Table of Contents
الركن السابع
في الأرواح الشريرة (الشياطين)
وفيه بابان
الباب الأول
في من هم وفي وجودهم
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في الآراء المختلفة التي للناس عن الشياطين
وفيه ستة مقاصد
المقصد الأول
في تحديدهم وسبب سقوطهم
نقول إن الشيطان هو طبيعة روحية مخلوقة ناطقة ولكن عندما تأمل بجمال طبعه وشدة عزمه إفتخر وتكبر على الله خالقه، وقال حسب نص الكتاب: أصعد إلى السماء وأجعل كرسي فوق السحب والكواكب وأصير شبيها بالعالي. ولذا حتم الحكم العاجل عليه وعلى رفاقه الذين أقرّوا بفكره وسلموا لإرادته، فأصبح ظلاما عوض النور، وسمي شيطانا لأنه انحرف، ودُعي إبليس لأنه وعد باطلاً، ولأنه تأمل بالفكر المضاد للإدراك المستقيم، سُمي روحاً خبيثاً (مجنوناً) بالفساد. ولأنه قال لرئيس جنسنا آدم: “إن الله منعكم من أكل الثمرة لئلا تصيروا آلهة”، سُمي ثلابا، وبما أنه بواسطته يمتحن صبر رجال الله كما لأيوب، سُمي مجرباً الخ. ودُعي بعلزبوب لأنه يرتفع كالعاصفة والإعصار بجسارة نحو السماء. أما المسلمون فيقولون إن الشيطان استقال ولم يسلّم بأمر الله لأنه أمره في بدء خلقته له أن يجثو ويسجد لآدم، ولذا سقط مع طغمته. وقال الملفان يعقوب السروجي ما يشبه هذا في ميمرة عن الأيام الستة. أما المطران يعقوب يرزذل هذا الميمر كما قلنا أعلاه.
المقصد الثاني
في رأي القائلين: إن الشياطين هم أجسام لطيفة وهوائية
يقول البعض إن الشياطين هم أجسام لطيفة وهوائية، ويستطيعون أن يتمثلوا بجميع الأشكال، ويدخلوا في الناس والبهائم، ويفسدوا الهواء، ويزعزعوا الجبال، ويعملوا أعمالاً عجيبة خارقة للقوة البشرية. فيأتون ببراهين مؤيدة إذ يقولون: إذا كان هذا الهواء المستنشق يستطيع أن ينفذ إلى جميع اعضائنا الداخلية و اعصابنا و اوردتنا و شراييننا و مفاصلنا، ويغير مزاجنا ويبدل حالة هبوب الرياح الشديدة، فنرى مدناً كثيرة قد تهدمت، وان البراكين النارية الهائلة تنفجر من داخل الأرض فتزعزع الجبال و الأكام، و تضطرب أنفس الأموات، وكذلك الرياح تتقاذف وتتلاطم في البحر الخضم، فليس من المستحيل ان حيواناً هوائياً أي الشيطان يقدر أن يفعل أموراً أقوى من هذه، وهؤلاء الذين يفكرون بهذا الرأي يؤيدون بقول ماراوغريس: إن لأجسام الشياطين اللطيفة لوناً وشكلاً، ولكنهم يهربون من أمام شعورنا، لأن مزاجهم لا يشبه مزاج الأجساد والحواس، فإذا ما أرادوا أن يتراءوا لبعض الناس، لا يظهروا أجسامهم اللطيفة.
المقصد الثالث
في رأي القائلين إن أنفس الخطأة هي الشياطين
ويقول البعض إنه من المستحيل أن الله له المجد يخلق خليقة فيها كهذا الضرر، ولكن النفس البشرية لما تبعت الشهوات الجسدية، وأظلمتها المادة، وانفصلت من أجسادها، تغربت من الانخراط بالأجواق الملائكية، وهكذا تعلّت وتعكر أجساد البشر والحيوانات أحياناً لتتبعهم وتكمل فيهم أهواءها ولكنها لا تفعل ذلك في كل جسد، بل في أجساد الذين يمتون بصلة إلى إرادتها. وذلك بواسطة الشبه الذي كان في أجسادها الأولى المتلاشية، ويدعم هؤلاء رأيهم بقولهم: إن الجسد الذي يشبه النفس المتغيرة (أي الشيطان) التي تعكره، فهو ذاته المكنوس والمرتب والمزين قال عنه الرب، أي الأرواح السبعة الأخرى رفيقات تلك النفس، ونقول أيضاً: لولم يكن الشياطين هم الأنفس البشرية التي اشتركت بالشهوات الجسدية، لما ارتاحوا قط عندما يكملونها (الشهوات)، ولما حرضونا ورغّبونا بالتمرغ فيها، فهوذا نرى الكثيرين من الناس قد أصبحوا مغرمين بالأهواء، وعندما يضعفون ويعجزون من إكمالها بسبب المرض أو الشيخوخة، تراهم يرتاحون ويتعزون عندما يرون الآخرين يشتركون ويتمرغون بنفس الأهواء، ويودون مخالطتهم ويشجعونهم للعمل.
