Table of Contents
الركن الحادي عشر
في الحكم والآخرة ومجازاة الابرار والاشرار وفيه ستة ابواب
الباب الأول
في علامات الانقضاء وفيه اربعة فصول
الفصل الأول
في هل ان زمان النهاية معلوم ام لا ؟
لا يعلم احد ذلك اليوم ولا تلك الساعة ولا الملائكة الذين في السماء الا الاب وحده، كما صرح هو الحق سبحانه، ولما كان الانسان لا يعلم، ولا هو ذاته (المسيح) بكونه انساناً كاملاً والله يعرف كل شيء، لذلك عندما شاء تلاميذه ان يفهموا منه هذه الامور زجرهم قائلا: لم يعط لكم ان تعرفوا الازمان والاوقات التي وضعها الأب بسلطان نفسه. وطالما هذه الامور هكذا هي فيتضح ان جميع الأمور المكتوبة والمقولة في هذا القصد والاوقات والازمان والسنين المحدودة لم يصرح بها من الروح القدس. ولهذا ايضا أن اموراً كثيرة في هذا القصد غير مقبولة بسهولة في البيعة المقدسة، كرؤيا يوحنا الموضوعية للرسول بن الرعد أو بالاحرى يوحنا الآخر كما يقال لا يعرفها الا الله وحده ومن هنا يظهر أن ماقيل عن نهاية العالم التي ستحدث في نهاية الالف السابع وهم وهذيان.
وقد تمخضت به احشاء الفلكيين والمنجمين وولدته. وكيف يمكن ان يتفق مع هذه الحقيقة التي نطق بها ربنا، كونوا مستعدين لإن ابن الانسان ياتي في ساعة لا تظنونها ومن يتشبث بهذه الاوهام يوبخ من الرسول بولس القائل ” افهل رجعتم ايضا الى العناصر الضعيفة المخلة فتحفظون من جديد الازمان والاوقات والسنين والشهور، اني اخاف عليكم لئلا يكون بقي فيكم باطلاً. وقال ايضا “عن الاوقات. لاحاجة ان اكتب لكم يا اخوتي فانتم تعلمون جيدا ان يوم الرب يأتي كلص في الليل”
اعتراض: – يقولون لو لم تكن نهاية العالم في نهاية الألف السابع كيف قال سليمان – اعط فرصة (حصة) للسبعة والثمانية ؟ .
الرد: – نقول ان سليمان يشير فقط الى ان العالم محدودة بالاسابيع، وفي الاحد الذي هو البداية والنهاية أي اول وثامن الايام يبتدئ العالم الجديد الروحاني.
اعتراض: – تقولون لو لم يكن ذلك اليوم وتلك الساعة مدركين، كيف أعطى الرب علامات في الاناجيل وعهده المقدس لمعرفتهما؟
الرد: – نقول ان هذه العلامات لا تدل بتعمد وبصراحة الى ذلك اليوم وتلك الساعة، بل الى قربهما، كما يشير له المجد بقوله “واذا رايتم هذه كلها فاعلموا انه قريب على الابواب”.
الفصل الثاني
في علامات اقتراب (دنو) الانقضاء
وفيه مقدمة واربعة مقاصد
المقدمة
نقول ان السيد المسيح أشار إلى علامات الانقضاء في اناجيله الشريفة بوضوح قبل ان يتألم ويقوم من بين الاموات، وأيضاً من بعد أن تألم وقام من بين الاموات، عندما ظهر لتلاميذه الاطهار وجس من توما. اذ لما طلبوا منه ان يخبرهم عن علامات انقضاء العالم، اعلمهم كما كتب قليميس الروماني. وتكلم على فم الرسل في كتابه الأول الذي دعاه عهد ربنا، ولا حاجة ههنا لتكرار هذه العلامات التي تقرأ وتفحص بالاناجيل في البيع، بل نقتصر على جلب الاشياء الاخيرة المكتوبة في العهد فقط.
المقصد الأول
في الرؤساء والملوك
قال القديس قليميس لقد صرح الرسل بإن الرب قال لهم. انه بعد الجوع والوباء والاضطرابات التي تحل في الشعوب، يتسلط رؤساء يحبون المال ويبغضون الحق، يقتلون اخوانهم يكذبون يرذلون المؤمنين يتكبرون ويحبون الذهب، متساوون في الجنس وغير متساوي الرأي، يطلب كل منهم اهلاك حياة رفيقه. وسيحل في قواتهم ضيق شديد وتشريد وهرب وسفك دم. ويقوم في الغرب ملك غريب الجنس، رئيس المكر ليس له اله، يقتل الناس ويضلهم يحب المال كثير الهواجس، شرير يحتقر المؤمنين ويضطهدهم، يتسلط حتى على الشعوب البرابرة، ويسفك دما غزيرا، حينئذ تحتقر الفضة ويعز الذهب ويصير في كل مدينة ومكان نهب وسلب اللصوص واحراق دماء وخطف وخراب الخ.
المقصد الثاني
في علامات السماء والتي على الارض
وقال ايضا لقد اخبرهم الحق سبحانه بقوله “ان القدس تتراءى في السماء والبوق والمصباح وطنين الاصوات غير المؤقتة، وهيجان البحر، وثوران الأرض، وولادة التنانين. والكواس من الناس والصبايا اللواتي يتزوجن جديداً يلدن اطفالاً يتكلمون كلمات كاملة، ويتنباؤن عن الازمنة الاخيرة ويذعنون للقتل وتصبح نظرتهم كالطاعنين في السن ويبيض لونهم، وتلد النساء اطفالاً ذوي اربع ارجل، وآخريات يلدن أرواحاً فقط وآخريات ساحرات في البطن ويتكلمن عن العرافات والجان.
المقصد الثالث
في تبلبل (اضطراب) الرعاة والرعايا
يقوم رعاة غير عادلين وائمة محتقرون طماعون محبو الشهوات والفائدة والفضة كثيروا الكلام متكبرون مستعظمون ملتوون سخفاء، مشعوذون محبوا المجد الباطل يضادون سير الانجيل يهربون من الباب الضيق، غير متألمين على خطاياهم، ويجولون بين الشعب، وهم عديمو الايمان نمامون يحبون الشر والقسوة والاحتقار والغيرة والعداوة، والخصام والسرقات والاسلاب والسكر والجشع والعهارة والفجور والمجون، فيحتقر منهم مختاري وقديسي يقول الرب ويدعونهم بخسين. اما هؤلاء (تلاميذه) اطهار ومنسحقون ورحماء ولطفاء وودعاء، ومع هذا تضطرب الممالك وتمتنع الاسباب ويتقلص نفوذ الناس، ويتسلطون على اسواق البيع والشراء، ويتضايق الكثيرون، فمتى حدثت هذه يعلم انها قد دنت لتولد الفساد. لان وقتها قد دنا وحينئذ ياتي ابن الهلاك.
المقصد الرابع
في هلاك الاماكن في الازمنة الاخيرة
تكون سوريا مسبية وقيليقية تندب اولادها وترفع عنقها حتى يظهر الذي يدينها، وتقوم ابنة بابل عن كرسي مجدها لتحتسي العصير الذي عُصِر لها. وتحني الظهر قبادوقية ولوقية وليقاونية لاجل الابناء الكثيرين الذين يبيدون بفساد اثمهم. وحينئذ تنفتح جماعات البرابرة وتخرج المركبات الكثيرة لتغطي كل ارض الارمن والبنطس وبيتونية وبيسيدية تتحطم الى الحضيض وتدخل الحرب الى فينيقية، ويهوذا تتمنطق حزناً وينفتح المشرق وتنفتح الطرق لها.
الفصل الثالث
في ابن الهلاك وعلاماته
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في تغير اسمه والشهادات المؤيدة مجيئه
يدعى المضل انتيكريستوس اي العاكس للمسيح وابن الهلاك، لأنه يرى معاكساً في كل الأمور التي يعملها ويعلمها لطرق مخلصنا المحيية، وإن مجينه حقيقي لفحص المؤمنين وتوبيخ وانتهار جميع الذين يتمسكون بالأثم دون الحق في آخر الازمان كما تشهد على ذلك الكتب المقدسة، والتي فيها نقتصر على هذه البراهين الخمسة فقط.
البرهان الاول: – الانجيل حيننذ ان قال لكم احد ان المسيح ههنا او هناك فلا تصدقوا. فهوذا يقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة، ويعطون علامات وعجائب، ويضلون ان استطاعوا حتى المختارين.
البرهان الثاني: – عهد ربنا حينئذ يأتي ابن الهلاك المعاكس ويرتفع ويتعظم ويفعل آيات وقوات كثيرة ليضل كل الارض، ويتقوى قديسي زمناً طويلاً، اذ طوبي للذين يحتملون في تلك الايام والويل للذين يضلون.
البرهان الثالث: – يوحنا الرسول في رسالته الأولى – يابني ان الزمن الاخير وكما سمعتم أن المسيح الكذاب (الدجال) يأتي.
البرهان الرابع: – فيه ايضا برسالته الثانية “لان مضلين كثيرين يخرجون الى العالم لا يعترفون بيسوع المسيح قد جاء بالجسد، ومنهم هو المضل أي انتيكريستوس” .
البرهان الخامس: – بولس الرسول في رسالته الثانية الى أهل تسالونيكي
“لانه اذا لم يأت الأدب اولا ويظهر انسان الخطية ابن الهلاك على كل ما يدعى الها ومعبودا، ليجلس كآله في هيكل الله وبعد قليل يقول “حيننذ يظهر اثم الذي يبيده الرب يسوع بنسمة فيه “.
المقصد الثاني
في جنسه ووطنه
يجب ان يكون ابن الهلاك من العبرانيين (اليهود ) وذلك واضح من انه يدعو نفسه المسيح الازلي ضلالا ومخادعة، لأن المسيح هو من العبرانيين، كما تشهد وتؤيد جميع الشعوب ومن سبط دان. وقد فهموا ذلك من نبوة يعقوب رئيس الآباء القديسين اذ قال: دان يدين (يحكم) شعبه كأحد أسباط إسرائيل يكون دان كحية على قارعة الطريق والأفعى على مفاصل السبل ليلدغ الفرس في عقبه ويلقي الراكب الى ورائه، ولخلاصك انتظرت يارب وان ولادته ونشأته وتجواله تكون في كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم، وذلك معلوم من تعييرات الرب لها حيث تعلمها بعض الملافئة، على حد قوله “الويل لك يا كورزين الويل لك يابيت صيدا وانت يا كفرناحوم التي ارتفعت الى السماء ستهبطين الى الهاوية “.
المقصد الثالث
في منظره وتشابيهه (اوصافه)
قال ربنا في عهده المقدس ان رأسه كلهبة نار، وعينه اليمنه ممزوجة بالدم واليسرى شهلاوية (زرقاوية) وفيها بؤبؤان وحواجبها بيضاء وشفته السفلى كبيرة وغليظة، وفخذه الايمن رفيع ورجلاه عريضتان، واصبعه الكبرى مفلطحة وغليظة.
الفصل الرابع
في مجيئ ربنا الثاني والأخير
وفيه اربعة مقاصد
المقصد الأول
في ان ايليا يأتي أولاً
وهذه تتأيد من أمرين: الأول – من بنوة ملاخي القائل عن لسان الرب هوذا ارسل اليكم ايليا النبي قبل ان يأتي يوم الرب العظيم والمخوف، فيعيد قلب الآباء إلى الأبناء وقلب الابناء الى آبائهم، قبل أن أتي واضرب الأرض للهلاك الثاني، من الانجيل وكانوا يسألون قائلين: ماذا يقول الكتبة إن إيليا يجب ان يأتي اولا فقال لهم يأتي ايليا ليعد كل شيء.
اعتراض: – يقولون ان قول الرب يشير إلى أن يوحنا المعمدان هو إيليا المزمع أن يأتي اولاً وذلك واضح من أمرين: الاول – لأن لأجله قبل في الانجيل “هو يذهب امامه بقوة وبروح إيليا النبي ويرد قلب الآباء على الابناء. الثاني – من قول ربنا ايضا إذ أخبر تلاميذه ان ايليا جاء وعملوا به ما ارادوا ولما كانت هذه كذلك، لا يجب ان ننتظر إيليا آخر ليأتي.
الجواب: – نقول أن الذي جاء قبل مجيء الرب الاول. هو رمز إيليا لا إيليا ذاته، والذي سيأتي قبل مجيء الرب الثاني هو ايليا نفسه لا رمز.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد مجيء الرب الثاني
البرهان الاول: – الانجيل – اذا جاء ابن البشر بمجده وجميع ملائكته القديسين معه حينئذ يجلس على منبر عظمته وتجتمع اليه كل الشعوب فيميزهم واحداً فواحد، كما يميز الراعي الخراف عن الجداء، فيقم الخراف عن اليمين والجداء عن اليسار.
البرهان الثاني: – بطرس في رسالته الأولى ” لهذا اربطوا حقوي افكاركم واستيقظوا كاملاً وترجوا الفرح الآتي عليكم عند ظهور ربنا يسوع المسيح”
البرهان الثالث: – بولس في رسالته الاولى الى اهل تسالونيكي “لأنه هو ربنا بأمره وبصوت رئيس الملائكة وببوق الله النازل من السماء”
البرهان الرابع: – مار يوحنا في رسالته الأولى “يا احبائي نحن الآن ابناء الله ولم يعلن الى الآن ما مزمعون أن نكون ولكننا نعلم أننا عندما يظهر يضر بشبهه ونراه كما هو، وكل من له فيه هذا الرجاء يطهر نفسه كما انه طاهر.
