من بيدر المواعظ – 5

مقدمة المؤلف

زيارة أبرشية بغداد والبصرة

القداس الإلهي في بغداد

وضع حجر الأساس لدار المسرة ـ بغداد

زيارة كاتدرائية الأرمن الأرثوذكس ـ بغداد

افتتاح دير مار يعقوب البرادعي للراهبات ـ بغداد

زيارة كنيسة السريان الكاثوليك ـ بغداد

أمسية في بغداد

لقاء مع طلاب وطالبات مركز التربية الدينية

افتتاح كنيسة مار بهنام ومار متى

لقاء الشباب في كنيسة مار بطرس وبولس

زيارة آل عيواص ـ بغداد

زيارة عائلة المرحوم يعقوب توزا ـ بغداد

تقديس كنيسة مار بطرس وبولس ـ المصيطبة

الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية

تقديس كاتدرائية مار أفرام ـ سيدني

رعية مار توما ـ ولونغونغ

كنيسة الأقباط الأرثوذكس ـ كيلدفورد

تقديس كنيسة مار أفرام ـ ملبورن

زيارة مطرانية الأقباط الأرثوذكس ـ بيرث

عيد الميلاد المجيد

تقديس كنيسة مار يعقوب السروجي ـ حماه

محبة الرب يسوع

الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية

تقديس كنيسة مار إلياس ـ فيروزة

وضع حجر الأساس لدير مار أنطونيوس ـ صدد

افتتاح دار المحبة ـ معرة صيدنايا

رسامة المطران مار تيطس يلدو

رسامة المطران مار سويريوس قرياقس

رسامة رهبان من كلية مار أفرام السرياني

افتتاح مؤتمر التراث السرياني ـ دمشق

الزيارة الرسولية إلى أبرشية الجزيرة والفرات

دير مار كبرئيل ـ طورعبدين

دير الزعفران ـ ماردين

قداسته يبارك أبناء رعية لندن

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ باريس

الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ تل جهان

تكريم المرحوم الخوري ملكي الخوري

تقديس دير القديسة فبرونيا ـ هيمو

حجر الأساس لدير مار آسيا الحكيم ـ الناصرية

مهرجان الأغنية السريانية الرابع

كاتدرائية أبرشية كوجين

كلية اللاهوت ـ فيتيكل

دير ماليكوروش

تقديس الميرون في كوتامانغالم

كنيسة القديس مار باسيليوس يلدو

كنيسة السيدة العذراء ـ كوطيم

في كنيسة مار توما ـ مولنتوروتي

تقديس كاتدرائية مار بطرس ـ دلهي

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ دير الزور

لا وجود لمسيحية صهيونية

رسامة راهب في دير مار أفرام

رسامة راهب في دير مار أفرام

يوم الشباب السرياني

حفل استقبال

خلال العرض الكشفي بمناسبة اليوبيل الفضي لقداسته

خلال استقباله لقداسة البابا شنودة الثالث

لقاء مع الأخوات الراهبات

الاحتفال بتقديس الميرون

الاحتفال بتقديس زيت المعمودية وزيت مسحة المرضى

رسامة المطران مار سويريوس حزائيل صومي

اجتماع لجنة المتابعة لمراكز التربية الدينية

القداس الإلهي في لندن

القديس مار أفرام السرياني شاعر لأيامنا

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ زحلة

في فندق قادري الكبير ـ زحلة

الزيارة الرسولية إلى استنبول

افتتاح دار المطرانية الجديد ـ استنبول

سريانيات… أصالة لحن في شعر مغنى

زيارة قداسته لقرية فيروزة

الاحتفال بالذكرى الخمسين لرقاد البطريرك أفرام برصوم

تقديس كنيسة مار يعقوب البرادعي ـ جرمانا

عيد الميلاد المجيد

زيارة السيد الرئيس بشار الأسد إلى دير مار أفرام

بدء اليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطة المفريان

توشيح راهب بالإسكيم الرهباني المقدس

رسامة مطرانين معاونين لأبرشية الكناعنة

افتتاح الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية

قداسته يبارك أبرشية حمص وحماه

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ الفحيلة

قداسته يبارك أبناءه في صدد

اليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطة المفريان

تقديس كنيسة مار يعقوب «أخو الرب» ـ الدوحة

تدشين مجمع الأمل التربوي ـ الحسكة

دور العلماء في ضبط الخطاب الديني

الإخاء الإسلامي المسيحي في سوريا

مأدبة إفطار رمضانية

تدشين مركز البطريرك زكا الأول عيواص

الثقافي الاجتماعي في الحسكة

وضع حجر الأساس لروضة ومدرسة الآمال الخاصة

وضع حجر الأساس لثانوية الحرية الخاصة

قداسته يبارك أبناء أبرشية حلب

قداسته يبارك أبناء أبرشية حلب

الإعلان عن منح نيافة المطران يوحنا إبراهيم وسام الصليب الأكبر للقديس مار إغناطيوس النوراني

قداسته يقلد نيافة المطران يوحنا إبراهيم الوسام البطريركي

استقبال العماد ميشيل عون

عيد الفصح المجيد

مختارات من كلمات التأبين

الراعي الأمين والخطيب المفوه الملفان بولس بهنام

البطريرك العلامة يعقوب الثالث في رحاب الخلود

رجل النهضة والإصلاح البطريرك أفرام الأول برصوم

المطران قرياقس حكيم السريان في ذمة الخلود

المطران قرياقس يستريح من أتعابه وأعماله تتبعه

المطران قرياقس المجاهد الرسولي

تأبين المطران جرجس القس بهنام

تأبين المطران يشوع صموئيل

تأبين المطران موسى سلامة

تأبين الخوري يوسف معمر

تأبين الخوري برصوم أيوب

تأبين الرئيس الخالد حافظ الأسد

القائد التاريخي العظيم حافظ الأسد في ذمة الخلود

الذكرى السنوية الثانية لرحيل القائد حافظ الأسد

تأبين المحسن الكبير الملفونو جان كلور

تأبين المطران صليبا توما

تأبين المطران ملاطيوس برنابا

تأبين الأستاذ الكبير المرحوم جبران كورية

تأبين الأستاذ المرحوم زكي معمر

تأبين الأستاذ المرحوم كبرئيل محاما

مقابلات إذاعية وصحفية مقابلة إذاعية مع المطران زكا عيواص ـ استراليا

حوار مع مجلة المغترب

مقابلة مع شباب الموصل

حوار مفتوح مع قداسة البطريرك زكا الأول

حوار بعنوان: الحركة المسكونية: واقعها وآفاقها

مجلة بقعة ضوء في حوار مع قداسته

جريدة الجماهير في حوار مع قداسته

موقع «عنكاوا كوم» في حوار مع قداسته

خطب وكلمات قداسته

المنشورة على صفحات المجلة البطريركية الدمشقية

مقدمة المؤلف

بعد حمد الله تعالى، أقول:

شاء الرب يسوع فاختارني أنا الضعيف الضئيل، ودعاني لخدمته، فلبيت الدعوة، وأرسلني منذ شرخ شبابي لأعطي عبيده الطعام في حينه (مت 24: 45)، وأبسط أمامهم مائدة الكلمة الحيّة، وأرويهم من ماء الحياة. ومن جملة المسؤوليات الروحية التي وضعها الرب على عاتقي أن أعظ المؤمنين به.

ففي عام 1954 وهي السنة الأخيرة من مرحلة دراستي في مدرسة مار أفرام الإكليريكية في مدينة الموصل بالعراق مسقط رأسي، ابتدأت أعظ في كنيسة العذراء الداخلية التي كانت تدعى كنيسة (الطاهرة) أو كنيسة (القلعة) إحدى كنائسنا الخمس في مدينة الموصل يومئذ، وهي كنيسة آبائي التي كان بينها وبين دارنا قاب قوسين أو أدنى في محلة (حوش الخان) وقد نلتُ سر العماد المقدس فيها، وخدمت مذابحها المقدسة في صباي كشماس صغير، وقد ابتدأت فيها خدمة الوعظ بإيعاز من أستاذي الجليل مطرانها المثلث الرحمة الملفان مار غريغوريوس بولس بهنام الخطيب المصقع والواعظ المفوّه. وقد اشتهر شعبنا السرياني الموصلي بإيمانه وتقواه وشغفه بسماع المواعظ. وإنني لمدين لهذا الشعب المبارك بتشجيعه إياي على الوعظ وبذلك نمت موهبة الوعظ فيَّ في سن مبكرة، وابتدأت أعير اهتماماً كبيراً بتهيئة مواعظي احتراماً للسامعين، وتقديراً لهم، وسعياً للوصول بهم إلى الهدف الأسمى الذي نتوخاه من رسالة الوعظ وهو خلاص النفوس.

وقد تعودت على الصلاة إلى اللّه ليعضدني تعالى ويُمدني بقوة منه وحكمة، ولينير روحه القدوس ذهني لأبذل قصارى جهدي بدراسة موضوع الموعظة جيداً، وأقوم بتقسيمه إلى أجزاء وأختار الآيات المناسبة من الأسفار المقدسة، أستشهد بها لدعم الحقائق الإيمانية والعقائد السمحة، وأستعين بتعاليم آبائي السريان الميامين وشروحهم النفيسة للكتاب المقدس. ويشغل موضوع العظة ذهني بل يحيا معي فترةً كافية من الزمن وتسرع نبضات قلبي عندما أكون على أهبة إلقاء العظة على ظهر قلبي.

ولغتي في الوعظ سهلة سلسة وأتوخّى دائماً البساطة والوضوح، وأتجنّب التعقيد والألفاظ الغريبة غير المتداولة وغير المستساغة، محاولاً توصيل الحقائق الإيمانية والمبادئ الروحية إلى أذهان السامعين بسهولة قدر الإمكان.

وقد تعوّدت أن أسأل الله تعالى بصلاة حارة كي يضع في قلبي وعلى لساني الكلمات المناسبة المؤثّرة في النفوس لتدخل هذه الكلمات الروحية إلى القلوب فتتطهَّر وتتوب إليه تعالى، وبذلك أكون قد بلغت الغاية المنشودة من الوعظ، ألا وهي خلاص النفوس.

وفي هذا المضمار أسعى لخلاص نفسي أولاً لئلا ينطبق عليَّ القول: «أعلّم الناس ولا أتعلّم، وأعظ ولا أتعظ»، فكنت ولا أزال أعظ نفسي قبل أن أعظ الناس، وأطلب إلى الرب أن يملأ قلبي محبة للّه وللقريب وإيماناً به تعالى وثقة بالرب يسوع الذي وعد سائر خدامه الأمناء بأن يُرسل إليهم روحه القدوس ليذكرهم بتعاليمه ويصون أفكارهم وألسنتهم من الخطل والزلل، فكنت أطلب إليه أن ينعم عليَّ بإصلاح نفسي قبل أن أسعى إلى إصلاح نفوس السامعين.

وبما أن أسلوبي في الوعظ هو غالباً عدم كتابة نص الموعظة بكامله مسبقاً، والاكتفاء بكتابة عناوين أقسامها الرئيسة، لذلك فقد فقدتُ أغلبَ عظاتي في عهد رهبنتي ومطرنتي، ولم يبقَ منها سوى ما سجله بعض الهواة لأنفسهم، وبخاصة مواعظ الجمعة العظيمة وبعض الأعياد الكبيرة. أما بعد أن تبوأتُ الكرسي البطريركي الأنطاكي بالنعمة لا بالاستحقاق عام 1980 فقد كان بعض أبنائي الروحيين، يسجّلون مواعظي على أشرطة تسجيل (كاسيتات) في المناسبات ثم يفرّغونها على الورق وهكذا نشرت قسماً منها على صفحات المجلة البطريركية الغراء وبخاصة تلك التي كانت تذاع عبر إذاعة دمشق، كما نشرتُ بعضها في كتاب بجزئين طبع الجزء الأول منهما عام 1984 والجزء الثاني عام 1988 تحت عنوان (حصاد المواعظ).

وبعدما أسستُ عام 1990 رهبانية العذارى باسم (راهبات مار يعقوب البرادعي) اهتمت بناتي الروحيات الراهبات الفاضلات بإشراف رئيستهن الأم الفاضلة حنينة هابيل بتسجيل أهم مواعظي على أشرطة تسجيل (كاسيتات) أثناء إلقائي إياها على ظهر قلب، وتفريغها على الورق، فتجمّع لديَّ عدد وافر من العظات والخطب التي ألقيتها في عدة مناسبات رأيتُ أن أنشر نخبة منها في سلسلة تحت عنون «من بيدر المواعظ» في سلسلة أنوي إصدارها تباعاً، تتضمّن مقدمة لاهوتية ضافية بموضوع الأعياد المسيحية ومواعظ مختارة لمناسبات الأعياد المارانية (السيدية) أي أعياد الرب الكبيرة، ولبعض هذه الأعياد أكثر من موعظة، خاصة لعيدي الميلاد والقيامة، ومواعظ الأعياد المارانية (السيدية) الصغيرة، وأعياد السيدة العذراء مريم، والشهداء والقديسين، وآحاد الصوم الكبير وشتى المناسبات الروحية على مدار السنة الطقسية السريانية، وذلك لفائدة الإكليروس السرياني وخدام مراكز التربية الدينية والشعب المؤمن.

نسأل اللّه تعالى أن تؤول هذه المواعظ إلى خلاص النفوس وأن تكون سبب بركة للقارئ الكريم آمين.

إغناطيوس زكا الأول عيواص

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

من عظات عام 2002

من عظات عام 2002

زيارة أبرشية بغداد والبصرة·

أصحاب السيادة ممثلي وزارة الأوقاف وكل من لهم صفة رسمية،

أيها المؤمنون:

يعجز لساني عن ترجمة عواطفي وشكري الجزيل قبل كل شيء للّه الآب الذي أوصلنا إليكم بالسلامة فتحقق بذلك حلم جميل كان يراودني فترة طويلة منذ أن زرتكم في المرة الماضية قبل أربع سنوات، أشكر نيافة أخي الحبيب مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة على دعوته إياي لمشاركتكم جميعاً فرحة افتتاح هذه المشاريع الجبارة التي قمتم بها بتوجيه نيافته ورعايته وهمته العالية وحكمته وإدارته الرشيدة. هذه المشاريع التي ذكرها نيافته وجعلنا نبتهج جداً بهمة هذا الشعب المبارك الذي استطاع بقيادة نيافته أن ينجزها في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها عراقنا الحبيب. ولكن نشكر الله والعراق بقيادة سيادة الرئيس صدام حسين الصامد تجاه الأعداء الألداء الذين فرضوا عليه الحصار سائلين الله أن ينصره وشعبه البطل على أعداء الأمة بل أعداء الشعوب كافة فيحق الحق ويزهق الباطل. إننا ندعو الله أن ينشر أمنه وسلامه في عراقنا الحبيب وأن يصونه من الظالمين وأن يحفظكم جميعاً.

أيها الأحباء أشكر الله أيضاً على المحبة العارمة التي أبديتموها في هذا الاستقبال النادر الذي يدل قبل كل شيء على إيمانكم المتين الثخين وعلى محبة السادة المطارنة الأجلاء ممثلي الطوائف العزيزة الشقيقة، أشكرهم جميعاً على تلطفهم بمشاركتكم في هذا الاستقبال. أشكر إخوتي مطارنة العراق أصحاب النيافة مار ديوسقوروس لوقا شعيا مطران دير مار متى، مار غريغوريوس صليبا شمعون مطران الموصل وتوابعها، وأصحاب النيافة الذين رافقوني برحلتي هذه: مار ملاطيوس برنابا مطران حمص وحماة المتقاعد ومار سويريوس ملكي مراد النائب البطريركي في القدس والأردن وسائر الديار المقدسة، ومار سلوانس بطرس مطران حمص وحماة وتوابعهما. وأشكر الآباء الأحباء الذين رافقوني أيضاً السكرتير البطريركي الأب الفاضل الربان إيليا باهي وناظر كلية مار أفرام اللاهوتية في معرة صيدنايا الربان متى عبد الأحد وسائر الرهبان الأعزاء والكهنة والشمامسة الذين حضروا معنا في هذا الاحتفال المبارك.

إن هذا الاستقبال الحافل والمنظم بهمة راعي الأبرشية وتنظيمه وإدارته المعروفة والممدوحة، هذا الاستقبال أيها الأحباء يتعدى شخصي الضعيف إليكم أيها الشعب المبارك، إلى مطرانكم إلى إكليروسكم إلى الأحبار الأجلاء الذين رافقونا في هذه الزيارة المباركة. وإنني لمسرور بما ذكره صاحب النيافة الأخ الجليل مار سويريوس حاوا عن المشاريع، عن ترميم هذه الكنيسة التي لبست حلة جديدة قشيبة وأعيد إليها مجدها الأول، هذه الكنيسة التي كما ذكر نيافته أنها جددت أيضاً ذكرى جهود الذي شيّدها على حسابه الخاص المؤمن الفاضل الغيور المرحوم مجيد زيونة وزوجته الفاضلة المرحومة حياة. هذه الكاتدرائية العظيمة التي نالت بركة الله أيضاً إذ ضمّت ضريح المثلث الرحمة الملفان العلامة المطران مار غريغوريوس بولس بهنام ذلك الرجل النبيل الذي خدم هذه الأبرشية كأول مطران لها في أيامنا هذه والذي استشهد بدون دم وهو يجاهد في سبيل تثبيت أركانها ويتعب في الخدمة الروحية لشعبها المبارك، رحمه الله. وها نحن كلنا تلاميذه، مطارنة العراق والمطارنة الذين جاؤوا معنا مار برنابا وتلاميذ تلاميذه مار سويريوس مراد ومار سلوانس ونفتخر بالمثلث الرحمة المطران بولس بهنام وبجهوده وبتعليمه إيانا كيف نكون تلاميذ حقيقيين للمسيح يسوع ربنا. فهذه الكاتدرائية قد ازدادت بركة بوجود ضريحه فيها.

أيها الأحباء ذكر نيافة أخينا المطران مار سويريوس حاوا المشاريع التي قام بها وهو معروف أينما حل منذ عهد رهبنته وأينما خدم قدّم للكنيسة خدمات جليلة في ميادين شتّى ثقافية وعمرانية وتنظيمية وتهذيبية أيضاً للشباب. هذه جوقة الترتيل التي شنّفت آذاننا، المجلس الملي، الشباب وكل من سعى واجتهد بالتعاون مع نيافته في شتى الميادين، لهم بركة من ربنا يسوع المسيح. إنني مسرور بهذه المشاريع التي سنقوم بافتتاحها، قبل كل شيء المقر الإداري للمطرانية. يدعى ما يدعى فهو مركز أعطى دار المطرانية والكاتدرائية أهمية جديدة وسهّل على أبناء الكنيسة مراجعة المطرانية في شؤونهم الدينية والاجتماعية. دار الراهبات والراهبات الفاضلات كان نيافته في مقدمة من شجعنا على تأسيس رهبنة مار يعقوب البرادعي للعذارى إذ اختار نخبة طيبة من بناتنا العزيزات من بغداد كما اننا نذكر بفخر أيضاً صاحبي النيافة مار ديوسقوروس لوقا شعيا مطران دير مار متى ومار غريغوريوس صليبا شمعون مطران الموصل وتوابعها لأن راهباتنا اللواتي جئن من العراق نلن ثقافة مدنية عالية جداً في عراقنا الحبيب كما أنهن بعد دراستهن علوم اللاهوت والطقوس وغيرها في كلية مار أفرام في معرة صيدنايا أكملَ بعضهن دراستهن في اليونان ونلن شهادات عالية في اللاهوت، وإن فتح فرع لدير راهبات مار يعقوب البرادعي في بغداد يدل على إيمان شعبنا هنا ويدل أيضاً على همة نيافته لأنه يريد أن يشجّع هذه الرهبانية التي قمنا بتأسيسها سنة 1990. فألف تهنئة لنيافته ولكم جميعاً بهذا الدير الجديد والذي تبرّعت المؤمنة الدكتورة جنان عبدالنور بمبناه الجميل. وإننا بالنسبة إلى المشروع الذي اعتبرناه في رأس قائمة المشاريع في بغداد وجئنا لنفتتحه هو والكنيسة الجميلة الفاخرة النادرة كنيسة مار بهنام ومار متى التي تبرّع بتأثيثها وتشييدها وتزيينها وجعلها تحفة جميلة تعدّ عروس الكنائس في العراق اليوم الأستاذ المهندس عزيزنا الروحي الفاضل متي بلولة. هذه المشاريع وغيرها من المشاريع التي ذكرها نيافته بخطابه النفيس وخاصة الاهتمام بالشيوخ المسنين الذين يحتاجون إلى اهتمام من الكنيسة في أيامنا هذه لكي يمضوا حياتهم بالبهجة والسرور والفرح وبحراسة الله وبرعاية الكنيسة دار المسرة للمسنين. مبروك لكل الناس ولتكن حياتكم مديدة حتى إذا احتجتم لدار المسرة تكونون هناك مكرّمين وأعزاء كأنكم في داركم بالذات.

أيها الأحباء إننا بعد الانتهاء من كلامنا هذا تقديراً لكل إنسان يخدم في أبرشياتنا العامرة ويتعاون مع السادة المطارنة الأجلاء، تقديراً لكل عامل أمين ومتواضع ومضحٍ نقلّد الابن الروحي الفاضل المهندس باسل متي القس سليل العائلة الكهنوتية التي نعتز بها كثيراً وخدمت الكنيسة بالكهنوت، والمهندس باسل نعرفه منذ مدة طويلة ونعتز به نقلّده الآن وسام مار أفرام وبتقليدنا إياه هذا الوسام نكون قد قلّدنا كل من عمل واجتهد وتعاون مع نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا بإنجاز هذه المشاريع فليتقدم الابن الروحي المهندس باسل لنقلده الوسام الرفيع وألف تهنئة له ولأفراد عائلته.

أحبائي ولتكن زيارتنا هذه سبب بركة ونعمة لكم ولينصر الله عراقنا الحبيب على كل أعدائه بنعمته تعالى.

القداس الإلهي في بغداد·

أجاب يسوع وقال له: «الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يرث ملكوت الله» (يو 3: 5).

في هدوء الليل وسكونه كان الإنسان التقي الصالح الذي يخاف اللّه في العهد القديم يوقد سراجه ويفتح أدراجه ويخرج بإكرام أسفار الكتاب المقدس ويجلس إليها متأملاً بناموس الرب دارساً ما دوّنه الأنبياء الصادقون عن مجيء (ماشيحا) ماسيا المخلص، هذا الإنسان يصفه صاحب المزامير بقوله: «طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار وفي طريق الخطاة لم يتوقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس. لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً» (مز 1: 1و2).

أجل أيها الأحباء: كان الرب يسوع خلال تدبيره الإلهي العلني بالجسد قد اختار رسلاً وتلاميذ ودعاهم ليتبعوه فلبّوا الدعوة وتركوا كل شيء وتبعوه، كما كان العديد من الناس يتأثرون بتعاليمه الإلهية ويتتلمذون عليه علناً أو سراً. لم يكن رسل الرب وتلاميذه جميعهم من الكادحين كان هناك أيضاً بعض الأغنياء الميسورين وأبناء أوساط راقية. وفي إحدى الليالي عندما غفت النجوم وساد الهدوء والسكون ضواحي أورشليم كان الرب في تلك الليلة يبيت مع تلاميذه ربما في قرية بيت عنيا ولعله كان في دار لعازر ومريم ومرثا في تلك القرية. كان ذلك اليوم يوماً صاخباً لدى الرب فقد أخذ في النهار السوط ودخل إلى الهيكل وطرد الصيارفة وباعة الحمام وصرخ فيهم قائلاً: «إن بيتي بيت صلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص». وكان الكتبة والفريسيون قد اتخذوا قراراً معاً على وجوب قتل يسوع، فقد بكّتهم وفضح مراءاتهم واعتبرهم وهم حراس البيت لصوصاً وسرّاقاً يسرقون ما يجب أن يحافظوا عليه، فحوّلوا بيت اللّه إلى تجارة، بعد ذلك اليوم الصاخب وفي هدوء الليل قرع نيقوديموس باب البيت الذي كان فيه يسوع ففتح له، ودخل إنسان له سمعته الطيبة وله مركزه المرموق وصف بأنه كان رئيساً وكان مشيراً أي أحد أعضاء مجلس السنهدريم السبعين، المجلس الذي كانت له سلطة التشريع والتنفيذ لدى اليهود وكان يعتبر مجلساً دينياً أيضاً، كما كان ذلك الرجل غنياً وهذه الصفة كانت تعتبر فضيلة لدى أولئك الناس الماديين. دخل البيت، لا نعلم إن كان التلاميذ قد ارتعبوا من قدومه إليهم في ذلك الظرف العصيب وتوقعوا شراً ما! ذلك إنه فريسي وإن الكتبة والفريسيين قد عزموا أن يقتلوا يسوع. دخل نيقوديموس البيت بهدوء ورحب به الجميع فقال للرب يسوع وهو يسلم عليه: «يا معلم»، وهذه الصفة كان لا ينالها الإنسان اليهودي إن لم يكن قد تخرج في كليات الشريعة، ولم يقل نيقوديموس يا معلم فقط بل زاد على ذلك: «نعلم أنك قد أتيت من اللّه معلماً»، ويبرهن نيقوديموس على صدق كلامه وصفاء نيّته بقوله للرب يسوع: لأن الأعمال التي تعملها أي العجائب التي اجترحتها لا يقدر أحد أن يعملها ما لم يكن اللّه معه. لا يعير الرب يسوع أهمية كبرى للمديح كما لا يبالي بذم، فإن رسالته هي رسالة الخلاص والتوبة والعودة إلى اللّه لذلك يجيب الرب نيقوديموس وقد قرأ ما في فكره وقلبه وعرف أنه يرغب في أن ينال الخلاص وأنه يرغب في أن يكتشف حقيقة مجيء (ماشيحا)، يقول له الرب: «ينبغي أن تولدوا من فوق» ويبدأ بهذا الحوار بينهما، هذا الحوار كان ذا شجون وهو أول حوار جرى بين الرب يسوع المسيح وإنسان له مركز مرموق دينياً ومدنياً كنيقوديموس. ويطرق موضوع الولادة الثانية «ينبغي أن تولدوا من فوق» ويقول له مؤكداً: «الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يرث ملكوت الله» (يو 3: 5). ولعل نيقوديموس عرف معمودية يوحنا المعمدان وعرف أن الميلاد من الماء هو للتوبة، فكما أن الماء يغسل الجسد هكذا التوبة، وإن العماد لدى يوحنا كان يغسل بعض ما ظهر من الذنوب ولكن الرب يسوع يريدنا أن نولد ليس من الماء فقط بل من الروح أيضاً، والروح هي التي تنقي النفس وتجعل الإنسان حقاً قد ولد من فوق من السماء. يسأل نيقوديموس: كيف يولد الإنسان وهو شيخ؟ ألعله يلج بطن أمه ثانية ويولد؟ يؤكد الرب لنيقوديموس أن هذا الميلاد ليس ميلاداً جسدياً «المولود من الجسد جسد هو» «والمولود من الروح روح هو»، ينبغي أن تولدوا من الماء والروح، ويوضّح الرب أيضاً ويؤكد أن هذه الولادة هي من الروح القدس والنار. أجل إن الرب يسوع في حديثه مع نيقوديموس يلقي علينا دروساً نفيسة. إن الرب الذي رسم لنا سر المعمودية لنولد ثانية بالروح من الماء والروح نولد من السماء لنصير أولاداً للّه إنما جعل ذلك لخلاصنا وجعله ضرورياً جداً للخلاص «من آمنَ واعتمدَ» قال لنا «خَلَصَ ومن لم يُؤمن يُدَن»(مر 16: 16) فوساطة خلاصنا إذن هي المعمودية التي نهجها لنا الرب يسوع، ولكن هناك أمر آخر يريد أن يظهره لنا أننا في ميلادنا الروحي نصبح أناساً يختلفون عن باقي الناس لأنهم يعيشون السماء على الأرض. كيف يكون هذا؟ يقول نيقوديموس… الرب يقول له أنت معلم اسرائيل ولا تعلم هذا «الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها ولكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من وُلِدَ من الروح»(يو 3: 8). وأعلن الرب يسوع لنيقوديموس سر الخلاص الذي إنما جاء إلى العالم ليقوم به بنفسه، قبل كل شيء يعلن سلطانه أنه قد جاء من السماء مبيناً أن الذي لا يأتي من فوق لا يعرف ما يوجد فوق، والذي لم يأتِ من السماء لا يعرف ما في السماء، وبعدئذ يعلن الخلاص أن اللّه قد أحب العالم: «لأنه هكذا أحبَّ اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16) و«كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابنُ الإنسان لكي لا يهلك كلَُ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14و15).هذه الثوابت الدينية، هذه المبادئ، هذه العقائد التي أعطاها إيانا المسيح، أعلنها لعالِم من علماء الناموس لذلك الإنسان المرموق المركز لنيقوديموس ليعلنها لنا أيضاً.

هل ولد نيقوديموس ثانية؟ هذا سؤال دائماً يطرح علينا ونحن نتناول دراسة في موضوع كهذا. جاء نيقوديموس إلى الرب يسوع ليلاً ليؤمن بالمسيح لأنه أحب المسيح، العديد من رؤساء الكهنة في تلك الأيام، العديد من الفريسيين بالذات ولئن كانوا يخافون بعضهم من بعض كانت بذرة الإيمان تحاول أن تأخذ مكانها في قلوبهم والبرهان على ذلك نيقوديموس، فلم يكن تلاميذ الرب من الصيادين فقط، وحتى هؤلاء لم يكونوا بسطاء حسب ظننا بل كانوا ممن درسوا الشريعة والنبوءات وينتظرون مجيء مشتهى الأمم والأجيال (ماشيحا) وكان فيهم أيضاً العلماء الأعلام مثل نيقوديموس ومن الأغنياء كيوسف الرامي وممن لهم مركز مرموق دينياً ومدنياً. هل نال نيقوديموس الخلاص؟… إن الرسول يوحنا يذكره ثلاث مرات في الإنجيل المقدس، المرة الأولى عندما جاء فيها إلى يسوع ليلاً وفي المرة الثانية يصفه أيضاً أنه الذي جاء إلى يسوع ليلاً، مرة ثالثة أيضاً عندما بعث الكتبة والفريسيون الجواسيس ليراقبوا الرب يسوع ويستمعوا إليه ويصطادوه بكلمة وعادوا إليهم وقالوا لم نجد قط أحداً يتكلم مثل هذا، أجابوهم ألعل أحداً من الرؤساء آمن به؟ لعلهم شعروا أن نيقوديموس حقاً قد آمن به وأن غير نيقوديموس أيضاً من الفريسيين والكتبة وأعضاء مجلس السنهدريم لأن نيقوديموس عندما تحدث مع الرب قال له: «نحن» لا أنا، «نحن نعلم أنك قد أتيت من اللّه معلماً» ولعله لم يكن وحده مدافعاً عن يسوع في تلك الجلسة التي فيها حكموا على الرب يسوع بالموت ظلماً، وفيها وبّخ نيقوديموس أعضاء مجلس السنهدريم وجواسيسهم، يقول لهم نيقوديموس: إن ناموسنا لا يحكم على إنسان بالموت ما لم يستجوبه وبذلك دافع عن الرب يسوع. والسؤال الذي يطرح ذاته هنا هو متى أعلنت ولادة نيقوديموس من فوق جهراً؟ لعل ذلك كان عندما رأى نيقوديموس المسيح معلقاً على الصليب حينذاك تذكر ما قاله له المسيح: «كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابنُ الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14و15). فكان نيقوديموس أحد الاثنين اللذين حنّطا جسد يسوع ودفناه بإكرام، فطُرد نيقوديموس من مجلس السنهدريم، أي أعلن حرمه وطرد خارج تلك المدينة التي تدنست برؤساء كهنتها وكتبتها وفريسيها ويقول التاريخ أن غملائيل معلم التوراة كان من أقارب نيقوديموس، فعندما طُرد نيقوديموس من مجلس السنهدريم، وهبه غملائيل هذا داراً خارج أورشليم ليسكنها. وكان ذلك الحرمان سبب نعمة لنيقوديموس الذي ولد من فوق من السماء كما ولد من الماء والروح حيث قد اعتمد بعدئذ على يدي الرسولين مار بطرس ومار يوحنا وأصبح ابناً للّه بالنعمة ومسيحياً صالحاً، بل يثبت تاريخ الكنيسة أنه نال درجة الأسقفية أيضاً. وكان ولا يزال يوصف بأنه «الذي جاء إلى يسوع ليلاً». لنقتدِ به أحبائي لنأت إلى يسوع ليلاً. كان التقي في العهد القديم يجلس إلى التوراة والنبوات يدرسها ويتأمل بها في هدوء الليل كما ذكرنا، فهل جلسنا نحن إلى الإنجيل المقدس لنقرأه ونتأمل بوصايا الرب وأعماله العجيبة ونتخيل أمامنا المسيح ونحن نؤمن أن المسيح يكون معنا وبيننا عندما نقرأ كلماته المقدسة ونتأمل بسيرته الإلهية بالجسد!؟ هل فعلنا هذا لنبقى دائماً كالريح التي تهب حيث تشاء ولا نعلم من أين تأتي ولا أين تمضي ولكننا نسمع صوتها، ليُسمع صوت اللّه فينا عندما نترجم شريعته الإلهية بأعمالنا الصالحة عندما نتغير تغيراً كاملاً من أناس جسديين يهتمون بأمور العالم إلى أناس يعبدون اللّه بالروح والحق لنستحق أن نرث ملكوت الله؟ فنحن في الميلاد الثاني نأخذ النعمة، والنعمة إذا ما نمت في قلوبنا توصلنا إلى ملكوت اللّه الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.

وضع حجر الأساس لدار المسرة ـ بغداد

سيادة ممثل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية المحترم.

أصحاب النيافة والسيادة الأحبار الأجلاء،

الكهنة الأفاضل، الرهبان، الراهبات،

أيها الحفل الكريم:

من أحب اللّه لا يستطيع إلا أن يظهر هذه المحبة بمحبته القريب وقريبنا نحن الذين نؤمن باللّه هو كل انسان يحتاج إلينا فمن لا يحب قريبه الذي يراه كيف يحب اللّه الذي لا يراه. محبتنا تظهر بالعناية بأطفالنا وشيوخنا وما أجمل هذا المشروع العظيم الذي الغاية من إنجازه هي العناية بالأطفال في روضة الأطفال التي تشيد على هذه الأرض والعناية بالشيوخ الذين يحتاجون إلى عزاء وتشجيع ليتحملوا أعباء الشيخوخة، ويهيئوا فيه أنفسهم للقاء اللّه بعد مغادرة هذه الدنيا. إنني أشكر نيافة أخي الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة الذي دعاني لأشارككم المسرة في دار المسرة ولأشهد هذه المشاريع التي يقيمها في هذه الأبرشية العامرة بغداد والبصرة العزيزة على قلبي كثيراً. ودعاني في هذا الظرف الصعب والزمن العصيب الذي تمر فيه بلادنا الحبيبة وطننا العزيز العراق من جراء الحصار الظالم الذي فرضه عليه العتاة الظالمون وفي الوقت نفسه لنرى بأم عيننا ونسمع ونفرح ونضع الرجاء في قلوبنا بوجود قائد فذ عظيم يقود هذه الأمة إلى النصر المبين سيادة الرئيس صدام حسين، أليست كل هذه المشاريع التي تقوم فيها الأبرشية أليست هذه ثمرة العدل والمساواة بين المواطنين والوحدة الوطنية التي وطدّ أركانها في عراقنا الحبيب سيادة الرئيس صدام حسين. لذلك ولئن كانت الدول العاتية الظالمة تريد أن تؤلمنا وأن تضرنا ولكننا بوحدتنا الوطنية نستطيع أن نقاوم ونصمد صمود الأبطال وراء قائد العراق البطل. أيها الحفل الكريم إنني لمسرور أن أرى هذا الشعب المؤمن كيف يضحي ويبذل بكرم وسخاء ما ورثه من آبائه الميامين في حفلة وضع حجر الأساس نرى كيف أن الشعب يندفع ليتبرع بسخاء وإيمان ورجاء متين لتشييد هذا المبنى الذي يعد مبنىً لأبناء اللّه الذين يهيّئون أنفسهم لملاقاة ربهم بعد عمر طويل، ولكن الكنيسة تهيئهم بقيادة راعي الأبرشية لكي يكونوا ببهجة ومسرة في أيامهم الأخيرة وهم يعبدون اللّه بالروح والحق، هؤلاء والأطفال معهم اعتبرهم السيد المسيح اخوة له، ويوم الدين سيحاكم من لم يشفق على هؤلاء لأنهم إخوة له ومن فعل أي عمل خير لهؤلاء كأنه فعله بالمسيح يسوع ربنا، لذلك ونحن بكل سرور ومسرة تلبية لدعوة نيافته نضع حجر الأساس نتمنى أن اللّه سبحانه وتعالى يكمل مع نيافته ومع هذا الشعب المبارك في هذه الأبرشية العزيزة لكي بعد أن يتم هذا المشروع نرى بأم أعيننا ونسمع بآذاننا ما سيكون من تسبيح للّه وتمجيد اسمه القدوس فالرب يسوع المسيح قال: «لكي يروا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذي في السموات»(مت 5: 16). فليتمجد اسم اللّه لأن هذا المشروع الذي ينسج فيه نيافته على منوال السلف الصالح آبائنا الميامين وذكر منهم في كلمته النفيسة مار أفرام السرياني هذا المشروع سيجعل الفرصة مؤاتية لهؤلاء الناس الذين يعضدون الكنيسة مادياً ومعنوياً ويرون في الكنيسة بمؤسساتها هذه الخيرية خير من يهتم بالمواطنين الصالحين والمؤمنين الصالحين الذين يقضون أواخر أيام حياتهم بتقوى اللّه ومخافته، إننا نبارك هذا المشروع ونسأل اللّه أن يوفق نيافة مطران الأبرشية مار سويريوس حاوا الجزيل الاحترام وكل من يعضده ويتعاون معه ويتعاضد لإنجاز هذه المشاريع التي نعتبرها مشاريع خيرية وروحية في آن واحد وليبارك اللّه كل من تبرع ويتبرع لإقامة مشروع كهذا وليعطه اللّه أضعاف ما يقدمه للّه عن طريق عضد مشروع كهذا ونأمل في الوقت القصير إن شاء اللّه أن تبتهجوا جميعاً بهذه المشاريع وإنجازها إذ ترون الذين يحتاجون ملجأ من الشيوخ بمسرة تامة يجتمعون ليمجدوا اللّه وليفتخروا بوطنهم والأطفال أيضاً ليصلوا لأجل الوطن ونصرة الوطن وقائد الوطن الرئيس صدام حسين. ولحفظ الوطن بسلام وأمان وصيانته من أعداء الإنسانية والرب يبارككم أيها السامعون الكرام الآن وفي كل آن آمين.

زيارة كاتدرائية الأرمن الأرثوذكس ـ بغداد·

صاحبي النيافة الحبرين الجليلين،

الآباء الكهنة أيها الأحباء،

وجوه الطائفتين السريانية والأرمنية:

عندما أكون في كنيسة أو في نادٍ أو في مجتمع أرمني أشعر أنني في بيتي. ولا غرو من الخطاب الرائع النفيس الخطاب الإيماني الوطني وأيضاً التاريخي الذي ألقاه على مسامعنا بالأرمنية والذي ترجمته العربية في يدي، ألقاه نيافة أخي المطران الدكتور آفاك آسادوريان فأنا متأكد أنه نابع من أعمق أعماق قلبه لأنني بحسب المثل الذي يقال: فتش قلبك فالذي تحبه يحبك. نحن نحب سيدنا المطران كثيراً أنا وسيدنا المطران مار سويريوس حاوا ونشعر أنه أخ عزيز لنا ليس فقط في الوطن كعراقيين وليس فقط بالإيمان كسريان أرثوذكس وأرمن أرثوذكس بل أيضاً بالسيرة والمحبة والأخوة والود الصافي والصداقة الحميمة. لا بد في موقفي هذا باسمي وباسم نيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة السريانية الأرثوذكسية وباسم الإكليروس والشعب المبارك السرياني، أن أشكر نيافة الحبر الجليل المطران آفاك آسادوريان وإكليروس الكنيسة الأرمنية الموقر والشعب الأرمني المبارك على مشاركتهم أبنائي السريان الأرثوذكس الأحباء الحفاوة بي والفرحة باستقبالي والعواطف النبيلة التي أبدوها في مناسبات طيبة كهذه، كما أشكر نيافته لترحيبه بي في هذا المكان المبارك باسم رئيس الكنيسة الأرمنية قداسة الحبر الجليل الكاثوليكوس كاريكين الثاني الذي أكنّ لقداسته كل الود والمحبة وقد دعاني لأزور أرمينية بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور ألف وسبعمائة سنة لتثبيت الدين المسيحي كدين رسمي في أرمينيا، واعتذرت لظروف قاهرة جداً ولكن وعدت بأن أزوره، وقد أكد قداسته على الدعوة الأولى أيام الاحتفال بعيد الميلاد المجيد حيث قد أرسل مطراناً من أتشميازين ليحتفل بالأعياد في الكنيسة الأرمنية في دمشق وأكد عليّ الدعوة أيضاً وإن شاء اللّه ألبيها في الوقت المناسب وسوف أصرّ أيضاً أن يكون سيدنا سويريوس وسيدنا الدكتور آفاك معنا، إذا اللّه حقق لنا هذه الأمنية وهذا الحلم. عندما زرت أرمينية في عهد المثلث الرحمة البطريرك فاسكان ومكثت هناك مدة عشرة أيام كنت كل يوم برفقة المثلث الرحمة الكاثوليكوس فاسكان نزور الأماكن المباركة المقدسة بدءاً من أتشميازين المقدسة وجبل آرارات الشهير الذي نعتز به كتاريخ وكدين أيضاً إذ عليه رست سفينة نوح وهذا أمر تاريخي مهم جداً وقلتُ حينذاك لو كنت أرمنياً لمكثت في أرمينية ولو آكل خبزاً وملحاً كما أكلنا الآن عندما دخلنا الكنيسة حسب عادتكم وزاد على ذلك التمر الحلو لأننا في العراق الحلو ولأن هذا تقليد أرمني ممتاز جداً لأنني أحببت تلك البلاد وفي أتشميازين تكلمت عن العلاقة بين الكنيستين وتصورت آبائي منذ الأجيال الأولى واقفين هناك ينادون بالإنجيل أيضاً. والسر العظيم الموجود بين الكنيستين أن الكنيسة الأرمنية كالكنيسة السريانية رفضت مجمع خلقيدونية فهي إذن من العائلة الأرثوذكسية الشرقية المتمسكة بالإيمان وتقاليد الآباء الميامين السريان والأرمن وهي بشركة تامة بالإيمان، وإن مار يعقوب البرادعي المجاهد الرسولي العظيم صار أباً لجميع الشرقيين الأرثوذكس من سريان وأرمن وأقباط والكل جاهد في تثبيت الإيمان ضد الحكومة والكنيسة البيزنطية هذا طبعاً قبل مجيء الإسلام حتى أنه عندما اضطهدنا من قِبل البيزنطيين وجاء الإسلام قلنا: حمداً للّه الذي خلصنا من البيزنطيين الظالمين وجعلنا تحت حكم العرب المسلمين العادلين. فنشكر اللّه أن عواطف أبناء الكنيستين واحدة والشعور واحد والتقدير واحد والإيمان واحد، وأيضاً تحمل أبناء الكنيستين الضيقات في سبيل التمسك بالإيمان كما ذكر نيافة أخينا المطران آفاك الشدائد عبر الدهور والأجيال حتى الحرب العالمية الأولى. إذا كان هناك مليون ونصف شهيد أرمني فمن أجلهم وللإيمان المشترك بينهم وبين السريان، لا يقل عن ربع مليون سرياني استشهد، بينهم مطارنة ورهبان وكهنة وشمامسة والشعب المؤمن في تلك المناطق والتجأ أولئك الذين يسكنون في جنوب شرق تركيا إلى سوريا والعراق حيث هناك الإخوة المسلمون العرب الذين حموا هؤلاء الناس لأنهم يشعرون بإخلاصهم لأوطانهم وتمسكهم بشرقيتهم. نحن في كل الظروف لم نطلب حماية أية دولة أجنبية منذ بدء الإسلام وإلى اليوم وإن شاء اللّه إلى الأبد نعيش مع إخوتنا المسلمين بمحبة تامة وتعاون، يعضد أحدنا الآخر ويساعد أحدنا الآخر، ويحمي أحدنا الآخر. عندما نلتقي نذكر تاريخنا ونفتخر بآبائنا وننسج على منوالهم ونطبع على غرارهم لأننا قد تسلمنا منهم الإيمان والتقاليد الشريفة النقية الصافية وتسلمنا منهم أيضاً محبة الوطن حيث ما نكون. كذلك نتمسك بمحبة وطننا ورؤسائنا المدنيين والروحيين في آن واحد. خطاب سيدنا المطران في الحقيقة أعتز به كل الاعتزاز وأعتز به لأنه أيضاً فاه به بالأرمنية وأعطانا ترجمته التي لنا فيها شركة فعندما ذكر سيدنا المطران الحروف الأرمنية التي أوجدها واستنبط منها القديس مسروب الحروف الأبجدية نحن نذكر أيضاً أن الأسقف دانيال السرياني هو في الحقيقة من استنبط أغلب هذه الحروف بعد أن كانت الكنيسة الأرمنية تستخدم الحروف السريانية في الكتابة، هذه أيضاً حقيقة تاريخية واضحة جداً وهذا مما وحّد الكنيستين فترجم الكتاب المقدس بكل أسفاره أسفار العهدين القديم والجديد إلى اللغة الأرمنية وكتب بحروف اللغة السريانية أولاً وعندما جاء القديس مسروب والمطران دانيال السرياني فاستنبطا الحروف الأرمنية حينذاك كتب الكتاب المقدس بهذه الحروف الأرمنية الجديدة المقدسة أيضاً، كل ذلك يجعلنا أن نفتخر بأننا كنا وما نزال وسنبقى واحداً في شركة الإيمان الواحد والعقيدة الإيمانية. وفي الثقافة أيضاً لأن الأرمن والسريان اقتبسوا أشياء عديدة من الآباء الأولين ليس العقيدة فقط بل أيضاً النسك والرهبانية والتمسك بكل القيم الأخلاقية والفضائل المسيحية السماوية السامية، أشكر لكم ترحيبكم بي وبسيدنا المطران سويريوس والآباء الكهنة الرهبان الذين رافقوني من دمشق، الأب إيليا باهي السكرتير البطريركي الثاني، والأب أفرام الحنو رئيس دير السيدة العذراء في تل ورديات، الأب اندراوس معاون السكرتير البطريركي الثاني. وكان أيضاً معنا بعض الأحبار المطارنة مطران القدس ومطران حمص وحماة الضيوف الذين رافقوني في هذه الزيارة طلبوا أن يزوروا الشمال بدعوة من أصحاب النيافة مطارنة الشمال وذهبوا في هذه الفترة ليعودوا إلينا إن شاء اللّه قبل يوم الجمعة وقبل تكريس الكنيسة، كنيسة مار بهنام ومار متى التي تبرع بتشييدها ابننا الروحي الفاضل المهندس الوجيه متى بلولة والتي ستكرّس إن شاء اللّه يوم الجمعة بعد الظهر نسأل الرب أن يوفقنا جميعاً إن كنا سرياناً وإن كنا أرمناً في وطننا العزيز العراق وليحفظ هذا البلد في سلام وأمن بقيادة سيادة الرئيس المبجل صدام حسين ويجعل راية النصر المبين على يده والنعمة معكم جميعاً آمين.

 

افتتاح دير مار يعقوب البرادعي للراهبات ـ بغداد·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء،

الآباء الكهنة الأحباء، الرهبان، الراهبات الأفاضل جميعاً،

أيها المؤمنون:

نشكر اللّه تعالى شكراً جزيلاً على هذا اليوم المبارك الذي فيه احتفلنا بتقديس كنيسة ومذبح مار يعقوب البرادعي في مدينة السلام بغداد وفي أبرشية بغداد والبصرة التي يرعاها نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة الجزيل الاحترام. إننا قبل كل شيء نهنئ نيافته على تعاونه التام معنا عندما أسسنا في دمشق رهبنة عذارى مار يعقوب البرادعي فرفد نيافته هذه الرهبنة من هذه الأبرشية العامرة بعذارى فاضلات تقيات مثقفات الثقافة العالية زادتها الثقافة الدينية رونقاً وجمالاً فتخرجت راهباتنا في كلية مار أفرام في معرة صيدنايا بدراسة علوم اللاهوت والفلسفة واللغة السريانية والطقوس الدينية وأكملت بعضهن دراستهن في كلية تسالونيكي بدراسة خمس سنوات اللغة اليونانية وبعض المواضيع اللاهوتية العامة ليكنَّ مستعدات لحياة مسيحية مسكونية ناجحة. وطبعاً هذا التفاعل منبثق من الغاية الفضلى التي أسسنا رهبانية مار يعقوب من أجلها وهي التربية المسيحية والمحبة المسيحية والتضحية المسيحية ونكران الذات، الأهداف التي أبرزت عملياً وبجلاء النذور الرهبانية البتولية المقرونة بالعفة، والفقر الاختياري، والطاعة. والحمد للّه فإن راهباتنا أصبحن في كل هذه الميادين مثالاً طيباً للعالم لأنهن يجاهدن الجهاد الحسن ويحفظن الإيمان ويسعين لتربية الجيل الصاعد تربية مسيحية صالحة ليصير هذا الجيل مؤمناً بكنيسته متمسكاً بإيمانه المسيحي ومؤمناً أيضاً بوطنه في كل مكان، هذه الرهبنة أيها الأحباء أصبحت مكملةً لما نطمح إليه في كنيستنا المقدسة فالرهبنة تأسست منذ بدء المسيحية في بلادنا هذه قبل أن تكون في أي منطقة من العالم كانت رهبنة فردية أولاً فيها مارس الرهبان والراهبات أيضاً منذ فجر المسيحية في شرقنا هذا العزيز النسك والزهد، ولكنها أصبحت أيضاً بعدئذ رهبنة جمهورية أي رهبنة ديرية حيث اجتمعت الراهبات في أديرة، والرهبان أيضاً في أديرة وكنَّ ولئن عشنَ على انفراد أحياناً عديدة يجتمعن في ديرهن كما كان الرهبان أيضاً يجتمعون في ديرهم يوم الأحد خاصة ويشترك الراهبات في ديرهن في القداس الإلهي الذي يقام لهن ويشترك الرهبان في ديرهم في القداس الإلهي أيضاً وكانت الرهبنة يومذاك حركة مقدسة وفلسفة خاصة للمسيحية كانت ما نسميه قوة وراء الكنيسة باستمرار الصلاة وعبادة اللّه، الصلاة لأجل الشعب لأجل الكنيسة لأجل تثبيت الإيمان وعبادة اللّه عبادة حقة بالروح والحق، ولكن برهنت الرهبانية على قوتها هذه أنها المثال الجيد لمن يطبق ويكمل تعاليم الرب يسوع ويقتدي بالرب يسوع الراهب الأول في المسيحية بالتجرد بالفقر الاختياري بنكران الذات بالتضحية بالطاعة الطاعة للآب السماوي.

أجل إن ربنا يسوع المسيح أطاع أباه حتى الموت موت الصليب، بكل هذه الأهداف الرهبانية سارت كل واحدة من بناتنا الفاضلات راهبات مار يعقوب البرادعي في طريق الرب يسوع حاملة الصليب تابعة الرب في طريق الجلجلة لكي تموت معه على الصليب كقول الرسول بولس: «مع المسيح صلبت لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في»(غل 2: 20). لا غرو من ذلك فإن الراهب والراهبة يمثلان حياة المسيح على الأرض، المسيح نفسه يحيا في هؤلاء الناس لأنهم بأقوالهم وبأفعالهم وبكل عمل يقومون به يمثلون المسيح بالذات، لذلك استطاعت الرهبانية أن تدخل الكنيسة، بل أيضاً أن تتبوأ أرفع المراكز في كنيسة الرب وأصبحت هي الكنيسة المعلمة هي الكنيسة الرئيسة هي الكنيسة المرشدة، لأنها عنوان للتضحية ونكران الذات فكل المراكز والمراتب الكنسية تمجد الرهبانية لأنها تفتخر برهبانيتها فالبطريرك راهب والمطران راهب والرهبان أيضاً وكذلك الراهبات قد كرسوا أنفسهم للرب يسوع.

عندما تبوّأنا الكرسي الرسولي الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي بالنعمة لا بالاستحقاق كانت أهداف مسيحية سامية أمامنا: التربية المسيحية أولاً، فأسسنا في المجمع الأول الذي عقدناه في مقر كرسينا الرسولي بدمشق أسسنا مراكز التربية المسيحية في كل أبرشية من أبرشياتنا السريانية في العالم وحيث أن مراكز التربية الدينية تحتاج إلى من يهيئ لها معلمين ومرشدين إداريين ومثقفين رأينا بعد ذلك عام 1990 أنه قد آن الأوان بأن تعمل الفتاة في الكنيسة بجد ونشاط وأن تبرهن على أنها ليست أقل من الشاب في ميدان نكران الذات وبالتضحية التامة فأسّسنا رهبانية مار يعقوب البرادعي للعذارى، يعقوب البرادعي المجاهد الرسولي العظيم. الذي ثبّت الكنيسة وجاهد في سبيل الحفاظ على كيانها ولغتها السريانية المقدسة وعلى الحفاظ على تقاليدها الرسولية الشريفة وكان هو الذي ثبت بنعمة اللّه هذه الكنيسة ضد حكومة بيزنطية الظالمة التي ادعت أنها تدافع عن الإيمان إنما كانت غايتها سياسية صرفة وفي هذه الأيام وبعد حصول التفاهم بين الفرق المسيحية وخاصة الرسولية منها عرف الجميع أن ما فرّق المسيحية لم يكن العقيدة لأن المسيحيين كانوا وما يزالون وسيبقون مؤمنين بأن المسيح هو إله تام وإنسان تام وأن اللاهوت والناسوت اتحدا بالمسيح يسوع الذي يدعوه الرسول بولس: «الله ظهر بالجسد» ليتمّ سر التجسد ويتم سر الفداء لذلك ما ادّعته بيزنطية وأتباع مجمع خلقيدونية سابقاً كان باطلاً وما قام به القديس العظيم المجاهد الرسولي مار يعقوب البرادعي كان لأجل الحفاظ على الإيمان المقدس كما تسلمناه من الرسل الأطهار والآباء الميامين، لذلك فهذه الرهبانية هي رهبانية جهاد ورهبانية تعب ورهبانية تثقيف الشباب، الجيل الصاعد، ليتمسك بالإيمان وحب الأوطان ليكون مثالاً للآخرين ولتقوية مراكز التربية الدينية في كل أبرشية من أبرشياتنا، إننا بمناسبة افتتاح فرع دير مار يعقوب البرادعي للراهبات في بغداد يسرّنا أن نهنئ الأم الراهبة حنينة وسائر بناتنا الروحيات الفاضلات راهباتنا في بغداد وفي كل مكان وخاصة في فرع بغداد الذي كان لنيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا الفضل الكبير بتأسيسه. وإننا لمسرورون جداً أن تظهر سيدة فاضلة هي الدكتورة جنان عبدالنور لتبرهن على أن بناتنا من العراق بغيرتهن باتحادهن بكنائسهن الكنائس المسيحية عامة يبذلن الغالي والنفيس لتمجيد اسم اللّه القدوس فتبرعت بدارين بديعتين لتكونا مقراً لهذه الرهبانية فنشكرها وندعو لها ولزوجها المؤمن الطيب الأستاذ حكمت مراد بالصحة التامة وإننا تقديراً لذلك نقلّدها بعد الانتهاء من كلامنا وسام مار أفرام وهو من الأوسمة الرفيعة التي تنعم بها البطريركية على من يقدم خدمات جليلة للكنيسة وبتقليدنا إياها هذا الوسام نقلد كل فتاة من فتياتنا المؤمنات التقيات الفاضلات اللواتي يضحين وإن لم يكنّ راهبات ولكن أيضاً يضحين بكل غالٍ ونفيس لتمجيد اسم اللّه القدوس، أهنئ أخي نيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة على هذا المركز، فرع دير مار يعقوب البرادعي، وعلى وجود الراهبات الفاضلات في هذا الفرع اللواتي سيبرهنّ على أن الأعمال تنطق بصوت أعلى جداً من الأقوال، وهذه الأعمال وهذه الأفعال تبرهن على فضيلة هؤلاء الراهبات العزيزات وعلى تمسكهن بهدفهن بخدمة اللّه تعالى وتمجيد اسمه القدوس، سترون أعمالهن الحسنة وتمجدون اللّه الذي في السماء وكل ذلك بتوجيه ورعاية نيافة أخي الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة. والشعب المؤمن أيضاً في هذه الأبرشية سيمجد اللّه لأنهم لأول مرة يرون في العراق الراهبات السريانيات الأرثوذكسيات يخدمن الكنيسة ويعبدن اللّه بالروح والحق. باركهن الرب وبارككم جميعاً وليكن هذا المقر مباركاً وليكن أيضاً شجرة باسقة تعطي ثمار الروح وليبارك الرب الدكتورة جنان وزوجها الأستاذ حكمت وابنتيهما وكل من يمت إليهما بصلة القرابة والمحبة وإننا في موقفنا هذا ونحن نرى كيف أننا كمسيحيين في هذا البلد بقيادة قائد البلاد قائد العراق ورئيسها الفذ المبجل سيادة الرئيس صدام حسين كيف أننا نحيا الحرية في ممارسة طقوسنا الدينية وفي تشييد كنائسنا وأديرتنا وكيف أننا كقادة للمسيحيين من كل الطوائف نشارك بعضنا بعضاً المحبة وتمجيد اسم اللّه القدوس. أشكر إخوتي أصحاب النيافة المطارنة على مشاركتهم إيانا في هذه المناسبة الطيبة ونعمة الرب تشملكم آمين.

(وخلال مأدبة الغداء ألقى قداسته الكلمة التالية)

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء الكهنة الأفاضل الرهبان الأحباء الراهبات العزيزات أيها السيدات أيها السادة:

قبل كل شيء أشكر العزيز الروحي السيد صائب عبد النور (أبا نجيب العزيز) إذ أتاح لنا هذه الفرصة لنجتمع، وهذا الاجتماع هو تكريم لشقيقته الفاضلة الابنة الروحية الفاضلة العزيزة الدكتورة جنان عبد النور وكذلك لزوجها الفاضل العزيز السيد حكمت مراد هذه العائلة المباركة سليلة أسرتين سريانيتين عريقتين عبد النور ومراد، هذه الأسرة مثال لجميع الأُسَر المسيحية بالتعاون والتحابب والتمسك بمبادئ الدين السامية وممارسة الفضائل الإلهية لتكون هذه الأسرة مثالاً للجميع بالتمسك بالوحدة المسيحية التي نطمح جميعاً بالوصول إليها.

أيها الأحباء عندما نتطلع إلى أهداف الفضائل المسيحية ونتأمل بأقوال الرب يسوع الذي يوصينا بالمحبة محبة الجميع التي تظهر وتنجلي عندما نحب القريب أننا حقاً نحب اللّه وعندما نسعى حقاً للوحدة المسيحية نرى أنفسنا حقاً تلاميذ الرب لأنه قد أوصانا بقوله: بهذا يعرفكم الناس أنكم تلاميذي إذا أحببتم بعضكم بعضاً. وعندما نتطلع وندرس تاريخنا نرى أن بعض الأسر التي تقدمت الأسر الأخرى في خدمة الكنيسة تظهر بخدمتها أنها تكمل ما يقوله الرب بأن كبيركم يكون خادماً للجميع، فليس الإكليروس وحده كما ذكرنا أمس خدم الكنيسة بل الإكليروس والشعب معاً نحن نفتخر بالأسر العريقة التي خدمت كنيستنا وتخدمها ونرى أن من يكون مخلصاً للّه ولكنيسته ولأهله وللوطن يكون حقاً خادماً أميناً للرب. الدكتورة جنان عبد النور عرفتها منذ كانت طالبة في كلية الطب في الموصل وكنت أنا بالنعمة لا بالاستحقاق مطراناً لتلك الأبرشية، وكنت أجمع الشباب والشابات وفي مقدمة الشابات التقيات الفاضلات الذكيات كانت الدكتورة جنان، كنا نلقي عليهن وعليهم أيضاً من الشباب الدروس الدينية فكانت بكل رغبة تحفظها وتعتز بأنها تأخذ دروساً في تاريخ الكنيسة وفي الإيمان المسيحي لذلك كانت تلميذة ليسوع وتلميذة لخادم الرب يسوع وخادم الكنيسة مطران أبرشية الموصل آنذاك، وهي سليلة أسرة عريقة، وما أجمل ما عبّر عن هذا الشعور الاستاذ العزيز متي إبراهيم فتوتة الذي ألقى قصيدته الجميلة وكان متمسكاً لا بموصليته فقط بل بـ (قلعاويته) أيضاً فهو إذاً من محلة القلعة بالموصل وهو يعرف أن في مقدمة أهل القلعة المتمسكين في كنيسة السيدة العذراء هناك آل عبد النور، لذلك ذكر هذا الأمر ولا اعتبر ذلك تعصباً بل تمسكاً بالمبادئ، لأننا في القلعة كنا نعتز بكنيستنا ونعتز بأبرشيتنا، وآباؤنا كان لهم فكر كنسي إداري أيضاً حيث كان المطران يمكث ستة أشهر في قلاية كنيسة مار توما وستة أشهر في قلاية كنيسة القلعة، وقلاية المطران موجودة منذ أن شيدت كنيسة القلعة وعندما كنت مطراناً وكنت احتفل بالقداس الإلهي في المواسم والأعياد في كنيسة القلعة كنت أنا والكهنة والشمامسة ومن يرافقنا نتناول طعام الفطور في دار منير عبدالنور، وإننا نعتز بأنَّ أبناء هذه الأسرة وبناتها أيضاً وفي المقدمة الدكتورة جنان يحملون هذه الفضائل السامية هذا التمسك بالكنيسة وبعبادة اللّه يحملون ذلك الإيمان في قلوبهم أينما حلوّا ورحلوا، الدكتورة جنان في لندن تشترك في جمعيات خيرية عديدة وتعضد الفقير واليتيم والمعوز وتفاخر بكنيستها وبإيمانها، كما تفاخر أيضاً بسريانيتها هي وزوجها السيد حكمت، أنا لا أنسى أبداً الاسم الطيب الذي حصلت عليه لدى الغرباء وعند أهل البيت في آن واحد وكيف أنها كانت تفاخر وما تزال بأنها عراقية وتسند العراق لا فقط بأن تفتخر به بل أن تدافع عن حقه أيضاً، فهي المثال الطيب للمؤمنة المخلصة لا لكنيستها وحسب بل أيضاً لوطنها العراق الحبيب. إن الالتفاتة الطيبة التي قامت بها بالتعاون مع زوجها وثم التعاون مع نيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة حيث أنها نذرت وأكملت نذرها بشراء دارين جعلت منهما ديراً لراهبات مار يعقوب البرادعي، خلدت ذكرها وبرهنت على أنها بالحقيقة سليلة أسرة عريقة وتربت في دار اشتهرت بالكرم والسخاء وحسن الضيافة فأضافت الراهبات العزيزات في هذين الدارين بعد أن جعلت منهما حقاً مبنى لدير من أجل عبادة اللّه ونشر الفضيلة. إننا عندما أسسنا سنة 1990 رهبنة مار يعقوب البرادعي وشيدنا ديراً للراهبات في معرة صيدنايا كفرع للدير الرئيس الذي هو في العطشانة في لبنان وأيضاً داراً في البطريركية لبناتنا راهبات وعذارى مار يعقوب وكانت أول راهبة بينهن هي الابنة الروحية الفاضلة الأم الراهبة حنينة هابيل وهي سليلة أسرة كهنوتية فجدها لأمها كان شماساً ترمل فترهبن وعاش مع ابنته في أيامه الأخيرة كما كان والد الأم الراهبة حنينة المرحوم يوحنا هابيل شماساً إنجيلياً فاضلاً وقد تربت الفتاة حنينة مع جدها أيضاً فعرفت ما هي الرهبانية وإنني أشكر اللّه أنه أقام فتاة كهذه لتكون رئيسة لراهباتنا عذارى مار يعقوب، فالرب يهيّئ من يكرس نفسه لخدمته له المجد وعندما طلب نيافة أخينا الحبر الجليل المطران مار سويريوس حاوا مطران هذه الأبرشية أن نفتح فرعاً لرهبانيتنا هذه في بغداد وقد رفدنا في السابق والآن أيضاً بفتيات مثقفات ثقافة عالية منهن قد حصلن على شهادة دكتوراه في التكنولوجيا والسيكولوجيا وماجستير في الهندسة ودرسن في فروع أخرى من العلوم ودرسن علم اللاهوت في كلية مار أفرام في معرة صيدنايا ومنهن أيضاً مَنْ أكملن دراستهن اللاهوتية في اليونان في تسالونيكي وحصلن على شهادات عالية جداً، عندما طلب منا أن يفتح ديراً للراهبات هيأ اللّه الدكتورة جنان لتتبرع بهذا المقر وهذا سيبقى لها ولزوجها ولابنتيهما ذكراً صالحاً إلى الأبد لأن الراهبات عندما يقدمن الصلاة إلى الرب الإله لا بد أن يذكرن من تبرع بهذا الدير، وهذه نعمة من الرب الإله، ونحن مطمئنون أن هذا الدير في بغداد الذي هو فرع لديرنا في العطشانة وفي معرة صيدنايا للراهبات سيكون برعاية أخينا نيافة الحبر الجليل مطران هذه الأبرشية وسيكون منارة للعلم والمعرفة لأن رهبنة مار يعقوب هي رهبنة خصصت خاصة للتربية المسيحية لإنشاء جيل صاعد من أبنائنا وبناتنا يكونون مواطنين صالحين في أوطانهم العزيزة ومواطنات ومؤمنات صالحات أيضاً ومعلمات ومهذبات للجيل الصاعد. نكرر شكرنا لأبي نجيب وشكرنا أيضاً للدكتورة جنان تقبل اللّه عطيتها. نحن نعيش في عهد رئيس هذه البلاد المبجل سيادة الرئيس الفذ صدام حسين حفظه اللّه ورعاه، في عهده نستطيع بكل حرية أن نمارس طقوسنا الدينية ونستطيع به بكل حرية بل بعضد الحكومة الجليلة أيضاً أن نشيّد الأديرة والكنائس ودور العبادة وأيضاً الدور التي يمجد فيها اسم اللّه القدوس وتبنى النفوس في آن معاً، نصلي لحفظ هذا الرئيس المبجل سيادة الرئيس صدام حسين، وندعو بحفظ وصيانة عراقنا الحبيب من أعدائه الألداء، وليكن النصر المبين لوطننا العزيز العراق والرب يحفظكم جميعاً دائماً وأبداً آمين.

 

 

 

زيارة كنيسة السريان الكاثوليك ـ بغداد·

الأحبار الأجلاء الكهنة الأفاضل أيها المؤمنون:

من دواعي بهجتي أن أقوم بزيارة لهذه الكنيسة المقدسة التي أشعر بفرح عندما أرى الهمة العالية والغيرة الوقادة لراعي أبرشية بغداد السريانية الكاثوليكية بتشييد الكنائس والمؤسسات الثقافية الخيرية وأشكر اللّه أننا بكل طوائفنا في هذا البلد المبارك، في عهد رئيسه القائد صدام حسين، نرى التقدم في جميع الميادين لدى جميع أتباع الأديان والمذاهب دونما تفريق بين هذا وذاك، في هذه المناسبة وهذا التكريم الذي يتعدى شخصي الضعيف إلى أبناء الكنيسة الأحبار والكهنة وإلى الشعب المبارك أود بعد حمد اللّه وشكره باسمي واسم أخي صاحب النيافة مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة للسريان الأرثوذكس أود أن أشكر أخانا العزيز الجليل المطران مار أثناسيوس متى متوكة مطران أبرشية بغداد للسريان الكاثوليك أشكره لترحيبه بي أنا الضعيف وأشكر له الكلمات اللطيفة البناءة التي فاه بها والتي تعتبر أساساً للوحدة المسيحية السريانية الأرثوذكسية الكاثوليكية حفظه اللّه وأدامه على أبرشيته وجعل أبرشيته في اطّراد التقدم والازدهار على عهده المبارك وبهمته العالية، كما أشكر عزيزنا الفاضل المونسنيور روفائيل قطيمي النائب الأسقفي لهذه الأبرشية العامرة على كلماته الرقيقة التي عبرت عن عواطفه النبيلة والتي أيضاً كانت كقنديل مضيء في طريقنا جميعاً ونحن نسير حثيثاً نحو الوحدة المسيحية.

أيها الأحباء: في موقف كهذا ونحن نستعرض الماضي السحيق المؤلم أحياناً عديدة نرى أننا كنا جميعاً ننظر بعضنا إلى بعض بعين البغضة والشك ولكن نشكر اللّه في أواسط القرن الماضي منذ المجمع الفاتيكاني الثاني بدأت الثقة تأخذ مكانها في قلوبنا وتزيل الشكوك، ونرى المحبة تحتل موضع البغضة، وأصبحنا ونحن نجتمع بعضنا مع بعض، والاجتماع هو الذي يؤهلنا أن يعرف بعضنا بعضاً بصورة أفضل ولنحب بعضنا بعض، هذه الثقة منذ المجمع الفاتيكاني الثاني أخذت تتمكن وتتقوى في أماكن عديدة وعلى مستويات شتى. فعلى عهد سلفي الطيب الذكر البطريرك يعقوب الثالث، ابتدأت لدينا الحركة المسكونية، ثم تسلّمت أنا بالنعمة لا بالاستحقاق مسؤولية الكرسي الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي وشعرت بضرورة تشجيع الحركة المسكونية ليس فقط بين الكنائس المسيحية بل أيضاً الحوار الإسلامي المسيحي لنكون جميعاً مجتمعين معاً بمحبة اللّه تعالى ومحبة القريب. والكتاب المقدس يوصينا بأن الذي لا يحب قريبه الذي يراه كيف يتمكن أن يحب اللّه الذي لا يراه، فالمحبة هي التي تجمعنا والمحبة هي التي اعتبرت لدى ربنا يسوع المسيح العلامة الظاهرة والخفية للتلميذ الحقيقي للمسيح يسوع ربنا بهذا ـ قال لنا الرب يسوع ـ يعرفكم الناس أنكم تلاميذي إن أحببتم بعضكم بعضاً. نشكر اللّه للبيانات التي أصدرها المثلث الرحمة سلفي الطيب الذكر البطريرك يعقوب الثالث، مع الطيب الذكر قداسة البابا بولس السادس ثم البيان المشترك الذي وقعته أنا الضعيف سنة 1984 مع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الجالس سعيداً على الكرسي الروماني واعتبر هذا البيان ثورة في الحركة المسكونية وقفزة روحية واسعة بالنسبة إلى المحبة المسيحية. وانتقده كثيرون ممن كانت عقولهم رجعية لا تريد أي تقدم ينادي بالمسكونية ولا تعرف أين هي المسكونية. تعدى البيان اعتراف الواحد بالآخر والاعتراف برئاسة الواحد للآخر تعدى البيان إعلان الإيمان الواحد فنحن نؤمن جميعاً إيماناً واحداً ولئن اختلف آباؤنا بالتعبير عن هذا الإيمان بالألفاظ فقط وبالترجمات، ترجمات اللغات إنما إيماننا واحد في عقيدة التجسد والفداء كلنا نؤمن أن المسيح إله تام وإنسان تام. اللّه ظهر بالجسد كما يصفه الرسول بولس. وكلنا نؤمن أن هذا الإله الإنسان باتحاده كإنسان وإله هو واحد مثلما قال علامتنا الكبير ابن العبري في القرن الثالث عشر أننا اختلفنا بتسمية هذه الوحدة، فبعضنا سماها أقنوما وآخر دعاها جوهراً أو (أوسية) أو طبيعة ولكن الاتحاد موجود فلندع التسميات جانباً وقد اتفقنا عليها في هذه الأيام بشخص اللاهوتيين الكبار من الكنيستين بعد حوارات كثيرة كما ذكر سيادة المطران مار أثناسيوس متى متوكة. نحمد اللّه أن مفهوم الوحدة أصبح أكثر وضوحاً لما كان عليه سابقاً فليست الوحدة المسيحية انضمام كنيسة صغيرة إلى كنيسة كبيرة، وليست الوحدة المسيحية أن يفقد أحدنا الصفة التي يتصف بها، أن يفقد لغته التي يصلي بها، أن يفقد خصوصيته، أن يفقد تقليده، لكن الوحدة المسيحية كما شبهت في الفاتيكان الثاني كبستان جميل جداً فيه أشجار عديدة لها أثمار متنوعة بألوان مختلفة كلها تشكل هذا البستان هذه هي الوحدة بمفهومنا. لذلك كنا نحن كسريان قد بدأنا بحوار ذكره العزيز الأب الفاضل المونسنيور روفائيل بكلمته عن الحوار الذي أقمناه مع نيافة الكاردينال والبطريرك موسى داود يوم كان بطريركاً فقط لا كاردينالاً كبطريركين للسريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس بدأنا في هذا الحوار وقلنا ليكن الحوار خاصاً بطقوسنا وتراثنا السريانيين وتوقفنا الآن وسنعود بإذن اللّه بأقرب فرصة لأننا نؤمن بأن الطقوس تعبر عن إيمان الإنسان كما تعبر عن روحانيته أيضاً فهو يرفع عقله وقلبه إلى اللّه ليناجيه وبذلك يعترف بإيمانه أمام اللّه لأن الإيمان هو أساس الدين وطقوسنا أيضاً تعبر عن عقائدنا التي ثبتتها المجامع المسكونية والتي ما نزال نتمسك بها حتى الدم لذلك عندما يكون الحوار بموضوع الطقوس الدينية التي نمارسها بلغتنا السريانية لغتنا الرسمية والطقسية هذه اللغة المقدسة التي تكلمها الرب يسوع في حال تدبيره الإلهي بالجسد على الأرض هذه، حينذاك نستطيع أن ننقح النصوص ونحذف ونضيف على هذه الطقوس بسلطاننا الرسولي لتكون واحدة ولتثبيت الكنيستين بالمحبة بالمسيح يسوع ربنا وبعدئذ طبعاً تُعلن هذه الوحدة الطقسية. إننا نحتاج إلى أمور كثيرة لنتوصل إلى هذه الوحدة نريد أن تتوحد الأعياد، لا بد أن أذكر لكم أن غبطة بطريرك الروم الكاثوليك أمام قداسة البابا أثناء زيارته سورية أعلن قبول التقويم الشرقي لعيد القيامة وأعلن أنه سيعيد هذا العيد مع الأرثوذكس وطبعاً قداسة البابا كان صامتاً لأن الموضوع حساس جداً لأن بقية الكنائس الكاثوليكية في الشرق يجب أن تدرس هذا الموضوع قبل أن يعلن عنه، والحقيقة بدلاً من أن يتحد الكل في هذا الأمر اختلف الكل في ذلك، السريان الكاثوليك قالوا نحن لا نعيد مع الروم إن عيدنا على الشرقي نعيد مع السريان لأننا كلنا سريان لكن مع هذا لم نستطع حتى الآن أن نراهم متفقين نحن على عيدنا وعلى تقويمنا لا نغير شيئاً بالنسبة للاحتفال بعيد القيامة لكن طالما هم قبلوا التقويم الشرقي سنعيد جميعاً في يوم واحد، أقول هذا لكن لا بد أن أشير أيضاً أنه في أول مجمع عقد برئاستي كبطريرك أعلن آباء المجمع للسريان الأرثوذكس الأنطاكي أننا مستعدون أن نعيد في أي يوم تتفق عليه الكنائس الشرقية، أقصد الكنائس الشرقية الكاثوليكية والأرثوذكسية، لأنه يجب على الأقل في الشرق الأوسط أن نعيد في نفس النهار الذي نتفق عليه، والآن أيضاً مستعدون أن نفعل ذلك وحاولنا لسنا صامتين حاولنا كثيراً مع بقية الطوائف أن نتفق على يوم وأنا في اجتماعاتي مع قداسة البابا في روما كنت بحثت هذا الأمر وقداسته أشار إلى بعض النقاط سائلاً أحد الكرادلة عن الموضوع فكان الجواب إن الدول الأوربية تحاول إيجاد حل لمشكلة عيد الفصح ذلك أن الأحد هو بطالة عندهم بل المشكلة هي جمعة الآلام العظيمة فنحن نتأمل أن يوماً ما تتفق هذه الدول على تعيين يوم تعيد فيه عيد القيامة حتى يتفق المسيحيون كافة على الاحتفال بالجمعة العظيمة معاً في تلك البلاد، ونحن طبعاً عندنا مجموعة كبيرة في أوربا من أبنائنا السريان الأرثوذكس الذين هاجروا من جنوب شرق تركيا أكثر من أربعين كنيسة في ألمانيا مع دير، وثلاثين كنيسة تقريباً في السويد، وكنائس عديدة في هولندا مع دير، وكنائس عديدة في سويسرا مع دير، وكنائس عديدة في بلجيكا، وفي فرنسا أيضاً، هذه الكنيسة ينتمي إليها شعبنا الطيب وكلهم يطمحون أن يعيِّدوا مع إخوتهم الكاثوليك هناك عيد الفصح، ولكننا نسأل اللّه أن يلهمنا جميعاً أيها الأحباء أن نُحِبَ بعضنا بعضاً ذلك أكثر أهمية من أن نعيد بعضنا مع بعض في يوم واحد إننا نريد أن نعيد معاً ولكن لا نستطيع إلا إذا أحببنا أولاً بعضنا بعضاً والمحبة تستر عيوباً كثيرة كما يقول الرسول بولس وبعد أن نحب بعضنا بعضاً لنعيد مع الكاثوليك في عيدهم ويعيدوا معنا في عيدنا ويكون المسيح معنا وبيننا في إيماننا والنعمة معكم.

أمسية في بغداد·

صاحبي النيافة الحبرين الجليلين، الآباء الكهنة،

الأستاذ سامي مدير الأديان في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الأستاذ عدنان ممثل وزارة الأوقاف،

الرهبان الأعزاء، الراهبات الفاضلات، أيها الحفل الكريم:

بعد حمد اللّه تعالى وشكره على مباركته إيانا في هذه الأمسية الجميلة التي فيها أقام عزيزنا الروحي الفاضل السيد يوسف كليانا متى حفلة عشاء جلس إليها أحبار وكهنة وبعض ممثلي الجهات الرسمية في عراقنا الحبيب في هذا المكان المبارك مركز الرعية وقد جمع السيد يوسف نخبة ممن عمرت قلوبهم المحبة والإيمان والرجاء وجاؤوا تلبية لدعوته وتكريماً لوالده المرحوم كليانا متى الذي ملأ اسمه الدنيا يوم كنا مطراناً على الموصل ثم مطراناً لبغداد لم يكن كليانا ابناً روحياً وحسب ولم تربطنا به علاقة أبوة كهنوتية روحية فقط بل كان صديقاً عزيزاً لنا كان إنساناً طموحاً كان عصامياً أنشأ نفسه بنفسه هو سليل عائلة كريمة قلوب أهلها جميعاً نقية طاهرة. نال شهرة واسعة في قريته ميركي وفي خدمته الإنسان في كل مكان وخدمته دير مار متى وخاصة بتربيته أولاده التربية الصالحة، فنراهم الآن مواطنين صالحين في بلادنا هذه العزيزة العراق الحبيب ومؤمنين صالحين في كنيستنا السريانية الأرثوذكسية ومثالاً طيباً في الكرم والسخاء وعمل الإحسان. فالسيد يوسف العزيز عرفته طفلاً وكنت أفرح كثيراً بتقدمه بالقامة والنعمة لدى اللّه والناس، واليوم باسمي واسم أخي صاحب النيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاو مطران بغداد والبصرة أشكر له دعوته هذه التي تدل على سخائه الحاتمي أشكر له الكلمات الطيبة التي فاهت بها ابنته المصون سحر التي أجادت بإلقاء خطابها اللطيف وعبّرت عن عواطفها النبيلة وعواطف أهلها بكلمات صادرة عن قلب طاهر نقي. أشكر له أيضاً اقتداءه بوالده المرحوم كليانا ببساطة قلب ونقاء الفكر. كان المرحوم والده يخدم الكنيسة والوطن بإخلاص وكان يبذل الغالي والنفيس في سبيل خدمة الإنسان وهنا لا بد أن أذكر السيد فائق متى شقيق المرحوم كليانا عم يوسف وأذكر يوم كانوا يعملون في ميدان المقاولات لتعبيد الطرق وكانوا دائماً يشاركون الكبير والصغير في الاحتفالات الدينية وفي تكريم رجال الكنيسة وحتى الآن يفعلون ذلك وهم يسلكون بمحبة الكنيسة ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل خدمة الوطن والكنيسة وللأصالة التي يتصفون بها لم ينسوا أبداً قريتهم العامرة ميركي، وهي قرية دير مار متى التي نعتز بها وبأهلها الذين بطبيعة الحال بمحبتهم للّه ومحبتهم للكنيسة وللدير دائماً قد صاروا حراساً أمناء لذلك الدير في كل ظرف من ظروف الحياة الصعبة قبل السهلة، لن ينسوا قريتهم فالسيد فائق والسيد يوسف تبرعا وأنشأ قاعة كبيرة باسم قاعة مار زكا الناسك في ميركي، وبذلك رفعوا معنويات الطائفة هناك وهيؤوا لاجتماعات دينية روحية ووطنية في قريتهم، أجل إن الإنسان النبيل لا ينسى أصله أبداً، بارك اللّه فيهما. يوسف عضو الهيئة الاستشارية في بغداد الكل يعرفه بهدوئه، والكل يعرفه بتقبله توجيهات نيافة راعي الأبرشية، والكل يعرفه بالتعاون مع أصدقائه وزملائه لما فيه خير هذه الأبرشية. يوسف مع عمه فائق لم يكتفيا بالتبرع بإنشاء قاعة جميلة جداً في ميركي كما ذكرنا بل أضافا إليها غرفاً وملحقات الغرف في تلك القرية فسدت حاجة الكنيسة وأضفت جمالاً على مبنى القاعة مما أبهج أبناء القرية كثيراً. كافأهما اللّه. كما تبرعا بإنشاء الروضة التي أشرنا إليها، إن أعمالهما المبرورة وأعمال العائلة العديدة المشكورة تجعلنا ونحن نلبي دعوة يوسف لتناول الطعام أن نفتخر به وبعمه وخاصة بالمرحوم والده الذي على منواله ينسجان وعلى مثاله يطبعان وهما بمحبتهما للكنيسة ينشئان أولادهما على المحبة وعلى الإيمان وعلى التمسك بالوطن العزيز عراقنا الحبيب بقيادة الرئيس المبجل صدام حسين، وليعوض لهما وليوفقهما اللّه بالصحة والعافية والتوفيق الجليل ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً آمين.

لقاء مع طلاب وطالبات مركز التربية الدينية·

ما أجمل هذا النهار الذي أشرقت فيه الشمس الطبيعية كما أشرقت في قلوبنا أنوار المسيح ونحن ننصت إلى الترانيم الروحية والكلمات الإنجيلية السماوية الصادرة من أفواه الأطفال الذين قال عنهم صاحب المزامير وهو يناجي الرب الإله: «من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحاً». بوركت همة نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة الراعي الصالح الإداري الناجح الذي برعايته وبإرشاداته السامية يهتم بأطفال الكنيسة وشبابها وشيوخها أيضاً ليكونوا جميعاً كنارات للروح القدس. إن قلبي مفعم بهجة وأنا تحت سقف هذه الكاتدرائية العامرة المقدسة رحم اللّه مجيد زيونة الذي هيأها وأهداها للكنيسة المقدسة بقلب متواضع نبيل في زمن كانت الكنيسة ببغداد بحاجة ماسة إليها فسدت حاجتها ليس فقط في الصلاة بل أيضاً في اجتماعات روحية كهذه حيث يجتمع شباب الكنيسة وشاباتها يوم الجمعة ليباركوا اللّه ويتلقنوا مبادئ الدين المبين وطبقاً لما يقال إن تربية الطفل تبدأ قبل ميلاده بعشرين سنة فنحن نرى سعي الكنيسة واجتهادها في كل حين لتهيئ أمهات وآباء ليلدوا هؤلاء الأطفال ليس فقط ميلاداً جسدياً بل أيضاً ميلاداً روحياً. هذه رسالة الكنيسة وخاصة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية منذ فجرها رسالة كنيسة أنطاكية التي فيها دعي أولاً أتباع المسيح مسيحيين. أجل إن رسالة هذه الكنيسة عبر الدهور والأجيال أنها ما أسست مبنى لكنيسة إلا وإلى جانبه أسست مدرسة للعلوم والآداب واللغات، مدرسة لتدريس مبادئ الدين المسيحي المبين وبذلك مراكز التربية الدينية في أيامنا هذه فاقت المدراس التي كانت تهتم إلى جانب الدين بعلوم كثيرة وهذا لا يكون إلا بهمة راعي الأبرشية والمسؤول عن هذه الكنائس عن التربية الدينية للأطفال ولا يكون إلا بهمة وإدارة ناجحتين لجذب هؤلاء المعلمين والمعلمات خاصة، لكي يربوا هذا الجيل، الجيل الصاعد التربية التي توحّد ما بين أفكار العصر البناءة وما بين المبادئ الدينية السامية وتجعل الإنسان يترجم الفضائل السامية المسيحية عملياً كما رأينا اليوم ونحن فرحون ببناتنا العزيزات وأبنائنا الأعزاء القائمين على تعليم الأبناء والبنات الروحيين الأطفال الذين هم أكبادنا تمشي على الأرض كما وصفوا مدنياً. في مثل الوزنات الذي مُثل أمامنا نرى المسؤولية السامية الملقاة على عاتق الكهنة والراهبات والمعلمين والمعلمات المجتهد الذي يربح النفوس سيكون رابحاً في السماء بعد العمر الطويل وسيكون مسؤولاً عن النفوس ولا نستغرب هذا فالمسيح يسوع ربنا قد وعد رسله الأطهار أن يكونوا حكاماً وقضاة يحكمون ويدينون الناس في ملكوت اللّه والكهنة والراهبات والمعلمون والمعلمات ههنا يتسلمون هذه الوزنات إن تاجروا فيها إن اهتموا بربح هذه النفوس سوف يكونون من الرابحين في ملكوت اللّه.