المقصد الرابع
في رأي القائلين: إن الشياطين يحلون محل الجسد بالعناصر الأربعة
يقولون: كما أن الملائكة الصالحين الساميين يتبعون الأجسام السماوية بسبب سموها واستنارتها وعدم تألمها، كذلك يتبع الشياطين الأشرار والمتألمين والمقلقين العناصر الأربعة بسبب تألمها وضعفها. وإن الشياطين يتبعون النار، وذلك واضح من أن جميع الكتب القديمة تعلّم بأن الخطأة يعذّبون بالنار من الشياطين، كما أن الشياطين موجودون في الهواء، وذلك واضح من رسالة بولس إلى أهل أفسس: “حسب دهر هذا العالم، حسب رئيس سلطان الهواء والروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية” ومن سمعنا الكتاب المقدس، نستنتج أن القوات الشريرة كامنة في الهواء، وتشن حرباً مع نفوس البشر عند انتقالهم ثم يوجدون في الماء وذلك واضح من سماعنا الكتاب المقدس القائل: “عندما اعتمد ربنا، سحق رأس التنين المحسوس المعروف في داخل المياه”. ووجودهم كذلك في الأرض واضح من قول المرتل داود: “أبناء الأرض والناس”.
المقصد الخامس
في رأي القائلين: إن الشياطين هم درجات الجهاد
يقول بعض الفلاسفة ثلاث هي القوى التي في داخلنا وهي: النطق والغضب والشهوة، وعندما تتقوى إحداهن تخضع الأخريان لها، وتنجذب إليها. فالشهوة عندما تتأجج، عندئذ يدنو الفكر من التأمل بها، وعندما يجتاز الفكر إلى لوح التخيل، فيصبح الموضوع المتقدم والمحسوس والشخص جميلاً ومشتهى، وهكذا بالشبه عينه عندما يشتد الغضب، ومن هنا يأخذ الناس بالظن أن الشياطين يحرضونهم على الشهوات وينشبون قتالاً ضدهم، ويريدون إسقاطهم من أعالي الكهوف، ويدعون بأن ذلك واضح من أن الأفكار هي سبب الإنسان عندما يكون هادئاً ومنفرداً في محل بعيد عن مرأى الناس، تتراءى له كهذه المناظر والرؤى بالأكثر، بسبب الفكر اللاهج بالشيء المشتهى لهجاً قوياً، حتى يصير من جرآء ذلك إلى حالة الغضب والهمجية عندما يفشل من إدراك رغبته، فيفكر أحياناً في إبادة نفسه في شتى المهالك والميتات بسبب الضيق الذي يشقى فيه، وتقل هذه التخيلات بالمخالطة مع الناس و المعاشرة، و يعززون رأيهم هذا ببرهان الأصحاء.
المقصد السادس
في رأي المجوس والمناويين عن الشياطين
يقولون: إن العالم الهني، أحدهما صالح ورحيم وسخي، والآخر طالح وضار وبخيل، فللصالح قوات صالحة وهي الملائكة، وللطالح قوات طالحة وهي الشياطين، وارتأى المانويون ما يشبه هذا بقولهم: اثنان هما خالقا العالم والاهاه، أحدهما نور كلي، وله مساعدون آخرون من الأنوار المتباينة في النور الزائد والضئيل، وفي كبر الحجم وصغره، وفي القوة والضعف وهم الملائكة، والآخر هو ظلام كلي، وله مساعدون من القوات المظلمة المتباينين كذلك في شدة الظلمة وقلتها وفي كبر الحجم وصغره وفي القوة والضعف وهم الشياطين.
الفصل الثاني
في تأييد وجود الشياطين
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – نقول إن الإنسان عندما يتنسك ويزهد بهذه الحياة، ويسكن في لأمور العالمية، ويصير في الهدوء الكامل، ويتدرب بالأعمال المضعفة لقوى الجسد، يرى صوراً ناطقة تدفعه للسقوط بواسطة الكلمات المعنوية. وهذه الصور إما لا توجد قط ونوجد إما في العقل البسيط فقط أو في الفعل، والافتراض الأول غير صحيح، إذ لا يجب الظن بعدم وجود الصور الناطقة التي تظهر لنا، فذلك محال والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح، لئلا ينتج الظن في وجود جميع الصور كهذه في العقل البسيط وذلك محال أيضاً، وبالتالي يؤدي القول إن الافتراض الثالث الذي هو جنس الشياطين الذين ليسوا موجودين بالعقل البسيط بل بالفعل.
البرهان الثاني: – نقول إن الأفكار الشريرة التي تخطر على الذاكرة، والألفاظ المتعاكسة التي تتولد في النفس، إما أن يكون الإنسان هو سببها أو آخر سواه، والافتراض الأول غير صحيح، لأن الإنسان لا يسر بها مرارا ويجد في ابعادها عنه، فينتج إذن إن مولدها آخر سواه، وهذا الآخر ليس الله ولا ملائكته، لأنهم صالحون، والصالح يحرض على الصالحات لا الطالحات. وبالتالي يكون الشيطان هو سببها، وعنه يطلقون كلمة شيطان.
