دائرة الدراسات السريانية

الركن الأول

Table of Contents

الركن الاول

ويبحث عن المعرفة البسيطة (بالبساطة)

وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول

في ان الأدب ضروري للعاقلين (الناطقين)

وفيه خمسة مقاصد

 

المقصد الأول

في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية

البرهان الاول: ‏ تقول ان المعرفة كمال العقل. والكمال يطلب لذاته (القيام بذاته) فالمعرفة تطلب لذاتها ووجوب قيام الكمال بذاته واضح من لو لم  يكن قائماً بذاته لوجب ان النقص الذي هو ضده يكون قائماً بذاته. ولما كان النقص الذي هو إنعدام الجزء مجرداً عن ذاته وجب أن يكون الكمال متطلب لذاته. فكل عقل مجتهد نشيط إذا يجب ان يتوق إلى المعرفة التي هي كماله.

البرهان الثاني : نقول ان مدركي الحواس محسوسون ومدركي العقول معقولون. كما إننا عندما نسمع صوتاً منسجماً وموسيقياً نشتاق الى الإنصات له. او عندما نشاهد منظراً عحيباً وجميلاً نرغب ان نتطلع إليه، هكذا عندما يخطر على بالنا تصور معنوي جميل سام ، يجب ان نشتاق الى تعقله وادراكه. فمعرفة جميع المعنويات ضرورية للعاقلين (الناطقين) وان اضعفت الحياة المادية ذلك الشوق فينا.

البرهان الثالث: نقول إن الإنسان هو إنسان بإعتباره ناطقاً وعارفاً. وليس كونه آكلاً وشارباً. لأن هذه الأخيرة توجد في غير الإنسان ايضاً، فكما انه (الانسان) رغم نطقه ومعرفته يتعرض للنقص، كذلك بالأكثر يتعرض في بشريته. فالإنسان الحقيقي هو الكامل بالمعرفة. والمجرد من المعرفة التي تُنسب بالاكثر للبهيمة. فالإنسان مجازي ومعنوي.

المقصد الثاني

في البراهين الكتابية التي تؤّيد هذه القضية

البرهان الاول: أيوب أن الحكمة خير من الحجارة الكريمة. لا تشبهها الدرة النقية المتنوعة الألوان، ولا تستبدل بالزمرد والياقوت. الحكمة خير من كل شيء ولا يشبهها شيء.

البرهان الثاني: الجامعة ورأيت ان في الحكمة فائدة اكثر من الجهل. كما أن النور افضل من الظلام وايضاً قوله: “لا تكن جاهلا لئلا تموت قبل أوانك “.

البرهان الثالث: – ابن سيراخ ” لنطلب مثل حكمة الأولين، ولنتجه إلى الأنبياء القدماء ونتعلم اقاصيص كل اناس العالم، ونفكر بالأمور العميقة. وقوله: ان حكيم العالم يرث الكرامة واسمه ثابت الى حياة الابد . وايضاً ” البكاء على المائت المحروم من النور وعلى الجاهل المجرد من الحكمة “.

البرهان الرابع: – هوشع ” من كان حكيماً يفهم هذه، ومن يتفحص جيداً يعرفها: ان طرق الرب مستقيمة “

البرهان الخامس: الإنجيل ،” فتشوا الكتب لعلكم تجدون فيها حياة الابد لكم وهي تشهد لي ” وايضاً ” كل كاتب يتتلمذ لملكوت السماء يشبه رجلاً رب بيت يخرج من كنزه جدداً وعتقاء وايضاً ” دعوهم عميان يقودون عمياناً واعمى يقود اعمى يسقطان في حفرة “.

البرهان السادس: بولس في رسالته الى تيمثارس ” لقد تعلمت الكتب المقدسة منذ حداثتك التي تستطيع ان تحكمك للحياة ” وايضاً « اجتهد بالقراءة والطلبة والعلم حتى آتي ” .

وايضاً ” اسلكوا بالحكمة مع الخارجين، وليكن كلامكم بالنعمة مطيّباً كما بالملح “. وايضاً ، ” كونوا مدينين للمعلمين ، فإنكم الأن تحتاجون أن تتعلموا ما هي الكتابات الاولى التي هي بدء اقوال الله ” .