البرهان الخامس: – يعقوب الرسول في رسالته “لقد دنا مجيء ربنا فلا تتحروا الواحد على الآخر يا إخوتي، لئلا تدانوا لان الحكم قائم عند الباب”.
المقصد الثالث
في ان مجيء الرب الثاني لا يصير في هذه الارض
وهذا واضح من قول الرب في انجيله المقدس “وحينئذ تظهر علامة ابن الانسان في السماء، وحينئذ تنوح جميع قبائل الارض وينظرون ابن الانسان آتيا على سحاب السماء مع قوة ومجد كثير فيرسل ملائكته مع البوق الاخير العظيم ويجمعون مختاريه من اربع الرياح” الخ، وهذه الكلمات لا تدل على أن الرب سيسير على الارض، بل ان علامة صليبه الخلاصي ستظهر في السماء فقط، ويرى معلقاً وجائلاً بين السحب بالسرعة اللائقة لطبيعته السامية، ويؤيد هذا المقصد العازر ابن العجوز في رسالته الحادية عشرة، وهي عزاء لكل انسان هكذا، اما اذا سألت عن البقية اي أين يتجمعون للمحاكمة، هل بالمحل السماوي العلوي أو الأرضي السفلي، فلا يقال لأورشليم الأرضية أو لوادي يوشافاط، كسوء الآراء عن مجد اليهود إذ يقولون أننا نعتقد أن نجتمع هناك، اذ لا نحتاج على طول الوقت للحكم ولا على مغتصبين، ولا يحتاج ذلك الحاكم العادل والمستقيم الى شهود او شفعاء او حتجاجات هناك أو يتعذبون، ولكن كلنا نقول بلحظة عين، هؤلاء للحياة الابدية وهؤلاء لقيامة الحكم أي للعذاب الابدي.
المقصد الرابع
في ما صرح به مجمع نيقية المقدس في الامولوغية
وايضا عن مجيئه لدينونة الآحياء والموتى
يوضح القديس يعقوب الرهاوي هذه القضية فيقول: إن الكثيرين من الذين يبقون أنئذ أحياء ولم يذوقوا الموت، بل يتغيروا فقط من الموت إلى عدمه، ويخطفوا ويحملوا الى أمام منبر المسيح الديان مع الذين يبقون لكي يكون ديان الاحياء والأموات ليجازي كل انسان كإعماله، وذلك واضح من قول بولس الرسول “أما نحن الاحياء سنخطف جميعا في الغمام الملاقاة ربنا في الجو ومن قوله لا نرقد جميعا اذ كلنا نتغير.
الباب الثاني
في نعيم الابرار وعذاب الاشرار
وفيه اربعة فصول
الفصل الأول
في ان ملذات وعذابات العالم المزمع معنوية لا
محسوسة
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين الكتابية التي تؤيد ان النعيم معنوي
البرهان الأول : -الانجيل هذه هي الحياة الابدية أن يعرفوك انك انت هو الله الحقيقي وحدك ..
البرهان الثاني : – بطرس الرسول برسالته الأولى وان تضايقتم في هذا الزمان بالتجارب المختلفة الطارئة عليكم، ذلك ليظهر فحص ايمانكم افضل من الذهب المصفى بالنار للمجد والكرامة والمدح في ظهور يسوع المسيح الذي لم تروه وتحبوه.
وترتقشون بإيمانكم، وبفرحكم غير الموصوف تنالون مكافأة ايمانكم حياة نفوسكم
البرهان الثالث : -بولس الرسول في رسالته الأولى إلى القورنثيين يزرع جسد نفساني ويقوم جسد روحاني هناك جسد النفس وجسد الروح وهكذا كًتب أصبح آدم الانسان الأول حيا بالنفس وادم الثاني الروح المحيية، ولكن لم يصر روحانياً أولاً بل نفسياً ثم روحانياً.
البرهان الرابع : – فيه ايضا برسالته الى القورنثيين “ان ضيق هذا الزمان لقصره، قد أعد لنا المجد العظيم الذي لا يحد الى أبد الآبدين، لأننا لا نفرح بالأمور المنظورة بل بالغير المنظورة.
البرهان الخامس : – القديس ديونيسيوس رئيس مجمع مقناة اريوس باغوس يقول: “وهؤلاء الافاضل أبناء الموعد ورفقاء الملائكة ههنا وهناك إذ يرثون معهم المنازل السعيدة في العالم الذي لا يزول ويكونون مع الله إلى الأبد”.
البرهان السادس : – القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على وفاة جورجينية أخته يقول: “أنني أعلم حسنا أن اللواتي قريبين منك هي افضل واجل أكثر من المرئيات (المنظورات) جلبة الذين يفيدون ويحتفلون وارتقاش الملائكة الخ .
البرهان السابع : – القديس أوغريس اذا لم يكن بين الاطعمة احلى من شهد العسل، فمعرفة الله هي أكثر حلاوة من كل هذه، وذلك واضح من انه لا يوجد من مافي الأرض يعطي اللذة للنفس كمعرفة الله.
البرهان الثامن : – فيه ايضا اذا كانت ملكوت السماء نظرية الموجودات وهذه في داخلنا حسب قول الرب وداخلنا محاط بالشياطين، لذا حسنا يقال أن الفلسطينيين متمسكون بارض الميعاد.
المقصد الثاني
في البراهين النقلية التي تؤيد أن العذاب معنوي
البرهان الاول : – ولان كهذه القضية من الأمور السرية فيجب ان تبقى غير معلنة، لأن غير الكاملين هم أطفال بالمعرفة بعد ويحتاجون الى الحليب فتأتي ببرهانين فقط لاجل تأييدها .
البرهان الثاني 1 : – القديس غريغوريوس النوسي في آخر مقاله عن الارشاد يقول: “اما عن هذه فالنقص ليس تلك الخيرات الموضوعة في الوعود للذين عاشوا بصلاح كثير. كالذين يرون ما لم تره عين ولم تسمع به اذن ولم يخطر على قلب بشر، ولا الحياة المؤلمة للذين اخطأوا بالنسبة الى الأشياء التي ههنا المقلقة للحس وان كانت لها مساواة الاسم، وحتى وان تسمى شيء من العذابات هناك باسماء معرفته ههنا. فبينها فرق ليس بقليل فعندما تسمع عن النار فاعلم انها غير التي تفهمها، من أنه إذا وضع شيء في تلك النار الذي لا يوجد في هذه إذ ان تلك لا تطفأ اما هذه فقد وجدت فيها من التجربة اشياء كثيرة مطفئة، فالفرق كبير بين النار التي لا تطفاء والتي تقبل الاطفاء، فاذن تلك هي غير هذه، وكذلك اذا سمعت عن الدود فلا تظن تلك الدويبة الارضية، فان الفرق بينهما هو ان تلك لا تموت فاذن يشير الينا الملفان ان نفهم انها غير طبيعة هذا الدود المادي.
البرهان الثاني ٢ : القديس اوغريس يقول: “اذا كانت ملكوت السماء تعرف بشيء لكل قديم وكل محدود كذلك. يعرف عذاب الذين هم ضد ذلك بشيء” .
اعتراض : يقولون ان بولس يصرح قائلاً: “أن كل انسان مزمع ان يجازى بجسده ما فعله خيرا كان أم شراً” والجسد لما كان محسوسا، فيجب أن تكون مكافاته محسوسة ايضا.
فكيف تبطلون كهذه ويؤيدونها معنوية فقط او هل تقرون بعدم صحتها في قيامة الاجساد؟ .
الجواب : – نقول ان الرسول يصرح بان كل انسان یجازی بجسده فقط وليس ليكافأ مكافأة محسوسة، وان المكافأة المعنوية عامة للنفس والجسد. واضحة من انه بسبب اتحادها يتلذذ الجسد ضرورة بتلذذات النفس ويتعذب بعذابها، وإذا كان الجسد يتألم بانشفافه(بإنشغاله) في هذا العالم الكثيف وشهواته، فكم بالإحرى في العالم الجديد حيث يتلطف فيه ويستطيع الانجذاب الى العلى، يجب أن يشارك النفس بملذاتها وآلامها فيجازى معها مجازاة معنوية.
الفصل الثاني
في ان ملذات الابرار وعذابات الاشرار (الخطاة)
لا تنتهي وابدية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول : – نقول أن البر المصنوع مؤخرا يلاشي الخطية التي سبقت فعملت، والخطية التي تعمل مؤخرا تلاشي البر الذي سبق في فعله، لانه لو لم يتلاش الأول بوجود الآخر لوجد كلاهما المضادين بعضهما في موضوع واحد بنفس الوقت وذلك محال. وعندما يتلاشى الأول يجب ان تبقى الثانية وتكون المكافأة لها، وهذه المكافأة لا يجب أن تنتهي لانها علة (سبب) عدم النهاية، لانها لم تتلاش بالاخرى التي عملت بعدها، ومن هنا يتأكد لدينا ابدية مكافأة الذين يموتون ببرهم يحصلون على حياة لانفسهم لا تزول ولذات لا تحول وابدية جزاء الذين يموتون يحصلون على العذاب الايدي.
البرهان الثاني : نقول أن البر الذي سبق فعمل اما ان تكون له قوة لملاشاة الخطية التي تعمل مؤخرا أو ليس له قوة. والافتراض الاول غير صحيح لأنه لو كانت للأول قوة لملاشاة الاخيرة، لما وجدت الاخيرة لانه عندما تستطيع قبل وجوده ان تحرمه الوجود. كيف تستطيع ملاشاته بعد أن وجد. فينتج اذن ان الاقتراض الثاني هو الصحيح، أي أن البر الذي سبق فعمل له قوة على ملاشاة الخطية التي تفعل مؤخرا. ومن هنا يجب أن يُمحى البر مع الخطية الاخيرة، بسبب عدم أمكانية اجتماع المتضادات معا، وهكذا جزاء الخطية الاخيرة يجب أن يكون العذاب الأبدي بسبب عدم ملاشاة الخطية الاخيرة بالبر الآخر وهكذا قارن (شابه) البر الذي بعد الخطية وهو مكافأة النعيم الابدي.
البرهان الثالث : نقول لو ينتهي عذاب الخاطيء. كيف ينتقل من جهنم الى الملكوت وانتقاله (دخوله) هذا يكون اما بحسب استحقاقه او عبثا، والافتراض الاول غير صحيح، لانه لو كان ذلك الخاطيء مستحقاً للملكوت لما دخل جهنم قط. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح لان الله لا يعمل شيئا عبثاً. ومن هنا يتضح ويتأكد عدم وجود نهاية العذاب الخطاة، ولذا لا يوجد نهاية لنعيم الابرار ايضا.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول : – الانجيل ويذهب هؤلاء إلى العذاب الآبدي والأبرار الى الحياة الابدية.
البرهان الثاني : – فيه ايضا أولئك الذين نارهم لا تطفا ودودهم لا يموت.
البرهان الثالث : – بولس اولئك الذين يجازون في الحكم بالهلاك الأبدي.
اعتراض : – يقولون أن لفظة إلى الآبد لا تدل على اللانهاية في كل محل، بل للمدة الطويلة، كما جاء في التوراة. لا يدخل عموني ولا موابي الى جماعة الرب ولا في الجيل العاشر بجماعة الرب الى الابد. والواضح أن الكتاب يدعو الأجيال العشرة بلفظة الى الابد. ولما كانت كهذه اللفظة واردة كثيراً في الكتاب المقدس فيقولون اذن ههنا أيضاً تشير الى المعنى نفسه .
الجواب : نقول انه يوجد في العالم المزمع عندما تزول الأزمنة والارقام وتتلاشى ولا يحفظ لها نظام يوم واحد للابرار لاينتهي ويتلالأ بالنور البهي والخطاة ليل واحد غير زائل وظلمة حالكة اذ لو يمكن ان يحمل (ينسب) الزمن الطويل أو القصير على الزمان فلفظة الى الآبد تدل على مدة طويلة غير منقطعة في العالم العتيد وليس على المدة الطويلة كما ادعيتم.
الفصل الثالث
في الرأي الصوديلي للمعتقدين أن نهاية العذاب الخطاة وقد تبعهم بشيء منه الفرنسيون وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الاول : يقولون ان البشر في هذا العالم يتلكنون بسبب الموانع العائقة من نوال الايمان المستقيم والاعمال الصالحة، أما في العالم المزمع عندما تزول هذه الموانع والعوائق عندئذ يتوقون الى الحق ضرورة ويرغبون في الخير. وعدم رذل الله لهم رغم تشوقهم ورغبتهم. واضح من الفعل بكونه صالحاً ورحيماً، ومن الكتاب لقوله له المجد “أسالوا فيعطى لكم” ولم يحد هذا الأمر (الشرط) في هذا العالم، ولكن اطلقه بالبساطة، ومن هنا تحقق أن الله يقبل توبة الخطأة حتى في العالم المزمع ولا يعذبهم الى الابد.