البرهان الثالث: – نقول لقد جرب المجربون هذه الدلالة بالمرآة. عندما يقرأون المرآة من البسطاء الغُفّل المجرد عقلهم من الأمور العالمية، فهؤلاء يرون بعض الصور المختلفة في المرآة، فيسألونها عن الأمور الخفية فتظهرها لهم، والواضح أن الشياطين ليسوا إلا هذه الصور ذاتها.
البرهان الرابع: – نقول لقد تأكدنا بواسطة تواتر الشهادات أن احبار السحرة والعرافين يتعلمون أموراً كثيرة خفية وسرية من الأصنام التي يخدمونها ويعبدونها، فنقول إذن إن المشير عليهم ليس الصنم ذاته، لأنه لا نفس له ولا حس ولا نطق. وليس الله له المجد والملائكة، لأن هذه التنبيهات والعلامات تتم بواسطة الأعمال الذميمة التي يمجها الله والملائكة القديسون، كقطع الأخوة نفسهم بالسيوف كما يفعل بعض الوثنيين في طوريا وفاريا، وكأعمال العهارة والنجاسة التي يفعلونها لاراحة نجمة الصبح (بلتي)، وكحجارة الصلب التي تعلق في الأعناق والأحقآء، وكقتل الغرباء في المراسح، وحمل الأطفال وافتراسهم، والرقص والغناء القبيح وسائر الموبقات الأخرى. ولما كانت هذه الأمور السحرية ليست ممنوحة لا من الصنم ولا من الله له المجد ولا من ملائكته الأبرار، فينتج إذن أن الروح الخبيث أو الشيطان هو الذي يتبع ذلك التمثال، ويتكلم فيه ويشير الى أصحابه.
المقصد الثاني
في البراهين النقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – التوراة: وكانت الحية أخبث جميع حيوانات فنقول لما كانت الحية حيواناً غير ناطق فمن المستحيل أن تنطق مع إم الجنس البشري الأولى شيئاً وتثلب خالقها، فإذن يتأكد لدينا أن الشيطان تَزيَّاً بشكل الحية وتكلم بذلك وفعل ما فعل.
البرهان الثاني: – أيوب: وقال الله للشيطان: “احفظ نفسه فقط”.
البرهان الثالث: – موسى: الشياطين الذين لم يكونوا آلهة.
البرهان الرابع: – داود: والشيطان يقوم عن يمينهم.
البرهان الخامس: – له أيضاً ومن الريح التي تهب في الظهيرة.
البرهان السادس: – زكريا: ينتهرك الرب يا شيطان.
البرهان السابع: – الإنجيل: “رأيت الشيطان ساقطاً كالبرق من السماء، وجاء رئيس هذا العالم وليس له معي شيئاً” “هو اركون هذا العالم” ثم ورد “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المعدة للثلاب وجنوده” وجاء “وببعلزبوب رئيس الشياطين يخرج الشياطين”.
ثم “ودنا المجرب ليجربه”.
البرهان الثامن: – بولس: إن ما يذبحه الوثنيون هو للشياطين لالله، فلا أريد أن تكونوا شركاء للشياطين.
البرهان التاسع: – له أيضاً “أو أي اتفاق للمسيح مع الشيطان وأي شركة للمؤمن مع غير المؤمن وأي خلطة لهيكل الله مع هيكل الشيطان”.
البرهان العاشر: – غريغوريوس الثاولوغوس الذي دُعي كوكب الصبح لأجل مجده وظلاماً لأجل كبريائه وتعجرفه، ويقال إن جنوده المردى الذين تحت أمرته وهم مولدو الشر، يهربون من الصلاح ويدعوننا للهرب معهم.
البرهان الحادي عشر: – أوغريس: إن الشياطين الذين يحاربون العقل يدعون بالطير، والذين يثيرون الغضب يسمون حيواناً، والذين يخدمون الشهوة يدعون بهيمة.
الفصل الثالث
في رأي الناكرين وجود الشياطين
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول: – يقولون لو كان الشياطين موجودين، لكانوا إما ناطقون أو غير ناطقين. فإذا كانوا ناطقين، يَحْوزون على إدراك عقلي، ومن هنا لا يجب أن يتخذوا الكذب كالصدق، ولا الشر كالخير. إما نحن البشر، فيحدث، لنا كذلك بسبب الغشاء المادي الكثيف التي يُغشي أعيننا العقلية، فلا يدعها أن ترى الأمور الموجودة كما هي. وهكذا نخطئ من الوجهة النظرية. أما من وجهة العقل فنخطئ أيضاً بسبب القوى الجسدية القوية طبيعة فينا. فالشياطين عندما يخطئون أو يخطئوننا، فبدون قوة طبيعية تظهرهم، ولا يدركون الصدق كما هو، دون أن يكون لهم سبب مانع من الإدراك الحقيقي له، ولذا يتضح أنهم ليسوا ناطقين، ولو كانوا غير ناطقين أيضاً، لما وجب على الأنبياء والرسل أن يرشدوا الناس ويأمروهم برذل الشياطين، وعدم التسليم لإرادتهم، لأن غير الناطق لا يفهم شيئاً، فمحبته وبغضته ليسا شيئاً، ومن هنا يتضح أنهم ناطقون، لأنهم لو كانوا غير ناطقين ولا ناطقين، فلا يكونون موجودين.
