كتب القراءات

في قراءات الكتاب المقدس

 قسّم علماء السريان أسفار الكتاب الإلهي فصولاً، وعيّنوا منها قراءات يتلونها على مدار السنة:

1: في آحاد السنة وأعيادها من تقديس البيعة إلى عيد الصليب

2: في سائر أيام الصوم الكبير

3: في حفلات الأعياد الحافلة

4: في أثناء الرسامات الكهنوتية وتلبيس الإسكيم للرهبان

5: في خدمة الأسرار المقدسة وخصوصًا تقديس زيت العماد والميرون

6: في الصلاة على الجنائز

وعيّنوا لكل أحد وحفلة ثلاث قراءات من العهد العتيق، تكون الثالثة من أسفار النبوات، وثلاثاً من العهد الجديد أي الأبركسيس أو إحدى الرسائل الجامعة ومن الرسائل البولسية والإنجيل المقدس. وفي حفلة الميرون وبعض آحاد الصوم ويوم الجمعة العظيمة، تكون قراءات العهد العتيق أربعاً أو خمساً، وأمّا في خدمة سرَّيْ العماد والقداس فيُتلى رسالة بولسية وإنجيل – وعينوا من الإنجيل ثلاث قراءات تُتلى مساءاً وصباحاً وفي أثناء القدّاس، ويمتاز عيد الميلاد والقيامة بقراءة رابعة تُتلى ليلاً، ويُتلى أيضاً مرّتين في كلّ يوم من أيام الصوم الكبير ما عدا السبت، وفي كلّ وقت من ساعات الصلوات في أسبوع الآلام، وثلاث قراءات لحفلة عيد العنصرة، وجاء تقسيمهم لهذه الفصول مطابقاً لموضوع الأحد والعيد واليوم بذوق ودقّة وحكمة بالغة، ممّا لا تجده في بقية الطقوس المسيحية الشرقية والغربية. واستثنوا من الكتاب العزيز قراءة سفرَيْ نشيد الأناشيد ورؤيا يوحنا وأكثر سفري المقابيين.

وكان تعيين فصول الإنجيل التي تُتلى في أسبوع الآلام، في أواسط القرن التاسع على يد الراهب دانيال من دير بيت باتين تلميذ بنيامين مطران الرها، وشاركه في عمله تلميذه الهمام الراهب اسحق. فاختار بعضها من إنجيل الدياطسّرون جامعاً ما تفرّق منها في الأناجيل الأربعة، وقد نوَّه نسّاخ الأناجيل من ذلك الزمان فصاعداً بعمل دانيال واسحق في سائر النسخ التي وصلت إلينا.

وقرأنا في كتاب في خزانة باريس (عدد 258) أنّه في سنة 1000 م عُني البطريرك الأنطاكي أثناسيوس الرابع المعروف بالصلحي (1002+) فجمع وفصّل قراءات العهدين.

وكانت الفصول تُتلى بالسريانية وتجد من مجموعتها ثلاث نسخ قديمة في خزانة لندن (عدد 220) سنة 824 وعدد 243 سنة 862 وعدد 224 سنة 1000 ونسخة بخط حسن في قلاّيتنا بحمص نُقلت في القرن الرابع عشر وأمّا نسخ الإنجيل فهي كثيرة في كلّ الخزائن.

وأقدم نسخ العهد الجديد المكتوبة بالسريانية والمنقولة إلى العربية ترقى إلى سنة 1189 م وهي في خزانة دير مار متى. وبعد دهر طويل كُتبت فصول العهد العتيق بالعربية فاقتصر على قراءة الأسفار الإلهية كلّها بهذه اللغة ما عدا طور عبدين.