الاعتراض الثاني : – يقولون لو كانت الخطية التي عملت مؤخرا تلاشي (تنقض) البر الذي سبق فعمل، لوجد عامل الصالحات الكثيرة الذي سقط بعد ذلك بزلة واحدة، يكون كغير العامل ولا صالحة (خير) واحدة، ويعذب إلى الآبد. فذلك محال لانها تؤدي الى عدم عدل الديان، فيُعلم اذن أنه ينال جزاء خيراً كان ام شراً بالنسبة إلى كل ما يعمله خيراً كان ام شراً ولا يمكن أن ينال جزاء صالحاً وبعده طالحاً وذلك من العقل يكون لا يتبع الرحمة غضب. ومن الكتاب من قول الرسول بولس لا يرجع الله عن نعمته او منحته ” فينتج اذن أن الإنسان يقتبل جزاء الشر أولاً، ثم يخلص وينال المكافأة الصالحة حياة الأبد. وهذا ما يحسن في عيني الله له المجد، كما صرح بها كثيرون من الملافئة كما يظهر.
الاعتراض الثالث : يقولون عندما يسبق الانسان فيفعل الخير البسيط، ثم يقترف خطايا كبيرة، فأما لا يكافاً في العالم المزمع عن هذا الخير البسيط أو يكافأ. ولما كان الافتراض الأول غير صحيح عقلياً، لئلا يؤدي ذلك إلى ظلم الديان. وكتابياً من قول الرب له المجد فان الكأس البارد الذي تسقيه لا يضيع أجره . فينتج اذن ان الافتراض الثاني صحيح اي أن يقتبل الإنسان مكافأة ذلك الخير البسيط وجزاء تلك الخطايا الكبيرة. ولما كان غير ممكن انتقاله من الملكوت الى جهنم لأجل السبب المذكور، فيجب اذن ان ينقل من جهنم إلى الملكوت وهكذا يتبعه العذاب الى الانقضاء.
الاعتراض الرابع : – يقولون أن الله له المجد أما يعذب الانسان بالنسبة إلى ذنبه أو أكثر من ذنبه. والافتراض الثاني غير صحيح عقلياً، لانه يؤدي الى ظلم الديان وجوره، وكتابيا. من قول الرب بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم ” فاذن يكون الافتراض الأول هو الاصح ويبان من هنا ضرورة انه بقدر كمية ذنوب كل مذنب وبمقدار حدهما ونهايتها يكون عذابها ويكون لها حد ونهاية.
الاعتراض الخامس : – يقولون إذا استطاعت الخطية التي تعمل مؤخرا أن تمحوا البر الذي سبق فعمل. ولنفترض أن إنساناً سبق فعمل عشرين شيئاً من البر، ثم فعل بعد ذلك عشرة أشياء من الخطايا، فهذه الاشياء العشرة من الخطايا اما ان تمحو العشرين من البر أو تمحو نصفها اي عشرة. والافتراض الاول غير صحيح، لانه ينال بالنسبة الى تساوي العشرين والعشرة وذلك محال ويؤدي الى ظلم الديان العادل وهذا اشد محالاً. لأنه يفقد بسبب الاشياء العشرة من الخطايا عشرين شيئا من البر. والافتراض الثاني أيضاً غير صحيح لان كلا عشرتي العشرين لهما أمكانية واحدة في الامحاء (التلاشي) فاذا محت احداهما خاصة، يحدث انجذاب بدون جاذب وهذا محال. ومن هنا يتضح عدم امكانية محو الخطية الاخيرة للبر السابق وبالتالي يستحق الانسان الجزاء الصالح والطالح، ولا يمكن أن ينتقل من التلذذ الى العذاب فينتج اذن أن يجوز من العذاب الى النعيم. وهكذا تتبع نهاية العذاب ضرورة .
الاعتراض السادس : يقولون اذا كانت الخطية الاخيرة تمحو البر السابق اما ان تمحى معها أو لا تُمحى معها عندما تمحيها (تلاشيها). والافتراض الاول غير صحيح، لانه أما ان يمحوا بعضها معاً ويمحوا من بعضهما معا، أو ليس معا، ولا يمكن أن يمحوا بعضهما معا، لان كلاً منهما تمحو بوجودها الأخرى، فاذا نحيا معا يجب أن يوجدا معا أيضاً. ومن هنا ينتج أن في الوقت نفسه كلا منهما يستطيع أن يوجد ولا يوجد وذلك محال، ولا يمكن أن لا يمحوا بعضهما معا. لان التي محيت من مدة كيف تستطيع أن تعود وتمحو التي محتها. والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، لانه يؤدي الى نوال العذاب بالتساوي الذي لم يعمل اي بر والذي يعمله. وذلك محال ومن هنا يتأكد أن الخطية الاخيرة لا تمحو البر السابق، وهكذا تتبع نهاية العذاب .
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية
البرهان الاول : – الانجيل “كن مسالما مع خصمك سريعا مادمت معه في الطريق لئلا يسلمك الى الحاكم والحاكم الى المستخرج فتلقى في السجن، الحق اقول لك انك لا تخرج من هناك حتى تفي آخر فلس عليك – فيقولون أن المسالمة أو المرافقة هنا تدل على التوبة والطريق هذا العالم والسجن جهنم والفلس الاخير هو التعذب لاجل الخطايا، فاذن الخاطيء يبقى طيلة هذه المدة في جهنم حتى يفي، ثم يخرج كمن الرب قد ارسله.
البرهان الثاني : – ففيه ايضا “وانا اذا ارتفعت عن الارض اجذب الي الجميع – فيقولون ان هذا الارتفاع لا يشير الى صعوده الأول. لانه لا يجذب إليه كل انسان، اذ لم يعرفه ويؤمن به جميع الناس فينتج اذن انه يشير الى ارتفاعه الثاني الاخير واذا جذب اليه حينئذ كل انسان فمن هم الذين يتعذبون الى الآبد ولا يتبعونه ؟
البرهان الثالث : الطوباوي مار بولس يقول: “وعندما يستعبد له الجميع حينئذ هو الابن يستعبد الذي استعبد له الكل ليكون الله الكل في الكل “فيقولون اذا لم تتبع النهاية العذاب جميع الخطأة البشر. كيف تصدق كلمة ويكون الله الكل بالكل ولكن بعد أن يتطهر بالعذاب من جميع الخطايا. يكون من ثم مع الله وينقي جانب الله.
البرهان الرابع : فيه أيضاً “أن عمل كل انسان سيظهر في اليوم الذي يكشفه لانه يظهر بالنار حيث تميز عمل كل انسان كما هو، والذي يثبت عمله فهو الذي يبني وينال اجره والذي يحترق عمله يخسر اما هو فينجو” .
البرهان الخامس : غريغوريوس الثاولوغوس ” عندما تحاكم بالنار الاشياء (الخطايا) التي فينا أو تطهر.
البرهان السادس : – فيه أيضاً “ربما تحدث أن يعتمدوا هناك بالمعمودية الاخيرة لانها اكثر جهداً ومدة وتأكل المادة کالهشيم وتبدد سرعة جميع الشرور.
البرهان السابع : غريغوريوس النوسي في مقاله عن الارشاد لانه توجد قوة مطهرة بالنار والماء. فالذين غسلوا ادناس الشرور بالماء السري لا يحتاجون الى التطهير الآخر. فهم يطهرون بالنار ضرورة.
البرهان الثامن : اوغريس – العذاب هو الحزن بواسطة النار التي تطهر الآم و اهواء النفس بالحكم.
البرهان التاسع : – فيه ايضا لكي يكون ارشاد الله الاول مبيداً للشر المتميز عن الطبيعة الناطقة التي يكملها حكم الله العادل الى الحد الأخير للشر.
الفصل الرابع
في هدم هذه النظرية المذكورة والبحث عن رأي الخارجين عن هذا الهدف وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في الرد على اعتراضاتهم العقلية
الجواب على الاعتراض الأول : – نقول أن التوبة غير مقبولة في العالم المزمع، وذلك معلوم من قبل الغني الذي لم يستحق ان يبل لسانه بالماء بطرف اصبع اليعازر، ونقول ضد قولهم بان الله صالح ورحيم. أنه عادل أيضاً، فعندما سبق فمهد طريق الحياة للبشر وأخبرهم بإنه إذا لم يرجعوا عن طريقهم الشريرة يهلكون إلى الآبد. ولم يريدوا أن يتوبوا. فلذا يعذبهم بعدل الى الآبد. كما سبق فأعلمهم، ونقول ضد قولهم عن “أسالوا فيعطى لكم” انه قال هذه الكلمة عن الذين في هذا العالم، فكيف لم يحدها (يحصرها ) بهذا العالم .
الجواب على الاعتراض الثاني : – نقول لا يتعذب الخطأة بنوع واحد متساوً كما لا يتنعم الابرار بنوع واحد أيضاً. وان تعذب أولئك إلى الآبد وتلذذ هؤلاء الى الآبد. فذلك واضح عقلياً من أنه باختلاف الأعمال يجب أن تختلف المكافأة والجزاء. وكتابيا من قول الرب “أن المنازل في بيت أبي كثيرة” فنقول الذي يفعل الصالحات الكثيرة، ويسقط (يزل) في واحدة، فانه يجازى بالتنعم الممزوج ببعض العذاب إلى الآبد، ومن هنا يتأكد ان جميع المكافأة، وان كانت ابدية ولكنها تتميز بنوع التلذذ والعذاب لاتتساوى.
الجواب على الاعتراض الثالث : نقول أن من هذه الاشياء المذكورة يعلم بأن الذي يفعل خيراً واحداً وبعده يرتكب خطايا كثيرة ينال مكافأة ابدية يستحقها، والتلذذ البسيط بالنسبة إلى الخير القليل الممزوج بالعذابات الكبيرة بالنسبة إلى الخطايا الكبيرة لو لم تكن مميزة بالماهية أنواع التلذذات والعذابات.
الجواب على الاعتراض الرابع : – نقول أن المكافأة لا تحد بالكمية الوقتية بل تقارن بالخاصة النوعية فقط، وذلك واضح من أنه لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون جزاء السارق في ضربة واحدة أكثر من جزاء الذي يعيش كل أيام حياته من الرباء والفائض. والحال ليس كذلك لأن عذاب السارق اقس من صاحب الرباء، لان السارق يكمن غشاً. وربما يهلك كما قال الرب له المجد: والذي يتعاطى الرباء لاجل نفسه، فمن يقرض ياخذ ما يأخذ، ولم يتجرد كلياً عمل المقرض من الفائدة. ولذا يحتم على السابق عقاب بحسب الشرائع الملكية. أما على صاحب الرباء فلا يحتم ومن هنا يظهر ضعف الكلام القائل يجب ان يكون العذاب محدوداً بحسب الذنوب.
الجواب على الاعتراض الخامس : – نقول أن الجزاء لا يقابل بكمية العمل بل بخاصيته، والعشرة والعشرين هي من انواع العدد والنوع كما هو ظاهر للكمية لا للخاصية، ولذا ليس حقيقياً حمل (العشرة والعشرين) على الخاصية، ومع هذا نقول ان الله له المجد ينظر الى قصد الذي فعل الاشياء العشرة للخطية، لأنه اذا كان قد فعلها بفكر أثيم. اي ان يظن أن الاشياء العشرين للبر التي سبق فعملها هباء، وعن هؤلاء يقول الرسول بولس “يقولون لناكل ونشرب وغدا نموت” فالذي فكره كهذا جامد يمحو الأشياء العشرين لبره لا العشرة اشياء لخطيته وأن لم يكن كذلك أي أنه يغلب ( يُقهر) من قوة الطبيعة فيسقط كضعيف ويقر بذنوبه، ولذا لا يظلمه الله بل يّعد له جزاء مشتركاً لكليهما في خاصيته كما قلنا.
الجواب على الاعتراض السادس : نقول لوكان أعتراضكم هذا حقيقياً لما وجب أن تمحو المضادات بعضها قط او تمحى من بعضها. فمن الضرورة أن الحرارة تزيل البرودة وتمحى (تُزال) منها، وكذلك البياض والسواد وهما خاصیتان ماديتان، وبالشبه عينه البر والخطية وهما خواص غير جسمية نفسية فيجب أن يمحوا بعضها ويُمحيا من بعضها، فاعتراضكم ذاك، لما كان يضاد الأمور المعروفة ضرورة، فلا يستحق الجواب .
المقصد الثاني
في الرد على البراهين الكتابية
الجواب على البرهان الأول: نقول أن هذا الكلام من الإنجيل المسجود له يدل على مقصدكم رمزياً، وفيه أيضاً يوجد ما يدل على صراحة أبدية العذاب وواضح أن القول الصريح لا يبطل بواسطة الاشارة.
الجواب على البرهان الثاني :– نقول ان تصريح السيد له المجد اجذب الي كل انسان تشير ان انه يستطيع اي انسان ان يكفر بي عندما أتي بمجد ابي العظيم مع ملائكتي القديسين وارتفع، وواضح أن الجزاء لا يكون آنئذ بحسب الايمان من أنه لوكان كذلك، فما كانت الفائدة من تجسد الله الكلمة قبل مجينه الثاني ومن هنا يظهر أن كل انسان يجازی بحسب ما يفعل ههنا ولا يفيد الإيمان آنئذ شيئا، ولا يقلل من العذاب .
الجواب على البرهان الثالث: تقول أن كون الله يكون لكل في الكل يشير الى انه كل فم يعترف أننذ بالأب ويؤمن بالابن ويسجد للروح القدس. وقد سبقنا فايدنا ان الايمان عندئذ لا يقدر أن يقلل من العذاب .