البرهان السابع: مار يعقوب في رسالته الجامعة  ” اذا كان أحدكم تنقصه الحكمة، فليطلب بدون حسد من اللّه الذي يعطي لكل انسان بالبساطة فيعطى له ايضاً “.

البرهان الثامن: اوغريس ” لقد كوّن كل الطبع الناطق (العاقل) لتعلم معرفة الحق “. وايضاً ” ان الجزء العاقل اكثر كرامة من جميع قوى النفس، لان هذا الجزء يشارك حكمة الله ” .

البرهان التاسع: غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على قيسريوس اخيه , ان الفضيلة كانت سابقة في الكرامة ولكنها أقل في الدرجات .

البرهان العاشر: مار افرام ” لتكن الكتب مائدتك تشبع منها لذة، ولتكن مناماً لك فتنام نوم الراحة “.

المقصد الثالث

في البراهين الكتابية التي تؤيد ان معرفة القديسين مشركة بمعرفة الخارجين

(الفلاسفة)

البرهان الاول: القديس ديونيسيوس الاريوباغي في رسالته السابعة الى فوليترفوس الاسقف يقول له ” ان من قال لافولوفنيس لفظة الجاحد، كأنه يشتمني ويدعوني ضارب أبويه، كمن يستعمل بدون عدل عادات الوثنيين ضد بعضهم، فماذا تقول عن خسوف القمر الذي حدث وقت الصلب الخلاصي. اذ كنا كلينا قريبين من بعضنا في مدينة القدس، وواقفين معاً نتطلع الى القمر الذي سقط باندهاش عظيم من السماء، فلم يكن وقت التنام مجمعهم وكذلك قامت الشمس في مركزها المتوسط من الساعة السادسة حتى التاسعة. بنوع يفوق الطبيعة، اذكره واذكر كل شيء، أعلم أننا رأينا قد أبتدأ مجيئه من المشرق، وبلغ حتى نهاية السماء، ثم عادت مشت ولكن لم يكن سقوطها وتطهرها من جديد، من الجهة ذاتها، بل من الجهة التي أمامها في المركز المتوسط . فهذه هي عجائب زماننا، وكهذه كان يخبر القديس ديونيسيوس بإستقامة ويتفرس ويتبحر في علم الفلك.

البرهان الثاني: القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على موت قيسريوس اخيه ، ” وحينئذ عندما انفصلنا عن بعضنا. اذ بقيت انا في المدرسة بفلسطين التي كانت تزهر بمحبي الفصاحة، اما هو فعندما بلغ الى مدينة الكسندروس وهي حانوت كل ادب كما هي الآن وكما ينتظر منها بعد.

اذ اختار منها مهندسين وفلكيين ومتخصصين بالأدب الذي لا يفيد الغرباء بل هو قيد لهم، والذين امتازوا بالاعداد والحسابات والطب العجيب، والأشياء التي تبحث عن الامزجة والطبائع واعراض الأمراض، اذ عندما تستأصل شافة الامراض، تقطع اغصانها ايضاً، فمن هو إذن غير متعلم ومخاصم ليعطى ثانوياً كما اعطي لذاك، ولا يحب ذلك اذا احصي بعدئذ . فهذه الأقوال تفيدنا ان ملافنتنا القديسين كانوا يدرسون جميع ما كان يدرسه ويدرّسه الفلاسفة الخارجيون.

البرهان الثالث: القديس غريغوريوس النوسي في مقاله على خلقة الانسان , لقد علمت علة اخرى للصور والرموز الحادثة في النوم عندما كنت اطبب احد الاقرباء الذي اصيب باختلال عقلي، وغيرهم من الذين يتألمون في معدتهم، وغيرهم من الذين يتوجعون عندما يزداد شحمهم في جسمهم، وغيرهم من المصابين بحميات متنوعة وبعرض المرارة والبلغم الخ، فاولئك ليسوا هؤلاء المعذبين ولا غيرهم، ومن هنا تتضح لنا مهارة القديس غريغوريوس في فن الطب.