الاعتراض الثاني: – نقول إننا نرى السحرة وجميع الذين يخدمون الشياطين يشقون في الفقر المدقع ويتعذبون بالجوع والعري، وهم محتقرون من جميع الناس، فلو كان الشياطين موجودين ويستطيعون الإفادة والاستمالة (الدعاية) لجعلوا خدامهم ومرضيهم أكثر جميع الناس شرفاً وغنى وكرامة. وهوذا الأمر بالعكس. فإذن ليسوا موجودين.
الاعتراض الثالث: – نقول لو كان الشياطين موجودين، لما قُبلت نبوءات الأنبياء، لأنه لا يستطيع آنئذ البشر يميزوا بين الأنبياء الحقيقيين المرسلين من الله والأنبياء الكذبة المرسلين من الشياطين، ولما كان كل نبي يتنبأ ويجترح العجائب ويعمل ما يؤيد نبوءته هو مرسل من الله، ويؤمن الشعب بنبوءته، فليسوا هم الشياطين. وإلا لارتاب الناس على ذلك النبي، إذ ربما يكون الشيطان هو فاعل الأعجوبة على يده وليس الله؟ ولكن طالما لا يرتابون بذلك لعلمهم طبيعياً وإن بدون العلم، عدم وجود الشياطين.
الاعتراض الرابع: – يقولون هوذا نرى جميع المسيحيين واليهود والمسلمين يلعنون ويرذلون الشياطين دائماً، فلو كانوا موجودين، لسببوا الضرر لمحتقريهم، وهوذا لم نرى شيئاً من ذلك، وإن لعناهم دائماً ليل نهار.
المقصد الثاني
الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الأول: – نقول إن الشياطين ناطقون، ولهم إدراك عقليو لكن ليس كاملاً، ولذا يفكرون أفكاراً مضادة للحقيقة، وتتولد فيهم اللذة الوهمية الكاذبة عندما يسقطون، ونقول ضد الذين ادعوا أننا نحن البشر نخطئ بسبب المادة والقوى الجسدية، وذلك بالفكر والعقل. أما الشياطين، لكونهم غير ماديين (هيوليين)، لا يجب أن يخطئوا ويُخطئوا إلا إذا كانوا ناطقين، بأن هذه الكلمة تنسب إلى القضية الكلية الموجبة التي تقول: “كل ناطق هيولي له إمكانية أن يخطأ ويُخطئ”. أما هذه القضية، بما أنها إيجابية ليست كلية، فتعكس على ذاتها كما يعلمنا المنطق، فإذن ليس من الصواب أن نعكس ونقول: “كل ما له إمكانية أن يخطأ ويخُطَّي، يجب أن يكون ناطقاً وهيولياً”، فالشيطان إذن لما كان ناطقاً وليس هيولياً، فله إمكانية أن يَخطئ ويُخطئ.
الجواب على الاعتراض الثاني: – نقول لما كان الشياطين طبائع، فهم يستطيعون الإساءة فقط، ولكن ليس بسلطتهم وإرادتهم، بل بسماح من الله، إذ لا يستطيعون أن يخبروا ويحسنوا للمحسنين إليهم من إرادتهم وذاتهم.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول لقد أجبنا على هذا الاعتراض وحله في المقصد الثاني من البدعة الثانية في الفصل الثاني للباب الثالث في الركن الرابع.
الجواب على الاعتراض الرابع: – نقول لقد سبقنا فقلنا إنهم لا يستطيعون بدون سماح من الله وإذن منه أن يفعلوا شيئاً، ذلك واضح من تجربة أيوب، ومن كونهم لم يجسروا حتى الدخول في قطيع الخنازير بدون أن يسمح لهم.
الباب الثاني
في طبيعة الشياطين الشريرة وفي إدراكهم، وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أنواع شرورهم
وفيه أربعة مقاصد
المقصد الأول
في هل خُلقوا بطبيعتهم أشراراً أو انحرفوا إلى الشر بحريتهم؟
نقول لقد سبقنا وايدنا بالبرهان أن الخالق واحد هو الله له المجد، وهو صالح بطبيعته بالبساطة. والصالح طبيعة لا يخلق خليقة شريرة بطبيعتها، لأن من كان صالحاً بطبيعته، من الممكن أن يكون بالخصوص حكيماً بطبيعته. والشيطان بما أنه شرير وهو خلقة الله، فينتج أنه بسلطته الذاتية وحريته مال إلى الشر، ولم يُخلق شرير بطبيعته، ومن هنا يتضح أنه لم يُخلق صالحاً بطبيعته أيضاً، وإلا لما استطاع أن ينحرف إلى الشر.
اعتراض: – يقولون إذا لم يُضل ولم يُخلق شريراً بطبيعته، فماذا خلق بطبيعته إذاً
الجواب: – نقول إن الله خلقه طبيعة قابل الخير والشر بحرية إرادية.