إن الوزنات في أيديكم أيها الأحباء الذين اختاركم نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران هذه الأبرشية العامرة بغداد والبصرة، لتتعاونوا معه في تنشئة هذا الجيل الصاعد نشأة روحية ليصير هؤلاء الأطفال كنارة الروح يسبحون اللّه ليس فقط بأفواههم وألسنتهم بل بفكرهم أيضاً وقلبهم وأعمالهم طبقاً لتعليم الرب يسوع المسيح: «ليروا أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذي في السموات». إن لساني لعاجز عن التعبير عن فرحي الروحي وأنا أسمع هذه الترانيم الروحية وهذه الفعاليات الدينية وأكرر ما قاله أحد الذين شاهدوكم في مثل هذا اليوم في هذه الكاتدرائية وهو غريب عن كنيستنا قال: عندما استمعت إلى أطفال السريان الأرثوذكس في كاتدرائية مار بطرس ومار بولس ببغداد شعرت أنني كنت مع الملائكة في السماء. وهذه العبارة تدل على التأثير الروحي العميق الذي يحدث لنا نحن الرعاة وللكهنة الأفاضل وللراهبات الفاضلات وللشعب المؤمن بل أيضاً للغرباء عندما نجتمع معكم وأقولها وقلتها دائماً إن أسعد الأوقات التي أقضيها أنا الضعيف هي الأوقات التي أقضيها مع أطفالنا الأعزاء. بوركت أعمالكم وبوركت بلادنا العزيزة. نشر اللّه السلام والأمن في وطننا الحبيب العراق بقيادة من أعطى الحرية لممارسة الطقوس الدينية وتعليم الدين سيادة الرئيس صدام حسين، بارك اللّه الوالدين من الرجال والنساء الذين يهتمون بتهذيب أولادهم وتربيتهم التربية الدينية الصالحة في دورهم العامرة أولاً ثم يتعاونون مع الكنيسة لكي ينشأ أولادهم مؤمنين صالحين ومواطنين صالحين ليكافئ اللّه أولئك الذين يهتمون بتربية الأولاد إن كان في البيت أو في مراكز التربية الدينية أو في الكنيسة ليكافئهم مكافأة من تاجر بالوزنات وكان من الرابحين وبهذه المناسبة نثني على ابنتنا الروحية الراهبة الدكتورة فيبي مسؤولية التربية الدينية ونشكر لها كلماتها اللطيفة. إنني لفخور جداً بأحبار الكنيسة الذين معنا وكم كنت أتمنى لو كانوا معنا منذ بدء الاحتفال علماً بأن كل واحد منهم في أبرشيته يهتم بتربية الجيل الصاعد التربية المسيحية الصالحة، شكراً جزيلاً لأحبار الكنيسة للكهنة للرهبان للراهبات لكل من يسعى لخدمة الرب وينير بنور المسيح هؤلاء الذين اعتمدوا باسم المسيح لتكون أعمالهم صالحة وليمجد اسم الآب السماوي آمين.

افتتاح كنيسة مار بهنام ومار متى·

نشكر اللّه على إتاحته هذه الفرصة الذهبية لنا ولبعض إخوتنا المطارنة الأجلاء، فلبينا دعوة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة وعزيزنا الروحي الفاضل المهندس متي بلولة، وجئنا إلى بغداد مدينة السلام لنفتتح كنيسة مار بهنام ومار متى التي تبرع بتشييدها وتأثيثها على حسابه الخاص عزيزنا الروحي الفاضل المهندس متي بلولة، وقد أطلقنا عليها اسم شفيعه الناسك مار متى الذي تنسك في القرن الرابع للميلاد في كهف في جبل ألفاف في شرق مدينة نينوى، وأنشأ له ديراً في صدر هذا الجبل في أواخر القرن الرابع ولا يزال عامراً ومأهولاً ومركز كرسي أبرشية مار متى.

وإلى جانب اسم القديس مار متى الناسك أطلقنا على الكنيسة اسم الشهيد مار بهنام ابن سنحاريب والي ولاية آثور الوثني الذي تنصر على يد مار متى في القرن الرابع للميلاد واستشهد على يد والده، وبعد أن تنصر والده شيّد على اسمه ديراً جنوب شرق نينوى لا يزال عامراً.

أجل إننا عادة نشيّد مبنى، ونفرزه لعبادة اللّه ونقدّسه بحسب طقسنا السرياني الأرثوذكسي الذي ورثناه عن آبائنا القديسين فندعوه كنيسة نخصصها لتمجيد اسم اللّه القدوس وتهذيب النفوس وتقديسها فهي كنيسة اللّه تعالى. وعندما نطلق عليها اسم أحد القديسين نقصد بذلك أن يكون هذا القديس شفيعاً للذين يقيمون الصلاة في تلك الكنيسة.

أيها السامعون الكرام:

إننا كمسيحيين ومسلمين في العراق شعب مؤمن باللّه الواحد الأحد فلا بدّ من أن نشيّد الكنائس والمساجد والمعابد لعبادته تعالى. وتشييد هذه الكنيسة إن دلّ على شيء فإنما يدل على محبتنا لبلادنا وأرضنا وثباتنا في وطننا العراق الحبيب كما يدل أيضاً على ما يتمتع به هذا الشعب العراقي المؤمن بمختلف ملله ونحله من حرية تامة لممارسة شعائره الدينية التي تسلمها من آبائه الميامين فنشكر اللّه تعالى الذي يعضد رئيس البلاد المؤمن سيادة الرئيس صدام حسين، على توطيد أركان الوحدة الوطنية في العراق العزيز ونشر العدل والمساواة بين المواطنين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومللهم ونحلهم، فباسمي واسم أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء والسيد المهندس متي بلولة والسريان الأرثوذكس في كل مكان في العالم نقدّم الشكر الجزيل لراعي احتفال افتتاح هذه الكنيسة سيادة الرئيس صدام حسين، فألف شكر لسيادته، ففي عهده وبرعايته نلنا نحن الناطقين بالسريانية حقوقنا الثقافية، وسيادته يعرف جيداً الدور الثقافي والقومي الذي لعبه آباؤنا الميامين بالتعاون مع إخوتهم العرب المسلمين في صدر الإسلام بتحرير البلاد من أعدائها في الفتح العربي الإسلامي فقد امتزج دم المسلم العربي مع دم المسيحي في سوح القتال وسجل الدم العربي النقي عهداً أبدياً هو عهد المحبة والإخاء والثبات على مبدأ الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في السراء والضراء إبّان الحرب والسلم. كما إن دور آبائنا السريان الثقافي والقومي يدوّنه التاريخ بحروف من نور على أنصع صفحاته فمنّا كانت تغلب وتنوخ وطي وعقيل وغيرها من القبائل العربية الأصيلة، كما إن دور مراكزنا العلمية في الأديرة والكنائس في نقل العلوم والآداب العالمية من اللغة اليونانية إلى السريانية فالعربية لا يحتاج إلى برهان ولم يختلف فيه اثنان، وهذا ليس غريباً عنا ونحن نؤمن بالترابط والتداخل العضوي بين الماضي والحاضر واستمرار الحضارة العربية التي تزاوجت مع الحضارات السابقة.

فيروق لي في هذا الموقف التاريخي ومن على هذا المنبر المقدس أن أحيي سيادة قائد العراق الفذ سيادة الرئيس صدام حسين، فهو رمز الكرامة الوطنية والقومية وتجسيد الشجاعة والبسالة فلا غرو من أن يقف وراءه شعب العراق العظيم وقفة رجل واحد. نسأل اللّه تعالى أن يلبسه ثوب العافية وأن يمدّ في عمره الغالي. وأن يوفقه إلى اطراد النصر المبين على أعداء الأمة العربية.

أجل في هذه الزيارة الرسولية التي نقوم بها لعراقنا الحبيب قد تحقق حلمنا وحلم إخوتنا الأجلاء المطارنة الذين رافقونا حيث قد لمسوا الإنجازات العظيمة العمرانية والثقافية والاجتماعية وغيرها التي قام بها سيادة الرئيس صدام حسين على الرغم من الظروف الصعبة التي يمرّ بها العراق الحبيب من جراء الحصار الغاشم الذي فرضه عليه ظلماً وعدواناً العُتَاة المستكبرون الظالمون الذين يستفردون الشعوب شعباً بعد شعب للاستيلاء على ثرواتهم الطبيعية جميعاً باسم محاربة الإرهاب وهم الإرهابيون ولئن كانوا دولاً كبيرة تمارس مختلف أشكال الإرهاب ضد الشعوب الصغيرة والآمنة. إننا في موقفنا هذا نعلن على رؤوس الأشهاد أننا مع العراق بكل مطاليبه العادلة ونشجب الحصار الظالم الذي فرض عليه ونطالب الأمم المتحدة وشعوب العالم الحر كافة برفع هذا الحصار عن العراق العزيز الصامد حكومة وشعباً ضد الظلم والجور والقهر وما يتعرض له من العدوان السافر والإجرام مما تسبب بقتل عدد هائل من أطفاله الأبرياء جوعاً ومرضاً. كما وندعو خاصة الدول العربية بجميع أقطارها لتوحّد كلمتها ولترفع صوتها عالياً لتهتزّ بذلك أوصال المعتدين أعداء الإنسانية وليفهموا معنى وحدة الأمة العربية ومغزاها وأبعادها فيرفع الحصار الغاشم عن العراق.

ومن هذا المنبر المقدس وفي هذه المناسبة المباركة نحيّي شعبنا في فلسطين هذا الشعب العربي الصامد المقهور بالاحتلال الصهيوني والعنصرية وما يعانيه هذا الشعب المبارك من المحتل الصهيوني العاتي من العنف الإجرامي، لقد اختار أهلنا الفلسطينيون في الأراضي المحتلة طريق النضال الشاق والمرير في وجه العدو الصهيوني أسلوباً مميزاً لا مناص منه لتحرير الأرض واسترجاع الحقوق الشرعية والكرامة وإحلال السلام العادل، لقد اختار أولئك الأبطال أن يقاوموا النار بالحجارة والدبابات بالصمود، والأطماع الصهيونية التوسعية بالتضحية والاستشهاد وهم يسعون إلى تحرير القدس الشريف وجميع الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية وسائر الأراضي العربية لتعود إلى العرب أصحابها الشرعيين وبذلك يعود الحق إلى نصابه وترتفع فوق الديار المقدسة أعلام التسامح والحرية الدينية والسلام.

ويطيب لنا بالختام باسمنا واسم أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء أن نهنئ أخانا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة الذي بتوجيهه تمّ إنجاز تشييد هذه الكنيسة الفخمة التي تعد آية في الفن والجمال وذلك بتبرع عزيزنا الروحي الفاضل الأستاذ المهندس متي بلولة وعقيلته الفاضلة وأولاده المحروسين ووالدته المؤمنة الكريمة التي أحسنت تربيته فنشأ مواطناً صالحاً في وطننا الحبيب العراق ومؤمناً صالحاً في كنيستنا السريانية الأرثوذكسية المقدسة. جازاه اللّه خيراً على عمله هذا المبرور. وإذ استحقّ أن يشيّد بيتاً للّه على الأرض ليقبل اللّه تقدمته هذه ولينعم عليه تعالى بالصحة التامة والعافية والتوفيق الجليل، وليؤهّله بعد العمر الطويل أن يرث ملكوت السماء حيث يهب اللّه منازل روحية سامية للمحسنين الأتقياء على حد قول السيد المسيح: «في بيت أبي منازل كثيرة» (يو 14: 2).

وعرفاناً للجميل وتقديراً لهذا العمل المبرور كنا قد قلّدنا عزيزنا الروحي الفاضل المحسن الكبير المهندس متي بلولة وسام مار أفرام الذهبي وهو أرفع وسام نقلده لغير الإكليروس في الكنيسة واليوم نعيد تقليدنا إياه هذا الوسام ذاته في هذه المناسبة السعيدة وأمام هذا الحفل الكريم كما نقلّد وساماً مماثلاً لعقيلته الفاضلة التي كانت مع والدته الكريمة وراء هذا العمل المبرور، ليبقى هذا الوسام علامة بركة من اللّه تعالى وفخراً واعتزازاً لديهم ولدى أولادهم وأحفادهم إلى الأبد.

وأشكر لكم حسن إصغائكم والسلام.

لقاء الشباب في كنيسة مار بطرس وبولس

نشكر اللّه تعالى الذي جمعنا معاً تحت سقف هذه الكاتدرائية المقدسة نحن جميعاً نعبد اللّه بالروح والحق والغاية من كل هذه الاجتماعات التي يرعاها نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة وما الغاية إلا خلاص النفوس، وأنا مسرور جداً أن معي بعض الإخوة أحبارنا: مار سويريوس ملكي مراد المطران النائب البطريركي في القدس والديار المقدسة والأردن، والمطران مار سلوانس بطرس النعمة في حمص وحماة توابعهما، والرهبان الأعزاء السكرتير البطريركي الأب الربان إيليا باهي ومدير كلية مار أفرام اللاهوتية في معرة صيدنايا الأب الربان متى عبدالأحد، ومعاون السكرتير البطريركي الأب الربان اندراوس بحي، والآباء الكهنة جميعاً وأنتم أيها الأحباء الذين اجتمعتم لتسمعونا شيئاً هذه كانت امنيتي أن اسمع منكم، ولكن يبدو أني لن اسمع إلا الأسئلة ويجب أن أجيب.

السؤال: ما هو دور اللاهوتي داخل الكنيسة؟

اللاهوتي شيء وطالب اللاهوت شيء، اللاهوتي هو الشخص الذي تعمق في دراسة اللاهوت وكتب في هذا العلم واصبح له غاية، أما طالب اللاهوت فكلنا طلاب لاهوت كلنا طلاب في هذا الحقل في هذا الميدان الواسع الميدان المقدس يعني ندرس وندرس باستمرار ما هي إرادة اللّه ما يريده اللّه منا في هذه الحياة، لنكون قريبين منه ولنستحق أن نحيا فيه في هذه الدنيا وأن تمسك بحقه وأن نتبعه لأنه هو الطريق والحق والحياة، وبعدئذ نسعى لنعرف ناموسه الإلهي هذا الناموس الذي أعطي منذ البدء ونطيع أوامره ونمتنع عن نواهيه، بهذا فقط نكون قد درسنا اللاهوت، اللاهوت لا ندرسه نظرياً نعرف أن اللّه واحد لكن من هو اللّه نعرف أنه لا بد أن نحيا اللّه الواحد الأحد ولكن كيف نعبده، وهل عندما نعبد ونصلي، نصلي إلى الله؟ الفريسي عندما وقف أمام اللّه صلى لنفسه واعتبر نفسه إلهاً وابتدأ يصف نفسه بأنه طاهر أي قدوس ليس فقط «قديس» فهذا الإنسان لم يعبد اللّه، فنحن عندما نصلي هل نصلي لتمجيد اللّه؟

هل نشكر اللّه على كل ما صنعه معنا؟

خلقنا ويدبرنا ويرعانا، كل هذا علينا أن نعرفه، ولكن! من هو الله؟

هذه الأشياء يجيبنا عنها علم اللاهوت، وعندما نتعلم ذلك طبعاً تستقيم سيرتنا، ونبدأ نعلّم الآخرين بالقدوة والمثل الصالح، كيف يجب أن يكون المؤمن بالمسيح ليكون دائماً مع اللّه، ويكون اللّه معه.

لا ينفع علم اللاهوت أبداً إذا تعلمناه ونحن بعيدون عن اللّه، في أيامنا هذه مع غاية الأسف حتى بعض الإكليروس حادوا وابتعدوا عن جادة الحق، تفلسفوا وفلسفتهم هذه مصدرها إبليس بالذات.

إن آمنا بأن اللّه هو واحد أحد، وآمنا بمقدرته نظرياً، علينا أن نمارس هذا الإيمان عملياً، أن نعبد الرب بالروح والحق، فعندما نكون في حضرة اللّه، ونؤمن به، ونرفع عقولنا وقلوبنا إليه، علينا أن ننفذ وصاياه وتعاليمه.

وإذا كنا أمام رئيس أو ملك أو رجل ذي مركز سامي رفيع نكون بهيبة ونقف بخوف، فهل نخاف اللّه؟ نعم، لأنه إن كنا لا نخاف اللّه فنحن لا نؤمن بوجود اللّه، ولكن عندما نخاف اللّه نشعر بأننا حقاً روح من اللّه، وأن الله موجود في كل مكان، ولكنه موجود خاصة في المكان الذي يكرس ويقدس لعبادته تعالى، أي في الكنيسة، هذا الإيمان يجعلنا نستفيد من دراسة علم اللاهوت لأننا نكون قد درسنا فكر اللّه. مع غاية الأسف حتى بين الإكليروس يوجد أناس كثيرون حادوا عن الحق بدأوا يضعون المجهر ليس فقط على المسيح ليروا ما هو كيانه، بل أيضاً على تعاليم المسيح وعلى الإنجيل المقدس الذي هو قصة حياة المسيح على الأرض، قصة الفداء والتجسد، وابتدأوا بما يسمونه اللاهوت المعاصر، وفي الحقيقة هذا ليس لاهوتاً حديثاً، هذا لاهوت قديم لاهوت إبليس. لا نستغرب أبداً!! كهنة يدعون كيف أن أليصابات أنشدت هذا النشيد العظيم، وهي امرأة بسيطة! إذاً هذا النشيد وضع في الإنجيل وليس من قول أليصابات، إن كان الإنسان يؤمن بهذا الإيمان يعني لا يؤمن بالروح القدس، نحن عندما ننطق ننطق بالروح القدس، حتى عندما ندافع عن إيماننا، فالرب يسوع علمنا أنه عندما نقف أمام الملوك والولاة عندما نُسأل عن إيماننا يقول: لا تهتموا لأن الروح ينطق فيكم، إذاً الروح ينطق بأبسط إنسان فينا، فكم بالحري أن ينطق بأليصابات المرأة الشيخة زوجة كاهن فاضل.

أحبائي، سررت كثيراً بلقائي بكم، وزادني سروراً وفرحاً أنكم تهتمون بدراسة العلوم اللاهوتية، لتطالعوا عن كثب الحقائق الإيمانية والعقائدية في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية المقدسة التي دافع عنها آباء الكنيسة الميامين بالروح والدم، أتمنى لكم التوفيق في حياتكم الروحية والعلمية والعملية، وإن شاء الله تكون هذه الندوات لتمجيد اسم الرب القدوس.


زيارة آل عيواص ـ بغداد·

إخوتي أصحاب النيافة والسيادة الأحبار الأجلاء،

أحبائي الكهنة والرهبان والراهبات أيها المؤمنون،

أبدأ بالشكر للّه على هذه الأمسية الجميلة التي نقضيها معاً وأشكر أخي صاحب النيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة على دعوته إياي لأشارككم فرحة الإنجازات الجبارة في هذه الأبرشية العامرة، احتفلنا بتدشين دير مار يعقوب البرادعي للراهبات كمقر لبناتنا العزيزات الراهبات برئاسة الابنة الروحية الفاضلة الأم الراهبة حنينة، هذا المقر الذي تبرعت به الابنة الروحية الفاضلة المؤمنة الدكتورة جنان عبد النور ناسجةً على منوال آبائها وأجدادها الموقرين الأفاضل واحتفلنا أول ما جئنا بتدشين المقر الإداري للمطرانية، بجماله الهندسي ورونقه الفاخر ليهيئ أبناء الأبرشية في مراجعاتهم رئيس الأبرشية ليكونوا في حالة ارتياح تام وهم يدخلون الأبرشية بمقر رئاستها وبهذه المناسبة نذكر المرحوم مجيد زيونة وزوجته المرحومة حياة وابنيه المرحومين حميد ونافع، وبتشييد الكاتدرائية الفاخرة كاتدرائية مار بطرس ومار بولس التي اهتم نيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا بترميمها بعد هذه السنين العديدة والمديدة ثم نذكر دار المطرانية التي شيدتها المرحومة حياة زوجة المرحوم مجيد زيونة مع ابنيها المرحومين تبرعاً وهي ما تزال دار المطرانية وستبقى، وجئنا أيضاً أيها الأحباء خاصة لنقدس الكنيسة التي شيدها الابن الروحي الفاضل المهندس متي بلولة متبرعاً بها لوجه اللّه تعالى ولمجد اسم الرب يسوع لأبناء هذه الكنيسة المقدسة كنيسة مار بهنام ومار متى وإن شاء اللّه يؤهلنا الرب لنقدسها بعد ظهر يوم الجمعة القادم لنمجد اللّه ولنفتخر بابن الكنيسة البار وبعقيلته الفاضلة وبأمه الفاضلة الصالحة التي أحسنت تربيته وبأهله جميعاً بتشييد هذه الكنيسة في هذا الوقت العصيب الذي تمرّ فيه بلادنا العزيزة العراق، كما أننا وضعنا حجر الأساس لدار المسرة للمسنين وهذا عمل جبار خطط له نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا ومن معه منكم متعاوناً في كل هذه المناسبات الطيبة وفي هذا الزمن العصيب يحتاج حقاً المسنون من آبائنا وأجدادنا أيضاً إلى من يريحهم إلى من يضع نعمة العزاء في قلوبهم وأفكارهم نحن شعب تعودنا أن نحترم أفراد العائلة كافة خاصة المسنين وأن نكرمهم إلى آخر لحظة من حياتهم لكن الزمان العصيب الذي نمرّ فيه والعصرنة شغلتنا كثيراً في أمور الحياة الدنيا لذلك أن نهيئ مكاناً مكرماً محترماً لآبائنا وأجدادنا لا يعني ذلك أن نتخلى عنهم بل أن نوجد لهم مكاناً يريحهم وبرامج خاصة تجعلهم بصلاة مستمرة بحالة اجتماعية ممتازة لكي يقضوا أيام حياتهم الأخيرة بفرح وبهجة وسرور وتمجيد اللّه العظيم لذلك كان لا بد أن يكون هناك دار مسرة لآبائنا وأجدادنا. فنعم ما فعل نيافة أخينا الحبر الجليل وكمّل اللّه معه ومعكم ليشيد هذا البناء ويهيئ له من يديره ومن يهيئ لهؤلاء العجزة أو المسنين جواً روحياً واجتماعياً وجواً يسمح للأهل والأقرباء ليجتمعوا بهم في دار ستغدو دارهم بارك اللّه في هذا المشروع وفي جميع المشاريع وعضد أخانا نيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا وعضدكم جميعاً وأنتم تتعاونون معه في إنجاز هذه المشاريع الجبارة، في هذه الأمسية أشكر أخوتي خاصة أصحاب النيافة والسيادة مطراني الأرمن الأرثوذكس والسريان الكاثوليك ونيافة أخينا الحبر الجليل مار ملاطيوس برنابا.

كنا في معرّة صيدنايا قد ابتدأنا بتشييد دار المحبة للمسنين من الإكليروس، الذين سيكون حولهم الرهبان والراهبات والكنيسة موجودة أيضاً ليرفعوا صلواتهم للّه، ولكن لا يعني ذلك أن نطرد الأحبار الأجلاء عندما يبلغون من العمر أرذله أقول ذلك بالاصطلاح العربي لكن سيدنا برنابا مثلاً مازال شاباً. إنما هيأت له الأبرشية بإرشادي المباشر موضعاً ممتازاً جداً مؤلف من غرفة نوم وحمام ومكتب وصالة استقبال، وشخصين واحد يكون عمله في النهار والآخر في الليل للعناية به.

ويستحق كل ذلك لأنه جاهد واجتهد منذ رهبنته وهو يخدم البطريركية كنائب بطريركي أولاً كسكرتير ثم كنائب بطريركي للمرحوم المثلث الرحمة العلامة البطريرك أفرام برصوم ثم كنائب بطريركي كمطران وقام بمشاريع عديدة للأبرشية واهتم بتهذيب أبنائها وبناتها لذلك أبرشية حمص وحماة الوفية تقوم الآن بخدمته وقد رسمنا مطراناً شاباً لها هو نيافة مار سلوانس بطرس ليكون ممارساً هذه الوظيفة السامية فعلياً وهو الذي يعتني به عناية الابن البار بأبيه يا سيدنا برنابا أهلاً وسهلاً فيك ونحن فرحانين بوجودك.

أحبائي: لا أريد أن أطيل عليكم الكلام وأنا أعرف أنه الفعاليات التي صارت والكلمات التي خرجت من القلب من الأطفال ومن الدكتور متي مقداسي ومن الدكتور عادل عطو ابن عمّ المرحومة والدتي حسيبة عطو وكلمات السيدة انتصار ابنة شقيقتي المرحومة جند وزوجة السيد فواز عطو هذه الكلمات كانت كلمات لطيفة بناءة وكانت شعراً منثوراً ونثراً مليئاً بالشعور الطيب ومع هذا لابد أن أتكلم وأشكر شقيقي العزيز عدنان وأشكر الكلمات التي فاه بها وفاه بها أيضاً أولاده أطفالنا الأعزاء قحطان وغسان ومحبة ومسرة النابعة من القلب النقي الصالح بهذه المناسبة لا بد أن أقول إن عائلاتنا المسيحية سريانية أرمنية ومن غير طوائف أيضاً العائلات المسيحية عندما تربي أولادها على ضفاف جداول المياه الحيّة ودراسة الإنجيل المقدس ومعرفة تاريخ الكنيسة وتمجيد اسم اللّه القدوس تقوم هذه العائلات بواجبها المسيحي وتنسج على منوال آبائها وأجدادها المؤمنين وينشأ أولادها كما قيل عن الرب يسوع كان ينمو بالقامة والنعمة عند اللّه والناس لا يكفي أن ينمو الإنسان بالقامة لا يكفي أن نربي أولادنا التربية الجسدية لا يكفي أن نثقفهم الثقافة الدنيوية فيتبوؤوا مراكز مرموقة في أوطانهم لا يكفي هذا أبداً بل هذا أمر بسيط جداً بالنسبة إلى تربيتهم التربية المسيحية الصالحة لينموا بالنعمة إن كنا نسعى لجعلهم سعداء والسعادة في هذه الدنيا علينا أن نهيئ لهم السعادة في الآخرة ولا يكونون بعد العمر الطويل طبعاً إلا لتنشئتهم تنشئة مسيحية صالحة زرت الروضة وأنا أعرف الروضة جيداً منذ أن كنت مطراناً والروضة أسست في عهد سلفي أيضاً الطيب الذكر كمطران العلامة الملفان مار غريغوريوس بولس بهنان وكان مهتماً جداً بالروضة وفي المدرسة الابتدائية أيضاً ويسعى كما ثقفنا نحن تلاميذه الإكليريكيين يسعى لتثقيف شباب الطائفة، ويوم كان راهباً في الموصل أسست أخوية مار أفرام وكان يلقن شبابنا التعاليم الدينية الروحية والتاريخية والعديد منهم يذكرون ذلك جيداً أجل قمت بزيارة الروضة في مقرها الجديد وسررت جداً جداً بالتوجيه الديني والوطني يجب أن يسير التوجيه الديني جنباً إلى جنب مع التوجيه الوطني في تثقيف هؤلاء الأطفال بالقامة والنعمة أمام اللّه والناس سررت بالقائمين على هذا وأنا أتمنّى من عائلاتنا جميعاً أن يهتموا بغرس محبة اللّه ومحبة الكنيسة ومحبة الوطن العزيز في قلوب أولادهم كما أن تتعاون الروضة مع المؤمنين في هذا المضمار، ويطيب لي أن أكرر كلمتين مما كتبته في سجل الروضة قلت: لقد قيل على لسان الكنيسة أعطني الطفل حتى السابعة من عمره ثم خذه أينما تشاء ذلك أن الطفل حتى السابعة يكون قد رسخت في قلبه الفضائل السامية والمبادئ والثوابت الإيمانية، لذلك أينما ذهب ومهما صادفه من شدائد وتجارب وحتى ضيقات شديدة بسبب الحصار يكون ثابتاً على الفضائل متمسكاً بالإيمان هذا ما نريده من عائلاتنا مؤكدين بأن التعاون مع الروضة هو التعاون مع الكنيسة والكنيسة بكل نشاطاتها في هذه الأبرشية ولا نظلم الآخرين أيضاً فمنذ اسسنا مراكز التربية الدينية فإن الأبرشيات السريانية في كل مكان الكنيسة تسعى لتنشئ أولادها النشأة المسيحية الصالحة وتلقينهم العلوم ومبادئ الدين المبين، وفي هذا المجال وبوجود إخوتي السادة المطارنة الأعزاء أن أذكر أمراً مهماً جداً في كيفية التربية المسيحية هو أن تكون التربية المسيحية عامة كمسيحيين أن نشعر بمحبتنا الواحد للآخر. يُذكر في قصة خيالية عن الجنة أن جاء إليها أشخاص يريدون أن يدخلوها فكان الملاك يسألهم من أنتم وإلى من تنتمون هذا يقول أنا سريان أرثوذكس فيقول له لا يوجد سريان أرثوذكس في الجنة غريب طوال حياتي أصوم وطول حياتي أصلي وأنا لم أكسر أية وصية من وصايا اللّه، فجاء الثاني وقال له أنا كاثوليكي فقال له أنا لم أسمع أبداً عن هذا الاسم فيفاجأ هذا ويحزن ويقول الثالث أنا بروتستانتي فقال له الملاك أنتم أشخاص جدد اخترعتم أشياء فلا نعرفكم ولا نعترف بكم، في النهاية اجتمع هؤلاء جميعاً ليحاربوا الملاك فقالوا له إذاً من يوجد لديك في الجنة وأنت تمنعنا من دخولها، فقال لهم: يوجد المسيحي الصالح.

في هذه الروح يجب أن نربي عليها أولادنا وأطفالنا منذ طفولتهم، بهذه الروح فقط نستطيع أن نصل إلى وحدة مسيحية سامية ننال فيها الملكوت، أنا لا أريد أن أطيل عليكم الكلام ولكن يجب أن أذكر أمراً يستحضرني الآن وهو أنني عندما كنت مراقباً في مجمع الفاتيكان سنة 1962، 1963 كراهب أرسلني سلفي الطيب الذكر والخالد الأثر العلامة البطريرك يعقوب الثالث لأمثله هناك وأمثل الكنيسة المقدسة، وكان البطريرك الكردينال تبوني اللّه يرحمه وكان بقية المطارين السريان الكاثوليك فرحين بأنه يوجد راهب سريان أرثوذكس يمثل قداسة البطريرك يعقوب الثالث فدعاني نيافة الكاردينال على غداء بحضور المطارنة كافة، ذهبت وشكرت غبطته ونيافته ككاردينال وبطريرك على لطفه ومما قاله نيافته بكلمته الطيبة والنابعة من القلب أمام جميع المطارنة نحن نحتاج إلى أن نترك خلافاتنا التي ورثناها جانباً ونبدأ عهداً جديداً، وأردف قائلاً: موجهاً إليَّ الكلام: كنت كاهناً في الموصل ومرة وأنا ذاهب إلى الكنيسة مررت بحارة سوق النجارين فاستدعاني جدك المرحوم عيواص الذي كان شيخ النجارين بالموصل وكان معه والدي المرحوم الذي كان شيخ الحدادين وكان الجدال قد احتدم بينهما وشاركهما الحضور في بحث موضوع الخلاف بين الكنيستين في عقيدة الطبيعة والطبيعتين. فقلت لهما وللحضور: دعوا هذه الأمور اللاهوتية لنا نحن الإكليروس واستمروا على ما أنتم به من الصداقة الصادقة والود الصافي والمحبة الخالصة. فاقتنع الجميع بذلك.

زيارة عائلة المرحوم يعقوب توزا ـ بغداد·

أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء،

أحبائي الكهنة الأفاضل، الرهبان والراهبات الأعزاء،

أيها المؤمنون:

ما أجمل هذه الأمسية التي تحييها عائلة المرحوم يعقوب توزا وأولاده الأفاضل: السادة يوسف ومفيد وصميم وغسان، والتي اعتبرت فرصة سانحة لهذه الأسرة السريانية الأرثوذكسية العريقة والحبيبة بكل أفرادها العصاميين وما أحسن أن يمثلوا أبناء الكنيسة كافة في بغداد في حفل وداع لضعفنا ما أروع ما فعل نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران أبرشية بغداد والبصرة الذي كان قد نَوى أن تقيم الطائفة هذه الحفلة فلبَّى طلب آل توزا الأعزاء الأحباء لينوبوا هم عن الطائفة كافة، فبوركت هذه الأسرة بأطفالها برجالها بنسائها فهي تمثل الطائفة بكل ما تتصف به من كرم حاتمي وتشجيع لمشاريع الأبرشية وبكل ما تتصف به باندماجها مع فعاليات الأبرشية الثقافية والاجتماعية أطفالها يعرفون أنهم ينتسبون إلى هذه الطائفة فيبذلون الغالي والنفيس في سبيل أن يكونوا فعالين فيها هذه الأمسية قلت ما أجملها فقد شنفت فرقة الرسولين مار بطرس ومار بولس آذاننا بهذه الترانيم الجميلة بقيادة الأستاذ جميل جرجيس، هذه الفرقة التي دعيت دعوة خاصة من آل توزا الكرام والكرماء تحيي هذه الترانيم لتظهر ما قامت به طيلة أيام زيارتنا الرسولية لهذه الأبرشية العامرة، والترانيم التي تعبر عن فرحة المؤمنين ويمثلها أعضاء هذه الفرقة تدل على الهمة العالية لراعي هذه الأبرشية والاهتمام في هذه الناحية الحيوية جداً في تنظيم القداديس والصلوات والاحتفالات الروحية والاجتماعية التي يعطر وجودها أعضاء فرقة مار بطرس ومار بولس أما الخطابات وكلمات الترحيب التي ألقاها آل توزا الرجال منهم وأيضاً الشابات والشباب فتعني الكثير ليس فقط تمثل التعبير عن عواطف نبيلة تجاه أبي السريان أنا الضعيف بل تعبر عن إنسان قد عرفهم منذ أن كان فتى صغيراً وهم أقرباء له وعرف أيضاً فضلهم وتعبهم في سبيل الكنيسة إن كان في الموصل أولاً وثم في بغداد وفي كل مكان هؤلاء الذين نعتبرهم موضع فخرنا واعتزازنا، مما جمّل الكلمات والقصيدة ـ التي أكثر من قصيدة أيضاً ـ التي نظمها الأستاذ الشاعر المبدع الأستاذ يوسف أمين قصير، وهو ابن خالتي الذي اعتز فيه وهو أيضاً كان مدرسي ومدرس زملائي في مدرسة مار أفرام الإكليريكية حيث كانت مادة الأدب العربي مهمة جداً بالنسبة إلى دراستنا في الإكليريكية كان يدرس مجاناً كان يأتي من الثانوية التي يدرس فيها وهي قريبة للإكليريكية في الفرصة يأتي سعياً على القدمين وكان يفتخر بالطلاب ويعتز وكنا ننصت إليه لا فقط كشاعر ولا فقط كمدرس للأدب بل أيضاً كمرشد روحي وإنسان يشجعنا على خدمة كنيستنا ويوجهنا إلى دراسة اللغة السريانية دراسة جيدة لأننا بذلك نتميز عن غيرنا ونقدم خدمة عظيمة للمسيحية بدراسة لغة مسيحنا السريانية ليعطه الرب أن يكون في شيخوخته الصالحة متمتعاً بالصحة التامة وهو متمسك بإيمانه المتين الثخين، وفي هذه الأمسية أحبائي أرى وأنا على وشك السفر حيث سنغادر بغداد غداً صباحاً أو ظهراً إن شاء اللّه بأنني في الحقيقة بهذه الفترة القصيرة سررت جداً عندما أتكلم عن شاعر مبدع وعن أستاذ حكيم وأذكر أفضاله لا بد أن أذكر أيضاً كيف أنه أوقف مكتبته العامرة لدار المطرانية هنا في بغداد ليكون مثالاً لجميعنا عندما نسعى لتغذية مكتبات مطرانياتنا لأن بذلك غنى للكنيسة أيها الأحباء، أجل غداً إن شاء اللّه نغادر لكن ثقوا أنني لا أنسى هذه الأيام أبداً ولا أنسى أتعاب أخي نيافة الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة ولا أصحاب النيافة الأخوة الأجلاء المطارنة الذين رافقوني والمطارنة الذين جاؤوا من مراكز أبرشياتهم ليشتركوا معنا في الفرحة العظيمة بافتتاح هذه المشاريع التي أنجزها نيافته أذكر نيافة أخينا الحبر الجليل مار ديوسقورس مطران دير مار متى أذكر نيافة الحبر الجليل مار غريغوريوس صليبا شمعون مطران الموصل الذي اضطر أن يغادرنا أذكر نيافة الحبر الجليل مار سويريوس اسحق ساكا النائب البطريركي للدراسات السريانية العليا الذي غادرنا أيضاً أذكر نيافة الحبر الجليل مار ملاطيوس برنابا الذي لوضعه الصحي ولشيخوخته لم يتمكن من المواصلة معنا في كل الفعاليات التي جرت أذكر أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء أيضاً مار سويريوس ملكي مراد النائب البطريركي في القدس والأردن وسائر الديار المقدسة وأذكر أيضاً الحبر الجليل مار سلوانس الذي احترنا باسمه هل هو من تلاميذ مار بولس ولكن كلمة سلوانس اخترت هذا الاسم وعادةً البطريرك هو الذي يختار الاسم الأبوي أثناء الرسامة اخترت هذا الاسم لأنه اسم أول مطران ذكر في التاريخ لحمص منذ القرن الرابع كان اسمه سلوانس وهذا اسم جميل جداً سلوانس بطرس النعمة أذكر أخوي العزيزين مطران الأرمن الارثوذكس ومطران السريان الكاثوليك آفاك العزيز جداً على قلبي والذي أيضاً أقام لنا حفلة عشاء وفعاليات أرمنية جميلة جداً جداً ونشكره على مشاركته أخاه مار سويريوس حاوا وأذكر أخي العزيز مار أثناسيوس متى متوكة مطران السريان الكاثوليك الذي هو الآخر أقام لنا حفلة غداء عامرة بدت فيها محبته العميقة جداً وبدا فيها أيضاً الحديث عن مواصلة الحوار بين كنيستينا خاصة من الناحية الطقسية لنكون يوماً ما إن شاء اللّه كنيسة واحدة سريانية، أذكر أبنائي الأحباء الذين رافقوني من دمشق الأب الربان إيليا باهي السكرتير البطريركي الذي شنف آذان الجميع بصوته العذب أيضاً والذين لا يعرفون أنه هو أيضاً المسؤول عن المجلة البطريركية ومسؤول عن الكومبيوتر وعن الأنترنت وكل هذه الأمور التكنولوجية العزيزة والضرورية في البطريركية، أذكر عزيزنا الفاضل الابن الروحي الربان متى مدير كلية مار أفرام الكهنوتية الإكليريكية في معرة صيدنايا، أذكر الأب الربان أفرام الحنو معاون رئيس دير السيدة العذراء في تل ورديات قرب الحسكة وأحثكم جميعاً أن تزوروا هذا الدير إذا جئتم إلى سوريا وتزورا طبعاً الدير في المعرة، أذكر أيضاً الذين جاؤوا معي الأب الربان اندراوس بحي معاون السكرتير، وبقية الآباء والرهبان والكهنة الذين شاؤوا أن يشاركوكم بهذه المناسبات الطيبة أما كهنة بغداد فإني مسرور جداً إذ وجدتهم ملتزمين في الخدمة مطيعين لرئاسة الأبرشية ولتوجيهات نيافة أخينا المطران مار سويريوس حاوا الحكيمة والصائبة وأهنئ أبناء الأبرشية بكهنتهم أيها الأحباء قلت إننا نغادركم إن شاء اللّه وقد ابتهجنا بكل المشاريع التي لمسناها والتي تدل على غيرة أخينا نيافة المطران مار سويريوس حاوا وعلى التعاون التام من أبناء الشعب معه إلى ما فيه تقدم هذه الأبرشية وازدهارها، نغادركم غداً إن شاء اللّه وسوف نذكر هذه الأيام بافتخار واعتزاز ونصلي لأجلكم ليصون الرب عراقنا الحبيب من العتاة أعدائه الألداء بل أعداء الشعوب ليصون الرب هذا العراق حكومة وشعباً.

وأرجو أن تصلوا لأجلي وأنا أصلي لأجلكم والرب يحفظكم جميعاً ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

تقديس كنيسة مار بطرس وبولس ـ المصيطبة·

معالي الوزير ممثل فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد إميل لحود المكرّم.

السيد النائب ممثل دولة رئيس المجلس النيابي اللبناني السيد نبيه بري المكرّم.

معالي الوزير ممثل دولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني السيد رفيق الحريري المكرّم.

أصحاب النيافة والدولة والسيادة والسماحة والعطوفة المكرّمين،

أيها الحفل الكريم:

أشكر اللّه تعالى على هذه الفرصة التي أتاحها لي لمشاركتكم بهجة إعادة تقديس هذه الكاتدرائية الجميلة بعد ترميمها وإعادة تأهيلها.

وأشكر نيافة أخينا الحبر الجليل مار أثناسيوس أفرام برصوم مطران أبرشية بيروت على دعوته إياي لأشارككم تسبيح اللّه وتمجيده، وشكره تعالى على ما أنعم به من بركات على نيافة مطران الأبرشية الجليل، وجميع الخيّرين الذين تعاونوا معه وتناصروا في ترميم هذه الكاتدرائية التاريخية التي كان آباؤهم الميامين قد بذلوا جهوداً جبارة وأتعاباً جمة في تشييدها، ورفعت على مذبحها المقدس قرابين الأحبار الأجلاء وأدعية الكهنة الموقّرين وترانيم الشمامسة الأفاضل والمؤمنين كافة. وباركتهم القديسة العذراء مريم والدة الإله بظهور طيفها المقدس على قبة هذه الكاتدرائية عام 1970 لتقوية إيمانهم وتذكيرهم بما يجب أن يستمروا متحلّين به من الفضائل السامية ليبقوا مؤمنين صالحين في كنيستهم المقدسة ومواطنين صالحين في وطنهم الحبيب لبنان. وعلى أثر هذه الأعجوبة قرر مجمعنا الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي المقدس أن تحتفل الكنيسة بذكرى هذه المناسبة المقدسة في مثل هذا اليوم من كل عام. وحيث أن نيافته ومجلسه الملي الموقّر قرروا إعادة تقديس هذه الكاتدرائية في هذا اليوم المبارك، غدت المناسبة الطيبة مناسبتين وتضاعفت بركات اللّه عليهم جميعاً.

ويروقنا أن نكرر جزيل الشكر لنيافته على كلمات الترحيب الرقيقة الصادرة من قلبه الأخوي الكبير والتي تتعدى ضعفي إليه وإلى ابناء أبرشيته الأعزاء كما يسرنا أن نهنئ نيافته وكهنته ومجلسه الملي وجميع المؤمنين الخيّرين الذين تعاونوا معه في ترميم هذه الكاتدرائية التاريخية التي أعيد إليها رونقها وجمالها وبدت وكأنها قد شيّدت حديثاً، كما أعيد إليها دورها المهم كرمز من رموز الأخوّة اللبنانية والتآخي بين أحبائنا اللبنانيين إلى أي طائفة أو مذهب انتموا في وسط المصيطبة، هذا الحي الوطني الكريم الذي شهد في الماضي ويشهد اليوم المحبة والألفة والأخوة والتعاون بين اللبنانيين كافة.

أجل! إن المحبة اليوم هي أقوى منها في أي يوم مضى، والتعاون فعّال وقوي، والوحدة الوطنية أشد صلابة من ذي قبل، والعيش المشترك شعار مشترك مرفوع في كل حي، بل في كل بيت، وحب لبنان الواحد الموحّد يجمع القلوب ويوحّد الأهداف وإن اختلفت طرق الوصول إليها.

إن لبنان اليوم هو وطن لجميع أبنائه، وجميع اللبنانيين يملكون هذا الوطن ولا يكون لبنان إذا لم يكن لكل أبنائه.

وبيوت اللّه التي ترتفع فيها الصلوات تسبيحاً وتمجيداً للإله الواحد هي عناوين للوحدة لا للفرقة، للتلاحم لا للتنابذ، للخير لا للشر.

وحرية العبادة في هذا الوطن العزيز مكفولة ومصانة لكل الطوائف والمذاهب ويجب أن تبقى كذلك. وبدون هذه الحرية وكل الحريات التي يتمتّع بها اللبنانيون لا يكون لبنان ولا تكون رسالته. ولو شاء اللّه تعالى أن يكون الخلق كلهم في دين واحد لما كان لإرادته ومشيئته رادّ. نحن كلنا نوحّد اللّه تعالى ومن بلادنا ظهرت رسالات ودَعْوَات التوحيد. والتوحيد يجب أن يجمعنا وأن يقرّب بيننا وأن يجعلنا قدوة في التقارب والتعاون والمحبة والدعوة إلى الفضيلة والأخوة وحب الوطن.

إن تكوين لبنان بحدّ ذاته يؤدي رسالة وطنية وقومية فهو بتعايش طوائفه وأبنائه، وحريته واستقلاله، وتقدّمه العلمي، والثقافي والفني، والحضاري يشكّل النقيض للكيان الذي أقامته الأطماع الاستعمارية على أرض فلسطين، الكيان العنصري الذي يدّعي تفوق عنصر على العناصر الأخرى وجنس على الأجناس الأخرى ودين على ما عداه من أديان.

فكلما تحاببنا وتعاونا ووثّقنا روابطنا وقدنا هذا الوطن الحبيب ـ لبنان ـ إلى العلى والتقدم، كان تأثير لبنان في المعركة ضد العنصرية والتعصب ومزاعم التفوق العنصري أقوى وأكثر فعالية.

إن الدين للّه والوطن للجميع.

وطننا لبنان له رسالة في محيطه العربي وأمته وفي المنطقة والعالم. ويجب أن نرقى جميعاً إلى مستوى هذه الرسالة وكل من يسيء إلى هذه الرسالة وإلى النموذج الذي يمثّله لبنان في وجه النموذج الصهيوني العنصري المعادي للأديان، يتناقض مع مصلحة اللبنانيين والعرب وكل المناهضين للعنصرية.

إن لبنان الوطن، جميل ورائع، وهو وطن الحرف والعلم والأدب والتقدم والحضارة، فلنحفظه ولنقوِّه ولنتعاضد ونتساعد لتأدية رسالته في الساحة العربية وفي العالم.

وطائفتنا السريانية الأرثوذكسية رغم أنها ليست بين الطوائف الكبيرة العدد في لبنان، فإنها في الوطنية والإخلاص للبنان ورسالته لا تتأخر عن الصف المتقدم. وستظلّ تعمل من أجل لبنان الوطن السيد المستقل المتقدم علمياً واجتماعياً وثقافياً، الموحد الولاء والعطاء. وكل بيت من بيوت اللّه ترتفع فيه الصلاة بلغة ربنا يسوع المسيح السريانية هو بيت للتوحيد والمحبة والوطنية والأخوة والحرص على لبنان.

واحتفالنا اليوم في هذه الكاتدرائية ذات التاريخ العريق هو احتفال بوحدة شعب لبنان والتآلف والتعاون بين جميع الطوائف والفئات في سبيل لبنان الذي نحب ونريد.

عاش لبنان وعشتم، وكل عام وأنتم بخير وشكراً.

الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية·

أيها الأحباء: نعمة كبيرة من الرب فهذا اليوم هو يوم الحصاد، اليوم الذي تأخذون فيه النتائج بعد دراستكم الجدية، بإيمان وغيرة، برجاء ومحبة واندفاع للغة السريانية واللاهوت، ويطيب لي أن أشكر إدارة التربية الدينية العامة هنا الأم الراهبة حنينة هابيل والراهبات الفاضلات اللواتي تعبن كثيراً، وكنتم ترونهنَّ يتعبن، وأيضاً بما لم تروا من واجبات قمن بها. وأبناؤنا الرهبان الأعزاء، وكذلك لابدّ أن نذكر الأستاذ الأفدياقون الشماس جرجس صالح، الصالح الذي نحن نسر فيه، وهو يمثل عندنا الكنيسة القبطية الشقيقة، ويذكرنا بأن كنائسنا التي اشتركت بالإيمان واشتركت بالجهاد الجهاد الرسولي عبر الدهور، الحمد لله، تجددت روابطها وأصبحت كعقدة وثيقة لا يمكن أن تنحل.

المهم سنوزع عليكم الشهادات الآن، وأنا لا فرق عندي شخصياً النجاح الباهر، لكن المهم شيء واحد، أن الإنسان بغيرته، بالمثال الطيب، نحن ندرس اللاّهوت لكن لا يكفي أن نتعلم على الطريق، أن نمسك الخارطة وندرسها، بأن الطريق هو كذا وكذا، المهم أن نمشي فيه، فلا يكفي أن نتعلم وصايا الرب وأوامره ونواهيه، المهم أن نتمسّك بوصايا الرب، الغاية الأولى والأخيرة من دراستنا اللاهوت.

عندما بدأنا الدراسة بالدورات اللاهوتية بعد أن أسسنا بنعمة الله، رهبنة مار يعقوب البرادعي سنة 1990، كان معنا الدكتور موريس تاوضروس، وهنأني بأني سمحت للبنات أن يدرسن اللاهوت، وهذا شيء حضاري خاصة بالنسبة للغرب، فقلت له: في السنة القادمة إن شاء الله نرى الفتاة هي التي تلقي المحاضرات في اللاهوت.

واليوم راهباتنا كنّ ضمن المحاضِرات في اللاهوت، وفي السريانية في آن واحد، فهذا تقدم كبير وبركة من ربنا، وإن شاء الله نرى الكثير منكنّ وحسب ما فهمت أنكن سبقتن الشباب حتى في علاماتكن (ولا أعرف هل هو تحيز من الراهبات لأنهن بنات).

المهم أهنئ الجميع، وأسأل الله أن يمنحكم الصحة والعافية، ونشكر الله الذي أنعم علينا بهذا الدير حيث المناخ الطيب، وكنت يومياً أراقب من النافذة إلى الساعة الثانية ليلاً، كنت أشاهد البعض منكم يدرس على حافة الطريق، حتى أني أرسلت خبر أنه لا يجوز أن يكون الواحد منكم لوحده أثناء الليل…. الحمد لله انتهيتم، والحمد لله نجاحكم باهر.

نكرّم الآن الطالب الأول باللغة السريانية وله مني هدية شخصية،
فمن هو؟

الدكتورة كيما، أعرفها عندما كانت بالمتوسطة في القامشلي ثم في الثانوية وتصلنا دائماً أشعارها باللغة العربية إلى جانب أنها طبيبة أسنان وعيادتها موجودة في القامشلي، وأنا فرح بأنها الأولى أيضاً باللغة السريانية وأهنئكم جميعاً فحتى المقبول مقبول عندنا ومحبوب.

أطلب منكم أن تبلغوا سلامي وتحياتي ودعائي إلى أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء الذين بغيرتهم ومحبتهم واهتمامهم بتربيتكم التربية المسيحية الصالحة واهتمامهم بمراكز التربية وغيرها من الفعاليات في أبرشياتهم أرسلوكم إلينا، فالمطران الذي يتعاون ويرسل بنات وبنين من الأبرشية إلى هذه الدورات له كل الشكر منا، والمكافآت من ربنا، لأنه من رسالتنا نحن كأحبار في الكنيسة التعليم والتهذيب والرعاية وهذه من جملة التعليم والتهذيب لأولادنا وبناتنا، الذين نقيم منهم شموعاً مضيئة في كنيستنا وفي مجتمعاتنا الدينية والروحية، سلامي وتقديري لأصحاب النيافة والكهنة وكل المؤسسات الموجودة في أبرشياتنا وإن شاء الله نراكم في كل سنة، وإن أراد الله يتخرج منكم أيضاً من يكمل الثلاث سنوات وبعدها يقدم الأطروحة ويأخذ دبلوماً في اللاهوت واللغة السريانية ليس فقط شهادة، والرب يبارككم.

تقديس كاتدرائية مار أفرام ـ سيدني·

أشكر اللّه لأنه حقّق حلماً كان يراودني منذ ربع قرن تقريباً، يوم أرسلني سلفي الطيب الذكر لأتسلّم مسؤولية القيام بمطرانية هذه البلاد استراليا العزيزة يوم كنت مطراناً لبغداد والبصرة، وبالإضافة إلى ذلك عيّنني سلفي مطراناً بالوكالة لهذه الكنيسة المقدسة، وقمت بزيارة استراليا بنعمة اللّه ورأيت الشعب المبارك وقد اشترى له كنيسة وداراً للكاهن. كما أنه أيضاً طلب كاهناً فأرسل سلفي الطيب الذكر أول كاهن لأستراليا هو عزيزنا الروحي الفاضل القس زكريا زيتون (الخوري بعدئذ) وبتعاونهم جميعاً استطاعوا في هذه الأيام أن يشيّدوا هذه الكاتدرائية الجميلة، وأنني لأثني الثناء الجزيل على الكاهن وعلى المجلس الملّي، وعلى مهندس هذه الكنيسة ومنفّذ تشييدها بهذا الجمال الرائع الذي جمع فيه الحضارة السريانية العريقة مع حضارة استراليا في تشييد الكنائس.

أيها الأحباء! أهنئكم جميعاً بهذه الكاتدرائية وإنني أطلب من اللّه أن يعوّض لكل من تبرع بسخاء ليجعل من هذا الحلم الجميل حقيقة روحية، ويجعل هذه الكاتدرائية فخراً للكنائس المسيحية في هذه البلاد كذلك أسأله تعالى أن يمتّعكم بالصحة التامة والعافية وأن يستجيب الصلوات التي ترفعونها إلى اللّه تعالى في هذه الكاتدرائية. فهذا المبنى كان قبل ساعات مجرّد مبنى، ولكن لقيامنا بصلوات التقديس ومسحنا إياه بالميرون المقدس أصبح بيتاً مقدساً للّه. وكما حلَّ الروح القدس في العهد القديم على الهيكل الذي بناه سليمان، هكذا حلَّ الروح القدس على هذا البيت ليكون مسكناً للّه. إن اللّه تعالى موجود في كل مكان ولكنه موجود خاصة في البيت الذي يكرَّس على اسمه، وهذا البيت هو بيت اللّه وإن دعوناه باسم القديسين والعذراء مريم ولكنه حقاً الهيكل الذي يسكن فيه اللّه تعالى، لذلك عندما نصلي يستجيبنا اللّه في هيكله المقدس وعندما ندخل إلى الكنيسة التي كرست وقدّست ومُسحت بالميرون علينا أن نشعر بوجود اللّه، فندخل إلى الكنيسة بخشوع ونصلي بتقوى وبمخافة اللّه وبتواضع ووداعة لكي يستجيب اللّه صلواتنا.

أيها الأحباء: ليكافئ اللّه كل من تبرّع ويتبرّع لتشييد الكنائس، ليعطِ الرب قوة للذين يهتمون بكنائس الرب، لتكن هذه الكاتدرائية أيها الأحباء مكاناً مباركاً يجتمع في رحابه أولادكم وأحفادكم لكي يكرسوا أنفسهم للّه، فنحن كنيسة اللّه لأننا مؤمنون بالمسيح يسوع ربنا، رب الكنيسة، التي أسّسها على صخرة الإيمان به أنه ابن اللّه الوحيد، العقيدة التي أوحتها السماء للرسول بطرس الذي استحق أن ينال الطوبى من الرب لأنه تقبل الوحي من اللّه وأعلنه بإيمان متين ثخين. كذلك أيها الأحباء عندما نكرّس كنيسة ما نشعر بأننا هياكل اللّه كما قال الرسول بولس، وأن روح اللّه حالّ فينا فالروح يحلّ في الكنيسة ليبقى فيها ولا يغادرها طالما أعضاؤها متمسّكون بالرب. عندما جاء المخلص إلى بني إسرائيل، إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. عندما صلب شعب موسى الرب يسوع المسيح فمات على الصليب وهو الإله المتجسد، حينذاك صرخ الروح القدس في هيكل سليمان لنغادر هذا المكان. ما أرعب هذا الأمر إن الروح القدس يبقى معنا طالما نحن على علاقة مقدسة مع اللّه الآب والابن والروح القدس فعلينا أن نحذر. أيها الأحباء: الروح يحلق في هذه الكنيسة وهو الآن معنا وهو مرشدنا وهو معزينا وهو الذي يذكرنا بكل ما أوصانا به السيد المسيح. والروح القدس يحلّ علينا لأننا هياكل اللّه فإذا لم تكن هذه الهياكل نقية طاهرة فإن الروح يغادرها، وليس فقط يغادر الروح القدس نفوس الناس الذين يبتعدون عن اللّه بل إن الروح النجس يحلّ فيهم كما حدث لشاول ولذلك فداود النبي وهو يناجي الله، بعد سقوطه بالخطية قال: «وروحك القدوس لا تنزعه مني»(مز 51: 11).

ليبقَ الروح القدس أحبائي في هذه الكنيسة المقدسة إلى الأبد، وليمكث الروح القدس فينا جميعاً لكي نصير كنارات الروح نمجد اللّه في بيته المقدس هذا وفي هيكله المقدس.

أيها الأحباء: أختم كلامي بالدعاء إلى اللّه ثانية وكل مرة، أن يستجيب صلواتنا في هذا المكان، أن يجعل تكريس هذه الكنيسة سبب بركة ونعمة لكم جميعاً، أن يكافئكم على كل ما تبرّعتم وتتبرّعون به في سبيل تشييد بيوت اللّه وأن يكافئ كل العاملين في سبيل تقدم الكنيسة وازدهارها ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

رعية مار توما ـ ولونغونغ·

تعلمون إنني منذ مدة طويلة يوم كنت مطراناً لبغداد والبصرة، وبعد تنصيبي بالنعمة لا بالاستحقاق بطريركاً وأباً لهذه الكنيسة في كل مكان كنت كلما أقوم بزيارة استراليا فلا بدَّ من أن أزور ولونغونغ وكنتم رعية بدون كنيسة فكنت أزوركم في دوركم معتبراً أنكم أنتم الكنيسة، أشكر اللّه أنكم كرعية صغيرة لكن مباركة ومحبوبة من المسيح استطعتم أن تشتروا لكم كنيسة وما نطلبه هو أن تشيع المحبة بين الجميع. أشكر اللّه تعالى الذي ألهم إخوتكم في استراليا أن يساعدوكم وأن يحبوكم وخاصة الكهنة الأحباء، وعزيزنا الفاضل الخوري زكريا زيتون له أتعاب كثيرة معكم كما له أتعاب في استراليا كلها وفي نيوزيلندا. وإنني لمسرور أيضاً أن يوجد معنا الآباء الكهنة الأب الفاضل الخوري بطرس من بيرث والأب الفاضل القس أفرام أفرام من ملبورن وبقية الآباء من هنا وهناك وهذه الزيارة تبرهن على أنهم يحبونكم كثيراً وجاؤوا ليشتركوا معكم أثناء زيارتنا إياكم في هذه المرة في الكنيسة التي هي علامة لجهادكم وأتعابكم. وإنني أشكر كاهنكم الفاضل الأب عبدالأحد زيتون الذي هو كاهن مثقف ومحب وله إيمان وغيرة في خدمة هذا الشعب المبارك وهذه الكنيسة المقدسة، وأشكره على كلماته الطيبة التي فاه بها بالنيابة عنكم جميعاً. أتمنى لكم أيها الأحباء السعادة في هذه الحياة والحياة الأبدية وإنني لمسرور أن كاهنين من كنيستين شقيقتين يشتركان معنا أيضاً في هذا الاجتماع المبارك، ما أطلبه هو أن نكون جميعاً متعاونين بما فيه صالح الكنيسة وتقدمها وازدهارها ونربي أولادنا في هذه البلاد على التمسك بالعقيدة والتقاليد السامية واللغة السريانية المقدسة ليكونوا أيضاً كهنة وشمامسة، وأشكر الشمامسة كثيراً على مشاركتهم إيانا هذه الفرحة بزيارتكم، وأشكر جميع المؤمنين الذين جاؤوا من أماكن عديدة لكي يشاركوكم أيضاً هذه الفرحة ويزيدوا فرحتنا بوجودهم معكم، وفي زيارة عتيدة، إن شاء اللّه وأبقانا أحياء، نزوركم ونحن نحتفل بتكريس كنيسة كبيرة وجميلة تشيّدونها كما فعل إخوتكم بالرب السريان في سيدني، والرب يبارككم جميعاً باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.

كنيسة الأقباط الأرثوذكس ـ كيلدفورد·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء، الآباء الكهنة الأحباء،

أيها الشعب المبارك القبطي والسرياني، باسمي وباسم صاحبي النيافة الحبرين الجليلين مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان وسكرتير المجمع المقدس ومار سويريوس صليبا توما مطران زحلة والبقاع في لبنان والسكرتير البطريركي الربان إيليا باهي وكذلك الأب الخوري زكريا زيتون كاهن كاتدرائية مار أفرام في سيدني وباسم الشعب السرياني في هذه المدينة المباركة، نود أن نشكركم جميعاً على شعوركم الطيب باستقبالنا بإيمان متين ثخين ومحبة مسيحية عميقة، وأشكر أخي صاحب النيافة الأنبا سوريال أسقف ملبورن ونيوزيلندا على الكلمات الطيبة التي فاه بها بالإنكليزية وما سأقوله عن العلاقة التاريخية والروحية والإيمانية بين الكنيستين الشقيقتين القبطية الأرثوذكسية والسريانية الأرثوذكسية هو بنفس الخط وذات الروح، كما أنني أدعو اللّه أن يوصل نيافة الأنبا دانيال أسقف سيدني إليكم بالسلامة لتفرحوا بتنصيبه وتنالوا بركته وتبتهجوا جداً بأسقفكم الذي يليق بخدمتكم ونهنئه بكم ونهنئكم به وليوفّقه اللّه بالخدمة.

أشكر الأب الفاضل القمص تادرس سمعان نائب نيافة الأسقف في هذه المدينة على هذا الاستقبال الحافل وهذا التكريم وهذه المحبة العميقة. أيها الأحباء: ربما أكون أنقل إلى العربية ما قاله سيدنا سوريال بالإنكليزية، إننا ككنيستين شقيقتين وكشعبين يحب الواحد الآخر محبة مسيحية عميقة وقد اتحد الواحد بالآخر بالمسيح يسوع ربنا وتمسك الشعبان بإيمان الآباء القديسين بدءاً من الرسل، ولم يحيدا قيد أنملة عن دساتير الإيمان التي أعطيت للكنيستين بوساطة القديسين مار بطرس ومار مرقس وبقية الآباء القديسين، إننا نفخر جداً بآبائنا لأنهم حافظوا على جوهرة الإيمان بدمهم الكريم وسلّموها إلينا نقية طاهرة ثمينة جداً، وبذلك نهجوا لنا السبيل إلى ملكوت اللّه. إيمان صوري وإيمان عملي وحياة مقدسة اتصفت بالنسك والزهد والتقشف والتواضع والوداعة، وجعلت أولئك الآباء الذين كانوا علماء أفذاذاً يدافعون عن حياض الكنيسة وهم يعلنون الإيمان الأرثوذكسي كما ذكر سيدنا سوريال، نذكر بفخر آباءنا العظام أثناسيوس كيرلس ديوسقوروس، كما نذكر أيضاً آباءنا السريان سويريوس العظيم الذي دعي تاج السريان الذي عندما اضطهد من المملكة البيزنطية ذهب إلى مصر وعاش في بيت مؤمن قبطي بتواضع ووداعة وخلال عشرين سنة دار دفة سفينة الكنيسة في أنطاكية برسائله النفيسة. نذكر إلى جانبه فيلكسينوس الشهيد الذي استشهد خنقاً بالدخان في سبيل تمسكه بالإيمان وأذكر بقية الآباء، وإننا نقول أيضاً بأننا نكرّم آباءنا الأقباط والسريان في الكنيستين، فالأقباط يذكرون في الصلاة سويريوس قبل كيرلس ونحن السريان نذكر كيرلس قبل سويريوس. هذه علامة محبة، هذه علامة وحدة بالإيمان وشركة تامة بإعلان هذا الإيمان أمام اللّه والناس، على نهجهم نسير وعلى منوالهم ننسج، وفي هذا العصر قام لنا عظيم أحبار تفتخر به الأرثوذكسية والمسيحية كافة هو قداسة البابا شنودة الثالث، وهو يعتبر عميد بطاركة الكراسي الرسولية الأرثوذكسية الشرقية، مرشد الشبان كما قيل عن مار أفرام، الواعظ الناجح والشاعر المصقع والكاتب المبدع. هذا هو الإنسان الذي أقامه اللّه ليكون راعياً صالحاً لكنيسته لكرسي مار مرقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في كل مكان في الوطن والمهجر، إنه إنسان أعجوبة وفي كل مكان يحلّ تحلّ البركة والنعمة، بل أيضاً يمنح قوة وشجاعة روحيتين لهذا الشعب المبارك في الوطن والمهجر فنحن نفخر به. إنني أشعر في هذه اللحظات أن قداسته معنا أيضاً وأشكره كثيراً لأنه أوعز إلى أخينا العزيز الحبر الجليل الأنبا سوريال ليتجشّم عناء السفر من ملبورن إلى سيدني ليكون في مقدمة من استقبلني، لتكون هذه العلامة، علامة الشركة، واضحة للعالم أجمع أننا كأقباط وسريان كنيسة واحدة نبتهج ونفرح بآباء الكنيسة معاً لأننا نرى فيهم إلى اليوم آباء معترفين في سبيل التمسك بالإيمان في كل مكان ومجاهدين أن يكون هذا الشعب كما كان آباؤه بتمسكهم بعقيدتهم السليمة السمحة كما تسلموها من الآباء القديسين باقتدائهم بأولئك الآباء بالسيرة الفاضلة والسريرة النقية الطاهرة ليكونوا خاصة في المهجر مثالاً طيباً للمواطنين الصالحين في بلاد فتحت ذراعيها واستقبلتهم بترحاب ونالت بركة الشرق بوساطتهم. في الختام أكرر شكري لكم جميعاً على لطفكم الجمّ وشعوركم الطيب وأدعو لكم بالصحة التامة والتوفيق الجليل والعمر الطويل ونيل بركة الرب يسوع في كل حين بصلاة سيدتنا العذراء مريم وجميع القديسين آمين.


تقديس كنيسة مار أفرام ـ ملبورن·

أيها الأحباء:

نشكر اللّه على النعمة التي أسبغها علينا في هذا اليوم المبارك حيث قد أهلنا أن نقوم بتقديس هذه الكنيسة الجديدة المباركة، وبرسامة الابن الروحي الفاضل الأب اسكندر أفرام خورياً، يشاركنا في ذلك في هذه الخدمات الروحية أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء الأنبا سوريال مطران ملبورن ونيوزيلندا لإخوتنا الأحباء الأقباط الأرثوذكس ونيافة مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان وسكرتير المجمع المقدس ونيافة مار سويريوس صليبا توما النائب البطريركي في زحلة والبقاع، وقام بالخدمة الكهنة والشمامسة والشماسات وجوقة الترتيل الممتازة، واشتركتم أنتم أيضاً معنا أيها الأحباء بالصلاة والتضرع إلى اللّه الذي أنعم علينا بهذه الهبة السامية وأبهجنا بافتتاح هذه الكنيسة الجميلة وتقديسها وتكريم كاهنها العزيز الأب اسكندر أفرام مكافأة له على جهوده في خدمة رعية اللّه وخدمة التعليم خاصة.

أيها الأحباء: في العهد القديم نرى أن داود أراد أن يبني الهيكل ولكن اللّه منعه ولئن كان داود قد أعدّ كل المواد المحتاج إليها في بناء هذا الهيكل، وكان سبب منعه لأن يديه كانتا قد اتسختا بسفك دم الناس الأبرياء، وسمح لسليمان أن يقوم بهذا العمل وعندما قام سليمان ببناء الهيكل وقف أمام اللّه طالباً منه أن يسمع صلوات الذين يقدمون صلواتهم بإيمان باللّه في ذلك الهيكل. نحن نؤمن أن الروح القدس حلّ على هيكل سليمان وفيه، لكن عندما أخطأ الشعب خطيته العظيمة عندما صلب ذلك الشعب العاتي المسيح يسوع الإله المتجسد وأماتوه على الصليب حينذاك سمع صوت من الهيكل قائلاً: لنغادر، فغادر الروح ذلك المكان. لقد كان هيكلاً مقدساً عندما حلّ فيه الروح القدس، ولكن أصبح مكاناً بسيطاً عندما حاد ذلك الشعب عن شريعة اللّه. عندما جاء المسيح المنتظر مشتهى الدهور جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله، لذلك جاء صوت من الهيكل لنغادر فغادر روح اللّه ذلك المكان.

عندما نقدّس مكاناً ليكون بيتاً للّه وهذا البيت الكنيسة المقدسة التي أسّسها المسيح يسوع على صخرة الإيمان به بأنه ابن اللّه الحي، هذا البيت هو المرموز إليه، هو ملكوت اللّه على الأرض، الملكوت الذي يهيئنا نحن المؤمنين بالمسيح يسوع ربنا مخلص العالم لنرث معه الملكوت السماوي إذا كنّا متمسكين بشريعته، بعدما يحل الروح القدس على البيت الذي يخصص ويفرز ليكون بيتاً للّه يتضمن كل الأسرار المقدسة فيولد الإنسان فيه ثانية من جرن المعمودية ليكون ابناً أو بنتاً للسماء «مولودين ليس من مشيئة رجل ولا من مشيئة جسد بل من اللّه» ليصيروا أولاد اللّه يمسحون بالميرون المقدس لكي، كما يحل الروح القدس على البيت البسيط ليكون مسكناً للّه كذلك يحل على الذي قد اعتمد باسم المسيح ومسح بالميرون المقدس ليصير ابناً للّه بل هيكلاً للّه كما يدعونا الرسول بولس. كان هذا المبنى بيتاً بسيطاً اشتراه المؤمنون في رعية مار أفرام في ملبورن بقيادة ورعاية كاهنهم الفاضل الأب الخوري إسكندر أفرام والمجلس الملي والجمعيات جميعاً وكل من كان عضواً في هذه الكنيسة، وهذا هو المهم أن يكون الإنسان المسيحي عضواً في كنيسته المقدسة وعضواً حياً مهتماً في تقدم الكنيسة وازدهارها، عضواً متفاعلاً بكل فعاليات الكنيسة الروحية حينذاك يكون قد حلّ عليه الروح القدس كما يحلّ أيضاً على المكان الذي يدعى باسمه.

نسمي الكنائس باسم العذراء مريم الدائمة البتولية، نسمّيها باسم أحد القديسين كما دعيت هذه الكنيسة باسم مار أفرام، لكن الكنيسة هي بيت اللّه، هي أمنا وهي معلمتنا، نولد فيها من جرن المعمودية أولاداً للّه بالنعمة، ومنها نتعلم التعاليم المقدسة ومبادئ الإيمان القويم الرأي، لأن الروح القدس مهمته أن يرشدنا إلى الحق وأن يعزّينا وأن يشجعنا عند الشدة.

هذه الكنيسة اشتراها المؤمنون بإيمان متين ثخين وبسخاء عظيم، اشتراها المؤمنون وحوّلوها إلى كنيسة بحسب طقسنا السرياني كالشكل الذي أخذناه من آبائنا والذي كان أيضاً في العهد القديم كما رآه موسى في الجبل، رأى الكنيسة المقدسة كما هي الآن وعلى مثالها كانت خيمة الاجتماع ثم هيكل سليمان. الكنيسة أم ومعلمة أيها الأحباء، فعلينا أن نطيعها لأنها مسؤولة عن خلاصنا. عندما أعلن الرب حقيقة تأسيس كنيسته قال للرسول بطرس الذي أُلهم حينذاك من السماء فاعترف بالمسيح يسوع ابن اللّه الحي قال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا لأن لحماً ودماً لم يعلنا لك بل أبي الذي في السموات وقال له: أنه قد دعاه كيفا (بطرس) وعلى هذه الصخرة صخرة الإيمان بالمسيح يسوع أنه ابن اللّه هذا الإيمان يشمل كل عقائدنا السماوية التي تسلمناها من السماء هذا الإيمان يعلن لك أن المسيح هو الإله المتجسد وهو المخلص على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. والكنيسة معلمة كما قلنا وهي رئيسة في آن واحد ومرؤوسة، المؤمنون هم الكنيسة وهم مرؤوسون من المؤمنين الذين يختارهم اللّه كما اختار هارون ليكونوا مقدمين القرابين عن خطاياهم وعن خطايا الشعب، هذه الكنيسة نسمّيها الكنيسة الرئيسة التي عناها الرب عندما علّمنا كيف يتصالح أحدنا مع أخيه أن يعاتبه لوحده أولاً ثم يأتي بشاهدين أو ثلاثة لأن على فم شاهدين أو ثلاثة تقام كل كلمة هكذا قال الرب، وإن لم يسمع منهم قال الرب فليعرض هذا الإنسان أمره للكنيسة، لا للكنيسة ككل بل للكنيسة الرئيسة، الكنيسة المعلّمة الكنيسة المسؤولة، لمن أعطي سر الكهنوت المقدس، حينذاك قال: إن لم يسمع من الكنيسة يكون كالوثني والعشار. والكنيسة الرئيسة هي الآباء الذين قد نالوا نعمة الكهنوت، فلا كنيسة دون كهنوت. العديد من الناس يفصلون أنفسهم عن الكنيسة مدّعين أن لهم سلطاناً أن يتّصلوا بالمسيح يسوع مباشرة، هذا واضح أن لنا هذا السلطان أن نجثو أمام المسيح، أن نطلب إليه ما نحن بحاجة إليه وخاصة الأمور الروحية، لكن أيضاً أوجد اللّه في الكنيسة سر الكهنوت عن طريقه ننال التبرير والتقديس بل أيضاً التبني بسر المعمودية فلا بد أن يكون هناك الكاهن. مار إغناطيوس النوراني ثالث بطاركة أنطاكية يقول: لا كنيسة بدون أسقف أو رئاسة روحية أسقفية، الأساقفة الذين يمثلون الرسل الاثني عشر والذين نالوا هذه الرتبة السامية عندما رفع ربنا يسوع يديه وباركهم بعد أن ائتمنهم على بشارته الإنجيلية لينشروها في العالم أجمع ويكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن، أعطاهم سر رئاسة الكهنوت وهم أعطوا الآخرين سر الكهنوت بوضع اليد، فهذه النعمة الإلهية تدلنا على أنه لا توجد كنيسة بدون كهنوت ولا نستطيع أن ندعو أي جماعة كنيسة ما لم تكن مرتبطة برئاسة الكنيسة المقدسة، وإلا ستكون كالغصن الذي يفصل نفسه عن الكرمة فييبس ويلقى في النار. فلا عجب إذ ربطنا هذا اليوم برسامة الأب الخوري إسكندر بعد تقديس هذه الكنيسة المباركة المقدسة ورسمناه خورياً، والخوري هو المتقدم بين الكهنة هذه نعمة عظيمة ينالها الإنسان وهو وكيل المسيح بالذات كما تلي عليكم الإنجيل المقدس عن الكاهن. والأب الخوري اسكندر يستحق هذه الدرجة بجهاده بأتعابه في خدمة الرب بكل إدارته الرشيدة لأبناء الكنيسة وجذب الشباب إلى خدمة الكنيسة وتعليمهم مبادئ الإيمان واللغة السريانية المقدسة، فنهنئه على ذلك كما نهنئه بكم ونهنئكم جميعاً به كاهناً فاضلاً ونهنئكم ونهنئه أيضاً بتقديس هذه الكنيسة طالبين من اللّه أن يسمع صلوات كل من يقدم صلاته في هذه الكنيسة، وأن يتقبل الرب القرابين التي تقدم على مذبحها وليرحم موتاكم المؤمنين وليبارك كل من تبرع في سبيل شراء هذه الكنيسة وتحويلها إلى كنيسة سريانية أرثوذكسية أنطاكية، وليعوّض الرب لهم ولكل الذين يتبرّعون أيضاً الآن وفي المستقبل في سبيل تمجيد اسمه القدوس في هذه الكنيسة وفي كل مكان ولتكن هذه الكنيسة مباركة عليكم أيها الأحباء ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

زيارة مطرانية الأقباط الأرثوذكس ـ بيرث·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء

الآباء الأعزاء، أيها المؤمنون.

أشكر اللّه على هذه الفرصة الذهبية التي أتيحت لي لألتقيكم ههنا في هذا المقر المطراني الجليل وأهنئكم به وفي هذه الكنيسة التي سمّيت باسم حامي الإيمان القديس العظيم مار أثناسيوس الرسولي وإنني لممتن جداً لأخي صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا سوريال مطران بيرث ونيوزيلندا الذي نرى فيه كتلة من الإيمان والغيرة والنشاط الذي حتى بصَمْته يعلمنا كيف نكون معلنين الإيمان، الإيمان الأرثوذكسي الذي في سبيله قدم آباؤنا الأقباط والسريان دمهم على مذبح محبة الرب يسوع. إن أفضال نيافته كثيرة معنا منذ ابتدأنا زيارتنا الرسولية لهذه البلاد المباركة أستراليا وهذا فضل جديد لنيافته حيث أرادنا أن نلتقي بأبنائنا ببيرث عبر وسيلة جديدة تبرهن على تقدم العلم والتكنولوجيا التي نشكر اللّه أننا نستغلها لتمجيد اسمه القدوس، هؤلاء أبنائي الأعزاء أهل بيرث وكاهنهم الفاضل عزيزنا الروحي الفاضل الأب الخوري بطرس توما، وكاهن إخوتهم الأقباط الأرثوذكس الأب أبرام الذي نرى في وجهه صورة الآباء القديسين الأتقياء، أرى في هذه الخطوة أمراً عظيماً فقد كنت مشتاقاً أن أرى هذه الصورة الجميلة هذه الوجوه الكريمة وتدمع عيني وعيونهم أيضاً في هذا اللقاء لأنني أحفظ لهم كل الود وكل المحبة، كأبناء وبنات روحيين أعزاء التقيتهم قبل سنين وكرّرت التقائي بهم ومحبة بهم عينت لهم أباً فاضلاً وعلاّمة أعرفه معرفة جيدة بغيرته ومحبته هو الأب الخوري بطرس توما، وزرته هناك مع تلك الرعية التي دعوتها بالقطيع الصغير التي شاء الرب أن يعطيه الملكوت ولمست الرعاية الصالحة، ولمست التعليم المستقيم الرأي، لمست المحبة لهؤلاء الذين غادروا أوطانهم ولم يبالوا لا بقلتهم ولا بغربتهم بل اعتبروا أنفسهم وهم قريبون من الرب يسوع متمسكين بالإيمان القويم، إنني أهنئهم به وإنني لمسرور جداً أن أبناءه جميعاً بنين وبنات مثال للمؤمنين الصالحين الذين يخدمون الكنيسة إلى جانب مكانتهم السامية في وظائفهم، يخدمون الكنيسة بغيرة ومحبة وإنهم عنوان لأناس التزموا بالحركة المسكونية الصحيحة جداً وبدء الحركة المسكونية عندنا أن نرجع إلى تاريخنا ونرى آباءنا الأقباط والسريان كيف جاهدوا في سبيل الحفاظ على الإيمان واتباع الآباء القديسين أثناسيوس الكبير المجاهد الرسولي، كيرلس الذي حدد الإيمان المستقيم الرأي، ديوسقوروس الذي اضطهد في سبيل الكنيسة أيضاً، ونأتي إلى السريان سويريوس تاج السريان إلى جانب مار أفرام الذي كان شماساً إلى جانب مار أثناسيوس وكان أيضاً شماساً في مجمع نيقية ومن هناك اقتبسا كيف يجب أن يحافظ المؤمن على إيمانه الذي تسلمه من آبائه وأن يجاهد في سبيل نشره وتصحيح الآراء الفائلة التي كان في ذلك العصر عديدون ممن ينشرونها ومحاربة الهرطقات والبدع الشائنة، فأثناسيوس كأفرام، وأفرام كأثناسيوس ولكن أثناسيوس في الإسكندرية انتشر خبره وتعظّم، وأفرام في نصيبين والرها شماس خدم مدرستين مدرسة نصيبين أولاً ثم مدرسة الرها وعلم الفتيان لأول مرة أن ينشدوا كجوقة ترانيم للرب وكلها تعلن الإيمان بالمسيح يسوع ابن اللّه الحي.

إنها لفرصة سعيدة نسأل الرب أن يبارك جميعكم ويبارك قطيعنا الصغير المحبوب في بيرث السرياني والقبطي في آن واحد ويهبنا جميعاً نعمة التمسك في الإيمان والشهادة للمسيح يسوع، ثم أخيراً أن يمنحنا بعد العمر الطويل ملكوت اللّه ونعمته تشملكم دائماً أبداً أمين.

ولا بدّ أيها الأحباء وأنا بموقفي هذا وفي هذه الكنيسة المقدسة بالذات وأمام الشعبين اللذين هما شعب واحد بالإيمان، القبطي والسرياني، أن أحيي أخي وشريكي في الجهاد الرسولي الذي هو أبو النهضة أبو الإصلاح أبو الرهبانية أبو الكنائس في الوطن والمهجر قداسة الحبر الأعظم الأنبا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الذي ندعوه عميد بطاركة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية في عصرنا هذا ونفتخر بجهاده وأتعابه، نفتخر بأنه ثالث عشر الرسل. كم مرة اشتركت مع قداسته بحضوري اجتماع الأربعاء، الاجتماع الأسبوعي الذي يقوم به والذي يجتمع فيه ألوف مؤلفة من المؤمنين ليستمعوا إلى عظاته القيمة وإلى نصائحه وإرشاداته هذا الأمر الذي جعلنا أن نعتز ونفتخر بقداسته نسأل اللّه أن يمد بحياته الغالية لكي يعطي ثمار الروح ليس فقط للكنيسة القبطية الأرثوذكسية الشقيقة العزيزة بل أيضاً للكنائس الشرقية عامة بل للمسيحية، وإن جهاده في سبيل الحفاظ على الإيمان ونشره وفي سبيل نشر البشارة الإنجيلية في كل مكان ورعاية المسيحيين في المهجر أمر معروف ومشهود له بالفضل وإنني إذ أهنّئ الكنيسة القبطية الشقيقة برئيسها وأبيها العام قداسة البابا شنودة أسأل اللّه أن يجعل أعضاء هذه الكنيسة في المهجر ككنيسة الآباء الأقباط والسريان في الوطن سبباً للحفاظ على الإيمان القويم الرأي وفخراً للتمسك بالفضائل المسيحية السامية ليكونوا شهوداً صادقين للرب يسوع في كل مكان يحلون ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

عيد الميلاد المجيد·

أيها السامعون الكرام:

وفي هذه الأيام المجيدة، تتطلع عيوننا إلى الأرض المقدسة، إلى بيت لحم، إلى مهد سيدنا يسوع المسيح، وإلى أبنائنا وإخوتنا في هذه المدينة المقدسة وفي كل الأراضي المقدسة الواقعين جميعاً أسرى عند عدوٍ لا يعرف الله ولا يحترم مقدساته ولا يقيم وزناً لأرواح الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، ويرتكب كل يوم جرائمَ ضد الإنسان وضد الجماد ويخرقُ كلّ مواثيق وقوانين المجتمع الدولي وأعراف الإنسانية والحضارة.

ونتوجه إلى أبنائنا وإخوتنا في الأراضي المقدسة قائلين:

يا أبناء بيت لحم مدينة المسيح.

ويا أبناء فلسطين، في القدس والناصرة، في نابلس وحيفا، في رام الله وعكا، في جنين وأمِّ الفحم، وفي كل مدن وقرى وجبال ووديان وسهول فلسطين: اصبروا ولا تيأسوا، أنتم المنتصرون بإرادة الله وهم الخاسئون بإذنه تعالى. والغد المشرق آتٍ لا محالة، هو لكم والخُسران لهم. ولن تنتصر على الأرض المقدسة إلا إرادة الله ومشيئته. ولن ينتصر الشر على الخير ولا الحقد على المحبة، ولا الغدر على التسامح ولا الموت على الحياة، ولا التمييز على المساواة.