الجواب على البرهان الرابع :- نقول أن الرسول قال هذا القول عن التلاميذ الذين لا يبنون باستقامة على الاساس الذي هو المسيح ولذا قال والذي يحرق عمله يخسر، لانه لا يستفيد مكافأة صالحة اذن ان كل فرد ينال جزاء كعمله فهو ينجو لأنه يصنع بنيانه على الاساس المضاد المسيح وتتأكد صحة ذلك من أنه سبق فقال “أنه لا يستطيع احد ان يضع أساسا غير الموضوع الذي هو يسوع المسيح واذا بنى احد على اساس آخر ذهبا أو فضة أو حجارة كريمة أو خشبا او عشبا او هشيما (تبنا) فعمل كل انسان يظهر.
الجواب على البرهان الخامس: – نقول ان كلمة (تظهر) . اطلقها بارتياب تردد ولذا يجب الاعتماد عليها.
الجواب على البرهان السادس : نقول أيضا ان لفظة . ربما تحدث التي اضافها الملفان هي بالظن والتخمين ولم يسلم بهذه النظرية جزماً، ولذا فلا تنسب الينا كإثبات .
الجواب على البرهان السابع : – نقول أن الذين غادروا الحياة بالايمان الحقيقي والاعمال الصالحة. ولم يستحقوا موهبة الروح القدس التي تمنح لهم بالعماد، لذلك في العالم المزمع يعتمدون بالنار وكالماء يخلصون. وقد ايدنا ذلك اعلاه، حيث ذكرنا انواع المعموديات المختلفة.
الجواب على البرهان الثامن والتاسع : – نقول ان النفس المميزة (المدركة) عندما تفكر بالنار والحكم المزمع ترتجف وتتعذب وتحزن، وهكذا تتنقى من ألمها وأهوائها وتنكر جميع الشهوات، وبهذا النوع تكون النار والحكم مزيلين لحدود كل الشر ومطهرين لاهوائها في هذا العالم لا في العالم المزمع .
المقصد الثالث
كلي من الاراء للمشائيين عن نهاية العذاب وابديته
يقولون ان النفس الناطقة قوتين نظرية وعملية، ولذا يجب التفكير بالنعيم والعذاب المحدود وغير المحدود بالنسبة اليهما. وهناك اربع درجات بالنسبة الى القوة النظرية، بكون النفس ناطقة، وهل تعرف الأمور الموجودة كما هي أو لا. واذا عرفتها فبواسطة البراهين المؤيدة الجلية وبواسطة التقليد …
الدرجة الأولى: – يقولون أن النفس التي ادركت الحق بوضوح وتأكيد هي التي تسعد بالنعيم غير الزائل، وان سببت ببعض الشهوات الجسدية لاتحادها بالجسد. فتتعذب مدة من الزمن اذ تتوق متلهفة بنار الشوق ثم تخمد فيها هذه النار وتنجو وهي تكون كذلك طالما غارقة في بحر المعرفة الالهية الخضم ان تنطبع بطابع اللذة الروحانية الغارقة بها، وكهذا الفرقان يكون بمعرفة الموجودات فقط لانها تحتاج كلها إلى موجد أكثر كمالاً وسمواً، ولأنه لا يستطيع احد ان يدنو ماعدا الذين في هذه السفينة إلى سواحل هذا البحر الخارجية، كما جرب الكثيرون من الكاملين .
الدرجة الثانية : ان النفس التي قبلت معرفة الحق بالتقليد، وهذه عندما تنجو من أن تتعذب تنال لذة مجازية وظلية.
الدرجة الثالثة : ان النفس لم تعرف الاشياء كما هي. فهي تتعذب وتشقى بالعذاب الأكثر تعاسة وشقاء الى الابد. لانها تشتاق الى المعرفة الحقيقية، وانها لا تصلها وليس لها نوع آخر معز لتنشغف فيه ومعه .
الدرجة الرابعة : – ان النفس التي لا تعرف الموجودات كما هي ليست هي وهذه لا تتعذب ولا تتلذذ. والبعض يقولون أن النفس التي كهذه وقد سبقت وسمعت في اتحادها بالجسد عن انواع الملذات والعذابات من المرشدين عندما تنفصل عنه تتحد بجسم سماوي وبواسطة تجمل التلذذات وتأخذ شكلا كالملذات الجسدية، كما يحصل لنا في الاحلام ولذا فقد ظهر وناد البعض بالاكل والشرب والزواج في العالم الجديد عندما ينفصلون، وهذه هي درجات النفس الناطقة بالنسبة الى قوتها النظرية اما للقوة العملية فتوجد ثلاث درجات اي اما حاصلة على الاعمال الصالحة أو الطالحة أو ولا احداهما .
الدرجة الأولى : يقولون أن النفس التي لها اعمال صالحة. فاذا لم تكن لها طريق حقيقية ولا نظرة سمجة، فلا تتلذذ ولا تتعذب .
الدرجة الثانية : – يقولون أن النفس التي لها اعمال طالحة اي مسبية للشهوات الجسدية فهي تتعذب وتحترق بنار الشهوة لاجل الاشياء التي حرمت منها، وعندما تتأمل بها. تدرك أن الحصول عليها مستحيل فيفكر شوقها وتخمد نار شهوتها وهكذا تتخلص .
الدرجة الثالثة : – أن النفس المجردة من الاعمال الصالحة والشريرة، فالبعض يقولون انها تتلاشى لاسيما اذا كانت عديمة المعرفة كنفس الاطفال و اذا كانت لها معرفة حقيقية. تتنعم الى الابد. واذا كانت لها معرفة مضادة، فتتعذب الى الأبد .
الباب الثالث
في المناسبة بين الإيمان والاعمال وافتراقهما
وتجرد هما من بعضهما
وفيه مقدمة واربعة فصول
المقدمة
يقولون ان كل انسان اما ان يكون مؤمناً او غير مؤمن وكل منهما اما له اعمال صالحة او طالحة، وهكذا توجد اننذ اربع درجات بالنسبة الى الرأي الكنسي، ولا يشك احد في أن اثنين منهما أي المؤمن الذي يحوز على اعمال صالحة يرث النعيم الذي لا يزول والارتقاش الذي لا يحول. والفرح الذي لا ينتهي اما الكافر المدنس بالاعمال المشينة یجازی بالعذاب الذي لا يزول، أما عن الدرجتين الآخريين. فللناس فيها اراء، فمنهم قالوا ان المؤمن الملوث بالخطايا لا يتعذب لاجل ايمانه ولا يتلذذ بسبب ادناسه وغير المؤمن الفاضل لا يتنعم لعدم ايمانه ولا يتعذب بسبب فضيلته، اما غيرهم فلم يقروا بمعرفة هؤلاء واوصلوا (نسبوا) هذه القضية الى احكام الله غير المدركة، وهذا الرأي يحبذ من جميع الملافئة القديسين وقال غيرهم أن المؤمن المدنس بالاثام يتنعم جيدا ولا يضره تدنسه اما غير المؤمن يتعذب ولا تفيده فضيلته وقال غيرهم ضد هذا، أي أن المؤمن المدنس يتعذب كثيرا ولا يفيده ايمانه اما غير المؤمن الفاضل يتلذذ ولا يضره عدم ايمانه اي الذين يجذبون من الايمان الى الاعمال اما هؤلاء فمن الاعمال الى الايمان وكلا الرأيين بدعة والرأي العادل والمستقيم (الارثوذكسي) هو انه لا يستحق احدهما التنعم بدون رفيقه كما سبقنا فايدنا.
الفصل الأول
في انه باجتماع كلا الايمان والاعمال واتحادهما
تحدث الفائدة لا بكل منهما خاصة دون الآخر وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
نقول ان الانسان يدان بكونه ناطقا ويقتبل المجازاة الصالحة والطالحة، ولما كانت لمنطقه قوتان: العارفة اي التي بها نستطيع ادراك الحق الاول والاصلي الذي هو الله له المجد والايمان به والفاعلة التي بها يمكن معرفة الخير وعمله، فاذن كل من كان ناقصا باحد هذين النوعين فهو ساقط من درجة الكمال والفضيلة ولا يستحق السعادة الكاملة، فينتج اذن بحسب النوع الأول ان كل من كان ناقصا باحد هذين النوعين لا يستحق السعادة الكاملة.
اعتراض : يقولون اذا كان الايمان هو معرفة الله والايمان به ولا يوجد في الشعوب من يجهل الله أو لا يؤمن به فلماذا تدعون الوثنيين واليهود والمسلمين غير مؤمنين ؟. الجواب : – نقول أن هؤلاء وان يعرفون وانه يوجد اله ويؤمنون به ولكن بسبب اعترافهم به بعكس ماهو، اذ لا يعتقدون بأن روحه القدوس الذي يحيا به ويمنح الحياة ويُعرف به وجوده وكلمة أيضا الذي به أبرزت كل المخلوقات من العدم الى الوجود اقانيم قائمة لذاتها، بل يقولون انهما عرضان ولذا يوبخون من العقل والكتاب ان طالما كل شيء اما ان يكون جوهرا او عرضا وليس وسيط وبينهما، ولا يعتمدون على احدهما، فلذا يصادون في فخ الهلاك والايمان الحقيقي هو ايمان المسيحيين فقط .
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول : الإنجيل كثيرون يقولون في ذلك اليوم يارب يارب اليس باسمك تنبأنا الخ .. حينئذ اصرح لهم اني لا اعرفكم قط ابتعدوا عني يا فاعلي الاثم ” فنقول ان هؤلاء لو لم يكونوا مؤمنين كيف كانوا يتنبأون باسم الرب. ولكن لكونهم فاعلي اثم فانكرهم الرب ولم يفدهم ايمانهم شيئاً بدون الاعمال ..
البرهان الثاني : – فيه أيضاً والجاهلات لم يأخذن زيتا فيقولون هؤلاء الجاهلات لو لم يكنَّ مؤمنات كيف يخرجن لاستقبال الختن الذي هو المسيح حقيقة ولكن لفراغهن من الزيت اي الاعمال الصالحة، اغلق الباب في وجوههن وقيل لهنّ الحق اقول لكنَّ اني لا اعرفكنَّ ..
البرهان الثالث : – يوحنا الرسول وكل ما نسأل ناخذ. لاننا نحفظ وصاياه وتعمل الحسنات امامه وهذه هي وصيته ان تؤمن باسم ابنه يسوع المسيح ونحب بعضنا بعضا.
البرهان الرابع : – يعقوب الرسول – اذا قال احد ان لي ايمانا وليس له اعمال فهل يقدر ايمانه ان يحييه ؟ .
البرهان الخامس : – فيه ايضا حيث يخبر عن ابراهيم. الا ترى كيف عضد ايمانه لاعماله وتكامل ايمانه من الاعمال.
البرهان السادس : – فيه ايضا ” الإيمان بدون اعمال ميت” ..
البرهان السابع : – فيه ايضا ” إن تؤمن ان الله واحد تعمل حسنا، فان الشياطين يؤمنون ويخافون.
الفصل الثاني
في رأي الذين يعتبرون الايمان دون الاعمال سببا
النوال السعادة الابدية وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الاول :– يقولون ان الإيمان اقوى من الكفر. لان الأول هو الاعتراف بالله والثاني عدم الاعتراف به وواضح أن الاعتراف (الاقرار) اقوى من عدمه، والوجود اثبت من العدم ولما كان لا يستطيع شيء من الاعمال الصالحة بكل جدارتها ان تلاشي الكفر الضعيف، فكم بالأحرى لا يستطيع شيء من الافعال القبيحة قهر الإيمان القوي وملاشاته. ومن هنا يعلم انه لا تستطيع اعمال الخطية الذميمة ان تضر شيئا عند وجود الايمان فاذن كل مؤمن ان كان بارا او خاطنا لا يجرد (يُحرم) من الملكوت الخالدة الصالحين .
الاعتراض الثاني : – يقولون ان غير المؤمن عندما يؤمن. يزداد جزاء (مكافأة) ايمان المتأخر، ويزيل او يلاشي عذاب عدم ايمان الأول (السابق). كما قال الرسول بطرس لتنالوا غلية (غاية) ايمانكم حياة نفوسكم، واضح ان عذاب عدم الايمان اقوى واشد من عذاب الزنى من قول الرب “كل الخطايا والتجاديف تغفر للناس اما التجديف على الروح القدس فلا يغفر لهم لا في هذا العالم ولا في المزمع” . وطالما ثواب الايمان يغلب عذاب عدم الايمان الذي يفوق عذاب الزنى، فكم بالأحرى يجب ان يزيل ويلاشي عذاب الزنى، ويتأيد من هنا ان المؤمن لا يعذب لاجل زناه ولا بسبب سائر خطاياه.
المقصد الثاني
في براهينهم الكتابية
البرهان الاول :- الانجيل كل من يؤمن به لایدان .
البرهان الثاني : – فيه أيضا كل من يؤمن به لا يهلك بل تكون له الحياة الابدية.
البرهان الثالث : – فيه ايضا من يسمع كلامي ويؤمن بمن ارسلني فله الحياة الابدية ولا يأتي إلى الدينونة، بل قد انتقل من الموت الى الحياة
البرهان الرابع : فيه ايضا اذا لا تؤمنون اني انا تموتون بخطيتكم
البرهان الخامس : بولس “ان القلب الذي يؤمن به يتبرر واللسان الذي يعترف به يحيا “.