اعتراض: – يقولون إذا كان الله قد خلقه صالحاً بالطبيعة كما حسن لنعمته، فكيف يكون قد خلقه قابلاً للخير والشر وليس صالحاً بالطبيعة.
الجواب: – نقول إن الأفعال الطبيعية تصلح للخلائق الخارجية الغير ناطقة والغير حاسة، وليس للناطقة وذوي الإحساس، لأن هذا الكمال هو لله وحده، بما أنه الناطق والصالح بطبيعته. أما عندنا نحن البشر، فوإن تكلمنا، ولكن بواسطة القوى الطبيعية التي تؤثر فينا، وهذه هي قوى الجمال والحياة التي منحت لنا من الله له المجد، لكي لا نفكر أنها (القوى) بعيدة عن المنطق. ولذا بضعف هذه القوى نضعف ونتخاذل، ونكون انئذ أقرب للتشبه بالبهائم والنباتات من الإنسان. ونقول أيضاً: من يعكس ويدعي سيئاً فهو ليس ببعيد عن قوله الأصلي. أي: لماذا لم يخلق الله الشيطان ليس شيطاناً؟ وذلك واضح من أن لو كان الشيطان صالحاً بطبيعته، لما دُعي شيطاناً. وظاهر أن هذا السؤال هو باطل، لأنه لم يقل أحد، لماذا لم يخلق الله الإنسان لا إنساناً، والنور لا نوراً.
المقصد الثاني
في هل هناك مجال لرجوعهم إذ أرجعوا؟ أم هل يُرحِموا ام لا؟
لا يستطيع أحد ان ينكر ان الشياطين يُرحمون إذا رجعوا، ولا سيما إذا فهم عدل الله له المجد وعدم فشل محبيه، وان لا يحقد الى الابد ولا يحفظ غضبه، وإذا سمع كلمته الإلهية القائلة: “من يسأل يأخذ، ومن يطلب يُعطى له”. ولكن الارتياب الصعب هو في هل هناك مجال لرجوعهم أم لا؟ وقال البعض، ومنهم ايوانيس الداري، ويقول البعض إن هذا السؤال هو من الأسئلة التي يجب أن نبتعد من البحث عنها، لأنه ليس من خاصتنا أن نعرفها. فقد كُتب: “لا تفحص الأمور السامية عنك، ولا تطلب الأمور التي تفوقك قوة”. ويقول البعض، كأسطيفان برصوديلي وغيره، إن الشياطين يرجعون ويرحمون ويعودون إلى منزلتهم الأولى ويصبحون ملائكة من جديد، دون أن يقيموا لتأييد فكرتهم حجة أي برهاناً عقلياً أو كتابياً. أما نحن، فبما إننا نتبع العقل والكتاب المقدس، فنقول: إن الشياطين بالنسبة إلى طبيعتهم يتبدلوا إلى حالة الصلاح التي هي الرجوع إلى الله، بما أنهم لهم سلطة ذاتية. فكما يستطيعون الرجوع، يستطيعون عدمه أيضاً، وليسوا غير راجعين وأشراراً بطبيعتهم كما سبقنا فقلنا. فهم غير متغيرين إلى حالة الصلاح، أي غير قريبين للرجوع، لأن بغضاءهم لله والإلهيات قد أصلت فيهم شراً غريزياً أصبح طبيعياً فهم. وإن أخذت سطوة من الإرادة، ومن هنا أصبح رجوعهم مستحيلاً، وعدم رجوعهم ضرورياً، كما أنه إذا تربى أحدنا من صغره في ظلمة دامسة، فعندما يحدث ويحدق في الشمس، فحالاً يضعف بصر عينيه، ويهرب عاجلاً بلا مانع ويلج الأعماق القاتمة. وهكذا الشياطين، بما أنهم لا يستطيعون احتمال أنوار الأشعة الإلهية، فلهم لذة في وجودهم تحت الأطباق المظلمة، وهكذا يمكثون بدون رجوع إلى الأبد، وإن كان عدم رجوعهم ليس طبيعياً فيهم، فقد قيل: إذا شاخت العادة أصبحت طبيعة ثانية.
المقصد الثالث
في هل أن الشياطين متساوون في الشر أم يتباينون فيه؟
نقول لو كان الشياطين جنساً واحداً، لربما صح أنهم متساوون بالشر، وإن كانوا أشرار بالطبيعة لا بالإرادة، وبكونهم جنساً واحداً واضح من أمرين:
الأول – من قول الرب: “هذا الجنس لا يُخرج إلا بالصوم والصلاة”. وبذلك أشار أنهم أجناس مختلفة.