انظروا إلى الذين يبتزّون العالم باسم «المحرقة والتمييز العنصري» كيف يتصرّفون في فلسطين كالوحوش الضارية.

إن الجريمة جريمة!! سواء ارتكبها أبيض أو أسود أو أسمر أو أشقر.

والمجرم مجرم مهما كانت عقيدته أو دينه أو مذهبه، ولا تتبدل المسؤولية والعقوبة بتبدل الأجناس والأديان والعقائد والآراء.

وأن يعتنق إنسانٌ ما عقيدةً ما أو ديناً ما، فهذا لا يعطيه جوازاً لارتكاب الجرائم وسفك الدماء وإزهاق الأرواح واضطهاد الآخرين واغتصاب حقوقهم واستباحة أراضيهم.

إن أرضنا المقدسة أسيرة اليوم، وفيها تُسابق عنجهية القوة الحق والعدل، ورغبةُ التسلّط الحكمة والتعقّل، وغرورُ التفوّق الشرعية وقواعدها. لا يُسأل القاتل عما فعل ويسأل القتيل لماذا ينتفض تحت السكين، وتؤخذ الضحية بفعل جزارها.

أيها الأحبة:

إن كنيسة المهد محاصرةٌ اليوم، محاصرةٌ ككل يوم منذ عامين، ومهدَ المسيح محاصرٌ ولكن مَنْ يحاصر مَنْ؟

إن صاحبَ المهد وصاحبَ المجد هو مع شعبه، مع المؤمنين، مع المظلومين والمضطهدين المسروقة أرضهم والمصادرة حقوقهم، مع المشردين من بيوتهم المطاردين في وطنهم. وهو ليس مع الظالمين والمجرمين وقتلة الأطفال ومدمّري الكنائس والمساجد وبيوت الناس، وآسري الأماكن المقدسة.

ولسوف يقتصُّ الله من القتلة والمجرمين والسفاحين، وقصاصهم الآتي لن ينتظر طويلاً.

ولسوفَ يجزي الله الأتقياء والأنقياءَ بالحرية والكرامة والسعادة والمستقبل الأفضل.

ولن يكون يوم الحساب بعيداً.

وفي الوقت الذي تنفطر فيه قلوبنا لما تتعرّض له الأرض المقدسة وأبناؤنا وإخوتنا وأحبتنا هناك في فلسطين، تقلق نفوسنا على بلد شقيق لسوريا هو العراق. هذا البلد العربي العزيز، يتعرّض وأهله لتهديد متواصل بالعدوان الذي لا مبرّر له ولا داعي له. والمهددون بشنّ الحرب على العراق استناداً إلى اتهامات غير ثابتة وإلى أساطير وادعاءات لا صلة لها بالواقع، يتعامون عن أسلحة الدمار الشامل المكدّسة لدى محتلي فلسطين.

ونحن ندعو الله تعالى أن يأخذ بيد سيادة الرئيس الحبيب الدكتور بشار الأسد، الذي يوجّه كل جهوده ويركبُ كلَّ مركبٍ متيسّر له لإنقاذ العراق من أيدي وحوش العدوان ومن النار التي يهددونه وشعبه بها، وأن يقود الله تعالى إلى النجاح جهوده من أجل السلام لشعب العراق الحبيب، ومن أجل الحرية والاستقلال والسلامة لشعبنا في الأراضي المقدسة. ونرجو الله أن يَمُدَّه بالقوة والحكمة والشجاعة لمواجهة الظرف الصعب الذي نعيشه، وأن يقودَ خطاه إلى النصر على الشر وأعداء الشعوب وطلاب الحروب.

ويشاركنا هذا الدعاء أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في جميع أنحاء العالم، وكلُّ من يحبّ بلاده ويحرص على مقدّساته ويسعى إلى خير البشرية، وكذلك كلّ الناس المحبين للعدل والحرية والسلام في العالم.

وبكل محبة وتقدير نتقدّم من رئيسنا الحبيب والشجاع الدكتور بشار الأسد بأجمل التهاني والدعاء بمناسبة عيد ميلاد سيدنا يسوع المسيح. وكل عام وأنتم بخير.

من عظات عام 2003

من عظات عام 2003

تقديس كنيسة مار يعقوب السروجي ـ حماه·

أيها الحضور الكرام:

نشكر الله على إتاحته هذه الفرصة الذهبية لنا ولبعض إخوتنا المطارنة الأجلاء، فلبينا دعوة أخينا الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماة وتوابعهما وأعضاء المجلس الملي لرعية حماة السريانية الأرثوذكسية، وجئنا إلى مدينة حماة التاريخية لنقدّس كنيسة مار يعقوب السروجي التي شيدتها فيها رعيتنا المباركة.

أجل إننا عادة نشيّد مبنى، ونفرزه لعبادة الله ونقدّسه بحسب طقسنا السرياني الأرثوذكسي الذي ورثناه عن آبائنا القديسين فندعوه كنيسة نخصصها لتمجيد اسم الله القدوس وتهذيب النفوس فهي كنيسة الله تعالى. وعندما نطلق عليها اسم أحد القديسين نقصد بذلك أن يكون هذا القديس شفيعاً للذين يقيمون الصلاة في تلك الكنيسة وأن يقتدوا بسيرته الطاهرة وينسجوا على منوالهم بالتمسك بالإيمان والتقاليد الشريفة. وقد أطلقنا على هذه الكنيسة اسم الملفان مار يعقوب السروجي (+521) وهو من أشهر قديسي زمانه فقد ولد في أواسط القرن الخامس وتخرج في مدرسة الرها حيث ترهب وتنسك ورسم كاهناً ثم قلد رتبة الزائر وطاف بلاد الفرات وسورية ثم رسم أسقفاً على أبرشية بطنان سروج عام 519 للميلاد فنسب إلى المدينة التي تسقّف عليها فهو يدعى يعقوب السروجي، وقد أحسن القيام بأمر رعيته، وانتقل إلى الخدور العلوية عام 521 وعيدت له الكنيسة، وهو شاعر سرياني سوري مفلق دبّج مئات القصائد البديعة فنعتته الكنيسة بالملفان على سبيل الإطلاق أي معلّم الكنيسة الكبير، كما دعته كنارة الروح الإلهي وقيثارة الأرثوذكسية.

أيها السامعون الكرام:

إننا مسيحيين ومسلمين في سورية، شعب مؤمن بالله الواحد الأحد فلا بدّ من أن نشيّد الكنائس والمساجد والمعابد لعبادته تعالى. وتشييد هذه الكنيسة إن دلّ على شيء فإنما يدل على محبتنا لوطننا العزيز وأرضنا المباركة، كما يدل أيضاً على ما يتمتع به شعبنا المؤمن بمختلف مِلله ونحله من حرية تامة لممارسة شعائره الدينية التي تسلمها من آبائه الميامين فنشكر الله تعالى الذي يعضُدُ رئيس البلاد المؤمن سيادة الفريق الدكتور بشار الأسد على توطيد أركان الوحدة الوطنية في سورية العربية ونشر العدل والمساواة بين المواطنين كافة على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، فباسمي واسم أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء وباسم أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في جميع أنحاء العالم، يسرنا أن نرفع آيات الشكر والامتنان إلى سيادة رئيس الجمهورية المبجل الدكتور بشار الأسد كما نشكركم جميعاً لمشاركتكم إيانا فرحة افتتاح هذه الكنيسة المقدسة، ويسرّنا أن نهنّئ نيافة مطران الأبرشية ونبارك كاهن الكنيسة والشمامسة وأعضاء المجلس الملي والجمعيات الخيرية والتربوية والاجتماعية والشعب كافة على بذلهم بسخاء الجهود الجبارة والمال الكثير في تشييد هذه الكنيسة الجميلة المقدسة. نسأل اللّه تعالى أن يتقبّل الصلاة التي يقدّمها المؤمنون في هذه الكنيسة ويستجيب أدعيتهم لما فيه خير الوطن العزيز والشعب المبارك.

أجل إن الكنيسة مركز ديني وثقافي في آن معاً، وهي المدرسة التي يتربّى فيها أعضاؤها ليصيروا مواطنين صالحين في وطنهم العزيز ومؤمنين صالحين في كنيستهم المقدسة. ومن الحقائق التاريخية المعروفة أن آباءنا الميامين في صدر الإسلام لعبوا دوراً ثقافياً وقومياً بالتعاون مع إخوتهم العرب المسلمين في تحرير البلاد من أعدائها، بالفتح العربي الإسلامي، فقد امتزج دم المسلم العربي مع دم المسيحي في سوح القتال وسجل الدم النقي المُهرَق عهداً أبدياً هو عهد المحبة والإخاء والثبات على مبدأ الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في السراء والضراء إبّان الحرب والسلم. وكانت الكنائس والأديرة بمثابة مدارس وكليات يتخرّج فيها أبناؤها بشتّى العلوم والآداب، وإن دَور آبائنا السريان الثقافي والقومي يدونه التاريخ بحروف من نور على أنصع صفحاته. كما إن دور مراكزنا العلمية في الأديرة والكنائس في نقل العلوم والآداب العالمية من اللغة اليونانية إلى السريانية فالعربية لا يحتاج إلى برهان ولم يختلف في إعلانه اثنان، وهذا ليس غريباً عنا ونحن نؤمن بالترابط والتداخل العضوي بين الماضي والحاضر واستمرار الحضارة العربية التي تزاوجت مع الحضارات الأخرى.

أيها السامعون الكرام: يروق لي في هذا الموقف التاريخي ومن على هذا المنبر المقدس أن أحييَ رئيسنا المبجل الدكتور بشار الأسد رمز الكرامة الوطنية والقومية وتجسيدُ الشجاعة والبَسالة، ويسرني أن أقدم التهاني القلبية لسيادته ولسورية الغالية والوطن العربي الكبير بالذكرى الأربعين لقيام ثورة الثامن من آذار المجيدة التي برعاية سيادته تتعزز قدراتها وتتحقق آمالها، ولا غرو من ذلك فقد وهبه الله للأمة قائداً حكيماً تتجلى مواهبه السامية في الداخل والخارج، وقد حظيت كلماته في جميع المناسبات بمكانة سامية في الأوساط العربية والدولية، وكان لخطابه التاريخي في مؤتمر القمة العربية الأخير تأثير بليغ في الدفاع عن العراق الشقيق الذي يمر بظروف صعبة، فلا غرو من أن يقف وراءه شعبُ سورية العظيم وشعوب البلاد العربية والإسلامية كافة وَقفة رجل واحد. نسأل الله تعالى أن يحفظه ويوفقه إلى اطراد النصر المبين.

ومن هذا المنبر المقدس، وفي هذه المناسبة المباركة، يهمنا أن نحيّي شعبنا في فلسطين هذا الشعب العربي الصامد المقهور من المحتل الصهيوني العاتي وممارساته الإجرامية، أجل لقد اختار أهلنا الفلسطينيون في الأراضي المحتلة طريقَ النضال الشاق والمرير أسلوباً مميزاً لا مناص منه لتحرير الأرض واسترجاع الحقوق الشرعية والكرامة وإحلال السلام العادل. ولقد اختار أولئك الأبطال أن يقاوموا النارَ بالحجارة والدباباتِ بالصمود، والأطماعَ الصهيونية التوسعية بالتضحية والاستشهاد وهم يسعون إلى تحرير القدس الشريف وجميع الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية وسائر الأراضي العربية لتعود إلى العرب أصحابها الشرعيين وبذلك يعود الحق إلى نصابه وترتفع فوق الديار المقدسة أعلامُ التسامحِ والحرية الدينية والسلام.

محبة الرب يسوع·

 

نشكر الله على سلامتكم أيها الأحباء وعودتكم الحمد لله بالسلامة بعد زيارتكم لأهلكم وأقربائكم، واحتفالكم بالعيد معهم. ونحن لنا الثقة التامة بأن زيارات كهذه إلى الأقرباء والأصدقاء تثمر ثمار الروح لأنكم دائماً تشعرون بمسؤوليتكم بتمثيل ليس الكنيسة فقط، بل الكلية الإكليريكية التي انخرطتم في سلكها وبذلك ينتفع الذين كانوا يعرفونكم سابقاً في العالم وابتدأوا يعرفون أن ترككم العالم يعني التزامكم بمحبة المسيح.

أردتُ الآن أن أشارككم التأمل بمحبة ربنا يسوع. المسيح الذي أحبنا واختارنا وهو يريد أن يهيِّئنا إن كنّا رهباناً أو راهبات أو تلاميذ ونحن قد انضوينا تحت لواء هذا الدير أن يهيئنا لنشهد له كما فعل الرسل الأطهار وفعل المؤمنون والمؤمنات عبر الدهور والأجيال.

أمس الأحد، قراءة الإنجيل المقدس عن شهادة ورأيتُ أن نتأمّل بالآيات المقدسة التي تُليت على مسامعنا من خلال القداس الإلهي لأن ذلك ينفعنا كثيراً ففيه نرى كيف يجب أن تكون علاقتنا بالرب يسوع المسيح ونرى أيضاً ونتعلّم من ضعفات غيرنا الذين أخطؤوا بإنكارهم الرب يسوع وعادوا إلى الله وبشجاعة أيضاً أولئك الذين رجعوا معترفين بخطاياهم، نادمين على ما اقترفوه، فنقتدي بهم لأننا جميعاً ضعفاء ولكننا جميعاً نجرَّب ولئن كانت التجربة بإذن من الرب، والرب لا يقصد بتجربتنا أن يذلنا أو أنه يفرح لسقوطنا لكن بالعكس يريد أن ينقّينا كالذهب في بوتقة النار حتى الشوائب تزول ونحن نتنقى ونتأمل معكم في الفصل الذي خصصه آباؤنا للأحد الذي تلا الأحد الجديد في كل كنائسنا بالعالم، ومنه نأخذ عبراً نفيسة ودروساً قيمة. الإصحاح الحادي والعشرون من الإنجيل المقدس بحسب الرسول يوحنا:

«بعد هذا أظهر أيضاً يسوع نفسه للتلاميذ على بحر طبرية. ظهر هكذا. كان سمعان بطرس وتوما الذي يُقال له التوأم ونثنائيل الذي من قانا الجليل وابنا زبدي واثنان آخران من تلاميذه مع بعضهم. قال لهم سمعان بطرس أنا أذهب لأتصيّد. قالوا له نذهب نحن أيضاً معك. فخرجوا ودخلوا السفينة للوقت وفي تلك الليلة لم يمسكوا شيئاً. ولمّا كان الصبح وقف يسوع على الشاطئ. ولكن التلاميذ لم يكونوا يعلمون أنه يسوع. فقال لهم يسوع: يا غلمان ألعل عندكم إداماً. أجابوه: لا. فقال لهم ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن فتجدوا. فألقوا ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك. فقال ذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبه لبطرس هو الرب. فلما سمع بطرس أنه الرب اتّزر بثوبه لأنه كان عرياناً وألقى بنفسه في البحر. وأما التلاميذ الآخرون فجاءوا بالسفينة لأنهم لم يكونوا بعيدين عن الأرض إلا نحو مئتي ذراع وهم يجرّون شبكة السمك. فلمّا خرجوا إلى الأرض نظروا جمراً موضوعاً وسمكاً موضوعاً عليه وخبزاً. قال لهم يسوع قدِّموا من السمك الذي أمسكتم الآن. فصعد سمعان بطرس وجذب الشبكة إلى الأرض ممتلئة سمكاً كبيراً مئة وثلاثاً وخمسين. ومع هذه الكثرة لم تتخرّق الشبكة. قال لهم يسوع هلمّوا تغدّوا. ولم يجسر أحد من التلاميذ أن يسأله من أنت إذ كانوا يعلمون أنه الرب. ثم جاء يسوع وأخذ الخبز وأعطاهم وكذلك السمك. هذه مرّة ثالثة ظهر يسوع لتلاميذه بعدما قام من الأموات.

فبعدما تغدّوا قال يسوع لسمعان بطرس يا سمعان بن بونا أتحبني أكثر من هؤلاء. قال له: نعم يا رب أنت تعلم أني أحبك. قال له: ارعَ خرافي. قال له أيضاً ثانية: يا سمعان بن يونا أتحبني. قال له: نعم يا رب أنت تعلم أني أحبك. قال له يسوع ارعَ غنمي قال له ثالثةً يا سمعان بن يونا أتحبني. فحزن بطرس لأنه قال له ثالثةً أتحبني فقال له: يا رب أنت تعلم كل شيء أنت تعرف أني أحبك. قال له يسوع: ارعَ كباشي.

الحق الحق أقول لك لما كنتَ أكثر حداثةً كنتَ تمنطق ذاتك وتمشي حيث تشاء. ولكن متى شختَ فإنّك تمد يدك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء. قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يمجّد الله بها. ولما قال هذا قال له اتبعني. فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يحبه يتبعه وهو أيضاً الذي اتكأ على صدره وقت العشاء وقال يا سيد من هو الذي يسلّمكَ. فلمّا رأى بطرس هذا قال ليسوع يا رب وهذا ما له. قال له يسوع إن كنتُ أشاء أنه يبقى حتى أجيء فماذا لكَ. فذاع هذا القول بين الأخوة إن ذل التلميذ لا يموت. ولكن لم يقل له يسوع أنه لا يموت. بل إن كنتُ أشاء أنه يبقى حياً حتى أجيء فماذا لكَ.

هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق. وأشياء أُخَر كثيرة صنعها يسوع إن كُتِبتْ واحدةً واحدة فلستُ أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة آمين».

ما أجمل هذه الخاتمة للإنجيل بحسب الرسول يوحنا. الإنجيل الذي كُتِب بعد أن كتب الإنجيليون الثلاثة أناجيلهم وكتب بعد أن انتشرت تعاليم باطلة عن المسيح يسوع، لذلك بدأ الإنجيل المقدس بإعلان لاهوت يسوع المسيح خاصةً أزليّته: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله…» وإعلان سر التجسّد: «والكلمة صار جسداً وحلّ فينا» ويقولون حل بيننا، والكتب القديمة تقول: «حلّ فينا» لأنه أخذ جسداً كاملاً منّا. ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً. يوحنا الرسول كتب ذلك عن خبرة ثم يعلن لنا أن الإنجيل هو شهادة حين يقول: هذا هو التلميذ الذي يشهد بذلك فالإنجيل كله شهادة أولئك الذين رأوا المسيح بالجسد، الذين استمعوا إليه، الذين أكلوا وشربوا معه، الذين رأوه يتألّم لخلاصنا وهم يذكرون ويتذكّرون أنه قد أنبأهم عن ذلك أنه يتألم لأجل خلاص البشرية ويتألم مصلوباً لأنكم تذكرون ما قاله لنيقوديموس: كما رفع موسى الحيّة في البرية هكذا ينبغي أن يُرفَع ابن الإنسان كي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. وسمعوه أيضاً عندما كان الثلاثة ويوحنا واحد منهم مع بطرس ومع يعقوب عندما نزلوا من الجبل بعدما رأوا مجده وانبهروا بذلك أن لا يقولوا ذلك لأحد إلى أن يقوم ابن الإنسان من بين الأموات، ولكنهم لم يفهموا ما معنى يقوم من بين الأموات. فبعد أن قام كما أنبأهم حتى عن الأيام الثلاثة ومثّل ذلك بحادثة يونان النبي بعد أن قام وشاهدوه شهدوا بأنه حقاً قام. فالإنجيل هو الشهادة والقيامة أيضاً من بين الأموات ثبتت التلاميذ أن يشهدوا جهراً أن يسوع الناصري الذي صلبه اليهود وأقامه الله من بين الأموات، هو المسيح والقيامة أصبحت أساساً لجميع عقائدنا.

في هذا الفصل من الإنجيل المقدس يقول الرسول يوحنا إن ظهور الرب في ذلك اليوم كان للمرة الثالثة: هذه مرّة ثالثة ظهر يسوع لتلاميذه وهي في الحقيقة المرة السابعة ظهر فيها الرب يسوع بعد قيامته، لكن ظهر مثلاً لمريم المجدلية، ومريم أمه كما يقول التقليد، لبطرس، ظهر لتلميذَي عمواس لكن للمرة الثالثة ظهر للتلاميذ أو لمجموعة من التلاميذ كما ظهر في العليّة، ظهر لمجموعة ذكر أسماءهم: بطرس ويوحنا ويعقوب ونثنائيل وتوما (التوأم) وتلميذان آخران. من هنا نرى كيف أن من يشترك بالشهادة لقيامة المسيح يؤمن بالمسيح القائم من بين الأموات، هذا الشيء يجعل تلاميذ الرب أن يجتمعوا بفرح مع بعضهم وتظهر علاقتهم مع بعضهم البعض وعلاقتهم بمحبتهم للآب. سنرى ذلك عندما نتصور كيف أن الرب ظهر هذه المرة على بحيرة طبرية. التلاميذ تعبوا الليل كما تعبوا مرّات عديدة، والرب يقول لهم بدوني لا تقدرون أن تصنعوا شيئاً والتلاميذ كان قد أرسلهم الرب كصيّادين صيادين للناس بد أن كانوا صيادين للسمك، وفي الصيد نرى التعاون، كيف أن التعب يكون مشتركاً السهر، والصبر والانتظار ولكن الرب أراد أن يعلّمهم درساً في ذلك أنه جعلهم صيادين للناس وأن يصطبروا على هؤلاء الناس ويصطادوهم بشبكة الإنجيل ولكن شيئاً واحداً مهماً جداً ويجب أن يسبق ذهابهم إلى البحر، بحر هذا العالم هو أن نتجه إلى الرب يسوع بالصلاة وننتظر تعليماته. فقد تعبوا طوال الليل ولم يصطادوا شيئاً بعدئذ سمعوا الرب يقول لهم يا غلمان أعندكم إدام، لم نصطد الليل كله قالوا له وهو لم يكن بحاجة إلى إدام أيضاً لأنه بعدئذ رأينا أنه قد هيّأ السمك المشوي والخبز وكان بإمكانه أن يأكل ويشرب، وهو لم يكن بحاجة إلى أكل، لكن ليعلمنا الدرس أن نتجه إليه في اصطياد الناس: ألقوا الشبكة على الجانب الأيمن قال لهم فتعلموا فامتلأت الشبكة ولا أعرف لما عدّوها مئة وثلاث وخمسين سمكة كبيرة ما عدا طبعاً الأسماك الصغيرة. المهم مئة وثلاث وخمسون لماذا ترمز لا داعي. فأهم كل شيء أنه يجب أن نطيع أمر الرب لأنه يعمل كل شيء وأن نفعل كما يشاء. خرجوا من السفينة عندما وصلوا، وبطرس كان عرياناً وعندما قال له يوحنا إنه الرب اتزر حالاً ونزل إلى الماء، ترك جميع التلاميذ لأنه كما قال الرب لمرتا: أنتِ مهتمة بأمور كثيرة والحاجة إلى واحد. الحاجة إلى الرب يسوع لذلك بطرس أنا متأكد أن ضميره كان يوبخه لأنه أنكر المسيح، ومن أنكرني قدام الناس أنكره أمام أبي الذي في السموات، وأنكر المسيح في وقت كان المسيح فيه بأمس الحاجة إلى أحد أصدقائه ليراه، كان يوحنا فقط والعذراء وبطرس ولئن ظهر له المسيح ولئن ظهر للنسوة وقال لهن: قولوا لبطرس وللآخرين أني أراهم في الجليل، لكن لابد أن ضميره وكان يوبخه وخاصة أنه كان يتقدم التلاميذ دائماً في كل تصريح في كل عمل في جواب كل سؤال يسأله الرب، فكان ينجح مرة ويفشل مرة أخرى ولكن نجاحه كان أكثر، فهو الذي أعلن إرادة السماء أن المسيح هو ابن الله الحي ولكنه فشل بعدئذ لأن أفكار الكبرياء ساورته وهو يفتكر أن الله اختاره دون الكل أن يعلن هذا الإيمان، فالرب عندما أعلن عن آلامه قال له: حاشا لك يا رب، فبدا كأنه يوبخ الرب: كيف تقول هذا. لماذا نأخذها من الناحية الاجتماعية والسياسية تحدث مع كل من يتبع المسيح أنه لا يجب أن نظهر ضعفاته ونريد أن نتحدث فقط عن قيامة المسيح ولكن لا عن الآلام لأن الناس سيشكون فما هو هذا المسيح وما هذا الله طالما أنه يتألّم؟ لأننا لا نفهم معنى نكران الذات والتضحية، لا نفهم معنى سري التجسد والفداء حتى نرضى أن يكون الرب بعد أن أعلن بطرس أو السماء على لسان بطرس أن المسيح هو ابن الله الحي أنه سينزل إلى أورشليم والكتبة ورؤساء الكهنة سيلقون القبض عليه ويقتلونه ويصلبون ويموت، لم ننتبه إلى أنه في اليوم الثالث يقوم ولكن كيف يموت. إلى الآن عثرة الصليب موجودة عند الغرباء، مثلاً عندما يفكر بعض إخواننا من أديان أخرى أنه لا يمكن أن يقولوا أن المسيح قد مات، يقولون أنه حي ولكنه لم يمت، لا يتصورون أن المسيح وعظمته يموت، هل يمكن أن يسلّم المسيح لليهود ويقتلونه، لم يتصوّروا أن يموت، يعني بالنسبة إلى الفكر البشري لا يريدون أن يكون ربهم ضعيفاً تجاه الناس، لا يعرفون أن هذا الضعف هو قوّة وأن موته يمنح حياة للبشرية، ولهذا لا يمكن أن نقول أن يسوع هو المسيح ابن الله إلا من الروح القدس وهذه معروفة.

نحن نرى أن الرب برهن للتلاميذ أنه ليس بحاجة إلى إدام، فرأوا قدامه طعاماً رأوا ناراً وسمكاً وخبزاً وكان بالإمكان أن يأكل المسيح ويأكلوا هم أيضاً معه، لكن المسيح قال لهم قدموا مما اصطدتم، كي يشجعهم أن يأكلوا من أتعابهم. بعدما تغدوا يذكر المسيح أن يوحنا قال لبطرس، نحن نعرف ما كتبه يوحنا عن ظهور الرب في الأحد الذي تلا أحد القيامة قائلاً: «وبعد ثمانية أيام جرّب تلاميذه أيضاً داخلاً وتوما معهم فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً»، أجاب توما وقال له ربي وإلهي، ولا يمكن طبعاً أن يهودياً يقول لأحد ربي وإلهي ما لم يؤمن أنه الله أن هذا هو الله وقال له: ربي وإلهي. والآن في هذا الظهور قال الرب لبطرس يا سمعان بن يونا أتحبني ناداه باسمه القديم سمعان يريد المسيح أن يعلّمنا أن ارتباطنا معه وارتباطنا مع بعضنا البعض لا يمكن أن يكون سليماً وصحيحاً إلا إذا بني على المحبة: أتحبني. وهذا الشيء لا نستغربه إن مجيئه إلينا وتضحيته ونكرانه لذاته، مبنية على المحبة لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. فلو لم يحب الرب العالم كان تركنا في خطايانا كما جرى بإبليس، إبليس بقي الابن البكر المتمرد الذي ابتدأ شراً وبقي شريراً ويريد أن يجذب كل الخليقة وطبعاً رأس الخليقة هو الإنسان، يجذبه ليكون مثله طعاماً للنار في يوم الدين فالمحبة هي أصل الفداء أتحبني أولاً أكثر من هؤلاء، أنت تعلم يا رب أني أحبك، لم يقل أكثر من هؤلاء لأنه سابقاً عندما أنكر كان دخوله في هذه التجربة وسقوطه فيها نتيجة كبريائه، عندما جلسوا على العشاء وتحدثوا قال الرب لهم إن رؤساء الكهنة والكتبة سيأتون ويلقون القبض عليه، قال له بطرس إن أنكرك هؤلاء جميعاً لا أنكرك، هذه الكبرياء جعلته يكون ضعيفاً جداً تجاه الشيطان والرب قال لهم إن الشيطان يغربلكم وقال لهم أنه لو لم أطلب لأجلكم لكنتم تهلكون، فهو طلب من الآب أن ينقذ هؤلاء، أن يجعل للتجربة منفذاً لذلك نرى بطرس عندما سقط وعندما أنكر المسيح أمام جمرة النار واليوم أمام جمرة النار على بحيرة طبرية يعترف بالمسيح ويعلن محبته للمسيح، أنكر المسيح أمام جارية حقيرة حينذاك طبعاً بكّته ضميره يقول: خرج وكان صباح، خرج إلى النور لأنه بكى.

المسيح فقط التفت إليه فذكّره بنبوّته وذكّره بمحبته له وللآخرين بكى وتاب. في بحيرة طبرية أيضاً نفس البحيرة لابد أن بطرس والتلاميذ الآخرين تذكروا كيف أن المسيح دعاهم لكي يتبعوه وكانوا أيضاً يصطادون سمكاً بطرس ويوحنا ويعقوب ابنا زبدى ومن البحيرة أمام البحيرة ثبّتهم على الإيمان وسأل بطرس ثلاث مرّات وثلاث مرات يذكره بأنه أنكره ثلاث مرات، وبطرس يعلن أن يحب المسيح. نحن كأناس ربما سيكون لنا نصيب أن نكون كرسل المسيح حتى في مراكز حتى في اصطياد الناس بشبكة الإنجيل علينا أن نتعلم هذا الدرس، أنه ربما دخل أحدنا في تجربة، ربما ساورته الشكوك بألوهية السيد المسيح وخاصة في أيامنا هذه، أو بأية حقيقة إلهية تسمو عن إدراك عقولنا علينا أن نقتدي ببطرس، نبكي ونندم ثم يأتينا الرب يسوع لينادينا في هدوء الليل.

الضمير «هؤلاء» بالعربية هو للعاقل أما في السريانية فلا فرق في الضمير بين العاقل وغير العاقل، يسأل بطرس أتحبني أكثر من هؤلاء ليس التلاميذ فقط، بل كل شيء، الرب يسأل هل نحبه أكثر من كل شيء في العالم، أكثر من هذه السفينة والشبكة أكثر مما تقع عليه رغبتنا ونميل إليه: من أحب أباً أو أماً أكثر مني لا يستحقني، وأيضاً ابناً وابنة وزوجة لا نستحق المسيح حتى إذا أحببناه بقدر لا أقول أكثر من أصدقائنا أو أحبائنا. المسيح أولاً ثم بعض الأشياء نحبها لأجل المسيح.

هناك شيء آخر: نرى أن الرب بنى علاقته مع التلاميذ على المحبة فنرى بعد أن أعلن بطرس محبته للرب أكثر من كل شيء في الحياة، قال له: ارع خرافي. هنا رفع منزلة الرسل من مبشرين يصطادون الناس إلى رعاة والرعاة يقتدون به هو الراعي الصالح، والراعي مهمته سامية جداً جداً إذا اصطدت الناس للمسيح تريدهم أن ينالوا الخلاص، وبنيلهم الخلاص تبتهج لأنك قد فعلت شيئاً، لكن عندما تسلّم إليك الرعاية، رعاية الخراف عندما يسلمك الرب هذه الرعاية فهو يريدك أن تكون مثله راعياً لهؤلاء الناس الذين آمنوا به. ارع خرافي، ارع نعاجي، ارع كباشي، بعد أن أحببته وأعلنت محبتك له يستحق كل من يحبه أن ينال هذه الرتبة السامية رتبة الرعاية، ورتبة الرعاية ليست سهلة لأنها تضع المسؤولية الكبرى على عاتق هذا الإنسان ليرعى الخراف، ربما الكثير من الناس قد رأوا الراعي كيف يرعى الخراف. يمسك العصا لا ليضرب الخراف، لأن أحياناً عديدة بقسوتهم يضربون الخروف أو الكبش لأنه يكون عنيداً قليلاً. العصا أولاً ليحرس الخراف بها، يقاوم بها أعداء الخراف ويهشّم بها أضراس الذئاب وظهورهم ويخلص الخراف منهم. ثانياً العصا أيضاً عندما تدخل الخراف إلى الحظيرة يقف الراعي بباب الحظيرة ويضع العصا على ظهر الخروف كل خروف وعلى بطنه ورأسه كي لا تكون أي حشرة قد التصقت به أو شوكة كي ينقيه من هذه الشوائب. هذه الرعاية سامية جداً ومسؤولية الراعي بالنسبة إلى الحياة المسيحية وخاصة نحن بالنسبة إلى حياة كنيستنا الأرثوذكسية ما تسلّمناه من الآباء والرسل القديسون ما تسلمناه من إيمان، من طقوس، من فروض كل هذه الأمور نحافظ عليها ونريد أن تتعلم الرعية هذه الأمور وتتمسّك بها وطبعاً ندافع عن هذه الرعية تجاه الأفكار الهدّامة، العقائد الباطلة السخيفة، كل ما يحدث من أمور تبلبل أفكار الرعية بحجة أن يراعي بحراسته من الذئاب الخاطفة يحرس هؤلاء الخراف والنعاج والكباش، أي كل المراتب الموجودة في الكنيسة، إن من صنف الكهنوت إن كان مسؤولين في الرعية وهذا درس أيضاً للعلمانيين لأنهم رعاة أيضاً للعوائل التي يؤتمنون على رعايتها والعناية بها وصيانتها من العقائد الباطلة.

بعد أن قال له الرب: ارع نعاجي، ارع خرافي، ارع كباشي قال له: اتبعني. طالما يوجد محبة بينه وبين الإنسان الذي يدعوه الله يمنحه نعمة عظيمة ليس فقط صياداً بل راعياً أيضاً لهؤلاء الناس عليه أن يتبع المسيح. اتبعني. طبعاً نحن نعرف كيف نتبع المسيح، أولاً نحمل الصليب، ونسير في طريق الجلجلة معه لأنه إذا لم نسر في طريق الجلجلة معه ولم نتألم معه ونصعد الصليب معه لا يمكن أن نقوم معه من بين الأموات، لا يمكن أن نتمجّد إن لم نتألّم، نتألم معه لنتمجد معه. هذا الشيء موجود. بطرس تبع الرب والتفت فرأى يوحنا أيضاً يتبعه فقال له: يا رب وهذا ما له؟ هذا لماذا يأتي. هذا دائماً موجود وخاصة بالإكليروس. يعني أريد أنا وحدي لا أريد أن يشترك أحد معي، فقال له: ما دخلك إن كنت أشاء يبقى إلى أن آتي، ما دخلك أنت. هذا درس لنا جميعاً. ثقوا بأننا لا يمكن أن نرث ملكوت الله وحدنا، لا يمكن إن لم نشرك غيرنا في محبتنا للمسيح بتلذذنا بهذه المحبة. لا يمكن للأب والأم أن يرثوا ملكوت الله إذا لم يشركوا أولادهم في محبة المسيح، وحدهم لا يدخلون ملكوت الله، أبداً. ونحن أيضاً إن لم تكن المحبة متبادلة بيننا بعضنا مع بعض. بطرس ويوحنا والآخرين، إن لم تكن المحبة بينهم لا يمكن حتى أن ينتشر الإنجيل ويصيرون سبب عثرة وشك، لماذا انقسمت الكنيسة؟ كلها لأجل الكراسي، كل من يعتبر نفسه أنه أنا وحدي فقط، وحدي أتبع المسيح. ولذلك بعض الكنائس التي بلبلت العالم وأفكار العالم حينما كانت تدّعي أنه لا خلاص إلا في الكنيسة الكاثوليكية، أو نأخذ بعض الكنائس نحن، نحن نعتبر أنفسنا أرثوذكس والأرثوذكس يعني القويم الرأي أي أن أحداً غيرنا لا يرث ملكوت الله والآخرون لا حق لهم بذلك. أما البروتستانت حدث ولا حرج، خاصة الآن البدع الجديدة كذب ونفاق ودجل وادّعاء بصنع العجائب ويدّعون أن لهم وحدهم المسيح وإن ذهب واحد منا ممّن نال نعمة العماد قانونياً يعمدونه ثانية، وهم حتى لا يعترفون بعماد الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية. هذه الفكرة نأخذها من بطرس أنه لماذا يأتي هو طالما أن المسيح دعاني أنا هذا ما له. نفكر نحن بأنفسنا أنه نحن وحدنا لن نرث ملكوت الله، ولا الذين يتبعون كنيستنا فقط يرثون ملكوت الله، ولكن المحبة تجعلنا أن نتمنى أن جميع من يؤمن بالمسيح أنه الله كما يقول بولس: الله ظهر بالجسد، ونؤمن أنه هو المسيح مخلّصنا، خلصنا جميعاً وخلّص العالم ونؤمن أنه خلّص كل واحد منّا، إن لم نفعل ذلك ونتمنى أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون وينالون نعمة ملكوت الله، أن يكونوا أبناء الله بالنعمة حتى يستحقوا أن يكونوا ورثة لملكوت الله، ثقوا أنه إذا لم نكن من كل قلبنا وإذا لم تكن لنا علاقة مباشرة بالمسيح الذي قدمته لنا الكنيسة، أمنا الكنيسة وولدتنا من جرن المعمودية، إن لم نكن كذلك فنحن خاسرون جداً، وخاسرون ليس شيئاً بسيطاً، ملكوت الله وخاسرون نعمة الفداء بالمسيح يسوع، وهذه طبعاً المرة الثالثة التي ظهر فيها يسوع لتلاميذه، المرة السابعة بالنسبة إلى مجموع ظهوراته حتى هذه المرة قوّى نعمة الشهادة لديهم فاستحقوا بعدئذ بعد أن سار معهم أربعين يوماً وصعد إلى السماء وبعد عشرة أيام وعدهم بإرسال الفارقليط بعد أن نالوا الروح القدس وحلّ الروح القدس عليهم بشهادتهم الشهادة الصادقة المتينة الثابتة، الشهادة التي جعلتهم بكل شجاعة أمام جميع الناس أمام اليهود بلسان بطرس أنكم قتلتم قدوس الله يسوع، والله أقامه من الأموات. هذه الشهادة تجعلهم وإن شاء الله تجعلنا نحن أيضاً الذين وإن لم نرَ نؤمن، طوبى للذين آمنوا ولم يروا مثلما قال الرب للرسول توما، تجعلنا أنه نشهد ونعترف بالمسيح أمام الناس ليعترف بنا أمام الآب السماوي بنعمته تعالى آمين.

أيها الأحباء، أتمنى دائماً أن نأخذ درساً من الرسل، أخذنا الدرس من هامة الرسل، من الآباء، من الشهداء والمعترفين، والمعترف هو الذي اضطهد وتألّم ولم يستشهد، وأنا أفكر دائماً كما نرى اليوم في التلفزيون نرى أمامنا هذه السجون المظلمة نسمع عن التعذيب لأناس يخالفون السلطة سياسياً، كيف أن يعذبوه فينزل هذا الإنسان وحده إلى أسافل الأرض ويتعذب بطرق جهنمية، يتمنى الموت طبعاً لو كان في سبيل الإيمان بالمسيح لكانت فرحته عظيمة وعزاؤه عظيماً فالمسيح لا يتركه وحده، المسيح يظهر له بفكره وقلبه إلى أن يظهر له تماماً بشخصه ويتعذب وكل هذه الآلام تتحول إلى سرور وبهجة مثل سرور بطرس يوم كان مسجوناً كيف كان يرتل وهو فرح وحتى السجان تعجب أنه يكون في السجن ويرتل ويقولون إذا طابت النفوس غنّت، لأنه عرف أن المسيح معه. ولكن هؤلاء الناس الذين أضاعوا حياتهم في الأمور السياسية الدنيوية ويعذبون هذا العذاب، طبعاً الذين يعذبونهم هم مجرمون، وربما طبعاً يكافئ كل واحد ويجازي كل واحد إن ما يفعله خيراً أو شراً، لكن حينما نقول المعترفين نتصور أمامنا هؤلاء الناس لأنهم كانوا يُعذّبون أكثر من هذا الوقت لأننا عدنا إلى توحّشنا كبشر لذلك نعذب بعضنا البعض، لكن الذي يسندنا كمسيحيين مؤمنين بالمسيح يسوع ربنا أنه أحبنا ونحن أحببناه وهذا عزاء لنا، وإذا استشهدنا يكون قد أشفق علينا خلّصنا من عذاب الدنيا لننال المكافأة في السماء.

وهذا ما أردت أن أتحدث به معكم، ومعكم لنفكر بنفسنا كأناس دعانا المسيح واختارنا، ولا نستغرب أن يختارنا منذ نعومة أظفارنا كي نقول من بطن أمهاتنا يختارنا. واختياره لنا لأنه أحبنا ولا خيار لنا سوى أن نحب المسيح ونعيد علاقتنا معه علاقة محبة حتى هذه المحبة تنعكس على محبتنا بعضنا لبعض وإن لم نحب بعضنا البعض، نحن لم نحب أخانا الذي نراه يقول الرسول يوحنا كيف نحب الله الذي لا نراه. لتثبت المحبة في قلوبنا أيها الأحباء ولتظهر في كل تصرّفاتنا فنحب مدبرينا الذين يتعبون لأجلنا، ونحب معلمينا أيضاً ونحب الذين دعاهم المسيح ونحن تبعنا لا نريدهم أن يقولوا ما لهذا لأنه يجب أن البقية يتبعوا المسيح كما تبع يوحنا، ونحن نفرح أن هذه النعمة التي أعطانا الرب يشاركنا بها الآخرون وكل ذلك لتمجيد اسمه القدوس آمين.

الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية·

أيها الأحبّاء: يسرّني جدّاً أن أجتمع بكم في هذا اليوم المبارك، وهذه الفرصة الذهبيّة بالنسبة لي، فرصة انعقاد الحلقات الدراسيّة اللاّهوتية والسريانيّة والتّاريخ الكنسي.

فرصة الاجتماع معاً بالصلاة إلى الله ليبارك كنيستنا المقدّسة وشعبنا النبيل في كل مكان ويؤهّلنا أن نكون حقّاً أبناء وأحفاد أولئك العِظام الذين دائماً نقول: رحمة الله عليهم لأنهم أورثونا كنيسة حرّة، كنيسة رسولية تمسّكت بإيمان الرّسل الذي أخذوه من الرب يسوع وحافظوا عليه عبر الدّهور والأجيال، سفكوا دماءهم في سبيل الحفاظ على هذا الإيمان المتين القويم، المستقيم الرأي. كما أننا نفتخر بهم لأنهم أيضاً كانوا عنواناً للمؤمنين الصّالحين بتمسّكهم بالفضائل السّامية، وتاريخنا منذ بدء المسيحية تاريخ نظيف نقي، لم نقتل أحداً، لم نضطهد أحداً، شعرنا بأنفسنا كما فعل آباؤنا أن نكون أحراراً بالمسيح يسوع ربنا، وأننا نحب كلّ إنسان حتّى أعداءنا. أرحب بكم، أرحّب خاصة بعزيزنا الرّوحي الفاضل خاصّةً الشمّاس الدّكتور جرجس صالح، الصالح. وجوده دائماً معنا قدوة للجميع بأخلاقه السّامية، بمحبته للإيمان الأرثوذكسي، بتمسّكه بالقيم الأخلاقيّة، بصومه وصلاته. إننا نحبّه وبالعلم الواسع الذي وهبه الله، وهو عندما يأتي إلينا نشعر بمحبّة الكنيستَين الشّقيقتين القبطيّة الأرثوذكسية والسريانية الأرثوذكسيّة، ونحيّي دائماً سيدنا قداسة البابا شنودة الثالث الكلّي الطوبى، الذي حقّاً يتعاون معنا في كل الميادين الرّوحية لما فيه تمجيد اسم الله القدوس. أشكر بناتي العزيزات الراهبات في مقدمتهن الابنة الروحيّة الفاضلة: رئيسة الرّاهبات الأم حنينة هابيل. كما أشكر أبناءنا الأعزّاء الرهبان وفي مقدمتهم مدير كليّتنا الإكليريكية: الأب متّى، وأتمنّى أن نواصل ما ابتدأنا به قبل سنين، الحلقات اللاّهوتية التي يشجّعها أيضاً كل مسؤول يشعر بمسؤوليته تجاه شبابنا الأعزّاء وبناتنا العزيزات اللوات يخدمون في مراكز التربية وفي كنائسنا في كل مكان. أشكر الذين أرسلوكم لكي تمكثوا معنا بضعة أيام بشركة روحية، بالصلاة بالصوم، بالعبادة والتأمّل بسيرة الرب يسوع، بدراسة العلوم اللاّهوتية ولغتنا الحبيبة اللغة السريانية خاصةً، وبعض المواد التي نعتقد من الضروري أنها تساعدنا إلى معرفة الحق، وتساعدنا أيضاً إلى التوصّل إلى معرفة عقائدنا الدينية في زمن كثرَت فيه الهرطقات والبدع والتسيّب والانحطاط الأخلاقي في كل مكان. فلكي نشكر لأننا اخوة الرب يسوع المسيح ونشكر أيضاً لمحبتنا للرب ومحبة الرب لنا، اخترنا الشّعار لهذه الدورة أو الحلقة اللاّهوتيّة، لنسمّيها ما نسمّيها الآية المقدّسة التي قالها يوحنا الرّسول: الله محبّة.

لا أخفي بالحقيقة عنكم أنني أعيش هذه الآية، ولكنني في الوقت نفسه أشعر أننا مقصرون جدّاً بالنسبة إلى تطبيقها عمليّاً. الله محبة. عبارة قصيرة جداً هي زبدة العقائد المسيحية، هي زبدة الشّرائع المسيحية أيضاً لو تأمّلنا فيها. عندما نقول الله محبة، نشعر بمحبة الله لنا، وعندما نقول الله محبة، ننصت إلى الرب يسوع الذي يعتبر المحبة هي الشريعة والناموس، بل كل الشّرائع. الله محبة فقد أحبّنا منذ البدء، خلقنا، خلق هذه الأكوان، السّماء والأرض وما فيهما وما تحت الأرض أيضاً. خلق الملائكة لتترنّم دائماً بمجده، وخلقنا نحن أسمى من سائر الكائنات. كان داود يقول أنقصنا قليلاً عن الملائكة، فهذه نعمة عظيمة. لو لم نكن لابسين الجسد وصار الجسد ذريعة لنا عندما أخطأنا، لأننا جسد قد أخطأنا، فجاءتنا المحبة ونبتت الرّحمة وانبثقت من محبة الرب لنا فلم نهلك، وإلاّ لسقطنا كما سقط الملائكة وتحوّلنا إلى أعداء دائمين لله تعالى، ولئن وُضِع أولئك الأبالسة حتى يُحفَظوا إلى يوم الدّين ليكون عذابهم خالداً ولكننا في الوقت نفسه رُحمنا من الله لأننا كنّا أنقص من الملائكة إذ قد لبسنا جسداً، أو قل إذ خُلقنا جسداً ونلنا نعمة عظيمة إذ نفخ الله فينا بشخص آدم، فكنّا نفساً حيّة. الله أحبنا لذلك حتى عندما سقطنا وعد أن يقينا عثرنا كما نقول بالعربية، وعد أن يخلّصنا: هكذا أحبّ الله العالم، هكذا قال الرب، حتّى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة. هل يوجد حب أكثر من هذا أن يبذل الإنسان، بل الإله الإنسان الله الذي ظهر بالجسد أن يبذل نفسه عن أحبائه. هذه محبة الله لنا أيّها الأحبّاء، لذلك نرى أنفسنا سعداء أن الله قد أحبنا، وإذا كان الله قد أحبّنا أوّلاً فعلينا أيضاً أن نحبه نحن أيضاً، إذ أحبنا حتّى الموت، موت الصليب، إذ أطاع والده حتّى الموت موت الصليب فعلينا أيضاً أن نحبّه محبة نصفها بأنها أقوى من الموت.

كيف نحب الله؟

حسب تعاليم الكتاب إن أحببنا الله تظهر محبتنا بمحبّتنا للقريب، وإن لم نحب قريبنا الذي نراه كيف نحب الله الذي لا نراه. نحن الذين دُعينا أن نعلن محبتنا لله بمحبتنا لأخوة الرب يسوع الذين يحتاجون إلينا لكي نجذبهم إليه، لكي نبرهن على محبتنا لهم وعلى محبتنا حتّى لأعدائنا لنصير مثالاً للذين قد تتلمذوا له. قال، بهذه الميزة السّامية، ميزة المحبة: بهذا يعرف النّاس أنكم تلاميذي إن أحببتم بعضكم. إن لم نحب بعضنا بعضاً لا يمكن أن يعتبر النّاس أننا تلاميذ المسيح، لذلك علينا أن نكون قدوة ومثالاً للذين نخدم المسيح معهم، والذين نظن أن مسؤوليتنا أن نجذبهم للمسيح يسوع. فبمحبتنا للمسيح أولاً ومحبتنا لبعضنا البعض وبمحبّتنا لأعدائنا نظهر أننا حقاً تلاميذ المسيح، وإلاّ نكون ناساً لهم فقط صورة التّقوى ولا يعرفون قوّتها. بل أيضاً ـ لا سمح الله ـ نكون كالكتبة والفريسيين، مرائين، نظهر ما لم نبطنه، أو ما نظهر حقيقتنا. الرب قال: من ثمارهم تعرفونهم إن لم تكن ثمارنا ثمار المحبة نكون بعيدين عن الرب يسوع. عندما نحمل مسؤولية كهذه، عندما نشارك السّلك الإكليريكي أو الكهنوتي مسؤوليته بالسعي لخلاص المؤمنين والهالكين في آن معاً. ولا يمكن أن ننجح بحمل رسالة كهذه ما لم نحب المسيح، أوّلاً المسيح وآخراً المسيح: من أحب أباً أو أمّاً أكثر منّي لا يستحقّني. من احب أي إنسان أو أي شيء أكثر من المسيح، لا يستحق المسيح أبداً.

الفصل الحادي والعشرون من إنجيل يوحنا، يوحنا يدوّن لنا في ظهورات الرب يسوع لتلاميذه، وظهوراته لبعضهم وأحياناً للعديد منهم وهذا الظّهور كان على بحيرة طبريّة، بحيرة طبريّة لها تاريخ حافل بالنسبة إلى خدمة الرب يسوع وتلاميذ الرب يسوع فأوّل التلاميذ دعاهم وهو يسير على بحيرة طبريّة كبطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا، طبعاً لم تكن تلك الدّعوة فجأة وأندراوس نفسه ويعقوب ويوحنا وغيرهم من تلاميذ الرب، كانوا ينتظرون المخلّص، كانوا ينتظرون ماشيحا. وكان قد تتلمذ العديد منهم ليوحنا المعمدان، ويوحنّا نفسه أشار إلى المسيح بعد أن عمّده وبعد أن رأى وسمع السماء قد انفتحت وصوت الآب يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررتُ، وبعد أن شهد في اليوم الثاني عندما رأى المسيح قادماً إليه قال: هوّذا حمل الله الرافع خطايا العالم. تلاميذ يوحنا سمعوه وبعضهم شاهد ما حدث وقت العماد عندما خرج الرب من الماء بعد العماد وصلّى وانفتحت السماء وحدث ما حدث، فعندما دعاهم الرب، كانوا قد استمعوا للرب ورأوا المعجزات فكانوا مهيّئين فقال لبطرس وأندراوس: اتبعاني وأنا أجعلكما صيّادَي الناس، كانا يصيدان السّمك فيصيران صيادين للناس، وحالاً تركا الشِّباك وتبعاه.

نحن نستغرب كيف حدث هذا، ولكن عندما نعلم أنهم شاهدوه قبل ذلك واستمعوا إليه ورأوا معجزاته واستمعوا إلى شهادة يوحنا عنه، عندما نعرف ذلك نرى أنه في تهيئة الإنسان الذي تبع المسيح كان الروح القدس يعمل بذلك. نحن جميعنا عندما دعانا الرب لخدمته، لسنا نحن فقط الذين دُعينا لننال نعمة الكهنوت المقدّس، بل أنتم أيضاً قد اختاركم الله وهيّأ لكم الجوّ. اشكروا آباءكم وأمهاتكم، اشكروا هؤلاء الذين دلّوكم إلى طريق الحياة، اشكروا معلّميكم، اشكروا كهنتكم. اشكروا كل هؤلاء الذين كانوا مثلكم علمانيين لكن أثّروا فيكم بمحبة الرب يسوع، وتهيّأتم للخدمة، واشكروا هذه الكنيسة التي تحبّكم وتعقد اجتماعات كهذه لكي تقرّبكم إلى بعضكم ليحب بعضكم بعضاً، ليتعزّى بعضكم بالآخرين، بإخوته حتى وقت الضيق ووقت الشدّة وشدّة العالم كثيرة وضيقاته كثيرة، وأنتم الذين تعيشون في العالم تصادفون أناساً كثيرين وإبليس يحاول أن يجرِّبكم بتصرّفات هؤلاء الناس، قد تكون تصرفات شبه اضطهاد لكم لأنكم تؤمنون بالمسيح يسوع. كل هذه التهيئة للجميع لتفكروا ولنجتمع معاً ولنأتي من أبرشيّاتنا من هنا وهناك نتبادل الخبرات المسيحية ونتبادل أيضاً خبرات محبة المسيح التي تظهر بمحبّتنا بعضنا لبعض. وعندما دُعيتم ولبّيتم الدّعوة لم يكن ذلك مفاجئاً لنا ولكم، لأن الرب قد اختارنا واختاركم لهذا العمل العظيم، وأساس علاقتنا جميعاً ليس فقط بعضنا ببعض، بل حتّى مع المسيح أساسها دائماً المحبة. قد نخطئ وقد ننكر المسيح، أرى بهذا الفصل الذي يعجبني كثيراً كيف أن بطرس الذي أنكر المسيح أمام جارية حقيرة الرب هيّأ بعد قيامته، بعد أن برهن بطرس على إيمانه بالرب بتوبته وندامته، الرب برهن على أن بطرس ولئن أنكره ولكن بطرس كان محبّاً له. نرى في هذا الإصحاح، في هذه الآيات المقدسة كيف أن الرب يريد أن تكون محبتنا له، قبل ذلك وقبل آلامه كان قد قال لتلاميذه كيف يجب أن نحبّه، وبذلك برهن، لم يكن مثلاً مثل غيره ممّن جاءوا برسائل عديدة من السّماء: أن نحب الآب، أن نحب الله، حتّى محبتنا لله من خلال المسيح: من أحب أباً أو أماً أكثر منّي فلا يستحقّني. يعني أعز من الآب والابن، طبعاً لا يقول عن الأبناء فقط بل عن الأقارب جميعاً، فيريد أن نحبه فقط وأن نحب الآخرين من خلاله لأننا نحب المسيح، ولأن المسيح أحب هذا العالم. فظهر لبطرس وبعدما تغدّوا قال يسوع لبطرس: يا سمعان بن يونا أتحبني؟. كان الظهور على بحيرة طبرية، كانوا قد تعبوا الليل كله ولم يصطادوا شيئاً، رأوا شخصاً على السّاحل ناداهم: يا غلمان أعندكم إدام؟، قالوا له: تعبنا الليل كلّه ولم نصطد شيئاً، ألقوا الشبكة عن الجانب الأيمن واصطادوا، وبطرس حينما قال له يوحنا إنه الرب، اتّزر بطرس ونزل إلى الماء ليلحق بالرب وجاءت السّفينة بعد ذلك وعدّوا السّمك الذي اصطادوه فكان مائة وثلاثاً وخمسين سمكة كبيرة عدا الصغيرة، المهم الرب قال لهم: قدّموا من السمك الذي اصطدتموه فنظروا وكان أمامه نار وسمك أيضاً، كل شيء حاضر فليس الرب بحاجة إلى الإدام ولكنه ناداهم ليعرفوا انه هو. بعدما تغدوا وارتاحوا قال لبطرس: أتحبّني أكثر من هؤلاء؟، لأن بطرس قبل أن ينكره تكبّر قائلاً: إن كل هؤلاء ينكرونه ولكنه هو يذهب معه إلى الموت والسجن. أحياناً عديدة نحن نأخذ درساً عظيماً بهذا الشيء: نحن لسنا للمسيح وحدنا فهناك الكثيرون يشاركوننا بالمسيح، لا يجب أن نعتبر أنفسنا أفضل من الآخرين، لا يجب أن نعتمد على قوّتنا حتّى في سيرنا في حياتنا الروحية والجسدية في آن معاً، دائماً نطلب من الرب أن يساعدنا. داود الذي أخطأ خطيئة كبيرة، كان يفتخر أولاً: جرّبني يا رب وترى من أنا، لا يتكل حتى في هذا الموضوع على الله، وعندما جرّبه الرب، لم يجرّبه الرب بل سمح الرب أن يجرّبه إبليس وكانت تجربة قاسية: زنى وقتل في آن معاً. وقتل إنساناً بريئاً بعد أن سلبه زوجته، إنساناً يجاهد في سبيل نصر ذلك الشعب، استعد أن يفدي نفسه وفدى نفسه في سبيل ذلك ولكن، من قتله، قتله المسؤول الأوّل عن حياة الشعب الذي دُعي من الله، داود المرنّم. نحن إلى اليوم عندما نريد أن نتعزّى وأن نمجد الله ونسبّحه نأخذ مزامير داود ونقرأها، ولكن على الرغم من عظمته سقط داود، جرّبني. بطرس أيضاً افتخر أنه يحب المسيح أكثر من هؤلاء جميعاً فسقط وأنكر المسيح، ولكنه صار مثالاً عظيماً لجميعنا للتوبة، عندما تمّت نبوءة المسيح عنه أنه قبل أن يصيح الديك مرّتين ينكره ثلاث مرّات، صاح الدّيك فبكى وانتحب بطرس وخرج وكان نهار، لماذا؟، لم يكن ظلمة ولا ليل لأنه بكى وانتحب وتاب على الخطيئة الكبيرة التي اقترفها. في هذه الجلسة أراد الرب أن يظهر له أن قد غفر خطيئته بعد أن يعلن للآخرين محبة بطرس للرب، وبعد أن يعلن لبطرس والآخرين أن علاقتهم مع الرب لا يمكن أن تكون علاقتهم مع الرب صحيحة وسليمة ما لم تُبنَ على المحبة، أتحبني أكثر من هؤلاء؟. هنا تذكّر بطرس أنه يجب أن يكون متواضعاً فلا يتعجرف ويفضِّل نفسه على الآخرين، لم يجب الرب أنني أحبك أكثر من هؤلاء: أنت تعلم أني أحبك. فارتفعت رتبة بطرس من صياد للناس إلى راعٍ للخراف. صيّاد الناس يصطاد الناس ويتعب جدّاً في اصطياد الناس لكنه ليس مسؤولاً عن رعايتهم كما نصطاد السّمك ليموتوا، لكن الذي يخرج ليصطاد الناس باسم المسيح ولمحبة المسيح يصطادهم ليحيوا وذلك ليصبحوا رعيّة للمسيح. فعيّنه أن يكون راعياً للخراف والنّعاج والكباش بعد أن يقول: يا سمعان بن يونا أتحبني يعيد إليه الاسم القديم، لا اسم بطرس. حتّى يبرهن له أنّك فقدت أشياءً كثيرة، فقدت الاسم لأنك إن كنت بطرس، كيفا، حجر في كنيسة المسيح ولكنه فقد هذه، لأنه بإنكاره للمسح تزعزعت محبته للمسيح. بهذه الجلسة برهن على أنه يحب المسيح ولم يجسر أن يقول أكثر من هؤلاء أي من رفاقه.

أنت تعلم يا رب أني أحبّك، الحق أقول لك لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتمشي حيث تشاء ولكن متى شخت فإنك تمدّ يديك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء، يقول يوحنا: قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يمجد الله بها. ولما قال هذا قال له اتبعني. إذن عندما نعلن محبتنا للرب نستحق أن يقول لنا: اتبعني. اتبعني وهنا أيضاً نرى سراً ثانياً أنه حتّى في اتّباعنا للمسيح يجب أن تكون هناك محبة وتضحية ونكران ذات، لأنه بعد أن تبعه يوحنا أيضاً، يوحنا الحبيب، يوحنا الذي كان الرب يحبّه كثيراً، يوحنا رسول المحبة أيضاً نسمّيه تبع بطرس، فبطرس قال له: ما لهذا؟. كان يريد بطرس أن يتبعه وحده، هذه الأنانية تكون كثيراً لدينا، يعني الواحدة منّا في التربية الدينية تريد أن تكون الكلّ في الكل، لا تريد أن يشترك غيرها معها، هذه أنانية. قال له: وأنت مالك إذا كنتُ أشاء أنه يبقى إلى أن آتي، أنت اتبعني، يعني عندما نتبع المسيح يجب أن نفرح إذا ما تبع أحد غيرنا المسيح، ألاّ نكون أنانيين أن نريد المسيح لنا وحدنا، هو يريد أن يكون وحده لنا لماذا؟، لئلاّ ننهمك في أمور الدنيا باسم المحبة، بل هو وحده لنا، ولكن علينا كلّما شرحنا للآخرين عن محبة المسيح زادت هذه المحبة في قلوبنا ونفوسنا وتصرّفاتنا، أيضاً بجلبنا الآخرين ليشاركونا محبة المسيح.

يوحنا الحبيب يقول عن هذه الحادثة وعن الإنجيل الذي كتبه: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أن شهادته حقّ وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كُتبَت واحدة فواحدة لا أظنّ أن العالم سيسع الكتب المكتوبة. نحن نعلم أن يوحنا اختار بعض الأمور للإنجيل المقدس ودوّنها وطبعاً عندما يختار الأمور التي لو عملها الرب كلّها يقول: لستُ أظنّ أن العالم يتّسع لها، فهذه التي كُتبَت قد كُتبَت لخلاصنا، هذه كُتبَت لتؤمنوا أن المسيح هو ابن الله ولتكون لكم الحياة الأبديّة إن آمنتم به. فنحن بالحقيقة نرى أن من جملة ما كُتِب لخلاصنا أن نعلن محبّتنا للرب يسوع بعد أن نكون قد أخطأنا وتبنا، وبإعلان محبتنا أن تعود إلينا سلطتنا الروحية، بل أيضاً نرقى أيضاً بهذه السلطة من صياد السّمك إلى راعي الخراف، والخراف طبعاً ليست لنا بل المسيح إنما يدعونا لنرعاها.

في التربية الدينية، في كل مكان عندما تقيمون أنفسكم مثالاً صالحاً للآخرين، عندما ترون الآخرين يحبونكم محبة في المسيح لأنكم تحبونه وتضحّون بالغالي والنّفيس لأجل خدمة هؤلاء ليكونوا قريبين من المسيح وتكونوا معهم مرضيين لدى الرب يسوع عندما تفعلون هذا، أن الرب يكون قد عيّنكم رعاة، فلسنا نحن الإكليروس وحدنا رعاةً، وكل واحد أو واحدة منكم هو راعٍ وهذه الرعاية الصالحة نتعلّمها منه، لأنه هو كان مثلما وصف نفسه حقيقة: أنه الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وهذا البذل عندما تقومون به في مراكز التربية الدينية وحتّى في عائلاتكم حتّى مع جيرانكم وأحبائكم وأقربائكم، هذا البذل له مكافأة عظيمة من الرب يسوع، ونحن نسعى لنيل هذه الجُعالة، هذه الجائزة العُظمى التي يسمّيها بولس الرّسول إكليل المجد وأيضاً إكليل البر في السماء وهذا ربح عظيم لكل من يحب الرب ويخدم أحباء الرب يسوع الذين هم كل من يؤمنون بالرب يسوع وكل من يسعون للإيمان، نصادف العديد من الناس من الديانات الأخرى فنظن أنهم متعصّبون ضد المسيحية ولكن عندما يرون أعمالنا الصالحة، عندما نعاشرهم، عندما يشعرون بمحبتنا للمسيح ويعرفون السبب لماذا نحبّه، لأنه هو أحبّنا أوّلاً، حينذاك نعرف الله هو حقاً محبة. ويوحنا يحق له أن يقول ذلك ونعلن أن هذه المحبة هي في عقائدنا ظاهرة: لأنه هكذا أحب الله العالم، فتأتي عقيدة التجسد وعقيدة الفداء في آن معاً وتظهر جميع الفضائل معاً لأن أم الفضائل هي المحبة. طبعاً الرسول بولس يصف ذلك في الإصحاح الثالث عشر من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس: أنه مهما عمل الإنسان، رمى نفسه بالنار واستشهد، مهما عمل الإنسان إن لم يكن ذلك بالمحبة فهذا نحاس يطن وصنج يرن، ويختم هذا الإصحاح: أما الآن فتثبت هذه الثلاث: الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاث وأعظمهن المحبة.

نتمنّى لكم التوفيق في هذه الدورة اللاّهوتية وإن شاء الله الرب يؤهّلنا جميعاً لا أن نتعلّم ونعلم بل أن نعمل، لأنه إذا عملنا الصالحات سنستحق ملكوت السماوات لمحبة المسيح لنا ومحبتنا للمسيح وشكراً.

تقديس كنيسة مار إلياس ـ فيروزة·

«أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 16: 16).

لتُمجّد كنيسة اللّه التي وعد الرب يسوع أن يكون في وسطها فلن تتزعزع، وأن يبقى معها إلى الأبد، يحرسها ويصونها ويعتني بها بل يرعى كل فرد من أفرداها.

نشكر اللّه أحبائي في هذا اليوم المجيد الذي جمعنا تحت سقف هذه الكنيسة الجميلة، التي إنما تبقى إلى الأبد ثابتة بإيمانها بالرب، مبرهنة على قوة إيمان هذا الشعب المبارك شعب فيروزة في الوطن والمهجر. أشكر نيافة الحبر الجليل أخينا مار سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماة وتوابعهما الذي دعاني ودعا أخي نيافة الحبر الجليل مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي، وأبناءنا الرهبان وبناتنا الراهبات لنشاركه في هذه الفرحة العظيمة. وبهذه المناسبة مناسبة عيد النبي إيليا شفيع هذه الكنيسة نهنئكم جميعاً، ونهنئكم على هذه الكنيسة المقدسة المباركة، ونهنئ أخانا نيافة الحبر الجليل مار أثناسيوس إيليا باهي في عيد شفيعه النبي إيليا.

أحبائي: إني لفخورٌ بكم إكليروساً وشعباً، وأذكر بالعز والاعتزاز والفخر كاهنكم الفاضل عزيزنا الروحي الخوري حنا مسعودي، إنه خير خلف لخير سلف. عندما نشعر بالنهضة الروحية والثقافية والاجتماعية في فيروزة نقف متأملين بتاريخها المجيد، ونرى أمامنا كاهناً فاضلاً رحمه اللّه المرحوم القس سليمان المشمل، نجد هذه الكنيسة ونفرح بها. ولا بدّ أن نذكر المغترب الذي ملك قلوبنا جميعاً رحمة اللّه عليه المرحوم جعبه لويس، وكان المرحوم القس سليمان المشمل وراء غيرة جعبه.

المرحوم جعبه جاء إلى هذه القرية، قرية والديه وأجداده ـ وهو الذي ولد بأميركا ـ ليرى هذا الشعب المبارك الذي كان أبوه واحداً منهم. والتقى به في هذه القرية العزيزة فيروزة كاهن الضيعة وزعيمها المرحوم القس سليمان المشمل، ودعاه بنغمة روحية، نغمة المحبة (جعبه الحبيب) هكذا كان يدعوه، وتشجع جعبه وأراد أن يعمل شيئاً يبقى خالداً لقرية والديه، فاقترح عليه المرحوم القس سليمان المشمل أن يشيّد كنيسة، فشيّد هذه الكنيسة الجميلة، شيّدها بإيمان متين، واهتم أن تكون حقاً كنيسة تجمع الشعب لعبادة اللّه وتمجيده تعالى، ولبناء النفوس، وهذه القرية المباركة اشتهرت بمحبة العلم وسبقت غيرها في هذا الميدان. كل ذلك بهمة هذا الشعب المبارك وقائده الروحي المرحوم القس سليمان المشمل. أنا الضعيف قد عاصرت ذلك يوم كنت راهباً بسيطاً أخدم قداسة العلامة البطريرك أفرام الأول برصوم الذي كان للقس سليمان المشمل مكانة خاصة في قلبه، كان دائماً يكلفه مع كاهن آخر من صدد هو المرحوم الخوري لعازر بحل المشاكل في قرانا العزيزة. لذلك يسجل التاريخ بأحرف من نور جهاد هؤلاء الذين أحبوا اللّه وأحبوا الكنيسة وأحبوا الوطن وأسسوا المدارس، كعادة آبائنا في الماضي الذين ما شيّدوا كنيسة إلا وشيّدوا إلى جانبها مدرسة.

واليوم هذه الكنيسة خير شاهد على أتعابهم الجمّة وإيمانهم المتين الثخين ومحبتهم للكنيسة والوطن في آن معاً. نحمد اللّه أن أبناءهم ينسجون على منوالهم ولئن ابتعدوا جسدياً عن أرض الوطن لكنهم في المهجر يعيشون فيروزة هناك، ويعيشون سورية، سورية العزيزة مهد الكنيسة السريانية، ونحن لسورية وسورية لنا واسمنا يدل علينا، ومهما ابتعدنا وأينما كنا فعاصمة كنيستنا هي سورية. ليصون الرب سورية ويحفظها ويرفع لواءها عالياً، ويحفظ رئيسها المبجل الدكتور بشار الأسد الذي منحه اللّه همّة الشباب وحكمة الشيوخ، أطال اللّه عمره الغالي، وعلى يده يبقى دائماً هذا الوطن بتقدم وازدهار ونصر مبين.

أيها الأحباء: مباركة لكم هذه الكنيسة، ومباركة لأولادكم وأحفادكم، وليحفظ اللّه الذين تبرعوا بتجديدها وليعطهم الرب الصحة والعافية، وليحفظ أولادهم ويفرحهم بهم، وليكونوا كنارات روحٍ يرتلون ترانيم الرب ليس فقط باللسان بل بالعمل أيضاً كما قال الرب: «لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات»(مت5: 16).

أحبائي: بهذا اليوم نعيّد عيد النبي إيليا شفيع هذه الكنيسة، وعندما نعيّد عيد إيليا النبي نرى فيه نبياً عظيماً لا يقل شأناً عن إشعياء وأرميا وسائر الأنبياء الذين تركوا لنا أسفاراً مقدسة. وهو ولئن لم يكتب سفراً، إنما كانت حياته سفراً مباركاً، كانت الغيرة مجسمة فيه، يكفي أن يوحنا المعمدان عندما وصفه الرب يسوع قال عنه أنه قد أتى «بروح إيليا»، روح الغيرة، روح الشهامة، روح التمسك بالإيمان والجهاد في سبيل الحفاظ عليه. رأيناه في القرن العاشر قبل الميلاد نبياً عظيماً، وبّخ آخاب وإيزابيل زوجته الشريرة لأنهما نشرا عبادة الأوثان فترك أغلب الشعب عبادة اللّه، ولكن إيليا بكل شجاعة أعلن أن الرب الإله هو الإله الحقيقي. فتحمل المشقات وصنوف العذاب من أجل ذلك. ولا عجب، فإن الذين يخافون الرب يضطهدون، فالنبي إيليا كان متمسكاً بالإيمان باللّه وبمخافة اللّه، لذلك اضطهد وتشرد، بقي فترة طويلة من الزمن مختفياً يعيش على ساحل نهر يأتيه الغراب صباح مساء بخبز ولحم، ونشف الماء وذهب إلى صرفة صيدا كما ذكر الرب أيضاً عنه. هناك أيها الأحباء نزل ضيفاً على امرأة أرملة وابنها، وكوب الزيت وإناء الطحين لم ينفدا طيلة تلك المدة التي كان إيليا فيها في بيت تلك المرأة التي اختارها كما قال لنا الرب من بين جميع أرامل العالم والفقراء أن يكون إيليا ضيفاً عليها، بل هي ضيفٌ عليه لأنه بقوة اللّه كان الزيت لا ينفد ولا الطحين طيلة أيام المجاعة بصلاته.

إيليا أيضاً صنع أعجوبة. لقد مات ابن هذه الأرملة الوحيد، فطلب إلى اللّه وعادت إليه الحياة، هذا النبي العظيم بعد ثلاث سنوات وستة أشهر من القحط ظهر لآخاب الذي كان قد توعّده بالقتل، لذلك ظهر أمامه وقال له آخاب أنت معكّر ومكدّر اسرائيل، ووبّخه إيليا وتحداه معلناً له أن الرب هو اللّه الإله الحقيقي وحده أثناء ذلك ووضع معه شروط مباراة تعلن من هو اللّه، هل هو البعل وسائر الأوثان التي يعبدها آخاب، لأنه تبع امرأته الشريرة الوثنية إيزابيل؟ أم هو الرب الذي هو الإله الحقيقي. مباراة جرت على جبل الكرمل، أربعمائة وخمسون كاهناً من كهّان البعل وأربعمائة كاهن من كهّان السرايا يقفون أمام إيليا الذي كان يظن أنه هو وحده بقي نبياً للّه، لكن اللّه برهن له بعدئذ أن سبعة الآف ركبة لم تجثُ للبعل ولم تقدم للأوثان بخوراً. إنها مباراة إيمانية عظيمة ومصيرها مصير روحاني. إيليا يقول لأولئك الناس قدموا ثوراً، اطلبوا إلى آلهتكم ليعطوا علامة على أنهم هم الإله الحقيقي، فقدموا الثور وجرّحوا أنفسهم من الصباح إلى المساء كما يقول لنا وحي الرب. ووقف إيليا ونادى الذين عليه ليبنوا مذبحاً وليحفروا قناة، وليملؤوها ماءً، وليذبحوا الثور ويضعوه على المذبح، ودعا إيليا الرب وطلب إليه ليظهر علامة ليعلم الناس أن الرب هو الإله الحقيقي. ونادى الشعب قائلاً حتى متى تعرّجون بين الفرقتين؟ كانوا يريدون أن يكونوا ممن يعبد اللّه ويعبد الأوثان في آن معاً، هذا لا يقبل به إلهنا إنه إله غيور يريدنا أن نحبه وحده، وأن نعبده وحده، وأن لا نسجد لغيره سجود عبادة. إن كان الرب هو الإله فاتبعوه قال إيليا لذلك الشعب، وإن كان البعل فاتبعوه. ثم صلّى إيليا إلى اللّه فهبطت النار على الذبيحة، فالتهمتها والتهمت المذبح والماء، فنادى الشعب: الرب هو الإله، الرب هو الإله، هو اللّه الحقيقي.

ولا أريد أن أذكر ما كان بعدئذ من ذبح إيليا لأولئك الكهّان، وهذا أمر نعتبره عدلاً، لأنه عندما كان أولئك الكهان يحاولون هلاك الشعب كله بعبادة الأوثان، أليس من العدل أن يُبادوا؟ ألم يبد اللّه سدوم وعمورة بنار وكبريت؟ ألم يبد اللّه العالم كله بطوفان وأبقى نوحاً وعائلته.

هذا هو إيليا الغيور، هذا هو إيليا الذي رأيناه في العهد الجديد، إن كان قد صعد إلى السماء حياً، فبالعهد الجديد رأيناه أيضاً حياً مع موسى يقفان كلاهما على جبل طابور، على جبل التجلي يحدثان الرب عن الخروج، عن الذبيحة، ذبيحة نفسه التي يقدمها عن العالم. إيليا حيٌّ وسيبقى حياً إلى مجيء الرب أيضاً كما يعلمنا الكتاب المقدس. حينذاك يظهر كأحد الشاهدين على أن المسيح هو ابن اللّه وقد فدى العالم وسيأتي ثانية لدينونة العالمين. لذلك تكرمه الكنيسة أيها الأحباء وتشيّد على اسمه أبنية لعبادة اللّه، فهو شفيعكم وشفيعنا جميعاً، وهو مثالكم ومثالنا لنكون غيارى على اسم الرب ولنتمسك بالإيمان القويم، لا نعبد الأوثان إن كانوا أشخاصاً أو أصناماً أو أشياء، ألم يقل الرب ليس بالإمكان أن نعبد اللّه والمال في آن واحد؟.

لذلك أحبائي في هذا اليوم الرسالة التي تقدم لنا من السماء أن نغار غيرة للرب، أن نتمسك بالإيمان، أن نعبد اللّه كما قال يشوع بن نون للشعب: «وإن ساء في أعينكم أن تعبدوا الرب فاختاروا لأنفسكم اليوم من تعبدون… وأما أنا وبيتي فنعبد الرب»(يش24: 15).

ليكن الرب وحده إلهنا. ليكن يسوع وحده موضع حبنا. من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني، لأن اللّه محبة ولأننا إن كنا نحب اللّه لا بدّ أن نحب القريب أيضاً الذي خلقه اللّه مثلنا ذا عقل نير وضمير نقي. لنحب القريب لنبرهن على محبتنا للّه، ولنكن غيارى كالنبي إيليا، ونعمته تشملكم دائماً أبداً وكل عام وأنتم بخير وألف مبروك هذه الكنيسة.

وضع حجر الأساس لدير مار أنطونيوس ـ صدد·

أصحاب النيافة والسماحة والسيادة،

أيها الشعب المبارك:

أشكر اللّه شكراً جزيلاً على هذه الفرصة الذهبية التي أتاحها اللّه لي لأراكم أحبائي يا أبناء صدد وأبناء أخوات صدد وبنات أخوات صدد من القرى المباركة في هذه النواحي المقدسة. إنني لفخور بأخي صاحب النيافة الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماة وتوابعهما الذي اختاره اللّه ليبدأ نهضة روحية وثقافية ووطنية في هذه الأبرشية العريقة بالمجد، والذي منذ نعومة أظفاره كما ذكر كان يحلم أن يؤسس ديراً. وشاء اللّه فاختاره ليكون مطراناً لهذه الأبرشية واختاره أيضاً ليختار هذا الموقع الممتاز ليؤسس فيه ديراً باسم مار أنطونيوس أبي الرهبان الذي عاش في البرية وأحبها وأحب الناس أيضاً، وصلّى لأجلهم فكانت صلاته قوة وراء الكنيسة، وهو الذي تمسك بالحق وبالعقيدة السمحة وتحمل الآلام والمشقات في سبيل تثبيت هذه الجماعة المؤمنة على أساس هذه العقيدة.

إنني يا أحبائي ـ الشعب السرياني ـ الذي وطن كنيسته ومهدها سوريا العزيزة. هذا الشعب يفتخر برئيس سوريا سيادة الدكتور بشار الأسد حفظه اللّه وباركه وعلى يده يكون النصر لسوريا العزيزة. وفي عهده وعهد الخالد الذكر الرئيس القائد حافظ الأسد توطدت الوحدة الوطنية وكما ذكر أخي صاحب السماحة الشيخ أسعد الشباك إننا نفخر بوحدتنا الوطنية إن كنا مسيحيين أو مسلمين فنحن إخوة في هذا الوطن العزيز ونشارك بعضنا بعضاً خاصة فيما نسعى إليه جميعاً للحياة الآمنة في وطننا الحبيب سورية.

أيّها الأحباء: كانت أديرتنا وما تزال منارة علم ودين وثقافة كانت كليات لا لدراسة اللاهوت فقط بل لدراسة اللغات ومختلف صنوف العلم والمعرفة. لذلك أيضاً رأينا في التاريخ علماء الأديرة قد تعاضدوا وتساعدوا وتعاونوا مع إخوتهم المسلمين العرب لترجمة الفلسفة اليونانية وغيرها من العلوم إلى السريانية فالعربية.

وهذا الصرح الذي سيشيّد إن شاء اللّه من مال المؤمنين وبهمّة أخينا الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة سيخدم العلم والدين في آن معاً وسيكون عنواناً للوحدة الوطنية كما كان إخوتنا المسلمون من الخلفاء والرؤساء والعلماء يأتون إلى الأديرة السريانية وغيرها ينشدون راحة البال والهدوء والسكينة ويتبادلون وعلماء الأديرة العلوم والمعرفة فتزداد المحبة بينهم فيصيرون كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً كذلك سيكون هذا الدير إن شاء اللّه منارة للعلم والمعرفة ومركزاً للوحدة الوطنية وعنواناً للمحبة.

أتمنى أحبائي أن نصلي جميعاً لأجل نجاح هذا المشروع وأتمنى على السريان في كل مكان في الوطن والمهجر أن يتعاضدوا مع نيافة المطران بطرس النعمة في تشييد هذا الدير وأصلي من كل قلبي أن تفرحوا يوماً ما وليكن هذا اليوم قريباً بافتتاح هذا الدير المقدس. وأتمنى أيضاً أن يعطيني الرب نعمة الحياة إلى ذلك اليوم لكي أشارككم تلك الفرحة الروحية. شكري الجزيل لجميع الذين اشتركوا معنا في هذا الحفل المبارك والذين ذكرهم أخي العزيز نيافة الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة وفي مقدمة ذلك إخوتي المطارنة من جميع الطوائف الذين تجشموا عناء السفر في المجيء إلى هنا وأخي العزيز سماحة المفتي أسعد الشباك الذي اسمه وشخصه في قلبي وفكري.

أكرر شكري لكم، وشكري وشكركم للّه تعالى الذي أهلنا لنجتمع ههنا وليعطكم الرب الصحة والعافية والتوفيق لتحتفلوا إن شاء اللّه بتقديس هذا الدير ونعمة اللّه تشملكم دائماً وأبداً آمين.

افتتاح دار المحبة ـ معرة صيدنايا·

نشكر الله شكراً جزيلاً أيها الأحبّاء الذي أهّلنا لنرى بأم عيننا إنجاز المشاريع التي قام بها تعالى على يدنا أنا الضعيف، وآخرها مشروع دار المحبة للمسنين من الإكليروس. ليبارك الرب كل من قدّم وتبرّع وشجّع لإقامة مشاريع كهذه لما فيه تمجيد اسمه القدوس وكنيسته المقدسة. وإنني في هذا اليوم البهيج الذي فيه قدّسنا هذه الكنيسة على اسم القديس مار متّى، أشكره تعالى لأنه أيضاً أتمّ هذا المشروع على يدنا أنا الضعيف. أشكر اخوتي أصحاب النيافة الأحبار الأجلاّء الذين شاركوني الصلاة في تقديس هذا المبني ليكون بيتاً لله تعالى: مار طيمثاوس أفرام عبودي النائب البطريركي في كندا. مار سويريوس اسحق ساكا النائب البطريركي للدراسات السريانية العليا. مار أوسطاثيوس متّى روهم مطران الجزيرة والفرات. مار يوليوس قرياقس السكرتير البطريركي الأوّل والنائب البطريركي لشؤون الكنيسة في الهند. مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي.

أشكرهم وأشكر الكهنة كافةً، الرهبان الأعزّاء الذين فرحتهم تضاهي فرحتي بتقديس هذا المبنى ليكون محلاً للعبادة. وباسمهم جميعاً وباسمكم يروق في عيد مار متّى هذا أن نقدّم التهاني القلبيّة إلى أخينا نيافة الجليل الهمام: مار أوسطاثيوس متّى روهم مطران الجزيرة والفرات، ليعيده الله عليه والأبرشية زاهرة وفي تقدّم ثقافـيّ وروحي واجتماعي وإلى الأمام ليكون دائماً موضع فخرنا واعتزازنا، وكذلك تلك الأبرشيّة العزيزة.

كما أقدّم التهاني أيضاً للابن الروحي الفاضل الأب الربان متّى عبد الأحد مدير كليّة مار أفرام في عيده هذا، ليحفظه الله ليواصل خدمته. وكذلك لابننا الروحي الفضل الإكليريكي متّى الخوري وباسمكم جميعاً أقدّم التهاني لكل راهب ولكل راهبة في عيد القديس مار متّى أبي الرهبان في بلاد المشرق.

أيها الأحباء: كما أهنّئ كل من سعى واجتهد في تشييد شقق مبنى دار المحبة للمسنين من الإكليروس، بتشييد هذه الكنيسة الجميلة. ليباركهم الرب، وأخصّ بالذكر فيهم الابن الروحي الفاضل الأستاذ المهندس نبيل فائز معمر الذي خطّط ونظّم وشيّد ونفّذ وسعى ليلاً ونهاراً لإقامة هذا المبنى الجليل والجميل وخاصة هذه الكنيسة المقدّسة. كنّا عندما هندس ونفّذ وشيّد مجّاناً كنيسة السيّدة العذراء التي شيّدتها البطريركية من مال المؤمنين، كنّا قد وشّحناه بوسام مار أفرام من رتبة فارس، واليوم كذكرى وبركة لعمله هذا الجبّار نهديه أيقونة السيّد المسيح لتبقى بركةً لداره العامرة له ولوالديه. 

ونحن نتكلّم بموضوع تشييد هذه الكنيسة، كنيسة مار متّى لابد أن نذكر كلّ من اجتهد مع ابننا الروحي الأستاذ نبيل معمر، بالقيام بتشييد الكنيسة والمبنى والشقق الممتازة التي أتمنّى لكل واحد منكم أن يراها ويمجّد الله ويشكره لأنه قد باركنا نحن السريان في هذه الدّيار. أذكر في هذه المناسبة أيضاً والده الأستاذ فائز الذي كان يتواجد في هذا المكان لخدمة الرب والسّعي لإنجاز هذا المشروع، أذكر والدته التي كانت تحثّه بكل نشاط على إكمال عمله. ولا أنسى زوجته المهندسة منى التي اشتركت معه في هذه الفعّاليات، ليحفظهم الرب. وفي هذا المجال أيضاً لابد أن أذكر الرهبان الأعزّاء الذين اجتهدوا وسعوا لتلبية كل ما كان يحتاج إليه الأستاذ نبيل سواء أبونا متّى مدير الكليّة، أو أبونا ماتياس المعاون، واذكر على الأخص الابنة الروحيّة الفاضلة الأم الراهبة حنينة، التي حقيقةً عملت كثيراً في المساعدة بإنجاز هذا المشروع وخاصةً أثاث الشقق. التي بسعيها واجتهادها وسعي من كان يساعدها كخبرة السيد معلّم النجارة جان حدّاد (أبو يوسف). أمّا الخطوط الجميلة التي ترونها فهي للخطاط العظيم والشماس الممتاز ذي الصوت الرائع الشماس عيس فرج، أشكره جداً على هذه الأمور، وهو مثال للشماس الفاضل الذي يخدم كنيسته بسخاء وبذل وعطاء.

