدرجة، وبنظرها المشترك مع بقية الكواكب، لأنه ظهر من جراء الآف السنين إن للشمس نظراً كهذا يفعل فعلاً عجيباً ومفيداً. والفلاسفة الأولون عندما كان يحدث كهذا الفعل يرسمون صورة أو تمثالاً على شبه تلك الدرجة، ويوجهون إليه نظراً، وهكذا الذين يأتون بعدهم فيستفيدون من ذلك التمثال، وهذا عمل ذوي الطلاسم.
خبر (حديث): يجب أن نعلم أن اليونانيين قبل زمان إسكندر بن فيلبس المكدوني، كانوا ينصبون الهياكل الكثيرة والأضرحة الباذخة على اسم القوات الروحانية والنيرات السماوية، وأقاموا فيها أحباراً وخداماً ليكملوا فيها الصلوات والخدم الأخرى، وكانت تنذر لهم النذور، فقد بنوا هيكلاً للعلة الأولى أي لله الخفي، وهيكلاً للمعلول الأول وهيكلاً للنفس، وآخر للنوع أي للصورة، وبنوها كلها مستديرة ومثمنة الزوايا، للمشتري دائرة وللمريخ الطويل دائرة، وللشمس دائرة وللزهرة دائرة، والتي في داخلها دائرة أخرى، ولعطارد دائرة التي داخل الخط. وللقمر المثمن الزوايا، وعلى كل من هذه الأشكال. دونوا أراء كثيرة وأفكاراً لا يسعنا المجال لذكرها.
برهان (إعلان) بيعي: ونقول ضد جميع هذه الاعتراضات. إنه يوجد اله خلق كل شيء إرادياً لا طبيعياً، وهو يميت ويحي، ويفقر ويغني، وقد تأكدنا ذلك من البراهين العقلية والكتابية التي سبقتنا. أما كون الملائكة مسلطين على الجهات والشعوب بواسطة الإشارة الإلهية. فقد تعلمناه من الكتاب المقدس. فإذا تركنا ما أدركناه حقيقة بالبرهان ضرورة، وعبدنا الذي تسلمناه رمزياً، فذلك جهل فظيع ووخامة كبرى مشينة.
- حاشية: من قول الحكماء: إن نسبة الموجودات من الباري تعالى بنسبة العدد من الواحد. وإنما قلنا ذلك ليقرب من الأفهام بطريق الوجود. لأن الباري كواحد الأعداد. تعالى عن التشبيه. ولما كان هو الواحد. مكان العقل والنفس والهيولة الأولى، والجسم، والأفلاك، والأركان، والمولودات.
وقد اختلف الحكماء في بدء الخليقة بالألفاظ واتفقوا بالمعاني. فمنهم من قال، الهيولة الصورة، ومنهم من قال النور والظلمة، والجوهر والعرض، والروحاني والجسداني، واللوح والقلم، والمحبة والشوق، والدنيا والآخرة، والوجود والعدم، والزمان والمكان، والعالي والسافل، واللطيف والكثيف، وأقوالهم في الأصول والمعاني متفقة، وفي الفروع والألفاظ مختلفة.