الثاني – من كلام الرسول بولس القائل: “إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع سلاطين، مع قوات، مع ولاة هذا العالم المظلم”. وبذلك أشار أنهم سقطوا من طغمات الملائكة المختلفة، وليس من طغمة واحدة. وقد سبق فعرّفنا أنهم ليسوا أشراراً بطبيعتهم. فالشياطين إذن، طالما هم متغيرون بالجنس من بعضهم، فيجب أن يكونوا مختلفين في الشر أيضاً، في الزيادة والنقصان، وتفحص هذه الكلمة الباحثة: بأن الشياطين طالما سقطوا من طغمات مختلفة، فرئيسهم من أي طغمة هو يا ترى؟ فنقول: لم يصرح بهذا جلياً أحد الآباء الملافنة. ولكن عندما نسمع الكتاب الذي يتكلم على شخص واحد فيقول: “لقد طرح من بين الكروبيم”، نظن عندئذ أنه من الكروبيم، لأنه تكلم على شخص واحد بالخصوص، وهو الرئيس وحده، وليس على الذين تحت أمرته. وهذا رأي، وإن لم يكن قوياً.
المقصد الرابع
في أنه إذا كانت العناية الإلهية قد حصرت الجميع، كيف لا يعالج سوء إوداء الشياطين؟
نقول إن الملافنة القديسين يعرفون نوعين للعناية الإلهية:
الأول – العناية على الذين سيكون وجودهم حسناً. فجميع الذين يتأثرون بحريتهم في الإرادة والسلطة الذاتية، فعناية الله تمنحهم بالبساطة نعمة الوجود. أما أن يكون وجودهم حسناً، فذلك أيضاً لهم من العناية الإلهية، على شرط أن تنتسب إرادتهم الصالحة إلى الله والإلهيات. وحينئذ يستحقون العناية. وإذا تجردوا نظير هذه الإرادة، واتخذوا لهم إرادة مضادة، فتكون العناية بعيدة عنهم.
الثاني – الذين يُنفون عدلاً. فالشياطين لما كانوا ذوي سلطة ذاتية ويتصرفون إرادياً وبحرية، فمنحة الوجود لهم من العناية الإلهية. إلا أنهم إذا تجردوا من العناية بحسب النوع الثاني، أي حسن وجودهم، لأنهم ابتعدوا من الانتساب إليها. وهكذا أصبحت العناية عندهم كجفنة نقض سياجها فأكلها خنزير الغاب وأرتعتها البرية. ولما عولجت كثيراً ولم تُشف فيهم تركتهم. ومن هنا ظهر أن الله اهتم بأمر الشياطين واحتاطهم بالعناية بحسب النوع الأول. أما بحسب النوع الثاني، فلم يعتني الله بهم قط.
اعتراض: – يقولون ولِم لَم يُقْدِ الله إرادتهم ويخضعها للانتساب معه لكي يكون وجودهم حسناً، فإن ذلك يليق كثيراً بالله لأنه لا يشاء بالشر ولا يفشل من تبديل الشر إلى الخير.
الجواب: – لو قاد الله له المجد إرادة الشياطين إلى إرادته غصباً، لبطلت إرادة الشياطين. وحينئذ لا يكونون ناطقين ويتأثرون إرادياً، بل غير ناطقين ومنقادين غصباً لا إرادياً. وذلك محال، لأننا بينَّا بالبرهان أن كل ناطق إرادياً لا طبيعياً لا يتأثر أو ينفعل غصباً ما يتأثر به من الخير والشر.
اعتراض: – يقولون هل كان الله يعلم أن الشياطين مزمعون أن يصابوا بالشر غير الشافي أو لم يعلم؟ فإذا كان يعلم، لماذا خلقهم؟ وإذا لم يكن يعلم، فكيف يُعرفَ به أنه يسبق بعلم كل شيء وهو لا يعرف داء الشياطين غير الممكن المعالجة؟
الجواب: – نقول لقد سبق فعلم الله سقوط الشياطين العتيد وقوعه. ولكنه عندما قارن بين وجودهم وانعدامهم، فحكم بأن وجودهم كان خيراً من عدمه، لأن الوجود مهما كان هو خير ما، والعدم شر بالبساطة، ولذا خلقهم، ولو لم يكونوا قد سقطوا إرادياً، لتضاعف عليهم الخير في أن يكونوا كياناً حسناً. فالخير في وجودهم ممنوح من الله، أما الشر الذي في عدم لياقة وجودهم، ليس من الله بل من إرادتهم الاختيارية. ولأجل تأييد هذا الرأي وُضعت أبحاث في الركن الحادي عشر. ولا يحسن لي قول البعض منا، إن الله خلق الشياطين ليخزي بهم صبر الرجال الأبرار، لأن الله لم يخلقهم أشراراً بالطبيعة، لئلا تؤدي الكلمة لأجل السبب، وذلك محال. لأنها تغِّرب (تجرد) الشياطين من الإرادة والسلطة الذاتية، وتعترف بالله له المجد أنه خالق الشر، وهذا الرأي مخالف ومضاد للحقيقة.
اعتراض: – ثم يضيفون بقولهم: هل يشاء الله بهم (بالشياطين) أم لا؟ فإذا شاء، فلم يلامون؟ وإذا لم يشاء، فكيف يذلل إرادتهم وهم خارجون عن إرادة الله الخالقة، فالخالق يجب أن يكون أشد قوة.