البرهان السادس : فيه ايضا لاننا نعلم أنه لا يتبرر أحد بأعمال الناموس بل بالإيمان بيسوع المسيح.
الفصل الثالث
في هدم هذه النظرية السابقة
وفيه مقصدان
المقصد القول
في الرد على اعتراضاتهم العقلية
الجواب على الاعتراض الاول : نحن لا نقول أن الاعمال الصالحة تغلب الكفر بتقليلها من عذاباته، ولا الاعمال الطالحة تغلب الايمان بتقليلها من تنعماته بل تلاشيها كليا.
الجواب على الاعتراض الثاني : – نقول أن جزاء (مكافأة) الايمان يقوى ويلاشي عذاب عدمه (الكفر) السابق، وكذلك الزنى السابق تلاشي عذاب الزنى اللاحق (الأخير) الذي بعد الايمان وهكذا يزيف كلامكم الذي ركبتموه ويتحقق بان المؤمن الزاني یدان ويعذب ايضا .
المقصد الثاني
في الرد على براهينهم الكتابية عامة
نقول أن الايمان الكامل هو أن يؤمن الانسان بالفكر (العقل) ويعترف باللسان ويكمل بالعمل، وما هو الاكمال بالعمل الا حفظ الانسان الوصايا مع الايمان، فنقول اذن أن هذه البراهين كلها اطلقت عن الايمان المكمل المطبق بالاعمال الصالحة، ولم ياتوا لنا ببرهان صريح يشير الى عدم وخامة الاعمال الرديئة مع وجود الايمان حتى نصدقهم .
الفصل الرابع
في رأي القائلين : ان الاعمال تقوم وحدها بدون
الايمان وهي علة (سبب) النعيم الابدي وفيه مقصدان
المقصد الأول
في براهينهم الكتابية
البرهان الاول : – الانجيل ليس كل من يقول لي يارب يدخل ملكوت (المساء) (السماء) بل من يعمل إرادة ابي الذي في السماء فيقولون ان الرب يصرح جهارا ان الملكوت تُمنح بواسطة الاعمال لا بواسطة الايمان.
البرهان الثاني : – القديس بطرس الرسول كما يخبر سفر الابركسيس عن قضية قورنيليوس أن الله لا يحابي بل في جميع الشعوب الذي يخافه ويعمل العدل مقبول عنده .
البرهان الثالث : – الطوباوي مار بولس في رسالته الى أهل رومية لنكافاً بالمجد والكرامة والسلام كل من يعمل الصالحات لليهود أولاً ثم للوثنيين لانه ليس عند الله محاباةً.
المقصد الثاني
في الرد على هذه البراهين
الجواب على البرهان الاول : نقول أن هذا البرهان لا يدل على امكانية وراثة الملكوت السماوي بدون الايمان بل الى وجود الاعمال مع الايمان، حيث يستحق من كان حاصلاً عليهما الدخول إلى الملكوت
الجواب على البرهان الثاني : تقول ان القديس بطرس اطلق هذه الكلمة توبيخا لليهود الذين يقولون أن الله يقبل اليهود فقط ان يخلصوا بإيمان المسيح لانهم شعبه الخاص. فقال اذن حتى الشعوب التي يظن أنها غير طاهرة ويخافون (يعبدون) الله بواسطة الناموس العقلي (الضمير) لا الكتابي والموسوي ويخدمون العدل ويؤمنون بابن الله، فيقبلهم الله كقورنيليوس ولا يمنع نعمته منهم. ولذا اضاف بقوله انه يمنحهم مواهب الروح القدس كما لنا.
الجواب على البرهان الثالث : نقول ان لهذا البرهان قوة السابق اي ان الله يكافئ الذين يؤمنون من اليهود والوثنيين بالمجد والكرامة والسلام لانه عادل ولا يحابي، ولانه يريد بان جميع البشر يخلصون والى معرفة الحق يقبلون وذلك واضح من أن الطوباوي اضاف فقال في رسالته إلى العبريين لا يستطيع احد ان يرضي الله بدون الايمان الخ .
الباب الرابع
في التشابه بين الايمان والاعمال بالنسبة الى المكافأة
او الجزاء الذي في العالم العتيد
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ان الايمان الحقيقي والاعمال الصالحة سبب
المجازاة الابدية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول : – لو لم يكن الايمان والاعمال سببا للتلذذات لوجد البار الذي يحصل عليها والخاطيء المحروم منها متجازيين بالتساوي، وهذا محال.
البرهان الثاني : – لو كان الايمان والاعمال ليسا سبباً للمجازاة، لكان الشهداء الذين تعذبوا لاجل الرب، والوثنيون الذين عذبوهم يقومون امام الرب في اليوم الاخير بدالة واحدة متساوية وباسفرار الوجه.
البرهان الثالث : – لو لم يجاز كل انسان في الآخرة بحسب ایمانه وأعماله لوِجد الله له المجد قد فعل كل شيء في الآخرة عبثا، وهذا محال.
البرهان الرابع : – لو لم يجاز الله كل الناس في الآخرة بحسب الايمان والاعمال لما فحص اعمالهم وايمانهم، ولذا لا يدنيهم، وهكذا يبطل مجيء الرب الثاني، وهذا محال.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول : – هو الله على فم موسى يقول هوذا شعبي خفي ومختوم بالمخازن لي المجازاة وانا اجازيهم.
البرهان الثاني : – المزامير “لاجل سلب المساكين وتنهد البائسين اقوم من الآن يقول الرب واعمل خلاصا علنياً . وفيه ايضا جازاني الرب كبري وكطهارة يدي امام عينيه”.
البرهان الثالث : الانجيل “وابوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية”.
البرهان الرابع : فيه أيضاً بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم.
البرهان الخامس : بطرس “وتنالون جزاء ايمانكم خلاص (حياة) نفوسكم”
البرهان السادس : بولس “وكل انسان ينال اجره بحسب عمله”.
البرهان السابع : يعقوب “يصير الحكم العديم الرحمة على الذي لا يسكب الرحمة”
الفصل الثاني
في الرأي المضاد للذين يقولون ان المجازاة لا تتم
بواسطة ما، بل مجاناً
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الاول : يقولون اننا نعرف ضرورة أن كل انسان يشكر ضرورة الذي يعمل معه الفضل (المعروف) وافعال الله سبحانه كثيرة على الانسان كما يقول المرتل داود في أكثر من العدد لكي لا يستطيع في كل ايامه اذا صام او صلى او شكر او تصدق ان يفي احد هذه الافضال وان كان صغيرا. ولما كانت اعمال الانسان كلها لا تستطيع ان تفي او تقبل ولو جزءاً من أفضال هذا العالم. كيف تستطيع ان تصبح سبباً لوفاء الافضال الأخرى في العالم المزمع ؟ ومن هنا يتضح كما أن الله يعمل هذه الافضال ههنا مع الانسان مجاناً، هكذا التي في العالم المزمع، ويؤيد ذلك مار يعقوب السروجي بقوله:
(ܣܰܓܺܝ ܫܶܩܠܶܬ̣ ܟܰܕ ܛܳܠܶܡ ܐ̱ܢܳܐ ܠܳܟ ܝܳܗܽܘܒܳܐ. ܬܽܘܒ ܐܰܣܓܳܐ ܠܺܝ ܟܰܕ ܡܰܘܕܶܐ ܐ̱ܢܳܐ ܕܠܳܐ ܦܳܪܰܥ ܐ̱ܢܳܐ ܠܳܟ ܫܰܦܺܝܪܳܐ. ܕܬܶܬܶܠ ܡܰܓܳܢ ܘܠܰܐ̱ܚܪ̈ܳܢܶܐ ܠܳܐ ܕܠܰܝܬ ܝܳܗܽܘܒܳܐ ܕܝܳܗܶܒ ܡܰܓܳܢ ܐܶܠܳܐ ܐܶܢ ܐܰܢ̱ܬ)
اي حملت (اخذت) كثيرا اذ احزنتك (جحدت بك) أيها المانح. والان ضاعف لي العطاء وانا اشكرك بدون وفاء يحسن لك ان تعطي مجانا للبعض وللآخرين لا اذ ليس مانح يعطي مجانا إلاك (الإ أنت) .
الاعتراض الثاني : – يقولون لو كان الايمان والإعمال سببا للمجازاة، اما يستطيع الله أن يجازي بدون وجودهما أو لا يستطيع والافتراض الاول غير صحيح، لانه يؤدي إلى كون الله يؤثر (يفعل) ويقبل إرادياً وهذا محال والافتراض الثاني ايضا غير صحيح، لانه اذا جازى اما يقال انه ظالم او ليس بظالم والافتراض الاول غير صحيح لأن الله عادل والافتراض الثاني ايضا غير صحيح لان الذي يحرم المستحق شيئاً كيف لا يظلمه ولما كانت كل هذه الشبهات موجودة اذن يتضح ان الايمان والاعمال ليسا سبباً للمجازاة، ولا يستحق الانسان ان يتنعم بوجودهما او يتعذب بانعدامهما .
الاعتراض الثالث : – يقولون اذا كان الانسان فاعل الإعمال الصالحة بواسطة الله كما ورد في الانجيل من يعمل الحق يأتي الى النور لتعرف أعماله إنها بالله قد صنعت. فكيف تكون سببا المجازاة الانسان ان بدلها يتولد التنعم. بينما ليست له (الاعمال) وليس هو فاعلها، وكيف يعقل ان الله يعمل الاعمال والانسان يجازي لاجلها ؟ .
الاعتراض الرابع : – يقولون لو كانت ضيقات هذا العال سبباً للتنعم المزمع لوجد ان الذي يخلص الشهداء من القتل يعمل خطية كبرى لانه يمنعهم من الخيرات القيمة التي في العالم العتيد والذي يقتله يجب أن يمدح لانه اصبح لهم سببا (علة) لوراثة خيرات عظيمة والافتراضان باطلان فضيقات الشهداء ليست سببا لتنعماتهم في العالم المزمع.
المقصد الثاني
في براهينهم الكتابية
البرهان الاول : إشعيا أن برنا كله كرقعة طمئة (بالية) أمامك فإذن نقول طالما بر الانسان كله محتقر ولا يفيد امام الله كيف يستطيع ان يكون سبباً للخيرات الوافرة في العالم المزمع أو كيف نجسر ان نقول اننا نجاري (نكافأ) بإجرة اعمالنا ؟
البرهان الثاني : – الانجيل ان اجرة فعلة الساعة الحادية عشرة تشير ان الاعمال ليست سبب المكافأة، والا كيف يتساوى الآخرون مع الأولين الذين احتملوا ثقل اليوم وحره؟
البرهان الثالث : فيه أيضا أما فائدة ثلاثين وستين ومائة لا تفيد ان الاعمال سبب المجازاة.
البرهان الرابع : – بولس بنعمته قد خلصنا بايمانه وليس من الاعمال لئلا يفتخر الانسان.
المقصد الثالث
في الاهداس الآخرى التي يهدس بها هؤلاء حول
هذا المقصد
يقولون ان الله له المجد لا يفعل شيئا قط لاجل شيء اي لأجل السبب (العلة) لأن هذه العلة اما هي عمل ما يجب أو ملاشاة ما لا يجب فإذن عمل ما يحب اما يتوجب (يتحتم) على الله أو لا يتحتم والافتراض الأول غير صحيح ان يوجد ناقصا من ما يتوجب العمل قبل فعله ويكمل به عندما يعمله وهذا محال لان الله كامل بازليته الافتراض الثاني ايضا غير صحيح، لانه اذا لم يتحتم عليه كيف يغصب في عمله، ولذا يقولون لا يؤصل للملكوت لاجل الايمان والاعمال الصالحة بسبب الاسباب المذكورة، ولا يجب ان يعذب في جهنم أو لا يتعذب لاجل عدم الايمان والاعمال القبيحة، وذلك يتضح من انه لا يستفيد اذا عذب ولا يخسر ان لم يعذب، ولما كان عدم تعذيبه يؤدي (يحمل) الى شفقته وصلاحه، فمن الضرورة لا يعذب ثم يجسرون بالقول ان لا يمنح الناس ما يفيدهم لان الاحسن والاليق للبائس لو لم يخلق قط لئلا يتعذب بسبب بؤسه وفقره في هذا العالم وبائمه في العالم المزمع والخير والأليق للناس جميعهم لو خلقوا من الابتداء مستحقين الملكوت السماوي ولم يدخلوا هذا العالم المملوء تعاسة. ولما كانت هذه الافعال لائقة وحسنة ولم يعملها الله. فاذن نتاكد انه لم يفعل شيئا ليكون سبب (علة) .