البرهان الرابع: وتُحدثنا كتب التواريخ الكنسية، ان القديس باسيليوس اسقف قيسارية قبادوقية والقديس غريغوريوس الذي رسم منه لنزيانزو، كانا يتدرجان في تعاليم الفلاسفة في مدينة اثينا. وهذا ما رآه يوليانس الجاحد الاثيم، فذهب هو ايضاً في ذلك الزمان الى هناك للتأدب. فقال القديس غريغوريوس الويل لرومانيا ماذا تربي.

المقصد الرابع

في البراهين الكتابية التي تؤيد بان الملافنة القديسين قد استعملوا الجدال

والاعتراضات والتشبثات

البرهان الاول: الابركسيس ” وكان بولس يتألم ويتمرمر بروحه، عندما كان لابثا في اثينا، اذ كان يرى كل المدينة مليئة بالأصنام، وكان يتكلم في المجامع مع اليهود ، ومع الذين يخافون الله، وفي السوق مع الذين يناؤون بعضهم كل يوم، ومع الفلاسفة الرواقيين، ومنهم كانوا يقولون ماذا يريد هذا لافظ الاقوال ، وكان يساجل اليهود الذين كانوا يعرفون اليونانية.

البرهان الثاني : بولس ” وليعلم كل انسان كيف يجب ان يرد الجواب “.

البرهان الثالث: القديس ديونيسيوس في اعتراضاته الأربعة والعشرين في الباب الرابع من المقالة الثالثة، يظهر فيها عن كثرة محبته للمجادلات والتشبثات الكلامية.

البرهان الرابع : القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله

على موت قيسريوس اخيه : “وهناك بعض الاعتراضات البليغة والسامية، فليست غير ملذة لي للذكرة “. وايضا في مقاله الأول عن الابن “لا يفيد المؤمنين الالحاح وزيادة الكلام والاعتراض يكفي ضد واحد، ولكن ضرورة لان اكثر الادوية هي للامراض المتنوعة، ليعلموا انهم ليسوا حكماء في كل شيء، وانهم عاجزون بهذه الامور الزوائد التي تبطل الانجيل.

البرهان الخامس : مار افرام ” ان الدرس بمقياس هو دواء الحياة، وبدون مقياس سم الموت، فيا شارب الماء بمقياس. اجعل مقياساً لدرسك ايضاً “.

البرهان السادس : مار ايوانيس ” عندما يحل لك ان تلقي على عدوك التشكك، فلا يكن سؤالك له بسيطاً، ليكن الرد كذلك، بل دعه يستعبد فيه لعدم المعرفة فلماذا تجعل عليك قيوداً كثيرة.