الجواب: – نقول إذا كان الله له المجد لا يشاء بموت الخاطئ كما قيل. فكيف يشاء بموت الخاطئ والمخطئ؟ فيجب أن نفهم الموت هنا موت الخطيئة، ونقول ضد القائلين: كيف يخضع إرادتهم لإرادة الله خالقهم؟ لو أن الله يشاء أن يقود الشياطين غصباً إلى الخير بدون تعزز أو عصيان. لربما قيل انه يريد ان تخضع ارادتهم لارادته، ولما كان ليس كذلك. إذ نسب اقتيادهم الى ارادتهم، فلا يمكن ان تعطى القوة لإرادتهم والاضطرار لإرادة خالقهم.
الفصل الثاني
في معرفة الشياطين
وفيه ثلاث مقاصد
المقصد الأول
في هل يعرفون خالقهم؟
إن معرفتهم لخالقهم واضحة من كونهم ناطقين. ويعرفون أنهم ممكنون، وأن كل ممكن ليس وجوده من ذاته، بل من علة. وكلمات الشيطان مع رئيس جنسنا في الفردوس تشير إلى أنهم معروفون من الله، وكذلك ما ورد في الإنجيل: “مالنا ولك يا يسوع الناصري الخ”. وكذلك ما ورد في سفر الأعمال: “هؤلاء الناس هم عبيد الله السامي”. وأيضاً ورد في الرسالة: “إني أعرف يسوع وأعلم بولس”. هذه وأمور أخرى تؤيد بأنهم يعرفون الله له المجد.
المقصد الثاني
في هل هم مرتاحون بحالتهم؟
نقول لو لم يكونوا مرتاحين في حالة تمردهم التي هم فيها، فماذا يمنعهم من الرجوع؟ فإن البشر وإن امتنعوا مرات كثيرة من عمل ما لا يريدون فعله، كقول الرسول: “لا أعمل ما أريد عمله بل ما لا أريده”. وهذا ما يحدث لهم بسبب القوى الطبيعية المغروسة فيهم والموضوعة ضد النفس الناطقة على خط مستقيم، أما الشياطين لما لم يكن لهم من هذا لروحانيتهم وعدم تجسمهم. ولكن لو لم يرضوا بالشر، لما تشبثوا فيه وعملوه.
المقصد الثالث
في هل يحبون بعضهم أم لا؟
إنهم لا يحبون بعضهم، وذلك واضح من أن بعض البشر الذين هم آنية للهلاك وأوعية للشياطين مجردون من الثبات والمحبة والأصدقاء والسلام، على حد قول الرسول. ولكن وإن كانوا متفقين معاً وغير منقسمين على تكميل الموبقات والضلالات وإغواء الناس وإسقاطهم كما قال ربنا إذا انقسم الشيطان على ذاته لا تثبت مملكته، ولكنهم مع ذلك مجردون من المحبة لبعضهم.
الفصل الثالث
في كيف نُحارَب من الشياطين؟
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في أنهم كيف يجذبوننا إلى عمل الموبقات
نقول إن الرؤساء السابقين للأعمال البشرية هم ثلاثة:
الأول – إدراك ما يفيد وما يضر.
الثاني – ميل الفكر إلى نوال ما يفيد، وإبعاد ما يضر.
الثالث – إمكانية قوة الآلات الجسدية، أي الأعضاء، بالنسبة إلى تكميل ذلك النوال أو فعل الإبعاد (الدحض). وواضح أن الشيطان ليس من النوع الثالث الذي هو سبب سقوطنا، لأنه لولا ميل العقل (الفكر) إلى نوال لذة ما ودحض الأدنى، لما تحركت القوة الجسدية لإنجاز الفعل. وليس أيضاً من النوع الثاني بالنسبة إلى سقوطنا، لأنه لولا إدراك العقل لنوع ذلك الفعل، لما مال لاقتنائه أو دحضه. فينتج إذن أن الشيطان هو سبب سقوطنا بحسب النوع الأول. أي عندما لم يكن في خاطر الإنسان شيء من اللذات التي تسقط في الخطيئة، فالشيطان يذكره بها ويقربها إلى فكره، فيصورها أمام عينيه، ثم ينحرف إليها العقل وتتحرك قوى الجسد إلى نوالها. ويثبت المتوحدون المتبحرون هذا الهوى، لأنهم جربوا بأنفسهم المحاربات الشيطانية بأنواع الوسائل المختلفة.