خبر (حديث) : – ويقولون ايضا بنوع شفاهي، أن أحد المعلمين عندما كان يرشد من على المنبر ويعد بأن هناك ملكوتاً الصالحين لاجل صلاحهم وجهنم للاشرار بسبب شرهم دنت اليه إمرأة عجوز وقالت له كان لي ثلاثة أولاد. مات الكبير غير مؤمن ومغضب ومات المتوسط مؤمنا عادلا. ومات الصغير وهو بين ثديي فكيف مصير كل منهم في العالم المزمع ؟ اجابها المعلم ان الكبير يعذب في جهنم والمتوسط يتلذذ في الملكوت والصغير لا يتعذب لانه لم يأثم ولا يتلذذ لانه لم يتبرر بل يكون حيث يقيض له الله. لان المنازل عنده كثيرة. فأجابته العجوز ولماذا لم يحيى الله ولدي الصغير هذا ليفعل الاعمال الصالحة ويرث الملكوت مع اخيه المتوسط ؟ فأجابها المعلم : ذلك لان الله سبق فعلم انه لا يتبرر لو عاش بل يإثم ويرث جهنم فإذن الموت خير له من الحياة، ولذا اماته فقالت له العجوز كيف لم يفكر بهذا الفكر عندما اضاف حياة لابني الكبير السيء الحظ، وهكذا اخجل المعلم ولم يحر جواباً، ومن هنا يقولون أنه من الظاهر ان الله لا يعمل شيئا لاجل السبب اي انه هكذا يليق أو هكذا يجب الخ.
الفصل الثالث
في هدم هذا الرأي السابق
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في الرد على أعتراضاتهم العقلية
الجواب على الاعتراض الاول : نقول بالحقيقة أن خيرات وأفضال الله كثيرة واسمى من أن تحصى، ولكنه لا يفعلها لكي نجازى لاجلها اذ ليس محتاجاً، ولذلك لا يجازينا في العالم المزمع لاجل استفادته من ايماننا واعمالنا، بل ما نزرعه نحن بانفسنا في هذا العالم نحصده في العالم المزمع. اذ ان الله له المجد لا يستفيد اذا زرعنا ولا يخسر اذا لم نزرع ومن هنا يعلم أن الله لا يعد ايمان الانسان واعماله الصالحة التي يفعلها بالنسبة الى افضاله الأولى والأخيرة ولكنه يكافأ الصالحين بالثواب لانتسابهم الى الخير ويجازي الاشرار بالعذاب لانتسابهم الى الشر .
الجواب على الاعتراض الثاني : نقول ليس كل ما يستطيع الوجود يوجد ضرورة، ولا ما لا يستطيع الوجود لا يوجد ضرورة وإلا كيف تصدق لفظة ( يستطيع) مع كل من القضيتين فنقول اذن ان الله له المجد وان استطاع ان لايجازي ولكنه يجازي وهكذا يكونه يقدر أن لا يجازي فيفعل ارادياً وبكونه يقدر أن يجازي فهو عادل لا ظالم .
الجواب على الاعتراض الثالث : – لقد سبقنا فإيدنا الحرية والسلطة الذاتية البشرية وجميع الخيرات التي تفعلها العناية الالهية بواسطتنا ولوكان بتوسط حريتنا لربما صدق اعتراضكم، ولكن عندما يفعل الانسان الصالحات بحرية ويُساعد من العناية فقط كقول الرسول بولس “والذين يحبون الله بكل شيء يساعدهم على الخير”، فيجازى بعدل عن اعماله لا عن اعمال الله .
الجواب على الاعتراض الرابع : – نقول ان الله له المجد ينظر إلى نيات الناس ويدينهم، فاذن من ينجي الشهداء من القتل اذا لم يكن يتوخى شرهم. فكل منهم (المنجين) يقطف ثمرة إرادية بالعدل .
المقصد الثاني
في الرد على براهينهم الكتابية
الجواب على البرهان الأول : نقول ان هذا البرهان يشير الى انحطاط طبيعتنا فقط لا الى عدم افادته لبرنا.
الجواب على البرهان الثاني : – نقول لو أن الأولين حرموا من المجازاة ووعد الاخرون لربما حق لكم القول بان الاعمال هي سبب المجازاة، والحال ليس هكذا. فاذن الأولون اخذوا اجرة عملهم والآخرون لم يأخذوا اجرة، بل بالنعمة التي منحت لهم كموهبة.
الجواب على البرهان الثالث : نقول لو لم تكن الاعمال لما وجد تضاعف المجازاة (المكافاة) فاذن الاعمال سبب المجازاة وضاعفة الجزاء.
الجواب على البرهان الرابع : – نقول أن هذا البرهان يشير الى ان الايمان اصبح سبب الخلاص، فكيف تعترفون بانه لا علة (سبب) للخلاص أو المكافأة ؟
المقصد الثالث
في حل هذه الهوادس
نقول ان الله له المجد لا يتأخر قط من عمل ما يتحتم في وقته. ولذا ليس من الصدق القول قبل ان يعمل ما يجب “لان ما يجب يجب في وقته ونقول ضد قولهم انه لا يؤهل الى الملكوت بسبب الايمان والاعمال. فقد سبقنا فتكلمنا عن ذلك. ونقول ضد قولهم أن عدم تعذيبه يؤدي الى شفقة. ان تعذيبه يؤدي الى عدله ولما كان الاعتباران متساويين، فلماذا تنجذبون إلى ذلك وسنظهر في الآخر لماذا نحن نحمل (ننجذب) الى هذا الرأي، ونقول لهم أنه لا يعمل ما يحسن أو يليق أن معرفة الله اسمى واكمل واكثر اصالة من معرفتنا. فاذن ما يليق ويحسن يعرفه الله ويعمله ولا يعمل ما نعرفه نحن ونعمل ضد حديثهم الشفاهي الذي تحدثوا به احتجاجات اي ان ما كان يليق العجوز الثلاثة، هو ما يعرفه الله ويعمله وليس ما نعرفه وندركه نحن.
الباب الخامس
في خطايا الناس وتوبتهم
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول
في المناسبة بين الخطايا والبر بالنسبة الى بعضهما
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في ان الخطايا والبر والايمان الزائد والناقص
كلهما مقبولة
هناك خطايا صغيرة وخطايا كبيرة وذلك معلوم من قول الرب “سمعتم ما قيل للقدماء لا تقتل لا تزني أما أنا فاقول لكم كل من يغضب على اخيه باطلا يستوجب الحكم، ومن ينظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها حالاً في قلبه، ومن قال لاخيه راقا (جاهل) يستوجب حكم الجماعة، ومن قال له یا احمق يستوجب نار جهنم وبهذا أعلن أن الخطايا كالقتل والزني وقول يا احمق للأخ هي أكبر بكثير من خطايا الغضب على الأخ عبثا وأشتهاء المرأة في القلب، وقول راقا للأخ. والبر هناك كبير وصغير، وذلك واضح من قول ربنا كل من سقى كأس ماء بارد لا يضيع أجره . وبهذا اشار انه اذا لم يضع اجر هذا البر الصغير كيف يضع أجر البر الذي اعظم من هذا، ومن قوله ايضا اذا لم يزد بركم على الكتبة الخ. وكون الايمان قابلا للزيادة والنقصان، واضح من قول مخلصنا عن ذلك قائد المئة ولم اجد في اسرائيل مثل هذا الايمان ومن قوله أيضاً “اذا كان فيكم ايمان مثل حبة خردل وايضا قوله لبطرس يا قليل الايمان لماذا شككت”
المقصد الثاني
في الخطايا الكبيرة والصغيرة
ان الخطايا الكبيرة هي التي صرح عنها الرب بقوله لن من القلب تخرج وتنجس الانسان وقال الرسول بولس ان فاعليها لا يرثون الملكوت وهي الكفر والتجديف والقتل والافساد والمضجع الذكري والفجور والزنى وعبادة الاصنام والخطف والسرقة والسلب والسكر والكذب وشهادة الزور الحنث بالاقسام. اما الخطايا الصغيرة فهي التي نوه عنها الرسول بولس للقورنثيين لاني اخاف ان اقدم اليكم ولا أراكم كما اريد او اجدكم كما لا تشاؤون انتم “وهي الخصام والحسد والحدة (الغضب) والشتيمة، والعصيان والثلب والنميمة والحقد والافتخار والسجس والكسل (البطالة) ومحبة التنزه وتشتت النظر والضحك الفارغ ومحبة الفضة ويقول النواطيون أن الخطايا الكبيرة أثنتان فقط الكفر (الانكار) وذلك من قول الرب من ينكرني قدام الناس انكره قدام الأب وملائكته ويقولون من الانكار يتولد التجديف على الروح القدس وخطيته لا تغتفر لا في هذا العالم ولا في العالم الآتي كقول الرب ثم الزني كقول الرسول بولس كل خطية يفعلها الانسان هي خارج عن جسده، لان من يزني بجسده فهو يخطيء “وقال في محل آخر “لا يجب ان تطلق كلمة الزنى بينكم “وليست هذه فقط هي الخطايا الكبيرة بل السلب (الغدر) الذي هو اجسم من خطية الزني ويقول القديس غريغوريوس عندما يوبخ – مالي بحيلة وخداع نوباطيس الذي لم يعذب ولم يعد السلب (الغدر) الذي هو عبادة الاصنام الثانية، ولكنه شجب الزني بشدة. وعد صاحبها غير جسدي ولا لحمي. وقد زاد القديس المذكور فقال مستهتراً ضد هذا عندما رأه يرذل الزواج الثاني وانك لا تزوج الارامل الضالة لسهولة قهر القامة وقال نوباطيس عن الرسول بولس متجاسراً فانت الملفان (المعلم) وبلغت إلى السماء الرابعة والفردوس الآخر، وسمت أمورا كثيرة لا ينطق بها وحصرت القسم الاعظم من
الانجيل.
المقصد الثالث
في البر الكبير والصغير
اما انواع البر الكبير فهي الثلاثة الباقية كما دعاها الرسول بولس بقوله الايمان والرجاء والمحبة اذ كل منها يكون كاملاً، فالايمان كامل لكون مع ايمان الانسان بالله يقر ايضا بصحة وعوده ووعيده فعندما يحتزر من الخطايا لئلا يسقط ويتعذب في جهنم يدل بعمله إلى الخيرات التي يتوخاها ليتلذذ بها في الملكوت ويتبع كهذا الايمان صلاة دائمة وكلاما مستقيماً، ويكون الرجاء كاملاً عندما يتبعه الكد والضيق والعذاب والنسك والرحمة والصمت والصوم وطول الروح والاحتمال والحزن والضيق والزهد والعفة والشفقة وبالتالي جميع الأمور التي يظن الانسان انه سيجازى لاجلها مضاعفاً في العالم المزمع أما المحبة الكاملة فهي يظاق كل الكمال وتتبعها محبة الاخوة والغرباء وتواضع الرأي (الفكر) واللطف والخضوع والراحة وصفاء القلب، وعندما تكون كل من هذه كاملة تدعى براً كبيراً وبالعكس اذا لم تكن كاملة فهي بر ناقص (صغير) وكذلك كل من هذه الفضائل التي لم نذكرها اذا كانت وحدها فهي بر صغير، وكذلك محو كل الخطايا.
هي بمثابة بر صغير مثلاً من يتألم من الشهوة البهيمية ويقوى عليها ويحطمها ولا يزني فبره اعظم بر وواضح مَن لم يتألم من شهوته ولا يزني فبره صغير. ولذا فكثير من المتوحدين يعلمون احاديثهم لبعض أبناء العالم الذين يُبعثون اليهم بواسطة الملائكة ليتعلموا ويرشدوا الى طريق الكمال.
الفصل الثاني
في ان التوبة مقبولة وتمحو الخطايا
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في البراهين العقلية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: نقول ان العقل والكتاب يشهدان بان الرب رحيم ورؤوف فرحمته تكون أما بالنسبة للذين يستحقون التوبيخ أو بالنسبة الى الذين يستحقون العقاب. والافتراض الاول غير صحيح، لان مكافأة المستحق بالاجر لا تدعى رحمة حتى ولا زيادة مكافأة الأجر، كما قيل “لتجازوا بكيل مهزوز فائض يلقى في احضانكم لانه من ينال النعيم مكافأة أجرته، لا يحتاج بعد إلى شيء آخر، فاذن زيادة اجرته ليست رحمة عليه بل نعمة فقط فينتج اذن ان الافتراض الثاني هو صحيح اي ان الرحمة يجب أن تكون بالنسبة الى الخطاة الذين يستحقون ان يتعذبوا لأجل خطاياهم، وعندما يتوبون فتوبتهم هي علة المراحم تكون لهم فلا يتعذبون .
البرهان الثاني : نقول أن الكتاب يشهد بان الله هو غافر الذنوب وتارك الخطايا، ولما كان غفرانه باطلاً بالنسبة إلى الذين يذنبوا فينتج اذن أن يكون بالنسبة إلى المذنبين عندما يتوبون عن زلاتهم.
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول: – المزامير ” أما هم فمرمروه بافكارهم وتذللوا باثمهم فنظر إلى ضيقهم وسمع طلبتهم، وتذكر عهده وترحم عليهم.
البرهان الثاني: – ابن سيراخ اصفح عما في قلبك وصل بعدئذ فتغفر لك جميع خطاياك.
البرهان الثالث: – فيه ايضا ما أوفر مراحم الله الذي يغفر للذين يتوبون اليه.
البرهان الرابع: – اشعيا ” ليترك الخاطيء طريقه والاثيم فكره، ويرجع الي فاترحم عليه”
البرهان الخامس: – حزقيال – “اقسمت بذاتي يقول رب الارباب اني لا اشاء بموت الخاطيء الا ان يتوب الي ويحيا “.
البرهان السادس: – يونان ورأى الله اعمالهم أنهم تابوا من طرقهم الشريرة فرد عنهم حدة غضبه ..