أحبائي: وأنا في هذا الموقف أرى كلّ واحد منكم يتأمّل بهذه الأيقونات الجميلة المقدّسة، هذه الأيقونات، أيقونة الرب يسوع التي توحي لنا أننا بحضور الرب يسوع حقّاً، أيقونة السيدة العذراء أمنا المباركة. وخاصة في هذه الكنيسة ولأول مرة رُسمَت أيقونة القديس رئيس النسّاك والرهبان، مار متى الناسك. قصّتها قصّة سماوية. هذه الأيقونات رسمتها راهبات عزيزات من دير القديسة الشهيدة دميانة في مصر، يمثلن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الشقيقة: الأم الراهبة أغابي، والأم الراهبة تريفوسا. أيقونة السيّدة العذراء رُسمَت بيدهن في أماكن عديدة، وأيقونة السيّد المسيح كذلك، أما أيقونة القديس رئيس الرهبان والنسّاك وأبو الرّهبان: مار متى فللمرّة الأولى كما ذكرت. أنا الذي أعطيتُ الملامح ورسمن الأيقونة كما كان طيف القديس مار متّى قد ظهر سنة 1966 في ديره ببيت القديسين، ورأيته بأم عيني ووصفته للراهبتَين العزيزتَين الفاضلتَين، وبعد أن رُسِم بيدهن تماماً كأني أراه كما رأيته سنة 1966 في بيت القديسين في دير مار متّى، ورآه حينذاك مئات من الناس، وحدثت وجرت أعاجيب كثيرة ليس لنا وقت لنذكرها كلّها. نذكر منها شفاء طفل في السادسة عشرة من عمره من برطلة ومن كنيسة السريان الكاثوليك. نامت والدته معه في بيت القديسين بعد أن ظهر طيفه أمام الجميع، وليلاً قام يوقظها قائلاً: جاء شيخ وأيقظني بصليبه وقال: قم لقد شفيت. ومن تلك الساعة شُفي وكان يُصاب بالصرع. هذه أعجوبة كمثال ولكن في الحقيقة أنا أربط كل هذه الأشياء بما نفكّر به نحن، ندعو مثلاً هذه الكنيسة: كنيسة مار متّى. الكنيسة هي كنيسة المسيح، كنيسة الله الذي بعد تقديس كل مبنى يحلّ فيه الروح القدس، ونطلب من الرب كما طلب سليمان عندما أسّس وشيّد وبنى الهيكل، أن يسمع الرب صلاة أي إنسان مؤمن يقدّمها في هذا المكان، لكن عندما ندعو الكنيسة، كنيسة مار متّى أو أي واحد من القديسين أو العذراء نطلب من القديسين الأبرار الأنقياء أن يتشفّعوا بنا أن يصلوا لأجلنا، فهم أحياء. وذكرتُ قصة رؤيتي الطّيف، وقد نشرها سلفي المثلث الرّحمة في المجلّة البطريركية حينذاك عندما كتب لي يسألني عمّا يجري هناك في الدير، وذكرتُ له القصّة ونشرها في المجلة البطريركية، ومثلما قلنا أن راهباتنا العزيزات عندما سمعن القصّة عملن تماماً كما ذكرتُ لهنّ عن صورة القديس وهذه هي كما ترونها. ونحن نؤمن أن الأبرار والقديسين كسائر الناس عندما يرقدون، وخاصة من رقد بالرب كما يذكر سفر الرؤيا عن الشّهداء أن أرواحهم كانت تحت المذبح، فهم أحياء والقديس مار متّى الذي عاش في القرن الرابع وتنسّك في جبل الألفاف، هو ليس مار متّى الرسول الذي كتب الإنجيل، بل مار متّى النّاسك والعالم أيضاً الذي كان من ديار بكر، ولد هناك ودرس وتعمّق في دراسات اللاهوت والروحيّات وتنسّك في أديار عديدة بقرب ديار بكر. هذا الناسك، هذا القديس وإن مات ولكنه حيّ بروحه، وهؤلاء القديسون بأرواحهم يستحقّون أن يكونوا في فردوس النّعيم مع الرب، وهم يتشفّعون بنا، هم حاضرون متى احتجنا إليهم، بقوّة الله يحضرون، وعندما يظهر طيفٌ لأحد القديسين نشعر أننا لسنا وحدنا على هذه الأرض. هؤلاء القديسون بأرواحنا يرافقوننا، وعندما نحتاج إليهم تحدث الأعاجيب واليوم قدّمنا هذا القديس العظيم بإلهام ربّاني ليكون في هذه الدّيار أيضاً. ليتشفّع بنا وليصلي لأجلنا وليبارككم أيّها الأحبّاء أنتم الذين اشتركتم بهذا الطقس المقدس، وليبارك كل من اشترك وتبرّع، وستذكر أسماء بعضهم، كل من يتبرّع للمشاريع الخيرية الروحيّة الاجتماعية التي تؤول إلى تمجيد اسم الله القدوس. لا أريد أن أطيل عليكم الكلام أحبائي بل نختم بالدعاء إلى الله أن يسمع صلاة كل من يقدم صلاته في هذا المكان، وأن يجعل هذا المركز: دار المحبة للمسنين من الإكليروس سبب نعمة لنا جميعاً لكي إذا ما سكن به أحدنا من العلمانيين والإكليروس معاً لينالوا بركة القديس مار متّى الناسك، وكل عام وأنتم بخير.

من عظات عام 2004

من عظات عام 2004

رسامة المطران مار تيطس يلدو·

نهنّئ المطران الجديد الذي قمنا برسامته نائباً بطريركياً لأبرشية ملانكارا التابعة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في أمريكا الشمالية. ونودّ أن ننوّه بكيفيّة تأسيس هذه الأبرشية هناك. فلقد شعر المؤمنون السريان القادمون من الهند بالحاجة إلى أسقف مالايالي (ناطق بالمليالم لغة كيرالا في جنوب الهند)، فطلبوا منا أن نكرّس ونسيم مطرانا لهم ليهتم بأمور المؤمنين في الهند. فناقشنا تلك المسألة مع أخينا المثلث الرحمة الكاثوليكوس باسيليوس بولس الثاني وبعض مطارنتنا في الهند. وقد قرّرنا أن نؤسس أبرشية جديدة للرعايا التي جاءت من الهند إلى أميركا الشمالية ونرسم لها مطراناً. فأسسنا تلك الأبرشية عام 1993، بعد أن استشرنا المثلث الرحمة الكاثوليكوس باسيليوس بولس الثاني ومطارنة الهند ومؤمني أمريكا الشمالية وقررنا أن تكون تلك الأبرشية أبرشية مستقلة تدار بشكل مباشر تحت سلطة كرسي أنطاكية وسائر المشرق ويكون أسقفها تحت ولايتنا القضائية المباشرة وسيطرتنا.

ثم جاءت رسامة أول مطران مليئة بالآمال العظيمة والتوقعات. ولكنه لسوء الحظ قام بإحداث بعض المشاكل التي لم نكن نتوقعها ضد إيماننا وتقاليدنا مما أدّى في النهاية إلى حرمانه من كنيستنا المقدّسة الرّسولية.

ثم قمنا بمراقبة التّطوّرات بشكل دقيق في هذه الأبرشية وكنا مقتنعين تماماً بأهمية رسامة أسقف جديد متفرّغ لها بدون أي تأخير. وبعد أخذ التدابير اللازمة والتمحيص اخترنا ابننا الرّوحي المحبوب الربان يلدو ليرسم مطرانا نائبا بطريركيا هناك. ثم أفصحنا هذه المسألة إلى أخينا المحبوب في المسيح غبطة الكاثوليكوس مار باسيليوس توماس الأول كاثوليكوس الهند ومطارنة كنائس الكرسي الرسولي (السيمحاسانا) والمؤسسات والأديرة والأبرشيات التي هي تحت إدارتنا المباشرة وسيطرتنا. وأظهروا جميعهم قبولهم لتكريسه. كما إننا وجدنا أن الربان يلدو شاب ومتعلم ومخلص وأهل لذلك وقدّرنا إخلاصه وولاءه إلى الكرسي الأنطاكي المقدس. وبعد دراسته في كليتنا اللاهوتية هنا في معرة صيدنايا أرسلناه إلى الولايات المتحدة لإتمام دراسته اللاهوتية فحاز على درجة الماجستير في اللاهوت، وننصحه بالاستمرار في دراساته لنيل شهادة الدّكتوراه في خضم كل مسؤولياته الإدارية.

ونودّ أن نوضح جلياً أنه بالرغم من أن الأبرشية تدعى أبرشية مالانكارا في أمريكا الشمالية، إلا أنها جزء لا يتجزّأ من كنيستنا السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية وأنها تحت إدارتنا بشكل مباشر. إنّ كلمة «مالانكارا» تستخدم فقط لتمييز هذه الأبرشية عن الأبرشيات الأخرى التابعة لكنيستنا السريانية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. نحن متأكّدون أن الإكليروس والمؤمنين في هذه الأبرشية سيتعاونون من كل قلبهم مع المطران الجديد ويمّدونه بكل المساعدة والمساندة اللازمة حتى ينجز واجباته ووظائفه كمطران ونائب بطريركي لأبرشية مالانكارا في أمريكا الشمالية. وبهذه المناسبة نود أن نهنّئهم ونهنّئ مؤمني هذه الأبرشية. إننا ننصح المطران الجديد بأن يسلك بمخافة الله وأن يزيّن نفسه بفضائل الحق والمحبةّ والغيرة الرسولية والرحمة والتواضع. وأن يكون نموذجاً جيداً ومثلاً وقدوة لكل المؤمنين وأن يكون راعياً صالحاً. نصلّي أن يباركه الله ويبارك أبرشية مالانكارا المحبوبة.

نشكر أصحاب النيافة المطارنة الذين اشتركوا معنا في هذا الطقس الديني المقدّس وكل أولئك الذين حضروا هذه المناسبة المهيبة وخاصة أولئك الذين جاءوا من أماكن بعيدة. فليبارككم اللّه جميعاً.

رسامة المطران مار سويريوس قرياقس·

أصحاب النيافة، أعزاءنا الرهبان والراهبات،

السيدات والسادة المحترمين.

بنعمة اللّه قمنا برسامة مطران لأبرشية الكناعنة في الهند وإننا لنبتهج مع شعبنا هناك وكل المؤمنين في الهند بهذه المناسبة. إن رتبة المطران هي رتبة سامية جدا في الكنيسة الرّسولية. قال مار إغناطيوس النوراني أسقف أنطاكية الثالث (107+): «حيث لا يكون أسقف، لا تكون كنيسة». فعادةً يُختار المطارنة ليرأسوا الأبرشيات المنظّمة. وبحسب القانون الكنسي لا يمكن للبطريرك أن يرسم أسقفاً جديداً ما لم يساعده أسقفان على الأقل في الرسامة، وهذا كله يوضح أهمية الأسقف. فينبغي على الأسقف أن يحمي الإيمان ويعلّم المؤمنين، ويقدّس ويدير أمور الكنيسة. وبعبارة أخرى عليه أن يراقب غنمه لكي يحفظوا تّعاليم سيدنا يسوع المسيح بشكل فعال. إن ممارسة الوظيفة الأسقفية تبلغ أوجها عندما يكون الأسقف في شركة مع إخوته الأساقفة في المجمع المقدّس برئاسة البطريرك. إن الأساقفة هم خلفاء الرسل، والبطريرك هو خليفة القديس بطرس هامة الرسل. إذن فالبطريرك والأساقفة مدعوون من الروح القدس لحمل وظائفهم الخاصة كما ورد في سفر أعمال الرسل حول موضوع برنابا وشاول. فإننا نقرأ في أعمال الرسل 2:13 و3 «وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما». مما يعني أن الأسقف يدعى من قبل الروح القدس للقيام بعمل الله.

إننا لفخورون بشعبنا في أبرشية الكناعنة. فلقد جاء أسلافهم إلى الهند في القرن الرابع برعاية مار توما الكنعاني وببركات وتوجيهات البطريرك مار أوسطاثيوس الأنطاكي، قادمين من الرها التي كانت في نطاق سلطة البطريرك الأنطاكي. لقد حفظوا الإيمان الحقيقي والتّقاليد القديمة لكنيستنا الرّسولية بل أغنوا تراثهم السرياني بالتّراث الهندي مع الحفاظ التام على هويتهم خلال العصور.

إن وصولهم إلى هناك قوى كنيستنا في الهند التي كانت تحت سلطة بطريرك أنطاكية. وقد ساهم الكنعانيون بالكثير في سبيل نمو وإنعاش كنيستنا السريانية الأرثوذكسية في الهند منذ عام 345م. بل يعتبرون أيضاً برهاناً جيداً لقيام آبائنا السريان بالتبشير بالهند. وننتهز هذه الفرصة لنهنّئ أعضاء أبرشية الكناعنة على الدّور التّقدمّي الذي لعبوه في المجالات الدينية والاجتماعية والسّياسية في الهند.

وهنا نود أن ننوّه عن مكانة أبرشية الكناعنة بين الأبرشيات الأخرى وموقعها في كنيستنا. فكما تعلمون إن أنجيليموتيل إيتيتومان كاتانار، الزعيم البارز في كنيستنا في ترافانكور كان من الشعب الذي يسمّى الكناعنة. وقد أعطى مثلاً بطولياً عام 1653 في سبيل القسم العام الذي يدعى قسم الصليب Koonen Cross Oath مؤكداً العلاقة الوثيقة بين السريان في الهند والكرسي الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي. إن المثلث الرحمة فيليب آدافازيكال، وهو جد جد المطران الجديد الذي كرّسناه اليوم، كان قد كرّس حياته في سبيل الدفاع عن موقف كنيستنا ضد المارتوميين في مالانكارا وعانى كثيراً حتى ربح الدعوى في المحكمة. كما أنه كان سكرتيراً لمار ديونيسيوس جوزيف مطران مالانكارا وكذلك لجمعية مالانكارا.

في العصور الأولى، كان الكنعانيون تحت أبرشيات نيرانام وكوتايام وكاندناط. إلا إن جماعة الكناعنة أصبحت أبرشية مستقلة في عام 1910 بهمة سلفنا الأسبق الطيب الذكر البطريرك مار إغناطيوس عبد اللّه الثاني. وقد عيّن المثلث الرحمة المطران مار سويريوس كيواركيس كأول مطران للأبرشية، والذي هو أيضاً من أسلاف مطراننا الجديد. وإننا نعلم أن مار سويريوس كيوركيس كان لطيفاً وبسيطاً ومخلصاً للكرسي الأنطاكي الرّسولي المقدّس. وبعدها قام الطيب الذكر البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول، برسامة مار إقليميس أبراهام مطرانا عليها في عام 1951، الذي تمّ انتخابه في عام 1958 مطراناً لمالانكارا. إن المحكمة العليا في حكمها النّهائي عام 1995 نصت على أنه «إذا اجتمعت مجموعة معينة من الناس (الكناعنة) وأقرت بالرئاسة العليا للبطريرك عليها وبأن ذلك يشكل جزءاً من إيمانها، فإن المحكمة لا يمكن أن تقول (لا) بضمان المقالة 25 بحسب الدستور الهندي والذي أخذ بالاعتبار». ذلك وأن تبقى تحت سلطة البطريرك. أن العمل الشاق والتعاون بين رجال الدين والمؤمنين أديّا إلى نمو الأبرشية، بل أنها أصبحت من أفضل الأبرشيات والأكثر تنظيماً وازدهاراً في كنيستنا في الهند.

لقد رسمنا اليوم مطراناً جديداً لأبرشية الكناعنة في الهند. نهنّئه بالرسامة وكذلك نهنئ شعبنا المؤمن بالأبرشية. نتمنّى من المطران الجديد، مار سويريوس قرياقس، أن يعمل من أجل سلام ووحدة أبرشية الكناعنة وأن يستعمل الموهبة المعطاة له لنفع وخير الجميع. إننا نوصي شعبنا في أبرشية الكناعنة بالمحافظة على الإيمان الحقيقي والتّقاليد القديمة لكنيستنا الرّسولية المقدّسة. كما نسألهم أن يهتم الإكليروس بدراسة اللّغة السّريانية، لغة سيدنا يسوع المسيح ونشرها، بين شعبنا هناك. وأنتم جميعا يجب أن تتعلّموا اللّغة السّريانية وتشجّعوا أولادكم على دراستها. وهنا، نودّ أن نشكر محبوبنا المطران مار ديونيسيوس كيواركيس والبروفسور الخوري أ. ب. جوزيف المدير، اللذين عيّنّاهما للعناية بالأمور الرّوحية والإدارية للأبرشية منذ شغورها وإلى الآن حيث رسمنا لها مطراناً شرعياً جديداً. فليباركهما الله. إننا نحثّكم جميعاً على المحافظة على وحدة كنيستنا هناك. ونهدي إليكم بركاتنا الرّسولية ونصلّي من أجل تّقدم وازدهار أبرشية الكناعنة في الهند.

نشكر أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء الذين اشتركوا معنا في هذا الطقس الديني المقدّس وكل أولئك الذين حضروا في هذه المناسبة المهيبة، وخاصة أولئك الذين جاءوا من أماكن بعيدة. فليبارككم الله جميعاً.

رسامة رهبان من كلية مار أفرام السرياني·

بنعمة الله تعالى وبالهام الروح القدس احتفلنا في هذا اليوم المبارك بالقداس الإلهي في كنيسة مار أفرام في دير مار أفرام السرياني في معرة صيدنايا، شاكرين الله تعالى على النعم العظيمة التي أسبغها علينا، فأهلنا أن نقوم بإلباس الإسكيم الرهباني لأربعة شمامسة من طلاب كلية مار أفرام السرياني الإكليريكية، الأبناء الروحيين وهم: يوقين أونفال، أفرام حنا، متى الخوري، صليبا نعمة القسيس.

هؤلاء الرهبان الأربعة أمام الله، وأمام مذبحه المقدس، وأمام أحبار الكنيسة والكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة وهذا الشعب المبارك، تعهّدوا أن يكونوا لله تائبين عمّا مضى من خطايا وزلات يقترفها الإنسان بضعفه الجسدي، محتّمين أن لا يعودوا إلى الخطية، مكرِّسين أنفسهم لله تعالى بالنذور الرهبانية: البتولية مقترنة بالعفة، والفقر الاختياري، والطاعة التامة لوصايا الرب ولتوجيه رئيس الكنيسة الأعلى وأبي الرهبان والرؤساء المكانيين في الأديرة أو الكنائس أو المؤسسات الروحية بحسب ما يشاء الله.

هؤلاء الأعزاء الأربعة نشؤوا في دورهم العامرة بتقوى الله، وتربّوا تربية صالحة، فبارك الله لأهلهم وذويهم الذين أعدوهم لكي يقدموا أنفسهم لله. واليوم في هذا الاحتفال الذي حقاً يعدَّ مقدساً نشترك جميعاً بالشهادة على ما قدموه أمام الرب من وعود ونذور، ونصلي جميعاً بأن يقبل الله نذورهم وأن يقويهم لكي ينتصروا على إبليس وجنده وعلى كل ما هو مخالف لنواميس الله.

وإنني في هذه المناسبة لأشكر إخوتي أصحاب النيافة الأجلاء مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، المطران مار يوليوس قرياقس السكرتير البطريركي الأول والنائب البطريركي لشؤون الكنيسة في الهند، ومار سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماه وتوابعهما، والمطران مار سويريوس صليبا توما النائب البطريركي في زحلة والبقاع، والمطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي. أشكرهم على مشاركتهم إياي الفرحة بتقديم هذه الثمار الناضجة، ثمار كلية مار أفرام في عيد مار أفرام هذا المجيد بتقديمهم للرب، كما أثني جزيل الثناء على الابنين الروحيين الأب الربان متى عبد الأحد ناظر كلية مار أفرام اللاهوتية والأب الربان متياس نايش معاون ناظر كلية مار أفرام اللاهوتية والمرشد الروحي على اهتمامهما في خدمة الكنيسة وهذه الكلية التي توصف بأنها: «قلب الكنيسة النابض»، كما أثني أيضاً وأهنئ جميع من يمتّ إلى هؤلاء الرهبان الأحباء بصلة القرابة والصداقة والزمالة، الآباء والأمهات الأفاضل جميع أقرباء هؤلاء الأعزاء والأساتذة الذين درسوهم واعتنوا بتربيتهم وتهذيبهم لكي ينشؤوا نشأة رهبانية صالحة، وبالهام الروح القدس تهيَّؤوا لكي يقدموا نفوسهم للرب.

أهنئ في عيد مار أفرام الكلية وناظرها ومعاونه وأساتذة الكلية ورهبان وراهبات السريان، أهنئ كل من سُمي أفرام في هذا اليوم المبارك في عيد مار أفرام، وقد ذكرت على مذبح الرب كل من له تعب في تأسيس هذه الكلية وفي خدمتها وخدمة أساتذتها وطلابها.

عندما نعيد لمار أفرام أيها الأحباء نرى فيه كما وُصف نبي السريان وشمسهم وكنارة الروح القدس نرى فيه المثل السامي لكل الرهبان والراهبات، نرى فيه الراهب الشماس الذي يقود موكباً عبر الدهور والأجيال وإلى الأبد، ما دام السريان في أمجادهم وليبقوا بأمجادهم بقوة الله إلى أبد الآبدين، يقود البطاركة وهو شماس، والمطارنة وهم أحبار الكنيسة والكهنة والشمامسة في آن واحد، صباح مساء نرنّم ما ألفه لنا ووضعه من أناشيد ونكمل الطقوس السامية بلغتنا السريانية، لغة ربنا يسوع المسيح المقدسة.

وعندما نقدم أنفسنا للرب رهباناً وراهبات، نتقشف بزهد بأصوام وصلوات مستمرة وفي وحدة وانعزال عن الناس، نغلق باب قلايتنا لننفرد بالرب، نشعر بقوة سامية أن الرب معنا مثل مار أفرام أيضاً، لا ننعزل في وقت الضيق، نقاوم الهرطقات التي تريد أن تفسد إيماننا القويم الرأي، نساعد الفقراء والمساكين مثلما فعل مار أفرام، ونسعف المرضى ونصلي لأجلهم مثلما فعل مار أفرام، وفي الوقت ذاته نصلي لأجل خلاص نفوسنا، وخلاص الآخرين.

هذه رسالة الرهبانية لدينا، ليست فقط أن ينعزل الإنسان ويبتعد عن العالم ليكون قوة بصلاته وراء الكنيسة، بل أيضاً ليكون قوة في الكنيسة بإقامة نفسه مثالاً طيباً للإنسان الذي يؤمن بالأبدية، ويضحيّ بكل شيء ليكتسب الحياة الأبدية، يحمل الصليب ـ الشرط الذي وضعه الرب يسوع للتلميذ الصالح الحقيقي ـ أن يحمل صليبه ويتبع المسيح. أين يتبعه؟ هناك طريقان في هذه الحياة باب واسع وطريق واسع جداً، لكن لا تؤدي إلى ملكوت الله، وباب ضيق وطريق صعبة جداً مليئة بالأشواك، مليئة بالآلام، وفيها يحمل الإنسان صليباً تابعاً القيرواني الذي حمل صليب الرب ليخفف عنه آلامه، تابعاً الزهاد والنساك والرهبان والراهبات الذين ضحّوا بنفوسهم ليربحوا الحياة الأبدية، هذه الطريق تؤدي حقاً إلى ملكوت الله.

هذا هو المكسب، هذا الربح العظيم في معرض الخسارة نرى أن الإنسان قد خسر كل شيء، أحياناً نبكي عندما نراه يقدم نفسه لله وعلينا ـ وإن كنا في الضعف البشري نتألم لأننا نفتكر دنيوياً ـ علينا أن نبتهج لأنَّ هذا الإنسان مرشح لنيل ملكوت الله لنيل السعادة الأبدية.

لا أود أن أطيل عليكم الكلام، ولكن لابدّ أن أقول كلمة عن نفسي: عندما قدمت نفسي لله وأنا في الثالثة عشر من عمري، ألهمني الله أنني سأسلك طريقا أكون فيها راهباً بسيطاً في هذه الكنيسة المقدسة، وانخرطت في سلك الإكليريكية وفي الثالثة والعشرين من عمري، بعد أن أنهيت دراستي شعرت بقوة إلهية تدفعني لأكرّس نفسي كلياً لله، وبعد موافقة أبي الآباء وأبي الرهبان السريان الكلي الطوبى المثلث الرحمة البطريرك أفرام الأول برصوم مؤسس مدرسة مار أفرام الاكليريكية بعرق جبينه ودم قلبه، والذي روحه معنا اليوم تبتهج وتفرح حينما ترى رهباناً يتقدمون ليواصلوا هذه الرسالة، ليتبعوا أفرام السرياني الملفان العظيم، والبطريرك أفرام برصوم أبا الإصلاح في الكنيسة في القرن العشرين بعدئذٍ، وفي السادس من الشهر السادس (حزيران) ألبسني الاسكيم الرهباني المثلث الرحمة معلمي ومدير الاكليريكية المطران مار غريغوريوس بولس بهنام الذي له أتعاب كثيرة في خدمة الكلية الاكليريكية، ومنذ ذلك الحين ـ أيها الأحباء ـ أشعر بنفسي بأنني أصبحت لله، منذ نعومة أظفاري كان شعاري وأنا أقف أمام الله وأنفرد به بصلاة طويلة وعميقة: «إن أبي وأمي قد تركاني أما الرب فقد قبلني»، حقاً الرب قد قبلني.

وعندما أُلبست الاسكيم الرهباني وأشار إليّ معلمي المطران بولس بهنام أن أتكلم فبدأت كلامي: «مع المسيح صُلبتُ ـ قال الرسول بولس ـ لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ»، هذه هي الرهبانية أن يصلُب الإنسان نفسه مع المسيح، من هو المسيح؟ الله ظهر في الجسد، من نحن؟ نحن بشر ضعفاء، ما قيمتنا؟ وما ثمننا، عندما نقارن أنفسنا بالله تعالى؟ فإذا كان المسيح يسوع الإله الذي ظهر بالجسد جاء وفدانا بآلامه بحمله الصليب وبصعوده أيضاً على الصليب ليصلب عنّا وفدانا، فإذا دعانا أن نحمل صليبه، فهل هذا كثير علينا؟

ولكن، لنعلم أن المسيح لا يترك من يضحي بنفسه وبكل شيء من ماديات في هذا العالم ورغباته وشهواته، الله لا يترك هذا الإنسان وحده، حتى شعور رؤوسكم ـ قال لنا ـ أنها محصاة، من يقدر أن يحصي شعر رأسه، شعور رؤوسنا كلها محصاة لأن الرب معنا، لأنه هو يقوينا، لأنه هو دعانا ونحن قد حملنا صليبنا وتبعناه.

ما أجمل ما قُرئ على مسامعكم في بدء القداس من سفر أعمال الرسل عن الرسول بطرس الذي سُجن سجناً قاسياً جداً، وعشرات الجند كانوا حواليه وقد كُبل بسلاسل حديدية وهُيئ لكي يُقدم لليهود ليُقتل، ولكن شاء الله فأرسل ملاكه ونبه بطرس ليقوم ويتبعه. تكسرت القيود، قام بطرس بشجاعة تبع ملاك الرب الأبواب انفتحت والحراس كانوا كموتى عندما خرج خارج السجن وتحرر وتطلع في نفسه أنه لا يرى رؤيا ولا هو في حلم، ولكن ما كان حقيقة ذلك؟ شعر أن الله قد أنقذه من أعدائه، ومن ذلك السجن المظلم، فجاء وقرع على باب بيت مريم ومرقس العلية المقدسة، لم يصدق من كان هناك الجارية تقول لهم أني أسمع صوت بطرس يقرع على الباب اعتبروها قد جُنَّت، ثم قالوا لعله ملاك بطرس لعله طيفه، ولكن فتحوا الباب فرأوا بطرس بالذات، الله لا يتركنا أبداً، هو معنا طالما نحن نقدم أنفسنا لله.

هذه نعمة عظيمة، على الأرض نهيئ أنفسنا لنكون من أبناء السماء في الأبدية لهذا أريدكم أن تفرحوا في هذا اليوم أيها الأحباء، كما نفرح نحن، لأنّ الحصاد كثير والفعلة قليلون، وقد هيأ الرب فعلةً لحصاده، نفرح لهؤلاء الذين يقتدون فينا، كما فعلنا نحن يفعلون، وكما تبعنا الرب يسوع المسيح بإيمان متين ونحاول أن نكون مخلصين لرسالتنا الرهبانية، وإن كنّا بنعمة الله نتبوأ مراكز مرموقة في الكنيسة، ولكننا نبقى رهباناً ولا ننسى ساعة قدّمنا أنفسنا لله كرهبان، لذلك أحبائي يجب أن نفرح لأن هؤلاء الرهبان الأربعة قد انخرطوا في سلك الرهبانية ليسلكوا الطريق الصعبة بعد أن دخلوا الباب الضيق، الطريق التي تبلغ بهم إلى ملكوت الله، ونصلي لأجلهم ليصلوا هم أيضاً لأجلنا ولأجل أقربائهم وأحبائهم وأصدقائهم وزملائهم لكي يعطيهم الرب نعمة عظيمة ليتمّموا هذه الرسالة والنذور الرهبانية، ويكونوا سبب نعمة وخلاص لا لأنفسهم فقط بل للذين يمتون إليهم بصلة القرابة الجسدية والروحية ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً، وكل عام وأنتم بخير.

افتتاح مؤتمر التراث السرياني ـ دمشق·

سيادة الدكتور محمود السيد، وزير الثقافة في الجمهورية العربية السورية، راعي المؤتمر المحترم.

أيّها السيدات والسادة،

يسرّني اليومَ أن أكونَ بينكم في حفل افتتاح «مؤتمر التراث السرياني» في مكتبة الأسد بدمشق. وأجدُ من واجبي أن أتقدّم بالشكر الجزيل إلى سيادة وزير الثقافة في الجمهورية العربية السورية الدكتور محمود السيد، رجلِ العلم والأدب والثقافة والأخلاقِ والوطنيّة، الذي تكرّم ووجّه إليّ الدعوةَ لإلقاء هذه الكلمةِ الموجزة في افتتاح المؤتمر.

ومن دواعي الاعتزاز أن نجد دمشق عاصمة سوريا تحتضن مؤتمراً يذكّرُ العالم بتاريخ سوريا وبالأسلاف الميامين الذين حملوا مشاعلَ العلم والحضارة وتقدّموا البشريةَ جمعاء مضيئين لها طريق الازدهارِ والتطور والحضارة والعلوم ورسالات الأديان السماوية خاصة.

ونحن السريانَ نفتخر بأننا أحفادُ أولئك الذين وهبوا العالم الأبجديةَ وشقّوا الطريق إلى الحضارات والعلوم، فنحن وسوريا نسيج واحد، هي أخذت منا أسمها ونحن أخذنا منها اسمنا وهذه علاقةٌ دائمة أزليةٌ وأبديةٌ، فلا نحن نتخلّى عن وطننا سوريا ولا سوريا تتخلّى عنا وسوريا التي نعني ليست تلك المحصورة في الحدود التي رسمها المستعمرون بل تلك التي أوصلت شُعاعَها وعلومَها ودينها إلى الصين وأفغانستان والهند وغيرها.

نحن السريانَ الذين نفخر باسم وطننا ويفخر وطننا بنا لسنا فقط السريان الأرثوذكس بل نحن كذلك جميعُ الطوائفِ السريانيةِ المارونيةِ والكاثوليكيةِ والكلدانيةِ والأشوريةِ وكل الذين يرفعون صلواتِهم إلى اللّه تعالى باللغة السريانية، بل وكذلك أخوتنا المسلمون الذين ما زالوا يتحدثون باللغة السريانية في مناطق عديدة من سوريا.

والعرب ليسوا بعيدين عنّا فكم وكم من القبائلِ العربية اعتنقت المسيحيةَ وكانت أصلاً في الكنيسة السريانية.. حتى أنَّ اسمَ العرب آتٍ من اللغة الآرامية السريانية، والسريان والعرب هم من جذور ساميّةٍ واحدة. ولم يعرف تاريخُ العرب والسريان اختلافات أو منازعات أو حروباً.

ولقد كُرِّمت اللغةُ السريانية الآرامية مرتين:

الأولى عندما اختارها سيدُنا يسوعُ المسيح لغةً خاطب بها البشر كافة.

والثانية عندما حوت آياتُ القرآن الكريمِ العددَ الكبير من الألفاظ السريانية.

والتاريخ يؤكّد أن سوريا كانت مهد المسيحية ومنها انطلقت إلى العالم، كما انطلق الإسلام أيضاً من سوريا إلى العالم فيما بعد.

والسريانُ لم ينفصلوا عن سوريا أبداً وأينما ذهبوا في العالم كانوا ولا يزالون يحملون في قلوبهم وطنهم سوريا وحضارته وكذلك لغتهم السريانية لغة سوريا القديمة إلى جانب شقيقتها اللغة العربية إلى كل أطراف العالم، ومهما ابتعدوا عن سوريا لم ولن ينفصلوا عنها أبداً.

لقد حمل السريان (السوريون) مشعل الإنجيل المقدس إلى الحبشة في أفريقيا. وجميع المصطلحاتِ الدينيةِ باللغة الأمهرية هي سريانية حتى اليوم.

وحمل السريان البشارةَ الإنجيلية ولغتهم السريانية إلى الصين وآثارهم موجودة حتى اليوم، فقد أُكتشف في سنغافورة يومَ كانت جزءاً من الصين في القرن التاسع عشر صليب صنع من نحاس يعود تاريخه إلى القرن السادس للميلاد زبر عليه باللغة السريانية وبالحرف السرياني عباراتٌ مسيحيةٌ، كما أن مخطوطاتٍ قديمةً خُطّت باللغتين الصينية والسريانية معاً لا تزالُ محفوظةً في مكتبات شتى في أنحاء العالم.

وحمل السريان السوريون من أنطاكية عاصمة سوريا القديمة، ومن الرها عاصمةِ الأباجرة مِشعلَ الإنجيل المقدس إلى الهند، وهناك الملايينُ من الهنود مرتبطون بكرسينا الرسولي الأنطاكي، لا يزالون محافظين على اللغة السريانية الفصحى حتى اليوم. ويوجد في ولاية كيرالا في جنوب الهند أكبرُ تجمّع منهم وقد نقلوا الطقوس الدينية من اللغة السريانية إلى لغتهم (المليالم) لغةِ جنوب الهند وأخذوا ذلك معهم إلى حيثما حلوا في العالم.

حتى الذين انفكّ منهم عن الارتباط بكرسينا السرياني الأنطاكي بتأثير الاستعمار البرتغالي والاستعمار البريطاني من الهنود المسيحيين لم يتخلَّوْا عن اسم كنيستهم السريانية الأم وتقاليدها وطقوسها الدينية السريانية. فالذين رضخوا للبريطانيين وانتقلوا إلى المذهب الأنكليكاني في أواخر القرن التاسع عشر مثلاً، يُسمّون كنيستهم «كنيسة مار توما السريانية» وقد حافظوا على طقوسهم الدينية التي نقلوها عن لغتنا السريانية كما احتفظوا بالألحان الكنسية السريانية ونوع الألبسة الإكليريكية.

وأبناؤنا السريان الهنود المنتشرون في جنوب الهند خاصة وفي مغترباتٍ أميركيةٍ وفي دول الخليج العربي يصلّون بلغة «المليالم» ما تُرجم عن اللغة السريانية ويتبعون طقسنا السرياني وعقيدتنا الإيمانية ورئيسَهم الأعلى البطريرك السرياني الأرثوذكسي ومقرّه دمشق. وجميعهم يتطلعون إلى سوريا وإلى الكرسي الأنطاكي السرياني في دمشق بإكرام وتبجيل وتقديس.

ونحن السريان في سوريا لسنا مغتربين ولا مهاجرين ولا مهجّرين أو طارئين، نحن في وطننا الأم الأزلي الذي لا نعرف وطناً سواه، حبّنا له وإخلاصنا له، هو في قلوبنا وضمائرنا، نحرِص عليه ونضعه في البؤبؤ من العين. لا ينازعنا فيه أحدٌ، ولا يذهب هوانا إلى غيره، نعمل لرفع سمعته وإعزاز مكانته وتمتين وحدة مجتمعه ونسعى لأن يكون دائماً وطن المحبّة والالفة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفرقة، هو يتسع للجميع ويحتضن الجميعَ ويُفسح المجال لمساهمة الجميع في تقوية سوريا وتمتين اللحمة بين أبنائها وتمكينها من تأدية واجباتها الوطنية والقومية والحضارية في العالم. ولن ينسى العرب والسريان يوماً الدور الذي لعبه السريانُ في فتح سوريا وإقامة الدولة العربية الإسلامية الأولى فيها ووضعِهم كلَّ طاقاتهم العلمية والثقافية والإدارية والفنية والطبية والمالية في خدمة بناء هذه الدولة، ونقلِ العلوم والفلسفة والفنون من اليونانية إلى السريانية فالعربية. لقد كانوا زاوية هامة في الأساس الذي قامت عليه الدولة العربية، ولن أفيض في هذا الموضوعِ المطروحِ على المؤتمر تاركاً ذلك للأخوة المحاضرين.

والتاريخ لا يبدأ عند نقطة معينة في التطور المستمر بل هو سجلٌ مفتوحٌ تكتبه الشعوب مرحلة بعد أخرى، وأي من هذه المراحل لا يُلغي الأخرى. والشعوب يجب أن تُعرف من تاريخها بكل مراحله بما فيها من إيجابيات وإنجازات ومساهمات في تكوين الحضارة العالمية.

ونحن تاريخنا مجيد وهو استمرارية لا ينقطع تواصُلُها وإن إهمالَ أية مرحلة من مراحله خطأٌ كبير، وبخاصة إذا كانت تلك المرحلةَ مفعمةً بالإنجازات والمبادرات والمساهمات الكبيرة في التأسيس لحضارة العالم. وأبناؤنا في هذا الوطن العظيم يجب أن يعرفوا أجدادهم والحضارات التي بنوها واللغةَ والحروفَ التي أوجدوها وأطلقوها في العالم.

فاللغةُ السريانية التي سادت يوماً في هذا الشرق هي تراثُ هذا الوطن وإن العملَ للتعريف بها واكتشافِ كنوزها ليس دعوةً إلى عملية تقسيم في المجتمع أو إطلاقاً لاتجاهات معادية للغة العربية والحضارة العربية التي ورِثَتْ كل الحضارات السابقة، بل هي عمل يهدف إلى إظهار مجد الحضارة العربية التي تزداد شأناً عندما تتباهي بما سبقها ومهّد لها من حضارات.

وانعقاد هذا المؤتمر في دمشق هو شاهدٌ على حريةِ الفكر والبحث العلمي في سوريا وعلى أن سياسةَ الوحدةِ الوطنيةِ وحمايةِ التراث العلمي وتطويره وتمتين اللحمة بين عناصر النسيج المكوِّن للمجتمع في سوريا وهي السياسة التي أسّس لها وطوّرها وحماها قائدُ سوريا العظيم الراحلُ الرئيس حافظ الأسد فهذه السياسةُ مستمرةٌ بقوةٍ واخذت تتطور في عهد الرئيس الشاب الدكتور بشار الأسد الأمين على الرسالة والساعي إلى تطوير سوريا وتحديثها وحمايتها من مؤامرات الأعداء وإلى ربط الحاضر بالماضي. وإذا كان المؤتمر الذي نحتفل بافتتاحه اليوم قد وضعَ له عنواناً محدداً يستقطب المحاضرات والمداخلات، فإننا إذ نرحّب بالعنوان والمحتوى نقول: إن احتضان دمشقَ له يدفعنا إلى دعوة المسؤولين في سوريا إلى تأسيس مركز للدراسات الخاصة بتاريخ سوريا القديم ولإحياء ذكرى المراكز العلمية والثقافية السورية القديمة وحماية مواقعها والتعريف بها وبعلمائها وبخدماتهم للعلم والفلسفة والإيمان، والعناية بما بقي من آثارها في كل موقع من مواقع سوريا القديمة بصرف النظر عن التقسيمات الجغرافية الحالية.

وعلى المركز أن يهتمّ أيضاً بجمع التراث السرياني وصور المخطوطات السريانية الموزعة في عدد كبير من مكتبات العالم العامة والخاصة، فهي جزء لا يتجزّأ من تاريخ سوريا وثقافتها ورسالتها الحضارية، وحبنا لوطننا يدفعنا للمطالبة بجمعها في المكتبة الوطنية، مكتبة الرئيس حافظ الأسد في دمشق عاصمة سوريا الأبدية. ونتمنى للمؤتمر النجاح وشكراً.

الزيارة الرسولية إلى أبرشية الجزيرة والفرات·

أيها الأحباء: دمعت عيني فرحاً وطربت أذني وقد شنفتها ألحانٌ سريانية رتلتها جوقات آمنت بلغتها السريانية المقدسة وبتراثها السرياني العريق النفيس. أجل فالطوبى لهذه الأبرشية التي يرعاها الحبر الجليل والأخ الحبيب مار أوسطاثيوس متى روهم. فقد نهضت من كبوتها وسعت في طريق المجد والخلود روحياً وأدبياً وعمرانياً. فقد سعى نيافته في بناء النفوس واهتم في جميع المجالات لجعل هذه الأبرشية في مقدمة أبرشياتنا السريانية في العالم. هذا دير السيدة العذراء في تل ورديات كل حجر فيه ينطق بفخر وسرور وأمل ورجاء لا يخيب بما قام به نيافته فقد شيده بعرق جبينه ودم قلبه ليقدمه لأبرشيته وللكنيسة السريانية عامة هدية خالدة وليعده ليكون كأديرتنا في الماضي البعيد والقريب مركزاً مهماً لدراسات لغتنا السريانية المقدسة. وهؤلاء الأطفال الذين هيأ لهم أساتذة بالسريانية والعربية والإنكليزية ليجعل منهم مثالاً طيباً في وطنهم العزيز سوريا بمحبة الكنيسة والوطن في آن معاً واليوم وقد هيأ بعقله الناضج وفكره الثاقب وغيرته الوقادة أن يقام يوم التراث السرياني للمرة الأولى في الحسكة فنعم ما فعل. وإنني إذ أفتخر بنيافته وأعتز كل الاعتزاز أفتخر بهذا الشعب بكل مؤسساته الروحية والثقافية والأدبية والإدارية لأنه يتعاون مع نيافته بجد واجتهاد ومحبة. أجل نحن نعيش فترة زمنية من تاريخنا المجيد في سوريا العزيزة ونسجل في هذا التاريخ السرياني الخالد بأحرف من نور اسم الخالد الذكر المغفور له الرئيس القائد حافظ الأسد الذي عرف جيداً كل شريحة من شرائح هذا الوطن العزيز والذي ألمّ بدقة بتاريخ المنطقة كلها.

ونشكر اللّه الذي أقام لنا من ينسج على منواله ويطبع على غراره ويكمّل رسالته السامية في سوريا والوطن العربي بل وفي العالم، الرسالة الإنسانية رسالة العلم والمعرفة. نشكر اللّه لأن رئيس بلادنا سوريا العزيزة هو سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد. لولاه لما كنا نرى اجتماعاً كهذا يتكلم بكل حرية وأمل ورجاء بمستقبل باهر وحاضر ناجح. لولا الحرية التي أطلقها حافظ الأسد ثم بشار الأسد الحرية الثقافية إلى جانب الحرية الدينية لما كنا نفخر بتراثنا الثمين الذي هو تراث سوريا بالذات فليحيَ رئيس بلادنا المبجل الدكتور بشار الأسد.

أيها الأحباء: رسالة هذا اليوم يوم التراث السرياني هي ما كتبتموه هاهنا ونعم ما فعلتم: ܟܡܐ ܪܚܝܡ ܐܢܬ ܠܥܙܢ ܣܘܪܝܝܐ ܕܡܢܟ ܪܝܚܐ ܕܚܝ̈ܐ ܢܶܣܘܩ ما أعمق محبتنا للغتنا السريانية فمنها نستنشق رائحة الحياة. هذا ما قاله الشاعر الملفان مار غريغوريوس بولص بهنام مطران بغداد والبصرة الذي أحب أمته وأحب لغته وأحب شعره وأبقى لنا ما نقوله نحن أن الشعب الذي يحافظ على لغته يبقى خالداً فالغاية من مهرجاناتٍ كهذه رأيناها أولاً في القامشلي العزيزة وأمتلأ قلبنا برجاء وطيد لا يخيب لأن حاضرنا بنعمة اللّه لوطننا سوريا وما بين النهرين لأن حاضرنا، سعيد جداً وأن مستقبلنا سيكون أفضل لأننا نحافظ على لغتنا لغة ربنا يسوع المسيح السريانية ولغة سوريا القديمة التي نعتز بها كل الاعتزاز ونفتخر بتراثنا ولا يهمنا ما أورثنا آباؤنا من مال ومجد ومن أمور يفتخر فيها أبناء العالم، يكفي أن آباءَنا أورثونا اللغة السريانية المقدسة ولذلك فالذين يسعون إلى دراسة السريانية جيداً وتدريسها وفي مقدمتهم نيافة أخينا الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، الذين يسعون في نشر هذه اللغة إنما يسعون لخلق رجالٍ ونساءٍ فتيان وفتيات يمجدون الله بلغة الرب يسوع اللغة السريانية ويسعون لإحياء التراث فآباؤنا هم الذين أعطوا العالم الحرف وأعطوا العالم شتى أنواع العلوم وجميع صنوف المعرفة، آباؤنا اعتزوا كثيراً بلغتهم السريانية الحبيبة وعندما جاء العرب أشقاؤنا أبناؤنا وآباؤنا في آن واحد وأنقذونا من الحكم البيزنطي الظالم، شجّعونا أيضاً لكي نسعى لنشر العلوم والمعرفة في بلادنا العزيزة، شجعوا آباءنا وملافنتنا لنقل مختلف العلوم من اللغة اليونانية لغة العلوم يومذاك إلى اللغة السريانية أولاً ثم إلى اللغة العربية وعن طريق الأندلس نقلوا الحضارة إلى العالم أجمع. وآباؤنا ليسوا نقلة حضارة وحسب بل هم أيضاً العلماء الذين أعطوا العالم الحضارة والثقافة والمعرفة بكل فنونها وسائر أصنافها. هؤلاء آباؤنا الذين نفتخر بهم الذين علينا أن ننسج على منوالهم، أن نتبع آثارهم وقبل كل شيء أن نبقى مجتهدين لنحيي لغتنا التي لن يستطيع الزمن مهما كان قاسياً أن يفقدنا إياها. اليوم نرى لغتنا بكل لهجاتها الشرقية والغربية تتمثل هاهنا في هذا الفلكلور العزيز الذي أعتز به إن كان شعبياً وإن كان دينياً روحياً لأنه يبني الإنسان، الإنسان السرياني الشرقي والغربي بلغته بكل لهجاتها اللهجات التي ورثناها عن آبائنا العظام لهجات بابل وأشور وآرام لهجاتٍ اليوم نفتخر بها ونفتخر أننا جميعاً نريد أن نحييها لتبقى خالدة والشعب الذي لم تمت لغته لن يموت أبداً. فيطيب لي أن أهنئ أخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات وكل الذين يتعاونون معه من الإكليروس والشعب في نشر هذه اللغة العزيزة بكل لهجاتها والاهتمام بفلكلور آبائنا والاعتزاز بتراثنا الثمين. وأسأل اللّه أن يعضد نيافته ليواصل سعيه في هذا الميدان ونحن جميعاً نعتز بآبائنا ونعتز بما ورثناه من الآباء من العلوم والمعارف والإيمان والتمسك بمحبة الوطن والكنيسة في آن واحد.

أسأل الله أن يأخذ بيدكم جميعاً ليتقوى ويتشدد كل واحد منا في إيمانه ورجائه بأن اللغة السريانية الحبيبة ستبقى خالدة. وشكراً.

دير مار كبرئيل ـ طورعبدين·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء،

الكهنة الموقرين، الرهبان والراهبات الأفاضل،

معلمي مدرسة دير مار كبرئيل، التلاميذ وشعب مذيات وطورعبدين المؤمن والمبارك الذي اجتمع اليوم معنا أنا العبد الخاطئ الضعيف الضئيل، والأحبار الأجلاء.

يعجز لساني عن إيجاد كلمات الشكر للّه الذي أهّلنا بعد اثنين وعشرين عاماً أن نأتي إلى دير مار كبرئيل المبارك والمقدس، يرافقنا من سوريا صاحبا النيافة الحبران الجليلان، مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، والمطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي، والرهبان والراهبات الذين رافقونا أيضاً ليتباركوا من هذا الدير المقدس. كما رافقنا أيضاً من تركيا صاحبا النيافة الحبران الجليلان مار فيلكسينوس يوسف جتين النائب البطريركي في استنبول، ومار فيلكسينوس صليبا أوزمن مطران ماردين وتوابعها ورئيس دير الزعفران، والرهبان.

لقد تأسس هذا الدير المقدس (دير مار كبرئيل) كما يعلّمنا التاريخ بوساطة ملاك الرب الإله ومار شمعون وكان الدير برئاسة مار صموئيل في أواخر القرن الرابع، هذا الدير إذاً تأسس من قبل اللّه تعالى ليكون ديراً لكل شعبنا السرياني ليس في منطقة طورعبدين فقط إنما في العالم أجمع. عندما نقول هذا نؤمن بأن اللّه معنا لأننا جئنا ليس لنعطي المجد للّه الذي أعطانا هذا التراث فقط ولكن جئنا لنتعلّم من آبائنا الذين سكنوا هذا الدير عبر الأجيال بنقاء وطهر وقداسة وصلّوا ويصلّون لأجلنا لنكون نحن السريان أقوياء في الرب، وتبقى الكنيسة إلى الأبد منارة لكل العالم وخاصة المسيحيين. وأبرشية طورعبدين برئاسة صاحب النيافة الحبر الجليل مار طيمثاوس صموئيل أقطاش تتألف من شعب مؤمن، شعب طورعبدين الذين يحفظ تراثنا المبارك ويتحدث بلغتنا السريانية المقدسة، وكما يعلمنا التاريخ أن أديرتنا المنتشرة في كل مكان في القرون المنصرمة كانت كليات تدرس فيها مختلف العلوم الدينية والأدبية وفي أيامنا هذه وجيلنا هذا يعتبر دير مار كبرئيل هو منارة شامخة يشع نورها بهمة نيافة الحبر الجليل المطران صموئيل وغيرته وغيرة الرهبان والمعلمين الحاذقين.

دير الزعفران ـ ماردين·

أشكر اللّه الذي أهّلني أن أحتفل بالقداس الإلهي في كنيسة الكرسي الرسولي في دير الزعفران للمرة الثانية بعد جلوسي على الكرسي الرسولي الأنطاكي بالنعمة لا بالاستحقاق، بعد أن احتفلت أولاً قبل اثنتين وعشرين سنة، وقدّمت الصلاة للرب ذاكراً على مذبحه المقدس أسلافي العظام الذين لا أستحق أن أكون في عدادهم أي ضمن سلسلة البطاركة الشرعيين. ذكرت أولئك الأبرار على مذبح الرب متشفعاً بالقديسين منهم، وشاركني في الصلاة الأحبار المطارنة الأجلاء، كما ذكرت على مذبح الرب جميع الذين خدموا الكرسي الرسولي الأنطاكي في مقره بدير الزعفران من مطارنة ورهبان وراهبات وشمامسة وكل الأتقياء من العلمانيين الأعزاء، شاركني في الصلاة الأحبار الأجلاء مطران الأبرشية مار فيلكسينوس صليبا، ومطران طورعبدين مار طيمثاوس صموئيل أقطاش الذي زرنا ديره دير مار كبرئيل وبعض كنائس أبرشيته كما شاركنا الصلاة نيافة مار فيلكسينوس يوسف جتين النائب البطريركي في استنبول الذي ينقل هذه الكلمات إلى اللغة التركية، وقد رافقني من سوريا الحبران الجليلان مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات الحبر الجليل الهمام والغيور والجزيل الاحترام، والمطران مار أثناسيوس إيليا المعاون البطريركي.

إنني لمسرور جداً أن أقوم بهذه الزيارة لأبرشية ماردين ودير الزعفران وعلى رأس الأبرشية ورئاسة الدير حبر جليل اشتهر بغيرته الدينية ومحبته للكنيسة السريانية الأرثوذكسية المقدسة وفهمه وإدارته بفترة قصيرة كما أعلن لي أمس والي هذه الولاية مفتخراً برئيس الأبرشية الجديد مار فيلكسينوس صليبا.

إنني أسأل اللّه أن يبارك أبرشياتنا في تركيا جميعاً، ونحن نلمس التقدم بهمة الأحبار الأجلاء مطارنة هذه الأبرشيات، وأشكر اللّه أيضاً على الإيمان المتين الذي زيّن أبناء كنيستنا المقدسة في هذه البلاد، أشكر اللّه على أتعاب الكهنة والرهبان والراهبات الذين خاصة حضروا معنا في هذا الصباح واشتركوا في هذا القداس الإلهي، ونحن على رغم الفترة الزمنية القصيرة التي قضيناها في هذه الديار فقد نلنا بركة آبائنا وأسلافنا القديسين بزيارة أضرحتهم الطاهرة وآن الأوان أن نغادر في هذا الصباح تركيا عائدين إلى مقر كرسينا الرسولي بدمشق وسنمرّ بكنائس أبرشية الجزيرة والفرات التي نشكر اللّه على التقدم الثقافي والعلمي والعمراني والحضاري فيها الأمور التي نفتخر بها والتي جرت على يد نيافة أخينا الحبر الجليل مطران الأبرشية مار أوسطاثيوس متى روهم، وعلى الرغم من ضيق الوقت رأينا أن من واجبنا أن نشكر اللّه تعالى على نجاح زيارتنا بتقديم القربان المقدس في هذا الصباح، وذكرناكم جميعاً على مذبح الرب ليعطكم الرب حياة طويلة وسعيدة ومريحة وآمنة في هذه البلاد التي نرى فيها والحمد للّه مستقبلاً باهراً. ليحفظ الرب أولادكم ويؤهلكم لتربوهم التربية المسيحية الصالحة، وإننا وإن نغادركم بالجسد في هذا الصباح فنواصل الصلاة من أجلكم أيها الأحباء ليحفظكم الرب بالصحة والعافية وبالتقوى ومخافة الرب، ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً آمين.

قداسته يبارك أبناء رعية لندن·

نشكر اللّه شكراً جزيلاً على النعم التي يسبغها علينا دائماً بدون استحقاق. باسمي وباسم صاحب النيافة الحبر الجليل المطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي، أود أن أشكركم أحبائي وأشكر أولاً نيافة الحبر الجليل المطران ناثان مطران الأرمن الأرثوذكس في المملكة المتحدة الذي حضر معنا القداس الإلهي.

صاحب النيافة يطيب لي أن أشكركم وأشكر كلماتكم الجميلة وأرجو أن تبلغوا تمنياتي ومحبتي إلى أخي بالرب يسوع الكاثوليكوس كراكين الثاني وأكّدوا لقداسته بأنني لن أنسى أبداً زيارتي إلى أرمينيا وخاصة زيارتي إلى أتشميازين المقدسة حيث شعرت بالوحدة بالإيمان القائمة بين كنيستينا والتي كانت دائماً وحدة قوية وذلك بإيمانهما القويم في المسيح فشعب الكنيستين سفك دمه من أجل صيانة الإيمان القويم في المسيح يسوع وهدفنا الوحدة المسيحية أولاً في العائلة الأرثوذكسية الشرقية وثانياً في الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية، ويجب علينا جميعاً أن نعمل من أجل الوحدة المسيحية ليباركنا الرب جميعاً.

أحبائي ليس بمقدوري أن أجد الكلمات المناسبة للتعبير عمّا يجيش في قلبي وفكري من محبة وإكرام لإخوتي بالإيمان ويشاركني في ذلك نيافة الحبر الجليل المطران إيليا باهي المعاون البطريركي شاكراً إياكم جميعاً وفي مقدمتكم الابن الروحي الفاضل الربان توما كاهن هذه الكنيسة والذي نرى فيه ليس فقط كاهناً نشيطاً بل أيضاً هو معتمد البطريركية في هذه البلاد ويمثلنا في كل الأمور الكنسية والربان توما والحمد للّه نال الثقافة الكافية بالنسبة لإدارة الكنيسة في هذه البلاد وأيضاً نال سمعة طيبة لدى الغرباء خاصة لدى ممثلي الكنائس المسيحية في هذه البلاد. كما نشكر المجلس الملي وكل أعضائه الأحباء على همتهم العالية ومحبتهم الخاصة وسعيهم مع الأب توما للحصول على كنيسة خاصة لأبناء الرعية. وبصفتي أبا السريان أحثكم جميعاً أحبائي لكي تتعاونوا بهمة وقّادة كما كان آباؤكم الميامين بمحبة اللّه والكنيسة لكي تتعاونوا لشراء كنيسة لنا في هذه المدينة، لكي تجمع أولادنا ونعتني بتربيتهم التربية المسيحية الصالحة وتنشئتهم على أصول الدين المسيحي. وإننا بزيارتنا قد زرنا رئيس أساقفة كانتربري ومطران لندن وغيرهما من المطارنة ساعين إلى إقناعهم للتعاون معنا لإيجاد كنيسة خاصة لنا. نسأل اللّه أن يلهمهم ويلهمكم لكي نصل جميعاً إلى هذا الهدف السامي لتمجيد اسم اللّه القدوس في إيجاد بناء للكنيسة نرى فيها عنواناً لمحبتنا للّه ومحبتنا لكنيستنا السريانية الأرثوذكسية كنيسة أنطاكية التي كما ذكر نيافة أخينا الحبر الجليل المطران ناثان أن في سفر أعمال الرسل يقول البشير لوقا «ودعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولاً». وعندما أقول ذلك نرى أن الواجب يقع على كل واحد منا فنحن أبناء الكرسي الرسولي الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي الذي يحافظ حتى اليوم وسيحافظ إلى الأبد على لغة ربنا يسوع المسيح السريانية بالطقس والمخاطبة إذا وجدنا مكاناً فلنسعَ أيضاً أن نجد من يعلم أولادنا هذه اللغة المقدسة كما ونجد من يعلمهم أصول الدين باللغة المكانية وذلك بالتعاون مع الأب الربان توما المعتمد البطريركي في هذه البلاد.

أحبائي أود أن أشكر صديقنا العزيز والذي نعدّه واحداً منّا البروفسور سيبستيان بروك لحضوره معنا في هذه المناسبة السعيدة ونحن فخورون به ونثني عليه لاهتمامه بالتراث السرياني. كما أشكر أيضاً ممثلي الطوائف المسيحية وبالأخصّ ممثلي الكنيسة القبطية الشقيقة ونحن نذكر دائماً قداسة سيدنا البابا شنودة الثالث الذي ندعوه عميد البطاركة الأرثوذكس الشرقيين ونرى فيه مثالاً للراعي الصالح في هذا القرن حفظه اللّه بالصحة والعافية ليبقى دائماً قائداً لمسيرة التعليم الذي تسلمناه من آبائنا القديسين ككيرلس وأثناسيوس وديوسقوروس وسويريوس تاج السريان ويعقوب البرادعي المجاهد الرسولي وكل آبائنا الأقباط والسريان في آن واحد.

أحبائي كما إننا دائماً نسعى للتعاون مع باقي الطوائف المسيحية لأننا نرى أن الوحدة المسيحية ستفسح لنا المجال لنمجد اسم الرب معاً كمسيحيين مؤمنين به أنه الإله المتجسّد، وبحسب تعبير الرسول بولس: «اللّه ظهر بالجسد» الذي فدانا بدمه الكريم.

إنني في هذا اليوم سعدت حقاً برسامة هؤلاء الشباب شمامسة قرّاء وأفدياقونيين وأرى فيهم مستقبل الكنيسة الباهر وحاضرها الزاهر في آن واحد بل نرى فيهم أيضاً أناساً ولئن كانوا في المهجر ولكنهم يحولون المهجر إلى وطن يسعون فيه لإظهار تراث آبائهم وليكونوا خير مواطنين في هذه البلاد أيضاً كما كانوا في وطنهم القديم. إننا نحثهم على دراسة اللغة السريانية، لغة آبائنا، لغة مسيحنا وعلى دراسة أصول الدين،ـ وعلى السعي للمواظبة على حضور القداس الإلهي خاصة في أيام الآحاد والأعياد، وعلى التعاون مع كاهن هذه الكنيسة الذي هو معتمدنا في هذه البلاد الأب الربان توما، ومع المجلس الملي لأن المجلس الملي يمثل الرعية كما أنه إذا تشجّع بمعاونة كاهن الكنيسة والشمامسة وجميع الشعب المواظب على حضور القداس الإلهي يوم الآحاد والأعياد والاشتراك بفعاليات الكنيسة، سينال أجراً روحياً ويصير بأعماله وإيمانه سبباً لتمجيد اسم الرب القدوس.

أحبائي الشمامسة الجدد: هذه الرتبة التي وُهبت لكم اليوم من الرب ليست هي لبس القميص والهرار فقط كلا، بل هي موهبة سامية ينعم بها اللّه على بعض من يختارهم لخدمة هيكله المقدس، ينالها الإنسان من اللّه، اللّه يدعو والكنيسة تستجيب ونقوم بهذه الخدمة والإنسان المكرّس كشماس يعني أنه خادم للكنيسة فكلمة الشماس السريانية تعني في العربية الخادم فهو خادم أحبار الكنيسة وكهنة الكنيسة أثناء الصلاة، وهو في الوقت نفسه له مهام منذ العصر الرسولي في التنظيم. فالكنيسة ليست كنيسة فوضى بل كنيسة نظام. فعندما أعلن الرب يسوع لأول مرة عن تأسيس كنيسته بعد أن اعترف به الرسول بطرس الذي بعد أن أعلنت له السماء أن الرب يسوع هو ابن اللّه الحي، الربُّ ذكر لأول مرة كلمة الكنيسة وأعطى الكهنوت المقدس لأن لا كنيسة مسيحية بلا كهنوت، لا يمكن أن يكون أي اجتماع اجتماعاً كنسياً ما لم يكن هناك خادم وفي بدء المسيحية رأينا مار إغناطيوس النوراني البطريرك الأنطاكي الثالث يقول «لا كنيسة بدون أسقف» وهذا يعني أن الأسقف يمثل المسيح بالذات في الكنيسة المقدسة. ونرى أيضاً أحبائي أنه في كل مكان إذا اجتمعنا للصلاة فلا بد أن يكون الكاهن الذي يمثّل المسيح سواء كان حبراً أو قسيساً أو كان راهباً كاهناً، يمثل المسيح في تقديم الذبيحة الإلهية وبهذا ننال النعمة السامية ونكون قد جددنا العهد مع اللّه في الذبيحة غير الدموية، ذبيحة المسيح القربان المقدس، المسيح الذي أعطانا أولاً جسده على شكلي الخبز والخمر ليلة الآمه قبل أن سلم هذا الجسد الطاهر المقدس الإلهي بأيدي أعدائه ليصلب بإرادته ويموت عنا ويكون كفارة أبدية فيبررنا ويقدسنا ويعطينا نعمة التبني لنكون أولاد اللّه بالنعمة.

فالقربان المقدس الذي يقدم دائماً على مذبح الرب، يمثل المسيح يسوع ربنا. والرب بعد أن سلّمنا الكنيسة التي أسسها على الإيمان به بأنه ابن اللّه، أعطانا سر الكهنوت إذ قال لبطرس «طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبي الذي في السموات وأنا أقول لك أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي» وأعطاه مفاتيح ملكوت السموات مفاتيح التعاليم الإلهية، بل ثبته أيضاً ليغفر الخطايا أو يمسكها. هذا هو السر العظيم الذي أعطاه الرب أولاً لبطرس منفرداً، وبعد قيامته من بين الأموات أعطى هذا السلطان للرسل كافة مجتمعين.

ونحن عندما ننال هذه النعمة الإلهية نرى أن الكنيسة بهذا السلطان وفي العصر الرسولي أسست أيضاً رتبة الشماسية فعندما كثر التلاميذ كما يخبرنا بهذا البشير لوقا في سفر أعمال الرسل حدث خلاف بين التلاميذ الذين كانوا من أصل يوناني والتلاميذ الذين كانوا من أصل يهودي، لأن التلاميذ الذين من أصل يوناني شعروا بأن أراملهم وفقراءهم لم يعتنَ بهم، وعرضت هذه القضية على الرسل ليدرسوها ويبتوا فيها. ونحن نعلم أن الكنيسة المقدسة بحلول الروح القدس على التلاميذ في العلية، ابتدأ يظهر عمل الروح القدس كما قال عنه الرب يسوع أنه يذكّر التلاميذ بتعاليم الرب، وأنه يعزيهم، وأنه يقويهم ويشجعهم ويلهمهم بالحق لأنه روح الحق. فبإلهام الروح القدس قال التلاميذ للمؤمنين كافة ليس جيداً أن نترك نحن الكلمة كرسل وتلاميذ ونخدم الموائد فانتخبوا منكم سبعةَ رجالٍ مشهوداً لهم بالفضل، يعني مشهوداً لهم بالفضيلة ممتلئين من الروح القدس والحكمة لكي يقوموا بهذه المهام، فاختاروا اسطيفانوس الذي صار بكر الشهداء وهو رئيس الشمامسة ورفقاءه فكانوا سبعة شمامسة ووضع عليهم الرسل الأطهار الأيدي ورسموهم شمامسة. هكذا بدأت رتبة الشماسية وعبر الدهور وفي القرن الثاني خاصة بدأت الرتب الصغيرة أي أقل سلطة ومكانة مما لرتبة الشماسية الكاملة ليأخذوا مسؤوليات متنوعة. ليس توزيع الخبز فقط، ليس إعطاء الطعام للفقراء والمحتاجين والأرامل والأيتام، بل أيضاً لحراسة الأبواب أثناء الصلاة، وسمّوا أفدياقونيين ولقراءة الرسائل وللترتيل أيضاً فهناك الرسائلي والقارئ ثم المرتل، وستبقى هذه الرتب عبر الدهور لخدمة الكنيسة المقدسة ولتمجيد اسم الرب القدوس وصيانة الإيمان القويم الرأي والتقليد الشريف. لذلك من ينال إحدى هذه الرتب مهما كانت صغيرة، فإنه ينال نعمة عظيمة من الرب وعليه أن يحافظ على الإيمان والتقليد الشريف وأن يهتم بتثقيف نفسه الثقافة الدينية العالية وأن يمتلئ من الروح القدس، هذا شرط وضعه الرسل عند انتخاب الشمامسة، وأن يمتلئوا حكمة. وما هي الحكمة يا ترى؟ الحكمة هي تطبيق الشريعة عملياً لذلك أيها الأحباء قد نال هؤلاء الشمامسة الجدد جميعاً هذا اليوم نعمة الروح القدس الذي حلّ عليهم أثناء طقس الرسامة فيطيب لنا أيها الأبناء الروحيون الشمامسة الجدد أن نهنئكم ونهنئ أهلكم وذويكم وطوبى لتلك الدار التي تعطي الكنيسة شمامسة وكهنة وليحفظكم الرب جميعاً آمين.

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ باريس·

فرحتنا كبيرة جداً أيها الأحباء بمشاركتنا إياكم حفل افتتاح كنيسة جديدة هي الكنيسة الأولى السريانية الأرثوذكسية في فرنسا.

نشكر اللّه الذي أوصلنا إليكم بالسلامة ومعنا صاحبا النيافة مار ديوسقوروس لوقا شعيا مطران أبرشية دير مار متى وعميد مطارنة المجمع المقدس الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي، والمطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي جئنا لنشارك أخانا الحبر الجليل مار يوليوس عيسى جيجك هذه الفرحة في هذا اليوم المبارك، ونشارك كل فرد من أبناء كنيستنا في فرنسا سرورهم وقد توصّلوا إلى الهدف الذي كانوا وكنّا نصلّي لنصل إليه ألا وهو تشييد أوّل كنيسة سريانية أرثوذكسية في فرنسا. وقد تمّ ذلك بهمة كاهن الرعية الفاضل الأب القس يعقوب أيدين الذي بغيرته وعرق جبينه ودم قلبه وتعاونه مع الرعية استطاع إنجاز هذا العمل العظيم. ولا بدّ لنا أيها الأحباء أن نتطلع إلى الوراء في هذه اللحظات لنرى هذا الشعب المبارك الذي ترك أرضه لظروف اقتصادية وخلّف وراءه الأديرة العظيمة التي كانت معاهد للعلم ومنارات للمعرفة بل أيضاً الكنائس المقدسة وأضرحة القديسين وجاؤوا يحملون في قلوبهم إيمانهم المتين الثخين. نشكر ممثلي الطوائف المسيحية جميعاً لأنهم ساعدوهم ليقيموا الصلوات سنين عديدة في كنائس مسيحية برهاناً أقيم وسيبقى على المحبة المسيحية. ويبرهن أيضاً شعبنا على محبتهم بمشاركة إخوانهم الصلاة في كل مكان. هذا الشعب المبارك الذي أقام من نفسه مثالاً للشعوب المسيحية وغيرها ليعيد إلى الكنيسة مجد الصوم والصلاة والعبادة كما كان المسيحيون في العصر الرسولي، فبارك اللّه فيهم وبارك اللّه لهم ولمطرانهم وكاهنهم ومجالسهم الملية وجمعياتهم وكل فرد منهم بهذه الكنيسة الجميلة، هذه الكنيسة المقدسة البسيطة بساطة المسيحية، هذه الكنيسة التي دُعيت كنيسة العذراء مريم أم اللّه كما نؤمن نحن جميعاً، ونحن عندما ندعو الكنائس باسم العذراء مريم والقديسين إنما نعني أن الكنيسة هي كنيسة اللّه إنما نتشفّع بالعذراء مريم والدة الإله وبالقديسين كافة ونعتبرهم قدوة ومثالاً لنا عندما ندعو كنائسنا بأسمائهم.

أحبائي فصل الإنجيل المقدس الذي تُلي على مسامعكم هو الاصحاح السادس عشر من الإنجيل المقدس بحسب الرسول متى، قرأنا فيه واستمعتم أن الرب قال لهامة الرسل بطرس بعد أن اعترف بطرس بالمسيح يسوع أنه ابن اللّه الحي، وهذه العقيدة أعطتنا إياها السماء على لسان هامة الرسل بطرس إذ قال للرب: أنت هو المسيح ابن اللّه الحي، فقال له الرب يسوع: أنت كيفا، أنت بطرس، أنت حجرة وعلى هذه الصخرة، صخرة الإيمان بالمسيح أنه ابن اللّه، على هذه الصخرة على هذه (الشوعو) أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، فبنيت الكنيسة على مبدأ الإيمان بالمسيح يسوع أنه ابن اللّه ومن لا يعترف بالمسيح يسوع أنه ابن اللّه وأنه أرسل من السماء لكي يخلّص العالمين وقد خلّصنا بصلبه وموته وقيامته فلا يمكن أن يدعى مجتمعه كنيسة. وليس هذا فقط بل إن الرب يسوع بعد أن أعلن عن تأسيس كنيسته على صخرة الإيمان به أنه ابن اللّه، أسس أيضاً سر الكهنوت إذ قال لبطرس: وأعطيك مفاتيح أبواب السماء فما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماء وما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وبذلك أسس سر الكهنوت وأعطى لبطرس كهامة للرسل السلطان وحده، بعدئذ أعطاه بعد قيامته من الأموات للرسل مجتمعين. بذلك أسّس سر الكهنوت وهذا تعليم الكنيسة، ومار إغناطيوس النوراني البطريرك الثالث على أنطاكية يقول: لا كنيسة بدون أسقف، والأسقف رسول، أحد الرسل الاثني عشر يأخذ السلطان بتسلسله الشرعي القانوني كما أخذه الرسل كافة وبطرس يأخذ السلطان ليعطيه لخلفائه الشرعيين الجالسين على كرسي أنطاكية.

عندما فُتحت أبواب الحركة المسكونية في كل مكان قبل كل شيء اعترفت الكنائس الرسولية بعضها ببعض وبكهنوتها وأسرارها السبعة، ثم اعترفت أيضاً بسلطان المواهب التي أعطيت في سائر الكنائس لكي نتفق جميعاً لنعبد اللّه ونؤمن بالمسيح يسوع ابن اللّه فادي البشرية ونأخذ البركة الإلهية إذ نكمّل رغبة المسيح أن يكون الجميع واحد.

أمس كان هذا البناء بناءً عادياً كسائر الأبنية جميلاً شيّد على شكل كنيسة، أما اليوم بعد أن قدّس بحسب الطقس السرياني الأرثوذكسي الذي ورثناه عن آبائنا منذ القرن الرابع منذ عهد مار أفرام ثم جاء السروجي وجاء الرهاوي وسائر آبائنا القديسين ليؤكدوا ويؤيدوا هذا الطقس بعد أن تُلي هذا الطقس بإيمان متين ثخين صار هذا البناء بيتاً للّه، اللّه موجودٌ في كل مكان ولكنه خاصة في المكان الذي يكرّس لتمجيد اسمه القدوس. وكما حلّ الروح القدس قديماً في هيكل سليمان بعد أن كرّس، حلّ الروح القدس في هذه الكنيسة ليكون مرشداً لها ولأبنائها ومعلماً ومذكراً بتعاليم ربنا يسوع المسيح، وكما طلب سليمان في حفلة افتتاح الهيكل المقدس يومذاك الذي غادره الروح القدس بعد أن علّق ذلك الشعب الظالم المسيح يسوع على العود وأماتوه بالجسد، كما حلّ الروح القدس حلّ أيضاً بهذه الكنيسة وعلى كل واحد منّا، فالرسول بولس يقول أنتم هياكل اللّه وروح اللّه حالٌ فيكم. والرب يسوع يقول لنا: اللّه روح والساجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا، فلنسجد للّه في هذه الكنيسة بالروح والحق لكي يباركنا الرب ونحن نطلب إليه أن يستجيب صلاة كل من يقدم صلاته في هذه الكنيسة المقدسة، ليبارك الرب كل من اشترك معنوياً ومادياً في تشييد هذه الكنيسة المقدسة ويتقبل حتى فلسي الأرملة ليكافئ الرب تلك الأرملة، ليكافئ كل من سعى واجتهد أن يكون للسريان الأعزاء كنيسة كهذه جميلة في فرنسا، في كل صلاة نقدمها في هذه الكنيسة وفي كل قداس نقيمه نذكر رؤساءنا الروحيين وكذلك الرؤساء المدنيين فنذكر في هذه الكنيسة فرنسا هذا الوطن العزيز الذي استقبل أولادنا، نذكر رؤساء فرنسا، نذكر كل من قد أعطى الحرية الدينية التامة لشعبنا في هذه البلاد المباركة ونوصي شعبنا أن يكون مثالاً طيباً للمواطنين بمحبة هذه البلاد محبة فرنسا العزيزة، والإخلاص لها. وأن لا ينسوا كنيستهم المقدسة في الوطن والمهجر، وأن يباركوا كل من يبارك كنيسته ليكونوا حقاً مواطنين صالحين ومؤمنين صالحين.

وباسمي واسم نيافة الحبر الجليل المطران إيليا باهي المعاون البطريركي الذي رافقني من الشرق أشكر لكم جميعاً حضوركم وأختصر كلامي لأن الوقت أدركنا، وأكرّر تهنئتي لجميع الذين اشتركوا في تشييد هذه الكنيسة، وأشكر ربي الذي أهّلني أن أشارككم هذه الفرحة ونعمة الرب تشملكم.

الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية·

أيها الأحباء: ببهجة وسرور أرحب بكم في دير مار أفرام السرياني وفي كنيسة مار أفرام أرحب بكم جميعاً متمنياً لكم إقامة طيبة في هذه الديار والصحة والعافية وليتقبل الرب صلواتكم وطلباتكم غافرا ذنوبكم حافظا إياكم وان يرحم موتاكم المؤمنين، أحبائي أرحب خاصة بشبيبتنا المباركة الذين جاؤوا ليشتركوا بدورة دراسة علم اللاهوت واللغة السريانية ضمن نشاطات التربية الدينية التي تقوم بها بناتنا الروحيات رئيسة وراهبات مار يعقوب البرادعي متمنياً لهم جميعاً النجاح في هذا الميدان الروحي بل أيضاً خلاص نفوسهم ليسعوا بعدئذ لخلاص الآخرين. موضوع عظتنا اليوم هو ما جاء في الإنجيل المقدس في الآيات المقدسة التي تليت على مسامعكم في بدء القداس الالهي التي فصل الرسول متى مراحل أعجوبة تكثير الخبزات الخمس والسمكتين وإشباع خمسة الآف رجل ما عدا النساء والأطفال هذه الاعجوبة دونها كتبة الإنجيل الأربعة بالتفصيل وقصدوا بذلك اعلان الحقيقة السامية عن الرب يسوع الذي قال عنه التقليد اليهودي بأنه المشيحا المسيح الذي يأتي الذي قال عنه موسى ليأت مثل موسى في قيادة الشعب وليس هذا فقط بل أن يطعم الجماهير خبزاً كما فعل موسى في البرية حيث أشبع بني اسرائيل بالمن وهو الخبز الذي نزل من السماء ودعي خبز الملائكة رحمة من الرب فأشبع بني إسرائيل، قال الرب يسوع عن نفسه: «أنا هو الخبز الذي نزل من السماء»، ثم رسم لنا سر القربان المقدس لكي كل من يتناوله يتحد بالمسيح والمسيح فيه وبدلا من أن يتحول الطعام الذي يتناوله الإنسان يتحول الى جسده فإن من يتناول القربان المقدس هو يتحول الى المسيح، نحن نتحول لنكون جزءا من كنيسة الرب بل جزءا من جسد المسيح السري، الرب يسوع اهتم جدا ليجذبنا نحوه لننال الخلاص روحيا ولكنه ايضا لم يهمل امور الجسد، لقد خلقنا ويعتني بنا ويرزقنا ويهتم ايضا بأجسادنا كما يهتم بأرواحنا لذلك عندما علّمنا الصلاة الربيّة لم يعلمنا فقط أن نطلب الروحيات بل ايضا قال أن نسأل الرب ليعطنا خبزنا كفاف يومنا على أن نعتمد عليه في كل أمر من أمورنا الروحية والدنيوية، ماذا ينفعنا الغنى الفاحش؟ ماذا ينفعنا الغذاء اللذيذ إن كنا قد فقدنا صحتنا ولا نستطيع أن نتناول ذلك «لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس. انظروا طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع الى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها ألستم أنتم بالحري أفضل منها… تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو ولا تتعب ولا تغزل ولكن أقول لكم إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وكل ذلك يزاد لكم» (مت25:6 ـ33) لذلك أرادنا الرب يسوع أن نؤمن بأنه يعتني بنا ويصوننا ويحرسنا فلا نخاف أعداءنا وأعداءه حتى أنه ضرب لنا مثلا عن عصافير السماء قائلا: «أليس عصفوران يباعان بفلس وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم محصاة، فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة» (مت10: 29ـ 31) أجل إن هذا الإنسان الذي خلقه الله على شبهه كمثاله يعتني تعالى به وخاصة إذا كان الإنسان يسعى أن يكون مع الله، في اعجوبة إشباع خمس الآف رجل من خمسة خبزات وسمكتين نرى أنه كان هناك جمهور من الناس يتبعون الرب يسوع، مرة بعد أن كان الرب يسوع قد أرسل الرسل والتلاميذ اثنين اثنين أمامه الى القرى والدساكر ليبشروا وعادوا إليه وقد تعبوا جدا فأراد الرب أن يأخذهم الى مكان خالٍ لوحدهم ليستريحوا ويسمع إليهم خبرتهم فركب السفينة وعبر بحيرة طبرية جاء الى مكان يسمى بيت صيدا ليست هي صيدا ولا صور بل أن ذلك المكان يدعى بيت صيدا وهو هضبة بشبه تل أو جبل كما يدعونه، جلس هناك ولكنه رأى الجماهير قد سبقته ماشية على اليابسة ومكثت الجماهير معه ثلاثة أيام لم يأكلوا ولم يشربوا، فجاء التلاميذ إليه يذكرونه أن هؤلاء الناس معنا منذ ثلاثة أيام اصرفهم ليذهبوا الى القرى والدساكر لكي يحصلوا على طعام، فقال لهم الرب يسوع أعطوهم أنتم ليأكلوا فيلبس يظهر أنه كان يعرف علم الرياضيات فحسب ذلك وقال إنه لا يكفي بمئتي دينار لنشتري خبزاً فقط لهذا الجمهور ولكن الرب قال أعطوهم أنتم ليأكلوا، أندراوس أخو بطرس قال يوجد هنا غلام عنده خمسة أرغفة شعير وسمكتان ولكن هذا لن يكفي لهذا الجمهور الرب يسوع قال لتلاميذه أجلسوهم على العشب خمسين خمسين ثم قال أعطوني الخبزات الخمس والسمكتين فأخذها وتطلع الى السماء وبارك وكسّر وأعطى التلاميذ هذا شيء جميل أن البركات من الله تعطى ايضا بواسطة تلاميذه، أعطى التلاميذ وقال لهم وزعوا على الجموع فتكاثر الخبز والسمكتان أيضا، كيف جرى ذلك هل على يدي الرب يسوع إلا بعد أن أعطى هذه الخبزات الى تلاميذه وتكاثرت بيد التلاميذ؟ وزع التلاميذ الخبز الذي تكاثر فأشبع خمسة الآف رجل ما عدا النساء والأطفال طبعا كان ما لا يقل عن خمسة الآف امرأة أيضا وكذلك الأطفال، أكلوا جميعهم وشبعوا بعد أن شبع ذلك الجمهور قال الرب للتلاميذ اجمعوا الكسر الرب يعلمنا ايضا على الاقتصاد هذه الكسر من الخبزات يجب أن لا نهملها، اجمعوا الكسر فجمعوها فكانت نحو اثنتي عشر قفة اثنتي عشر سلة يظهر أن كل رسول من الرسل الاثني عشر كانت بيده سلة من السّلات جمعوها الكسر جمعوا كلها بعد أن أكل الجميع وشبعوا، خمسة الآف رجل ما عدا النساء والأطفال أكلوا جميعا وشبعوا وجمعوا اثنتي عشر قفة من الكسر الباقية، هذه الاعجوبة أحبائي جعلت اليهود يتذكرون تقليدهم أن النبي الذي سيخلصهم من أعدائهم سيكون كموسى يشبعهم أيضا خبزا فأشبعهم خبزا وسمكا هذه الاعجوبة ايضا تدل على أننا عندما نطلب ملكوت الله وبره كل شيء يزاد لنا وأن الله يعتني بأجسادنا كما يعتني بأرواحنا ولا يتركنا نخور في الطريق كما قال الرسل عندما ذكروا الرب عن وجود هؤلاء الناس، جمهور غفير ثلاثة أيام مع الرب يسوع مهتمين بسماع تعاليمه الإلهية ويشاهدونَ معجزاته الباهرات ونيل بركته الإلهية، نحن أيضا أحبائي يُقيتنا الرب هو الذي يعتني بنا الرب هو الذي يريدنا أن نطلب أولا ملكوت الله وبره وكل ذلك من طعام وشراب ولباس وكل حاجات الجسد يوفرها لنا لكن علينا أن نعمل ونتعب وبعرق جبيننا نأكل خبزنا لا نتكل ونتواكل ونعتقد أن الله سيقيتنا ونحن كسالى هذا أيضا أمر من الضروري أن نعرفه جيداً فأولئك الناس لم يكونوا كسالى سافروا مع الرب يسوع هو ركب السفينة وهم ساروا مسافة طويلة على البر اهتموا جدا أن يكونوا معه وينصتوا إلى تعاليمه لذلك لم يكونوا ليبالوا بالطعام والشراب ولكن الرب الذي أعطاهم الغذاء الروحي وفر لهم ايضاً الغذاء الجسدي الطعام الذي كان ضروريا لهم ليعطنا الرب أيها الأحباء أن نتمتع بالخيرات التي يمنحنا إياها ليس فقط أن تعطى لنا بل ايضا أن نتمتع بها بقوته بعد أن نطلب ملكوت الله وبره.

ليمنحنا جميعا الصحة والعافية حتى نتناول هذا الطعام، أن نهتم بالفقراء والمحتاجين والمساكين كما اهتم هو ايضا بالجياع وكما يهتم بنا ويعتني بنا في جميع الميادين لتكن بركته أحبائي حالة عليكم جميعا فتنالوا النعم الجسدية والروحية في آن معا بنعمته آمين.


تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ تل جهان·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء

الكهنة الأفاضل، الرهبان والراهبات،

أيها الشعب المؤمن:

أشكر اللّه شكراً جزيلاً على هذه اللحظات التي أنعم بها عليّ لأكون بينكم، ومعي أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء القادمون من كل فج عميق من سورية ولبنان، ومن أمريكا، ومن أستراليا، ومن الوطن والمهجر، ليشاركوا أخانا العزيز الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم فرحته في افتتاح هذه الكنيسة، ولنكون معه في هذه المناسبة السعيدة، لنلمس ونرى بأم عيننا، بعض إنجازاته الجبارة، في فترة قصيرة، منذ أن تسلم رعاية أبرشية الجزيرة والفرات العزيزة. إنني أيها الأحباء لا بدّ أن أبارك لكم على هذه الكنيسة الجميلة التي شيدتموها وأنتم أبناء هذه القرية المباركة، تل جهان التي هي امتداد لطورعبدين وجبل الأزل وكل هذه القرى التي امتدت في كل مكان، لتضم السريان الذين يباركون اللّه ويمجدونه باللغة السريانية التي تكلم بها الرب يسوع خلال تدبيره العلني بالجسد على هذه الأرض. فهنيئاً لكم بهذه الكنيسة التي شيدتموها بعرق جبينكم، ودم قلبكم، وبارك اللّه على كل من ساعدكم، وتعاون معكم، وتبرع بسخاء لتقوم هذه الكنيسة منارة في هذه المنطقة ولتضاف إلى الكنائس التي شيدها السريان في القديم وفي هذه الأيام، وإلى الإنجازات الجبارة التي قام بها نيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الأبرشية الجزيل الاحترام، ليس فقط من الناحية العمرانية بل أيضاً بتثقيف الشبان فهو مرشد الشبان كمار أفرام السرياني، يشجعهم على دراسة اللغة السريانية المقدسة، وعلى اللغات الضرورية، العربية ثم اللغات الأجنبية أيضاً، ليكونوا دائماً سبّاقين، في تحصيل العلوم وسائر فنون المعرفة مقتدين بآبائهم. فلم يبنِ نيافته كنيسة إلا واهتمّ أيضاً وشجّع ليكون هناك إلى جانبها مدرسة، كما فعل آباؤنا في الأجيال الماضية كما يذكر التاريخ، فهو يعتزّ ونحن جميعنا نعتزّ بأن آباءنا كانوا يشيّدون إلى جانب كل كنيسة، مدرسة، ويعتزّ بأن أبناء هذه الكنيسة يهتمّون بتثقيف أنفسهم، وما شيّدوا الكنائس إلا لتكون أيضاً خير معمل لإنجاب الرجال الأفاضل، ليكونوا مؤمنين صالحين ومواطنين صالحين في كنيستهم، وفي وطنهم سوريا العزيزة. فتشييد كنائس كهذه ومؤسسات ثقافية وأدبية، إن دلّ على شيء فهو يدلّ على ما يتمتّع به هذا الشعب من حرية تامة في عهد رئيس البلاد المبجل الدكتور بشار الأسد، كما تدلّ على ما يكنّ السريان في قلوبهم من إيمان متين باللّه تعالى، وإيمان ثخين بأرضنا وبوطن كنيستنا العزيز، سوريا، وسائر المناطق التي كان ولا يزال السريان يشرّفون الأرض التي يسكنونها. أبارك لنيافته على هذه الكنيسة، وأبارككم جميعا وأهنئكم، وأهنئ كل من تبرّع واشترك في تشييدها. أذكر الابن الروحي العزيز والحبيب القس سمعان عيسى، وأشكر كلماته الطيبة، كما أشكر كلمات الابن الروحي الياس يوحانون عريف الحفل، وكلمة الابن الروحي مسعود أفرام التي ألقاها بالنيابة عن القرية، وأتمنى أن يعضدني اللّه ويساعدني لأكون كما يريدونني أن أكون، فأنا الضعيف والمتواضع، لا أستحق هذه الأوصاف التي أطلقوها عليّ، وهي في الحقيقة أوصاف تليق أن تطلق على راعي هذه الأبرشية نيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم الذي يسعى ليلاً ونهاراً إلى تقدم الأبرشية وازدهارها في كل الميادين، والذي نفتخر أن كهنته وشعبه المبارك يتعاونون معه ويفتخرون به ويعتزون، لأنهم يرون أنه بفترة قصيرة قد أكمل الإنجازات الجبارة في جميع الميادين الروحية والثقافية والدينية والأدبية. إنني لفخور بنيافته، تطلعوا إليه حتى أنه يهتم بجميع شبابه وشاباته، والطلاب الصغار أيضاً في كل فصول الدراسات، ويشجعهم لكي يحوزوا قصب السبق في مدارسهم، ليكونوا حقاً سرياناً يهتمون بالعلم والدين في آن واحد. ليعطه الرب أن يسعى أيضاً ليجعل من هذا الشعب شعباً طموحاً، ليس فقط من الناحية الأدبية بل من ناحية الإيمان وناحية التدين أيضاً. فشعبنا في كل مكان مشهور بإيمانه المتين، مشهور بمحبته للكنيسة المقدسة، ومشهور بمحبته لوطنه سورية وطن كنيستنا في هذه الديار المقدسة.

أيها الأحباء لم يترك لي الخطباء مجالا لأتكلم بمواضيع عديدة كنت أود أن أذكرها فقد ذكروها، ولذلك لا أريد أن أكرّر إنما أظهر بهجتي وبهجة إخوتي الأعزاء أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء الذين شاركوني تقديس هذه الكنيسة، وأكرّر تهنئتي لنيافة مطران الأبرشية وكهنتها ولكم جميعاً، ولهذه القرية وكل القرى التي استنارت حقاً بما خططه وما نفذه نيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم لأجل الشعب المبارك، ليكون سعيداً روحياً ومدنيّاً، وحتى اقتصادياً أيضاً ولكي يجعل أبناءنا في كل مكان مفخرة لأوطانهم. في هذا العيد المبارك، عيد السيدة العذراء مريم الذي كان يدعى سابقاً عيد بركة الكروم، وما يزال إلى الآن ونحن نعتز بهذا العيد، نرى فيه أيضاً العذراء مريم التي استحقت أن تصعد إلى السماء في مثل هذا العيد نفساً وجسداً كما يقول بعض آبائنا، صعدت لتكون شفيعة لنا جميعاً، فنعم ما تفعلون في هذه القرية إذ اعتبرتم هذا العيد عيداً احتفالياً لقريتكم، وخاصة أن كنيستكم هي على اسم السيدة العذراء مريم، نسأل الرب الإله أن يقبل الصلوات والنذور التي تقدم في هذه الكنيسة بإيمان متين، نسأل اللّه أن يجعل من هذه الكنيسة منارة يستضيء بها كل من يقصد هذه الديار، وقد كانت سابقاً حلقة الوصل ما بين القديم والحديث، وما بين طورعبدين وهذه الأراضي المقدسة أيضاً، وستبقى كذلك خاصة وأنتم تحافظون على تراثنا الثمين، ولغتنا السريانية المقدسة، تصلون بها في كل طقوسنا، تتكلمونها ونعم ما تفعلون، وكذلك تحافظون على عاداتنا، على صيامنا وصلواتنا وطقوسنا كافة، وليعطكم الرب النعمة الإلهية لكي تربوا أولادكم التربية السريانية أي المسيحية الصالحة لتكونوا مثلما كان آباؤنا مؤمنين أتقياء ومواطنين صالحين. وقد نادى الخطباء بالوحدة الوطنية وهذا عنواننا نحن كسريان في كل مكان، أن نكون متحدين مع سائر إخوتنا المواطنين المسيحيين والمسلمين وحدة كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، ونتعاون مع الجميع بما فيه خير الأوطان جميعاً، ويطيب لي أن أشكر الأحبار الأجلاء والكهنة والرهبان والراهبات الأفاضل، لمشاركتهم إياكم في هذه الحفلة البهيجة وكل عام وأنتم بخير.

تكريم المرحوم الخوري ملكي الخوري

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء،

الكهنة الأعزاء، المجلس الملي ورابطة نصيبين للأدباء السريان.

أيها الأحباء، أيها الحفل الكريم:

أعتبر هذا اليوم من الأيام المباركة التي فيها أشعر حقاً بأن شعبنا السرياني، شعب نبيل مبارك شعب يعرف آباءه ويكرّمهم لأنه شعب كريم.

إن العظيم يعرف للعظيم مكانته السامية الشامخة، فنيافة أخينا الحبر الجليل المطران الهمام مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، هذا الحبر العظيم الذي اختاره اللّه ليكون الشخص المناسب والمطران المناسب في المكان المناسب، ليكون رئيس أساقفة الجزيرة والفرات في وقت نجد فيه أن اللّه اختاره حقاً ليتقدم موكب التقدم والازدهار لهذه الأبرشية العامرة. هذا العظيم يعرف مكانة المثلث الرحمة الخوري ملكي قس أفريم الرجل العظيم الذي خدم في هذه الأبرشية وخاصة في القامشلي خدمة إنسان بار في كل الميادين العلمية التربوية الثقافية الاقتصادية، وميادين الإحسان أيضاً وخدمة الإنسان، خدمة الإنسان السرياني خاصة الذي كان في الظروف الصعبة والأيام العصيبة المظلمة بحاجة إلى الرجل المناسب. الخوري ملكي هذا الإنسان خدم بقلب ورب، بتضحية ونكران الذات، شعر بأن اللّه أقامه ليرعى هذه الكنيسة في القامشلي «نصيبين الجديدة» وفي كل مكان ليعطينا مثالاً حياً، للكاهن الفاضل المحافظ على طقوس الكنيسة وعقائدها، وعلى لغة مسيحها السريانية المقدسة، ليس هذا فقط بل احتضن أولئك الذين كانوا بأمسّ الحاجة إلى من يحتضنهم في وقت الشدة وشجّعهم وثبّتهم، وعلّمهم محبة الوطن، وحفّز الضالين ليعودوا إلى الأرض إلى زالين.

لقد تكلم من سبقني وخاصة أخي العزيز مار ثاوفيلوس جورج صليبا، الذي حقاً نشكر له هذا الفضل بكتابة كتاب عن نصيبين (باسم برية نصيبين) الذي فيه شرح ووضح ورفع السراج من تحت المكيال إلى قمة المنارة لينظر الناس هذا النور، نور كوكب برز في الكنيسة ليكون خالداً، نور المثلث الرحمة المرحوم الخوري ملكي القس أفريم. عرفته أنا الضعيف وأنا طالب في الإكليريكية في الموصل يوم زارها، ورأينا فيه الكاهن الفاضل والمرشد الذي حاول بكلمته الطيبة أن يرشدنا ونحن طلاب صغار إلى محبة اللّه ومحبة الكنيسة السريانية، ومحبة هذا الشعب المبارك، بل أيضاً إلى محبة هذا الوطن العزيز. وكنت بكل فخر أراسله في المناسبات وقمت معه أيضاً بزيارة طورعبدين العزيزة سنة 1965، يومها حمله الشعب ونحن جميعاً برفقة المثلث الرحمة قداسة البطريرك يعقوب الثالث، حمل الجميع المرحوم الخوري ملكي وهو ينادي لست أنا البطريرك، وقلت له: يا أبانا إنهم يحبونك، أنت رجل أصبحت مثالاً للجميع بمحبتك اللّه ومحبتك الكنيسة ومحبتك الشعب وخاصة طورعبدين.

وكم كنت أبتهج عندما ألقاه، وقد سمعت عنه الكثير من المثلث الرحمة البطريرك أفرام الأول برصوم الذي كان يذكر كل ما كان يفعله الخوري ملكي (قبل أن تتشكل هذه الأبرشية) في إدارة حية وإرادة قوية، فكان الخوري ملكي هو الكل بالكل، وعندما جلس وبشهادته أيضاً المثلث الرحمات المطران قرياقس، سمعت أكثر من مرة يعطي شهادته بأن الخوري ملكي هو الكاهن المثالي في إطاعة القوانين والدساتير والتمسّك بعقيدة الكنيسة وتقاليدها الشريفة وطاعة الرؤساء الروحيين، فهو المثال الذي سيبقى إلى الأبد لنا كأناس جاهدوا واجتهدوا ليثبتوا على إيمانهم القويم، وعلى التمسّك بتقاليد آبائهم والحفاظ على لغتهم السريانية المقدسة. فنحن كما ذكر أخي صاحب النيافة مار ثاوفيلوس جورج صليبا، نحن أولاد الشهداء ويجب ألاّ ننسى ذلك أبداً، وأن نكرم آباءنا، كالخوري ملكي الذي نحتفل اليوم بذكرى مرور خمس وعشرين سنة على انتقاله للخدور العلوية، الخوري ملكي في هذه اللحظات روحه الطاهرة النقية معنا جالسة في فردوس النعيم، متفهمة لهذا اليوم العظيم، تبتهج بالأبناء والبنات الذين رباهم على جداول مياه الإنجيل الحية على محبة هذه الأرض، الأرض العزيزة التي سقاها دم آبائنا باعتزاز. روح الخوري ملكي تطلّ علينا تباركنا جميعاً لأننا عندما نحتفل بسرور بانتقاله إلى فردوس النعيم كإيماننا الثخين المتين، نشعر أنه مع الرب يسوع، وأنه يصلي أيضاً لأجلنا، أنه يتشفع بنا، يريدنا أن نكون كما كان، إن كنا كهنة، وإن كنا مؤمنين، متمسكين بما ورثناه من آبائنا من تراث ثمين.

فاليوم يوم بهجة وسرور، إني بشرف واعتزاز أرعى هذا الاحتفال وإني أفتخر وأعتز بأخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم الذي يعرف مكانة أولئك الذين خدموا الكنيسة ويخدمونها ليتعلّم الجميع ذلك ولكي يبجّل اللّه الذي أقام لنا آباءً عظاماً بكل مراكزهم ومراتبهم، الكهنوتية والمدنية في آن معاً. فليبقَ ذكر الخوري ملكي خالداً. ليبقَ الخوري ملكي المثال الطيب لنا جميعاً في خدمة كنيستنا وأرضنا وشعبنا ولغتنا وتراثنا. ليبقَ هذا المثال إلى الأبد معلماً لنا. أشكر الكلمات الطيبة التي فاه بها عريف الحفل العزيز، ونيافة الحبر الجليل مار ثاوفيلوس جورج صليبا وأهل الفقيد، بل آل الرجل البار الذين نشكر اللّه لأنهم ينسجون على منواله.

تقديس دير القديسة فبرونيا ـ هيمو·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء، الكهنة الأحباء، الرهبان والراهبات،

الذين شاركونا هذا الحفل المبارك من الرجال الرسميين وأبناء الكنيسة،

أيها الحفل الكريم:

وأنا أستمع إلى أخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، جاءني صوت ناداني ليقول، وكان ذاك الصوت من السماء: طوبى لك يا نيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم، طوبى لك لأن اللّه اختارك لتكون رئيس أساقفة في أبرشية سريانية نعتز فيها كل الاعتزاز ونفتخر، ونرى فيها وريثة لأبرشياتنا في ما بين النهرين. لقد اختارك اللّه، ونِعم الاختيار، في الوقت المناسب لتنهض بهذه الأبرشية في جميع الميادين الروحية والثقافية والاقتصادية والعمرانية ولتعيد بل تجدّد أمجاد السريان في هذه الأرض المقدسة. لا أريد أن أكرّر ما قاله العزيز كابي سفر بكلماته المنمّقة، ولا أن أكرّر أسماء المشاريع التي قمتم بها بهمّة عالية، ولكن دعني أن أقول طوبى للشعب الذي له مطران كنيافة أخينا الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم. من كان يتصوّر أن هذا الشعب المبارك يعرف صوت الراعي الحقيقي، ويستمع له ويجتمع هاهنا، لكي يصلي معه ومعنا نحن الضعفاء ومع أحبار الكنيسة الأجلاء، لتقديس هذه الكنيسة الجميلة التي شيّدت بعرق جبين السريان ودم قلبهم، في إرشاد معلمهم مرشد الشبان المطران متى روهم.

من أين جاءت الفكرة ليحتفل نيافته بذكرى 1700 سنة على استشهاد راهبة فاضلة اسمها (فبرونيا) إننا نعتز كل الاعتزاز ونحن نقرأ سيرتها المباركة لنرى مجد الرهبانية في الكنيسة السريانية التي سبقت غيرها من الكنائس في هذا الميدان، كما يشهد المؤرخون الثقات.

فقد كانت فبرونيا راهبة تبنّتها عمّتها التي كانت رئيسة دير للراهبات في نصيبين، فإذا كان لنا في القرن الثالث للميلاد دير للراهبات، ألا يحق لنا أن نفتخر في رهبانيتنا، فقد كان ذلك الدير يضمّ راهبات مثقفات الثقافة الروحية التامة، وكنّ يُدرِّسن النسوة الكتاب المقدس وقصص الآباء وتاريخهم، وكنّ أيضاً قد اشتهرن بالصوم والصلاة، بل كنّ أيضاً معلّمات، فكنيستنا سبقت كل الكنائس في هذا المجال، ولا غرو من ذلك فقد تقدمت الكنيسة مع الأيام في إعطاء الفتاة حقّها في الكنيسة. ففي القرن الرابع للميلاد كان مار أفرام أوّل من سمح في المسيحية أن تهتمّ الفتاة بالمشاركة مع الكهنة والشمامسة في الصلاة، في الصلاة العلنية في الكنيسة، ففبرونيا التي تربّت في هذا الدير على يد عمتها رئيسة الدير، قد كانت في سن الثانية من عمرها يوم دخلت الدير. فبرونيا أجادت اللغة السريانية وأجادت دراسة الكتاب المقدس، وكانت تعلّم من وراء الستار النسوة الفاضلات، فاليوم نحن بحاجة ماسّة إلى راهبات مثقفات، ليكنّ مرشدات ومعلمات، في كل مكان في أبرشياتنا، يُجدنَ اللغة السريانية المقدسة، ويُلقّنَّ الفتيان والفتيات تعاليم الكتاب المقدس، وعقائدنا السمحة. فيا نيافة أخي الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم، لقد جسّدت في قلوب المؤمنين هذا الطموح، ونحن نفتخر كأب عام للكنيسة برهبانيتنا، وإن رهباننا وراهباتنا، نفتخر بهم، ونشجعهم لكي يقوموا بواجبهم الملقى على عاتقهم، في خدمة كنيستنا المقدسة ووطننا العزيز.

إن كل ما فعلتموه بمعاونة ومساعدة وتشجيع هذا الشعب المبارك يعتبر أعجوبة في هذا الزمان، وأنا قد لبيّت دعوتكم الكريمة أن أزور الأبرشية فحيثما التفت، رأيت المشاريع الجبارة التي أنجزتموها بمدّة قصيرة، وحتى المشاريع الاقتصادية التي شجّعتم الآخرين لكي يقوموا بها مشجعين شعبنا ليتمسك بهذه الأرض المقدسة، لا بدّ لي أن أذكر في مثل هذا اليوم أنّ فتاة تربت على ضفاف جداول الإنجيل المقدس واللغة السريانية في دير في نصيبين، قدمت نفسها شهيدة في سبيل تمسكها بالرب، فهذه الأرض قد جبلت بهذا الدم، الدم الطاهر، ولا تزال رائحة الدم تفوح في شجيراتها، وهذه أعجوبة بالغة حقاً، علامة واضحة لنا جميعاً لكي نثبت على إيماننا القويم ونتشفع بالقديسة الراهبة الشهيدة فبرونيا وسائر القديسين والقديسات.

إنني أهنّئ هذا الشعب المبارك وإكليروسه بمطرانهم الهمام، وأهنئ نيافته أيضاً بهذا الشعب المبارك الذي يعرف قدره ويستجيب له، أهنئكم على هذه الكنيسة الجميلة، أهنئكم بإحياء ذكرى القديسة فبرونيا، أهنئكم بذخيرتها، فهي شفيعة لنا جميعاً، تصلي لأجلنا ونحن نحتفل بالصلاة في هذه الكنيسة التي شيدت على اسمها وضمّت ذخيرتها أي رفاتها. لتكن هذه الكنيسة أحبائي مباركة ومقدّسة، وليستجبْ اللّه دعاءنا عندما نقدمه فيها متشفعين بالقديسة فبرونيا.

إننا في هذا العصر الزاهر، في هذه الأيام السعيدة، في هذا العهد الذي نفتخر به، العهد الذي وضع دعائمه، القائد الخالد حافظ الأسد، العهد الذي يقودنا فيه البطل الشاب المثقف الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية، في هذا العهد يحق لنا أيها السامعون الكرام، أن نصلّي أيضاً كما علمنا آباؤنا لرئيس شعبنا الرئيس المبجل الدكتور بشار الأسد ليحفظه اللّه برعايته، ليكتب النصر لسوريا العزيزة. أختم كلمتي بالدعاء إلى الرب الإله لكي يحفظكم ويمتّعكم، بالصحة والعافية، لتكونوا أبناء بررة لهذه الكنيسة المقدسة وهذا الوطن العزيز، ولتسمعوا دائماً لراعي أبرشيتكم الصالح نيافة أخي الحبيب مار أوسطاثيوس متى روهم، ونتمنّى أن نأتي ثانية لنرى مشروع دار العجزة وغيره من المشاريع الهامة التي تكمل إن شاء اللّه بهمتكم وسخائكم السرياني وعندما أقول السرياني يعني تبرعاتكم السخية، فإن شاء اللّه دائماً يجمعنا اللّه بمناسبات مباركة كهذه والنعمة معكم.

حجر الأساس لدير مار آسيا الحكيم ـ الناصرية·

سيادة مدير ناحية الدرباسية،

أعزائي شيوخ العشائر الذين نعتز بصداقتهم ومحبتهم،

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء والكهنة الأعزاء، الشعب المبارك،

بنعمة اللّه اجتمعنا هاهنا في هذه الأبرشية الجميلة، لنضع حجر الأساس لمشروع مهم، دعي باسم مركز مار آسيا الحكيم للمعالجة الفيزيائية، بالمياه الكبريتية، في قرية الناصرية. إننا نعتز بهذا المشروع، ونشكر أيضاً الأبناء الروحيين في قرية الناصرية أولاد المرحوم حنا البرو، كرمو البرو وأولاده، بل أيضاً نريد أن نوضّح حقيقة أن نيافة أخينا الجليل المطران مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، بعقله النير ورأيه الثاقب، وما حصل عليه من ثقافة عالية وسامية وفي كل ما رأى واختبر من مشاريع كهذه في أنحاء العالم، وجد بعناية اللّه وإلهامه هذه الأرض الطيبة، أن تكون المكان المناسب لمشروع ينتفع به المواطنون في وطننا العزيز سوريا بقيادة رئيس جمهوريتنا المبجّل الدكتور بشار حافظ الاسد، فالفرص سانحة، والرئيس يشجع التحديث والتطوير لجعل هذه الأرض كما أراد اللّه أن تتّجه إليها الأنظار، لأنها قد وهبت من اللّه مواهب عديدة تحتاج إلى عقل راجح حتى يكتشف هذا الأمر وحتى يقوم بكل ما تحتاجه هذه الأرض من كشف كنوزها الثمينة، وها هو نيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم قد أقامه اللّه ليكتشف مكنونات هذه الأرض ويعلن تمجيد اللّه الذي اختار هذا المكان المبارك، ليكون سبب بركة عظيمة لشعبنا المبارك. اختار هذه الأرض واختار الجار قبل الدار، لذلك إخوتنا وأصدقاؤنا الأعزاء هؤلاء الشيوخ الأفاضل الموجودون معنا الآن يفرحون معنا لأنهم يعرفون بأن محبتنا لهم، هي التي دفعت نيافته أن يختار المكان المناسب للأشخاص المناسبين، والشخصيات البارزة المناسبة، ففيما نهنئ نيافته بذلك نشكر اللّه الذي اختاره ليكون خير من يهتم بهذه المشاريع الحيوية التي تعود إلى صالح الإنسان صحياً وجسدياً وروحياً، وإلى بلادنا هذه العزيزة لجذب السيّاح إليها، ليطلعوا ويستفيدوا أيضاً ممّا أنعم اللّه على أرضنا من نعم، نتمنى من اللّه أن يبارك هذه الأرض ويبارك هذا المشروع ليشيّد إن شاء اللّه، دير مار آسيا الحكيم ومعنى اسيو يعني الطبيب، وهذا يعني بأن الكنيسة المقدسة من بدء وجودها، تهتم كثيراً بالإنسان وصحة الإنسان، نفساً وجسداً، ولا غرو فالجسد له قيمته وله مركزه وله أيضاً ثمنه الغالي، لذلك قد علّمنا الرب يسوع أن نطلب لأجسادنا الغذاء كما نطلب لأرواحنا، كما نصلّي سائلين الرب قائلين: «خبزنا كفافنا أعطِنا اليوم»، ونطلب لأجسادنا الصحة والعافية، فهو الذي أرسل تلاميذه إلى القرى والدساكر وأمرهم أن يدهنوا المرضى بالزيت كما جاء في الإنجيل لكي ينالوا الشفاء فهذه وسائل مباركة تقترن بقوة الصلاة لمنح نعمة الشفاء للمرضى.

ويقول ابن سيراخ: «علم الطبيب يعلي رأسه فيعجب به عند العظماء» (38: 3) «ثم اجعل موضعاً للطبيب فإنّ الرب خلقه ولا يفارقك فإنك تحتاج إليه» (38: 12)، فحكمة الطبيب هي من اللّه وهذه الوسائل هي من اللّه ولكن دائماً تحتاج إلى من يشعر بخدمة الإنسان وخاصة المواطن في بلادنا العزيزة في سوريا، لذلك نهنّئ نيافته بهذا المشروع ونتمنى له النجاح ونسأل اللّه أن يؤهلكم بعد الانتهاء من تدشين دير مار آسيا وتهيئة الوسائل للشفاء أن يجعل هذا المكان مباركاً إلى الأبد.

مهرجان الأغنية السريانية الرابع·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء، الكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة والمجلس الملي العزيز في كنيستنا بالقامشلي. شكري الجزيل للّه الذي أهّلني أن اجتمع معكم وأوحى إلى أخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم، فدعاني أنا الضعيف لأقضي هذه الأيام الطيبة معكم، وأقوم بتقديس كنائس وافتتاح مؤسسات ومشاريع كلها تعود إلى مجد اللّه تعالى ومجد السريان في كل مكان، وإن كل ما وصفني به نيافته لنبله وهو نبيل ولمحبته، كل ذلك يتعدى شخصي الضعيف إليه وإلى أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء وإلى الشعب السرياني النبيل وبخاصة في أبرشية الجزيرة والفرات وفي القامشلي بالذات. أجل في أول زيارة لي وكان معي نيافة الحبر الجليل مار ثاوفيلوس جورج صليبا، في أول زيارة لي إلى القامشلي قلت: «من لا يرى الشعب السرياني بالقامشلي لا يعرف السريان أبداً»، ويوماً بعد يوم أشعر بأن اللّه سبحانه وتعالى، قد أقامكم أيها الأحبة لكي تكشفوا النقاب عن تراث آبائنا وتعلنوا أمجادهم عملياً، فهذه المهرجانات أين تجدونها في العالم كلّه، إننا نجدها فقط في القامشلي، كل هذه المشاريع التي افتتحناها وقد أنجزها نيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس، كل هذه المشاريع دلّت وتدلّ على ذكائه الخارق، على همّته العالية، على غيرته الوقادة، على محبته لأمته ولغته وشعبه وتاريخ آبائه. ذكر الآن من ضمن المشاريع، تقديس كنيسة القديسة فبرونيا، وعندما تأملت شبابنا وفتياتنا في هذا المهرجان بالذات تذكرت ما قالته القديسة الراهبة الشهيدة فبرونيا لمعذبيها وكانوا من الرومان، لم يكونوا من بلادنا هذه المباركة فهي إذاً شهيدة الدين والوطن بآن واحد، قالت لهم سترون في هذا الجسد الأنثوي الضعيف بطولة الرجال، رأيت جميع الفتيات اللواتي كن يمثلن الفلكلور، يظهرن بطولة أيضاً وهنّ فتيات ضعيفات، هكذا كان آباؤنا وهكذا كانت أمهاتنا، وأخواتنا، وهكذا يجب أن نكون جميعاً، حتى الفتاة الضعيفة بالجسد، هي بطلة في الروح تقدّم نفسها ذبيحة على مذبح محبة المسيح يسوع ربنا، بل يسكب دمها في سبيل الدين والوطن بآن معاً. اسمحوا لي أن أهنئ هؤلاء الناس الذين قاموا على تنظيم هذا المهرجان وما سبقه من مهرجانات ليس للأغنية فقط بل لكيما يمثلوا تاريخنا وجهاد آبائنا وأمانتهم وتمسكهم بأرضهم ليكونوا عبرة لنا في هذه الأيام، لنتمسّك بأرضنا لأنها أرض مقدسة، ما بين النهرين العزيزة، فإذا القامشلي بكل فعالياتها تلقي علينا درساً خالداً، في محبة اللّه ومحبة القريب ومحبة الوطن، وأيضاً بالوحدة الوطنية، وكما ذكر أخي نيافة مار أوسطاثيوس عشرة ايام قضيناها معاً ونحن نعتز بشعبنا المبارك ونصلي لأجله ونفتخر به وأملنا الذي لا يخيب قد قوي في قلوبنا في مستقبل هذه الأرض وهذا الشعب المبارك، كل ذلك لأن قائد بلادنا سيادة الدكتور بشار حافظ الاسد قد أشار وعمل وطبّق ما قاله في التطوير والتحديث ونحن أيضاً كشعب سرياني عريق نريد أن نظهر الماضي بصورة جدية وجديدة، صورة حديثة لكي نتعلم من آبائنا ما كانوا عليه من إيمان متين ثخين، ومن أخلاق سامية جداً، ومن محبة للّه والأرض في آن معاً.

إنني أيها الأحباء وأنا أراكم مجتمعين في هذا المكان المبارك، أشعر بأنكم أبطال الروح لأنكم تشعرون بمسؤوليتكم للحفاظ على لغة ربنا يسوع المسيح السريانية لغة آبائنا وأجدادنا وسريان القامشلي مثال لذلك.

وأشعر كذلك أن الأحبار جميعاً في أبرشياتهم العامرة يسعون أيضاً إلى نشر اللغة السريانية والتراث السرياني، ليكون هذا التراث فخراً لنا، بل أيضاً ينتفع العالم كلّه به، أهنئكم على نجاح المهرجان، وأتمنى دائماً أن تكون مهرجاناتكم ناجحة وصالحة، كما أنني أشكر أخي صاحب النيافة على ذكره اليوبيل الفضي للبطريركية وأتمنى من اللّه إن كنت حياً أن أحتفل به في أبرشية الجزيرة والفرات في وقت يعيّن في حينه، لأبقى خادماً روحياً أميناً لهذا الشعب المبارك، وليبارككم الرب ويحفظكم ويحفظ أولادكم، وأن يجعل اللّه تعالى المؤسسات التربوية التي قام و يقوم بها نيافة أخي المطران مار أوسطاثيوس متى روهم ناجحة أيضاً وصالحة ومفخرة ليس فقط في القامشلي والجزيرة بل في كل مكان يقطنه السريان، ونستودعكم اللّه لأننا سنغادر غداً إن شاء اللّه دير السيدة العذراء في تل ورديات العامر إلى مقر كرسينا الرسولي بدمشق متمنين أن يوصلنا اللّه بالسلامة، ومتمنين أيضاً أن يمتعكم دائماً بالصحة والعافية ويحفظكم إلهنا بالعمر الطويل آمين.

كاتدرائية أبرشية كوجين·

صاحب الغبطة أخانا الحبيب بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول، أصحاب النيافة مطارنتنا الأحباء، الكهنة الموقرين، أيها السيدات والسادة:

«لأنكم جميعاً أبناء اللّه بالإيمان بالمسيح يسوع» (غلا 3: 26)

بحسب المدلول المعنوي لهذه الآية فإن الرعية تعتبر عائلة، وأنتم جميعاً أعضاء في كنيسة واحدة هي جسد ربنا يسوع المسيح. إننا نقرأ في الإنجيل بحسب الرسول يوحنا: «لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية». إن اللّه الضابط الكل يريدنّا أن يحب بعضنا بعضاً كما هو أحبّنا، فإن كنّا لا نحب إخوتنا الذين نراهم فكيف نستطيع أن نبرهن على محبتنا للّه تعالى الذي لا نعاينه وجهاً لوجه. إن ثمار المحبة هي لطف، ومغفرة، وإحسان. عندما نتلو الصلاة الربانية نقول: «..واغفر لنا خطايانا، كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا» فكيف نستطيع أن نحمل ضغينة في قلبنا ونتلو هذه الصلاة أيضاً؟ فمن واجبنا إذاً أن ننسى ونغفر أخطاء الآخرين. إن ربّنا يحذّرنا قائلاً: «وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم» (مت 6: 15)، ثم يوصينا قائلاً: «أحبوا أعداءكم.. وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.. لتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات».

إننا إن أردنا أن نحصل على السلام، فلا بد أن نكون في سلام مع اللّه ومع أقربائنا. إن الرعية هي مجتمع روحي ويجب ألا يكون هناك ضغينة أو سوء فهم فيما بينكم. نحن في القداس الإلهي نعطي بعضنا بعضاً قبلة السلام لنبرهن على محبتنا لبعضنا وأننا واحد بالمسيح ربنا. يجب أن تصونوا وتحموا هذه الوحدة ليس فقط داخل الكنيسة بل خارجها أيضاً بين الأعضاء والعائلات. هذه الوحدة وهذا السلام سيجعلانكم سعداء وستذوقون ثمار السعادة الروحية خلال حياتكم اليومية.

نحن مسرورون أن نعلم أن هذه الكنيسة هي واحدة من أقدم كنائسنا السريانية الأرثوذكسية، وقد تأسست في عام 722 للميلاد. ولطالما دأبت هذه الرعية في استقبال آباء عرش أنطاكية المقدس الروحيين، وعرفت هذه الكنيسة عبر تاريخ كنيستنا السريانية الأرثوذكسية في الهند بأنها المكان الذي عُقد فيه الاجتماع التاريخي لجمعية مالانكارا بتاريخ 9 تشرين الأول 1935 حيث انتخب القديس أثناسيوس بولس بالإجماع مطراناً لمالانكارا. لا زلنا نذكر بمزيد من عرفان الجميل المحبةَ والاحترامَ اللذين أظهرتموهما نحو عرش أنطاكية ونحونا خلال زيارتنا الرسولية الأولى التي قمنا بها في شهر شباط من عام 1982. وقد أسعدنا أيضاً أن نعلم أن هذه الكنيسة تهتم بالرسالة الإنجيلية والأعمال الخيرية، وإنه لمن دواعي سرورنا أن نكرّم هذه الكنيسة لذا نطلق على كنيسة القديس مار جرجس السريانية اليعقوبية اسم: «كاتدرائية أبرشية كوجين».

إننا ننتهز هذه الفرصة لنهنّئ غبطة أخينا الحبيب المفريان مار باسيليوس توماس الأول، ونيافة مطران الأبرشية أخينا الحبيب مار غريغوريوس جوزيف، والأب ب. ب. جوزيف الكاهن السابق، والآباء الكهنة، وأعضاء المجلس الملي، وأعضاء لجنة الإدارة وسائر أعضاء هذه الرعية المباركة.

أبناءنا الروحيين الأحباء: نشكر اللّه الذي منحنا هذه الفرصة لنزوركم ونكون معكم، وسنذكركم جميعاً في صلواتنا. لتكن هذه الرعية مثالاً للآخرين بمحبة أعضائها بعضهم بعضاً في المسيح، ولتكن أيضاً نعمة اللّه معكم ومع الراقدين المؤمنين بشفاعة السيدة العذراء القديسة مريم والدة اللّه، والرسول بطرس هامة الرسل ومار جرجس قديس هذه الكنيسة وشفيعها، وجميع القديسين. آمين.

 

 

 

كلية اللاهوت ـ فيتيكل·

غبطة أخينا الحبيب بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول،

أصحاب النيافة مطارنتنا الأحباء، الكهنة والشمامسة الموقرين،

أيها السيدات والسادة:

اسمحوا لنا في البداية أن نعبّر عن مدى سعادتنا لوجودنا بين ظهرانيكم. فبالنسبة لإنسان ترهبن منذ خمسة عقود نشعر كأننا في المنزل بوجودنا في هذه الكلية.

إننا نقرأ في سفر أعمال الرسل: «وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه»
(أع 13: 2)، فالروح القدس هو الذي يدعو الأشخاص إلى الكهنوت.

يقول القديس بولس: «فإننا نحن عاملان مع اللّه» (1كور 3: 9). إن اللّه تعالى قادر أن ينجز كل شيء بذاته ولكنه يريدنا أن نعمل معه، ليس فقط أن نعمل بل أن نكدح ونجاهد، وكل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه (1كور 3: 8). والعمل بالنسبة للإنسان الروحي هو ارتباط مع اللّه والروح القدس، وهو مشاركة الطبيعة الإلهية في العمل، وهو استعداد الإنسان بإرادته لا ليرتبط مع اللّه وحسب بل أيضاً ليصبح حقاً شريكاً له. إن اللّه يختبر مدى محبتنا وطاعتنا له من خلال العمل كما يقول الرسول يوحنا: «يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق»
(1يو 3: 18).

على الرغم من إيمان داود بأن «الحرب للرب» (1صم 17: 47) وثقته بأن اللّه سيعمل معه، فقد أخذ مقلاعه وحجارته وتقدم إلى الأمام ليواجه جليات. لذا يجب علينا أن نعمل ونسأل اللّه أن يكون معنا في كل شيء نعمله، ولكن أن نحذر الكسل لأن اللّه لا يحب الكسلان. يجب أن نغرس ونسقي واللّه سيُنمي الغرسة. حقاً إننا نستطيع أن نقول بتواضع ما قاله الرسول بولس: «إذاً ليس الغارس شيئاً ولا الساقي بل اللّه الذي يُنمي» (1كور 3: 7). فليساعدنا اللّه أن نعيش في المسيح على الرغم من أننا نتعذب كثيراً من أجله.

فالحياة الروحية هي حياة تضحية، فهي تضحّي بكل شيء حتى بالحياة نفسها. إننا نقرأ في سفر أعمال الرسل: «مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» (أع 20: 35) فعلينا أن نضحّي بشيء ما من أجل اللّه لنزيد محبتنا له ومحبتنا تعظم بقدر ما نضحّي من أجل اللّه. اللّه نفسه أعطانا محبته مثالاً للتضحية. قال الرسول يوحنا: «لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد» (يو 3: 16). هكذا إذاً نصل إلى ملكوت اللّه من خلال الرب يسوع المسيح لننال الحياة الأبدية.

إن مهمّة الكاهن هي رسالة، وهي ليست مهنة بل دعوة. إن اللّه هو الذي يدعو الكاهن تماماً مثلما دعا الرسل، وهو الذي يرسله إلى العالم كما أرسل الرسل. يرسله مع الصليب ليصلب معه، فإن لم يكن هناك صليب فليس هناك إكليل أيضاً. فالكاهن إذاً مُلزم بمحبّة الجميع، وأية كنيسة رسولية لا بد أن تكمّل رسالتها النبيلة من خلال الكهنة الشرعيين الذين يتواصلون مع أعضاء الكنيسة ضمن الرعايا. إننا نحتاج إلى مطارنة وكهنة وشمامسة مثقفين ومكرّسين متعمّقين في إيمان وتقاليد كنيستنا المقدسة. لهذا يجب أن ندعم ونشجّع التثقيف الإكليريكي والتدريب الكهنوتي لأن الكنيسة بدون كهنة وشمامسة مثقفين ثقافة جيدة لن تتمكن من القيام بمهامها في هذا العالم.

إننا مسرورون جداً بسماعنا أن غبطة أخينا الحبيب بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول وجميع أصحاب النيافة مهتمّون جداً بكليتنا، ونهنّئ أخوينا المطرانيَن: نيافة مار فيلكسينوس يوحنا، رئيس الكلية، ونيافة مار ثاوفيلوس قرياقس المطران المقيم في الكلية، وأبناءنا الروحيين الأحباء حضرة الأب الخوري أداي يعقوب مدير الكلية، والأساتذة وطلاب الكلية. نصلي إلى الرب الضابط الكل أن يغدق بركاته السماوية على هذه المؤسسة لما فيه تقدّمها وازدهارها، حاثين إياكم جميعاً لتحموا إيمان كنيستنا المقدسة وتقاليدها وتحفظوها، وتعيشوا حياة روحية مثالية منصتين إلى نداء ربنا يسوع المسيح. لتكن نعمة اللّه معكم دائماً أبداً بشفاعة السيدة العذراء القديسة مريم والدة اللّه، والقديس مار أفرام وجميع القديسين. آمين.

دير ماليكوروش·

إن دير ماليكوروش تعود ملكيته إلى كنائس الكرسي، وهذا يعني أنه تحت الإدارة المباشرة لكرسي أنطاكية الرسولي المقدس وإدارتنا كبطريرك أنطاكية وسائر المشرق. أسّس هذا الدير المثلث الرحمة المطران مار أوسطاثيوس صليبا القاصد الرسولي للكرسي المقدس إلى مالانكارا، وبعدها صار المثلث الرحمة مار يوليوس الياس قورو القاصد الرسولي مطراناً لهذا الدير، ثم خلفه مار فيلكسينوس بولس، (المثلث الرحمة المفريان مار باسيليوس بولس الثاني بعدئذ). وفي عام 1984 كنّا قد عيّنا المثلث الرحمة مار أوسطاثيوس بنيامين كمطران معاون، وعند انتقال غبطة المفريان مار باسيليوس بولس إلى النعيم الأبدي في عام 1996، عيّنا مار أوسطاثيوس بنيامين مطراناً لهذا الدير والربان كيواركيس إيرالي مطران أبرشية تريجور الحالي مار أثناسيوس كيواركيس، رئيساً للدير ومسؤولاً إدارياً، اللذين عملا جاهدين لحماية الدير الذي تعود ملكيته إلى كنائس الكرسي الرسولي «السمهاسانا».

وفي شهر تموز من عام 1999 عيّنا الربان كوريان جون رئيساً للدير ومسؤولاً إدارياً، وأصدرنا الإذن والتوجيهات اللازمة لتشييد كنيسة جديدة هنا، وكنّا قد صادقنا على المخططات ووضعنا حجر الأساس خلال زيارتنا الرسولية السابقة. وفي شهر كانون الأول من عام 2000 عيّنا مار يوليوس قرياقس مطراناً للدير، وفي شهر تشرين الأول سنة 2003 عيّنا المطران مار ديوسقوروس قرياقس مطراناً معاوناً لمطران هذا الدير. والآن يا أبناءنا الأحباء نصرّح علناً في رقيمنا البطريركي رقم 226/04 أننا عيّنا ابننا الحبيب مار ديوسقوروس قرياقس مطراناً لهذا الدير، وسيهتم بشؤون الدير نيابة عن الكرسي الرسولي الأنطاكي المقدس ونيابة عنّا. ليباركه اللّه تعالى للعمل من أجل تقدّم هذا الدير وكرسي أنطاكية المقدس. وإننا نحثّكم جميعاً على التعاون معه لتشييد الكنيسة الجديدة هنا. إن المكان هنا لمقدس، وقد تباركت هذه الكنيسة بذخائر العديد من شهداء كنيستنا وقديسيها.

أحباءنا في المسيح: إننا نعلم من نيافة مطرانكم مار ديوسقوروس قرياقس أن جميع أناس هذه القرية وجوارها من مختلف الديانات والطبقات الاجتماعية والمعتقدات، يأتون إلى هذا الدير للصلاة وهم يحبون الدير ويعتبرونه مبعثاً لرجائهم ومصدراً للبركات. ونعلم أيضاً أن أغلب الأعمال الجسدية المضنية التي بذلت في سبيل تشييد الكنيسة هنا، تطوّع بتنفيذها أبناء هذه القرية والجوار مجاناً الأمر الذي يظهر محبتكم وإيمانكم في هذا المكان المقدس. وعلى الرغم من عدم تمكننا من مشاركتكم في أعمال البناء جسدياً، ولكننا معكم روحياً وأنتم في قلبنا وعقلنا دائماً. ليكافئكم الرب جميعاً من أجل أتعابكم الجمة، وليبارككم الرب ويبارك عائلاتكم.

إنه لمن دواعي سرورنا أن نسمع أن لدينا هاهنا «مدرسة أحَد» تعمل بنشاط مع أكثر من مئتي طفل يدرسون من الصف الأول وحتى الصف الثاني عشر، وأن لديها عشرين معلماً. حقاً إنها لبركة لأولادكم أن يدرسوا في مكانٍ مقدسٍ كهذا. ليبارك اللّه تعالى هؤلاء الأطفال وذويهم ومعلميهم.

نريد أيضاً أن نزفّ إليكم خبراً سعيداً أن ابننا الحبيب الكومندور ت. جون المعروف بإخلاصه للكرسي الرسولي المقدس، قد اختير لنطلق عليه لقب: ابن الكنيسة الشريف، وكما تعلمون فهو إنسان مجتهد وقد أصبح شخصية مهمة في إحدى الولايات المجاورة لنا والتي يعيش فيها منذ أربعين سنة. كما انه سياسي معروف ورجل أعمال ناجح، ليباركه اللّه تعالى ليعمل من أجل الكنيسة بالتزام وحماس أكبر. وليبارككم الرب جميعاً.

تقديس الميرون في كوتامانغالم·

صاحب الغبطة المفريان مار باسيليوس توماس الأول،

أصحاب النيافة مطارنتنا الأحباء، الكهنة الموقرين، أبناءنا الروحيين:

نشكر اللّه الذي أهّلنا لنحتفل برتبة تقديس الميرون المقدس. ففي هذا اليوم المقدس، يمتلئ البطريرك الذي احتفل برتبة التقديس مع من عاونه من المطارنة رَهبَة، وشعوراً بالقداسة ومخافة اللّه لأنهم يكمّلون سراً عظيماً إتماماً لوصية ربّنا يسوع المسيح لرسله وسيراً على خطى آبائنا العظام.

إن المسيحيين الحقيقيين والمؤمنين الصالحين كانوا دائماً مدركين لأسرار الكنيسة السبعة منذ نعومة أظفارهم، ومطّلعين جيداً على الشروط المطلوبة لإتمام السر والتي هي المادة والصورة أي العبارات المعينة والخادم أي المحتَفِل. إن الأسرار السبعة كافة هي عطايا عظيمة منحها اللّه لشعبه وأودعها الكنيسة بواسطة الرسل الذين كرعاة خوّلهم السلطان ليمنحوا هذه العطايا للمؤمنين بالمسيح يسوع.

إن جميع الأسرار مع موادها مقدسة. وسر تقديس الميرون المقدس يأتي أولاً، وقد أُعدّ ووزّع على جميع الكنائس السريانية في جميع أنحاء العالم. إن البطريرك الأب العام لجميع السريان في العالم هو الذي يقدّس الميرون يعاونه في ذلك مطرانان على الأقل، الأمر الذي يدل على وحدة الكنيسة لأن جميع المؤمنين يجب أن يُمسحوا بالميرون المقدس ليصبحوا أعضاء أعزاء في كنيسة اللّه، الكنيسة السريانية. إن المادة التي تقدّس تتألف من الزيت، والبلسم، وعطور أخرى، وهي ملموسة ذات عبير طيب.

والميرون بعد تقديسه، يستعمله الكاهن الشرعي ليمسح به المعتمد باسم الآب والابن والروح القدس، فينتج عن ذلك مفاعيل عظيمة وينزل الروح القدس من السماء ويحل على الشخص ليس بالطريقة التي حلّ فيها على الرب يسوع على شكل حمامة لتمييزه عن الجموع، بل يحل عليه بطريقة سرية سماوية، ويُسمع صوت الرب كما سُمع على نهر الأردن قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت..».

هذه هي مفاعيل الروح القدس متجلّية في الكنيسة بواسطة الزيت، والبلسم والعطور التي عادة تكون قد قُدّست قبل قيام الكاهن بمنح سر المعمودية. وسر الميرون المقدس يمنح بعد المعمودية لإكمال السر ودعوة الروح القدس ليحل على المعتمد.

كيف نفهم عمل هذه الرتبة؟

خلال الاحتفال برتبة تقديس الميرون وبينما نحن مستغرقون كليّاً في اللّه، مسلّمين أنفسنا أمام المجد الإلهي، متضرّعين إلى اللّه تعالى ليرسل روحه القدوس ليقدّس هذه المسحة لتمتلئ قوة عظيمة ومفعولاً يفوق الوصف، نشاهد أحد المطارنة يبخّر في طريق القبّة التي يحتجب فيها قداسة البطريرك حاملاً قنينة الزيت والعطور ضارعاً إلى الرب ليحوّلها إلى الميرون المقدس. إن الموكب الذي يسير فيه البطريرك وجميع المطارنة داخل الكنيسة يرمز إلى العهد القديم والنبوّات التي قيلت عن ربّنا يسوع المسيح. إن الإعلان الذي يقدمه الميرون المقدس عن الحضور الإلهي، منتشر بين الناس كانتشار النبوات عن الرب يسوع قديماً.

بعد أن يصل الموكب إلى المذبح، يخرج قداسة البطريرك من القبّة ويطلب من الإكليروس أن يحجبوه بينما يصب البلسم على الزيت الممزوج بالعطور ويطلب منهم ألاّ ينظروا أبداً. إن البلسم يسكب في القنينة المهيأة سلفاً بالصلوات ومزج الطيوب المتنوعة فيها. إن ثبوت القنينة وهدوءها، ونعومة الزيت الذي تحويه هي رمز إلى ناسوت المسيح، أما البلسم مع حرارته فيشير إلى نار لاهوت المسيح، بينما ترمز القنينة إلى العذراء مريم التي في أحشائها اتحد الناسوت باللاهوت. إنه لسرٌ عظيم عندما ندركه. وإننا عندما نكمّله نمتلئ رهبة وخوفاً مرتعدين أمام اللّه.

بعدها يصرخ قداسة البطريرك هاليلويا «المجد للّه» وهذه تمثّل عيد الميلاد، ميلاد يسوع، الإله المتجسّد من العذراء مريم، ويجيب المطارنة والكهنة والشمامسة المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة. إن هذا السر كان غامضاً، ولهذا السبب يحجب قداسة البطريرك نفسه تحت القبّة ويطوف في الكنيسة التي ترمز إلى العالم بأسره الذي فيه حُجب عن الناس سرُّ تدبير الرب يسوع الإلهي بالجسد.

إن سرّ يسوع أنه الإله المتجسّد لم يُعلن للناس، لأنه أوصى تلاميذه ألاّ يكشفوا الأمر خاصة عندما قال الرسول بطرس: «أنت المسيح ابن اللّه الحي» وحين أعلنت السماء ذلك مرتين، بعد المعمودية وفي التجلّي. ويخبرنا الكتاب المقدس بأن التلاميذ الثلاثة الذين عاينوا جزءاً من مجده أثناء التجلي أمرهم الرب ألاّ يخبروا أحداً بهذا، لأنهم سمعوا صوت الآب يقول: «هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا» (مر 9: 7). وبموجب هذا أعلن اللّه أن الشريعة والقوانين التي وضعها موسى قد أُبطلت، ومن الآن وصاعداً يجب أن نسمع للمسيح فقط. لم يكن الوقت قد حان بعد لإعلان هذا السر للبشر، ولهذا أوصاهم ألا يعلنوا ذلك إلى حين قيامة ابن الإنسان، لأنهم لم يكن بمقدورهم فهم معنى القيامة. لذا فإن البطريرك وبينما لا يزال داخل القبّة ويطوف في الكنيسة، يخفي جيداً القنينة التي تحوي الميرون المقدس بحلته الحبرية خشية من أن يلمحها أحد، ثم يقترب من المذبح حيث قطعة الخشب المقدسة التي تصمد عليها الكأس والصينية خلال الاحتفال بالقداس الإلهي. إن قطعة الخشب هذه ترمز إلى الصليب وعليها يضع قداسة البطريرك قنينة الميرون المقدس مشيراً بهذا إلى آلام يسوع المسيح على الصليب وصلبه وموته فداءً عن البشرية جمعاء، وإلى قيامته ممجداً. وعند انتهاء الصلاة يأخذ قداسة البطريرك قنينة الميرون المقدس ويبارك بها الشعب إيماناً بأن هذا الزيت المقدس قد استمدّ قوة إلهية بحلول الروح القدس عليه وعلى الذي احتفل بالتقديس متضرعاً إلى اللّه من أجل ذلك. وبهذا يكون قد مُنح المفاعيل العظيمة لتقديس المؤمنين وجعل الروح القدس يحلّ عليهم بطريقة تفوق الوصف. إن الرسل القديسين هم الذين تسلّموا الأسرار من الرب في يوم خميس الأسرار، وإن الرب نفسه هو الذي خوّلهم السلطان ليمارسوا الأسرار بعد أربعين يوماً من قيامته أي حين صعوده إلى السماء، فصارت هذه الأمور سبب إلهام لآباء الكنيسة.

إننا نفهم هذا السر العظيم من فصول قراءات الكتاب المقدس من العهد القديم التي تتلى على مسامع المؤمنين خلال هذا الطقس، فنسمع من خلالها ما حدث لداود بن يسّى عندما اختير من اللّه. إن الروح القدس اختار ابن يسّى فأحضر صموئيل قرن دهن ممزوج بمواد عطرة بحسب ما أوصى اللّه موسى شارحاً له كيفية مزج هذا الدهن بالعطر، وكيفية تحضيره داخل القرن ليمسح الكهنة والأنبياء والملوك في العهد القديم.

عندما اجتاز إخوة داود الواحد تلو الآخر، لم يكن داود بينهم ولم يكن الوقت قد حان بعد لأيّ منهم ليصبح ملكاً ونبياً، لهذا سأل صموئيل يسّى فيما إذا كان هؤلاء هم جميع أولاده، فأجابه: بقي الصغير وهوذا يرعى الغنم، فقال صموئيل ليسّى: أرسل وائت به، وعندما جاء داود أعلن صموئيل أن اللّه اختاره ليكون ملكاً ونبياً. إن الدهن الذي غلا بالقرن ـ والقرن رمز للقنينة، جعل صموئيل يشعر بأنها إشارة من اللّه بأنه قد اختار هذا الإنسان. فالدهن إذاً يملك قوة الحياة والميرون المقدس يملك ذلك أيضاً، وعلى الرغم من أننا قد لا نستطيع أن نشعر بهذه القوة مادياً لأننا لا نزال نعيش في زمن كمال يسوع المسيح، لكننا نؤمن بأن الميرون المقدس يملك قوة إلهية مستمدة من اللّه. لقد قال الرب لتلاميذه أن الروح القدس يحميهم ويعلّمهم ويعزّيهم ويشجعهم. إن الروح القدس يذكّرهم بكل شيء قاله السيد المسيح للمؤمنين على لسان الرسل، لأن هذه المسحة قد ترسّخت بداخلهم وهي التي تعلّمهم، وقد أوصاهم ألا يسمعوا لأيّ تعليم آخر. وكل ما يقال عن الروح القدس ينطبق على المسحة، فالمسحة امتلكت قوة عظيمة مستمدّة من الرب، وهي تلهم الإنسان وتثبّته عند الاعتراف وتذكّره بكل شيء قاله اللّه حتى أنها تدعو الروح القدس لينزل من السماء ويمنح مواهبه السامية لهذا الإنسان ليتبرّر ويتقدس ويستحق أن يكون ابناً للّه بالنعمة. وبالإضافة إلى ذلك فإن المسحة تمثّل الروح القدس عندما حلّ على التلاميذ ومنحهم مواهب سامية. إن الكنيسة ممثلة برئيسها وبالمطارنة تقدّس المادة لتكمّل هذه المسحة التي تملك مفاعيل سامية مقدسة.

كان الكهنة قديماً يمسحون المعتمد عادة بالميرون المقدس، أما في بداية المسيحية فكانت العادة بعد معمودية الإنسان المؤمن، أن يضع الأسقف يده على المعتمد ليحلّ عليه الروح القدس. ولامتداد الكنيسة إلى جميع أنحاء العالم واستحالة وضع أيدي الرسل على المعتمد بعد الاعتراف بالمسيح، حلّت مسحة الميرون المقدس محل هذه العادة. فحلول الروح القدس على الشخص المعتمد كان يُثبّت فقط بأن يقوم الأسقف الذي يمثّل الرسول البار بوضع يده عليه، ولكن مسحة الميرون المقدس حلّت محل هذه الممارسة، ومع ذلك فإن الكنيسة احتفظت برتبة وضع الأيدي في الرسامات.

إخوتي الأعزاء: كلنا كنا قد مسحنا بالميرون المقدس، وفي الماضي اعتاد آباؤنا أن يميّزوا المسيحي بواسطة الميرون المقدس المُعطى له. فهل لا نزال اليوم نملك هذا الإيمان المتين بالميرون المقدس؟ ألا نزال نشعر بقوة الميرون المقدس في تثبيت اعترافنا وشجاعتنا وبسالتنا وحكمتنا ونعمتنا والتي هي كلها مواهب سماوية مثبّتة فينا بالميرون المقدس، رائحة المسيح؟ إن الرسول بولس أوصى جميع المؤمنين أن تنتشر فيهم رائحة يسوع المسيح الذكية أي رائحة الميرون المقدس. فعلينا من الآن أن نكون قريبين من اللّه، ملتزمين بشرائعه، منصتين إلى وصايا ابنه الوحيد، مصلّين أن يبقى الروح القدس ساكناً فينا، وأن نجدّد عهدنا مع اللّه لنكون ثابتين غير متزعزعين بإيماننا لتفوح رائحة المسيح من أعمالنا الصالحة ويراها الناس ويمجدوا الآب السماوي على حد تعبير الرب يسوع. ولتكن نعمة اللّه معكم دائماً آبداً. آمين.

كنيسة القديس مار باسيليوس يلدو·

أبناءنا الروحيين الأحباء: كما نعلم جميعاً أنه في عام 1682 بعث المطران مار توما الثاني برسالة من الهند إلى قداسة البطريرك عبد المسيح الأول يطلب إليه أن يرسل مطراناً وبعض المعلمين الجدد إلى الهند لئلا تزول الكنيسة السريانية الأرثوذكسية من هناك. وصلت الرسالة إلى قداسة البطريرك في عام 1683، وفي العام نفسه وصل وفد من الهند إلى دير الزعفران ـ تركيا «مقر بطريرك أنطاكية آنذاك» ليشرحوا شخصياً لقداسة البطريرك وضع الكنيسة في الهند وحاجتها الملحّة إلى المطارنة. في عام 1684 اجتمع أغلبية مطارنة الكرسي الرسولي برفقة المفريان «الكاثوليكوس» مار باسيليوس يلدو في دير الزعفران ليعاونوا قداسة البطريرك في تكريس الميرون المقدس، وبعد حفلة التقديس ناقش قداسة البطريرك والمطارنة بشكل كامل وضع الكنيسة غير الجيد في الهند. وعندما أدرك غبطة المفريان مار باسيليوس يلدو ضرورة وجود واحد منهم في الهند من أجل أن ينقذ الكنيسة المقدسة، قدّم نفسه بسرور للخدمة هناك. وبدافع محبته تجاه إنعاش الكنيسة في الهند، قرّر التخلّي عن منصبه كمفريان للمشرق، فتعجب قداسة البطريرك والمطارنة من حماسه على الرغم من تقدّمه في السن.

بدأ مار باسيليوس يلدو رحلته الطويلة برفقة مجموعة إلى إقليم يجهله كلياً، كما رافقه أيضاً الأسقف مار إياونيس هداية اللّه ليعاونه في إدارة الكنيسة في الهند، سلكت المجموعة طريقها نحو جنوب الهند قادمة من الموصل، فاجتازت الجبال القاسية والغابات المرعبة سيراً على الأقدام حتى وصلت إلى كوتامانغلم. وفي عيد الصليب المقدس رُسم الأسقف مار إياونيس هداية اللّه مطراناً في كنيسة مار توما. وفي اليوم الثالث عشر لوصولهم إلى كوتامانغلم لفظ مار باسيليوس يلدو أنفاسه الأخيرة، وفي اليوم التالي دُفن في هيكل الكنيسة المذكورة.

إن ذكرى هذا القديس يحتفل بها سنوياً في كنيسة مار توما هذه في اليوم الثاني والثالث من شهر تشرين الأول وذلك باحتفال روحي مهيب. إن مجموعات الحجاج بصرف النظر عن الطبقات الاجتماعية والمعتقدات الدينية، يؤمّون هذه الكنيسة طلباً لشفاعته، كما تشترك في عيده حشود غفيرة من المتديّنين، ويعتبر هذا العيد رمزاً للانسجام المشترك. إن المرضى عادة ينالون الشفاء عند زيارتهم القبر المقدس وطلبهم شفاعة القديس مار باسيليوس يلدو، ومنذ انتقال مار باسيليوس يلدو فإن معجزات متنوعة عديدة تحدث من خلال الشفاعة به. إننا نقرأ في المزامير: «القديسون الذين في الأرض والأفاضل كل مسرّتي بهم»، فنشكر اللّه الذي وهبنا النعمة أن نضم اسم مار باسيليوس يلدو كقديس مع قداسة البطريرك الياس الثالث ومار غريغوريوس في التذكار الخامس (أي تذكار الآباء والملافنة والنساك)، ونسأله تعالى أن يعيننا لنحيا بالمسيح، سيراً على خطى آبائنا الروحيين القديسين في هذا العالم لأن «ذكر الصّديق للبركة»
(أم 10: 7)، ولتكن ذكرى مار باسيليوس المقدسة بركة لكم جميعاً.

ننتهز هذه الفرصة لنهنّئ غبطة أخينا بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول، وإخوتنا أصحاب النيافة المطارنة، وأبناءنا الكهنة الروحيين، والمجالس المليّة، وأعضاء لجنة الإدارة وسائر أعضاء هذه الكنيسة. ليبارككم اللّه جميعاً.

كنيسة السيدة العذراء ـ كوطيم·

نمجّد اللّه القدير لأنه أهّلنا لنكون هنا من جديد ونحتفل بالقداس الإلهي في كنيسة السيدة العذراء مريم والدة الإله، مع غبطة أخينا بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول ومطارنتنا الأحباء من الهند والشرق الأوسط.

إن كنيستنا المقدسة منذ نشأتها تتغنى بفضائل القديسة العذراء مريم وتعطيها الطوبى وتطلب شفاعتها وتردد اسمها الشريف في الصلوات صباح مساء. وآباء الكنيسة برعوا نثراً وشعراً في مديح العذراء في أعيادها، ودبّجوا في ذلك طقوساً منظومة دوّنت في مجلدات ضخمة تدعى بالسريانية فنقيوثو. كما أن كتاب الصلوات اليومية الذي يتلى أسبوعياً ويُدعى شحيمو، يحتوي على نثر روحي وتراتيل منظومة ترنّم يومياً صباح مساء، وتعلن وتقرّ بالعقيدة الصحيحة المتعلقة بالقديسة العذراء مريم، وتظهر مكانتها الرفيعة والسامية في قلب المؤمن خاصة وفي الكنيسة عامة، وتطلب شفاعتها وصلواتها المستجابة. في صلاة يوم الجمعة مساءً نقرأ هذا الابتهال لمار يعقوب السروجي: «كم هو رائع وجميل يوم ذكرى العذراء مريم المباركة، التي أصبحت أم ابن اللّه. فليرفع ربنا بصلواتها قضبان الغضب عن كل من يلجأ إليها بإيمان». وتكريماً للعذراء القديسة مريم، رتّب آباء الكنيسة السريانية أن يتلو المؤمنون السلام الملائكي في نهاية الصلوات الفرضية صباحاً ومساءً.

إن موقف القديسة مريم تجاه رسالة الرب كانت واضحة، وقد آمنت بابنها. أوأمكن أن تتردّد بشأنه، بينما الملاك كان قد أعلن لها رسالته السماوية أن: «هذا سيكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية» (لو1: 32 و33)، وقالت عن نفسها: «..وتبتهج روحي باللّه مخلصي لأنه نظر إلى اتضاع أمته فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوّبني لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس» (لو1: 47 ـ 49). لقد تبعت العذراء القديسة مريم ابنها يسوع إلى الجلجثة وهناك تحت الصليب تمّت نبوّة سمعان الشيخ القائلة: «وأنت أيضاً يجوز في نفسك سيف»
(لو2: 35)، فعاينت ابنها القدوس معلقاً على الصليب ورأته يموت واشتركت بدفنه وشاهدته قائماً من بين الأموات، وكانت أيضاً مع تلاميذه في جبل الزيتون وشاهدته يصعد إلى السماء.

إن الكنيسة السريانية تتشفّع بسيدتنا العذراء مريم، والمعجزات التي اجترحتها العذراء للكنيسة والمؤمنين لا تحصى. وزنّارها مكرّم ويعتبر نبع بركة، ولا غرو من ذلك، فإذا كانت الثياب توضع على جسد الرسول بولس ثم تؤخذ لتوضع على المرضى فينالون الشفاء، فكم بالحري زنار سيدتنا العذراء الذي حاكته بيديها الطاهرتين وتمنطقت به وعلى الأرجح أنّه لامس جسد الفادي! يجب علينا إذاً أن نعطيها الطوبى ونقتدي بفضائلها. لقد كانت تحفظ كلمة اللّه متفكّرة بها في قلبها بصلاة روحيّة صادقة، فهي خير مثال للعذارى والمتزوجين ـ ذكوراً وإناثاً على حد سواء ـ وأيضاً للأهل ليربّوا أولادهم التربية الصالحة أن يحفظوا شرائع الرب ويطيعوا أوامره الإلهية. ليبارك الرب كل الذين يتشفّعون بالعذراء مريم ويقتدون بسلوكها الطاهر.

إننا بكلامنا الآن نعلن عن هذه الكنيسة، لتكون الكنيسة الكاتدرائية لأبرشية كوطاييم ومركز الحج لكنيستنا المقدسة في الهند.

بهذه المناسبة نهنّئ أخانا الحبيب بالمسيح غبطة المفريان، وعزيزنا مطران الأبرشية نيافة مار طيمثاوس توماس، وأبناءنا الروحيين الكهنة الموقرين، المجالس الملية، وأعضاء لجنة الإدارة وجميع أعضاء كنيستنا. ولتكن هذه الرعية مثالاً للآخرين بمحبة أعضائها بعضهم البعض ولتكن في سلام مع المسيح. ليبارككم اللّه جميعاً ويرحم موتاكم المنتقلين، وليسمع صلواتكم وتضرّعاتكم بشفاعة القديسة مريم والدة الإله، والقديس بطرس هامة الرسل وجميع القديسين. آمين.


في كنيسة مار توما ـ مولنتوروتي·

غبطة المفريان مار باسيليوس توماس الأول، أصحاب النيافة المطارنة، الكهنة الموقرين وجميع أعضاء الجمعية.

ما أعظم هذا اليوم! اليوم نحن نصنع تاريخاً!

في الحقيقة إننا نخلق تاريخاً هاهنا من جديد.

نحن سعداء ومبتهجون خصيصاً لأننا جزء من هذا الحدث التاريخي.

قبل 128 سنة، أي في عام 1876 سلفنا الأسبق مار إغناطيوس بطرس الرابع وطئ إلى هذه الأرض المقدسة وصنع تاريخاً. لقد عقد مجمعاً وترأسه وكان ذلك المجمع التاريخي في هذا المكان بالذات. نود أن نهنّئ غبطة المفريان والمجمع المقدس هنا لاختيارهم هذا المكان لهذا الاجتماع فنعم هذا الاختيار. لقد كان مار غريغوريوس كاتوروتيل قديس الهند الجليل، مُترجم البطريرك بطرس الرابع وسكرتيره حينذاك، هو من نظّم لمجمع مولنتوروتي. إنها لصدفة عظيمة بأن يكون مار غريغوريوس جوزيف سكرتير المجمع المقدس المكاني والذي ينحدر من نفس عائلة كاتوروتيل، هو من نظّم لهذا المجمع المقدس هنا.

إن مجمع عام 1876 معروف على الصعيد الشعبي بمجمع مولنتوروتي، وهذا المجمع يعتبر أكثر الأحداث أهميّة في تاريخ الكنيسة، فهو الذي مهّد الطريق للديمقراطية في هذه الكنيسة وجلب إليها النظام لا سيما في الأمور الإدارية. وكانت الكنيسة قد قسّمت إلى أبرشيات لأجل الفائدة الإدارية، والمجمع ضَمِنَ للكنيسة سلاسة في العمل في كل الأصعدة، فجُلب الشعب إلى المنصّة المركزية في إدارة الكنيسة، وكانت هذه المحاولة لتجنّب الأوتوقراطية من قبل السلطة الهرمية في الكنيسة. ومن المدهش أن نلاحظ أن المبادرة بجميع هذه الأمور حدثت في وقت كانت فيه الديموقراطية لا تزال حلماً بعيد المنال عن الشعب الهندي. يا له من نموذج استطاعت أن تقدمه الكنيسة حتى للأمة، فنحن مسرورون جداً أن يكون هذا الأمر قد ترأسه أحد أسلافنا. واليوم وبعد 128 عاماً، أنعم اللّه علينا لنطبع على خطى سلفنا ونصنع التاريخ من جديد، فنحتفل مع جميعكم بهذا الحدث التاريخي العظيم في كنيستنا. وهذا الحدث العظيم هنا يعلن للعالم بأسره بعبارات واضحة أن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية لا تزال قادرة على جعل روح الديمقراطية مستمرة فيها، وهكذا تظلّ ضمن التقليد العظيم لمجمع مولنتوروتي.

إن اجتماع الممثلين الأول المنعقد في مولنتوروتي والمعروف شعبياً بمجمع مولنتوروتي، رأى أنه كان من الضرورة وجود منظّمة للكنيسة السريانية تدعى «الجمعية السريانية المسيحية» وكان القصد من ذلك الحيلولة دون إدارة سيئة وحكم أوتوقراطي لمطران منفرد، فاعتبر هذا الأمر عملاً ديمقراطياً عظيماً، إذ أنه أكّد أن الكنيسة ليست فقط مجمع مطارنة بل بالأحرى هي جماعة الشعب المؤمن، وأن السلطة الهرمية في الكنيسة يجب أن تكون مسؤولة أمام الناس.

واليوم وإذ نحتفل بهذا الحدث، يبهجنا أن نلحظ أن كهنتنا والعلمانيين يلعبون دوراً عظيماً في عملية اتخاذ القرار في الكنيسة، ونحثّكم على مواصلة هذا التقليد والاستمرار في أن تكونوا نموذجاً للكنائس الأخرى.

إن حُكم عام 1995 أعلن جلياً أن الكنائس هي لأعضائها ولا تستطيع أية سلطة أن تنتهك حرمة الأهداف الأصلية التي من أجلها كانت الكنائس قد أُسّست. لذلك كان لا بد لكنيستنا أن تفكّر بدستور مستقل، وعملنا على إعداد مسوّدة دستور جديد وبنعمة اللّه ورحمته صادقت عليه المحكمة العليا في كيرالا. ومرّة ثانية كان هذا نصراً لروح مجمع مولنتوروتي وبالتالي نصراً لحق شعبنا على رعاياهم وملكهم. نود أن نهنّئ قيادة كنيستنا في الهند، لا سيما حكمة غبطة المفريان مار باسيليوس توماس الأول، وجميع مطارنتنا وإكليروسنا وفوق كل شيء إيمان العلمانيين المتين. ونود أن نحث شعبنا المؤمن كله على الالتزام بالدستور في كل قضايا الكنيسة، كما إننا نرغب في أن ندعوكم جميعاً لتؤيدوا روح مجمع مولنتوروتي وتجددوا تأكيده هنا. ونود أيضاً أن نقول إننا مسرورون جداً أن نكون في هذا الاجتماع، اجتماع جمعيتنا السريانية المسيحية، كما إننا نصادق عليه.

قد لا تكون الأوقات المقبلة سهلة بالنسبة لنا، ولكننا واثقون من أن كنيستنا ستمرّ في جميع هذه الامتحانات والتجارب تحت قيادة غبطة المفريان الحكيمة والمطارنة الذين معه والقادة الآخرين. إننا فخورون بكم واللّه سيحميكم ويحمي كنيستنا، وقد حفظنا اللّه من جميع البدع وساعدنا لندافع عن الإيمان القويم، وسنستمر باتكالنا على نعمة اللّه ورحمته. كما إننا نحث كل شعبنا المؤمن ليجتمعوا حول غبطة المفريان والمجمع المقدس ويقدموا لهم الدعم كله، وهم سيقودونكم من خلال إيمان كنيستنا المقدسة القويم وتقاليدها العريقة.

إن سكرتير كنيستنا الابن الحبيب السيد تامبو جورج توكالان، يعمل بنشاط من أجل الكنيسة لذا نباركه ونقلّده لقب «بر عدةا مؤيرا ابن الكنيسة الماهر» لخدمته الحكيمة في كنيستنا المباركة.

كما إن كنيسة مولنتوروتي هي كنيسة مباركة، فالبطريرك بطرس والبطريرك عبدالله قدّسا الميرون المقدس في هذه الكنيسة، وأضرحة ثلاثة مطارنة الذين قدموا من أنطاكية كقاصدين رسوليين، موجودة هنا. بالحقيقة إن هذه الكنيسة هي مكان مقدس، ونود أن نطلق عليها اسم «أورشليم الهند». وليبارككم الرب جميعاً.


تقديس كاتدرائية مار بطرس ـ دلهي·

غبطة أخينا الحبيب بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول، أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء، الكهنة الموقرين، أيها السيدات والسادة:

نشكر اللّه الضابط الكل لأنه أهّلنا لنكرّس هذه الكنيسة ومعنا غبطة المفريان وأحباؤنا المطارنة من الهند والشرق الأوسط. لقد كانت أمنيتنا التي راودت ذهننا منذ أمد طويل أنه يجب أن يكون للكنيسة السريانية الأرثوذكسية اليعقوبية كاتدرائية ذات ملكية خاصة بها في العاصمة الهندية. ونشكر اللّه أنه منحنا هذه الفرصة لنقدّس هذه الكنيسة ونكرّسها تحت اسم سلفنا مار بطرس هامة الرسل. إن هذه الكنيسة هي رمز علاقتكم الحيّة مع اللّه، ولتكن بركة لهذا البلد النبيل ولشعبها ولكل الذين يرتبطون بها.

لقد كرّسنا هذا البناء ليكون كنيسة، أي أنّ هذا المكان أصبح بيتاً للّه لتمجيد اسمه ولتقديس نفوس المؤمنين لتكون هيكلاً للّه على حد تعبير مار أفرام القائل: «على كل مؤمن أن يكون كنيسة، ويكون فكره مذبحاً ليقدّم ذبيحة تسبيح للّه». يقول الرسول بولس: «أما تعلمون أنكم هيكل اللّه وروح اللّه يسكن فيكم» (1كور3: 16). إن اللّه هو الذي يبنينا وليس نحن من يبني أنفسنا، ولذلك نسلّم إلى يديه ذواتنا ليبنينا. فعلينا أن نكون أدوات لتمجيد الرب كما قال ربنا يسوع المسيح: «ليروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات». وعلينا أن نولد من السماء ونمثّل الإنسان على الأرض لنكرّس أنفسنا للّه متذكرين أننا أبناء اللّه وأن هناك نهاية لحياتنا في هذا العالم. وعلينا أيضاً أن نفكر كيف نربح الحياة الأبدية في السماء.

إننا نمر في مرحلة انعدم فيها السلام في أماكن عديدة من العالم، وفشلت الوسائل الدنيوية بحد ذاتها أن تمنح العزاء لروح الإنسان، ومن هنا ندرك صلة الدين الوثيقة بذلك. فعندما تكون علاقة الإنسان مع اللّه جيدة عندها فقط يستطيع أن يتمتّع بسلام فكر حقيقي. إن الإنسان الذي يخاف اللّه هو وحده من يستطيع أن يواجه تحديات العالم بجسارة، والإنسان الذي يقبل اللّه خالقاً وحامياً له سيتمكن من رؤية رفاقه البشر كأولاد للّه ويحبّهم كإخوته وأخواته كما أوصانا ربنا يسوع المسيح أن نحب اللّه وأقرباءنا كأنفسنا. وحيثما تكون المحبة سيكون هناك سلام، سلام مع اللّه، سلام فينا وسلام مع أقربائنا، فعلينا جميعاً أن نعمل متحدين لنحقق السلام في هذا العالم. ويقول ربنا يسوع المسيح: «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء اللّه يدعون» (مت 5: 9)، دعونا إذاً نجاهد لنكون في حالة سلام مع اللّه ومع بعضنا البعض لنستحق أن نكون أبناء اللّه.

أبناءنا الروحيين الأعزاء:

لقد كرّسنا اليوم هذه الكنيسة بالميرون المقدس، وفي ذلك علامة لبركة اللّه عليكم إذ يقول تعالى في الكتاب المقدس: «إذا سلكتم في فرائضي وحفظتم وصاياي وعملتم بها… أسير بينكم وأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً» (لا 26: 3 و12). إن واجبنا نحو اللّه أن نحبّه ونعيش حسب وصاياه، وعندها سنكون معه وهو سيكون معنا. إذاً فلنجدّد عهدنا أمام اللّه بأن نكون شعبه، ولنتجنّب كل ما يبعدنا عنه، ولنرضِ اللّه بفضائلنا، وصلواتنا، وصومنا، ومساعدتنا للفقير والمحتاج، وبمحبتنا بعضنا البعض. وليجعل اللّه هذه الكنيسة مصدر إلهام لعمل كل ما يُسرّ اللّه والبشر.

أحبائي في المسيح: إن السيدة أنديرا غاندي رئيسة الوزراء السابقة هي التي كانت قد اختارت ودبّرت هذا الموقع الفريد في قلب المدينة ومنحتنا إياه، ونحن الآن كرّسنا بناء الكنيسة هذا كبيت للّه باسم القديس بطرس هامة الرسل الذي أسّس كرسي أنطاكية سنة 37م. إننا نذكر أننا في زيارتنا الرسولية في عام 1982، كرّمنا هذه الرعية بلقب «كاتدرائية بطريرك أنطاكية الشرقية» وذكرنا أيضاً بأن هذا اللقب سيبني علاقة خاصة بين الهند والبطريركية. ليسمع اللّه صلواتكم عندما تقصدون هذه الكنيسة وليسمعنا في منزله في السماء ويغفر لنا. وليسمع اللّه في ملكوته لأي إنسان من شعبكم يرفع يديه في الصلاة تجاه هذه الكنيسة وليغفر له ويعضده.

لقد تباركتم جميعاً بأن يكون هذا البلد الجليل وطنكم الأم، ونودّ أن ننتهز هذه الفرصة لنحث شعبنا المؤمن على الاستمرار بالتعاون التام في الفعاليات القائمة التي تؤول إلى بناء الأمة العظيمة في هذا البلد العريق الذي استيقظ بوساطة مهاتما غاندي وبانديت نيهرو.

في هذه المناسبة، نهنّئ غبطة حبيبنا بالمسيح المفريان مار باسيليوس توماس الأول، وعزيزنا صاحب النيافة المطران مار طيمثاوس توماس وجميعكم على هذا الإنجاز الرائع. ونثني على جهود الكاهن وجميع أعضاء الرعية هاهنا الذين ساهموا بكل قدرتهم لإكمال هذه الكنيسة. ليكافئهم اللّه القدير ويباركهم جميعاً لدعمهم الكريم وتعاونهم. وليبارككم اللّه جميعاً ويبارك أنفس موتاكم ولتكن هذه الكنيسة مثالاً للآخرين بمحبة بعضكم البعض والحياة في سلام مع اللّه، وليبارك اللّه هذا البلد وحكومته وشعبه، وليستمع اللّه صلواتكم وتضرعاتكم بوساطة شفيعكم القديس بطرس وجميع القديسين، آمين.

 

 

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ دير الزور·

نشكر اللّه تعالى الذي أهلنا في هذا الصباح أن نقوم بتقديس هذه الكنيسة الجميلة باسم السيدة العذراء مريم. جئنا خصوصاً لهذه الغاية المباركة تلبية لدعوة صاحب النيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات الجزيل الاحترام، يرافقنا صاحب النيافة الحبر الجليل المطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي، وعزيزنا الفاضل الربان متياس نايش مدير الكلية الإكليريكية في معرة صيدنايا، وكم نحن مسرورون برؤية الآباء الكهنة ممثلي الطوائف والكهنة الذين جاؤوا أيضاً من أماكن عديدة ليشاركونا الصلاة في هذه المناسبة. كما أيضاً نشكر جميع العلمانيين من أبناء الكنيسة وغيرهم الذين تجشموا عناء السفر وجاؤوا ليشاركونا الفرحة بافتتاح هذه الكنيسة المقدسة وتقديسها. لقد عوّدنا صاحب النيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات على مشاركته البهجة بافتتاح الكنائس والأديرة والمراكز الثقافية والروحية والاجتماعية في أبرشيته العامرة منذ أن جلس على كرسي مطرانية هذه الأبرشية العامرة. إنه باهتمامه في خدمة الأبرشية ورعاياها أصبح مثالاً طيباً لرؤساء الأساقفة بكل ما لهم من همّة عالية وغيرة وقّادة في خدمة الكنيسة المقدسة، يضاف إلى ذلك الاهتمام الذي نلمسه لمس اليد حتى في الحركة المسكونية في كل مكان يمثّل فيه نيافته الكنيسة المقدسة في هذا المجال والميدان. نسأل اللّه أن يمتّعه بالصحة والعافية وأن يوفقه ليواصل أتعابه الجمّة في تقدم هذه الأبرشية وازدهارها وخدمة الكنيسة عامة.

أيها الأحباء: كما لا بد أن أثني جزيل الثناء على كاهن هذه الرعية الابن الروحي العزيز القس كبرئيل أفرام الذي بتعاونه بروح الكهنوت الحقّة مع المجلس الملّي وسائر أبناء وبنات هذه الرعية ـ باركه اللّه والرعية ـ استطاعوا أن يشيّدوا كنيسة جميلة كهذه وليس هذا فقط بل أثني على هذا الكاهن لطاعته التامة لرئيس أبرشيته وتقبّل توجيهات نيافته الصائبة والحكيمة في خدمة الكنيسة. وكم هي بهجتنا عارمة ونحن ننصت جيداً إلى الفرقة النحاسية للكشاف العزيز بل أيضاً نفتخر بجوقة الترتيل الناجحة جداً. إذاً ليست الكنيسة الحجر فقط بل هي البشر وإذا هيّأنا نفوسنا لنكون كنيسة للّه ننصت إلى قول الكتاب المقدس يوم لفظ الرب يسوع لأول مرة كلمة كنيسة وعنى بها المؤمنين به أنه ابن اللّه، الحقيقة الإلهية التي أعلنها الرب على لسان هامة الرسل بطرس عندما سأل الرب في ضواحي ونواحي قيصرية فيلبس التلاميذ قائلاً: «من يقول الناس إنّي أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا وآخرون إرميا» (مت 16: 13و14). هذا كان فكر الناس في المسيح يسوع، مسيا المنتظر، مشيحا الذي تنبأت عنه الأنبياء وانتظرته الأجيال لكي تنال الخلاص ولكي تتم فيه النبوات عامة بدءاً من نبوة أطلقها اللّه سبحانه وتعالى فصارت وعداً للبشرية عندما قال أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك 3: 15)، وعندما أعلن إشعياء في القرن الثامن قبل الميلاد أن تلك المرأة هي عذراء بقوله: «ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (7: 14)، جاء متى الرسول الذي كتب الإنجيل المقدس بالسريانية الآرامية ليفسّر هذه الكلمة السريانية الآرامية لغة ربنا يسوع المسيح قائلاً: «عمانوئيل الذي تفسيره اللّه معنا» (مت 1: 23). فعندما بلغ ملء الزمان وآن الأوان لإتمام النبوات جاء جبرائيل مرسلاً من السماء إلى هذه العذراء ليبشّرها بالحبل الإلهي، واليوم نحتفل بحسب طقسنا السرياني الأرثوذكسي بأحد بشارة العذراء مريم ونحن نكرّس هذه الكنيسة على اسم العذراء مريم لننال بركتها وليتشفع بها أبناء هذه الكنيسة وكل من يصلي في هذه الكنيسة متشفعاً بالعذراء ينال ما يطلبه من النعم الإلهية.