المقصد الخامس

في انه يجب التفاضل في العمل كما في الرأي

يجب على الإنسان أن يعتني ويهتم بخلاص نفسه، لكي فضلاً عن إخراجه إياها من القوة الى الفعل بواسطة المعرفة، أن يزينها بالأعمال الفاضلة، إذ يشير لنا قول الحكماء: ” ان الحكمة لا تسكن في النفس الملوثة بالشرور ” وعندما يجعلها العقل مجردة من النوازع المادية، عندئذ يعوّدها على الصفات العريَّة عن الاهواء، ويطهرها من الشهوات المظلمة، ويبررها في جميع تصرفاتها، ويسلطها كالملكة على مستعبديها وخدامها وعلى القوى الطبيعية، ويعدها مديرة ومسيّرة لكل عبيدها وإمائها. ويجعل صاحبها يستعمل الضروريات فقط في المأكل والمشرب والملبس، ويقيس تدبيره بنظام لقوام حياته لا للتلذذ والتمتع الباطل. فاذا لم يبدد ايامه بمشاركته الاتباع (التبعية)، عندئذ يستطيع التحليق سريعاً الى العلى، فيرذل ويحتقر الاموال والمقتنيات، ولا يقتني اذا امكنه حتى الخيط، ويكفيه مثل الجمل وخرم الابرة، وبذلك يزيل ويبدد الحدة، واذا احتد فعلى نفسه فقط، واذا اضطرم وتغافل او تضجر، ويعلم ان أفضل كل الميول الجسدية هي الصلاة واكثر فائدة في انواع السكون الجسدي هو سكون الصوم، وان الصمت خير من الكلام، لان الطبع البشري قد جعل الحواس توأماً، واللسان واحداً. لكي يحدق الانسان شاخصاً دائماً إلى اللّه ويكحل عيني فكره (عقله) بالاتحاد الروحي، فيبرق وإن ببريق ضئيل من اشعة السماء، فيسكب لاجلها الدموع، وكهذه الرؤية لا يجب ان تكون مجازية، ولا يستأهلها الانسان عاجلاً دون تدرج واختبار، بل بواسطة المخلوقات العجيبة من السماويين والارضيين، وبترتيب الحركات الفلكية، وبالاختلاطات وامتزاج العناصر وحفظ الانواع الحيوانية، ونطفات السيل وجمال الطبائع النباتية، بالبذرة الميتة والهالكة. فعندما يتأمل ملياً بهذا كله، يرتفع من معرفة المعلولات الى العلة باندهاش عظيم، وحينئذ تهبط الى اعماقه ملكوت السماء، وتبهره محاسن المخلوقات، وتتجلى قبل كل شيء في نفسه، فابئة الأحرار التي تخلصت من القيود والأغلال المادية. والعصفور الذي تملص من الفخاخ والربط العصية، عندما ينظران الى هذا العالم وشهواته، وفي هذا الشكل البديع ولذاته، يتنهد كل منهما على رفاقهما، وتفيض الرحمة والشفقة عليهم، وكلها تذعن صاغرة لتسليتها بالأوحية والمشاهد المتنوعة، ثم تشرق عليها اشعة الالوهية التي تنافس اشراقاتها بعضها، وتتغلغل خيوطها في بعضها. وعندما يتنقيان من الحمأة، عندئذ يزدردان من الينبوع، ويصبحان مع الجسد كمن لا جسد له، ويتراءيا بجسم كالذي ليس من خاصته، هذه هي الحكمة التي رأسها مخافة الرب، وهدفها محبة الخالق، فطوبى لمن يتكئ في منازلها ويجول في مخادعها. ويقتات من ذخيرتها. ويسعد للشرب من اجانتها.

الفصل الثاني

في رأي القائلين: لايوجد ادراك

وفيه ثلاثة مقاصد

المقصد الاول

في اعتراضات الذين يزيّفون

ادراك الحواس

الاعتراض الاول: يقولون ان حاسة النظر لا تدرك اكثر الأوقات الموضوع كما هو. اي انها تحسب الظل المتحرك كالواقف، والنجم الثابت بجوار السحابة المتحركة كأنه متحرك.

والسفينة الماخرة كالراسية، والارض التي على ساحل البحر او النهر كأنها متحركة، والقطرة الهابطة من الفضاء كالخط المستقيم، وترى العنبة في الماء كالاجاصة. ويتراءى الخاتم للعين عند اقترابه منها كالسوار، والواحد اثنين، اذ ان البؤبؤ ينحرف نظره، فيرى الكثيرين واحداً كالالوان المختلفة على حجرة الرحى الدائرة، ولا يرى القمر الضارب شعاعه في الماء، والثلج الابيض عندما تكون بعض قطراته الجليدية الصغيرة لونا ًليس ابيض، ويرى مسحوق الزجاجة الابيض كأنه ليس ابيض ولا يتخلله الهواء. وهذه الاشياء وغيرها هي مدركات حسية، وعدم صحتها واضح، ولذا يشير النبي اشعيا القائل:

” انه لا يحكم بحسب رؤية عينه، ولا يوبخ بحسب سمع اذنيه، ليحكم بالحق ويوبخ بالاستقامة “. ومن كلامه نفهم ان نظر الاعين وسمع الأذان ليسا حقيقيين ولا مستقيمين.

الاعتراض الثاني: يقولون ان الانسان يرى اشياء كثيرة في حلمه ويصرح بأنها حقيقية، وعندما يستيقظ يرى حكمه الحلمي غير صحيح، فيمكن ان تكون هناك حالة اخرى، يظهر لنا بواسطتها مظهر الاعمال كلها التي في اليقظة والتي نتصرف بها. ومن هنا يتضح لنا ان ادراك هذه المحسوسات كلها وهمية وليست ثابتة.