البرهان السابع: – الانجيل – اسالوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم لان كل من يسأل ياخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يفتح له وايضا لم آتٍ لادعو الصديقين بل الخطاة، اذ لا يحتاج الاصحاء إلى طبيب بل المرضى وأيضاً هكذا يكون فرح في السماء بخاطيء واحد يتوب وأيضاً لعلهم يرجعون فتترك لهم خطاياهم وأيضاً فاغفر لنا اثامنا وخطايانا كما نحن أيضاً نغفر للمذنبين الينا وايضا – اذا غفرتم للانسان خطاياه تغفر له واذا مسكتموها امسكت.
البرهان الثامن: بولس في رسالته الثانية الى اهل قورنثية اذا احزنني انسان فهو لم يحزني بل على الاقل لجمعكم لئلاً يثقل الكلام عليكم اذ يكفي هذا التوبيخ الذي من الكثيرين بل بالعكس يجب ان تغفروا له جميعكم وتعزوه لئلا يصاب بالحزن الشديد من يكون هكذا. ولهذا اطلب اليكم أن تثبتوا فيه محبتكم، وقد أتى بهذا البرهان القديس غريغوريوس في مجادلته ضد نواطيس بقوله وليس ذاك الذي اجتاز في قورنثوس على الناموس، اما بولس فأظهر محبة لأنه تأمل بالتقويم ولئلا يسقط بالشدة من كان هكذا عندما ضغط لعدم حد التوبيخ.
البرهان التاسع: يعقوب الرسول – طهروا ايديكم ايها الخطاة وقدسوا قلوبكم يا منقسمين النفس وتذللوا امام الرب ليرفعكم.
البرهان العاشر: غريغوريوس الثاولوغوس ” وان لم يخلصها الذين يسمو عنهم الكلام الأول اي الذين لم يخطئوا بشيء، بل الذين يرجعون حتى أن اخطأوا مرتين .
الفصل الثالث
في اراء النوباطيين المضادة للذين لا يقبلون التوبة
بعد المعمودية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم العقلية
الاعتراض الأول : – يقولون ان قبول التوبة في اي وقت كان يصبح سبباً لتشجيع الناس على فعل الخطايا الكثيرة. لانهم يقولون نخطأ ونكمل رغبتنا ثم نتوب ثم نخطئ ونتوب ايضا وهكذا لا يرتدعون قط عن الخطايا الكبيرة. ولما كان قبول التوبة يعطي مجالاً لزيادة الزلات، فعدم قبولها يمنع الزلات الكثيرة، ولذا عدم قبول التوبة أكثر لياقة ووجوباً، بل يجب ان تقرب إلى الله فقط ويقبلها .
الاعتراض الثاني : – يقولون لا يوجد أكثر من جميع العلل المطهرة من الادناس والخطايا إلا المعمودية، وليس لنا منها الا واحدة، فبماذا يتطهر الذين يتدنسون بالخطايا بعد المعمودية ؟
الاعتراض الثالث: يقولون لو كانت التوبة ماحية للخطايا. لكذبت جميع اقوال الكتاب المقدس الذي يصرح بالمجازاة او المكافأة بالنسبة الى الاعمال لان الذي كان جاحداً في ايام حياته وفاعلاً الشرور ثم تاب في نهاية حياته اذا لم يتعذب كيف تتم لفظة بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم وغيرها، ولما كان قبول التوبة يؤدي الى تكذيب الكتاب المقدس، فهو باطل وغير حقيقي.
الاعتراض الرابع : يقولون لوكانت التوبة مقبولة، لوجد الزناة والشرهون الذين تابوا اسعد من الأعفاء والنساك لأن أولئك ينالون الراحة في كلا العالمين أما هؤلاء فليس بكليهما بل بالمزمع فقط، ولعلهم ما ارتاحوا في هذا العالم ولم يرتاحوا. ولكنهم يحتملون مع هذا التنهدات والحسرات الكثيرة، ویجازی يكافأ الخطاة ويتنعمون ويتلذذون.
المقصد الثاني
في براهينهم الكتابية
البرهان الأول : – المزامير اغسلني كثيرا من اثمي ومن خطيتي طهرني رش علي بالزوفا فاطهر، اغسلني فابيض أكثر من الثلج فيقولون اذا كان الغاسل والمبيض والراش والمنقي لنا هي المعمودية، وهذه واحدة فبماذا يبيض ويغسل ادناسه الذي قبل المعمودية مرة واحدة من مدة طويلة، ولا يستطيع نوالها مرة ثانية ؟
البرهان الثاني: – اشعيا ” اغتسلوا وتطهروا وامحوا سيئات اعمالكم من امام عيني واذا كانت خطاياكم كالحرير القرمزي فلتبيض كالثلج – فيقولون اذن اغتسالنا المطهر نحن المسيحيين هي المعمودية. وهذه واحدة وبدونها لا يستطيع احد ان يتطهر.
البرهان الثالث: الانجيل كل من يجدف على الروح القدس لا يغفر له لا في هذا العالم ولا في المزمع فيقولون أذن ان الرب يصرح بنعمه الاقدس أن هناك خطية لا تغفر كليا. فكيف تغفرون انتم جميع الخطايا مهما كان نوعها ووقتها؟
البرهان الرابع : – يوحنا الرسول في رسالته الجامعة – اذا راى احد اخاه يخطأ خطية، فليسأل لتمنح له الحياة، لا سيما الذين لم يخطئوا للموت لان هناك خطية للموت فلست اريد ان يسأل عن هذه فيقولون ان الرسول اللاهوتي ينبهنا ويعلمنا عن الخطايا غير المغفورة.
البرهان الخامس: بطرس الرسول في رسالته الجامعة ولم تشتركوا بالشهوات التي كنتم تشتهونها بدون معرفة الا التي كنتم مشتركين بها قبل ان تؤمنوا وتعتمدوا.
البرهان السادس: بولس ولكي لا يستطيع الذين نزلوا مرة واحدة الى جرن المعمودية وذاقوا الموهبة السماوية واخذوا الروح القدس واستذوقوا كلمة الله وقوة العالم المزمع ان يخطئوا أيضاً ليتجددوا من جديد التوبة ” فيقولون ان هذا القول يؤيد بجلاء ويثبت هذه الاراء، ولما كنا ننادي ونصرح بهذا التعليم البولسي انه وان كانت التوبة مقبولة. ولكن ليس بعد المعمودية، وكيف ساغ لغريغوريوس النازنيزي عندما سمع هذا البرهان ان يقول اي برهان كالذي لنوباطيس اما يستحق أولا تشجب واذا حدث الارتياب والشك ظفر اللطف والمحبة.
البرهان السابع : – فيه أيضاً “لا تنسوا فانه لازناة ولا عبدة اصنام ولا فجار ولا مفسدين ولا مضاجعي ذكور ولا نمامين ولا سراق ولا سكيرين ولا مستهترين ولا خاطفين يستحقون ملكوت الله. وهذه كلها توجد في البعض منكم. ولكنكم اغتسلتم وتقدستم وتبررتم .
الفصل الرابع
في هدم هذه النظرية
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في الرد على اعتراضاتهم
الجواب على الاعتراض الاول: نقول أن ماهية الخطايا لیست ماذكرتم ولكنها تكون بالنسبة إلى ثلاثية علامات الزمن. اي الندامة على الخطايا الماضية وانكار الخطايا الحاضرة والوعد الفكري الصريح بعدم الرجوع الى عملها في الزمن المستقبل، والواضح ان هذه التوبة تتميز عن التي ذكرتموها. وان عدم قبول التوبة يبعد بالأكثر من الله، وذلك واضح من ان وضع الناموس فوق مستوى البشر وحله بقطع الرجاء للتقويم .
الجواب على الاعتراض الثاني : – نقول لوكان التطهير من الخطايا بواسطة المعمودية فقط لربما كان اعتراضكم صادقا، ولكن بواسطة الدموع والتذلل والتقشف والتنهدات والاصوام والصلوات والأكثر فضلاً هي دماء الشهداء الطاهرة التي سفكت فهي تستطيع تطهير الخطايا، وعندما يسفه القديس غريغوريوس هذا الرأي ولا ترض ان يتوب داود ذاك الذي منح النعمة النبوية فقد قدم توبة، ولا بطرس العظيم الذي تألم ألما بشرياً لأجل الألم الخلاصي فقبله يسوع وشفى كفره الثالث بالسؤال الثالث والاعتراف اوهل من قدم توبته بواسطة دمه لا تقبله ايضا فذلك كبرياء منك.
الجواب على الاعتراض الثالث: – نقول وأن كان الكتاب المقدس قد حفظ المكافأة بالنسبة الى الاعمال، ولكن الكثيرين دعوا الى التوبة باصوات عالية متوالية ووعدوهم بالغفران وليس من المستبعد ان الكتاب اراد بالمكافأة أو المجازاة بالنسبة الى الاعمال للذين يموتون بخطاياهم ولا يتوبون. فأنهم يجازون بالنسبة الى سوء اعمالهم ولم يقل ذلك عن الذين يتوبون
الجواب على الاعتراض الرابع : نقول أن هذا الاعتراض مبني على قوة لانه يدعو راحة هذا العالم الزائلة والظلية سعادة ولانه يقول بمجازاة واحدة متساوية للابرار الذين لم يخطئوا قط للتائبين وواضح أن الافتراضين ليسا صحيحين.
المقصد الثاني
في الجواب على براهينهم الكتابية
الجواب على البرهان الاول و الثاني : – نقول لقد سبقنا فاظهرنا انه ليس بالمعمودية فقط تطهر الادناس.
الجواب على البرهان الثالث: نقول وان قيل ان التجديف على الروح القدس لا يغفر، ولكن لم يقال ليس بعد التوبة.
الجواب على البرهان الرابع: نقول ان الخطية التي للموت هي التي بها يموت الانسان بدون توبة، أما نحن فنقر بان فضلاً عن التوبة بغفران الخطايا لا بالتوبة وحدها.
الجواب على البرهان الخامس: – نقول أن هذا البرهان يشير الى التحذير والاحتراس من الشهوات الأولى، لا الى عدم الغفران .
الجواب على البرهان السادس: نقول أن هذا البرهان يشير الى المؤمنين الذين يخطئون بعد العماد بصعوبة لا بسهولة وليس الى الذين عندما يخطئون لا يغفر لهم كما يُعلم ناباطيس، ولذا تكلم القديس غريغوريوس بكل لياقة ضد هؤلاء جميعهم .
الجواب على البرهان السابع: – نقول ان فاعلي هذه الخطايا بالحقيقة اذا لم يتوبوا لا يرثون ملكوت الله، اما اذا تابوا فيرثونها بكل سهولة.
الفصل الخامس
في ان الاعتراف هو السبب العظيم في محو الخطايا
وفيه ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
في البرهان العقلي الذي يؤيد هذه القضية
نقول ان الانسان بكونه مركباً من نفس وجسد. فمن الضروري أن تكون صحته ومرضه اما نفسيان او جسديان وكما أن الصحة الجسدية يمكن ان تتولد بواسطة الطبيب الجسدائي الخبير بمعرفة امزجة الاشخاص وهذا مهم والاوقات والمهن والعادات والأدوية والمأكل والاكوية والتشريح. كذلك الصحة النفسية يمكن أن تتولد بواسطة الطبيب النفساني (النفسي) المتبحر بمعرفة انواع الاهواء والسلوك والارادات الشخصية والهندامات والظروف والحرف والعادات والارشادات والتفاسير المملوءة حياة وروحاً. والتحريضات والتوبيخات والتهديدات والوعيد الخ. وكما ان المريض الجسدي لا يستطيع أن يشفى ويصبح ما لم يُظهر مرضه الطبيب الجسداني. ويستعمل جميع الارشادات التي يخبره عنها الطبيب هكذا بدون أن يعترف المريض النفسي بمرضه النفسي لطبيبه النفساني الذي هو الكاهن وبدون ان يكمل عملياً جميع الأمور التي يخبر عنها، لا يستطيع الشفاء. ومن هنا تنتج قضية وجوب اعتراف الخطاة بخطاياهم اذا ارادوا ان يتطهروا ويحبوا .
المقصد الثاني
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الاول: – ايوب “ان اخطات بدون ارادتي فقد تعففت من كثرة أذى الشعب” وعندما يفسر مار اياونيس هذه العبارة يقول : اترى نفس ايوب الفاضلة، كيف لم تخجل يقول امام كل الشعب اخطأت بدون ارادة، فاذا كان ذاك لم يخجل، فكم بالأحرى يجب علينا ان نفعل ذلك، اذ قال فكر قبل أن تخطئ كيف تتبرر.
البرهان الثاني: – المزامير ” قلت لاعترف للرب على زلاتي وانت تغفر لي كل خطاياي وايضا لاظهر لك ذنوبي واتطهر من خطاياي وايضاً ” اخبرتك بخطاياي ولم اخفِ عنك جهالاتي.
البرهان الثالث : أمثال الانسان الذي يخفي اثمه لا ينجح، والذي يعترف بخطاياه ويجتاز عنها ينجو.
البرهان الرابع: – ابن سيراخ لا تحابي نفسك، ولا تخجل من الاقرار بعثراتك وايضا “لا تهذر على الحق و امتنع عن ذنوبك ولا تخزى وتستحي من الاعتراف بخطاياك”.