أجل أيها الأحباء، عندما بلغ ملء الزمان وتجسد ابن اللّه كما يصفه الرسول بولس «الله ظهر بالجسد» (1تي 3: 16)، حين ذاك جاء ليخلصنا وصلب عنا وأعلن نفسه في قيصرية فيلبس أي بانياس السورية، جاءها الرب يسوع عندما تجسد وهناك أعلن نفسه إلهاً متجسداً بل ابن اللّه الحي، فما أعظم البركة التي نالتها سورية بقدوم الرب يسوع وإعلان هذه الحقيقة الإلهية في أرضها. كرّسنا هذه الكنيسة واستمعنا إلى بطرس يعلن أن المسيح هو ابن اللّه، بل في فصل الإنجيل المقدس الذي تلي على مسامعكم خلال طقس القداس وطقس تكريس الكنيسة، استمعنا إلى الرب يسوع يعطي الطويى لبطرس: «طوبى لك ـ قال له الرب ـ يا سمعان بن يونا. إن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبي الذي في السموات، وأنا أقول لك أنت كيفا بالسريانية أنت بطرس باليونانية أنت حجر وعلى هذه الصخرة صخرة الإيمان بالمسيح يسوع أنه ابن اللّه على هذه الصخرة قال الرب أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 16: 17و18). وليس هذا فقط بل أعطى الرب لبطرس موهبة عظيمة أن يحل الخطايا ويربطها، موهبة عظيمة سماوية. أعطاه سلطان الكهنوت المقدس، أعطاه منفرداً أولاً لهامة الرسل بطرس ثم أعطى هذا السلطان للرسل كافة مجتمعين بعد قيامته من بين الأموات. فالكنيسة إذاً عندما تكرّس يجب أن تكون كنيسة رسولية مبنية على أساس الرسل والأنبياء كما يقول الرسول بولس والمسيح يسوع هو حجر الزاوية، المسيح يسوع هو حجر الزاوية هو الكل في الكل بالنسبة إلى الكنيسة، حتى عندما نكرس الكنائس مثلما فعلنا اليوم على اسم العذراء مريم أو الرسل أو القديسين فالكنائس كافة هي كنائس المسيح يسوع وعندما نطلق على هذه الكنائس مثلما أطلقنا على هذه الكنيسة اسم العذراء يعني ذلك أن نتشفع بالعذراء مريم لكي تصلي لأجلنا أن نعطيها السلام كما أعطاها جبرائيل وأن نطلب منها أن تذكرنا أمام ابنها الوحيد ربنا يسوع المسيح، عندما نكرّس كنيسة كهذه ونِعْمَ ما فعلنا في هذا اليوم المبارك يوم بدء التدبير الإلهي في الجسد ببشارة الملاك للعذراء مريم بالحبل الإلهي، يوم نفعل هذا ونفعله في كل يوم ونعطي السلام للعذراء مريم، نبتهج ونؤمن أننا نطوّب العذراء أنها والدة الإله بالجسد ولأنها أعطتنا النعمة الإلهية بتجسد الرب يسوع لأنها المرأة التي نسلها أي المسيح سحق رأس الحية وأعطانا النصر على إبليس. كم نحن مبتهجون أحبائي ونحن نتمتع بوحدة وطنية في بلادنا العزيزة سورية التي نشكر اللّه أن رئيسها المبجل سيادة الرئيس بشار حافظ الأسد منحه اللّه الحكمة والفهم والغيرة على اسم بلاده والمحبة لشعبه فهو أيضاً حبيب البلاد والعباد كافة، ليعطه الرب أن يكون دائماً بصحة تامة وليملأه حكمة ودراية ولتخفق أعلام النصر على سورية برئاسته.

أيها الأحباء ونحن نجتمع هاهنا بحسب تقاليد آبائنا لابد أن نصلي لأجل رؤسائنا المدنيين كما نصلي لأجل رؤسائنا الروحيين ولا بد أن نصلي لينعم اللّه علينا النعم الروحية وملكوت اللّه كما نصلي لأجل نيل الهبات الجسدية أيضاً ونحن أيها الأحباء بتكريسنا هذه الكنيسة نشعر بأن الروح القدس قد حلّ عليها بل أيضاً أن الروح القدس في هذا التكريس والتقديس قد حل على كل واحد منّا إن كنّا نؤمن أننا هياكل اللّه كما يقول الرسول بولس وأن روح اللّه حالّ فينا، فما علينا إلا أن نكون هياكل نقية طاهرة للّه وإلا سيهرب الروح القدس منا كما ارتعب النبي داود عندما أخطأ فطلب إلى الرب «ارحمني يا اللّه حسب رحمتك… قلباً نقياً اخلق فيَّ يا اللّه وروحاً مستقيمة جدّد في داخلي.. وروحك القدوس لا تنزعه مني» (مز 51: 1 و10 و11)، ليبقَ الروح القدس حالاً في هذه الكنيسة وفي كل واحد منا لأننا أيضاً كنائس اللّه، ليبقَ الروح القدس أيها الأحباء مرشداً لنا ومذكراً إيانا بتعاليم ربنا يسوع المسيح لننال نعمته دائماً أبداً ونكون مكرسين له، لتكن هذه الكنيسة مباركة عليكم، ليكافئ الرب كل من تبرع واشترك بتشييدها من الأغنياء والفقراء وحتى الأرملة بفلسيها، من البعيدين والقريبين من الذكور والإناث من الشيوخ والشبان والأطفال، ليكافئ الرب الجميع بنعمه الفائقة الجزيلة ونعمته تشمله دائماً أبداً، أمين.

لا وجود لمسيحية صهيونية·

أيّها السامعون الكرام:

وفي هذا العيد المجيد الذي ترتفع فيه، في جميع أنحاء الدنيا، الأصوات منشدة «المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة» تتّجه أنظارُنا إلى أرض الميلاد، إلى بيت لحم والناصرة ورام اللّه وأريحا، وبخاصة إلى القدس وقلبنا يتفطّر حزناً لما نراه هناك، وفي كل مدينة وقرية في فلسطين، من الجرائم الوحشية والانتهاكات الفظّة للقوانين الدولية ولقرارات الأمم المتحدة، دون وازع من ضمير أو رادع من قانون، حتى خال للناس أن ما يجري هو مذبحةٌ منظّمة ومستمرة فلا سلام هناك ولا مسرّة في الناس.

ولكن صمود الشعب في فلسطين في وجه العدوان يبدّد اليأس ويبعث الأمل أن الفرج قريب وأنه ما ليل إلا وله فجر آتٍ. والفجر في فلسطين آتٍ وستنطلق الحناجر هاتفة المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة.

وليس بعيداً عن فلسطين، يعاني شعبنا في العراق من حرب ظالمة دامية، تذكرنا باحتلال المغول لبغداد. وأكثر ما يثير الشعوب على أصحابها أنهم يقترفونها تحت شعارات زائفة تحمل كلمات من مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والإعمار والبناء ومكافحة الإرهاب.

إنها حرب غير شرعية وغير عادلة، وقد عارضتها ودانتها أكثرية شعوب وحكومات العالم. ومثيروها لا يمثلون الحرية والعدالة ولا المسيحية ولا الحضارة «كائنة ما كانت هذه الحضارة شرقية أو غربية، شمالية أو جنوبية» وقد دانتها أيضاً شرائح واسعة من الشعب الأميركي بالذات، وبينها الكنائس المسيحية الرئيسية البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية.

وبالمناسبة يحضرني هنا ما يُثار عن وجود مسيحيين صهيونيين في أميركا، وأودّ من باب هذا الهيكل القول: أن المسيحية لا تلتقي مع الصهيونية، فالصهيونية هي عدوة للمسيحية ولا يوجد كنائس تكون مسيحية وصهيونية في نفس الوقت، فإما أن تكون الكنائس للمسيح وتعاليمه وللمحبة والسلام والإخاء والمحبة بين الناس وإلاّ فلا يصحُّ أن يُطلق عليها نعت المسيحية.

وإني لأسأل لماذا يُضخَّم في بلادنا العربية حجم الذين انحرفوا عن تعاليم المسيح ورسله في الولايات المتحدة؟ إن الانحراف لا علاقة له لا بالمسيح ولا بالمسيحية. وكما قلنا إن الكنائس الأساسية في الولايات المتحدة هي ضد الحرب وضد غزو العراق وضد العنصرية واضطهاد الشعوب، واحتلال وتدنيس الأراضي المقدسة، فلماذا تُهمَل هذه الكنائس الأساسية وتجري المبالغة في الحديث عن أهمية المنحرفين؟ إن أكثرية المسيحيين في الولايات المتحدة تؤيدنا وتؤيّد قضايانا، وتعارض الحرب والعدوان والعنصرية وهم يتظاهرون في الشوارع داعين إلى السلام.

فلماذا يتجاهل البعض الأكثرية التي تؤيدنا، وتسلِّط الأضواء على المنحرفين؟ ولماذا تُستثار العواطف ضد المسيحيين في العراق؟ هل العدوان على الكنائس العراقية من أخلاق العراقيين؟ وهل تهجير المسيحيين من العراق سيحرّر العراق من المحتلين والعملاء؟ وهل يريد المعتدون باعتدائهم على الكنائس إخراج المسيحيين من العراق؟

وأنا أقول للمحتلين والجناة والمحرّضين: إننا سنظل في العراق ولن نخرج من هذه المنطقة من العالم.. هذا هو وطننا ونحن فيه منذ ألوف السنين، قبل مجيء المسيح وبعد مجيئه.. وجذورنا فيه عميقة ولا يمكن اقتلاعها.. ولا يمكن لوطنيٍّ حقاً ولا لمسلمٍ حقاً ولا لعربيٍّ حقاً أن يمد يده لمسِّ المسيحيين في الشرق الأوسط لتهجيرهم منه.

إن وجود المسيحيين في أوطانهم في هذه المنطقة ضرورة قومية ووطنية وإيمانية وحضارية، وهو وجود شرعي بكل المقاييس.

هم ليسوا مستورَدين من الخارج ولا عابرين ولا لاجئين ولا نازحين، هم أهل البلد وأصحاب الأرض والتاريخ ورمز من رموز إيمانه وحضارته وإنسانيته، وإخوة أبنائه وتعايش معتنقي أديانه.

ولو كانت إرادة اللّه لا تريد بقاء المسيحيين في هذه البلاد لما بقي فيها مسيحي واحد.

ولو لم تكن إرادة اللّه أن يبقى المسيحيون في هذه البلاد لما استمروا موجودين حتى الآن ولما صبروا وصابروا وتحملوا وتمسكوا بدورهم في هذه البلاد، وبرسالتهم الدينية والوطنية صفّاً واحداً مع إخوتهم ومواطنيهم المسلمين. إنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الإنساني والوطني في هذه البلاد، ووجودهم برهان على التعايش والتآخي والعمل المشترك لحماية الوطن وحريته واستقلاله وسيادته ودوره الحضاري.

ونحن في سوريا نفتخر بحياتنا الوطنية وتعايشنا الأخوي ونضالنا المشترك، وسنظلُّ إلى جانب إخوتنا المسلمين في جبهة فعّالة تدافع عن الوطن، وتحافظ على تراث سوريا الوطني، وتقف صخرة في وجه تهديدات أعداء سوريا والعرب وسداً منيعاً في وجه تهديدات وتحركات الأعداء.

وتحت قيادة الرئيس المبجّل الدكتور بشار الأسد سيواصل شعبنا نضاله لحماية سوريا ومنجزاتها ودحر الأعداء والتصدي بقوة وثبات لتهديداتهم وتحركاتهم والنصر لنا بكل تأكيد وستظل سوريا دوماً عصيّة على المعتدين والطامعين والغزاة. هم سيذهبون، كما ذهب الذين سبقوهم أما نحن فسنبقى حيث وضعنا اللّه وأراد لنا أن نبقى وستظل رايات الحرية والاستقلال والسيادة مرفرفة عالياً في سماء سوريا، وستظل سوريا رائدة في أمتها أمينة لرسالتها وفيّةً لتاريخها وتقاليدها.

وسنظلّ عاماً بعد عام ندعو من هذا الهيكل اللّه تعالى أن يجعل النصر على يد الرئيس المفدى الدكتور بشار الأسد ابن القائد الخالد حافظ الأسد، وأملنا في أن نرفع إليه في الأعوام القادمة التهاني بالأعياد والانتصارات.

ويسرّنا من على هذا المنبر المقدس، أن نهنّئ أيضاً فخامة الرئيس العماد أميل لحود رئيس الجمهورية اللبنانية الشقيقة، ونتمنى للبنان العزيز اطراد التقدم والازدهار في عهده الميمون.

وكل عام وأنتم بخير.

من عظات عام 2005

من عظات عام 2005

رسامة راهب في دير مار أفرام·

نهنئ كلية مار أفرام على كل من تخرج فيها، وإننا مسرورون في هذا اليوم أن تقدم هذه الكلية أحد أبنائها الذين حقاً قدموا ما قدموا في سبيل خدمة الله.

من الكلمة البليغة التي فاه بها ابننا الروحي الراهب زاكاي نرى أن الرهبنة كما هي بكل قيمها نذور ثلاثة بتولية مع العفة، وطاعة تامة وفقر اختياري وفي الوقت نفسه الرهبنة هي تكريس الإنسان نفسه لله فهي نكران الذات ومن ينكر ذاته يُعتبر انه يعترف بفضل الله عليه ومن ينكر ذاته يُتبع ذلك ايضاً بالتضحية والتضحية هي خدمة المسيح يسوع ومن آمن بالمسيح وخدمة من يحتاج إلى الخدمة من أبناء البشر كافة دون تمييز بين دين ودين ومذهب ومذهب وبين أيضا عقيدة وعقيدة. إننا نشكر الله على هذه اللحظات التي أهلنا فيها أن نقدم لله راهباً لينال خلاص نفسه اولاً فالراهب يسعى اولاً لخلاص نفسه ولنقدم هذا الراهب ليكون خادماً لله ولكنيسة الله ويسرنا أن شاركنا في الصلاة نيافة أخينا الحبر الجليل مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي الجزيل الاحترام والآباء الكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات كافة بل أيضا يسرنا أن العديد منكم قد جاء من أماكن عديدة لكي يشاركوا هذا الراهب الجديد وأهله البركة ونيل النعمة من الله نهنئ أيضا مدير الكلية السابق الأب الربان متى عبد الأحد الذي هو اليوم النائب البطريركي في أبرشية الأرجنتين والحالي الأب الربان متياس الذي إليه يعود الفضل في التوجيه، توجيهه الطلاب كافة إلى ما فيه مخافة الله فهو المرشد الروحي الذي سعى واجتهد أن يتعاون مع الطلاب بمحبة ووداعة وتواضع وهو اليوم مدير الكلية.

نذكر أيضا كما ذكر الراهب الجديد الابن الروحي الراهب زاكاي الأب الربان موسى الشماني الذي كان مرشداً روحياً. وتأثير المرشد الروحي معروف جداً وخاصة في الأديرة ونذكر المرشد الروحي الآن الأب الربان يوياقيم ونرى في كل ذلك أن الكلية الإكليريكية التي نسعى لتكون مثالية، هذه الكلية تهتم بمخافة الله والتقوى والسعي لخدمة التراث السرياني كما في الوقت نفسه خدمة الإنسان وخدمة الأوطان. ونرى ايضاً أيها الأحباء أن هذا الشعب المبارك دائماً يفتخر ويعتز بأن يقدم أبناءه رهباناً لخدمة الكنيسة ولخلاص نفوسهم وخلاص الآخرين وراهباتٍ ايضاً للغاية ذاتها ونحن إذ نحتفل برسامة راهبٍ نشعر أن ملائكة الله تفرح بخاطئ واحد يتوب لأن في الرهبنة نرى التوبة الحقيقية بل كما يدعوها الآباء الميلاد الثاني، يولد الإنسان من جديد عندما يكرس نفسه ليكون راهباً إنني في هذه اللحظات اذكر شيئاً أولاً مراكز التربية الدينية التي أسسناها لتكون سبب نهضة روحية في الأبرشيات. ثانياً دورات اللاهوت التي منها تخرج العد يدون في علم اللاهوت وفي الآداب والأخلاق ومخافة الله ومن هؤلاء هذا الراهب الجديد أذكر أنه عندما كان في عداد اولئك الذين انخرطوا لدراسة اللاهوت هنا في مركز التربية الدينية لا في الكلية قيل لي أنه مرة وهو خرج يتأمل تطلع إلى بناية الكلية فسُئل ما بك يا لقاء بماذا تفكر؟ أجاب وكان ذلك بالهامٍ ربّاني أفكر أن أُكرس يوماً نفسي لأكون راهباً كهؤلاء الرهبان الأتقياء، واستجاب الله دعاءه وقبله الرب. لا يقبل الرب كل إنسان يدعي أنه يتبع الرأس، قبله الرب لأنه كان قد هيأ نفسه ليكون حقاً راهباً صالحاً في بيته بإرشاد والديه وإخوته وأقاربه بل أيضا في الكنيسة التي نشأ فيها تلك الكنيسة التي يحبها ويحب كهنتها وشمامستها ونفتخر بهم لأنهم يحبون تراثهم الثمين ولغتهم السريانية المقدسة. تهيأ هناك لذلك أصبح في حالة أن يقول نعم عندما دُعي من الرب واستجاب الرب وحمل الصليب ورأى نفسه راهباً وطلب من الله أن يكون راهباً صالحاً وهذا ما نطلبه من ربنا جاءنا هواتف كثيرة من أناس عديدين من هنا وهناك ومن كل فج عميق يهنئون الراهب الجديد ويهنئوننا بالراهب وجاءنا رسائل عديدة ايضاً واخترنا رسالة واحدة من نيافة أخينا الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم لتُتلى على مسامعكم في هذه اللحظات تهنئة لهذا الراهب الصالح والرب يبارككم جميعاً ويهيئ هذا الراهب الجديد وجميع رهباننا وراهباتنا ليكونوا مثالاً طيباً لأبناء وبنات الكنيسة في العالم أجمع لخدمة تراثنا وإيماننا والتمسك بعقائدنا التي ورثناها عن آبائنا وهي العقائد الأرثوذكسية القويمة الرأي.

نبارك له ولأهله الأعزاء، ونعمة الرب تكون مع جميعكم أحبائي.

رسامة راهب في دير مار أفرام·

 

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء، الكهنة الأعزاء، الرهبان والشمامسة، الرهبان والراهبات الفاضلات أيها المؤمنون تحتفل الكنيسة المقدسة في هذا اليوم المبارك بعيد القديس العظيم ملفان الكنيسة مار أفرام السرياني الذي وصفه القديس ذهبي الفم السرياني أيضاً بأنه شمس السريان ومرشد الشبان وكنارة الروح القدس نحتفل بعيده متشفعين به مفتخرين أيضا في سبيله الملفان العظيم البطريرك أفرام الأول برصوم الذي أسس كلية مار أفرام بدم قلبه وعرق جبينه وجعل منها فناراً وكناراً يشع منها في ظلمة هذا العالم بل جعل منها عملاً جباراً قام به ضمن انجازاته العظيمة فهو أبو الإصلاح في القرن العشرين والى اليوم في الكنيسة السريانية نذكره ونحن نعيد لمار أفرام ولكلية مار أفرام ونهنئ كل من تخرج في هذه الكلية ونال بركة الرب بل أيضا شفاعة القديس مار أفرام الذي هو قدوة لنا جميعاً في محبة الله تعالى ومحبة هذه الكنيسة السريانية الأرثوذكسية كنيسة الشهداء كنيسة الملافنة كنيسة العلم والعلماء الكنيسة التي أسسها الرب على صخرة الإيمان وجعل هامة الرسل بطرس أول اسقف فيها، هذه الكنيسة العظيمة تغنى بأمجادها مار أفرام وحافظ على إيمانها فإذا كانت في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية قد عانت كثيراً وقدمت عدداً كبيراً من الشهداء وكان دم الشهداء بذار الإيمان، ففي القرن الرابع قام فيها من قام خاصة مار أفرام مدافعاً مناهضاً داحضاً الهرطقات والتعاليم الغريبة عن المسيحية معلماً إيانا لكي نتمسك بالإيمان القويم الرأي ولكي نبذل الغالي والنفيس لا في سبيل الحفاظ على الإيمان فقط بل أيضا في نشره في جميع أقطار العالم ونحن إذ نعيد عيد مار أفرام نترحم على البطريرك أفرام ليعطه الرب عداد جهاده في سبيل خدمة هذه الكنيسة المقدسة أن يكون في عداد بطاركة أنطاكية الصالحين الذين جاهدوا وانتصروا والذين استحقوا بالحفاظ على الإيمان أن يأخذوا وينالوا إكليل المجد في السماء كما نذكر كل من سعى واجتهد في خدمة الكنيسة وكلية مار أفرام منذ كانت مدرسة بسيطة والى اليوم وهي تعد اليوم في عداد الكليات الشهيرة في الشرق في التعليم والاجتهاد بتربية الأشبال الذين أصبحوا للكنيسة اسوداً يذودون عن حياضها ولابد أن أُهنئ كل من دُعي باسم أفرام العظيم إن كانوا مطارنة، إن كانوا رهبان، إن كانوا شمامسة وكل مؤسسة سُميت باسم مار أفرام أذكر في هذا اليوم الأبناء الروحيين الراهب أفرام حنا الحنو رئيس دير السيدة العذراء في تل الورديات خريج هذه الكلية، الراهب أفرام حنا آحو الذي نعتز بخدمته كثيراً، الراهب أفرام لحدو الذي رافق نيافة أخينا المطران الجليل مار ديوسقورس بنيامين في اشتراكه في الصلاة هنا معنا بهذه المناسبة مناسبة توشيح الاسكيم الرهباني للابن الروحي الراهب صموئيل نبيل عيسى. إن قلبي أيها الأحباء مبتهج جداً في هذا اليوم وأنا أرى خاصة الأحبار الأجلاء يشاركونني الصلاة لأجل الابن الروحي الراهب صموئيل وهو يقدم نذوره أمام الرب الإله ويتشح بالإسكيم الرهباني ليبدأ مشواراً هو مشوار الجهاد في خدمة الرب الذي يبدأ عادة بنكران الذات وبالتضحية وسعي الإنسان أن يحمل الصليب، الصليب الذي يمتد عمودياً إلى السماء ليستمد بركة الرب ثم يمتد أيضا إلى كل العالم ليعطي هذه البركة للناس ليس بالكلام وحسب بل بالعمل والقدوة والمثال. أشكر نيافة المطران مار ديوسقورس بنيامين النائب البطريركي في السويد الذي أعطت أبرشيته راهبا تقيا فاضلا متعلما هو الراهب صموئيل وكل ذلك بتشجيع نيافة المطران بنيامين وسعيه لكي تعطي أبرشيته ثمارا طيبة في خدمة الكنيسة ولا ننسى له أبدا ولجميع الذين رافقوه من السويد والمانيا ومن أطراف سوريا ومن كل مكان ليشاركونا الصلاة في هذا اليوم المقدس، لا ننسى ذلك أبدا بل نطلب من الله أن يكافئهم عن ذلك بالخير والصحة والعافية وان يعيدهم إلى بلاد سكنوها ليكونوا مثالاً للعالم فيها أن يعيدهم بالسلامة إن شاء الله ولتكثر لهم ومعهم وبواسطتهم الاحتفالات الروحية، اشكر جميع من شاركنا الصلاة في هذا اليوم، اشكر والدي الراهب الجديد الراهب صموئيل الحبيب اللذين ربياه التربية الصالحة التربية السريانية الأرثوذكسية، اشكر كل من سعى واجتهد بأن يشجع شاباً مثقفاً قضى فترة من حياته في كلية مار أفرام وهو مثال للشاب المهذب الذي يؤمن بالرب، الذي يؤمن بآبائه السريان العظام الذي سعى واجتهد ليثقف نفسه ثقافة سريانية أرثوذكسية، اشكر ناظر الكلية السابق الأب الربان متى عبد الأحد وناظر الكلية الحالي الأب الربان متياس نايش، أشكر المرشد الروحي السابق الربان موسى الشماني، كما اشكر أيضا المرشد الروحي الحالي الربان يوقين، اشكر كل الذين يسعون ويجتهدون في رعاية هذه الكلية ولا أنسى من هو جندي مجهول بالنسبة الى الكلية لكن وراء كل عمل صالح فيها المعاون البطريركي نيافة الحبر الجليل مار أثناسيوس إيليا باهي وكل من يسعى من رهبان وراهبات، الكل يقيمون أنفسهم مثالاً لأناس كرسوا أنفسهم لخدمة الرب يسوع. ففي هذا اليوم ونحن نقدم هذا الشاب أمام مذبح الرب للرب وهو يبسط يديه على شبه صليب ليصلب نفسه، ذاته مع المسيح لكي يميت أهواء الجسد ليقوم مع المسيح في حياة جديدة مليئة بالتقوى ومخافة الرب، نتمنى له جهادا روحيا ضد إبليس وجنده، نتمنى له النصر على كل من يقيم من نفسه عدوا للمسيح فنحن جند للمسيح والمسيح هو الذي يهب القوة ويهب الحكمة ويهب الإلهام للإنسان لكي يكون جندياً صالحاً، وراهباً ناجحاً لكي يكون خادما للرب يسوع ولكنيسته متمثلا بمار أفرام السرياني، في رهبنتنا أيها الأحباء التي نفتخر بها جدا نرى أنفسنا كرهبان الاختلاء لدينا هو الامتلاء من الروح القدس، السعي في الصلاة والجهاد في سبيل الحصول على الأبدية، نكران الذات أن ننكر ذاتنا، الاعتراف عندما ننكر ذاتنا بفضل الله تعالى، التضحية التامة بكل ما في العالم لننال بذلك الأبدية وهذه الغاية القصوى والسامية لتكريس الإنسان نفسه راهبا لخلاص نفسه لكي يستحق أن ينال الحياة الأبدية ليبارك الرب الراهب صموئيل ونعم الاسم الذي اختاره صموئيل ليجعله أيضا أن يسمع صوت الرب كما سمعه صموئيل الفتى، صموئيل وليستجيب الرب ليعمل إرادة الرب وبذلك يكون من الرابحين الصالحين الذين أنكروا العالم وما فيه ولكنهم ربحوا الحياة فخسارته في معرض الخسارة هناك ربح سامٍ جداً الحياة الأبدية ليوفقه الرب ويوفق أهله جميعاً وأقرباءه وأصدقاءه وليفتخر به تلاميذه وتلميذاته في كل مكان لأنه قدوة وأفضل مثال للشباب وليحفظكم أحبائي وليبارك كل دار تعطي للكنيسة راهبا أو راهبة أو كاهنا في خدمة مذابح الرب ونعمته تشملكم دائماً أبداً وكل عام وأنتم بخير. 

 

 

يوم الشباب السرياني·

نشكر اللّه شكراً جزيلاً على ما يسبغه علينا من نِعم، ونشكر في هذا اليوم أيضاً أحبار الكنيسة الأجلاء الذين جاؤوا ليشاركوكم جميعاً فرحة الاحتفال باليوبيل البطريركي الفضي، بحسب قرار مجمعنا المقدس. إننا أيّها الأحباء نثمّن الشعور النبيل لإخوتنا الأعزاء، أحبار الكنيسة الأجلاء. وبهذه المناسبة نشكره تعالى إذ أبقانا حياً لمدّة ربع قرن بعد جلوسنا على الكرسي الرسولي الأنطاكي بالنعمة لا بالاستحقاق، بخلاف العديد من أسلافنا البطاركة الميامين الذين سبقونا خلال القرنين المنصرمين، وهذه النعمة جعلتنا نجثو أمام الرب بدموع الشكر والامتنان له تعالى، لأنه شاء أن يمدّ بعمرنا كي نقوم بخدمة كنيسته، وكي يُفسح لنا المجال لنقدّم التوبة أمامه تعالى عن كل ما اقترفته يدانا، ممّا لا نرى فيه لائقاً بمن يجلس على كرسي بطرس. نستغفره ممجدين إياه، لأنه أتاح لنا الفرصة لنتوب، ونعود إليه لفائدة كنيستنا المقدسة.

ونشكر جميعَكم كهنةً وشعباً، لأنكم تجشّمتم العناء لمشاركتنا في هذا اليوم، قداس الشكر للّه أوّلاً، والاحتفال بهذه المناسبة التي نعتبرها بركة من إلهنا، ونسأله تعالى اليوم الذي هو يوم الشباب، أن يحفظ شبابنا داخل حظيرته المقدسة مع أبناء رعيته ضمن ناموس الرب وشريعته، وليصنع منهم ثماراً طيبة لخدمة كنيستنا في جيلنا هذا وفي المستقبل، هؤلاء الشباب الذين هم فخر الكنيسة، الذين يوم تنصيبنا وجّهنا إليهم النداء ليقوموا بدورهم لخدمة كنيسة اللّه، واهتممنا بالتعاون مع أحبار الكنيسة الأجلاء في كل أبرشية بتأسيس مراكز التربية الدينية، التي أثمرت كثيراً، ورأينا العديد من أولئك الشباب يخدمون الكنيسة كشمامسة وككهنة وكرهبان، بل أيضاً نال بعضهم درجة الأسقفية، فصاروا أحباراً في الكنيسة، كل ذلك نتيجة لانتمائهم واشتراكهم في مراكز التربية الدينية في الأبرشيات التي وُجدوا فيها. نسأل اللّه أن يلهمنا لنبقى دائماً في خدمة شبابنا روحياً، ونفتخر بهم، ونسأل اللّه أن يجعل من شبابنا مثالاً طيباً للشباب الناضج، الشباب الذي يحب كنيسته، ويحب وطنه، ويخدم كنيسته، ويخدم وطنه في آن معاً. مباركٌ اليوبيلُ الفضيُّ الذي يحتفل به الشباب، وباحتفالهم بهذا اليوبيل البطريركي الفضي إنما يصلّون لأجلنا ليلهمنا الرب لنخدمهم روحياً خدمة ناجحة صالحة مرضيَّة لدى ربنا.

أجل إنّ اليوبيل بلغة الكتاب المقدس هو النفخ في البوق، وكان سابقاً في العهد القديم يُنفخ بالبوق في بدء سنة اليوبيل لتعلن تلك السنة سنة غفران، وسنة بركة لأولئك الناس، فيغفر بعضهم لبعض ويطلبون الغفران من اللّه، بل أيضاً يحرّرون العبيد. ونحن عندما نحتفل في اليوبيل إنما نسأل اللّه أن يحرّرنا من كل خطية، وأن يؤهلنا لنكون عبيداً للّه متمسكين بشريعته الإلهية، فاليوبيل فرصة لنا للتأمل فيما مضى من حياتنا، لنأخذ عبرة من الماضي، وفي حاضرنا لنأخذ بركة من اللّه الذي أهلنا لنحتفل في الحاضر بهذا اليوبيل بقداسة، وفي المستقبل ـ وخاصة أنتم الشباب ـ للتطلُّع إلى مستقبل باهر للكنيسة المقدسة التي هي أمنا ومعلّمتنا، فلنأخذ لنا عبرة من اليوبيل لنكون للّه بكل أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا، وإن كنّا قد حِدنا عن شريعة الرب لنتوب إليه تعالى.

في الأسبوع الماضي كان بزيارتنا نخبةٌ من شباب السويد السريان، وسألناهم عمَّا يُريدون أن نحدّث الشباب، وكانوا شباباً حقاً يخافون اللّه، ورثوا عن آبائهم محبة اللّه والكنيسة ومحبة القريب، فقالوا نحن بحاجة إلى توبة. عندما يشعر الإنسان أنه بحاجة إلى توبة، يعني ذلك أنه قد فحص نفسه، وعرف أنّ لا بدّ له أن يكون باراً وقديساً بحسب وصيّة الرب يسوع، وحيث إننا جسد معرضٌّ للتجارب، وكثيراً ما نخطئ فإننا نحتاج إلى التوبة. وكم سررت بطلبهم هذا وإن كانوا لم يتمكّنوا من مشاركتنا اليوم إلا أنهم يشاركوننا بالروح، ويمثلّهم كلُّ الشباب الذين جاؤوا من الأبرشيات بقيادة أحبارهم الأجلاء. هؤلاء الشباب يحتاجون ليصبحوا مثالاً طيباً وأن يتحلّوا بمخافة اللّه والتمسّك بالشريعة، والاهتمام بحفظ التراث السرياني المقدس، واللغة السريانية التي نطق بها ربنا يسوع المسيح. أنتم الشباب الذين تفتخر بكم كنيستكم، الذين تأمل الكنيسة أن تكونوا سائرين في خُطى آبائكم الميامين العظام، وأن تنسجوا على منوالهم، بالتمسّك بعقائدها الدينية، ولغتها السريانية المقدسة.

إذاً بمناسبة اليوبيل علينا أن نحرّر أنفسنا من كل خطيّة، أن نتوب إلى اللّه ليقبل اللّه توبتنا، ويمنحنا النِعم العظيمة التي يسبغها دائماً على الأبرار والأتقياء والقديسين.

في هذا اليوم نسأله تعالى أحبائي وأنا جاثٍ أمامه، شاكراً إياه لأنه أبقاني حياً إلى هذا اليوم. أسأله أن يبارككم، وأن يجعل فرصة اليوبيل المبارك فرصة توبة وعودة إليه، وصاحب الجامعة يقول للشباب: أن يعرف كل واحد منهم طريقه، لينتهز فرصة وجوده كشاب في ربيع العمر، بل أيضاً الفترة التي فيها اختار الرب أن يبدأ تدبيره الإلهي بالجسد لخلاصنا، وبذل نفسه عنّا، لكي يحرّرنا من الخطية، وينصرنا على إبليس، ويجعلنا مثالاً طيّباً لمن يستطيع أن يكون بارّاً وتقيّاً فكراً وقولاً وعملاً.

أسأله تعالى وقد أهّلني أن أكون راعياً في الكنيسة، أن يؤهلني لأتحمّل المشقات التي يتحمّلها الراعي، البرد القارس في الشتاء، الحرِّ اللاهبَ في الصيف، القوّة في الثبات لتقبّل السهام من الأعداء ومِمّن يعتبرون أنفسهم أصدقاء، مسامحاً كل من شاء أن يكون مثالاً لأعداء الكنيسة. سائلاً اللّه أن يلهمهم كي يقوموا بواجبهم تجاه هذه الكنيسة المقدسة التي ولدتهم من فوقُ، ليكونوا أبناءً للسماء، ليبقوا أبناءً للسماء، ويجعلوا كل أيامهم سنة يوبيل كما كانت في العهد القديم، حيث يحرّرون أنفسهم كعبيد، حرَّروا أنفسهم خلال سنة اليوبيل من الخطايا.

ليجعلكم اللّه أحبائي أحياءً، تتنعّمون بالنِعم التي يسبغها عليكم ربُّنا، لتكونوا أبناء وبنات الكنيسة المقدسة، لتحيوا حياة سعيدة، حياة هي حياة الأبرار والأتقياء، حياة الذين يرون أنفسهم أبناءً بالنعمة للرب يحيون حياة التوبة، متأملين بقول الرب عندما بدأ تدبيره الإلهي بالجسد حيث نادى: «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (مت 4: 17)، وملكوت السموات ليس مكاناً جغرافيّاً أبداً إنما هو حالة انسجام إرادة الإنسان مع إرادة اللّه، ونحن ننادي قائلين: «ليأت ملكوتك» كلّما صلينا الصلاة الربية، ويريد منّا الملكوت أن نكون سالكين بحسب إرادة اللّه كما هم أبناء السماء، وعلينا أحبائي في هذا اليوم المبارك، وفي كل يوم أن نجعل إرادتنا منسجمة مع إرادة اللّه، علينا أن نعتبر كل يومٍ يومَ يوبيل، يومَ تسامح، يومَ غفران، يوماً نشكر فيه اللّه تعالى على ما يمنحه لنا من النِعم. في هذا اليوم وفي كل يوم ليبارككم الرب أيها الأحباء، وليجعل أيامكم أيام يوبيل ونعمة دائماً أبداً وكل عام وأنتم بخير.

وفي حديثه الثاني مع الشباب السريان، قال قداسته:

ما أجمل هذه اللحظات أيّها الأعزاء! أحبارٌ أجلاء يجتمعون ههنا في هذه المناسبة السعيدة، وشبابٌ من الجنسين يهتمون، ليعبّروا عمّا يجول في خواطرهم من أفكارٍ روحية سامية، ومحبةٍ للكنيسة.

أشكر لكم حضوركم ومشاركتكم، وأشكر لكم الكلمات الطيّبة التي فاه بها بعضكم بالنيابة عنكم جميعاً، وأؤكّد لكم أن ما قيل عنّي أنا الضعيف إنما يتعدّى شخصي الضعيف إليكم يا أبناء الكنيسة السُّريانية الأرثوذكسية في العالم أجمع، إليكم يا أبناء الشهداء والقديسين الذين ورثوا عن آبائهم المزايا السامية، وتمسكوا بالإيمان القويم الرأي، مضحّين بالغالي والنفيس، كي يبرهنوا على أنهم أبناءُ أولئك الأبطال، أبطال الروح. ويسرّني في بدء كلامي أن أحييّ رئيس بلادنا المبجَّل سيادة الدكتور بشّار حافظ الأسد، الشابَّ الذي يشجّع الشبان جميعاً في قطرنا العربي السُّوري، ليكونوا خير قدوة لشباب العالم جميعاً، الشابّ الذي ينسج على منوال والده العظيم المغفور له حافظ الأسد، في توطيد أركان الوحدة الوطنية، وتوفير الحريّات الدينيةِ لجميع الطوائف والملل والنحل، لتكون سوريا قدوة للبلاد بل للبلدان جميعاً، ليس في الدول العربية فحسب بل في جميع أنحاء العالم أجمع، حيث ننعم بالأمن والحريّة الدينية. حفظ الرب رئيس بلادنا، ومتّعه بالصحة التامة، ولتكن رايات النصر دائماً مرفرفة في بلادنا العزيزة سوريا.

أيها الأحباء! أشكر كلَّ من سعى واهتم ونظّم هذا الاجتماع، وكلَّ الفعاليات البنّاءة، للاحتفال باليوبيل الفضي البطريركي للكنيسة السُّريانية في كل مكان. أشكر السادة المطارنة الأجلاء الذين شجّعوا المؤمنين، ليجتمعوا ههنا في هذه المناسبة السعيدة، كي يتبادلوا الآراء، بل المحبة الخالصة لكنيستهم السُّريانية الأرثوذكسية.

وعلينا ما دمنا نحتفل باليوبيل أن نفهم معنى اليوبيل. ففي العهد القديم كان معنى اليوبيل النفخَ في البوق.. إعلانَ الفرحة.. إعلانَ السَّلام.. إعلانَ المحبة، بل إعلانَ الغفران. كانت كنيسة العهد القديم عندما تحتفل باليوبيل كلَّ خمسين سنةً تُعلن الغفران لجميع الناس، وتعيد الأراضي إلى أصحابها، وتُمحو صكوك الديون جميعاً، لينعم الناس في اليوبيل. ونحن عندما أخذنا هذه العادة، وهذه الشريعة عن العهد القديم، وقد حرّرنا المسيح يسوع، وبرّرنا وقدّسنا، فكلّ لحظة من لحظات حياتنا يوبيل ما دمنا نمُتُّ بصلة الإيمان إلى الرب يسوع، فنحن أحرار، واليوبيل يوبيلنا دائماً، لأنّه قد حررنا من العبودية، كما كان يحرّر العبيد في اليوبيل، وأعطانا حقوقنا كبشر يؤمنون بالرب، ويثقون به، ويهتمّون أن يكونوا مخلصين لشريعته الإلهية، ومحبين اللّه ومحبين القريب. ولذلك فعندما نحتفل باليوبيل نشعر بأن اللّه قد منّ علينا بالسلام والطمأنينة، حيث غفر خطايانا، ويسعى دائماً لصيانتنا، وحفظنا ضمن حلقة الشريعة الإلهية، فليكن اليوبيل سبب نعمة لكم جميعاً أحبائي. إنكم تنتمون إلى كنيسة عريقة في المجد والسؤدد، هذه الكنيسة هي كنز النعم والبركات والعطايا السماوية، هذه الكنيسة هي أمنا وهي معلمتنا، أسّسها الرب على أساس الإيمان به، بما أنه ابن اللّه، وعلى أساس التمسّك بالقيم والمزايا السامية. الرب أسّسها لتكون معلّمة كما تكون والدة، فبواسطتها نولد من فوق، من السماء، لنكون أبناء للّه بالنعمة، هذه الكنيسة تعطينا الثقة بأن اللّه يرعانا، وأنه يدبّرنا، وأنه يهيّئنا لنكون في جنّته بعد العمر الطويل، هذه الكنيسة أيها الأحباء تجمعنا من جميع الشعوب لنكون إخوة وأخوات، ولنكون أبناء للّه بالنعمة.

كنيسة أنطاكية السُّريانية، كنيسة سوريا، أنطاكية التي كانت في بدء المسيحية عاصمة سوريا، كنيسة السريان واللغة السريانية التي كان أجدادنا في سوريا يتكلّمونها، وقد باركها الرب يسوع إذ اختارها دون جميع اللغات وتكلّم بها. هذه الأمور تعرفونها جيداً، لأن أغلبكم قد درسوا في مراكز التربية الدينية، وأصبحوا مثقفين روحياً ودينياً، بالإضافة إلى ثقافتكم الدنيوية، ولذلك نفتخر بكم، ونعتز ونرى أنكم حقاً تسلكون في طريق الاستقامة، ونرى فيكم شباباً يُفتخر بهم، لأنكم تعرفون إيمانكم، وتعتزون بما تؤمنون به، وتترجمون هذا الإيمان إلى الأعمال الصالحة، لأن الإيمان بدون أعمال ميتٌ، كما يقول يعقوب الرسول.

عندما جلسنا على الكرسي الرسولي الأنطاكي بالنعمة لا بالاستحقاق، وجّهنا دعوتنا إليكم، وإلى من كان قبلكم أيضاً، وإلى من سيأتي بعدكم إن شاء اللّه بعد العمر الطويل أن تتفاعلوا مع الكنيسة، أن تعتزوا وتفتخروا بآبائكم الميامين، أن تقوموا بدوركم في خدمة الكنيسة، وخدمة الأجيال الصاعدة، أن تثقفوا أنفسكم روحيّاً، ونحن نقوم بواجبنا تجاهكم، فنحن لم نكتفِ بتشييد دير مار أفرام، الذي خُرِّج فيه ويُخرَّج العديد من أبنائنا، الذين كرّسوا أنفسهم لخدمة الكنيسة رهباناً وكهنة، ومطارنة أيضاً، بل أسّسنا مركز التربية الدينية العالمي، لأننا يجب ألاّ ننسى شبابنا من الشعب، فكما كان اهتمامنا بإكليروسنا الذي نفتخر به كذلك كان اهتمامنا بتثقيف العلمانيين.

فنحن كإكليروسَ نودُّ أن يكون لنا شبابٌ مثقفٌ، شبابٌ يحبّ اللّه من كل قلبه، ويحب كنيسته، شبابٌ يحب وطنه أيضاً، لأن شعار هذه الكنيسة (أنّه لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً صالحاً في كنيسته، ما لم يكن مواطناً صالحاً في وطنه، وخاصة في وطن كنيسته السريانية سوريا).

لا أريد أن أطيل عليكم الكلام أحبائي، وأرى أن تهتمّوا أنتم بالسؤال عما يدور في خواطركم، وعما تريدون أن تستفسروا عنه من الأمور الدينية والكنسيّة، كي نخرج من هذا الاجتماع بنتائج طيّبة، فأنا متأكد أنّ الذين انخرطوا في سلك التربية الدينية ومراكزها قد نالوا ثقافة كافية روحية وكنسية. وليبارككم الرب ويجعل أيامكم كلها مناسبات سعيدة والنعمة معكم.

حفل استقبال·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء، الكهنة الأحباء،

أيتها السيدات أيها السادة: ليس من السهل أن نعبّر عمّا يجول في خاطرنا، في هذه اللحظات بعد أن سمعنا السيدة الفاضلة حياة (أم رامي) التي تمثّل كنيستنا المقدسة في هيئة السيدات، في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وقد فاهت بعبارات بليغة صادرة عن قلب كبير، بصفتها ممثّلة لجنة السيدات الخيرية لأبرشية دمشق النيابة البطريركية.

ففيما أشكر بناتنا الروحيات الفاضلات أعضاء هذه اللجنة اللواتي يسعين لجمع المال، لسدّ حاجات الفقير والمعوز في النيابة البطريركية بدمشق أشكر أخي صاحب السيادة مار إياونيس بولس السوقي مرشد هذه اللجنة، وأشكر لهنّ أيضاً إقامتهن هذا الكوكتيل الجميل الذي جمعن فيه نخبة طيبة من السيدات الفاضلات العاملات في الجمعيات الخيرية للكنائس المسيحية بدمشق، والسادة الأحباء ممثلي جميع الجمعيات الخيرية المسيحية في هذه المدينة العامرة. ليت كلّ واحد منّا يشعر بأن علينا أن نجتمع دائماً، وأن نتعاون، وأن نتبادل الآراء، وأن نسعى لإيجاد السبل التي توصلنا إلى الوحدة المسيحية.

إنني أشكر لكم جميعاً حضوركم، وتهنئتكم لضعفي في مناسبة الاحتفال باليوبيل البطريركي الفضي، التي أنعم بها اللّه عليّ إذ أبقاني حيّاً مدة خمسة وعشرين عاماً، لأخدم كنيسته المقدسة، والوطن العزيز سورية الحبيبة، ويسعدني أن أحييّ في هذه المناسبة السعيدة سيادة رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار حافظ الأسد.

إنني أدرك لماذا في حفلات الكوكتيل يندر أن تُلقى الخطابات فعندما كانت السيدة حياة عقيلة الدكتور عيسى إبراهيم تتكلّم وكنتُ أصغي إليها جيداً ولكن لم أتمكّن من سماعها بوضوح من شدّة الضوضاء، لذلك أرى أنه حقّاً لا يمكن للإنسان أن يُسمع الآخرين أثناء حفلة الكوكتيل، فيأسف المتكلّم لعدم تمكّنه من إسماع صوته، وهو يرغب أن يعبّر كما فعلت السيدة حياة بمحاولة تعبيرها عن شعورها النبيل.

إنني أطمح إلى أن أرى السيدات المسيحيات عامةً، وبناتي الروحيات السريانيات بخاصة ينسجن على منوال سيدات المجتمع المسيحي منذ بدء المسيحية، بالإيمان المتين الثخين، وبالفضائل السامية، والتمسّك بالعقيدة الدينية السمحة، والتحلّي بالمزايا الصالحة التي تمثّلنا كأنطاكيين، حيث إن أهل أنطاكية عندما وجدوا أجدادنا وخاصة السيدات متمسّكين بما تأمرهم الكنيسة بالاقتداء بسيرة ربنا يسوع المسيح سمّوهم المسيحيين، ففي أنطاكية دُعي التلاميذ مسيحيين اولاً كما ذَكر سفر أعمال الرسل، حيث إنهم رأوا في كل واحد وواحدة مسيحاً صغيراً، لأنه ينسج على منوال الرب يسوع المسيح بالصدق والاستقامة ومحبّة اللّه والقريب ومحبّة الوطن العزيز.

أتمنّى من بناتنا الروحيات السيدات السريانيات أن يتمثّلن بهيلانة الملكة الرهاوية السريانية، التي أدّبت ابنها قسطنطين، وأرضعته حليب التقوى ومخافة اللّه، فآمن بالرب يسوع المسيح، ونذرت أنه إذا ما صار ابنها مسيحياً فستفتش عن خشبة الصليب وهذا ما حصل وهذا ما فعلت، ووجدت خشبة الصليب في القدس، في أورشليم، وصارت تلك الخشبة سبب بركة للعالم أجمع، كما ذكرت الأديبة الفاضلة السيدة حياة بكلمتها النفيسة: أن الصليب هو حياتنا وهو فخرنا وراية مسيحيتنا.

أتمنى من سيدات المجتمع السرياني وسائر بنات الكنائس المسيحية في مهد المسيحية سورية، أن يقتدين بهيلانة الملكة والدة الملك قسطنطين، بتربية أولادها التربية المسيحية الصالحة، وأريد أيضاً من السريانيات أن يجعلن تيودورة الملكة التي هي ابنة قسيس منبج السريانية السورية قدوة لهن، فهذه الملكة زوجة الإمبراطور يوسطنيان في القرن السادس للميلاد رأت المملكة البيزنطية والحكومة البيزنطية آنذاك تضطهدان السُريان وآباء السُريان، وحيث إنها لم تتمكن من أن توقف الاضطهاد كانت على الأقل تخدم الآباء السُريان، وتغسل أقدام أولئك القديسين، وتشجّع البقية على الثبات على الإيمان القويم الرأي، وإذ كانت سوريّة حسدها الرومان وبنات الرومان، لأن يوسطنيان لم يختر إحداهن، ولحسدهن قام من قام ليوجّه اتهامات باطلة لهذه القديسة الملكة السورية السريانية ابنة قسّيس منبج، وتيودورة هذه تُعتبر لدينا نحن السريان تاليةً العذراء مريم بالمنزلة الروحية لتمسّكها بالإيمان، والفضائل السامية، فلنجعل هذه الملكة أيضاً قدوة لجميع السيدات والعذارى أيضاً.

إننا أيّها الأحباء، نرى أن كنائس الطوائف المسيحية واحدة بالفكر والإيمان فلا خلاف في العقيدة المسيحية بين المسيحيين أبداً، ومن قال إن هناك خلافاً جوهرياً في العقيدة الدينية فليس بصادق، لذلك علينا أن نكون متمسّكين بالمحبة التي أمرنا المسيح ربنا كوصية أخيرة له أن يحب بعضنا بعضاً كما أحبنا هو، علينا أن نتمسّك بذلك ونؤمن بأننا جميعاً واحد في المسيح يسوع، كما أننا في سوريا واحد في وطننا العزيز، في الوحدة الوطنية السامية التي وضع أساسها القائد الخالد حافظ الأسد، والذي ينهج على منواله هذا سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد. لنبقَ متمسكين بعقيدتنا المسيحية، ومتمسكين بوطننا الحبيب سوريا، ومحبين رئيسنا الدكتور بشار حافظ الأسد.

أكرّر شكري لبناتنا الروحيات في لجنة السيدات الخيرية، متمنياً لجميع الحاضرين أوقاتاً طيبة ومناسبات سعيدة جداً، شاكراً إياكم جميعاً لتلبية دعوة بناتنا الروحيات سيدات اللجنة التي نفتخر بعملها وبجهودها وبمحبتها للفقير، وللمسيح يسوع ربنا الذي يمثّله الفقراء، وكل مناسبة وأنتم بخير وشكراً.

خلال العرض الكشفي بمناسبة اليوبيل الفضي لقداسته·

صاحب الغبطة مار باسيليوس توماس الأول مفريان الهند.

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء مطارنة الأبرشيات السريانية التابعة للكرسي الرسولي الأنطاكي، لهامة الرسل بطرس.

الآباء الكهنة الأحباء، الرهبان الأفاضل، والراهبات الفاضلات، أيها الحفل الكريم: ما أبهج هذا اليوم! وما أجمل هذا المشهد! حيث جسّد فيه أبناء الكنيسة السريانية تعاونهم بعضهم مع بعض بمؤسسات شبابية، فالكشاف بعزفه ونظامه وترتيبه وفعالياته أبهج قلوبنا جميعاً، ومراكز التربية الدينية التي هي المراكز الروحية لتنشئة شبابنا وصبياننا وصبايانا أثلجت صدورنا، هذا الشعب المبارك بكلّ عناصره قد اجتمع اليوم ههنا كي تكتمل فرحتنا بيوم اليوبيل البطريركي الفضي، الذي هو يوبيل الفرح والسرور، يوبيل هذا الشعب السرياني المبارك، الذي كان وما يزال وسيبقى عبر الدهور والأجيال مفخرة للعالم، لأنه أبو الحضارة والمدنية، وأبو الثقافة والعلوم كافة، إننا هنا في سوريا الحبيبة، نحيّي رئيس جمهوريتنا المبجّل سيادة الرئيس الشاب ومفخرة الشباب والشيوخ في آن معاً الدكتور بشار حافظ الأسد.

وليت شبابنا يقيمون من سيادته قدوة ومثالاً فهو الشاب الذكي المتمسّك بالإيمان بالله، وبمحبّة الوطن والمواطنين، بل أيضاً هو القدوة الصالحة بالنشاط والحكمة والثقافة.

ليت شبابنا يهتمون أيضاً بكل فعاليات الوطن، وشبابنا السرياني المجتمع هَهنا يمثّل كلَّ الشباب السُّرياني في العالم، وهؤلاء يمثّلون الكنيسة الجامعة التي تجمع الأمم تحت راية الرب يسوع، تحت راية الصليب، وفي هذا اليوم عيد اكتشاف الصليب، نرى أيها الأحباء أنّ علينا ليس في هذا اليوم فحسب بل في كل يوم أن نتمسّك بعقائدنا الدينية السمحة، وبالفضائل السامية التي زيّن آباؤنا أنفسهم بها. ليكن هذا اليوم أيها الأحباء سبب بركة ونعمة لكم جميعاً، ولأبناء الكنيسة في كل مكان، ولبلدنا العزيز الحبيب سوريا، ولأبناء سوريا من مسلمين ومسيحيين، ومن جميع الطوائف والرب يحفظكم جميعاً ونعمته تشملكم وإلى احتفالات ومهرجانات كلها مسرّة وكلها نعمة وبركة والسلام.

خلال استقباله لقداسة البابا شنودة الثالث·

أصحاب الغبطة والقداسة، أصحاب السيادة،

أصحاب السماحة، أيها الحفل الكريم.

إنني لا أستطيع أن أنتقي العبارات، لأعبّر عن شكري لقداسة سيدنا البابا شنودة الثالث، الذي اغترف شيئاً من ينبوع فضائله السامية، لينسب بعض الصفات السامية إليّ أنا الضعيف فأخجل تواضعي، وأن أعبّر عن الشكر لكم جميعاً بحضوركم هذه المحاضرة النفيسة النابعة من المحبة، ولقداسته إذ تجشّم عناء السفر قادماً من القاهرة، ولكي يكون هَهنا في هذه الأمسية الجميلة اضطر أن يطير إلى بيروت! ثم جاء عن طريق البر إلى دمشق العزيزة.

أيها الإخوة! يسعدني جداً في هذه الأمسية أن أرحّب بكم في دير مار أفرام السرياني، في بيتكم وبين إخوتكم ويسعدني أن أشارككم الترحيب بسيدنا قداسة البابا شنودة الثالث بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ورأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العالم أجمع، الذي أبى إلاّ أن يشاركنا الاحتفال باليوبيل البطريركي الفضي، وهذا العيد، عيد اليوبيل الفضي الذي شاركتمونا فيه ليس عيداً شخصياً لي بل هو عيد لكنيستنا السريانية الأرثوذكسية، التي قامت مع قيام المسيحية في هذه البلاد، وانطلقت إلى مختلف أنحاء العالم، واستمرت في تأدية واجبها لشعب هذا البلد الكريم والعظيم، الذي أخذت منه اسمها وأعطته من جهودها وتضحياتها وشهدائها وأمانتها للرسالة الألقَ والسموَ والتمسك بالقيم والأخوة الإنسانية.

وعندما نتحدّث عن كنيستنا وارتباطها بالوطن العظيم سوريا لا نعني كنيستنا السريانية وحسب، بل كل الكنائس الشقيقة، فكلنا جسم واحد وحملة رسالة واحدة.

وسوريا، بمسيحيي سوريا، بامتدادها الكبير، هي الوطن الأم للسوريين، أينما ذهبوا في العالم، ولن تقوى كلّ المحن والمظالم والمذابح على إنهاء الوجود السرياني المسيحي. فبقيت الكنيسة وبكل زاوية من زوايا سوريا، وتحت كل حجر من أحجار سوريا أثر لأجدادنا، ومعلم من معالم حضاراتنا وبطولاتنا. نحن لا نفرّق بين أبناء هذا الوطن، لا بيننا وبين أبناء كنائسنا، ولا بيننا وبين إخواننا الذين اختاروا الإسلام ديناً. كلنا إخوة، كلنا أبناء هذا الوطن، هو لنا جميعاً، ونحن له جميعاً أيضاً. وأعيادنا وأفراحنا مشتركة، وهي مناسبات لتقوية الأواصر، وتنشيط العوامل التي تزيد الروابط وتعزز الأخوة.

ولا بدّ أن نذكر القائد الخالد المغفور له الرئيس حافظ الأسد، الذي وضع أُسس الوحدة الوطنية، ونذكر أيضاً بافتخار واعتزاز رئيسنا المبجل الدكتور بشار حافظ الأسد، فإليهما يعود الفضل في هذه الوحدة الوطنية التي تعتبر القلعة المنيعة لهذا الوطن ضد أعدائه.

أيها الإخوة والأحباء! أعيادنا أعيادكم، وأفراحنا أفراحكم، ومناسباتنا مشتركة توحّد ولا تفرق، وستظل كنيستنا السريانية مزروعة ومزدهرة في سوريا في كل الأحوال والظروف أمينة لرسالتها، مخلصة للوطن الذي تحمل اسمه، وبيتاً مفتوحاً لكل من آمن باللّه والوطن. ويسعدنا كثيراً اليوم أننا استمعنا إلى علم من أعلام الكنيسة العامة، وقمّة من قمم المسيحية، ورمز من رموز التعايش والمحبة والوئام، إلى قداسة سيدنا البابا شنودة الثالث. وقد حدّثنا من بحر علمه ومعرفته وإيمانه وتواضعه، ووطنيته ومحبته للوطن وللشعب كافة. أدامه اللّه وهو اليوم في بيته ونحن جميعاً ضيوفه، وندعو له بالصحة والعافية والعودة إلى مصر العزيزة بالسلامة، وليبق معلماً وهو معلم المسكونة، كما أُطلق عليه من قبل أخوتُه البطاركة الشرقيين، وهو عميدهم. وهو معلم المسكونة، وسيبقى معلماً لنا جميعاً، وقدوة صالحة في العلم والمعرفة والزهد، والتنسّك، وكذلك في التزين بالفضائل المسيحية.

نكرّر شكرنا لقداسته، ونتمنى له دوام الصحة والعافية، ونشكركم جميعاً أيها الحضور الكرام لمشاركتكم إيانا هذا العيد المبارك والسلام.

لقاء مع الأخوات الراهبات·

أشكر أمهاتنا وأخواتنا الراهبات على هذا اللطف، وعلى مجيئكنّ إلى هنا بهذه المناسبة إلى الدير وهو ديركنّ، وأنا أقدّر تماماً تضحيات أمهاتنا وأخواتنا الراهبات ليس فقط بأمور النذور الرهبانية السامية، بل أيضاً بالأعمال الصالحة في خدمة الكنيسة. وعندما أقول الكنيسة أي الكنيسة الواحدة، أينما كنّا فنحن أبناء كنيسة واحدة ورسالتنا هي واحدة وطلبنا الأجر من ربنا لإكمال نذورنا الرهبانية ولتمسكنا بالفضائل المسيحية والخدمة في جميع الميادين التي تؤول إلى تمجيد اسم ربنا.

لا شك جميعنا يعرف، عندما قدّمنا أنفسنا لخدمة الرب، وقدمنا نذورنا، النذور الرهبانية السامية، إننا أصبحنا وقفاً للكنيسة، فنحن لا نملك أنفسنا، الذي يملكنا هو المسيح، ولذلك في كل الأحوال التي نمرّ فيها وفي كل الظروف، في هذا الباب الضيق الذي دخلناه، وهذه الطريق الصعبة التي نسلكها، التي ليست مليئة بالورود، بل بالأشواك، ونتحمّل آلام هذه الأشواك في سبيل ربنا يسوع المسيح الذي تحمّل إكليل الشوك، والذي تحمّل الآلام في سبيل فدائنا، والذي يقبلنا، إذ قد أتينا إليه، واقتدينا به ونذرنا أنفسنا له ولخدمته.

الرهبانية كما تعرفون، يسمّونها فلسفة المسيحيّة. بتولون وبتولات كثيرون قاموا في الأجيال قبل بدء المسيحيّة، وفي العهد المسيحي، وبعد العهد المسيحي، وإلى اليوم، لكن هؤلاء ليسوا رهباناً ولا راهبات، لأن الغاية الفُضلى التي للراهب وللراهبة هي تكريس أنفسهم، هذه الغاية ليست موجودة لا في دين آخر ولا في طريقة أخرى. نحن للمسيح والمسيح لنا، ولهذا حتى في آلامنا نشعر كما أوصانا الرسول بولس الذي قال: «مع المسيح صلبتُ لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ». هذا الأمر مهم جداً. عندما نلقى صعوبات في حياتنا، فهو ليس في سبيل أنفسنا فقط بل في سبيل الآخرين، إذ كانت الرهبنة في بدء تأسيسها خلاص الإنسان نفسه، لكنّها الآن أصبحت داخل الكنيسة لخلاص الآخرين أيضاً، ونحن مسؤولون عن الآخرين كما إننا مسؤولون عن خلاص أنفسنا، ولهذا نرى الرهبان وخاصة الراهبات في السعي لخدمة الإنسان، في التربية المسيحية، في المستشفيات، في العناية بالعجّز، في كل مجال نرى أن الإنسان بحاجة إلى إنسان آخر بروح الرهبانية، روح الشفقة، روح الرحمة، الروح التي نحن باقتدائنا بالرب يسوع المسيح تظهر في أعمالنا إن شعرنا بذلك أو لم نشعر. ما يهمّني أن أقوله الآن ما قاله أحد علمائنا نحن السريان في القرن الثالث عشر نسميه مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري هذا العلامة الكبير حتى أنهم كانوا يسمونه دائرة معارف القرن الثالث عشر يقول ويتحدث إلى النساك والرهبان والراهبات، وعلينا أن نذكر الراهبات أيضاً، لأنه منذ القرن الثاني نحن رأينا الرهبان والراهبات في شرقنا، فيذكر ويقول: لا تنهمكوا بالجدل اللاهوتي بين بعضكم البعض، أنتم كرّستم أنفسكم للرب فاخدموا الرب، لأنه لا يمكن أن تكون خدمة الراهب صالحة ومقبولة لديه له المجد إلا إذا أحبَّ بعضكم بعضاً، أتركوا الخلافات العقائدية للاهوتيين، أما أنتم فاهتموا فقط بمحبة بعضكم بعضاً، والتعاون مع بعضكم البعض لخلاص أنفسكم وخلاص الآخرين. هذا درس لنا دائماً فعندما نرى حاجة الناس إلينا نحن كرهبان وراهبات، هذه الحاجة لن تُسدّ للإنسان الغريب والقريب إلا أذا أحببنا بعضنا بعضاً، وتعاونّا مع بعضنا البعض، تاركين الجدل بالأمور اللاهوتية على اللاهوتيين لينهمكوا فيها، والحمد لله أيضاً نحن في أيامنا هذه الأخيرة بسعي رواد الوحدة المسيحية إن كان في مجمع الفاتيكان الثاني والرائد في ذلك المثلث الرحمة البابا يوحنا الثالث والعشرون، أنا أصفه بأنه قدّيس، لأن العمل الذي عمله بالحقيقة هو عمل قداسة، بتقريب وجهات النظر، والسعي أن يحب المسيحيون بعضهم البعض وأن يتركوا الخلافات العقائدية. فالحمد للّه فقد بدأنا يفهم بعضنا بعضاً، وبدأنا نكتشف أنّه بالنسبة للعقائد الرئيسة في المسيحية لا يوجد خلافات أبداً بين الطوائف المسيحية. فما الذي يعوزنا؟ يعوزنا شيء واحد وهو محبة بعضنا البعض.

أحياناً عديدة يتكلمون عن مشكلة توحيد تاريخ عيد القيامة، هذه القضايا تهون كثيراً عندما نحب بعضنا البعض ونرى أن عيدنا هو عيد الآخرين أيضاً، ليس هذا فقط، فهنا في بلدنا سوريا اللّه يديمها ويحفظ رئيسها الدكتور بشار الأسد ويرحم والده الرئيس القائد حافظ الأسد.

إنني مسرور جداً بوجودكنّ ومحبتكنّ ولطفكنّ وتلبيتكنّ الدعوة للأم الراهبة حنينة وبقيّة راهباتنا راهبات مار يعقوب، ومجيئكنّ هنا، لِنُسرّ وبهجتنا كبيرة، وأشعر مثلما قال القديس أثناسيوس: إنه لم تضعف الكنيسة إلا عندما ضعفت الرهبانية والكهنوت، فنحن عندما نحب بعضنا البعض ونشجع بعضنا البعض على الوصول إلى الكمال عن طريق الرهبانية والشعور بوحدتنا كأناس كرّسوا أنفسهم ونذروها للرب يسوع نشعر ببهجة عارمة، وعندما نرى أهل العالم وما يجتازونه من آلام في سبيل انهماكهم بأمور الدنيا، نشعر بسعادة لأنه قد تحرّرنا من هذه الدنيا وأصبحنا ليس فقط أحراراً بل أصبحنا سعداء بالمسيح يسوع ربنا، واقتدائنا بالعذراء مريم وبالقديسين والقديسات.

أتمنى لكن جميعاً حياة رهبانية ناجحة صالحة وأجراً من ربنا يسوع المسيح، وأشكركنّ ثانية وثالثة، والرب يحفظكنّ. وشكراً.

وفي الختام أراد قداسته أن يشكر الأمهات والأخوات الراهبات ويشجّعهن في خدمتهن بكلمة نفيسة، إليك مقتطفات منها:

صاحب الغبطة المفريان مار باسيليوس توماس.

الأب الربان متياس، أمهاتنا وأخواتنا العزيزات الفاضلات، الراهبات اللواتي كرّسن أنفسهنَّ لخدمة الرب كل واحدة في كنيستها المقدسة، واللواتي ملأنَ قلبي أنا الضعيف محبة وسروراً وإيماناً في هذه المناسبة الروحية، وشكراً للعواطف النبيلة التي أبدتها الراهبات كافة في مناسبة اليوبيل البطريركي الفضي. أتمنى من الجميع أن يصلّوا لأجلي في بدء هذه السنة الجديدة بعد اليوبيل، اليوبيل هو تحرّر، هو الانطلاق، هو الماضي والحاضر والمستقبل. اليوبيل يذكّرنا عادة بكل ما فعلناه وقلناه وفكّرنا به في بدء خدمتنا، ويذكّرنا أيضاً بحاضرنا لكي نرى في النقد الذاتي طريقة جديدة وصالحة وسليمة وناجحة أيضاً لكي نبقى مجدّدين عهدنا مع الرب بخدمته، وبالعودة إليه تائبين عمّا اقترفناه من آثام خلال هذه السنين.

أشكر الرب شكراً جزيلاً على كل ما سمعته منكّن وأتمنى أن أكون كما قالت كل واحدة منكن عنّي، لكي أقوم برسالة سامية ابتدأتها بالعهد الذي قطعته مع ربّي في يوم تنصيبي بطريركاً خادماً لخدام كنيستي السريانية الأرثوذكسية.

أشكر لكنّ الكلمات المباركة التي أشعر بأن هذه الكلمات أولاً أعطتني درساً خالداً فيما يجب أن أكون عليه، ثانياً كأن الروح القدس نطق بكنّ لتكون كلماتكن سبب تعزية لي والروح هو المعزّي، فنحن جميعاً إن كنا رهباناً وراهبات أو كنّا أيضاً في أيّ رتبة كنسية بعد أن قطعنا عهداً مع اللّه بنذورنا الرهبانية لنبقى مهما سمت بعين الناس الرتب الكنسية، لنبقى رهباناً وراهبات مكرسين أنفسنا للرب، أنا راهب وسأبقى راهباً للرب، راهباً في خدمة الكنيسة المسيحية بكل طوائفها، وبنشر المحبة والسلام، راهب في حالة توبة مستمرة لا أقول بر فنحن خطاة وطالما نحن لابسون الجسد معرّضون لأخطاء كثيرة وخطايا، ولكن نطلب من الرب أن يعيننا وأن يكون إلى جانبنا ويجعل لكل التجارب التي تطرأ علينا منافذ تخلّصنا من الخطيّة، فالتجربة ليست خطية بالذات، بل الانصياع للتجربة هو الخطيئة.

نسأل اللّه الذي ساعدنا أن نطرق هذه الطريق وأن نسلك في هذا المسلك، أن يجعل لنا جميعاً قوّة بالروح القدس الذي أرسله ابن اللّه الوحيد ليعزينا، ليشجعنا، ليكون معنا، ويذكرنا بما قاله الرب يسوع لنا بشخص الرسل والتلاميذ الذين أُسعِدوا لأنهم عاشروا الرب وهو يكمّل تدبيره الإلهي بالجسد.

لم تكن الطريق مدة خمسة وعشرين سنة سهلة ولكنها ـ وقد اجتزناها والحمد للّه ـ أصبحت سهلة طالما نحن متمسّكون بالرب يسوع وملبون دعوته لنا بقوله: «تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لأن نيري هيّن وحملي خفيف» (مت 11: 28 ـ 30). أجل إن نير الرب يسوع خفيف طالما نحن متمسكون بالرب يسوع، وحمله مهما صعب فهو خفيف عندما نتأمل بالرب يسوع، الإله المتجسد، نراه وقد حمل صليبه بعد أن ساموه صنوف العذاب، والضرب، والشتم، والاحتقار، وحمل صليبه، ذلك الصليب الثقيل جداً لأن خطايا العالم كلّها فيه، ونراه أيضاً معلقاً على الجلجلة. مهما كانت الآلام التي تطرأ علينا وطرأت تكون خفيفة جداً عندما نتأمل الصليب والمصلوب، ونتذكّر أن الرب يسوع قد تحمّل ذلك من أجلنا لكي يخلصنا، لكي يمهّد لنا طريق الملكوت لنصل إليه ونكون في عداد الذين سيدعوهم في اليوم الأخير ويسميهم مباركي أبي «رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم» (مت 25: 34)، فهذا أهم شيء في طريقنا ومهما كانت الطريق صعبة ستكون هينة بل أيضاً تمتلئ بالرجاء لأننا سنكون مع الرب في اليوم الأخير.

نحن كرهبان وراهبات اخترنا الرهبنة، وشقاء الرهبنة وصعوبتها لكي نكسب الحياة الأبدية، لذلك مهما كانت حياتنا على هذه الأرض صعبة وشقية تهون جداً عندما نتذكر الحياة الأبدية، التي نرغب فيها لا طمعاً في هناء، ولا خوفاً من الشقاء والعذاب والآلام، لا طمعاً في الجنة ولا خوفاً من الجحيم بل محبةً بالرب يسوع. بهذه المحبة التي تظهر في محبتنا لقريبنا مهما كان هذا القريب يمت إلينا بصلة جسدية أو روحية بذلك فقط سننال الحياة الأبدية السعيدة باسم الرب يسوع. هذا ما أتمناه لي ولكنَّ ولكلِّ من اختار الرب حياة وطريقاً ومسلكاً ونهجاً له في حياته.

أكرر شكري لكنّ على حضوركنّ وتلبيتكنّ هذه الدعوة من الابنة الروحية الفاضلة الأم الراهبة حنينة هابيل وراهبات مار يعقوب، ونتمنى أن تجتمع الراهبات من جميع الرهبنات بين حين وآخر ليتبادلن الخبرات، ويكنّ حقاً بذلك مُظهرات علامة المحبة للرب يسوع وللعذراء مريم ولبعضنا بعضاً لكي نرث جميعاً ملكوت اللّه بنعمة الرب آمين.

الاحتفال بتقديس الميرون·

قبل أن أبدأ كلامي، أشكر اللّه الذي أهّلنا جميعاً أيها الأحباء! أن نحتفل برتبة طقس تقديس الميرون المقدس، وقد رسمنا الابن الروحي الكومندور سانتوش شماساً قارئاً، بحسب رغبة غبطة أخينا المفريان مار باسيليوس توماس الأول، وإلحاح هذا الشماس الجديد الذي كان قد حاز على وسام القديس مار أفرام برتبة كومندور، لخدماته الكثيرة للكنيسة المقدسة في الهند، فنبارك له بالشماسية أيضاً، فليحفظه اللّه وليباركه، وقد كمّل اللّه رغبته بأن ينال هذه الرتبة على يد أبي الكنيسة البطريرك.

أيها الأحباء! لقد بدأنا سنة اليوبيل، السنة المباركة، السنة المقبولة لدى اللّه سنة يوبيلنا البطريركي الفضي، بدأنا ذلك في الهند حيث لبّينا دعوة أخينا غبطة المفريان مار باسيليوس توما الأول، واحتفلنا باليوبيل في أماكن عديدة في الهند، وأُطلق على مؤسسات كثيرة ثقافية وروحية اسم المحتفى به، بمناسبة اليوبيل البطريركي الفضي. وإذا كنّا قد قدّسنا الميرون المقدس في الهند قبل سنة تقريباً، فقد احتفلنا بهذه الرتبة العظيمة والطقس المبارك في هذا اليوم هنا في دير مار أفرام بمعرّة صيدنايا. وقد رأينا في ختام سنة اليوبيل المبارك أن يشاركنا غبطة أخينا المفريان مار باسيليوس توما الأول، والأحبار الأجلاء المطارنة من منطقتنا ومن الهند الاحتفال بنعمة الرب برتبة تقديس الميرون المقدس.

ويهُمُّنا جدّاً أن نعرف سمو هذه الرتبة السامية، التي تستمد قدسيتها من قداسة الميرون المقدس. المسحة التي أخذناها من الرسل الأطهار، وتمثّل حلول الروح القدس على المؤمنين. ففي العهد القديم كان الرب قد أمر موسى أن يركّب مسحة خاصة، أملى عليه أوصافها، وحذر الناس من تقليدها (خر 30: 33) بالزيت والعطور وغير ذلك، ثم بالصلاة على تلك المسحة. وأنتَ تدرس الكتاب المقدس يخطر ببالك سؤال! ترى ما هي قوة هذه المسحة؟ فقد كانت زيتاً وعطوراً، وتراها زيتاً وعطوراً برائحة ذكية جداً، وكانت توضع في وعاء فيما يسمونه القرن، وكان ـ بأمر اللّه ـ نبي أو مرسل يسكب هذا الزيت أو هذه المسحة على رأس من يُنتخب ليكون نبياً أو كاهناً أو ملكاً.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو ما القوة الكامنة في تلك المسحة حتى إنّ الذي تُسكب على هامته كان يدعى مسيحاً؟ والجواب هو إن قوتها عظيمة تفوق إدراكنا، فنحن نرى مثلاً أن اللّه عندما أرسل النبي صموئيل إلى بيت يسّى أبي داود النبي كي يَمسح أحد أولاد يسّى نبياً بل أيضاً ملكاً، فذهب صموئيل إلى بيت يسّى وأمره أن يأتي بأولاده فأتى بهم الواحد تلو الآخر بحسب أعمارهم، فقال صموئيل ليسّى: اللّه لم يختر واحداً من هؤلاء أليس عندك ابن آخر؟ قال له: نعم عندي ولد صغير يرعى الأغنام. قال له: ائتِ به. وعندما أتى بداود انتصب صموئيل حالاً وأخذ قرن الزيت وسكبه على رأس داود، وأقامه نبياً، ونبياً عظيماً، دعي قلب اللّه، وأيضاً ملكاً. كيف عرف صموئيل أن هذا هو المختار المُنتخب؟ ولماذا لم يختر أحداً آخر من أولاد يسّى؟ هناك سر عظيم، سر في المسحة ذاتها. عندما أراد اللّه أن يعلن أنه قد انتخب هذا الفتى الصغير داود ليكون نبياً، وليكون أيضاً ملكاً، فاض الزيت في القرن، فعرف صموئيل أن اللّه قد اختار هذا الإنسان، فأخذ القرن وسكب الزيت الذي فاض على رأس داود ليقيمه ملكاً، ويقيمه في آن واحد نبياً ونبياً عظيماً. إذاً قد منح اللّه ذلك الزيت الذي مزجت معه مواد عطرية بحسب تعليمات ووحي من اللّه تعالى قوّة سماوية سامية، ونال نعمة عظيمة حتى أن اللّه بوساطته أعلن إرادته للنبي الذي أُرسل منه تعالى لفرز من يختاره ليكون نبياً أو ملكاً أو كاهناً.

أجل إنّ زيت الميرون المقدس الذي نقوم برتبة تقديسه له قوة عظيمة. عندما كان الإنسان يؤمن بالرب يسوع وبالثالوث الأقدس يُعمَّد، وطبعاً عندما اعتمد الرب يسوع بعد أن خرج من الماء وكان يصلي هبط عليه الروح القدس شبه حمامة، هكذا تميّز عن سائر الجمهور بأنه هو الذي عناه الآب السماوي بالصوت الذي جاء من السماء قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت». وكذلك عندما يعتمد كل إنسان باسم الرب يسوع بإيمان كان الرسل يضعون أيديهم عليه فيهبط الروح القدس عليه وذلك بعد العماد مباشرة.

نحن أخذنا هذا التقليد من الرسل الأطهار، وبما أن الرسل رأوا أن الناس بأعداد ضخمة يدخلون الدين المسيحي ويؤمنون بالرب لم يتمكنوا أن يضعوا أيديهم على هؤلاء الناس كافة، لذلك بإلهام رباني أخذوا الأوصاف التي أعطاها الرب لموسى لصنع الزيت، الذي يُمسح فيه الملوك والكهنة والأنبياء، وأخذوا الحنوط التي كانت على جسد الرب يسوع وطحنوها، وأضافوها إلى هذه العطور التي ذُكرت في الكتاب المقدس (خر 30: 22 ـ 33) وبالتقديس أصبحت ذات قوة إلهية، فكل من كان يُمسح بها ينال مواهب الروح القدس، إذ يحل عليه الروح القدس وتظهر قوة هذه الروح في هذا الإنسان، وهكذا كان الرسل يقدسون الميرون، ويرسلونه إلى جميع أنحاء العالم، حيث الناس الذين آمنوا بالمسيح يسوع، ويأتي الروح القدس الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس ويحلّ على هؤلاء الناس المؤمنين، ويكون لذلك الميرون قوّة إلهيّة نراه زيتاً ولكن له قوته الإلهية.

عندما نقدس الميرون بطقس خاص، يختفي البطريرك داخل القبة حاملاً قنينة الزيت، التي مُزجت فيها العطور ويدور البطريرك وهو داخل القبة في الكنيسة، بعد أن كان أحد المطارنة الأجلاء قد دار قبله، وبيده مبخرة ليطهّر المكان قبل دخول البطريرك إلى القبّة، وقبل أن يدور في هذا الموضع، وعندما يحمل البطريرك قنينة الزيت الذي مُزجت فيه العطور ليُعد وليقدّس ويحلّ عليه الروح القدس لتعطي قوة الروح القدس للمؤمنين الذين يمسحون به، يأتي البطريرك ليمثّل حياة الرب يسوع على الأرض أثناء تدبيره الإلهي في الجسد كيف أنه كان خفيّاً على الناس فاعتبروه إنساناً بسيطاً وهو اللّه بالذات، فيأتي البطريرك ويتمّم ما يرمز إلى التدبير الإلهي بكل فصوله، عندما يصل إلى المذبح المقدس، ويضع القنينة على الطبليث، والطبليث يُصنع من الخشب ويرمز إلى صليب الجلجلة، فهنا نتذكر ونحن نصلي أن المسيح في آخر تدبيره الإلهي بالجسد، بعد أن كان يجول بين الناس يصنع خيراً بمعجزاته وتعاليمه الإلهية، قد صُلب على الخشبة، ليفدينا من الخطية، ويخلصنا من قوة إبليس، وليعطينا موهبة عظيمة، التبرير والتقديس، بل أيضاً التبني لنكون أولاد اللّه بالنعمة، هذه القوة ينالها الميرون المقدس مثلما كانت تظهر مفاعيل الزيت في العهد القديم عندما يُسكب على أولئك الذين يختارهم الرب ملوكاً وأنبياء وكهنة، فينال المؤمن هذه القوة الإلهية، فيحلّ الروح القدس على من يُمسح به بعد أن يكون هذا قد اعتمد باسم الثالوث الأقدس.

لذلك أيها الأحباء! علينا أن نعرف النعمة الإلهية التي أسبغها الرب علينا كمؤمنين بالمسيح، ونرى أنفسنا عندما نقدّس الزيت برتبة الميرون المقدس، إنّ اللّه قد أعطانا قوة رئاسة الكهنوت، لكي نكمل إرادته الإلهية ويُمنح بواسطتنا هذا الزيت قوة إلهية. عندما ننتهي من هذا الطقس، في ختامه نأخذ البلسم، والبلسم مادة حارة، والزيت مادة باردة، فالزيت يَرمز إلى جسد المسيح، أما البلسم فإلى اللاهوت، والبطريرك وحده دون أن يراه أحد من الناس حتى الأساقفة، يسكبُ البلسم في القنينة التي تحتوي على الزيت، كي يعلن أن اللّه الإله العظيم بلاهوته قد حلّ بأحشاء العذراء، واختار له جسداً منها، بل جبل له هذا الجسد من دمائها، واتحد اللاهوت بالناسوت وأصبح الإله الذي نراه بشراً، وهو اللّه كما يصفه الرسول بولس: «اللّه ظهر بالجسد». فهذا سرٌ عظيم نراه جميعاً في سر الميرون المقدس. وعندما يحل علينا الروح القدس، عندما نمسح بالميرون نصير مسحاء، المسيح يسوع نفسه هو إلهنا وأعطانا هذا السر العظيم، فكلٌّ منا يصير مسيحاً صغيراً، ولذلك فالرسول بولس يقول: «أما تعلمون أنّكم هيكل اللّه وروح اللّه يسكن فيكم» (1كو 3: 16)، فعلينا أن نفهم أننا قد اعتمدنا باسم الثالوث الأقدس، وولدنا ثانية من الماء والروح، وحلّ علينا الروح القدس عندما مسحنا بالميرون المقدس وهذه نعمة عظيمة علينا أن نحافظ عليها إذا بقينا تائبين، نتنقى من كل خطية لكي يثبت الروح القدس في نفوسنا، ونكون حقاً هياكل الروح القدس.

لقد نلتم في هذا اليوم أحبائي وأنتم تشتركون معنا بالصلاة في رتبة تقديس الميرون المقدس، أجل نلتم نعمة عظيمة من الرب ولا بدّ أنكم تتذكرون آباءكم وأمهاتكم، الذين أنعموا عليكم بتقديمكم للمسيح وأنتم أطفال، ونلتم نعمة الروح القدس لأنكم أخذتم الإيمان منهم أيضاً لتثبتوا بالإيمان كما ثبتوا هم أيضاً، ولا تدعوا روح اللّه يُنزع منكم كما قال داود بمزمور التوبة للرب: «وروحك القدوس لا تنزعه مني».

ليثبت الروح القدس فينا جميعاً أحبائي! ولنشكر اللّه دائماً أننا ولِدنا من والدَين مؤمنَين، وأننا نثبت على هذا الإيمان، ونثبت بالروح القدس، ليبارككم أحبائي جميعاً بنعمته آمين.

الاحتفال بتقديس زيت المعمودية وزيت مسحة المرضى·

أيها الأحباء: يسرنا في هذا الصباح المبارك أن نقوم بتقديس زيت مسحة المرضى بحسب طقسنا السرياني الأنطاكي الأرثوذكسي المقدس الذي ورثناه عن آبائنا الميامين، ويساعدنا بإتمام هذه الرتبة الطقسية صاحبا النيافة الحبران الجليلان مار أثناسيوس كيواركيس، ومار أثناسيوس إيليا، والآباء الكهنة، لتنالوا أنتم معهم البركة، فجميعنا نتبارك من القيام بهذا الطقس المقدس.

في أيامنا هذه العديد من المؤمنين لا يعرفون الكثير عن مسحة المرضى، كان آباؤنا يتمّمون هذا الطقس مكمّلين وصية يعقوب الرسول القائل للمؤمنين: «أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له». (يع5: 14 و15). إن يعقوب الرسول وجّه إلينا وإلى أبناء الكنيسة كافة هذه الوصية بأمر من الرب بالذات، لأن سر مسحة المرضى كان ممارساً في الكنيسة قبل أن ذكر يعقوب الرسول وصيته هذه.

أجل إن الرب يسوع عندما أرسل رسله إلى العالم أمرهم أن يشفوا المرضى، يطهّروا البرص، ويقول البشير مرقس في الإنجيل الذي دوّنه وكتبه وأعطانا إياه: إن هؤلاء الرسل خرجوا وصاروا يكرزون أن يتوبوا، وأخرجوا شياطين كثيرة ودهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم
(مر6: 12 و13).

إذاً هذا الأمر وهذا الطقس مارسته الكنيسة منذ بدئها، بناءً على وصية الرب يسوع، لذلك نعتبر أن هذا السر قد أُسّس من الرب يسوع مباشرة. لماذا ندعو هذا العمل بالسر؟ لأنه يستوفي شروط كل سرّ من أسرار الكنيسة السبعة، وهي ثلاثة شروط:

1ـ الشخص القابل السر وهو في حالة سر مسحة المرضى المريض كما يذكر يعقوب الرسول بقوله: «أمريضٌ أحد بينكم».

2 ـ خادم السر وهو الكاهن كما يذكر يعقوب الرسول قائلاً: «فليدع قسوس الكنيسة».

3 ـ صورة السر وهي العبارة التي يذكرها يعقوب الرسول بقوله: «فليصلوا عليه» «صلاة الإيمان تشفي المريض». فالسر إذاً له شروطه، والشروط كاملة في سر مسحة المرضى، الصلاة بإيمان، صلاة الإيمان تشفي المريض، وإن فعل خطية أيضاً تغفر له.