ولا يمكننا أن نستقصي بحث الترجمة العربية للعهدين لخلاء أيدينا من متونٍ صريحة قديمة ومعلومات تاريخية ثابتة. والذي نعلمه أنّ يوحنا الثالث بطريرك أنطاكية صرف عنايته إلى نقل الإنجيل المقدس إلى العربية، على أيدي علماء متبحّرين في اللغتين من بني طيء وتنّوخ وعُقيل في حدود سنة 643 إجابة إلى رغبة عُمير بن سعد أمير الجزيرة في مار روى المؤرخ الرهاوي المجهول[1] وابن العبري[2] ونقل حُنين بن اسحق الطبيب النسطوري المشهور (873+) العهد العتيق إلى العربية عن النقل السبعيني[3] ووجدنا في كتاب الدين والدولة تأليف علي بن ربَّن (ربّان) الطبري[4] (حوالي سنة 860) الذي نشره منغانة في مصر سنة 1923 قطعاً من التوراة وفصولاً من أسفار الأنبياء بكلامٍ أُفرغ في قالب الفصاحة كأنّهُ الدرّ المرصوف واللؤلؤ المنضود، وشذوراً من العهد الجديد بكلام سهل متناسب الفِقَر، ولا نعلم لهذه الترجمة خبراً. ونقل الحارث بن سنان ولعلّه الحارث بن سيسن سنباط الحرّاني الملْكي أسفار موسى الخمسة من السريانية السبعينية إلى العربية في سلخ القرن التاسع وأوائل العاشر[5] ونقل العهد العتيق أيضاً الشيخ سعيد بن يعقوب الفيّومي المعروف بسعديا اليهودي نحو سنة 900 ومنه في خزانة فلورنسا عدد (21) نسخة أسفار التوراة الخمسة من العبرانية إلى العربية كُتبت سنة 1245 وفي خزانة الدار البطريركية القبطية بمصر كتاب العهد القديم يحوي نصف أسفار التوراة، نقل عن ترجمة الشيخ سعيد الفيّومي تاريخه سنة 1585 (عدد 23) وفي خزانتنا نسخة مخرومة من الإبركسيس والرسائل نقلها سويرس ابن المقفّع أسقف الأشمونين القبطي (في القرن العاشر) من نسخ يونانية وسريانية وقبطية، عُلّقت سنة 1240. ونقل الشمّاس عبد الله ابن الفضل الأنطاكي الرومي 1052+ من اليونانية المزامير (الفاتيكانية ع 145) والأناجيل، والنبوات والرسائل بحسب الاستعمال الكنسي وفي سنة 1250 نسق الشيخ أسعد أبو الفرج ابن العسّال القبطي ترجمة للأناجيل. وفي خزانتنا الأورشليمية نسختان من الإنجيل فصيحتان سريانية وعربية، إحداهما نسطورية صُفر من تاريخ، والثانية وهي أبلغ أُنجز نسخها عام 1229 (عدد 261) وفي خزانة باريس إنجيل نقل عن الأصل اليوناني مخطوط سنة 1226م (عدد 42) وفي خزانة برمنكهام (عدد 431) نسخة خُطَّت سنة 1368م[6] وفي خزانة دير مار متى كتاب مزامير سرياني وكرشوني بإنشاء فصيح نُسخ عام 1445 والذي نراه أنّ لهذا السفر نقولاً شتى بالعربية كما تعدّدت نقوله عن اليونانية إلى السريانية. وعلى صعوبة البحث في هذه النقول والمتون المتفرّقة، تجد في نسخ الأسفار القدسية البيعية العربية لغة متفاوتة الإنشاء فيها الفصيح والوسط والركيك.

وظلّت الحال على ما ذكرنا في بلاد الشرق حتى ظهرت بعد الترجمة المطبوعة باللاتينية والعربية في رومية عام 1671 الترجمات العربية الحديثة المعروفة في القرن التاسع عشر. أمّا أقربها إلى النقل السرياني البسيط فالترجمة التي ضبطها المطران يوسف داود الكاثليكي، ناقلاً بعضها بنصّه وفصّه من مخطوطات قديمة في بِيَع العراق وأدياره وخصوصاً العهد الجديد، ونُشرت في الموصل سنة 1871–1878 وأمّا أفصحها فالنقل اليسوعي المنشور في بيروت عام 1872–1878.

[1] (مج 1 ص 263).

[2] التاريخ الكنسي (مج 1 ص 275).

[3] الأدب العربي تأليف هوار (ص 280).

[4] كان مسيحياً فأسلم وألّف كتابه.

[5] فهرس مكتبة الدار البطريركية بمصر (عدد 11 و45) بقلم مرقس سميكة باشا سنة 1942.

[6] ضربنا صفحاً عن ترجمة للأناجيل الأربعة عملها المطران عبد يشوع الصوباوي عام 1300 تكلّف فيها الاسجاع فجاءت غثّة متنافرة ملؤها التعمل. وجدت منها نسخة بالموصل وغيرها وذكر في مقدمته ثلاث ترجمات عملها قبله أبو الفرج ابن الطيب ويشوعياب ابن ملكون 1256 (خزانة الشرفة 1/2 والشيخ ابن داد يشوع ؟

المصدر: اللؤلؤ المنثور، ص 58-61.