الاعتراض الثالث: يقولون ان المتألمي بألم البطنة المملوء، ضرراً، ينظرون اشباهاً غير موجودة كأنها موجودة، فيصرخون وينادون ويرهبون منها احياناً، ولما كان يعرض للانسان عند المرض نوع من هذه، فليس من المستحيل حدوثها له، ومن هنا لا يبق اي استناد على الادراك الحسي.

المقصد الثاني

في اعتراضات الذين ينكرون ادراك العقل

الاعتراض الاول: يقولون، ليس هناك للعقل شيء ضروري جداً يجب ان يعلم هل هو موجود ام غير موجود، وعدم صحة هذه المعرفة واضح، من ان الشيء الأخذ بالوجود اذا كان موجوداً، لماذا يوجد من جديد، وان لم يكن موجوداً.

فبماذا يتميز عن الشيء الذي لم يأخذ بالوجود. فكلاهما غير موجودين. وهذا ما يؤيده القديس ديونيسيوس بقوله: ان الله ليس من الاشياء الموجودة، ولا من الاشياء غير الموجودة، ولا يمكن ان يحكم العقل اذن بالشيء انه موجود او غير موجود.

الاعتراض الثاني: يقولون اذا حمل العقل (نسب) الاشياء

الموجودة على الشيء الذي في حيز الفعل ضرورة، بقوله مثلا:

الشمس موجودة، فإذا كان مفهوم لفظة (الشمس) هو ذاته مفهوم لفظة (هو). لا فرق في قولنا الشمس موجودة او ان نقول (الشمس الشمس)، وذلك محال، واذا كان مفهوم لفظة الشمس ليس ذاته مفهوم لفظة (موجودة موجودة) او (هي هي) فاذن يفهم ان الموجود ينسب (يحمل) على غير الموجود.

وهذا أشد محالا، فالطبائع التي في حيز الفعل ليس من العدل ان يحمل عليها العقل الاشياء الموجودة.

الاعتراض الثالث: يقولون عندما نرى شيخاً غريباً، يحكم عقلنا ضرورة انه مولود من اب وام، وقد تدرج مرحلة اثر مرحلة حتى شاخ، ومع معرفتنا هذه الضرورية، يمكن ان الله خلقه بغتة بهذه الحالة، لانه ليس عند الله أمر عسير، حسب اعتقاد النصارى والاسلام واليهود. او ربما حدث انتقال غريب بين الكواكب الذي حدثت من تأثيره قضية خلقة ذلك الرجل الفجائية العجيبة من دون اب وأم كرأي الفلاسفة الخارجين، وواضح ان الأمكان يبطل كلياً كهذا الرأي، ويلقي جميع مدركات الفعل الضرورية تحت الظن والتخمين.

الاعتراض الرابع: لا يوجد قط مبدأ (عقيدة) بيعي خارجي غير متضاد عن مبدأ آخر، وهذا واضح من انه في كل مبدأ او عقيدة اناس عقلاء وفضلاء وماهرون وخبراء.

فلو كان العقل كافياً لادراك الحق، لما وجب وجود التضاد بين هؤلاء العقلاء، ولما كان موجودا. نتج ان العقل لا يدرك الموجود كغير الموجود .

الاعتراض الخامس: يقولون اننا نرى الانسان يتمسك مسكاً مستقيماً في مبدأ او عقيدة ما، ثم يعود فيتركها ويتمسك بغيرها، كما طرح بولس وديونيسيوس وكثيرون غيرهم، وربما يحدث هذا التغيير بزيادة اشراق العقل. ولما لم يكن لهذه الزيادة حد، لان كمال العقل يشبه كمال الله.

فيتضح ان كل ما يدركه العقل ويعترف بحقيقة ليس حقيقياً.

بل الذي يدرك بعد زيادة الاستنارة (الاشراق) هو الاشد حقيقة، وينتج لدينا تعدد لفظة اشد اشد اشد

( ܝܬܝܪ ). وهكذا الى لا نهاية، وبالتالي لا يستند العقل على ادراك الشيء الحقيقي الثابت.