والكنيسة مارست هذا السر منذ البدء بطقسين: طقس مطوّل، وطقس مختصر. أما الطقس المطوّل فلا يزال يمارسه بعض الكهنة في أماكن عديدة ونسميه طقس القنديل، حيث يجتمع الكهنة في المكان الذي يوجد فيه المريض الذي دعاهم بحسب أمر يعقوب، فليدع قسوس الكنيسة ليصلوا عليه ويدهنوه بالزيت. وعندما يصلون على هذا المريض حسب العادة كانوا يأتون بإناء زجاجي، ويضعون فيه كتلة من العجين، ويضعون في هذا العجين خمسة قناديل، ويملؤون الإناء زيتاً، ويبدؤون بالصلاة، صلاة التوبة، صلاة التضرع إلى اللّه ليشفي هذا المريض، بعد أن يكون المريض قد اعترف بخطاياه اعترافاً قانونياً أمام الكاهن وتناول القربان المقدس، فيبدأ الكهنة بالصلاة، صلاة توبة وخشوع وتضرع إلى اللّه ليشفي هذا المريض، وعندما يُنهون الخدمة الأولى من الصلاة وهي خمس خدمات، على عدد العذارى الخمس اللواتي دُعين حكيمات، ضمن العذارى العشر الحكيمات والجاهلات، حين ذاك عندما ينتهون من الخدمة الأولى يوقدون فتيلة واحدة أي القنديل الأول، ثم يبدؤون بخدمة ثانية وثالثة إلى الخامسة.

ويُقرأ في هذه الخدمات رسالة من الرسول بولس، أو من الرسائل الجامعة يعقوب ويوحنا وغيرهما، وهم يتضرعون بالصلوات ويُنهون ذلك بعبارة «قوريليسون» أي «يا رب ارحمنا» أربعين مرة.

وقد يُشفى هذا المريض، وقد لا يُشفى، نحن لا نحكم لماذا لم يستجب الرب الصلاة، فهذه إرادته الربانية، ولكن في الوقت نفسه ينال هذا المريض قوة بالرب وعزاءً، حتى لو انتقل من هذه الحياة سينتقل مرتاحاً جداً لأنه قد قدّم التوبة التامة، ولأنه يشعر بأن الله قبل توبته، وأنّه عندما مُسح بالزيت نال بركة من الرب عظيمة، وهذا ما نسميه بطقس القنديل.

أما الطقس الثاني أيها الأحباء! فهو أن يقدس زيت المسحة على يد أحد أحبار الكنيسة، بحسب ما تسلّمناه من آبائنا الميامين، ويصبح هذا الزيت مقدساً ومعداً لمسح المريض، ويكون الكاهن مستعداً عندما يأخذ هذا الزيت المقدس أن يمسح هذا المريض بالزيت المقدس ولا يحتاج إلى صلاة القنديل.

بهذا الطقس السهل جداً يتعزى المريض، وإذا كان في حالة خطرة وانتقل من هذا العالم فيصلى في ختام الطقس صلاة مغادرة الروح من الجسد وتغادر الروح الجسد براحة وعزاء وقداسة إذ يكون الإنسان قد استعد لهذه اللحظات الرهيبة بعد أن يكون قد اعترف بخطاياه أمام الكاهن اعترافاً قانونياً، وتناول القربان المقدس، وأخيراً مُسح بزيت المسحة، وبهذا العمل يحصل على زوّادة روحية في طريقه إلى الحياة الأبدية.

وبنعمة اللّه نقوم الآن بخدمة تقديس الزيت بحسب طقسنا، فنقدس أولاً زيت مسحة المرضى، ليكون مادة لسر مسحة المرضى، ثم يُقدس قسمٌ من الزيت ليصير ما نسميّه زيت المعمودية الذي نمسح به الموعوظين، والذين يستعدون للعماد، وبطقس تقديس هذا الزيت نسكب في الإناء الذي يحتويه بعد أن ننتهي من الصلاة نقطة واحدة من الميرون، والميرون هنا يمثل الروح القدس، لكن عندما نضع فقط نقطة واحدة دلالة على أن الروح القدس قدّس هذا الزيت لأن الميرون يمثله، ثم لا يمكن أن يخلط الكاهن ما بين هذا الزيت الذي كُرّس في الميرون المقدس أي حلّ عليه الروح القدس وبين زيت مسحة المرضى، مسحة المرضى زيت بسيط يصلح فقط ليمسح به المريض لينال الشفاء جسداً وروحاً، ويقوم أحد الكهنة بخدمة طقس مسحة المرضى بعد أن يكون الزيت قد قام بطقس تقديسه أحد الأحبار كما نحن فاعلون الآن ليصير المادة الضرورية لسر مسحة المرضى.

وبعد أن نكرّس هذا الزيت أحبائي! نؤمن أن الرب يعطي قوّة بهذا الزيت لشفاء هذا المريض، وإيماننا طبعاً أن إرادة الرب تتم في كل حين، لكن مثلما قال يعقوب الرسول: «صلاة الإيمان تشفي المريض والرب يقيمه وإن كان قد فعل خطية تغفر له». أجل عندما يمرض أحد المؤمنين ويدعو الأطباء يجب أن نؤمن أن إرادة اللّه لا بدّ أن تتم، وابن سيراخ يقول بهذا الصدد: «أعط الطبيب كرامته.. فإن الرب خلقه، لأن الطب آتٍ من عند العليّ.. إن العليّ ألهم الناس العلم لكي يُمجّد في عجائبه، بتلك يشفي ويزيل الأوجاع ومنها يصنع العطّار أمزجة وصنعته لا نهاية لها»، يعني أن اللّه عندما أعطى المعرفة للطبيب فهو الذي يرشده أولاً إلى استعمال الدواء الصحيح لكي ينال هذا المريض الشفاء، وكذلك عندما نمسح هذا الإنسان بمسحة المرضى نكون قد هيأناه أولاً لمغفرة خطاياه وشفائه نفساً وجسداً، وثانياً إذا انتقل هذا المؤمن المريض إلى الحياة الأبدية تكون هذه المسحة زوادة له في طريقه إلى الأبدية.

فنسأل الرب الإله أحبائي! أن يلهمنا جميعاً لكي نؤمن أن اللّه لم يضع أي طقس أو أية خدمة في كنيسته إلا لفائدة المؤمنين لكي ينالوا الشفاء نفساً وجسداً، ليس جسداً فحسب بل نفساً وجسداً ومغفرة الخطايا، الأمر الذي نسأل اللّه أن يلهمنا جميعاً لنمارسه بتقوى ومخافة اللّه، ليكون سبباً لشفاء نفوسنا وأجسادنا بنعمته تعالى أمين.

من عظات عام 2006

من عظات عام 2006

رسامة المطران مار سويريوس حزائيل صومي·

«لأن كل رئيس كهنة مأخوذٍ من الناس يُقام لأجل الناس في ما للّه لكي يقدّم قرابين وذبائح عن الخطايا، قادراً أن يترفّق بالجهّال والضّالين إذ هو أيضاً محاطٌ بالضّعف، ولهذا الضّعف يلتزم أنّه كما يقدّم عن الخطايا لأجل الشعب هكذا أيضاً لأجل نفسه، ولا يأخذ أحدٌ هذه الوظيفة بنفسه بل المدعوُّ من اللّه كما هرون أيضاً».

      (عب5: 1و3و4)

إن الأسقفية هي درجة الكهنوت السامية التي وضعها ربنا يسوع المسيح في كنيسته المقدسة، وهي رتبة ضرورية جداً، ولأجل هذا عندما اعترف بطرس بربنا يسوع أنّه ربنا يسوع المسيح ابن اللّه الحي، قال له: «أنت هو المسيح ابن اللّه الحي» (مت16: 16) أجابه الرب يسوع قائلاً: «أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت16: 18)، فنفهم من هذا أنه بدون رئاسة كهنوت لا توجد كنيسة، كما قال مار إغناطيوس النوراني «لا كنيسة بدون أسقف»، والرسول بولس الإلهي قال: «مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية» (أف2: 20).

إن الكنيسة المقدسة هي ملكوت اللّه على الأرض، وبواسطة رؤساء الكهنة تهيّئ المؤمنين ليكونوا أعضاء في ملكوت اللّه في السماء، حيث أن الكنيسة في الأرض تلد المؤمنين من المعمودية بالتبني، ورؤساء الكهنة كالرعاة يهتمون بقطيع المسيح ويحفظونه من عدّوه إبليس لئلا يفترسهم، ويصونونه من التعاليم الغريبة، ويقودونه في التجارب الصعبة كالرقباء الذين تحدّث عنهم حزقيال قائلاً: «وأنت يا ابن آدم فقد جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل فتسمع الكلام من فمي وتحذّرهم من قبلي، إذا قلتُ للشرير يا شرير موتاً تموت، فإن لم تتكلّم لتحذّر الشرير من طريقه فذلك الشرير يموت بذنبه، أمّا دمه فمن يدك أطلبه» (حز33: 7و8)، وكذلك أيضاً يتحدث الرسول بولس عن الحبر الأعظم أي رئيس الكهنة في الكنيسة المقدسة إذ يقول: «ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من اللّه كما هرون أيضاً» (عب5: 4)، فمثلما اختير هرون من قبل اللّه ليكون رئيس كهنة، هكذا أيضاً ربنا يسوع المسيح الذي تجسّد، اختار له رسلاً قديسين ورسمهم أولاً شمامسة عندما أرسلهم ليكرزوا بالقرى والمدن، وثم رسمهم كهنة عندما نفخ بهم بعد قيامته ليقبلوا الروح القدس، وعندما صعد إلى السماء أمام أعينهم رفع يديه إلى السماء ورسمهم رؤساء كهنة وأوصاهم أن يقيموا في أورشليم وينتظروا وعد الآب، فنالوا مواهب الروح القدس الغزيرة.

في البداية نرى أن ربنا يسوع المسيح دعا تلاميذه صيادين ليصطادوا الناس بمصيدة الإنجيل، كذلك وبعد قيامته قال لبطرس بن يونا ثلاث مرات ارع لي خرافي وغنمي وكباشي واتبعني وفي الحال تبعه، هكذا جميع رؤساء الكهنة كالرسل القديسين يحبون المسيح محبة صادقة أولاً ثم يتبعونه في طريق القداسة والباب الضيق ليس هذا فحسب بل في طريق الجلجلة أيضاً حاملين نير المسيح الذي هو الصليب ويتبعون الرب كما قال: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مت16: 24).

هكذا رئيس الكهنة، عندما يُختار من ربنا يسوع المسيح، بلسان الحبر الأعظم يُختار ليحمل صليبه ويتبع ربنا يسوع المسيح، وفي أيام الرسل القديسين كان الروح القدس مرشد الكنيسة المقدسة والمؤمنين، هو من يختار من المؤمنين الذي سيكون رئيساً للكهنة مثلما قال الرسول بولس: «ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من اللّه كما هرون أيضاً» (عب5: 4)، كذلك نقرأ في أعمال الرسل كيف أن المؤمنين في أيام الرسل القديسين كانوا يخدمون الرب ويصومون «قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه، فصاموا حينئذ وصلّوا ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما» (أع13: 2و3) ومن أجل هذا تسمّى الرسامة لدينا نحن السريان وضع اليد، والآن ولئن كنا لا نسمع دعوة الروح القدس إلا أنها توحي إلى رئيس الكهنة سريّاً وتأمره ليختار من هو مستحق لهذه الدرجة السامية درجة رئاسة الكهنوت. ومن المعروف لدينا أن وظيفة رئيس الكهنة هي أن يرعى قطيع المسيح في مراعٍ خضر ويورده إلى مياه الراحة للتعليم الصحيح والمستقيم الرأي.

يجب على رئيس الكهنة أن يتّكل على اللّه وتكون له علاقة قوية مع الروح القدس، وفي كل حين تأملات وقراءات وصلوات ليل نهار يقدّمها عن نفسه أولاً وعن شعبه، وليكن محباً للّه وللقطيع الذي اؤتمن عليه لأنه قطيع المسيح. وأيضاً عليه أن يكون غيوراً ومتمسكاً بالإيمان القويم وضد التعاليم الغريبة، ويكون شجاعاً وخاصة أن يقدّم بيّنة لكل من يرغب إليه بكلمة عن رجاء الإيمان بتواضع وخوف. وأن يحبّ رعيته وأن يعرف كل واحد منهم باسمه ويهتم به ويكون قريباً من اللّه، الرعية أيضاً عليها أن تعي تعب راعيها وتحبه كما تحب ربنا يسوع المسيح وتهتم به جسدياً كما يهتم هو بها روحياً.

واليوم بابتهاج رسمنا ابننا الروحي الفاضل الربان حزائيل مطراناً نائباً بطريركياً للنيابة البطريركية في بلجيكا وفرنسا، وأقدّم جزيل الشكر لأصحاب النيافة الأحبار الأجلاء: مار يوليوس عبد الاحد شابو مطران السويد والدول الإسكندنافية، مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، المطران مار إقليميس أوجين قبلان النائب البطريركي في الولايات الغربية من الولايات المتحدة الأميركية، المطران مار ديوسقورس بنيامين أطاش النائب البطريركي في السويد، المطران مار سويريوس ملكي مراد النائب البطريركي في القدس والأردن وسائر الديار المقدسة، المطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي، المطران مار يوستينوس بولس سفر النائب البطريركي في زحلة والبقاع.

لقد تضرعنا إلى اللّه ليعضد المطران الجديد الذي استحق هذه الدرجة السامية درجة رئاسة الكهنوت، واستحق أيضاً الاسم الأبوي «مار سويريوس» الذي منح له من الرب بواسطة ضعفنا، ونهنئه بأبرشيته ونهنئ أبرشيته به إذ أنه مطران مختار ومثقّف بالعلوم المدنية واللاهوتية، ويحب اللّه وكنيسته المقدسة واللغة السريانية التي تقدّست بلسان ربنا يسوع المسيح. وأخيراً نسأل الرب يسوع المسيح راعي الرعاة ليمتّعه بالصحة والتوفيق الجليل ليكون راعياً صالحاً وثابتاً في وجه أولئك الذين يسعون إلى تشتيت القطيع الوديع قطيع أغنام المسيح الراعي الصالح.

وقد سررنا جداً بهذه الرسامة المباركة التي قمنا بها ههنا، وإننا نشكر أصحاب السيادة مطارنة الكنيسة الكاثوليكية الذين حضروا معنا في هذه الرسامة وقدّموا لنا هذه الكاتدرائية الكبيرة لإتمام هذه الرتبة المقدسة السامية، كما نشكر أيضاً كل من حضر معنا تكريماً للمطران الجديد قادماً من بلدان شتى. ليبارككم الرب. ونصلّي لازدهار هذا البلد ولجلالة الملك ونعمة الرب معكم.

اجتماع لجنة المتابعة لمراكز التربية الدينية·

سنة بعد سنة ولا أريد أن أقول يوماً بعد يوم نشكر ربنا يسوع المسيح لأننا أسّسنا مراكز التربية الدينية في الأبرشيات ونشكر ربنا لشبابنا السرياني الواعي والمؤمن الذي يعمل في هذه المراكز وأتمنى أيضاً أن شبابنا في كل الأبرشيات يشعرون بمسؤوليتهم تجاه اللّه وتجاه الكنيسة وتجاه مجتمعهم أيضاً للسعي إلى تطوير العمل في مراكز التربية الدينية لأننا نرى أن مستقبل الكنيسة هو الشباب الواعي المؤمن ولا يظهر هذا النشاط إلا عن طريق مراكز التربية الدينية. أنا أشكر الذين كانوا معكم الذين عملوا وتعبوا ونجحوا وأثمروا وانتهت مهمتهم خلال الدورة الأولى والثانية من عام 2001 ولغاية 2005 وجاء الآخرون الجدد للترشيح من مراكز التربية الدينية في الأبرشيات كأعضاء لجنة المتابعة وبالانتخاب كأعضاء لجنة الأمانة العامة للدورة الثانية وبقيت الراهبة طابيثا شابا والراهبة راحيل الشماني كأمين عام وأمين سر بتكليف من قبلي بحكم موقعي كرئيس للكنيسة المقدسة ولهذه اللجنة التي شُكلت منذ عام 2001 وقد وقعنا على النظام الداخلي لهذه اللجنة الذي تمّ إعداده على مدى أربع سنوات حيث تم تطبيقه تجريباً ودراسته وتعديله لحين الانتهاء منه نهاية عام 2005، إن شاء اللّه تكون رسالة العاملين كأعضاء في لجنة المتابعة رسالة تمجيد ربنا بأعمالهم «ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات» بهذه الوسيلة نكون قد مجّدنا ربنا أيضاً بوجود مراكز التربية الدينية ونتمنى أن تشجّعوا شبابنا من الجنسين في كل مكان ليعملوا في مراكز التربية الدينية. سررت بأعمالكم التي ذكرتموها من خلال عرضكم لمحضر الاجتماع للنشاطات المنفذة لعام 2005 والنشاطات لعام 2006 للجان الفرعية وخاصة أعمال لجنة الإعلام والمسؤول عنها عزيزنا الروحي الشماس كبرئيل سفر الذي عزيناه بوالده. رحم اللّه والده الذي ربّاه التربية الصالحة. وقد أطلعني الشماس كبرئيل على الكتيّبات التي طبعت مبدئياً وهذا العمل ممتاز جداً جداً لأن الكلمة المطبوعة هي الكلمة التي تعطي الإنسان كل وسائل التشجيع ووسائل الراحة أيضاً حتى يتقوى ويتدرب ويتنشط في الأمور الروحية وإن شاء اللّه تكملون طباعة تفسير الإنجيل المقدس، وإن شاء اللّه ينقّح لأن لغته العربية بسيطة جداً. رحم اللّه الذين سعوا وعملوا في ذلك الزمان ونقلوه إلى اللغة العربية لغة بلادنا العزيزة اليوم. إن اللغة السريانية ضرورية جداً لنا ويجب أن نتعلمها وهي العلامة الفارقة لنا تجاه كل الكنائس فطالما لا يوجد عدد كاف منا يدرسون هذه اللغة دراسة كافية ـ عندما أقول اللغة السريانية ليس فقط العامية بل اللغة الفصحى ـ فعلى الأقل لا ننسى الأمور الروحية ونستفيد مما كتبه آباؤنا بالسريانية عندما تترجم إلى العربية، وإن شاء اللّه تنتفعون روحياً وخاصة كل شبابنا وبناتنا في مراكز التربية الدينية من تفسير الإنجيل المقدس للقديس مار ديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي ولئن تطلّب ذلك بعض الوقت ولكن هذا الوقت ثمين جداً وهو وقت مثمر إذا تمكّن أحدنا من إنجاز طباعة كتاب مهم جداً مثل هذا الكتاب لكي نفهم عقائدنا وتفسير إنجيلنا من آبائنا، وآباؤنا قد أغنوا مكتباتنا الروحية الحقيقة بمؤلفاتهم القيمة جداً والنفيسة. أهنئ الذين بدؤوا معكم في لجنة المتابعة بعدما انتخبوا وأتمنى لكم ولهم ولمراكز التربية الدينية استمرار النجاح والفائدة الروحية التي ينتفع منها شبابنا وبناتنا في هذ الجيل الملتوي والزمن العصيب في فترة من الزمن نتمنى ألا تطول بما يناله الإنسان في مجتمعه وخارج مجتمعه من شكوك عديدة من الشكوك الروحية خاصة وأيضاً الإهمال الذي نجده في أماكن عديدة في تربية الجيل الصاعد، وهذا يؤلمنا كثيراً فنأمل أن تساعدوا بعضكم بعضاً حتى تكونوا خير مثال وقدوة للآخرين بالتمسك بالإيمان والأعمال الصالحة بشهادة المسيح ربنا بكل ما تقومون به وكل ما تعملونه فبدلاً من أن نتبع روح الجيل غير المسيحية نكون قدوة للآخرين في الأمور الروحية التي نرى فيها السعادة التامة.

سعادتنا أن نكون مثالاً للآخرين بتمسكنا بربنا يسوع المسيح باقتدائنا بآبائنا بالسيرة الفاضلة وأيضاً بالسعي إلى تربية هذا الجيل تربية مسيحية صالحة لأنكم أصبحتم قياديين بالنسبة إلى الأمور الروحية في مراكز التربية الدينية وفي لجنة المتابعة لهذه المراكز، فإن شاء اللّه سيلهمكم تعالى الخير والحكمة حتى تقوموا بهذا الواجب وتنالوا عنه طبعاً مكافأة كبيرة من ربنا في العالمين. نحن دائماً نقول في العالمين لأننا نؤمن بالأبدية ونسعى لكي نحصل على السعادة الأبدية، وسعادتنا تبدأ هنا بالضمير الطاهر النقي، بالشعور أن ربنا راضٍ عنا وهو معنا في كل مراحل حياتنا إن كان في السراء أو الضراء، وبهذا الأمر أيضاً نكون قد أكملنا الغاية من خلقة الرب إيانا بعقل راجح وفكر نيّر وضمير طاهر. نتمنى لكم التوفيق في كل ميادين حياتكم وأهلاً وسهلاً بكم وطبعاً أنتم في بيتكم، وإن شاء اللّه نراكم دائماً في مركزكم المركز العالمي للتربية الدينية السريانية الأرثوذكسية في دير مار أفرام السرياني وأنتم تتعاونون بعضكم مع بعض وتتبادلون الخبرات الروحية والاجتماعية. وإن شاء اللّه دائماً نسمع أخباركم الطيبة وما تقومون به في مراكز التربية الدينية في أبرشياتكم وفي الكنيسة وفي مناطقكم وأهلاً وسهلاً بكم.

القداس الإلهي في لندن·

نشكر اللّه الذي أهّلنا لنقوم بهذه الزيارة الرسولية لكم جميعاً أيها الأحباء لنشارككم الفرحة بشراء مركز للكنيسة في هذه المدينة المباركة، وإننا نثني جزيل الثناء على ابننا الروحي الفاضل الربان توما على همّته العالية وخدمته الناجحة في رعاية هذه الرعية المباركة. ففي القداس الإلهي الذي احتفلنا به، سررنا جداً بجوقة الترتيل التي دربت على يد كاهن هذه الرعية المعتمد البطريركي في انكلترا الأب الربان توما. وكذلك سررنا جداً بتعاونه مع المجلس الملي وإيجاد مركز للرعية في هذه المدينة المباركة، ويهمنا جداً أن تتعاونوا معه ومع المجلس الملي لشراء هذا المركز وتحويله إلى كنيسة ستكون أول كنيسة لنا في انكلترا ليكون لنا مركز يليق بكم كرعية مباركة.

إنني أشكر كل من يتعاون مع كاهن الرعية المعتمد البطريركي لأن في ذلك بنيان الكنيسة، ويجب أن نكون جميعاً بوحدة تامة بالمسيح يسوع ربنا ونحن ننظر إلى مستقبل الكنيسة في هذه البلاد، ونرى كيف أن في وطنكم الأم يعاني فيه الشعب المبارك في ظروف صعبة جداً، ولكنه في الوقت ذاته هو ثابت على الإيمان القويم الرأي غير متزعزع. ونرى أن عدداً غفيراً من شعبنا قد انتشر في أماكن عديدة من العالم، وحيثما رحل وحلّ شابه الشجرة الباسقة التي كلما هزتها الرياح العاتية تساقطت ثمارها على الأرض فنمت وتكاثرت وغدت بركة للناس، وأعطت الكنيسة المقدسة رعايا جديدة عديدة في أماكن مختلفة، وإحدى هذه الرعايا رعية كنيستنا هنا في لندن التي تعتبر الرعية الأولى والرئيسة في انكلترا بالنسبة لكنيستنا المقدسة. إننا في هذه الكلمة نشجعكم جميعاً على التعاون مع كاهن الرعية المعتمد البطريركي في انكلترا الأب توما ومع المجلس الملي، الشباب الذين يهتمّون بقلوب طاهرة نقية وهمة عالية وغيرة وقادة ليخدموا الكنيسة المقدسة في هذه البلاد، وتعاونكم معهم هو تعاون مع الرب يسوع بالذات لبناء كنيسة للمسيح يسوع في هذه البلاد ولمستقبل أولادكم الذين يرغبون أيضاً وهم في هذه البلاد في أن يتمسّكوا بإيمان آبائهم ويتمسّكوا بتقاليد آبائهم ويكونوا مثالاً صالحاً للمواطنين جميعاً.

أيها الأحباء:

في هذا اليوم الذي يعتبر بحسب طقسنا الكنسي أحد السامري الصالح، نتطلّع بإيمان إلى كنيستنا المقدسة ونطوّب آباءنا الروحيين الذين نظّموا الطقوس الدينية، الذين وضعوا لنا الأصوام المقدسة وخاصة الصوم الكبير الصوم الأربعيني، الصوم الذي نرى فيه خير وسيلة لنا لنقتدي بربنا يسوع الذي تجسّد وابتدأ تدبيره الإلهي العلني بالجسد إذ صام أربعين يوماً وأربعين ليلة. ونحن نقتدي به ونرى أن هذا الصوم كما بيّن لنا آباؤنا القديسون هو خير وسيلة لنا للتوبة والعودة إلى اللّه ونيل النعم العظيمة. فالرب قد صام عنا وعلّمنا أن نصوم، والكنيسة نظّمت في طقوسها خلال الصوم أن تذكر في كل أحد من الآحاد بعض العجائب التي اجترحها الرب يسوع لتبرهن على أن الذي صام كإنسان عنا جميعاً وجاع كما يذكر الإنجيل المقدس هو الله ظهر بالجسد كما يصفه الرسول بولس. فاللّه العظيم الذي ظهر بالجسد علّمنا أن نؤمن به وأن نقتفي أثره وأن نصوم وقد صام عنا، أن نصوم عن أنفسنا لكي ننال نعمته العظيمة. وفي هذا الأحد الذي هو الأحد الخامس من الصوم، في غمرة الصوم هذه الأيام المقدسة، تريدنا الكنيسة التي هي أمنا ومعلمتنا، تريدنا الكنيسة أيها الأحباء أن لا نفتكر بالبر الذاتي بل نعتمد على اللّه في كل سلوكنا وكل تصرفاتنا وكل ممارساتنا لطقوسنا ولفروض الكنيسة من صوم وصلاة فلا يكتفي أن نفتخر بأنفسنا بأننا قد صمنا، قد تمسّكنا بالصوم، علينا أن نعرف الغاية الفضلى من الإيمان بالرب يسوع والاقتداء بسيرته الطاهرة بالجسد. فبدراستنا مَثَل السامري الصالح يريدنا الآباء القديسون أن نقتدي بهذا السامري الصالح فنقرن الصوم والصلاة بعمل الإحسان، بل أيضاً أن نبرهن على صلاحنا بسيرتنا المسيحية الفاضلة مترجمين إياها بالأعمال الصالحة لأن عمل الإحسان هو العمل الذي سيكون قانوناً لنا في العالم الآخر يوم الدينونة عندما ندان على أساس الإيمان وعلى ترجمة الإيمان بالأعمال الصالحة خاصة أعمال الرحمة.

مثل السامري الصالح أيها الأحباء، يأتي بنا إلى أورشليم أولاً ونرى هناك فريسياً ناموسياً كان مسؤولاً عن كتابة أسفار الناموس، ومسؤولاً عن ضبط عدد الألفاظ التي كتبت فيها هذه الأسفار وموقعها وكل ما فيها، والحذر لئلا يزاد ويضاف حرف واحد أو نقطة واحدة على إحدى كلمات الناموس. كان مسؤولاً عن كل ذلك، ولكنه يظهر أنه كان يهتم بالحرف، والحرف يقتل كما يقول الكتاب والروح هي التي تحيي. جاء هذا الناموسي إلى الرب يسوع يجربه، وما أقسى التجارب التي تعرّض لها الرب يسوع من ذلك الشعب العاتي ورجال الكهنوت الموسوي وأولئك العلماء الذين عرفوا فقط حرفية الناموس لكنهم لم يدركوا قوته. جاء يسأله قائلاً له: يا معلم ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له الرب يسوع: أنت تعرف الوصايا؟ ثم عدّد له الوصايا، فقال إنه قد حفظها منذ صباه. ثم لخّص الوصايا مقتبساً من سفري التثنية واللاويين العبارة السامية: تحبّ الرب إلهك من كل قلبك، من كل فكرك، من كل إرادتك وقريبك كنفسك. فأجابه الرب يسوع افعل هذا فتحيا. ولكن ذلك الناموسي يقول للرب: ومن هو قريبي؟ هناك تظهر الروح غير الإنسانية لدى اليهودي، فاليهودي كان يعتبر قريبه فقط الإنسان اليهودي الذي يتمسّك معه بتعاليم الفريسيين والكتبة. فالرب يسوع عندما سمع هذا الفريسي يسأله قائلاً: ومن هو قريبي؟ ضرب لنا مثلاً هو من أهم الأمثال التي ضربها الرب يسوع، مثلاً يأخذنا من دراسة الوصايا السامية إلى مركز إسعاف لجريح. هذا المثل، السامري الصالح، يجعلنا أيها الأحباء أن نفهم عمق معاني ديننا المسيحي وأصوله وما يجب علينا أن نفعله لكي نكون مسيحيين صالحين أتقياء. يأتي بنا الرب يسوع بالمثل إلى أورشليم، فنرى إنساناً ـ لم يذكر قومية هذا الإنسان ولا دينه ولا مذهبه ـ نرى إنساناً نازلاً من أورشليم إلى أريحا. أورشليم المكان الذي كان فيه الهيكل حيث كانت تقدم الذبائح والمحرقات عن الشعب لغفران خطاياهم، أورشليم المدينة المقدسة، كان إنسان نازلاً من هناك إلى أريحا. وأريحا المكان الذي كان يعيش فيه ما لا يقل عن مائة وعشرين ألف كاهن. كان هؤلاء بحسب ما لهم من مهام في الهيكل يذهبون إلى أورشليم وعندما ينهون خدمتهم ينزلون إلى أريحا إلى دُورهم. الطريق بين أورشليم وأريحا كانت تسمى طريق الدم، يومياً كانت تقترف فيها جرائم، يومياً كانت هناك عصابات من المجرمين واللصوص الذين كانوا يسفكون الدماء ويسرقون الناس وينهبونهم. ذكر الرب يسوع هذا الإنسان الذي كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا ولم يذكر دينه ولا مذهبه ولا قوميته ولا اتجاهه. إنه إنسان، ويكفي أن يكون إنساناً. كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا. تعرّض له لصوص، نهبوه، ضربوه، جرحوه وتركوه بين حي وميت. يقول الرب: مرّ بتلك الطريق كاهن. كان الكاهن قد أنهى خدمته الطقسية في الهيكل وظن أن بخدمته بتقديم الذبيحة قد أتمّ الشريعة وبرّر نفسه ولكنه نظر وسمع أنين ذلك الجريح ولم يبالِ. ربما إذا قلنا لليهودي هذا الأمر يظهر العذر لهذا الإنسان الكاهن أنه ربما مات هذا الجريح بين يديه فيتنجّس بلمس ميت، وربما خرج أولئك الذين ضربوا هذا الجريح وتركوه بين حي وميت فقسوا على ذلك الكاهن أيضاً. إنّ الأعذار كثيرة إنما الحقيقة هي أن ذلك الكاهن كان يظن أنه بتقديم الذبيحة قد أتمّ ما قد فُرض عليه من ناموس. وبعد الكاهن جاء لاويٌ، واللاويُ برتبة الشماس عندنا. هذا اللاوي زاد على الكاهن أنه عندما سمع أنين ذلك الساقط بين اللصوص جاء وتطلّع ولكن أيضاً عبر. له أعذاره وكلها باطلة.

ثم بعد ذلك جاء السامري وعندما نقول السامري يعني العدو الألدّ لليهودي، واليهودي عدو ألد للسامري أيضاً. هذا السامري كان من أيام السبي البابلي قد جاء من بلاده، أجبر أن يأتي ويسكن في أورشليم وضواحيها وخاصة في السامرة. وكان يعبد آلهته الباطلة ويعبد يهوه إله اليهود أيضاً. هذا السامري كان مبغوضاً من اليهود جداً حتى أنه إذا مرّ يهودي بظل سامري عليه أن يعود إلى داره ويغتسل ويستحم لأنه قد تنجّس بظل السامري. لنتصوّر هذه الصورة أيها الأحباء ونرى ما موقف هذا السامري من الساقط بين اللصوص وعلى الأغلب كان يهودياً ذلك الجريح الذي كان يئن متألماً يطلب النجدة. نرى السامري يأتي ويداوي جروحات هذا الإنسان، وربما مزّق ثوبه لكي يضمّد هذه الجروحات بزيت كان معه وخمر، وكان الزيت والخمر مع الخبز غذاء اليهودي عندما يسافر خاصة، ولكنه اعتبر الخمر لتعقيم الجروح والزيت لتليينها، ثم مزّق ثوبه ولفّ جروح ذلك الساقط بين اللصوص. وعضد هذا الإنسان وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق ودفع عنه دينارين رمزاً إلى جسد المسيح ودمه، وقال لصاحب الفندق: مهما أنفقت عندما أعود سأوفيك. قال الرب لذلك الناموسي: من صار قريباً للساقط بين اللصوص؟ لم يرغب هذا الناموسي أن يذكر اسم السامري، فقال له: الذي فعل معه الرحمة. فقال له الرب: اذهب أنت أيضاً وافعل ذلك فترث الحياة الأبدية.

آباؤنا القديسون أحبائي، جعلوا الأحد الخامس من الصوم أحد السامري الصالح لكي ينبهونا أن علينا أن نهتمّ بعضد الآخرين الذين يحتاجون إلى مساعدتنا، علينا أن لا نشعر بأننا قد نلنا ملكوت اللّه لأننا حافظنا على فريضة الصوم فقط دون غيرها من الفروض والوصايا. فلا ينفعنا الصوم ولا الصلاة وهما ضروريان جداً لنا لأن علينا لا فقط أن نحفظ الناموس بل أيضاً الفروض مثلما كتب عن زكريا وأليصابات. علينا أن نفهم أن ديننا المسيحي النقي هو دين الرحمة لأن الرب يسوع قال: أريد رحمة لا ذبيحة. فنحن ندين الكاهن الذي يظن أن تقديم الذبائح تكفيه للخلاص ولكنه يهمل من يحتاج إلى رحمة وكذلك اللاوي الذي يظنّ أن خدمته في الهيكل تكفيه للخلاص. علينا إذن أيها الأحباء عند تمسّكنا بالفروض من صوم وصلاة وتمسّكنا بناموس ربنا وشريعته، أن نرى أنفسنا أننا جزء وشريحة من المجتمع الذي نعيش فيه، وعلينا أن نخدم ونعضد ونساعد الآخرين. وقريبنا نحن الذين نؤمن بالمسيح يسوع ربنا هو كل إنسان يحتاج إلى خدمتنا، هذا هو قريبنا. لا نبالي من أية قومية كان أو من أي دين أو أي اتجاه أو فكر. عندما نرى أنه يحتاج إلى مساعدتنا نقوم ونعضده لكي ننال أجرنا من ربنا.

آباؤنا أيضاً أيها الأحباء، مثّلوا الرب يسوع بالسامري الصالح الغريب الجنس الذي نزل من السماء إلى الأرض، كما نزل السامري من أورشليم إلى أريحا. جاء من السماء وسمع أنيننا نحن البشر لأن الخطية قد هشّمت ظهورنا وجعلتنا بحاجة ماسة إلى مساعدة. مرّ الكاهن والناموسي، موسى وهارون وحتى الأنبياء، مرّوا عبر الأجيال ولم يستطيعوا أن يعضدوا الإنسان الخاطئ الساقط بين الشيطان والخطية ويتألم نفساً وجسداً، حتى جاء السامري الصالح غريب الجنس الرب يسوع المسيح الذي ضمّد جروحاتنا، الذي أخذنا إلى الفندق، دفع عنا دينارين رمز دمه وجسده الأقدسين ثم قال أيضاً لصاحب الفندق أن يعتني بنا نحن الذين مثّلنا الجريح الساقط بين اللصوص، ومهما أنفق علينا وعندما يأتي الرب يسوع في مجيئه الثاني يوفي صاحب الفندق بحسب عنايته بنا. والفندق هو كنيسته المقدسة على الأرض والذين عينهم لرعاتها. وهو سيأتي ثانية ليوفي كل من يعضدنا كل من يساعدنا على الخلاص من أعدائنا بالجسد والروح والذين يؤمنون بالرب يسوع. والرب يسوع يسأل الفريسي قائلاً: من صار قريباً للذي وقع بين اللصوص؟ لم يقل الفريسي، السامري، لأن السامري عدوه اللدود، بل قال: الذي صنع معه الرحمة. أجابه الرب: اذهب أنت وأفعل كذلك. فقريبنا أحبائي كمسيحيين هو كل إنسان يحتاج إلى مساعدتنا. إذن لا يكفي أن نصوم. لا يكفي أن نصلّي بل علينا أيضاً أن نقوم بعضد الآخرين ومساعدتهم لكي ننال أجرنا من الرب يسوع. هذا ما تعلّمنا إياه الكنيسة المقدسة عندما عيّنت في هذا الأحد مثل السامري الصالح، لكي نقرن الصوم بالصلاة ونقرن الصوم أيضاً بعمل الإحسان وعمل الرحمة، لأن يوم الدين سنحاكم على هذه الأمور. ويقول لنا الرب: كنت جائعاً فأطعمتموني، كنت عطشاناً فكسوتموني، كنت غريباً فآويتموني، وكنت مسجوناً ومريضاً فزرتموني. ليمنحنا الرب الإله أيها الأحباء لنفهم أن كل إنسان يحتاج إلينا هو قريبنا، ونقرن الصوم والصلاة بعمل الإحسان لكي نكون في يوم الدين في عداد أولئك الذين سيرثون ملكوت اللّه، لأنهم خدموا الفقير والمحتاج والمعوز وبذلك خدموا المسيح بالذات.

ليتقبل الرب صومكم وصلواتكم وصدقاتكم ويؤهلكم لتحتفلوا بعيد الأعياد وتاج المواسم المقدس عيد قيامة الرب يسوع من بين الأموات بسرور وصحة وعافية ونعمته تشملكم دائماً وأبداً آمين.


القديس مار أفرام السرياني شاعر لأيامنا·

أيها السيدات والسادة:

إنه لمن دواعي السرور رؤية هذه الوجوه الكريمة وهذه الشخصيات الأدبية والعلمية التي اجتمعت اليوم لإحياء ذكرى الأديب السرياني الأشهر مار أفرام السرياني الذي يمثّل قِمة من القمم الأدبية والأخلاقية والإبداعية في سوريا القديمة، في نطاق الاحتفالات المتميّزة بإعلان حلب الشهباء عاصمة للثقافة الإسلامية هذا العام. والحدث الكبير هذا الذي يربط تاريخ سوريا وإنجازات حضارتها القديمة بسوريا الحديثة المتجددة، يقتضي منّا أن نشيد بجهود جميع الذين اقترحوا هذا الحدث الثقافي الهام والذين نقلوا الاقتراح إلى الواقع والذين ساهموا قولاً وعملاً في ربط الحاضر بالماضي. وأخص بالشكر السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد الذي يمثّل سوريا الحديثة وحضارتها وثقافتها وتاريخها المجيد في الماضي والحاضر، ويعمل مقتدياً بوالده العظيم الرئيس المرحوم حافظ الأسد على رفع شأن سوريا وترسيخ المكانة القيادية لدورها في محيطها وفي العالم، وفي ربط الحاضر بالماضي المجيد وبالمستقبل المنشود.

كما أشكر اللجنة الموقّرة المشرفة على احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية. وأشكر السيد محافظ حلب ومعاونيه والأجهزة الإدارية والثقافية على جهودهم لإنجاح هذه الاحتفالية الناجحة. وأشكر كل من اشترك في إقامة هذه الاحتفالية بالعمل والتأييد والحضور وأنوّه بالجهود المتميّزة التي يقوم بها مركز الدراسات والأبحاث الشرقية لتسليط الأضواء على تاريخنا المجيد وحاضرنا المزدهر ومستقبلنا الواعد.

وأجد في الدعوة إلى هذا المؤتمر المخصص لمار أفرام السرياني، في إطار احتفاء مدينة حلب الشهباء بإعلانها عاصمة للثقافة الإسلامية، تعبيراً حضارياً عظيم الشأن يشهد للأخوّة العربية ـ السريانية وللتعايش البنّاء بين الإسلام والمسيحية وللتواصل الخلاّق بين الحضارات التي ولدت في هذا البلد وامتدت منه إلى معظم بلدان العالم.

وأجد في استحضار مار أفرام وتراثه الغني في إطار سنة الثقافة الإسلامية المحتفل بها في حلب العاصمة الثانية للجمهورية العربية السورية، رمزاً لممارسة الحرية في سوريا وللتآخي القائم بين المسلمين والمسيحيين والتعايش السلمي الخلاّق بين مكوّنات المجتمع في سوريا حالياً وسابقاً برهاناً على أنّ الإخلاص للوطن يجمع المواطنين ويشدّ ويقوّي صفوفهم ويرصّها ويزيد التلاحم والتعاون بين المواطنين ويفتح لهم النوافذ على تاريخ هذا الوطن الذي لم تُلغِ الحضارات المتواصلة الظهور فيه ما سبقها من حضارات كانت حاضنات لكنوز العلم والمعرفة والإبداع والتقدم.

واللغة السريانية ـ الآرامية كانت لغة قوم استوطنوا بلاد ما بين النهرين العليا والسفلى، وارتقوا معارج الحضارة والمدنية في الأجيال السحيقة في القدم فنمت لغتهم وازدهرت وظلّت أجيالاً عديدة اللغة الرسمية للدول التي حكمت بلاد الشرق الأدنى.

لقد زالت دول كثيرة تداولت هذه اللغة وبقيت هي خالدة بتراثها الثمين رغم المحن التي حاقت بأهلها وعنتِ الدهر وتقلبات العصور. لقد كانت سوريا مهداً للحضارات وحاضنة للأديان السماوية الموحّدة التي انطلقت إلى مختلف بلدان العالم. وفيها ظهرت الأبجدية الأولى وتطورت العلوم والفنون وقامت الإمارات والممالك ومراكز الدراسات، ومنها انتشرت اللغة الآرامية ـ السريانية التي بها كتب عظيمنا مار أفرام ووصلت وامتدّ سلطانها إلى الهند والصين وآسيا الصغرى ومصر وشمال بلاد العرب.

جبال أفغانستان التي دكتها الطائرات الأميركية باسم مكافحة الإرهاب تحمل اسماً آرامياً سريانياً هو تورا بورا طورا بورا أي الجبل القاحل. كما إن اللغة الآرامية ـ السريانية هي اللغة التي كان الراهب بْحِيرَا يرفع فيها صلواته في ديره الموجود حتى اليوم في بصرى الشام. والراهب بْحِيرَا هو الذي عندما التقى الفتى محمد بن عبدالله في بصرى وهو في طريقه إلى الشام يوم كان يعمل بالتجارة، تنبّأ عنه وعن المستقبل العظيم الذي ينتظره.

واللغة السريانية ـ الآرامية التي كانت لغة ملوك الآشوريين والآراميين والبابليين ومنهم نبوخذنصّر، هي سابقةٌ على اللغة العبرية بدلالة ما جاء في التوراة، واليهود نحتوا لغتهم في السبي ليحفظوا تعاليم دينهم، والحرف الذي استخدموه لكتابة لغتهم المنحوتة هو الحرف الآرامي الغربي وهذه حقيقة قد لا يعرفها الكثيرون.

وإذا كان ما بقي من آثار مكتوبة للغتنا السريانية الآرامية التي استوعبت العلوم والفنون والفلسفة والفلك قليلاً جرّاء الحروب والغزوات والاحتلال، فإنه يقال أن ذلك يعود إلى أن اعتناق سكان البلاد للديانة المسيحية دفعهم إلى التخلّص ـ ويا للأسف والحزن ـ من كتبهم ومؤلفات علمائهم خشية أن تؤثّر على الديانة الجديدة، أو أن يقال إن المستعمرين أبادوا تراث آبائنا كما كانت العادة في تلك العصور أن يبيد المستعمر تراث البلاد التي يستعمرها بل حتى أن يفرض عبادة آلهته على من يستعمرهم.

والقرآن الكريم يحتوي على عدد كبير من الكلمات السريانية ـ الآرامية، فالعربية كالسريانية كانت منفتحة على اللغات الأخرى واغتنت بما كان عند اللغات التي سبقتها. والحضارة السريانية لم تكن بعيدة عن حلب، وعفرين القريبة من حلب شاهدة على ذلك، وتاريخها يتحدّث عن المركز العلمي الكبير الذي كان قائماً فيها مستقطباً علماء في كل فرع من فروع العلوم التي كانت معروفة في الزمن القديم. وفي عفرين هذه كانت هناك كنيسة ودير ضمّا الرهبان والعلماء. وبعض آثار المراكز العلمية ما تزال أحجارها مبعثرة حتى الآن في عفرين وحولها.

وإذا كنا اليوم نجتمع لنستعيد ذكرى الكاتب والشاعر واللاّهوتي والناسك السرياني ـ السوري العظيم مار أفرام، فهذا دليل على أن سوريا الحديثة المنفتحة على العالم والوارثة للحضارات السابقة التي سادت في منطقتنا تفخر بتاريخها وتقدّره وتحمل رسالته وتحيي ذكرى وتراث السابقين وتضعه في المكان اللائق به من تاريخ الحضارة التي كانت أساساً للحضارات والعلوم والفنون التي يعيش العالم في ظلها اليوم.

ومار أفرام السرياني ـ السوري ليس ملكاً لبلد بعينه أو لشعب بعينه أو لطائفة من الطوائف أو ملّة من الملل بالذات بل هو مُلك للإنسانية جمعاء. وهو علم من أعلام الأدب والشعر واللاّهوت والأخلاق والمثل العليا. لقد كان عظيماً من عظماء ذلك الزمان المزدهر، امتلك ناصية اللغة السريانية وكان عملاقها نثراً وشعراً، كما كان عملاقاً في كل عمل نذر نفسه له، فقد دعي بحق معلم المسكونة وهو مرشد الشبان ومعلّمهم بل هو المثال الصالح في كل عمل صالح. وكان تقدمياً في مواقفه وهو الذي أعطى المرأة الحق في مشاركة الرجل في الصلوات وأسّس أول جوقة نسائية للإنشاد الديني في تاريخ الكنيسة في العالم كله ونظّم لها الأناشيد الدينية. وهو أول من أسس دوراً جمع فيها ثلاثمائة سرير صارت ملجأً للعجزة والمرضى وكان يشرف بنفسه على الاعتناء بهم، وعلى أثر الجوع كان يدور على دور الأغنياء يجمع الصدقات لسدّ حاجة الفقراء، ولما انتشر وباء الطاعون في الرها انبرى مار أفرام في تطبيب المرضى ومواساتهم بعد أن عزل المرضى عن الأصحاء لئلا يصاب هؤلاء أيضاً. وهو قدوة لنا في محبة الوطن، فيوم حوصرت نصيبين من أعدائها كان إلى جانب معلّمه مار يعقوب أسقف نصيبين واقفاً على السور يشجّع الجنود للدفاع عن المدينة بشجاعة نادرة.

وكلنا أمل في أن المشاركين في هذا الحدث الثقافي الهام في حلب الشهباء، سيساهمون في تسليط الأنوار على هذا الشاعر والناثر واللاّهوتي والأديب الفذ العظيم وتاريخه وآثاره المنشورة في مكتبات مختلفة في العالم.

فمار أفرام الخالد الذكر كنز من كنوز الأدب والشعر وهو مُلْكٌ للإنسانية كلها. وشكراً لكم جميعاً على حسن إصغائكم.

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ زحلة·

نشكر اللّه الذي أهلنا أن نقوم بزيارتكم أيها الأحباء لنفرح معكم بترميم هذه الكنيسة المباركة التي شاء اللّه أن تكون مفخرة لنا في زحلة العزيزة، أكرّر الشكر الذي ذكره نيافة الأخ العزيز المطران الحبيب مار يوستينوس بولس سفر النائب البطريركي لأبرشية زحلة والبقاع، أكرّر الشكر الذي قدّمه لكم جميعاً فرداً فرداً وللقوى الدينية والسياسية والجمعيات والمؤسسات بارك اللّه الجميع. أُوجه الشكر خاصةً لنيافته على همته العالية وغيرته الوقادة وأنا ألمس التقدم الذي جرى في هذه الأبرشية النيابة البطريركية بفضل ثقتكم وتعاونكم معه في فترة قصيرة، حيث نرى المؤسسات نرى الإعمار نرى المطرانية الجميلة ونرى هذه الكنيسة الجميلة وقد لبست حلة جديدة وأصبحت مفخرة لنا في هذه المدينة المباركة زحلة مدينة العذراء مريم.

إنني أيّها الأحباء أكرر شكري الجزيل لإخوتي أصحاب النيافة الأحبار الأجّلاء الذين شاركوني إعادة تكريس وتقديس هذه الكنيسة في هذا الصباح المبارك، يسرّني عندما أذكرهم واحداً واحداً: نيافة أخي مار غريغوريوس صلبيا شمعون مطران الموصل وتوابعها، أخي وزميلي في التلمذة والرهبنة، أخي ايضاً في رعاية أبرشية الموصل التي نعتز بها فهي كرسي المفريانية العظيم، نيافة الأخ العزيز المطران مار ثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان وسكرتير المجمع المقدّس الذي لا يترك فرصة للفرح ومشاركة الفرح والسرور للشعب إلاّ وينتهزها، نيافة الأخ الحبر الجليل مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي الذي نفتخر بكلّ أعماله وأنا الضعيف والإخوة السادة المطارنة الأجلاّء، نشكر أخانا وحبيبنا النائب البطريركي في زحلة والبقاع المطران مار يوستينوس بولس سفر العزيز الذي نزور هذه الأبرشية لأوّل مرّة بعد جلوسه على كرسيها الرسولي.

أيّها الأحبّاء لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على الجبل، هل أنسى سلفي الطيب الذكر البطريرك العلاّمة مار إغناطيوس يعقوب الثالث، وأنا أرى آثار أتعابه الجمّة في سبيل هذه الأبرشية، أبرشية لبنان عامة، ثمّ هل أنسى وضع حجر الأساس في هذه الكنيسة وجهاده المستميت لزيارة هذا وذاك لجمع التبرعات لتشييد كنيسة جميلة كهذه فليعطه الرب راحة في السماء مع البطاركة العظام بطاركة أنطاكية. وليعطه الرب وهو مفخرة لنا ولتاريخنا أن يكون في عداد الرسل فهو الرسول الثالث عشر بين رسل الرب، ولنقتدي جميعاً به بمحبة الكنيسة والعمل في سبيل تقدّمها وازدهارها. لا أنسى ابداً كل الذين اهتموا وتبرعوا حتى بفلسيّ الأرملة في تشييد هذه الكنيسة، أوّلاً ثمّ الّذين اهتموا وتبرّعوا في تجديدها فأصبحت الآن بحلّتها الجديدة كالعروس التي تزف الى المسيح يسوع الختن السماوي، ليبارككم الرب جميعاً وكل الذين تعبوا وتبرّعوا مادياً واهتموا معنوياً وروحياً في سبيل إعادة مجد هذه الكاتدرائية العزيزة ليكافئكم الرب جميعاً.

أيّها الأحباء: إنّ الكنيسة هي بيت اللّه حتى في العهد القديم كما استمعتم إلى القراءة كيف أنّ الرب سمح أن يبني سليمان الهيكل فصلى سليمان وطلب من الرب أن يسمع الصلوات التي تقدّم إليه تعالى في ذلك الهيكل، ونحن إذ نكرر ذلك نسأل اللّه أن يسمع صلواتكم جميعاً التي ترددونها في هذه الكنيسة المقدسة وليقبل الرب نذوركم وتبرعاتكم وكل ما تسعون به لتمجيد اسمه القدوس في هذه الكنيسة وليحفظكم ويحفظ أولادكم وأحفادكم ولتكن هذه الكنيسة حتى في تقديسها الثاني وتكريسها سبب نعمة لكم جميعاً وليسمع الرب صلواتكم وطلباتكم التي تقدّم فيها ليباركنا الرب الإله أيها الأحباء البركات التي ينالها كل مؤمنِ. أجل إنّ الكنيسة هي بيت اللّه ونحن عندما ندعو الكنيسة باسم العذراء مريم، إنّما نطلب خاصة من العذراء مريم أن تكون شفيعة لنا لدى ابنها الحبيب ربنا يسوع المسيح.

فالعذراء مريم قد تنبّأت عن نفسها بعد أن استمعت إلى نسيبتها اليصابات قائلة: فمن أين لي هذا أن تأتي أمّ ربي إليّ فهوذا حين صار صوت سلامك في أذنيّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني، فطوبى للتي آمنت أن يتمّ ما قيل لها من قبل الرب. وعندما استمعت العذراء مريم أليصابات تلقبها وتدعوها أمّ الرب قالت مريم: تعظّم نفسي الرب وتبتهج روحي باللّه مخلصي لأنّه نظر إلى اتضّاع أمته فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني لأنّ القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته الى جيل الأجيال للذين يتّقونه.

أنشودة العذراء مريم فاقت كل الأناشيد في العهد القديم حتى مزامير داود النبي، العذراء مريم تتنبأ بأنّ الأجيال تعطيها الطوبى وها نحن نطوبها، فيوحنا الرسول الحبيب الذي استحق أن يودع المسيح يسوع وهو على الصليب أمه إليه قائلاً لأمه يا إمراة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا أمك. يوحنا مثلنا نحن جميعاً الذين نؤمن بالفداء بالمسيح يسوع الذي سفك دمه على الصليب لأجل خلاصنا الذي قام من بين الأموات وأقامنا معه بل وأجلسنا معه في السماويات، يوحنا مثلنا. المسيح أعطى أمه ليوحنا، هذه أمك، أعطاها لنا جميعاً نحن المؤمنين به، إذ صار المسيح يسوع لنا أخاً وصارت العذراء أماً لنا جميعاً. فالعذراء مريم أمنا أيها الأحباء وهذه نعمة عظيمة نلناها ونعطيها الطوبى لأنها تنبأت عن ذلك قائلة: «فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني» ها نحن نرى كبرى الكاتدرائيات العظمى في العالم شيّدت على اسم العذراء مريم ونرى المؤمنين بالرب يسوع يتشفعون بالعذراء مريم.

نعم، إننا نتقدم إلى الرب بالصلاة، لأن الرب قال لنا: إنه «عمانوئيل اللّه معنا» ولكننا نتقدم أيضاً إلى العذراء مريم «أم الرب» بل «والدة الإله ܝܠܕܬ ܐܠܗܐ» لتتشفع هي لدى ابنها، فهي المرأة التي فاقت كل البشر إذ أصبحت سماءً ثانية التي قدسها الروح القدس ثم حلّ فيها نار اللاهوت وجبل من دمائها جسداً كاملاً فهو إنسان كامل وهو إله كامل وباتحاد اللاهوت بالناسوت في أحشاء العذراء مريم حقّ لنا ولآباء الكنيسة عندما ولدت العذراء الإله المتجسد أن تدعى والدة اللّه. وحقّ لنا أن نتقدم إليها لنتشفع بها ونحن نعلم أنها قد نالت الطوبى كما قالت «فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني»، ففي كنيستها هذه وفي هذا اليوم بالذات في عيدها لبركة السنابل نتشفع بها. لقد أعطتنا المسيح يسوع الذي بذل دمه في سبيلنا وهو قد وهب سر جسده ودمه الأقدسين لتلاميذه قبل أن سمح لليهود أن يصلبوه ثم أعطانا هذا الجسد والدم تحت شكلي الخبز والخمر، ولذلك منذ بدء المسيحية، كما يعلمنا آباؤنا ويذكر ذلك القواقون بأبيات شعرية أنّ القديس اللاهوتي يوحنا الإنحيلي قد أعطى أهل أفسس الكتاب الذي دوّن فيه أن نعيد للعذراء مريم عيدها لبركة الزرع و عيدها لبركة السنابل و عيدها لبركة الكرمة وبذلك نكون قد هيّأنا المادة في سر القربان المقدس، الزرع والسنابل للحنطة للخبز، الخبز الذي أعطانا الله إيّاه، الخبز الذي مثّل الرب يسوع، والكرمة للدم بدم المسيح الذي بذل من أجلنا، وعلى مذابحنا يقدس المسيح يسوع الكاهن الأعظم الخبز والخمر، فكما أعطتنا العذراء مريم المسيح يسوع كذلك أعطتنا القربان المقدس، لذلك نعيد في كانون الثاني لبركة الزرع وفي أيار لبركة السنابل ثمّ للكرمة في آب الذي يصادف أيضاً عيد انتقال العذراء مريم الى السماء بالروح والجسد.

نحن نعيّد للسنابل ونسأل الرب الإله أن يبارك قوتنا جميعاً ويبارك خاصة الخبز والخمر ونحن نتناولهما بعد تقديسهما كأننا بالحق نتناول جسد المسيح ودمه. لقد أنعم علينا اللّه تعالى بوساطة آبائنا القديسين أن نحتفل بالقربان المقدس ونؤمن أن ذلك الخبز وتلك الخمرة بعد التقديس هما جسد الرب يسوع حقاً ودمه حقاً، وأن نتناول هذا الجسد لنستحق أن نتّحد بالمسيح، فنحن عندما نتناول طعامنا يتحول الطعام إلى أجسادنا ولكن عندما نتناول القربان المقدس نتحول نحن إلى القربان ونتحد بالمسيح ونستحق أن ننال نعمة السماء أيضاً لأن الرب قال لنا: «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه، من يأكل جسدي ويشرب دمي له الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير»، فإن نأكل جسد الرب ونشرب دمه نثبت فيه، ولذلك نعيد للعذراء مريم خاصة هذه الأعياد الثلاثة التي ذكرناها لأنّها تذكرنا بجسد المسيح ودمه الأقدسين.

ليبارككم الرب أحبائي وليبارك لكم هذه الكنيسة ويثبتكم على الإيمان القويم الرأي، هذا الايمان الذي تسلّمناه من آبائنا القديسين، وليعطكم أحبائي أن تكونوا مسيحين حقيقيين تكمّلون أسرار المسيح يسوع ربنا، تأكلون جسده وتشربون دمه، وتثبتون فيه وتربون أولادكم التربية الصالحة في بيت اللّه المدعو كنيسة العذراء.

نسأله تعالى أحبائي أن يجعل من هذه الكنيسة سبب بركة لجميعكم ولكل واحد منكم، كما إننا بمناسبة زيارتنا لكم لأول مرة بعد تنصيب نيافة أخينا الحبر الجليل المطران مار يوستينوس بولس سفر النائب البطريركي لأبرشية زحلة والبقاع، نبارك لكم بهذا المطران الجليل ونبارك له بكم أيها الشعب المبارك، ونتمنى أن تتقدم هذه الأبرشية روحياً واجتماعياً ومادياً على عهده وبهمته العالية وغيرته الوقادة ونعمة الرب تشملكم دائماً وأبداً أمين.

في فندق قادري الكبير ـ زحلة·

أيّها الإخوة الأحبة، أيّها السيدات والسادة:

أرحب بكم وأشكركم على حضوركم وعلى مشاركتكم لنا الاحتفال بمناسبة إعادة تكريس كنيستنا بعد أعمال التجديد التي تمّت فيها، وأجد أنّ من واجبي أن أحيّي أبناء زحلة وقيادتها الروحية والسياسية الذين أشعرونا بالمحبة والتآخي والتضامن. وما حضوركم اليوم وبهذه المناسبة إلاّ التكريس الحقيقي للوحدة التي تجمع أبناء زحلة في السرّاء والضرّاء. وأبناء كنيستنا في زحلة هم جزء فعّال ومخلص من النسيج الاجتماعي لهذه المدينة اللبنانية المشهورة بوطنيتها وشجاعة أبنائها وأخلاقهم العالية وعنفوانهم، وسيظلون إلى جانب مواطنيهم يعملون من أجل مدينتهم الغالية ووطنهم لبنان الحبيب.

وعلاقة السريان بلبنان قديمة وبعيدة في التاريخ، وأسماء عدد كبير من القرى والمدن والمواقع الجغرافية في لبنان تحمل أسماء آرامية ـ سريانية. وبطريركية بكركي المارونية الجليلة تحمل لافتة تقول: بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الموارنة. والأخ الجليل المطران جورج خضر كتب في صحيفة النهار يقول في واحدة من مقالاته المشهورة إنّ كنيسة الروم الأرثوذكس كانت إلى ما قبل مئة عام تقرأ الانجيل باللغة السريانية.

وأن نكون سرياناً ونفخر بماضينا وتاريخنا، فذلك لا يعني أبداً الابتعاد عن إخوتنا العرب والمسلمين. والتاريخ يشهد على أن عدداً غير قليل من القبائل العربية كان قبل الاسلام يعتنق المسيحية ويتبع الكنيسة السريانية. ومن أهمّ هذه القبائل التغالبة والمناذرة والغساسنة وبنو بكر الذين تموضعوا في الجزيرة العليا وجعلوا من اسم آمد الاسم الآراميّ لمركز تموضعهم اسم «ديار بكر» الموجودة في تركيا حالياً.

فنحن فخورون بتاريخنا الذي لفّ مناطق واسعة في سوريا بحدودها الطبيعية التاريخية وخارجها. وأبناؤنا في لبنان فخورون بلبنان والتنوّع الدينيّ والاثني الموجود فيه وهم مع لبنان المستقل والسيد ومع رسالة لبنان الإنسانية والثقافية والعلمية. وأن يكون لبنان متميزاً في تكوينه العلميّ والثقافيّ والديمقراطيّ لا يعني أبداً انفصاله عن التاريخ والجغرافيا. وأداء رسالة لبنان المتميّزة لا تعني معاداة التاريخ والجغرافيا ولا تبرر الانفصال القسريّ عن روابط لبنان بمحيطه، وخاصة سوريا. فما بين لبنان وسوريا صنعه التاريخ الجغرافيّ، وما بين المواطنين في لبنان وسوريا ـ على الخصوص ـ لا مثيل له بين الدول الأخرى، والتمازج العائليّ والدينيّ يجعل افتعال عداء بين البلدين مهمة مستحيلة، وتحقيقه مخالف للطبيعة والجغرافيا والتاريخ والمصالح الآنية واللاحقة لشعبي البلدين. وقد سقطت محاولة الفصل بينهما عندما أعلنت القطيعة في سوريا وستسقط كذلك أية محاولة لبنانية مماثلة. إن لبنان وسوريا بلدان شقيقان وسيظّلان كذلك في ظلّ الاحترام المتبادل والاعتراف المتبادل ومراعاة المصالح الخاصة لكلّ منهما. وما أوجده اللّه ورسّخه الناس على امتداد التاريخ سيصمد أمام الأوضاع الطارئة والأخطاء المتعمّدة وغير المتعمّدة. الطارئ وغير الطبيعي سيزول حتماً، وما أوجده اللّه ورسّخته الجغرافيا والتاريخ سيظل قائماً إلى الأبد.

إن محبتنا للبنان ولسوريا أيضاً هي التي أملت علينا الإطالة في كلمة الترحيب. وأشكركم من صميم القلب على حضوركم ومشاركتكم لنا في احتفالنا وعلى محبتكم لنا ورعايتكم لأبنائنا المقيمين في زحلة الغالية وفي جميع أنحاء لبنان، ونكرر الشكر على حسن إصغائكم ونعمة اللّه معكم أمين.

الزيارة الرسولية إلى استنبول ·

أشكر اللّه الذي أوصلني بالسلامة ومعي صاحبا النيافة الحبران الجليلان مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات والمطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي والابن الروحي الفاضل الربان متياس نايش مدير كلية مار أفرام بمعرة صيدنايا وكذلك رئيسة راهبات دير مار يعقوب البرادعي وإحدى الراهبات والشماس سفر أحد طلاب الإكليريكية. ونشكر جمهورية تركيا على ما لمسناه من استقبال حافل الذي يدل على مكانتكم أنتم كسريان في هذه الجمهورية العزيزة تركيا، أما الشكر الجزيل فهو لنيافة المطران مار فيلكسينوس يوسف جتين النائب البطريركي في استنبول الذي نعرفه جيداً كما ذكر في خطابه عن وجوده معنا مدة سنتين حيث رأينا فيه الأخلاق الجيدة والاجتهاد وتحصيل العلم الروحاني، وبناء على طلب هيئة الكنيسة التي معظمها لا تزال تخدم الكنيسة ههنا وطلب الشعب المبارك رسمناه مطراناً ونِعْم ما فعلنا بقوة الرب. ونحن دائماً نفتخر بأعماله ونجاح هذه الأعمال تظهر أولاً بإيمانه بالرب، وثانياً بتعاونه مع هيئة الكنيسة والشعب المبارك، واستطاع بمدة قصيرة أن تكون له مكانته في الحكومة ومكانته في الكنائس، ومكانته بين الشعب المبارك السرياني في كل مكان، وكلما نلتقي بالسفراء الأتراك في سوريا وفي كل مكان يمدحون المطران مار فيلكسينوس يوسف جتين، فأهنئكم على ذلك.

أنا مسرور جداً أن على عهده قامت هيئة الكنيسة المباركة من العلمانيين الممتازين جداً جداً كل واحد باسمه الكريم، قاموا بإصلاحات في المطرانية وفي الكنيسة وفي الأوقاف وفي الإنجازات التي عملوها في كل مكان لرقي النيابة البطريركية في استنبول.

وكما ذكر بأن الشعب كان مشتاقاً أن يرى البطريرك، أنا مشتاق جداً أن أرى هذا الشعب المبارك، وأشكر هذا الشعب المبارك وأشكر أيضاً الأحبار الأجلاء الذين تركوا أبرشياتهم وجاؤوا يشاركوننا الفرحة في هذا اللقاء. وأنا أرى بينكم من المؤمنين السريان الغيارى العديد ممّن جاء من أميركا وأوربا وأماكن عديدة كهنة وعلمانيين، ونسأل اللّه دائماً أن تكون لقاءاتكم في استنبول وفي كل مكان مليئة بالمسرات وفرح بالروح القدس. والسادة المطارنة الذين تركوا أبرشياتهم نحن نعتز بهم كل الاعتزاز ونشكر أيضاً تجشمهم عناء السفر وتركهم مهامهم في أبرشياتهم في سبيل مشاركتنا جميعاً هذه الفرحة في لقائكم. ونسأل الرب الإله أن يجعل هذه الزيارة سبب بركة لجميعكم.

افتتاح دار المطرانية الجديد ـ استنبول·

أصحاب الغبطة والنيافة والسيادة الأحبار الأجلاء،

إخوتي أحبار الكنيسة السريانية الأعزاء،

نشكر اللّه شكراً جزيلاً على كل ما يسبغ علينا من نِعم، نشكره لأنه أهلّنا وبعض الأحبار الأجلاء أعضاء مجمعنا المقدس أن نقوم بزيارة رسولية لهذه الأبرشية النيابة البطريركية تلبية لدعوة نيافة أخينا النائب البطريركي مار فيلكسينوس يوسف جتين والهيئة المباركة التي تمثّل هذا الشعب المبارك. جئنا لنشارككم بشكر اللّه تعالى الذي أهّلكم لتشييد وتجديد دار المطرانية هذا الحدث التاريخي العظيم. بإيمانكم وسخائكم وأتعابكم وتعاون مطرانكم مع الهيئة وسائر الشعب، صارت المطرانية لابسة حلّة جميلة جداً بهندسة ممتازة ونظافة وترتيب تدلّ على ذوق وحضارة، ونحن لكي نبدي مشاركتنا لكم على سعيكم وجهادكم وأتعابكم أقول لكم: إنكم بتعاونكم مع مطرانكم كهيئة وشعب دائماً تكون ثماركم طيبة ويانعة وحلوة.

لقد ورثنا من آبائنا أيها الأحباء أن يتعاون الشعب والإكليروس معاً في تمجيد اسم اللّه القدوس بكل عمل صالح يؤول إلى الكنيسة بالخير والنجاح. وتقديراً منا لما يقوم به العلمانيون من عمل جبار في خدمة الكنيسة في هذه الأبرشية النيابة البطريركية باستنبول، قررنا أن نكرّم رئيس الهيئة ونائب رئيس الهيئة السيد يعقوب طحينجي أوغلو والسيد كنعان ألطين إيشق، كل واحد منهما نقلّده وسام مار إغناطيوس النوراني برتبة كومندور. نشكرهم في هذه الكنيسة المباركة على كل أتعابهم في سبيل خدمة هذه الكنيسة وتقدمّها وازدهارها، ليكون هذا الوسام سبب بركة لهما ولعائلتيهما ولأولادهما ولأحفادهما إلى الأبد.

وبهذه المناسبة أيضاً أيها الأحباء سنفتتح دار المطرانية الجديدة ونبارك لكم ولمطرانكم في هذه الدار لتكون سبب نعمة وبركة للجميع. وباسمي وباسم أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء نبارك لهذا الشعب المبارك بهذه المطرانية الجديدة، ونسأل اللّه أن يجعل محبة الإكليروس للشعب والشعب للإكليروس علامة نصر وازدهار وتقدّم في هذه الأبرشية. وبهذه المناسبة الطيبة أيها الأحباء، ونحن نفرح بما لنا من حرية في بناء وتشييد الكنائس والمطرانيات وعمل الخير والحرية التي لنا في هذه الجمهورية العزيزة الجمهورية التركية، نحيي رؤساءها وكل من يعمل في سبيل تقدمها وازدهارها ونصرتها، ونسأله تعالى أن تكون زيارتنا لكم سبب بركة لكم ولأولادكم ولأحفادكم وكل من يمت بصلة للكنيسة ويعمل من أجلها، ونعمة اللّه تشملكم دائماً أبداً آمين.

سريانيات… أصالة لحن في شعر مغنى·

أيها الحفل الكريم: أحييكم جميعاً وأشكركم على حضور هذه الأمسية التي تمثّل حالة التعايش الأخوي الموجود في سوريا بعيداً عن التعصب والعصبية، والذي يشكل تعبيراً بعيد التأثير والأثر عن الأخوّة الحقيقية بين السوريين من كل دين وطائفة، وعن الوحدة الوطنية الحقيقية التي جعلت من سوريا مثالاً يحتذى لجميع البلدان والمجموعات الإنسانية المتمدّنة والمتحضّرة في جميع قارات الأرض.

ونحن السريان فخورون جداً بسوريا وطننا الأم، وقلوبنا تخفق لها حباً وإخلاصاً أينما كنا موزعين في قارات الأرض… من أميركا إلى أوربا وإلى الهند حيث يعيش ملايين المواطنين الهنود المرتبطين بسوريا عبر كنيستنا وغيرها من الكنائس التي تتلو الإنجيل المقدس في كنائسها باللغة السريانية، وتصدح في هياكلها الألحان والأناشيد السريانية التي توارثوها جيلاً بعد جيل، والمستمرة حتى يومنا وفي المستقبل أيضاً. ولا يوجد قوة في هذه الدنيا تستطيع فصل السريان عن سوريا وقطع حبل الرحم بين السريان وسوريا التي أخذت اسمهم وورثت تاريخهم وثقافتهم وإنجازاتهم العلمية والثقافية ورسالتهم الإنسانية التي وصلت حتى الصين وأفغانستان وغيرهما من البلدان.

والكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم تعتز بالرعاية الخاصة التي حباها بها قائد سوريا العظيم الراحل الرئيس حافظ الأسد، ولا يمكن لأحبار كنيستنا أن ينسوا أن هذا القائد العظيم كان يعرف تاريخ السريان وما قدّموه لهذا البلد ذي التاريخ المجيد وللدولة الإسلامية منذ أيامها الأولى. ونحن نشعر دوماً بالعرفان لهذا القائد السوري الخالد الذكر والأعمال لأنه ضرب مثالاً لا سابق له في تاريخ سوريا حين استقبل المجمع المقدس للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم.

ونحن على ثقة بأن الرئيس الدكتور بشار الأسد الذي يقود سوريا في الظروف الصعبة والمعقدة الحالية، يسير على خطى والده العظيم في رعاية الوحدة الوطنية السورية، التي هي السلاح الأمضى في يد سوريا ضدّ أعدائها. وجودنا في هذه الأمسية الرائعة في قصر الأمويين للمؤتمرات شاهد على أن هذا الرئيس الشاب الذي يتطلّع دوماً إلى الأمام يحافظ على تراث والده العظيم ويخطو به إلى الأمام في ظلِّ الظروف الإقليمية والعالمية الجديدة، وسلاح هذا القائد الشاب هو وحدة الشعب والتطلّع دوماً إلى الأمام دون خوف أو وجل. وفي أمسيتنا اليوم نستمع إلى الألحان والأناشيد الآتية إلينا من تاريخنا القديم في خدمة الحضارة والثقافة والعلوم.

والموسيقى هي تعبير عن المشاعر الإنسانية النبيلة ورقي المجتمعات وتطورها، وكانت كنيستنا قد حافظت عليها ونقلتها إلى مختلف أنحاء العالم وقاومت بها التأثيرات السلبية لاستخدام أعداء الله والوطن للموسيقى لنشر أباطيلهم وإبعاد البشر عن خالقهم. وكنيستنا السريانية الأرثوذكسية وبقيّة الكنائس المسيحية التي تقيم وزناً للغة السيد المسيح، وهي كثيرة، في شرقنا العربي والعالم، قد ساعدت ومنذ القرون القديمة في تطوير الموسيقى في شرقنا العربي وفي العالم وهي والكنيسة اليونانية قد وضعتا وحافظتا على الألحان الثمانية التي كانت الأساس للتطورات اللاحقة في عالم الموسيقى وفي الكنائس الأرثوذكسية.

أشكركم ثانية على حضوركم الكريم وأتمنى لكم أمسية سعيدة، وإن أنسى لا أنسى الجهود الجبارة التي بذلها كل من ساهم وتعب في سبيل إنجاح هذا العمل التراثي الهام، باركهم الله ووفقهم متمنين لهم دوام التوفيق والنجاح، والنعمة معكم.

من عظات عام 2007

من عظات عام 2007

زيارة قداسته لقرية فيروزة·

أصحاب النيافة والسيادة الأحبار الأجلاء،

الآباء الكهنة الأحباء،

أيها الحضور الكرام:

يسرني جداً أن أرعى هذا الاحتفال وأَفتتحه باسم الرب وأشكره تعالى الذي قوَّاني وأهلني في شيخوختي أن أَحضر معكم وأفرح معكم في هذا الاحتفال.

إنَّ المناسبة عزيزة جداً على قلوبنا مناسبة مرور خمسين سنة على رحيل سلفنا الأسبق البطريرك العظيم العلامة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم، ونحن دائماً عندما نذكر حوادث التاريخ الكنسي نذكر خاصةً السلك الإكليريكي، ولكننا لا ننسى أبداً بأننا نحن جميعاً من الشعب وإلى الشعب ولخدمة الشعب المبارك. وهذه الاحتفالات تُوِّجت وبدأت بتكريم العلماني الإنسان المؤمن السيد كنعان مصيص الذي عرفناه جيداً هو وأفراد عائلته بإيمانهم المتين الثخين بمحبتهم للكنيسة والمؤمنين الذين يمثلون الكنيسة، ومحبتهم للوطن العزيز، فهو إنسان مغترب ولكنَّه وإن كان في الغربة حَمَلَ في قلبه وعقله حب الوطن وكل ما يمتُّ إلى الوطن من أمور روحية ومدنية، لذلك نفتخر بشاب مثقف شاب غيور سخي كريم مثل العزيز كنعان، ولابدَّ أن نقول كما يُقال أيضاً أنَّه وراء كل إنسان عظيم امرأة فنذكر زوجته الفاضلة أيضاً التي بتشجيعها استطاع كنعان أن يخدم الكنيسة في الوطن والمهجر بغيرة وإيمان متين، بوركت همته وهمة زوجته وحفظه اللـه وجميع أفراد عائلته. وإننا للذكرى وعربوناً لمحبتنا الأبوية هيأنا له هدية للبركة هي صورة للسيدة العذراء مريم.

إنني أيها الأحبار على الرغم من الوعكة الصحية المفاجئة التي أصابتني عزمت بقوة اللـه أن أحتفل معكم هذه الاحتفالات المباركة وأن افتتحها في بلدة فيروزة العزيزة، أما العلم والعلماء وأما الكرماء والأسخياء الذين يسخون كما ذكر عزيزنا الروحي الأب حنا مسعودي أنهم منذ سنين عديدة والمغتربون في فيروزة كانوا وما زالوا يهتمون ببلدتهم ورفع شأن سورية واسم سورية في الوطن والمهجر فإننا نهنئهم ونباركهم ونتمنى للجميع أن يقتدوا بهم، فكنعان قدوة صالحة لكل مغترب وضع الوطن في قلبه وفكره ولن ينساه أبداً. كما أن الوطن لا ينسى هؤلاء الناس الذين يحبونه ويعتزون به. ونسأل الرب الإله أن يرفع مجد هذه الكنيسة، كنيسة سورية، ومجد سورية ورئيسها الدكتور بشار الأسد الذي احتفلنا بتجديد الولاية التي أخذها بجدارة واستحقاق ونحن بايعناه كسريان ليس في سوية فقط بل في كل أنحاء العالم ونبايعه ونعتز ونفتخر به، ونتمنى له دوام الصحة والعافية والنصر.

أشكر خاصةً نيافة أخينا الحبر الجليل المطران مار سلوانس بطرس النعمة الذي أجاد جداً بالاحتفال بذكرى الخمسين سنة لرحيل العلامة أبي الإصلاح في الكنيسة السريانية مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم متمنِّين لهذه الكنيسة ولأم الزنار وسائر كنائسنا في حمص وقراها وحماة الاستمرار بالنمو الروحي بمخافة اللـه والتمسك بالشريعة وكل ما تسلمناه من آبائنا من عقائد دينية وتقاليد مدنية وثقافية واجتماعية، ونهنئكم جميعاً بهذه الذكرى والرب يحفظكم جميعاً. 

 


الاحتفال بالذكرى الخمسين لرقاد البطريرك أفرام برصوم·

صاحبي النيافة الحبرين الجليلين،

الآباء الكهنة الأحباء، المؤسسات الإدارية والمالية والثقافية في أبرشية حمص وحماة وتوابعهما العامرة.

أيها الحفل الكريم:

أشكر اللـه تعالى الذي أهلني لأقوم بزيارة هذه الأبرشية العامرة حمص وحماة، سائلاً السيد المسيح أن يبارك مطرانها نيافة أخينا الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة، الذي نثني على جهوده الثناء العطر، فهمّته عالية، وغيرته وقادة، وأفكاره الروحية بناءة، وها هو خلال فترة قصيرة عمل على ازدهار الأبرشية، وبرهان ذلك هذه الكنيسة التي ألبسها حلة قشيبة، جعل منها حقاً أثراً تاريخياً ومركزاً روحياً يُفتخر به.

يسرني أن أذكر بفخرٍ واعتزاز، بل أيضاً بدعاء إلى الرب، رئيس بلادنا سيادة الدكتور المبجل بشار الأسد مهنئاً إياه بالولاية الجديدة داعياً أن يكون رئيساً وقائداً ناجحاً كما هو، ومنتصراً على أعداء الأمة، ومدافعاً عن حياضها ليكون قائدنا إلى الأبد، داعياً لسوريا بدوام الأمن والاستقرار والرقي حاثَّاً كل من يمتُّ إلينا بصلة أن يكون مثلنا متمسكاً بالمبادئ السامية بوطننا العزيز سوريا.

أيها الأحباء: أشكر اللـه الذي أهلني في شرخ شبابي وربيع عمري وأنا شماسٌ إنجيلي وراهبٌ أن أخدم أولاً كسكرتير لسلفي الأسبق الذي أدعوه أبا الإصلاح مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم. وأثني جزيل الثناء على جهود نيافة أخينا المطران مار سلوانس بطرس النعمة على المبادرة الطيبة التي كان سبَّاقاً إليها وهي إحياء ذكرى هذا العلامة الفضيل الكبير المنتقل إلى الخدور العلوية قبل خمسين عاماً. إنَّ هذا الأمر يدلُّ على تكريم نيافته وشعبنا المبارك في هذه الأبرشية لعامل اهتمَّ في خدمة الكنيسة منذ نعومة أظفاره، فقد خدمها مطراناً شابَّاً، وقبل ذلك راهباً نائباً بطريركياً خدمها بإخلاص ومحبة، وعرف شعبها الشعب الحمصي وقرى حمص جميعاً الذين اتَّصفوا بالإيمان القويم والفضائل السامية، وعُرفوا بتمسكهم بالقيم النبيلة لذلك يستحق قداسة المثلث الرحمة البطريرك أفرام الأول الذي ربَّى هذه الأبرشية وعاش معها ومع أبنائها وأحبَّها وهو كاهنٌ وأحَّبها وهو مطران وأحبَّها وهو بطريرك. ونقل الكرسي مؤقتاً إليها وجعل منها رئاسة للكنيسة يتطلّع كل مؤمن إليها بافتخار واعتزاز. وهذه حمص وهذه كنيسة السيدة العذراء أم الزنار ضمَّت ضريحه الطاهر ونالت بركة عظيمة. فلم تكتفِ بأن تضمَّ زنار السيدة العذراء مريم بل ضريح هذا العلامة الفذ. ما أعظم بطاركة أنطاكية السريان بدءاً من مار إغناطيوس النوراني بل حتى الرسول بطرس ومروراً بالمجاهدين الرسولين مار سويريوس الأنطاكي ومار ميخائيل الكبير وأخيراً لنذكر مار إغناطيوس بطرس الرابع الذي كان مطراناً لحمص باسم يوليوس بطرس وهو من البطاركة العظام، وطبعاً لا ننسى إن ننسى البطريرك يعقوب الثالث وجميع البطاركة العظام الذين خدموا هذا الكرسي الأنطاكي والذين يُعدُّون مفخرة لنا وللأجيال كافة.

إنني سعيدٌ جداً لأنني عشتُ تحت كنف البطريرك الراحل أفرام الأول مدة سنتين شعرتُ فيها بهذا الرجل العظيم بأنَّه مرسلٌ من اللـه لأجل هذه الكنيسة المقدسة السريانية الأرثوذكسية، وإنني أشعر بأن نعمةً عظيمة من الرب وأنا في شيخوختي أن أشترك معكم في تكريم هذا البطريرك الفذ والعلامة الكبير الذي سجل في تاريخ الكنيسة ازدهار الكنيسة بل أيضاً أعطى لآباء الكنيسة ما يستحقونه من تكريم، وكَشَفَ النقاب عن علومهم الزاهرة الوافرة وعن تقواهم وهم مليئون بالقداسة والبر والتقوى، وبرعاية هذا الشعب المبارك رعاية صالحة وهم الآن شفعاء عنَّا في السماء فعندما نكرم البطريرك أفرام إنَّما نكرِّم جميع البطاركة الشرعيين والرعاة الحقيقيين الذين خدموا هذا الشعب المبارك بأمانة تامة واستحقوا أن يقولوا مع الرسول بولس كلُّ واحد منهم قال: «وقد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البِّر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً» (2تيم4: 7ـ 8).

فنِعمَّاً ما فعل نيافة أخينا المطران مار سلوانس بطرس النعمة ومَن معه من الكهنة والشمامسة وأعضاء المجالس الملية والجمعيات الخيرية والثقافية في كلِّ الأبرشية لتكريم البطريرك أفرام.

نسأل الرب الإله أيها الأحباء أن يكافئكم جميعاً عن كلِّ عمل صالحٍ قمتم وتقومون به ونحن نكرم رؤساء الكنيسة الذين أحبُّوكم لأنَّكم شعبٌ فاضلٌ شعبٌ يحبُّ اللـه ويحب القريب. ليُعطِكم الرب في يوم الدين المكافأة التامة للعاملين الصالحين ونعمته تشملكم دائماً وأبداً آمين.

 

 

تقديس كنيسة مار يعقوب البرادعي ـ جرمانا·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء:

الكهنة الأعزاء، تلامذة الكلية الإكليريكية،

تلامذة الدورات اللاهوتية، الراهبات العفيفات لدير مار يعقوب البرادعي، وراهبات القديسة الشهيدة دميانة:

أيها المؤمنون:

نهنئكم جميعاً إذ نلتم نعمةً من الرب، وبركة عظيمة في مشاركتكم إيانا الفرحة بتكريس وتقديس وتخصيص هذه الدار لتكون بيتاً لله، كنيسة مقدسة جزءاً من كنائسنا الرسولية المقدسة في أنحاء العالم.

أثناء التقديس تُلي على مسامعكم أيها الأحباء، الإنجيل المقدس بحسب الرسول متى الإصحاح السادس عشر، الذي فيه استمعنا إلى الرب يسوع يقول لسمعان بطرس: «طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبي الذي في السموات، وأنا أقول لك أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها»، وليس هذا فقط بل قال الرب يسوع لبطرس: «وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات»(مت16: 17ـ 19).

كان للمرة الأولى أيها الأحباء، أن الرب يسوع يلفظ كلمة «كنيسة»، وعنى بها جماعة المؤمنين به إيماناً قويماً. هذه الكنيسة التي بعدئذٍ أطلقت على البناء الذي يجتمع فيه المؤمنون للصلاة وتقديم الشكر لله وللعبادة وقراءة الكتاب المقدس، فالكنيسة إذاً التي هي كنيسة الله، هي بيت اللـه وهي خيمة الاجتماع التي وُجدت في الماضي حيث كان اللـه يجتمع بالمؤمنين. الكنيسة إذاً في هذه الأيام تعددت أبنيتها في أماكن عديدة بالعالم ولكنها هي كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، وهذه الكنيسة يُطلق عليها أحياناً عديدة اسم السيدة العذراء مريم أو أحد القديسين، لا يعني ذلك أنها كنيسة العذراء أو كنيسة القديسين، إنما هي كنيسة اللـه بالذات، هي بيت الله، حيث يجتمع اللـه بالمؤمنين. والمؤمنون بشخص الكنيسة الرئيسة والراعية تطلق على هذه الأماكن التي هي كنيسة المسيح اسم السيدة العذراء مريم أو أحد القديسين لتتشفع الكنيسة بأولئك القديسين والشهداء وخاصةً العذراء مريم.