البرهان الخامس : الانجيل وخرجت اليه كل اليهودية وكانوا يعترفون بخطاياهم ويعتمدون.
البرهان السادس: – الابركسيس – وكثيرون من الذين آمنوا كانوا يأتون ويقصون بزلاتهم ويعترفون بما يصنعونه.
البرهان السابع: – بطرس الرسول في رسالته الجامعة . كونوا معترفين لبعضكم الواحد للآخر ومصلين الواحد على الآخر لتشفوا.
البرهان الثامن: يوحنا الرسول في رسالته الجامعة – ان اعترفنا بخطايانا فهو امين وصادق ان يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل اثمنا.
البرهان التاسع: – غريغوريوس في مقاله الثالث وكل المهمة التي يجب أن ندخلها لنكشف امراضنا في سبيل شفائها.
فكل هذا ندخله كمن يهرب من الشفاء، ونحن عظماء ضد نفسنا وعارفون ضد صحتنا أو هل سُرقنا فعلياً للخطية.
كألم خفي وسيء وقد اخفيناها في أعماق النفس كاننا نضل عين الله الكبيرة الواسعة والحكم سواء اختفينا عن الناس او تشبثنا باسباب الخطايا، فنجد اقوالاً شفاعية لالآمنا. وعندما نسد سمعنا مثل الأفعى الخرساء التي تسد أذانها. نتخاصم لئلا نسمع صوت المشعوذ لئلا تدنو منا ادوية الحكمة التي بها يشفى مرض النفس.
المقصد الثالث
في أدوية الخطية الشافية، وكيف يجب ان يكون قابل الاعتراف؟ وكيف يكون الذي يدنو منه؟
أن أجناس القوانين الكلية ثلاثة أي الادوية التي بها تشفى الامراض النفسية الرحمة والصوم والصلاة، والذي يقبل (يسمع) الاعتراف. يجب أن يكون كاهناً أو رئيس كهنة لان لهم اعطي السلطان يغفروا الخطايا للانسان أو يمسكوها. وهذا لا يجب ان يرشد فقط بالكلام بل وبالاعمال الصالحة أيضاً فيجب أن يكون قدوة ومثالاً أعلى للذين يعترفون عنده كقول الرب من يعمل ويُعلم هذا يدعى عظيما وقال الملفان – والذي يتكلم الأمور الصغيرة فضيلة، فانه يظهر أموراً كثيرة بواسطة الاعمال التي يعملها. ويضيف صحة الايمان إلى قوله بواسطة سلوكه، وهكذا يقبل الخطاة اقواله بعذوبة، ولا يكون قاسياً وغضوباً ضد الخطاة ولا ضعيفاً وذليلاً، لان كلا الخصلتين مذمومتان كما قال القديس غريغوريوس الثاولوغوس وهكذا الشر بعينه والغفران غير المنتهر واللوم بدون الغفران ذاك الذي يترك لجميع الهاربين.
فهذه كلها تُلجم بالقوة أما هو فيجب عليه أن يمزج الشدة بالفرح بهدوء وسكينة، اما الفرح لاجل توبة الخاطيء، واما الشدة لاجل الخطايا التي سبقت والذي يقدم الاعتراف يجب عليه ان يأتي إلى الكاهن أو رئيس الكهنة بروح متواضعة وبقلب منسحق أي كاهن شاء، ويحني رأسه إلى الاسفل ويطرق الى الأرض ويقول اخطأت في السماء وقدام الله ويعترف على امل الغفران بقوله انا علمت كذا وكذا، واقر امام الله اني لا أفعل بعدما اعترف به الآن، واطلب منك ايها الكاهن أو رئيس الكهنة أن تتضرع لاجلي ومعي إلى الله لتلا يغلق بابه في وجهي بل ليقبلني كاللص والعشار والخاطئة. حينئذ يشجعه الكاهن إلا يقطع الأمل من مراحم الله ويقول له أموراً كثيرة من الكتاب فيضرب له مثل الخروف الضال والفلس الضائع والابن الشاطر والعشارين والزناة الذين تبرروا، وعن داود الذي قتل وزنى وعندما بكي بمرارة وجلس على الرماد والتراب ولم يذهب ولم يشرب حتى قيل له بواسطة ناثان النبي ان الله اجاز عنك ذنبك فلا تموت. وليس هذا فقط ولكنه استحق منحة النبوة، وكذلك بطرس الرسول وان جمد ولكنه بكي بحرارة وتاب واوتمن على مقاليد ملكوت السماء. فيقول له هذه الأمور وغيرها ويعلمه بانه كما الجسد يُضرب بالسهم كذلك النفس بالخطية، وكما انه ان لم يستل الالقوس ويوضع في محلها باروداً ما لا يمكن ان تلحم الجسد. هكذا ان لم يستأصل الانسان شافة الخطية من اعماق النفس ويقبل القانون الذي هو الدواء الشافي لا يمكن أن تشفى النفس وهكذا انت يابني اذا اشمئززت من الخطايا الأولى، ولا تريد العودة اليها كالكلب الى قيئه. وتقبل القانون الذي اضعه عليك وتكمله وانا اكفلك أمام الله ان يمحو منك اثامك ويبيد خطاياك ولا يذكر لك يوم الدين اية زلة من الزلات التي فعلتها. وعندما يعد بأنه يقبل ذلك، يضع عليه القانون الناجع له اي ان كان صاحب أموال يضع عليه الصدقات وان كان صحيح الجسم يضع عليه صوماً محدوداً وصلاة وركوعاً وكلها محدودة في كل يوم، ويزيد وينقص بالنسبة الى انواع الخطية، وحينئذ يباشر بخدمة التوبة بالاختصار سرياً، ويحل المعترف .
الباب السادس
في عمومية الزلات لجميع مولودي النساء
وفيه مقدمة وفصلان
المقدمة
ان كنيسة الله المقدسة تعترف بأنه لا يوجد مخلوق غير ناقص ولا يوجد طاهر من دنس الخطية من جميع الناس الذين على الارض إلا ربنا يسوع المسيح فقط أما البعض فيقولون ان الاستحقاق للمكاشفات الالهية والمواهب الروح القدسية، لا تمنح الانبياء والرسل والآباء القديسين أمكانية على الاخطاء والاثم وقالوا ان هذه الامكانية تكون لاربعة اسباب:
الاول – كون النبي يُختار من البطن ويُقدَس كما جرى لصموئيل وارميا.
الثاني – ان مختار الله عندما يعرف ملياً المكافأة المحفوظة للقديسين والعقاب والوعيد المعدين للمجتازين على الناموس فيزداد احتراسه من ان يزل في شيء
الثالث – ان المكاشفات الإلهية التي تحصل له تثبت معرفته الكاملة لئلا يسقط في الخطأ قط.
الرابع – لكي اذا خطرت على باله حركة اوميل اوفكر شيطاني، فلا يُهمل من العناية الإلهية بل يوبخ حالاً وينتهر. وهكذا يمتنع من الزلل، ويقول البعض أن جميع الافكار المخطئة (الشريرة) تتولد في مختاري الله عدا الكفر به وقال غيرهم ربما يستطيعون ان يكفروا لاجل الخوف طالماً يحفظون في أنسانهم الباطن الايمان ويلتجئون به .
الفصل الأول
في انه ليس من المتمنطقين بالجسد محرر من
النقائص البشرية
وفيه مقصد واحد
في البراهين الكتابية التي تؤيد هذه القضية
البرهان الأول : ان ابانا آدم رغم استحقاقه للتحدث المتواصل مع الله خالقه، فهذا كله محي من الشيطان، ولم يجتاز على امر خالقه وحسب بل تخيل وتوهم في الظن الأكثر وخامة وهو انه جسد ولذا منعه من الأكل من الثمرة .
البرهان الثاني : – التوراة “وقال هارون الموسى ” أطلب منك ياسيدي، لا تحسب لنا الخطية لاننا اذنبنا واخطأنا “
البرهان الثالث : – فيها ايضا ” وقال الرب لموسى اصعد الى هذا جبل العبرانيين وانظر ارض كنعان التي ساعطيها لبني اسرائيل انظرها واجتمع عند شعبك كما اجتمع هارون اخوك لأنكم مرمرتم قول فمي في برية صين بخصام الجماعة، ولم تقدسوني على الماء امامهم.
البرهان الرابع : – ان عمل داود المذموم لآل اوريا والزنا والقتل الواضح عند الكثيرين فلنخجل الآن ونقول ما قاله المرتل نفسه كعلة (سبب) للتأكد من ذلك أنا قلت في حال اضطرابي ورجفتي كل انسان كاذب.
البرهان الخامس : نكران بطرس يكفي لتحذير جميع القائمين لئلا يسقطون.
البرهان السادس : – بولس في رسالته الى اهل رومية “لقد حبس الله كل انسان بدون اذعان ليترحم على كل انسان “
البرهان السابع : – القديس ديونيسيوس في الباب السابع من المقال الثاني “ان الذين عاشوا بالطهارة حياة نيرة والهية، يمنحون من ميزان عدل الله ما يستحقون ان يترك لطف رأس الالوهية بالنعمة جميع الأدناس التي علقت بهم بتأثير الضعف البشري لانه ليس انسان كما يقول الكتاب طاهر من دنس الخطية.
البرهان الثامن : القديس غريغوريوس الثاولوغوس في مقاله على الأنوار أما انا فأعترف هكذا باني انسان حیوان متغير ومن الطبيعة المدبة وأرضى بهذا بكل بشاشة واسجد للذي اعطى لا اعطي انا للآخرين. وادخل المراحم امام المراحم واعلم أي متمنطق بالضعف وكما اكيل يكال لي زيادة ايضاح وتأكيد: ولماذا نقلق البشر لتأييد هذا الموضوع طالما هم ليسوا مجردين من الاهواء الجسدية والذين كانوا يجولون بكليتهم بجوار الالوهية. قد ابتعدوا لاجل الزلة وطغمة منهم شقيت وتألمت لسقطتها اتعس من غيرها، كما قال غريغوريوس الثاولوغوس ان الذي تجاسر من الملائكة ان يقلق، ويرتفع أكثر من سلطانه الخ.
الفصل الثاني
في رأي الذين يحكمون بعدم امكانية زلة (سقطة)
الذين سبقوا فَنُفخوا بالروح القدس
وفيه مقصدان
المقصد الأول
في اعتراضاتهم
الاعتراض الاول : – يقولون لو امكن ان يسقط الانبياء والرسل والآباء في النقائص البشرية لكانوا اشقى بكثير من سائر البشر البسطاء والاثمة لان أولئك الذين لا يعرفون الصغائر يُضربون والذين يعرفون الكبائر القاسية فماذا ؟ كقول الانجيل المقدس ومن المحال الظن ان الكاملين من الشعوب يشقون.
الاعتراض الثاني : – يقولون لو امكن ان يكذب الكاملون كيف يمكن أن نصدق اقوالهم والاستناد عليهم، وقبول كرازتهم، ولما كنا نصدقهم بدون شك فاقوالهم اذن صادقة.
الاعتراض الثالث : – يقولون لو امكن ان يسقط الأنبياء والرسل والآباء بالخطايا الكبيرة لسلموا الى الموت بحكم الناموس، وإن قتل هؤلاء لا يرضي الله واضح من قول ايليا للرب ياسيدي قتلوا انبياءك وحطموا مذابحك، ونجيت انا وحدي وهم يطلبون نفسي ومن ذم الرب الاورشليم بقوله یا اورشلیم یا اورشليم الخ.
الاعتراض الرابع : – يقولون ان الانبياء والرسل والآباء يمنعون البشر من السقوط في الخطايا بمواعظهم، فلو تمرغوا هم بالخطايا، لتم فيهم قول الرب الويل لكم ايها الكتبة والفريسيون لانكم تحزمون أحمالاً ثقيلة للناس وأنتم لا تريدون تحريكها بأحدى اصابعكم.
المقصد الثاني
في الرد على هذه الاعتراضات
الجواب على الاعتراض الاول: نقول ان الكاملين طالماً محافظين على كمالهم، فهم اسعد جميع البشر، ويصبحون اشقى الجميع، اذا سقطوا من درجة عظمتهم، فاذن لا يتبعهم الشقاء عندما يسقطون كما للكاملين بل للناقصين والخاسرين فهوذا المسلَّم عندما شق نفسه لم يتولد له ذلك الشقاء وهو كرسول بل کاعظم کافر و اثيم من الجميع .
الجواب على الاعتراض الثاني : والكاملون عندما يسقطون في الكذب يُشهرَون حالاً، ويعرفون أمام كل انسان انهم سقطوا من مدة طويلة، ولذا لا تعود تقبل اقوالهم قط.
الجواب على الاعتراض الثالث: الانبياء والملامون من الله ومن الناس قاتليهم هم حقيقيون لانهم يسيرون في طريق الله بدون غش وليس الذين حادوا تعمدا عن سبيل الحق. واغاظوا الله بأعمالهم الشريرة، فان الله له المجد قد اسلم مثل هؤلاء الى الهلاك كما ان ايليا اهلك كثيرين مثلهم .
الجواب على الاعتراض الرابع : – نقول ان الأنبياء والرسل والشهداء بقدر ما هم متحذرون لانفسهم من الزلل يستطعون ان يحذروا الشعب أما اذا سقطوا كالبشر الضعفاء، فيمنعون عندئذ من التعليم والارشاد والتوبيخ.