الاعتراض السادس: يقولون ان اختلاف وتغيير العوائد ينتجان تغييراً كبيراً في العقائد، كالذي اعتاد كل حياته سماع اقوال الحكماء والفلاسفة الخارجين، فعندما يسمع عن اسرار المسيحيين وحديثهم عن تجسد اللّه الكلمة، يحتقرها ويسخف باصحابها، ومهما اكثر ثم له من آلاف البراهين والشهادات، فاذا أمنعت العادة العقل من ادراكه الاساسي، يمكنه ان يدرك جميع الاشياء ضرورة ولكن عموما بحكم العادة هكذا، وهي ليست كذلك.

المقصد الثالث

في البراهين الكتابية للذين يرذلون الحكمة

البرهان الاول: الجامعة ” بكثرة الحكمة كثرة الغضب والذي يزداد معرفة يزدادهما». وايضا ” لا تتحكم كثيرا لئلا تتكبر “.

البرهان الثاني: بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس ،” الم يرذل الله حكمة هذا العالم “. وأيضا ، لان اللّه اختارجهال هذا العالم ليخزي الحكماء “، وايضا قول الرسول ” لم ابشرهم بسر اللّه بواسطة الكلام العالي ولا بالحكمة . وايضا« لم يكن كلامي باستعمال كلمات الحكمة، بل ببرهان الروح والقوة ” وايضاً ” فإن حكمة هذا العالم جهالة عند الله “.

وايضاً في رسالته الى اهل كولوسي ، احذروا لئلا يسلبكم ويغويكم احد بالفلسفة وضلال الباطل، كتعليم الناس وكمبادئ هذا العالم ». وايضا في رسالته الى تيموثاوس

” يا تيموثاوس احترز بما أودع بيديك، واهرب من الالفاظ الباطلة ومن اعتراضات المعرفة الكاذبة. فالذين قد تشبثوا بها ضلوا انفسهم وحادوا عن الايمان “. وقوله له: “ابتعد عن الخصام ومناقشات الكتبة فهي باطلة وليس فيها فائدة ».

وقوله ايضاً انفر من الرجل المبتدع بعد ان تنصحه مرة ومرتين ).

البرهان الثالث: يعقوب في رسالة الجامعة ” فإن هذه الحكمة لا تهبط من العلى، بل هي ارضية، من خيالات النفس ومن الشياطين “.

البرهان الرابع : القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله الخامس عن البرد ( أن الحكمة الاولى هي أن نحتقر أولاً حكمة الكلام التي وضعت بإعادة الالفاظ والتصرفات المرذولة الباطلة .

الفصل الثالث

في هدم رأى الكذابين الذين يكذبون المعرفة

وفيه ثلاثة مقاصد

المقصد الأول

في الرد على أعتراضات الذين يكذبون إدراك الحواس

الرد على الاعتراض الأول: نقول أن الحواس طالما تجري طبيعيا بآلات أعضائها، والمواضيع المحسوسة منها بنوع جيد، ولا يطرأ أي خطأ على إدراكاتها، لأن العقل هو حاكم الحواس، وهو كاف ليميز بين المدركات الحسية المستقيمة والمعوجة .

الرد على الاعتراض الثاني: نقول لو لم ندرك الحالة في الحلم بواسطة حالتنا في اليقظة، كما لم ندرك حالتنا في اليقظة بواسطة الحالة في الحلم، لكان بإمكاننا تشبيهها بتلك، باعتبارها مثلها لا وجود لها، وليست حقيقة ثابتة، ولما كنا ندرك الحالة في الحلم بواسطة حالة اليقظة، فهكذا ستحصل لنا نفس الحالة في الآخرة بعد القيامة العامة، فأي تشبيه ومناسبة لهذه بتلك إذن؟

الرد على الاعتراض الثالث: نقول كما أن المرض هو ضد الصحة، هكذا أعراضهما يجب أن تكون متضادة، ولما كانت الاشباه التي تتراءى عند المرض كأنها غير موجودة، فالتي تظهر في وقت الصحة يحب أن تكون موجودة حقاً وإذا تكن متضادة فقد اصبحت متضادة وهذا محال .