المقصد الثاني
في أن الشياطين لا يستطيعون إسقاط البشر إلا بتوسط القوى النفسية والجسدية
نقول إن البشر لا يتساوون في النوع والمنزلة في ما يشتهونه أو ما يهربون منه. وذلك واضح من أن ما يشتهيه هذا يرذله ذاك وبالعكس. فنحن نرى كثيرين يحبون الفضة حتى إنهم لا يريدون التنعم بالمآكل اللذيذة والمشروبات، والتباهي بالثياب أو الاستكثار من الزيجات أو التبختر بالرئاسة. وآخرين يحبون شهوة بطونهم، حتى لا يريدون السؤال عن غيرهم، وهم بأهوائهم وعهارتهم، مغرومون بكل هذه الأمور التي يبذلون في سبيلها أموالهم ويحتقرون حياتهم. وغيرهم يهتمون في أشياء أخرى مخصوصة. ولذا، فعندما يريد الشيطان أن يخطئ الإنسان، يحصي له جميع أنواع اللذات التي في ذلك الهوى الذي يميل إليه الإنسان طبيعة. وبقدر ما يحاول أن لا ينس منها، ولكنه يحلب بعضها على باله. ولأجل هذا، عندما كان يريد المتوحدون شفاء هوى الزنى في الإخوة، يحتمون عليهم صوماً دائماً ويمنعونهم من العشاء أو شرب الماء بوقت النوم، حتى تضعف قواهم الطبيعية وتخمد نار الحرب فيهم. ويشير إلى هذا الهوى، القديس مار بطرس برسالته الجامعة فيقول: “ابتعدوا من شهوات الجسد التي تولد الحرب ضد النفس”. ويروي بذلك كتاب الفردوس عن الانباء مقاريس أنه رأى الشيطان حاملاً أثمادا مختلفة، وعندما سأله عن السبب أجابه: “إنني حامل هذه لأدخل بها إلى الإخوة، لكي أشهي وأحرك كل منهم بما يميل أو يشتهي، وعندما لا يلذ للأخ هذه الثمرة، أقدم له أخرى، وهكذا أخرى وأخرى حتى اسقطه.”
المقصد الثالث
في أنه بماذا تمتاز الحركات (الميول) الإلهية التي تتحرك فينا من الحركات الشيطانية؟
نقول إن الملافنة المتبحرين، وخاصة المتوحدين الكاملين، لهم تعاليم مختلفة عن هذا المقصد. أما نحن، فطالما نرمي إلى المقياس المعتدل، نقول: إن الإنسان مركب من اثنين: نفس وجسد. والنفس تثبت إلى الأبد، وذلك واضح ومؤيد من الله الهادي. أما الجسد فيضمحل عاجلاً. فكل منا يعرف ذلك من ذاته دون علم. فكل حركة إذن تحرضنا على اقتناء فضيلة النفس قولاً وعملاً، وإن كانت هذه الفضيلة تنال بتعذيب الجسد، ولكن يجب أن نتأكد بدون شك أن ذلك الميل أو الحركة إلهية. والحركة (الميل) التي تحرضنا على ما يضمن راحة الجسد الزائل، لا سيما إذا كانت تلك الراحة بواسطة تكيّف النفس بالأشكال البهيمية والتشبث بالخواص والصفات الحيوانية، فتلك الحركة بلا شك شيطانية.
اعتراض: يقولون إذا كان للشيطان عادة مراراً كثيرة التزيِّي والتشبه بملاك النور، ويحاول أن يسرق حتى المختارين بصورة إيجابية صالحة، ويحرض على فضيلة النفس وتعذيب الجسد للإضلال، فلا فائدة من الانفصال الذي قلتم عنه.
الجواب: نقول إن كل من له عقل رجال حكماء، عندما يتأمل بهذه القضية ملياً لا يضل. فعندما نرى شخصين يرسمان إشارة الصليب معاً ويصليان، إلا أن أحدهما يصلي سراً والآخر جهراً وهو مفتخر ومتعظم، كيف لا نعلم أن الذي يصلي بالخفاء هو الذي يكمل فضيلة نفسه؟ والذي بحريته يضعف ويفشل، لأنه يصاب بداء المجد الباطل والكبرياء. وهكذا نتأكد صراحة وبثبات أن الأول حركته أو ميله إلهياً، والثاني شيطانياً. ولأجل المجد الباطل الذي يكون بواسطة الأعمال الباطلة، ولم يرذلها كثيراً الشيوخ الكاملون، بل سلموا وقالوا: إن الأخ وإن تنسك في بادئ الأمر من أجل المجد، ولكن في الاخير من أجل كمال نفسه، ولأجل الله ليزداد أجره وتكمل فضائله.
خاتمة الكلام عن الشياطين: – يجب أن نعلم أن البعض، ولا سيما المسلمين، يقولون: إن بعض الروحانيين علويون ويجولون في السماء وهم الملائكة، ومنهم سفليون ويطوفون في عالم المادة والفساد، وهؤلاء هم الأشرار والكفار، والمضرون من الناس ويدعون الشياطين. ومنهم صالحون ومؤمنون ومساعدون للناس ويدعون أرواحاً خبيثة مؤمنين. ويدعو الكثيرون من البسطاء وأقوام المسيحيين، ولا سيما الأرمن، كهؤلاء الجبابرة والأفذاذ، فيقولون إنهم وجدوهم مجتمعين على الينابيع والأنهار وفي الغابات المكتظة يُجرون الحفلات. وإن بعض هؤلاء القائلين، نالوا المساعدة منهم، بينما البعض الآخر قد تضرر من جهتهم شر الضرر لعدم معرفتهم بواسطة أدناسهم وقبائحهم. أما نحن فنقول: إنه لم يعلم أحد ملافنة البيعة بهذا، لا بوجودهم ولا بعدمهم. ولذا نتوغل في الاعتقاد بوجود كهؤلاء الشياطين، ولا نؤيد عدم وجودهم. ولكننا ننسب معرفتهم بالمعرفة الإلهية فقط.