المقصد الثاني

في الرد على اعتراضات الذين ينكرون إدراك

العقل

الرد على الاعتراض الاول: نقول أن الموضوع الآخذ بوجود وإن اشترك بغير الآخذ بالوجود لعدم الوجود. ولكنهما يتميزان باعتبار أن العلة الفاعلة للموضوع الآخذ بالوجود لها إمكانية الايجاد. وبعكسها العلة الفاعلة لغيرالآخذ بالوجود. ومن هنا ينجم المحال الذي بلغتم إليه بسب اشتراك الآخذ بالوجود مع غير الآخذ بالوجود. لعدم وجود كليهما بعد. والقديس ديونيسيوس يفيدنا في مقاله ذاك أن لا شيء يضارع الطبع الالهي . وذلك لا يدل على عدم وجود الله. حسبما يتضح من سائر تعليمه.

الرد على الاعتراض الثاني : نقول أن تمييز مفهوم كلا لفظتي (الشمس) و (موجودة) من بعضهما. لا يضادان بعضهما. لكي لا يحملان على بعضهما. فالشمس طبيعة خاصة معروفة بذاتها. لأنها موجودة بالفعل. ولفظة موجودة محمولة إليها. فلو لم تكن موجودة بالفعل لنسبت (حملت) إليها عدلا لفظة غير موجودة .

الرد على الاعتراض الثالث: ‏ نقول أن البرهان القائل: إن كل إنسان مولود من أب وأم. وقد بلغ إلى الشيخوخة

بالتدريج، ليس ضرورياُ كالبرهان القائل: إثنين نصف الاربعة، وإن الإنسان حيوان، لذا فهو ممكن، وإن العقل يدرك غير الممكنات كأنها ممكنة بدون أي لوم.

الرد على الاعتراض الرابع : نقول أن صحة اهتداء العقل لادراك الحق بواسطة الاستنارة من العلى ليست عندنا فقط نحن المسيحيين، بل يأخذ بها الفلاسفة الخارجيون أيضاً فإذا بقدر زيادة أسباب وعلامات هذه الاستنارة، هكذا  يجب الاعتماد الأكيد على إدراك العقل. وهذه الاسباب التي هي صورة العقل، تحدث بواسطة التقشف ومواصلة الصلوات وتقليل الاختلاط الجسدي، وعجائبها المدهشة التي تجترح بواسطة رؤساء الدين، واضحة وضوحاً جلياً في الديانة المسيحية خاصة، فكل هذه المواضيع التي وضعها الملافنة القديسون على الكائنات النظرية هي حقيقية .

الرد على الاعتراض الخامس:  نقول أن المبدأ الحقيقي لا يمكن وجوده عند كاملي العقل فقط، وليس من الصحة عدم وجود عقيدة حقيقية للبسطاء والمغفلين أيضاً. والعقيدة (الديانة) الحقيقية هي أن يعرف الإنسان أن الطبع الإلهي واحد حي وناطق، وحياته ونطقه أقنومان قائمان بذاتهما وأزليان. وواضح أن هذا الرأي محدود، لكي لا يكون الحصول على العقيدة الأساسية ممكناً كما تقولون.

الرد على الاعتراض السادس:  نقول أن العادة تستطيع منع العقول غير المؤدبة والمدربة والعقول الساذجة البسيطة فقط من إدراك الحق، وليس العقول الرفيعة والمتسامية بالمعرفة.

المقصد الثالث

في الجواب على برهان مبغضي الحكمة معاً

نقول أن لفظة الحكمة تطلق بتساوي الاسم على المعرفة الحقيقية والرئيسية، ولذا فهي مجازية وكاذبة، فالحكمة التي رُذلت من الانبياء والرسل والأباء مجازية وليست هذه التي نقول عنها. فهي صادقة، إذ نحن نفتش عن الرئيسية بقدر استطاعتنا، وذلك بواسطة العقل والكتاب. أما الأخرى المضادة فيجب أن نُسقط منها هذه المعرفة، وهذا ما تلزم معرفته.

Scroll to Top