هذا البيت الذي كرس اليوم وأصبح بيتاً لله، كنيسة لله، المكان الذي يسكنه اللـه بروحه القدوس، ووقت الصلاة يجتمع فيه كل من آمن بالرب يسوع وانتقل حتى إلى الخدور العلوية هذه الأرواح المقدسة تجتمع معنا عندما نصلي إلى اللـه شاكرين إياه على النعم التي يسبغها علينا في كل حين، شاكرين إياه أيضاً على كل ما ينعم علينا في هذه الحياة.

بنعمة اللـه أحبائي كرسنا هذا البيت وأصبح كنيسة، وأطلقنا عليها كنيسة مار يعقوب البرادعي المجاهد الرسولي العظيم. قبل أن نقدم الشكر لله نشعر بأن النعم التي تسبغ علينا بين حين وآخر نتجاهلها أحياناً عديدة، من كان يتصوَّر أن يوماً ما نقيم في هذا المكان كنيسة نتشفع فيها بالمجاهد الرسولي العظيم القديس مار يعقوب البرادعي، الذي إليه يعود الفضل بثباتنا على إيماننا الرسولي وعلى سريانيتنا وعلى أرثوذكسيتنا، يعقوب البرادعي له الفضل في تثبيتنا على الإيمان، جاهد الجهاد الحسن، حفظ الإيمان، أكمل السعي، ظهر في القرن السادس نوراً لهذه الكنيسة المقدسة، فأرشدها لتحافظ على سريانيتها، ولتحافظ على أرثوذكسيتها وبجهاد مرير استطاع أن يُثبِّت الإيمان في كنيستنا السريانية والكنائس الشقيقة التي هي واحدة معها في الإيمان: القبطية، الحبشية، الكنيسة السريانية في الهند، والكنيسة الأرمنية. إذاً فهو قديسٌ لهذه الكنائس كافةً، شُيدت هذه الكنيسة ولنقُل وجدت بهمة المؤمنين وبمساهمتهم. كانت داراً لأحد المؤمنين اشتريناها بعشرة ملايين ليرة سورية، ثم حاولنا تحويلها كنيسةً فأنفقَ أيضاً في سبيل ذلك أكثر من عشرة ملايين ليرة سورية، وكان وراء ذلك جندي مجهول معروف لدى الله، ولابدَّ أن نرفع الغطاء عن السراج ليظهر هذا النور أمام الناس، كان وراء ذلك نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس اسحق ساكا الذي بهمَّته وغيرته ومحبته للكنيسة تعاونَ مع المحسن الكبير الذي أقامه اللـه في هذا العهد لتجديد الأديرة والكنائس في أماكن عديدة في العالم المحسن الكبير رابي سركيس أغاجان، فوراء شراء الدار التي حولناها كنيسة، ووراء تحويلها كنيسة، كان نيافة أخينا المطران مار سويريوس اسحق ساكا النائب البطريركي لشؤون الثقافة السريانية في العالم، ومعه المحسن الكبير حفظه اللـه وباركه رابي سركيس أغاجان.

أحبائي المكافأة التي ينالها هؤلاء الناس بصمتهم، بسعيهم أن يخدموا الله، كجنود مجهولين لا يريدون أن يُعلن حتى اسمهم، ولكننا عرفاناً بالجميل زَبرنا على هذه اللوحة الرخامية اسم سيدنا المطران اسحق ساكا والمحسن الكبير رابي سركيس أغاجان.

ولابدّ أن نذكر نيافة أخي المطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي الذي سعى واجتهد واهتم بحسب ذوقه الرفيع فأشرف على تحويل دار عادية إلى كنيسة مقدسة جميلة جداً كما ترونها. ولابدّ أن أذكر المؤمن ماهر كورية، والمؤمن المهندس لؤي السمّور، وأذكر خاصةً بفخر واعتزاز أمهاتنا راهبات القديسة الشهيدة دميانة اللواتي اهتممن جداً بالتعاون معنا في رسم كل الأيقونات المقدسة للرب يسوع المسيح وللعذراء مريم لمار يعقوب البرادعي إن كان في هذه الكنيسة أو في بقية كنائسنا بتقوى ومخافة اللـه وكانت الأيقونات تاريخية ممتازة فيها روح التقوى، فيها روح التديّن، فيها روح التشفع والشفاعة بالقديسين، أذكر أمنا أغابي الموجودة بيننا وكذلك أمنا تريفوسا. ولابدّ في عيد مار يعقوب البرادعي أن أهنئ كل من اسمه يعقوب، وأهنئ أيضاً راهباتنا التقيات الفاضلات برئاسة الأم الراهبة حنينة هابيل بعيد شفيعهنّ مار يعقوب البرادعي.

ونحن نعيش فرحةً روحية في وطننا العزيز سوريا إذ ننسى لا ننسى أن اللـه قد انعم على هذه البلاد برئيسٍ مبجل، هو نعمةٌ من السماء الرئيس الدكتور بشار حافظ الأسد لكي يقود دفّة سفينة هذه البلاد العزيزة بأمنٍ وسلام ومحبّة لينعم الناس بالسلام بالأمان ويشكروا اللـه على ذلك وليصلوا دائماً إلى اللـه من أجل الرئيس المبجل بشار حافظ الأسد.

أشكر مشاركتكم إيانا نيل البركة من الرب يسوع وبشفاعة القديس مار يعقوب البرادعي في هذا اليوم الفضيل بتكريس هذه الكنيسة، وأسأل اللـه أن يقبَل دعاء وصلاة كل من يطلب من الرب صلاةً في هذه الكنيسة المقدسة، ونتمنى أن الذين دورهم قريبة من هذه الكنيسة أن يواظبوا على الصلاة أيام الآحاد والأعياد، لأننا بدءاً من الأحد القادم سيقام القداس الإلهي في هذه الكنيسة والكاهن الذي يقدّس ويحتفل إن كان برتبةٍ حبر جليل أو كاهن فاضل سيكون مسروراً جداً عندما يرى المؤمنين بإيمان متين ثخين يحتفلون بالقداس الإلهي في هذه الكنيسة، تقبل اللـه صلواتكم جميعاً أحبائي، ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

عيد الميلاد المجيد·

أيها السامعون الكرام:

وفي هذا العيد المجيد، نتوجّه بالتهاني والتبريك إلى أبنائنا الروحيين في جميع أنحاء العالم، ونخصّ بالذكر أبناءنا الروحيين في سورية الحبيبة ـ سورية الكبيرة ـ في حدودها الطبيعية والتاريخية، وندعوهم إلى التشبث بأرضهم ووجودهم ودورهم الوطني والحضاري، ونقول لهم: إن لا بديل عن الوطن، ولا بديل عن أرض الآباء والأجداد، ولا تنازل عن الدَّور الوطني والثقافي والحضاري والديني، فتشبَّثوا بأرضكم ووطنكم وتاريخكم.

ونهنئ أبناءنا الروحيين الذين غادروا الوطن إلى المغتربات لأسباب مختلفة، وشكلوا جاليات كبيرة في ألمانيا والسويد وهولندا وبلجيكا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية وغيرها، وندعوهم في هذا العيد المجيد إلى إبقاء الوطن الأم وقضاياه في قلوبهم وعقولهم، ونقول لهم: لا شيء يعادل الوطن، وإن الوطن الأم في حاجة إلى أبنائه، ووجودهم ومشاركتهم في حماية رسالة الأجداد والأبناء وفي المحافظة على الوجود فوق التراب الوطني.

ولا شيء في الدنيا يعادل الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه ويوفّر لهم الحرية والعدالة والمساواة.

وفي عيد الميلاد المجيد وفي عيد الأضحى المبارك، نتوجّه إلى أبنائنا في العراق ولبنان وفلسطين، ونهنئهم بالمناسبتين السعيدتين، مسيحيين ومسلمين، ونقول لهم: إن غيوم الشر التي تغطي سماءهم ستنحسر حتماً، وإن الوطن لن يتحول إلى مستوطنات للأغراب والطغاة والطامعين.

وإذا خصصنا رجاءنا في الوطن الصغير والوطن الكبير بالتهنئة بالعيدين المجيدين، عيد الميلاد المقدس وعيد الأضحى المبارك، فإننا لا ننسى ولا يمكن أن ننسى الملايين من أبناء كنيستنا السريانية الأرثوذكسية في الهند، الذين يرفعون اليوم صلواتهم باللغة السريانية الآرامية، لغة سيدنا يسوع المسيح، ولغة سورية القديمة، فهم في قلوبنا دوماً، ونحن فخورون بهم وبدورهم في وطنهم الهند وبسوريا التي أرسلت إلى الهند أجدادهم، أوائل الدعاة المسيحيين السريان الأرثوذكس إلى القارة الهندية.

وعيد الميلاد هو رسالة محبة وسلام، وأمن ومساواة بين البشر، أين منها سياسة الحكام الأغراب! الذين يسيئون إلى المسيحية ورسالتها الإنسانية الرائعة عندما يلبسون لَبوسها زوراً ويعتدون على الشعوب وحقوقها ويشعلون نار الحروب العدوانية وينهبون ثرواتها ويقتلون مئات الألوف من أبنائها، ويشرّدون الملايين من الأبرياء المطالبين بالحرية والعدل والسلام والكرامة.

ونحن نؤكد بأنّ سياسة الهيمنة على الشعوب وثرواتها وأرضها الوطنية وحرمانها من الحرية وحق تقرير المصير لا علاقة لها بالمسيحية أبداً.

ولا يوجد مسيحية صهيونية أو عنصرية أو عدوانية ولن تكون، ونحن مع مبادئ المسيحية التي حملها إلينا المخلص الفادي مولود بيت لحم القدوس ربنا يسوع المسيح، وسنقاوم بشدة وسنعمل بقوة ضد أي تزوير لهذه المبادئ.

كنيستنا كانت أول كنيسة مسيحية قامت بعد ميلاد سيدنا يسوع المسيح بالجسد، وستظل الأولى في الدفاع عن المسيحية وقيمها ومبادئها ورسالتها.

ونحن نعتز بسورية وتاريخها، ويسعدنا في هذه الأعياد المجيدة عيد الأضحى المبارك وعيد الميلاد المجيد وعيد رأس السنة الجديدة أن نسجّل بوادر انتصار سورية على مؤامرات الأعداء من كل نوع ولون، فقد سقطت المؤامرات على سورية، وسقطت سياسة التهديد والوعيد والمقاطعة، وها هي الدول كبيرها وصغيرها تسعى إلى دمشق وإلى رئيسها المبجل الدكتور بشار الأسد الشاب الشجاع والحكيم، تُعيد ما انقطع، وتوصل ما بترته من العلاقات والصلات والتشاور والتعاون.

فهنيئاً للرئيس الصامد، وهنيئاً لسورية برئيسها وبالانتصارات التي تتحقق، وتبقى سورية طليعة وقدوة وموئلاً للخير والتقدم والحرية والمساواة. وكل عام وأنتم بخير.


زيارة السيد الرئيس بشار الأسد إلى دير مار أفرام·

سيادة الرئيس المحبوب والمبجّل الدكتور بشار حافظ الأسد

يسرنا أن نرحب بكم في دير مار أفرام السرياني باسمنا وباسم إخوتنا صاحبي الغبطة: البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم الذي يشاركني الترحيب بسيادتكم، والبطريرك غريغوريوس الثالث لحام الغائب بالجسد والحاضر معنا بالروح، وباسم أصحاب النيافة والسيادة المطارنة والكهنة وممثلي الطوائف المسيحية في سورية، ومطارنة السريان في لبنان الحاضرين معنا ههنا اليوم لمشاركتنا تكريم سيادتكم، وباسم جميع المسيحيين في وطننا الحبيب سورية يُشرّفنا جميعاً أن نرحب بكم في هذه المناسبة السعيدة.

إن زيارتكم لنا اليوم هي تتويج للوحدة الوطنية، وتعبير عنها، وتأكيد للوحدة بين الشعب وقيادته، ولوقوف هذا الشعب العريق وراء قيادته الحكيمة والشجاعة التي تشمخ كجبل وطيد لا يقهر في وجه الأعداء البعيدين والقريبين والمتآمرين من وراء البحار أو أمامها، هذه القيادة التي تمثّل صمود الوطن الصغير والوطن الكبير في وجه أعداء الشعوب والمتطلِّعين إلى فرض إرادتهم على الآخرين، وإلى وضع اليد على مصائر وثروات الشعوب المتطلِّعة إلى الحرية وحق تقرير المصير والاستقلال الحقيقي الكامل والناجز.

ونحن المسيحيين، يا سيادة الرئيس معكم وإلى جانبكم وجانب إخوتنا المسلمين في المعركة التي نخوضها جميعاً لحماية سورية وتحقيق حريتها وسيادتها ومصالحها الوطنية والقومية، ولردِّ هجمات الأعداء على منطقتنا ووطننا الكبير، ونحن واثقون تماماً بأن تلك المؤامرات ستسقط حتماً تحت أقدام وحدتنا الوطنية وتضحيات شعبنا الأبيّ.

وستظلُّ سورية رائدة في أمنها، وقدوة في النضال والتضحية من أجل الأهداف الوطنية والقومية وآمال وأماني شعبنا والشعوب العربية قاطبة، وكلما وطّدنا جبهتنا الداخلية وحصّنّا وحدتنا الوطنية القائمة على المساواة والحرية والأخوة زادت قوتنا ومنعتنا وقدرتنا على الصمود والتقدّم وبناء حياة كريمة لكل المواطنين.

إن تاريخ سورية مجيد ورائع، ويدعو إلى الفخر والاعتزاز، ومن هذا التاريخ يَستمدُّ شعبنا القوة والعزم والاصرار على التصدّي للأعداء من كل نوع ولون.

وشعبٌ ينعم بالحرية والمساواة والمثل الإنسانية والوطنية والقومية مع رئيس شاب حكيم يجسِّد كرامة وقوة وآمال وصمود الوطن، هو شعبٌ لا يقهر ولا يستسلم أمام الأعداء والمصاعب والتهديدات، وستظلُّ رايته مرفوعة وكرامته مصانة وكلمته مسموعة ونافذة.

وتهنئتكم اليوم، يا سيادة الرئيس، لمسيحيي هذا الوطن في عيدهم هي تهنئة لجميع السوريين.

أهلاً وسهلاً بكم في هذا الدير، وبين أهلكم ومواطنيكم، وسنظلُّ نحن مسيحيي هذا الوطن إلى جانبكم مستعدين للتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل الوطن في حاضره ومستقبله.

عضدكم الله يا سيادة الرئيس لمواصلة السير على طريق الصمود والكفاح والتصدي للأعداء، والله تعالى والشعب معكم، ومن يكن مع الله وجماهير الشعب تنفتح أمامه أبواب النصر والعزّة والكرامة.

وكل عام وأنتم، يا سيادة الرئيس وسورية العظيمة بخير وعز ونجاح.

 

من عظات عام 2008

من عظات عام 2008

بدء اليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطة المفريان·

صاحب الغبطة،

أصحاب النيافة، أصحاب السيادة،

سعادة السفير الهندي في سورية وسعادة السفير الإيطالي في سورية،

الآباء الأجلاء والرهبان والشمامسة والراهبات،

المؤمنين الأعزّاء الآتين من الهند.

نشكر اللّـه تعالى الذي أنعم علينا بهذا الاجتماع هنا، مع عزيزنا الروحي وأخينا بالربّ يسوع، صاحب الغبطة المفريان مار باسيليوس توماس الأوّل، بمناسبة يوبيله الكهنوتي الذهبي، ونحن فرحون أنّ أصحاب النيافة المطارنة الهنود اجتمعوا معنا بهذه المناسبة السعيدة. وبالإضافة إلى روعة هذه المناسبة هي روعة حضور السفير الهندي العزيز صاحب السعادة السيّد غواتام موخوبادايا مع صاحب السعادة السفير الإيطالي في سوريا اللذين قبلا دعوتنا وحضرا هذا الاحتفال.

وسرَّنا في بداية حديثنا أن نعبّر عن شكرنا الكبير لكم جميعاً. نعرف جميعاً أنّ كنيستنا في الهند تحتفل باليوبيل الكهنوتي الذهبي لأخينا في المسيح صاحب الغبطة، وبشكل واسع النطاق بدءاً من السادس عشر من شهر كانون الأوّل 2007 وعلى مدى سنة كاملة. لقد سيم صاحب الغبطة كاهناً في 21 أيلول 1958 من قبل المثلث الرحمة مار يوليوس إلياس قورو في ديرنا، دير مار إغناطيوس في منجينيكارا في كيرالا. منذ أن كان صاحب الغبطة شمّاساً، كان إنجيليّا معروفاً ومبشّراً مباركاً. ولقد رُسِم مطراناً لأبرشيّة أنكمالي في سنة 1974 من قبل سلفنا المثلث الرحمة مار إغناطيوس يعقوب الثالث. ومنذ ذلك الحين وصاحب الغبطة يعمل جاهداً وبدون راحة أو ملل للحفاظ على الإيمان الرسولي وتقاليد كنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة المقدّسة ودافع عن كنيستنا المقدّسة في الهند ضد أعدائها معانياً الكثير من المشقّات في سبيل ذلك. لقد اختار الربّ الإله صاحب الغبطة ليقود كنيستنا في الهند في أوقات الصعوبات والاضطرابات. ولقد أثبت صاحب الغبطة أنّه ذو مهارات إداريّة فريدة ومميّزة، كمطران لأبرشيّة أنكمالي ومفريان كنيستنا في الهند، لقد سعى صاحب الغبطة وبتفانٍ مجاهداً لينظّم ويدير ويطوّر كنيستنا في الهند.

كذلك أسس غبطته بإدارته الفعالة العديد من الرعاية التابعة لملنكارا خارج الهند. واستعداد صاحب الغبطة للعمل الدؤوب بالرغم من شيخوخته يجعله مثالاً صالحاً لجميع الإكليروس. ومكافأة منا لتكرّس صاحب الغبطة وإخلاصه لكنيستنا في الهند، وفي الوقت المناسب في تموز 2002، سررنا بأن نرسمه ونعيّنه كمفريان ورئيس محلّي للكنيسة المقدّسة في الهند. وللتعبير عن امتناننا لجهوده المبذولة، أطلقنا على صاحب الغبطة اللقب الفخري «يعقوب البرادعي في ملانكارا» في العام 2007. القيادة والإرشاد الصحيح لصاحب الغبطة وكذلك التعاون الملحوظ لأصحاب النيافة المطارنة الأجلاء في الهند ساهموا بتطوّر عظيم في جميع المجالات. وفي هذه المناسبة يكمل صاحب الغبطة (50) عاماً منذ أن رسم كاهناً. ونحن نهنّئ صاحب الغبطة ونبارك له بسبب كلّ الإنجازات ونصلّي للربّ القدير لكي يمنحه الصحّة والعافية والعمر المديد ليخدم كرمه تعالى لسنين عديدة قادمة. عسى أن تنال كنيستنا في الهند حصة أكبر من التطوّر عبر قيادة أخينا في المسيح صاحب الغبطة المفريان مار باسيليوس توماس الأوّل. وأنّ حلول يوبيلنا الكهنوتي الذهبي في نفس الفترة يدلّ على الأخوّة التي تربطنا بصاحب الغبطة.

نشكركم جميعاً لمحبّتكم ولزيارتكم لنا. ونحن نهنّئ أصحاب النيافة الأعزّاء لتفانيهم في خدمتهم لكنيستنا بشكل عام ولأبرشيّاتهم. ونهنّئ جميع المؤمنين الأحبّاء الذين اجتمعوا هنا ونطلب منكم المحافظة على إيمان كنيستنا القويم ونشر رائحة إيماننا الذكيّة في صفوف الأجيال الفتيّة الصاعدة. اهتمّوا واعتنوا أكثر في تعليم إيماننا وتقاليد كنيستنا المقدّسة لأبنائنا. كلّ واحد منكم يجب أن يلفظ مع يشوع النبي ويقول: «وأمّا أنا وبيتي فنعبد الربّ» (يشوع 24: 15). حكيم كلّ من يبني بيته مع الربّ يسوع المسيح وهو يضع أساسه على الصخرة القويّة التي لا تنهار. يقول الربّ: «فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت، ولم يسقط لأنّه كان مؤسسا على الصخر» (متّى 7: 25). يجب أن تعتنوا كثيراً بتربية أبنائكم وأن تكون حياتهم مبنيّة ومؤسسة على ربنّا ومخلّصنا يسوع المسيح. لأجل ذلك، يجب أن ينموا في الإيمان الصحيح وبعلاقة جيّدة مع كنيستنا، لكي لا تخسرهم الكنيسة عندما تهبّ الرياح وتعصف أمواج الأوقات الصعبة والعصيبة.

أيها الأحباء: ليكن الربّ الإله مع جميعكم في رحلة حجّكم هذه، وليحفظ كلّ واحد منكم تحت ظلّ جناحه القدير. عسى أن تكون زيارتكم إلى سوريا، أرض التاريخ والأراضي المقدّسة الأخرى سبب بركة لكم جميعاً. ونتمنّى لكم رحلة سعيدة وموفّقة. ونريد مرّة أخرى أن نهنّئ عزيزنا أخانا في المسيح صاحب الغبطة المفريان مار باسيليوس توماس الأوّل بمناسبة يوبيله الذهبي. فليبارك اللّـه بوفرة أصحاب النيافة الأعزّاء أيضاً. ونودّ أن نشكر ونقدّم جزيل احترامنا للسفير الهندي في سوريا لمحبّته واهتمامه بنا. صاحب السعادة وزوجته صاحبة السعادة السفيرة الهنديّة في لبنان وأولادهما مسروران بقبول دعواتنا السابقة في مناسبات أخرى مختلفة. نتذكّر شاكرين أنّه منذ أربعة أيّام، في 28 أذار، زارنا صاحب السعادة هنا في هذا الصرح برفقة معالي وزير الشؤون الخارجيّة في الهند السيّد أحمد الذي هو من كيرالا أيضاً. نشكر أصحاب السعادة مجدّداً للمبادرة اللطيفة في إعطائنا من وقتهم الثمين وتزيين احتفالنا بمقامهم الكريم.

أيّها الأحبّاء، نعمة وبركة الربّ الإله القدير تكون معكم ومع عائلاتكم. ليبارككم الربّ جميعاً. وكعربون محبّتنا لصاحب الغبطة بمناسبة يوبيله الكهنوتي الذهبي، نقلّده الآن هذا الصليب وهاتين الأيقونتين.

توشيح راهب بالإسكيم الرهباني المقدس·

المطارنة الأجلاء الكهنة الأفاضل الرهبان والراهبات، أيها الأحباء…

ليسَ لي أن أقول في هذهِ المناسبة السعيدة إلاَّ أن أطلبَ إليكم أن تشاركوني فرحتي التي هي صدى فرحة ابننا الروحي الفاضل الراهب جوزف في هذهِ المناسبة السعيدة.

الرهبنة دائماً بالنسبة إلينا نحنُ المتشحين بالثياب السوداء، نحنُ الإكليروس خدام الرب يسوع الرهبنة هي بدء المشوار ولئن كانت الرهبنة هي السعي لخلاص النفس ولكنها بالوقت نفسهِ السعي لخلاص الآخرين.

ابننا الروحي الفاضل الراهب جوزف التمسنا بهِ رائحة المسيح الذكية التي اقتبسها من عائلتهِ الكريمة، فقد نشأ حقاً في بيتٍ تفوحُ منهُ رائحة المسيح الذكية، لذلكَ شكري للرب الذي أهَّلهُ وألهمهُ لكي يحمل الصليب ويتبع الرب يسوع، شكري للرب الذي ألهمهُ أيضاً أن ينخرطَ في سلكِ هذهِ الرهبنة كنتيجة وثمرة لأتعابِ والدَيهِ وعائلتهِ الكريمة وسائر أفراد العائلة.

فنحنُ نرى أنَّ البيت هو كنيسة صغيرة وهذهِ الكنيسة هي التي تُربِّي القديسين الذينَ ينالون الحَظوة لدى ربنا يسوع المسيح وخاصةً الذينَ يُكرسونَ أنفسهم لخدمة الرب وخدمة كنيستهِ المقدسة.

من العبارات التي فاهَ بها ابننا الروحي الفاضل الراهب جوزف لابدَّ أن نفهمَ أنَّ هذا الإنسان قد تربى على ضفاف جداول الإنجيل المقدس وفي رياض ورحاب الكنيسة السريانية الأرثوذكسية المقدسة، ونرى أنهُ كما ذكرَ هو أيضاً أنهُ قد اقتبسَ ذلك من والدَيهِ الكريمَين ومن أفراد العائلة كافةً.

ليسَ لنا إلاَّ أن نقول لنفرح معهُ فقد وجدَ اللؤلؤة الثمينة ونصلِّي معهُ لكي لا يُحافظ عليها فقط بل أن يتاجر بالوزنات كافةً ليكونَ من الرابحين، الصالحينَ والناجحين في خدمة ربنا يسوع المسيح.

نهنِّئهُ ونهنِّئ أبرشية بيروت التي قدَّمتهُ بل نهنِّئ أيضاً أصلهُ وديار بكر العزيزة التي كانت ولا تزال من المدن التي أنقذت السريان عبرَ الدهور والأجيال وأعطت لنا اليوم ثمار جهودها وتمسُّكها بالإيمان وتمسُّكها أيضاً بسريانيَّتها، فإذ نحنُ نشتركُ بالتهنئة لوالدَيهِ ولأبرشية بيروت وجبل لبنان أيضاً وللكلية الإكليريكية التي كان لها الفرح أن ينخرطَ في عدادِ تلامذتها النُجباء.

نسأل الله أن يجعل الوزنات التي أخذها وسيأخذ مضاعفة وأن يجعل هذا الإنسان الذي كرَّسَ نفسهُ للرب مقبولاً لدى الرب يسوع وناجحاً في كلِّ طرقهِ وأن يجعل هذا الصليب سببَ خلاصٍ ليسَ لهً فقط بل لكلِّ من يمُتُّ إليهِ بصلة إن كانَ في خدمةٍ أو كانَ في قرابة الرب يحفظهُ ويحفظكم جميعاً آمين.   

رسامة مطرانين معاونين لأبرشية الكناعنة·

أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء،

أيّها الإكليروس الموقّر، والراهبات الفاضلات والضيوف الكرام،

أيّها المؤمنون الأحبّاء.

نقف اليوم أمامكم بفرح عظيم. هذه مناسبة عظيمة في تاريخ كنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة المقدّسة. كما تعرفون كلّكم، في القرن الرابع للميلاد ذهبت مجموعة من المسيحيّين السريان من الرها واستقرّت في ولاية كيرالا في الهند بقيادة المطران مار يوسف ومار توما الكنعاني الوجيه بمباركة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق آنذاك الطيّب الذكر مار أوسطاثيوس وبأمر منه. جميع أعضاء جماعة الكناعنة في الهند اليوم هم من سلالة الجماعة المسيحيّين السريان هذه التي استقرّت في كيرالا. بالرغم من أنّهم قبلوا الكثير من الثقافة الهنديّة ومزجوها بثقافتهم السريانيّة، فقد حافظوا على الإيمان الرسولي الحقّ وتقاليد كنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة بدون تغيير. كما وحافظوا على هويّتهم الخاصّة عبر الأجيال إلى يومنا هذا. وجودهم في الهند هو دليل حيّ للعلاقة القديمة لكنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة في الهند والكرسي الرسولي لأنطاكية وسائر المشرق. وجود المسيحيين السريان الكناعنة في الهند منذ القرن الرابع للميلاد ساعد كثيراً كنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة في الهند. في القرون التي تلت ذلك، جماعة الكناعنة في الهند ساهموا كثيراً بنمو وتطوير الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة في الهند وبخاصّة في زمن المحن. وفي القرن العشرين، قاد المثلث الرحمة المطران مار إقليميس أبراهام (القبطان الحكيم) أبرشيّة الكناعنة قيادةً حسنة لا بل قاد كنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة في الهند بشكل عام. استقلّت جماعة الكناعنة كأبرشيّة منفصلة عام 1910 على عهد أحد أسلافنا الطيّب الذكر البطريرك مار إغناطيوس عبد اللّـه الثاني. عمل مطارنتها الدؤوب وتعاونهم والإكليروس والعلمانيين منذئذ ساعدا أبرشيّة الكناعنة بأن تزدهر. وأصبحت إحدى أفضل الأبرشيّات تنظيما وازدهارا بين أبرشيّات الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة الجامعة. ونظرا إلى ذلك، سرّنا كثيراً أن نحيلها بمنشورنا البطريركي رقم إ20/07 بتاريخ 10 كانون الثاني السنة الماضية إلى الأبرشيّة الكبرى. وبهذه الصفة الجديدة، سرّنا بأن نمنح اللقب الفخري «المطران ورئيس أساقفة أبرشيّة الكناعنة في الهند» لنيافة المطران مار سويريوس قرياقس.

سبّب النمو الذي وصلت إليه أبرشيّة الكناعنة في الهند زيادة في المسؤوليّات الرسوليّة المتعلّقة بالأبرشيّة وكذلك جمعيّة الكناعنة في الهند رأت الحاجة إلى مطارنة آخرين للجماعة هناك. وبناءً على ذلك وبتاريخ 2 شباط 2007، رسمنا صاحب النيافة المطران مار غريغوريوس قرياقس كمطران معاون لأبرشيّة الكناعنة. وكذلك اجتمعت الجمعيّة بتاريخ 26 أذار 2008 وانتخبت الأب الربّان قرياقس كولاث والأب الربّان أيوّب توتاهيل لرسامتهما مطرانين معاونين لأبرشيّة الكناعنة. وقد سرّنا الموافقة على طلب الجمعيّة وها قد رسمناهما مطرانَيْن لأبرشيّة الكناعنة.

سوف يخدمان بصفة «مطران معاون لأبرشيّة الكناعنة في الهند» والآن أصبح لجماعة الكناعنة في الهند أربعة مطارنة – مطران رئيس أساقفة وثلاثة مطارنة معاونين. وهذه إشارة عظيمة وبرهان للنمو والتقدّم اللذين وصلت إليهما جماعة الكناعنة. عسى أن تكون هذه الرسامة وهذا التعيين للمطرانين الجديدين بركة لأبرشيّة الكناعنة. نهنّئ ونبارك المطرانين المرتسمين حديثاً وجميع أعضاء جماعة الكناعنة في الهند. وبهذه المناسبة المباركة السعيدة نفرح أيضاً معكم وبالأخص مع الكناعنة وكذلك مع جميع أعضاء الكنيسة السريانيّة الأرثوذكسيّة في الهند وسائر البلاد في العالم أجمع.

أيّها الأحبّاء بالربّ! درجة الأسقفيّة هي منصب رفيع وكبير المسؤوليّة. القدّيس بطرس الرسول يذكّر الذين أوكلوا رعاية شعب اللّـه قائلا: «ارعوا رعيّة اللّـه التي بينكم نظّارا، لا عن اضطرار بل بالاختيار، ولا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمن يسود على الأنصبة، بل صائرين أمثلة للرعيّة». (1بط 5: 2 ـ 3). على المطران أن يرعى رعيّة اللّـه (أي المؤمنين) الموكلين إليه وفي اليوم الأخير عليه أن يعطي حساب مسؤوليّته لله. هو ممثّل اللّـه؛ وفي الوقت عينه هو إنسان كالآخرين. ولكن مسؤوليّاته أعظم. يحتاج صلواتكم ليتمّم مسؤوليّاته بأكمل وجه. لذا تعاونوا مع مطارنتكم في الحياة الروحيّة لجميع المؤمنين وصلّوا إلى الربّ الإله لكي يقوّيهم ليتمكّنوا من تتميم واجباتهم بشكل سليم وصحيح. في الاتحاد قوّة: لذا اعملوا جاهدين للمحافظة على الاتحاد والوحدة والسلام. من خلال المطارنة الأربعة، يمكن لأبرشيّة الكناعنة أن تنال زخماً واندفاعاً في مسيرتها الثابتة نحو الازدهار. لتفرح السموات بهذه الرسامة، وليكن ذلك لمجد كنيستنا، وبالتالي لمجد الربّ تعالى. وليكن اسم ربّنا وإلهنا يسوع المسيح مباركاً فيكم. ليقوِّ الربّ مطارنة الكناعنة الأربعة ليعملوا معاً في مصلحة النمو العام للجماعة عبر التقرّب من اللّـه وملازمة أوامره وطاعته والحفاظ على كرامة وإيمان وتقاليد كنيستنا السريانيّة الأرثوذكسيّة المقدّسة.

نعبّر عن خالص شكرنا للمطارنة الأعزّاء الذين شاركونا بخدمة الرسامة هذه. كما ونشكر الضيوف الكرام، الإكليروس الموقّر، الراهبات الفاضلات والمؤمنين الكرام الذين من الهند، الولايات المتّحدة الأميركيّة، المملكة المتّحدة، الخليج العربي وجميع الأقطار الأخرى، الحاضرين هنا الآن. فليبارككم اللّـه أجمعين.

افتتاح الحلقة الدراسية للعلوم اللاهوتية·

يسرنا جداً أيها الأحباء أن نرحبَ بأبنائنا وبناتنا، الشبيبة العزيزة الذينَ يشتركونَ في دورة اللاهوت والسريانية لهذا العام ونحنُ الآن نفتتحُ هذهِ الدورة مُتَّخذينَ لنا فيها شعاراً هو قول الرسول يوحنا للرب يسوع وهو جاثٍ أمامهُ منادياً ربيِّ وإلهي.

كم نحنُ بحاجة إلى معرفةِ الرب يسوع معرفةً حقَّة وإلى الإيمان بهِ إيماناً متيناً ثخيناً في عصرٍ كثُرَت فيهِ البدع والهرطقات، في عصرٍ حادَ الإنسانُ عن جادة الحق، في عصرٍ رأينا حتى بعضَ المؤمنين لا يعرفونَ شيئاً عن إيمانهم، حتى الأتقياء الذين يُحاولون أن يعبدوا الله بالروحِ والحق لا يعلمونَ أنَّ الله هو المسيح يسوع بالذات، ضالون ومُضِلون يوحونَ إليهم أنَّ المسيح كانَ إنساناً بسيطاً تقياً كسائر الأنبياء والأتقياء عبر الدهورِ والأجيال، ونحنُ عندما نتأمل حضارة الكتاب المقدس ونتأمل خاصةً سيرة الرب يسوع على الأرض نرى كيفَ أنَّ الرب يسوع منفردٌ عن سائرِ من نادى بالحياةِ الأبدية لأنهُ هو ربُّ الحياة هو الطريق والحق والحياة، هو الإلهُ المتجسد ودائماً نُردِّدُ هذا لكلِّ مؤمنٍ ومؤمنة أن يُردِّدوا ما قالهُ الرسول بولس عن المسيح يسوع أنهُ الله ظهرَ بالجسد. لذلكَ نتَّخذُ في هذهِ الدورة اللاهوتية السريانية لهذا العام قول الرسول توما وهو جاثٍ أمام الرب يسوع قائلاً ربيِّ وإلهي، وهو ربنا وهو إلهنا ولئِن رأيناهُ كأنهُ إنسان ولئن دُعيَ أنهُ ابنُ الإنسان. نتأملُ بهذهِ العبارة أحبائي ونرى أولاً توما الذي ندعوهُ دائماً بقسوةٍ الرسول المشكِّك والمتشكِّك، ننسى ما كانَ عليهِ من محبةٍ للرب يسوع وتمسكٍ بهِ ننسى يومَ كانَ الرب يسوع مزمعاً أن يذهب لإقامة لعازر من الموت والتلاميذ طلبوا إليهِ أن لا يقومَ بذلك لأنَّ اليهود يطلبونَ قتلهُ وتردَّدَ بعضهم أما توما فقالَ لهم لنذهب ونموتَ معهُ، فمحبة توما للمسيح كانت حتى الموت ولكن بعدَ أن قامَ الرب يسوع من بينِ الأموات ونحنُ أولاً كنا متأكدينَ ويؤكدُ لنا الكتاب المقدس أنهُ قد أعلنَ أنهُ سيموتُ موتَ الصليب وأنهُ يقومُ في اليوم الثالث فهو حقاً قد مات، ماتَ على الصليب، ومار إسحق يقولُ لنا أنَّ فخرَ الكنيسة أنَّ المسيح قد مات على الصليب.

 فقبلَ كلِّ شيء علينا أن نؤمن أنهُ مات، الذينَ يدَّعونَ أنهُ لم يمُت ظناً منهم أنهم يمدحونَ المسيح فهؤلاء ضالونَ ومُضِلون، المسيح تجسدَ جاءَ إلى عالمنا لبسَ جسدنا أخذَ كلَّ ما لنا ما عدا الخطيئة لكي يموت، يموتَ بهذا الجسد لأنهُ لا يمكن أن يكونَ كفارةً عن خطايانا وخطايا كلِّ الأجيال ما لم يمُت، ماتَ على الصليب ودُفنَ في القبرِ الصغير المنحوت في صخرٍِ ولكن كانَ قد تنبَّأ وأعلنَ لتلاميذهِ، بناءً أيضاً على تنبُّؤ الأنبياء سابقاً أنهُ يقوم في اليومِ الثالث. لو لم يقُم المسيح من بينِ الأموات لدُفنت عقيدتهُ والمسيحية كافةً في ذلكَ القبر الصغير ولََما اعتُبرَ حتى صالحاً لأنهُ قد تنبَّأ عن نفسهِ وأنبأَ تلاميذَهُ أنهُ يقوم في اليوم الثالث ولم يقم، لو لم يقم المسيحُ لكانت باطلة كرازتنا كما يقول الرسول بولس ولكان باطلاً إيمانكم أنتم بعدُ في خطاياكم، لكن المسيح قام من بينِ الأموات.

 شهودُ القيامة لا عددَ لهم فالمسيحُ يومَ قيامتهِ ظهرَ خمسَ مرات أنهُ حيّ، ظهرَ للنسوة، ظهرَ لبطرس ويوحنا وظهرَ أيضاً للرسل كافةً وهم في العلية، كانوا قد أغلقوا الأبواب خوفاً من اليهود، ظهرَ حينذاك وأعطاهم السلام ليُطمئنَ قلوبهم بأنهُ قد قبِلَ توبتهم ولئِن أنكروه ولئن هربوا وتركوه وحدهُ بيدِ صالبيه.

ظهرَ الرب يسوع وشجَّعَ التلاميذ بأنهُ قد غفرَ لهم وأعطاهم مواهبَ الروح القدس عندما قال اقبلوا الروح القدس وأعطاهم سلطاناً أن يغفروا الخطايا ويُمسكوها.

توما يقول الإنجيل المقدس لم يكن معهم، لنأتِ إلى توما… لماذا تغيَّبَ لا نعرف؟ ولكن لإرادة ربانية توما لم يكن معهم وعندما ظهرَ الرب ـ وظنوهُ بحسبِ عقائدِ اليهود أنَّ بعضَ الموتى يظهرونَ كأشباحٍ وحتى الأبالسة ـ فالمسيحُ قال لهم: «أنا هو»، وأراهم يدَيهِ وجنبهُ مكان المسامير ومكان الحربة ليُعلنَ لهم أنهُ هو يسوع الناصري، هو المسيحُ يسوع، هو الذي صُلبَ ليفدينا وهو الذي تألم وجروحاتهِ باقية إلى الأبد.

توما عندما سمعَ التلاميذ يتحدَّونهُ بأنهم رأَوا الرب، رأَوا جراحات يدَيهِ وجنبَه هو أيضاً قال إن لم أرَ هذهِ الجروحات وأضع يدي في مكان المسامير ويدي في جنبِهِ لا أؤمن.

لا نعلمُ لماذا أرادَ هذا البرهان الحسّي، ربما أعذرُهُ لأنهُ سيكونُ شاهداً لقيامة المسيح وكما رأى التلاميذ الرب يسوع ورأوا الجروحات وتباركوا منهُ يريدُ أن يرى هو أيضاً، أسبوعٌ مضى على هذهِ الحادثة قلقٌ وشكوكٌ وظنونٌ وبعدَ الظنِّ إثمُ جعلت توما كريشة في مهبِّ الريح لا يعرفُ كيفَ يستقرّ ولا يعرف أيَّ فكرٍ يتبنى وأيَّ عقيدة يعتقد، هل حقاً قامَ المسيح من بينِ الأموات؟ إذاً لماذا لم يظهر لهُ، ألا يستحقّ أن يرى المسيح القائم من بينِ الأموات؟ هو التلميذ المُحِبّ التلميذ المضحِّي التلميذ المخلص، لماذا لم يظهر لهُ الرب يسوع؟

أحياناً عديدة يحدث لنا ذلكَ أيضاً نُعيبُ زماننا والعيبُ فينا، لماذا لم يُعِب نفسهُ توما أنهُ ترك التلاميذ في تلكَ اللحظات ولا نعرفُ السبب لماذا تركهم ولكنه لم يكن هذا عقاباً لهُ عندما ظهرَ الرب يسوع.

 مضى أسبوعٌ على ذلك ويوم الأحد أيضاً كانَ التلاميذ في العلية، يوحنا لم يقُل في هذهِ المرة أنهم قد أغلقوا الأبواب خوفاً من اليهود. لماذا؟ لأنَّ الإيمان يعطي الإنسان شجاعةً بل تضحيةً حتى لو جاءَ اليهود وقتلوهم لم يكونوا ليرتعبوا أو يخافوا. جاءَ الرب يسوع ووقفَ في وسطهم وأعطاهم السلام، لكن في هذهِ المرة جاءَ الرب يسوع كراعٍ صالح يُُفتشُ عن الخروف الضال، جاءَ يفتش عن توما، تعالى يا توما قالَ لهُ وانظر يديَّ وضع يدكَ في جنبي وكن مؤمناً ولا تكن غيرَ مؤمن، ارتعبَ توما كيفَ أن الرب يسوع عرفَ طِلبة توما وطلبَ برهاناً لكي يؤمن بقيامة الرب يسوع، ارتعبَ وجثا أمامَ الرب وقالَ لهُ ربي وإلهي رآهُ إنساناً وجثا لهُ مؤمناً بأنهُ هو الله وهو الرب، هذهِ عقيدتنا نحن السريان أحبائي ومعنا الأقباط والأرمن بالنسبة إلى اتحاد اللاهوت بالناسوت، اتحادِ النفس بالجسد، كل إنسان عندما ندعوهُ إنساناً لا ندعوهُ نفساً ولا ندعوهُ جسداً فنحنُ لا ندعو الإله المتجسد إلاَّ أنهُ إلهٌ وأنهُ إنسانٌ في آنٍ واحد واتحاد الإله بالإنسان جعلَ لهُ طبيعة واحدة من طبيعتين وأقنوماً واحداً من أقنومين هذهِ عقيدتنا ويجب أن نعرفَ أنهُ عندما ننظر إلى المسيح نرى فيهِ أنهُ هو الله الإله الذي ظهرَ بالجسد، الرب يُجيبهُ ألأنكَ رأيتني يا توما آمنت طوبى للذينَ آمنوا ولم يرَوا، هذهِ الطوبى لنا جميعاً أيها الأحباء إن كنا نؤمن بالمسيحِ يسوع أنهُ هو الله ظهرَ بالجسد ولكن إن كنا نتبع الضلالات الموجودة في العالم أنَّ المسيح أحد الأنبياء نكونُ بعيدينَ عن روحِ المسيح بالذات.

لذلكَ أحبائي اخترنا لدورة دراسة اللاهوتِ والسريانية في هذا العام شعار ربي وإلهي لكَي نعرفَ المسيح معرفةً حقة وننال الطوبى التي أعطاها الرب يسوع للمؤمنين الذينَ آمنوا ولم يرَوا ولئن لم يروا المسيح بعَين الجسد إنما يرونهُ بعَين الروح ويؤمنونَ بهِ.

هذا ما نريدُ أن نتمسكَ بهِ أيها الأحباء وتوما بعدَ أن رأى المسيح قيلَ إنهُ لم يجسر أن يضع إصبعهُ في مكانِ المسامير ويدهُ في جنبِ المسيح، ويقول التقليد أيضاً عندنا نحنُ السريان أنَّ توما في يدهِ اليمنى السبَّابة والوسطى كانتا ملتصقتَين وعندما لمسَ المسيح بعدَ قيامتهِ انفصلتا، نرى كيفَ أنَّ توما أحد رسل الرب رأى المعجزات التي لا عددَ لها والتي اجترحها الرب حتى إقامة الموتى لم يطلب حينذاك من الرب أن يشفيهِ، أن يفصلَ السبَّابة عن الوسطى في يدهِ اليمنى لأنَّ ذلكَ قد أُعدَّ لذلك اليوم العظيم يوم ظهرَ الرب يسوع خصيصاً لكي يُثبِّت توما على الإيمان.

أحبائي نأمل أنهُ وقد بدأنا التأمل في هذهِ الحادثة أنَّ أولادنا الأعزاء شباننا وشاباتنا الذينَ سيؤلفونَ هذهِ الدورة، دورة دراسة اللاهوت والسريانية في هذا العام أن تكونَ هذهِ الدورة سبب ثباتٍ لهم في الإيمان وأن ينشروا هذا الإيمان أمامَ جميع الذينَ سيكون لهم علاقة روحية في هذا الموضوع والرب يُباركهم ويبارككم جميعاً آمين.

قداسته يبارك أبرشية حمص وحماه·

صاحبي النيافة الحبرين الجليلين، الآباء الكهنة الأحباء

أيها الشعب المبارك: أشكر اللّه الذي أهّلنا في شيخوختنا أن نقوم بهذه الزيارة الرسولية لأبرشية أحببناها كثيراً منذ شرخ شبابنا حيث قضينا فيها خمس سنوات أيام سلفنا الأسبق البطريرك أفرام برصوم وأيضاً أيام سلفنا البطريرك يعقوب الثالث. وخبرنا هذا الشعب الحمصي المبارك ووجدنا فيه شعباً مؤمناً يتحلّى بالفضائل المسيحية السامية محباً لله محباً لكنيسته محباً للقريب شعباً رأيناه مثالاً قيّماً للشعوب السريانية أينما كانوا اليوم، وهذا الشعب يرعاه حبر جليل نعتز فيه كل الاعتزاز هو نيافة الأخ العزيز مار سلوانس بطرس النعمة، وقلتها مرة وأقولها الآن أن هذه الأبرشية محبوبة ليس فقط بمطرانها بل أيضاً بكهنتها الأفاضل الذين نالوا من الثقافة الدينية قسطاً وافراً ويقومون برعاية هذا الشعب رعاية صالحة ليحفظ الرب هؤلاء جميعاً وليحفظ هذا الشعب المبارك.

وإنني لمسرور أن يرافقني في هذه الزيارة الرسولية، حبر جليل نبيل هو نيافة الأخ مار فيلكسينوس متياس نايش المعاون البطريركي ومدير كلية مار أفرام اللاهوتية في معرة صيدنايا الذي أنا مسرور أن يرى بأم عينيه النهضة الروحية في هذه الأبرشية على عهد مطرانها وكهنتها وان يرى هذا الشعب المبارك وتمسكه بكنيسته ورعاة كنيسته وأن يرى أيضاً أيها الأحباء كيف أن التقدم والازدهار على قدم وساق في هذا العهد الذهبي الممتاز. كذلك رافقني السكرتير البطريركي الفاضل ابن حمص الأب الربان متى الخوري وباسم نيافة المطران مار فيلكسينوس متياس واسم السكرتير البطريركي أشكر نيافة الحبر الجليل المطران مار سلوانس بطرس النعمة والكهنة وجميع الشعب الذي استقبلنا بحفاوة ومحبة وكان سرورنا عظيماً عندما قلّدنا الصليب المقدس لكاهنين فاضلين راهبين الربان بطرس قسيس والربان صليبا قسيس ونحن نعتز بهما كاعتزازنا بكل رهباننا وكهنتنا الذين درسوا ويدرسون ليس فقط في كليتنا اللاهوتية بل أيضاً في الخارج لكي يبرزوا معالم كنيستنا للغرباء ولكي يقتبسوا من الغرباء ما نحن بحاجة ماسة إلى معرفته من الغرباء بارك اللّه بهذه الترقية التي جاءت بمحلها وبارك اللّه بهذا الشعب المبارك الذي يسر جداً عندما نجد منه وفيه أناساً يخدمون الكنيسة المقدسة. وإنها لمناسبة طيبة في هذا اليوم المحدد في عيد انتقال سيدتنا العذراء  مريم إلى السماء أن نأتي لنتبرك من زنار العذراء في كاتدرائية أم الزنار هنا سائلين الرب يسوع بشفاعة السيدة العذراء أن يصون شعبنا في كل مكان وأن يباركنا وأن يؤهلنا جميعاً للتمسك بإيماننا القويم بعروة وثقى والاقتداء بآبائنا وممارسة تقاليدنا الرسولية والأبوية لكي ننال أجر العمال الصالحين في حقل ربنا يسوع المسيح

إنني أحبائي مسرور جدا وأنا أرى التفاف هذا الشعب حول رعاته وأرى همتهم العالية ومحبتهم لله كما قلنا والوطن العزيز سورية العزيزة التي نتمتع بممارسة طقوسنا الدينية بحرية تامة داعين لحفظ رئيسنا المبجل الدكتور بشار والنصر الدائم على عهده في سوريا العزيزة وكل عام وانتم بخير.

أيها الأحباء: سررت عندما ذكر نيافة أخينا الحبر الجليل مار سلوانس عن احتفالاتكم ومهرجاناتكم بهذه المناسبة وأتمنى أن تتكرر هذه الزيارة ونرى ذلك بأم أعيننا أيضاً عندما نرى هؤلاء الناس يتمسكون بإيمانهم وكنيستهم وبمحبتهم خاصة لأم الزنار فقد أصبحوا قدوة للآخرين وثِقوا أيها الأحباء بأنها نعمة عظيمة لكم أن تعيشوا بجانب كنيسة أم الزنار وفيها وبزنار العذراء وأن تتباركوا بذلك. ليحفظكم الرب ويحفظ أولادكم وكل عام وأنتم بخير.

تقديس كنيسة السيدة العذراء ـ الفحيلة·

أيها السامعون الكرام،

يتلجلج اللسان ويضطرب الجنان في موقف كهذا وبهجتي وفرحتي لا حدود لهما وأنا بنعمة اللّه أفتتح هذه الكاتدرائية الجميلة شاكراً اللّه الذي أبهجني في شيخوختي لأرى هذا العمل الجبار الذي قام به الوجيه الغيور الأستاذ فريد خليل شهلا وعقيلته الفاضلة الذي يكمن فيها القول وراء كل عظيم امرأة أعظم منه.

 هذا هو الفخر لهذه البلدة الجميلة الفحيلة أن تعطي للعالم لسوريا الحبيبة للكنيسة السريانية أن تعطي رجلاً عظيماً كالأستاذ فريد خليل شهلا عظيماً في سخائه في غيرته.

 إن من استمع إليه كما استمعت يعرف ما يتحلى به من ثقافة واسعة ووطنية صادقة وإيمان متين ثخين ويفتخر بهذا الإنسان الذي أحبّ بلده وبلده سوريا أحبه وأحب الفحيلة وستنصب له تمثالاً شاهداً على عظمة الكريم السخي الفاضل، كلمته كانت لاهوتية ثم انقلبت إلى وطنية صادقة ليكون مثالاً للمؤمن الصادق والوطني الصالح ولا فضَّ فوك يا أستاذ فريد وليتقبل الرب هديتك الثمينة هذه الكاتدرائية ويعوَّض عن كل ما تتبرع به لمشاريع حيوية لهذه البلدة ولسوريا ولسائر العالم.

أيها الأحباء: عندما ابتدأ عزيزنا الروحي فريد كلمته بآية من الكتاب المقدس ابتهج قلبي كثيراً وأنا أتأمل تاريخ الكنيسة التي بناها الرب على صخرة الإيمان على مبدأ قوّة الصخرة صخرة الإيمان بالرب يسوع هو ابن اللّه الحي عبر الدهور والأجيال لكنها لم تتزعزع ولن تتزعزع أبداً عندما قال مثل هذا القول شعرت أن الكنيسة التي فيها رجال أتقياء مؤمنون متمسكون بعقيدتهم وأوطانهم هذه الكنيسة ستبقى خالدة إلى الأبد.

لم يدع الأستاذ فريد وكذلك المطران مار سلوانس بطرس النعمة لم يدعا لي المجال لأشكركم على مشاركتكم هذا الاحتفال القيّم النفيس النادر أعتزّ بكم جميعاً وأشعر بغبطة وبهجة لا حدود لهما وأنا أراكم لا هذه البلدة الفحيلة فقط بل سوريا والوطن العربي لا بد أن أقول بهذه الكلمة المختصرة جداً نشكر اللّه الذي أقام بيننا أناساً مؤمنين سخيين مضحين نشكر اللّه الذي أقام لنا في سوريا العزيزة قائداً مبجلاً هو الدكتور بشار الأسد نحن نشكر اللّه أيضاً ونحن نترحم على المثلث الرحمة المغفور له القائد حافظ الأسد ففي عهده وعهد الدكتور بشار الأسد نتمتع بممارسة طقوسنا الدينية بحرية تامة كمواطنين صالحين وسيبقى علينا الواجب أن نبقى مواطنين صالحين عندما نرى قائداً يقودنا كالخالد حافظ وبشار الذي ينهج نهج والده المرحوم.

يبارك اللّه لكم جميعاً وخاصة مطران الأبرشية مار سلوانس والكهنة والأخص كاهن الفحيلة الأب عبد اللّه السطاح ولشعب الفحيلة جميعاً كبيرهم وصغيرهم حتى الأطفال لهم على هذه الكاتدرائية الجميلة وليكن الأستاذ فريد مثالاً لكل إنسان ينتمي إلى هذه البلدة العزيزة الفحيلة يبارك الرب لكم هذه الكاتدرائية ويؤهلكم أن لا نكتفي بالبناء بل علينا كما يوصينا الرسول بولس «أن كل واحد فينا هيكل للروح القدس» ليقودنا لنكون مؤمنين صالحين متمسكين بإيمانهم بعروة وثقى مثالاً للمواطنين أينما كنّا في الوطن أو المغترب إننا ليس لنا ما نكافئ العزيز فريد شهلا سوى أن نقيمه مثالاً للمؤمنين ونقلده وسام مار أفرام برتبة كومندور أي قائد الكنيسة وبناء على اقتراحه نقلّد الأب الفاضل الأب عبد اللّه السطاح الصليب المقدس.

قداسته يبارك أبناءه في صدد·

إخوتي صاحبي، النيافة الحبرين الجليلين مار سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماه وتوابعهما والمطران مار فيلكسينوس متياس نايش المعاون البطريركي ومدير كلية مار أفرام اللاهوتية.

الآباء الكهنة الأحباء، يا ممثلي الحزب والدولة، أيها الحفل الكريم.

أشكر اللّه الذي أهلني في شيخوختي أن أقوم بهذه الزيارة الرسولية لبلدة أفتخر وأعتز بأهلها وأحبها كثيراً لصدد الحبيبة العزيزة يرافقني نيافة الحبر الجليل الراعي النبيل مار فيلكسينوس متياس نايش المعاون البطريركي ومدير كلية مار أفرام اللاهوتية والعزيز الروحي الفاضل سكرتيرنا الربان متى الخوري ابن حمص المباركة أتينا بناء على طلب نيافة أخينا الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة مطران هذه الأبرشية وابن صدد البار وكلنا بهجة وسرور برؤية هذا الشعب المبارك شعب صدد الثابتة على مبادئها الوطنية والدينية في آن معاً. صدد العزيزة التي حيثما اتجهنا في سوريا نصادف من هو من صدد موظفاً أو عاملاً في حقل هذه الأمة العريقة بالمجد والسؤدد ويفتخر بصدد كل أبناء صدد ويعتزون بمدينتهم وبلدتهم التي تعتبر أمّ جميع القرى والبلدان التي تحيط بها بل هي أمّ السريان في سوريا لا أنسى أبداً عندما قسا الدهر علينا في هذه البلاد من المستعمر الغاشم واغتصبت كنائسنا وقام في حلب إنسان غيور شيّد كنيسة للسريان هو سليم عازار هذا الإنسان أيها الأحباء كتب إلى البطريرك يطلب منه كاهناً يقول له «أنا سرياني صدي عن ديني ما بعدّي ابعث لي كاهن سرياني ومعيشته تكون من عندي»، تصوروا أيها الأحباء الفضل لصدد على السريان كافة خاصة في سوريا العزيزة حتى أن الناس عندما كانوا ينظرون إلى السريان يقولون عنهم أنهم صدديون.

أيها الأحباء هذه صدد أم البلاد كم كافح أهلها في سبيل المعيشة في هذه الأرض القاحلة حولوا بلادهم إلى جنة غناء ليس فقط في الزراعة بل أيضاً في العلم والمعرفة اشتهر أهل صدد بمحبتهم للعلم وما يزالون وسيبقون إلى الأبد عنواناً للناس الذين يعشقون العلم والمعرفة ويتوقون إلى الصعود إلى مراقي الحضارة بأنواعها

يا أبناء صدد الأعزاء ما نريد منكم هو أن تثبتوا على ما ورثتموه من آبائكم: إيمان متين ثخين وتمسك بهذا الوطن العزيز سوريا وخاصة في عهد رئيسنا المبجل الشاب الحكيم الدكتور بشار حافظ الأسد أدامه اللّه ورعاه وجعل الازدهار والتقدم في عهده لسوريا العزيزة ولأبناء الوطن العربي في كل مكان.

يا أيها الأحباء يا أبناء صدد ولئن كانت زيارتي قصيرة ولكني أشعر بسعادة تامة عندما أرى هذا الشعب بشيبه وشبانه حتى بأطفاله، بنسائه ورجاله شعب يتمتع بحريته الدينية كما يُعد فخراً بتمسكه بوطنه العزيز.

 أشكر الآباء الكهنة الذين شرحوا ذلك بالتفصيل الأب الخوري تامر العويل والأب القس أفرام النجار وهذه القصيدة العصماء للأستاذ تادرس الذي أتحفنا بها وتعتبر سجلاً طيباً في سجل صدد العزيزة الحبيبة.

نسأل الرب الإله أيها الأحباء، أن يهبنا أن نزوركم ثانية وثالثة وثقوا أنكم في القلب والفكر ونفتخر بكم وسنفتخر دائماً بشعب يحب وطنه ويحب عقيدته الدينية ويتمسك بالمبادئ السامية والفضائل السماوية وغيرها التي اشتهر بها ليس في الوطن فقط بل في المهجر.

 بارككم الرب وحفظكم وإننا سررنا بدير مار انطونيوس الذي يشيّده نيافة أخينا الحبر الجليل مار سلوانس بطرس النعمة بهمتكم وسخائكم إن كنتم في الوطن أو كنتم في المهجر كمّل اللّه معه هذا المشروع المهم وإن شاء اللّه نلقاكم إن منحنا اللّه عمراً طويلاً بلقائكم بتكريس هذا الدير الذي سيعد مفخرة أيضاً من مفاخر صدد الغيورة، صدد التي نعتز أيضاً بتاريخها ونعتز بتمسك أهلها بعقيدتهم الدينية ومحبتهم لوطنهم العزيز سوريا ودمتم.

اليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطة المفريان·

غبطة أخينا Our beloved Brother-in-Christ Your Beatitude Catholicos Mor Baselios Thomas-I, theأخياالحبيب في المسيح، مار باسيليوس توماس.

أصحاب النيافة والسيادة المطارنة والأساقفة.

معالي وزير الداخلية في الحكومة الهندية.

معالي رئيس وزراءState of Kerala, Mr. Oommen Chandy the Opposition Leader, other Honorable ولاية كيرالا.

السادة الوزراء وأعضاء البرلمان التشريعي لولاية كيرالا.

أبناءنا الروحيين الأفاضل الخوارنة والكهنة والرهبان والراهبات والإكليروس الموقر. Assembly, Distinguished Guest, the Reverend Clergy, Ladies and Gentlemen:أيتها السيدات، أيها السادة:

We are very happy to be here, in India, once again.نحن سعداء جداً لوجودنا هنا في الهند مرة أخرى، وكنّا قد زرناها سابقاً للمرة الأولى عام 1964 يوم كنّا مطراناً لأبرشية الموصل، وقد رافقنا سلفنا المثلث الرحمة البطريرك يعقوب الثالث Archbishop in 1964 as a member of the official delegation which accompanied ourوقدووفي زيارته التاريخية آنذاك. وفي وقت لاحق، استطعنا أن نزور هذه to this blessed country three times as Patriarch – in 1982 which was our longestالبلاد المباركة كبطريرك للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم أجمع، ثلاث مرات في عام 1982 وقد كانت أطول زيارة Apostolic Visit to India; in 2000 for the Episcopal Golden Jubilee of the late lamentedوزيارسولية إلى الهند، وفي عام 2000 للاحتفال باليوبيل الذهبي الأسقفي لرئيس أبرشية الكناعنة المثلث الرحمة مار اقليميس أبراهام،and in 2004 on the occasion when our Holy Church in India celebrated the beginning of وفي 2004 حيث بدأنا من الهندthe Silver Jubilee Celebrations of our enthronement as the Patriarch of Antioch and All بالاحتفال بيوبيلنا البطريركي الفضي، وكل تلك الزيارات كانت بموجب دعوات رسمية كنا نتلقاها من قبل الحكومة الهندية، Government of India as well as the Governments of the States in India that we visited –and also by the people, especially of the State of Kerala, irrespective of creed or caste.ومن قبل الشعب الهندي المبارك أيضاً، وخاصةً من ولاية كيرالا العزيزة، بغضّ النظر عن العقيدة أو الطبقة الاجتماعية. We have pleasant memories of those visits; and we are thankful to all for the same.لقد كانت لنا في تلك الزيارات ذكريات سارة لا تمحى، ونحن نشعر بالامتنان للجميع،this is our fourth Apostolic Visit to India as Patriarch – this time, mainly, to share in وهذه هي زيارتنا الرسولية الرابعة كبطريرك إلى الهند والتي فيها نشارككم الفرحة بالاحتفال باليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطة أخينا الحبيب His Beatitude Catholicos Mor Baselios Thomas I of our Jacobite Syrian Christianمار باسيليوس توماس الأول مفريان الهند التي هي جزء لا يتجزأ من كرسينا الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي.

we thank the Honorable Chief Minister of Kerala and his Government for receiving usونحن نشكر معالي رئيس وزراء ولاية كيرالا وحكومته التي لاقتنا بحرارة لا توصف كضيف على الدولة، ونشكر كرم ضيافة شعب ولاية كيرالا المشهورين به.

أيها الأحباء: إننا نرى اليومThe world in which we live is changing so fast that we have a generation born after theننبي العالم الذي نعيش فيه يتغير بسرعة، وقد مكّنت الشبكات العالمية وطرق الاتصالات المتنوعة من النهوض ممفي ميدانof science has enabled people to communicate with one another easily as well as to العلم والتطور وساعدت الناس على التواصل مع بعضهم البعض بسهولة، وقد أثّر هذا في جعل المسافات قصيرة بين دول العالم، وpeople have started migrating from one nation to another in search of Jobs, businessesبدأ الناس يهاجرون من دولة إلى أخرى بحثاً عن فرص العمل، والأعمال التجارية،and for other purposes. ولأغراض أخرى. On the one hand, this has given many opportunities to the peopleالأمر الذي أعطى الكثير من الفرص to find better living conditions; but on the other hand, it has also given rise to manyلإيجاد ظروف معيشية أفضل. ولكن من جهة أخرى، فقد أدى ذلك إلى العديد منproblems. المشاكلSome nations and peoples are becoming richer and richer and some poorer في بعض البلدان التي أصبحت أكثر ثراء وغنى، الأمر الذي ساعد على نشوء صراعات بين الدول داخلياً وخارجياً، وبذلك ابتعد الناس عن اللـه، وتدمرت أواصر المحبة والتسامح التي كانت قائمة Growingفي البدء بين مختلف الأممpeoples. والشعوب.  فزيادة المعرفة في ميدان العلم والتكنولوجيا لا ينبغي أن تبعدنا بعيداً عن اللـه، ولكن بدلاً من ذلك، تقربنا من اللـه الذي يبارك لنا هذهknowledge. المعرفة. Again, we should not forget that as children of God, we are all brothers and

مرة أخرى، ينبغي ألا ننسى أننا أبناء اللـه، نحن وجميع الإخوةsisters; and this, in turn, should enable us to love one another and to live in harmony والأخوات؛ وهذا بدوره، يجب أن يمتّن حبنا لبعضنا البعض ويدفعنا للعيش في وئامwith all. مع الجميع. Religious leaders, social workers and political leaders can, play a very positوالزعماء الدينيون والاجتماعيون والقادة السياسيون لهم الدور الإيجابي والهام في تعزيز وضمان فهم أفضل للوحدة والتعاون فيما بين جميع الشعوب. All major religions of the world had their origin in the continent of Asia, and among theجميع الأديان الرئيسية في العالم كان مصدرها في قارة آسيا، وبينvarious nations in Asia, India has a unique position – of having received the various مختلف الدول في آسيا، وفي الهند تلاقت جميع الأديان في تسامح واحترام متبادَلين.In fact, Christianity came to India before it reached وفي الواقع لقد وصلت المسيحية إلى الهند قبل وصولها إلىEurope. أوربا. وبحسب التقليد الكنسي فإن القديس مار توما الرسول وهو واحد من تلاميذ السيد المسيح الاثني عشر قد وصل إلى ولاية كيرالا عام 52م حيث بشر باسم يسوع المسيح، وفي قرون لاحقة مُنح المسيحيون جميع الامتيازات من الحكام الهنود أسوةtimes and of later centuries received the Christians well, and some of them even grantedHindus, Muslims, Christians and all other religions بالهندوس والمسلمين وجميع الأديان الأخرىlived here in peace and harmony with one another, and we believe that it is so even now. فالكل هنا يعيش في سلام ووئام. We pray God Almighty that this glorious nation of India may continue to remain aونحن نصلي إلى اللـه تعالى ليحفظ الهند لتبقى نموذجاً للتسامح الديني والسلام والوئام.

On this occasion we admonish you to grow spiritually by maintaining strong أيها الأحباء: كما تعلمون،our Jacobite Syrian Church in India is celebrating the Priestly Golden Jubilee of our تحتفل الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الهند باليوبيل الذهبي الكهنوتي لغبطة أخينا الحبيب في المسيح مار باسيليوس توماس الأول مفريان الهند، وقد تمت رسامته الكهنوتية عام 1958by the late Patriarchal Delegate of India His Eminence Mor Julius Elias Qoro. بوضع يد المثلث الرحمة مار يوليوس الياس قورو القاصد الرسولي في الهند آنذاك، وفي عام 1970 رسم مطراناً باسم مار ديونيسيوس توماس فعمل جاهداً للدفاع عن الإيمان القويم والتقاليد الرسولية، وتعزيز روابط الصلة بين الكرسي الرسولي الأنطاكي في سورية وبين الكنيسة السريانية في الهند، ولذلك وبعد انتقال المثلث الرحمة مار باسيليوس بولس مفريان الهند رسمنا نيافة مار ديونيسيوس توماس الأول مفرياناً عام 2002، فعمل جاهداً على إدارة الكنيسة المقدسة في الهند بالتعاون مع أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء وجميع الجمعيات والمؤسسات في الهند. a blessing for him and it helped him to earn a good reputation as an outstandingpractices of our Syrian Church and strengthened the ancient canonical connection of ourmoment we also remember outstanding leadership of the late Catholicos HB mentioning that it was during the time of His Beatitude that our Church in India was

ولا ننسى مساهمة غبطته في ميدان التعليمcommendable. والوعظ والإرشاد، والكثير من المؤسسات التعليمية قد بدأت تحت قيادته،Thus Church has now many institutions providing valuable service not only to the والكنيسة الآن تملك العديد من المؤسسات التي تقدم خدمة قيمة ليس فقط لأmembers of our Church but for society at laعضاء الكنيسة ولكن لجميع الناس. The wonderful Patriarchal Centre atوالمركز البطريركي البديع Puthencruz which is not far from the city of Cochin is a standing monument to his gالذي لا يبعد كثيراً عن مدينة كوجي هو نصب تذكاري دائم لبلده العظيم ونحن نظراً لخدماته وهمته العالية في إدارة الكنيسة في الهند منحناه عام 2007 لقب: «مار يعقوب البرادعي الثاني لكنيسة مالانكارا»، وservices to our Chتجدر الإشارة إلى أن القديس مار يعقوب البرادعي الذي عاش فيsixth century AD was a great leader whose untiring efforts helped our Syrian Orthodox القرن السادس الميلادي كان راعياً عظيماً بذل كل جهده للحفاظ على إيمان الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في أصعب أحقاب التاريخ. وفي هذه المناسبة يطيب لنا أن نهنئ صاحب الغبطة على كل الإنجازات التي تحققت على يديه حتى الآن، وندعو اللـه عزّ وجل أن يمنح غبطتكم الصحة التامة والعمر المديد.

وأطلب الآن من غبطة المفريان أن يقبل منا هذه الهدية المتواضعة وهي عبارة عن أيقونات كتعبير عن محبتنا وتقديرنا لغبطته.

وليبارككم اللـه جميعاً، وليبارك اللـه الهند العزيزة. 

من عظات عام 2009

من عظات عام 2009

تقديس كنيسة مار يعقوب «أخو الرب» ـ الدوحة·

أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء، حضرة الأب كاهن هذه الرعيّة، الآباء المحترمين، الضيوف الكرام، أيّها الأبناء الروحيّون الأحبّاء.

نوّد أن نعبّر بدايةً عن فرحنا الكبير لوجودنا هنا معكم في هذه المناسبة الفريدة لتقديس هذه الكنيسة. وقد فتح لنا حاكم هذه البلاد باب دماثته وكرم أخلاقه، وبسخاء وهب لنا قطعة الأرض هذه لتكون مكانًا للعبادة. اعتماداً على نعمة ورحمة الربّ الإله، سمع اللـه دعاءكم وباركها حتّى التزمتم جاهدين لهذه المهمّة الإلهيّة لبناء بيت اللـه. واليوم وصل سعيكم إلى الذروة. لذا فلنشكر اللـه أوّلا لسماحه لنا بأن نرى هذه الوجوه المُحِبَّة.

أنتم الآن مباركون بتقديس بيت اللـه هذا. كانت أمنية داود النبي والملك أن يبني بيتاً ليهوه، ولكن ذلك لم يتمّ في عهده، بل تحقّق ذلك في عهد ابنه سليمان، لذا إنّه لَتدبير إلهي أن نكون مساهمين في بناء بيت له تعالى. وأنتم الآن محظوظون بأن تشهدوا حلماً تحققونه بأيديكم.

نرى في الكتاب المقدّس أنّ اللـه ظهر في رؤيا لسليمان بعد بناء الهيكل وقال: «اَلآنَ عَيْنَايَ تَكُونَانِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَأُذُنَايَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَلاَةِ هَذَا الْمَكَانِ. وَالآنَ قَدِ اخْتَرْتُ وَقَدَّسْتُ هَذَا الْبَيْتَ لِيَكُونَ اسْمِي فِيهِ إِلَى الأَبَدِ وَتَكُونُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي هُنَاكَ كُلَّ الأَيَّامِ» (2 أخ 7: 15ـ16). ولذلك من الآن فصاعداً هذا المكان مقدّس إذ اللـه حالٌّ فيه على الدوام. وهذا العهد هو بركة عظيمة لأبناء اللـه ـ أن نجتمع هنا لملاقاة اللـه نعمة كبيرة ـ هنا نستطيع أن نقترب أكثر منه ونلتجئ إليه، نستطيع أن نطلب البركات والتعزيات لجهادنا وآلامنا. نأتي إلى هنا لتمجيده وعبادته من أجل النِعَم التي يسبغها علينا باستمرار. لذلك هذا المكان هو مكان تعزية وخلوة روحية لنا، وللذين يتألمّون وللذين يفرحون. ونقرأ في سفر المزامير: «لأَنَّ يَوْماً وَاحِداً فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ»، «مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ. تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلَهِ الْحَيِّ. اَلْعُصْفُورُ أَيْضاً وَجَدَ بَيْتاً وَالسُّنُونَةُ عُشّاً لِنَفْسِهَا حَيْثُ تَضَعُ أَفْرَاخَهَا مَذَابِحَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ مَلِكِي وَإِلَهِي. طُوبَى لِلسَّاكِنِينَ فِي بَيْتِكَ أَبَداً يُسَبِّحُونَكَ» من هنا نرى جمال الكنيسة والسعادة والبركة التي ننالها منها.

نذكّركم أنّ لكلّ واحد مسؤوليّته الخاصة تجاه الكنيسة. واللـه يعيننا لكي نتمّم مسؤوليّاتنا. فيما نقدّس هذه الكنيسة، يجب أنّ نتقدّس نحن أيضاً لنكون مكانًا يحلّ فيه اللـه أي هياكل له. يجب أن نركّز حياتنا وطرقها على مثال الربّ يسوع، باحثين عن مشيئة اللـه تعالى في كلّ شيء وليس أن نركّزها على أمجاد هذا العالم الزائلة والآنيّة.

بما أنّ اللـه هو إله رحمة، فنحن ـ أي أولاده بنعمة التبنّي ـ يجب أن نحمل صورة أبينا السماوي ونكون رحومين مع الآخرين على مثاله. يجب أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي مسؤوليّتي كمسيحي تجاه الآلاف الذين يتألّمون في بلادنا وأماكن أخرى وتجاه أخوتي الأقلّ حظًّا الذين يعيشون في ظروف معاناة وأسى وفقر ومرض؟ هل أستطيع أن أقف مكتوف اليدين، غير آبِهٍ للآخر، مغلقًا عينيّ وأذنيّ حتّى لا أرى ولا أسمع استغاثة أخوتي وأخواتي؟ أيّها الأحباء، يجب أن نكون سامريّين صالحين. يجب ألا نتخلّف عن محبّة الآخر واحترامه، بغضّ النظر عن الاختلافات في الانتماء الديني وغيرها، أحِبّوا الجميع وساعدوا الآخرين بقلب منير وشفّاف.

سيروا على مثال الربّ الذي تواضع حتّى الموت عوضاً عن كلّ واحد منّا، حاولوا أن تصغوا إلى دعوة اللـه التي تتعالى من أقاصي المسكونة، يقول الربّ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ» (متى25: 40 و45). كونوا كالخدّام الأمناء أصحاب الوزنات. قال المهاتما غاندي، أبو الهند: «أريد مسيحكم، لا مسيحيّتكم». يجب أن نسير حقيقةً على خطى ربّنا يسوع المسيح لتصبح حياتنا شعلة نورٍ لمَن حولنا. يجب أن نتاجر بصدق بالوزنات، أي المواهب والفرص التي أودعنا اللـه إيّاها فنصير بالتالي أهلا لسماع ذلك الصوت العذب الصارخ: «تعالوا إليّ، يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم» (متى 25: 34). يسألنا الربّ: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟» (متى 16: 26). يجب أن نحدّد هدفنا الرئيسي ليكون العمل الدؤوب للحياة الأبديّة والكنوز التي لا تزول. يجب أن نختار لأنفسنا هدفًا جديدًا ورؤيا جديدة. فلنسمح لله أن يُعيد صياغة حياتنا في هذا الصوم الأربعيني المقدّس.

وختامًا نشكر حكّام البلاد النبلاء: صاحب السمو الشيخ حَمَد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، وصاحب السمو الشيخ تميم بن حَمَد آل ثاني وليّ العهد، وصاحب السعادة الشيخ حمد بن جاسم بن جبور آل ثاني رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة، لوهبنا قطعة الأرض لبناء هذه الكنيسة وكذلك لتكرّمهم بإصدار تأشيرة لنا لنأتي ونحتفل بتقديس هذه الكنيسة. فليحفظهم الربّ الإله ببركاته بالصحّة والعمر الطويل. كما نصلّي ليبارك الربّ هذه الأمّة ويحفظها بالسلام والازدهار. سرّنا جدًّا الوضع السياسي والاجتماعي في هذه الأرض المجيدة، وكذلك روح الصداقة الدينيّة الموجودة هنا. عندما تعيشون هنا في هذه الأرض الغريبة، أحِبّوا هذه الأمّة كخاصّتكم وصلّوا من أجل سلامتها وازدهارها. نذكر أيضًا مجموعة أخرى من الشخصيّات بمحبّة صادقة وهم أبناء الكنيسة القبطيّة الشقيقة. والجدير بالذكر أنّ كلّ هذه التدابير لم تكن ممكنة لولا دعمهم ومساعدتهم، لا سيما السيّد مجدي والسيّد جرجس شهيد اللذين يستحقّان الثناء الخاص. نكنّ الشكر الخالص لجميعهم. فليحفظهم اللـه جميعًا. أيّها الأحبّاء، نقدّر التزامكم وولاءكم للكرسي الرسولي الأنطاكي المقدّس ولنا. نشكر دعوتكم واستضافتكم لنا والوفد المرافق – نيافة المطران مار فيلكسينوس متياس نايش، المعاون البطريركي ومدير الكليّة اللاهوتيّة في دمشق، والأب الربّان متى الخوري السكرتير البطريركي، والشمّاس الفاضل مرقس أبراهام سكرتيرنا لشؤون الكنيسة في الهند.

لتكن صلوات ودعاء القدّيس مار يعقوب أخي الربّ، شفيع هذه الكنيسة، معنا، أعطانا اللـه الاقتداء بولائه وإخلاصه للربّ يسوع. نشكركم مرّة أخرى مهنّئينكم ونهنّئ خاصّةً أخانا الروحي نيافة الحبر الجليل المطران مار أثناسيوس كوركيس لقيادته ورعايته الحكيمة لكم. كما يسرّنا أن نشكر نيافة المطران مار غريغوريوس جوزيف لمشاركته ومعاونته لنا في خدمة تقديس هذه الكنيسة، وهو يمثّل أخانا بالربّ صاحب الغبطة مار باسيليوس توماس الأوّل مفريان الهند الموجود حاليًّا في أميركا والذي نصلّي من أجله داعين له بالصحة والعمر المديد. نهنّئ أيضًا الأب الفاضل راعي هذه الكنيسة على ما يعطيكم من إرشادات ونُصح في سبيل تشييد هذه الكنيسة بنجاح. يستحقّ أعضاء الجمعيّة الإداريّة واللجان الأخرى والمؤمنون الثناء والتقدير لتفانيهم ودعمهم وعنايتهم بالكنيسة. ليحفظكم اللـه جميعًا وشكراً.


تدشين مجمع الأمل التربوي ـ الحسكة·

سيادة اللواء معذّى نجيب سلوم محافظ الحسكة المحترم.

سيادة العميد ياسر الشوفي قائد شرطة محافظة الحسكة المحترم.

رجال الدولة. أيها الحفل الكريم:

نشكر اللّه جزيل الشكر على هذه الفرصة الجميلة التي أتاحها لنا لنشارك في افتتاح مجمّع الأمل التربوي الخاص في الحسكة. ونشكر أخانا صاحب النيافة الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متّى روهم مطران الجزيرة والفرات الذي دعانا لنرعى هذا الحفل وجعلنا أن ننال هذه البهجة العارمة بمشاركتكم الفرحة بافتتاح هذه المدارس، مدارس الأمل، والأمل بنجاحها وهي ناجحة. وافتتح كلمتي ـ وليس لي كلمة وإنما بركة ـ بأن أحيي رئيسنا المحبوب الدكتور بشار حافظ الأسد المبجّل الذي لولاه وهو ربُّ العلم والمعرفة ومشجِّع العلماء، لولاه لما كانت هذه المدارس مزدهرة ولما نلنا الحرية التامّة في تربية أولادنا التربية الصالحة، ليس فقط في العلم كما قال أخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متّى روهم بل أيضاً بالخلق.

نِعمَ ما قاله بعض الفضلاء: «إذا فتحت مدرسةً أغلقتَ سجناً» فالمدارس هي المأوى الذي إليه يلتجئ الإنسان ليس فقط ليثقِّف نفسه، بل أيضاً ليهذِّب هذه النفس، لأنه ماذا ينفع العلم إن لم يقترن بالأخلاق السّامية. فإن ما قام به نيافة أخينا مار أوسطاثيوس متّى روهم يُعَدُّ عملاً جبّاراً لأنه خدم فيه الكنيسة والوطن، وعلَّم الإنسان أن يعبد اللّه من كل نفسه ومن كل عقله ومن كل إرادته وأن يحب قريبه كنفسه.

نحن نعلم ما ورثناه من آبائنا أنه لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً صالحاً ما لم يكن مواطناً صالحاً لبلده، فنِعمَ ما تقوم به المدارس من تهيئة المواطنين الصالحين المؤمنين باللّه تعالى والذين يعبدونه بالروح والحق. ففي هذا اليوم يسعدني أن أشارككم الفرحة وأرجو أن تشاركوني الشكر للّه تعالى على كل ما أنعم به على نيافة أخينا مار أوسطاثيوس متّى روهم بأن يرى ونرى معه بأعيننا هذا الصرح المجيد، بل أن نرى أيضاً ونسمع ما قام به أطفالنا من الترانيم والفعّاليّات التي أبهجتنا كثيراً وأسعدتنا ووضعت في قلوبنا الأمل بمستقبل باهر لهذا الجيل الطالع.

وقد حاولتُ أن أعبِّر عمّا يكنّه قلبي وفكري من شعور في هذه المناسبة نحو شعبنا المؤمن المبارك ورئيسنا بشار الأسد وكل المسؤولين الذين يسعون متعاونين في إيجاد المدارس والاهتمام بمناهجها، فلم أستطع أن أعبِّر عمّا يكنّه القلب والفكر.

وكيف أشكر نيافة أخي الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم الهُمام الغيّور، فخطرت لي فكرة، فقد كنتُ قد شكرتُ سلفه الطيب الذكر المثلث الرحمة المطران مار أوسطاثيوس قرياقس الذي كان أميناً في خدمة الوطن والكنيسة وحافظ على أوقافها، وقلّدتُه حينذاك أرفع وسام في بطريركيتنا، وسام الصليب الأكبر للقديس مار إغناطيوس النوراني. ورأيتُ بعد أن أنجز أخي مار أوسطاثيوس متّى روهم ما أنجز من تشييد الكنائس والأديرة والمدارس وتثقيف الجيل الطالع بالثقافتين الدينية والدنيوية معاً. رأينا أن نقلِّده هو أيضاً أرفع وسام في البطريركية كما كنّا قد قلَّدنا سلفه الطيِّب الذكر المطران قرياقس. فيسرني الآن أن أقوم بهذا العمل لأعبِّر بالعمل ما لم أستطع أن أعبِّر عنه بالكلام.

فليبارككم الله جميعاً ونتمنّى لمجمَّع الأمل التربوي التوفيق والنجاح، ولأبرشية الجزيرة والفرات اطراد التقدم والازدهار، ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً، آمين.

من عظات عام 2010

من عظات عام 2010

دور العلماء في ضبط الخطاب الديني·

سيادة الدكتور محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف المحترم،

أصحاب السماحة والفضيلة والسيادة،

أيها الحفل الكريم:

يطيب لنا أن نلبي دعوة سيادة وزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الستار السيد، للمشاركة في هذا المؤتمر العربي الوطني، المُنعقد تحت شعار: (دور العلماء والدعاة في ضبط الخطاب الديني ووحدة الأمة). وباسم رؤساء الطوائف المسيحية في سورية، نشكر سيادته على دعوته اللطيفة، متمنين للمؤتمر النجاح والتوفيق.

بدايةً نشكر الله تعالى الذي أنار أبصارنا لندرك جيداً وبجدية، التحديات التي تواجهنا، مسلمين ومسيحيين، هذه التحديات التي أوجدها أعداء الخير والإنسانية، وضرورة مواجهتها بالإيمان بالله تعالى، وبثقتنا بأنفسنا ومحافظتنا على وحدتنا الوطنية، وهذه الوحدة الوطنية ليست أمراً غريباً عن بلادنا وشعبنا، بل تعود إلى فجر الإسلام وهي مستمرة حتى اليوم، قانونَ حياةٍ، وتراثاً للأجيال، وواقعاً يَسِمُ حياتنا اليومية والوطنية، ومهما تقلّب الزمن وتبدلت الأحوال، سنظل معاً يداً بيد، نحمي وطننا الغالي، ونصون وحدة شعبنا الأصيل، حول معتقداته وقيمه الوطنية والقومية. فعندما ظهر الإسلام، فتح السوريون أبواب سوريا أمام إخوتهم المسلمين العرب، وتعاون المقيمون والقادمون على طرد المحتلين الظالمين الذين سفكوا دماء المسلمين والمسيحيين. كما تعاونا أيضاً عبر الدهور والأجيال في نشر حضارتنا العربية، ولا يوجد في العالم من يستطيع إنكار دور الحضارة العربية التي ساهمت في تقدم العالم وازدهاره، وقد نشرها المسلمون والمسيحيون معاً في العالم أجمع. والأخطار التي واجهناها في الماضي ونواجهها في أيامنا هذه استهدفت وتستهدف شعبنا كله، فهي لا تفرق بين مسلم ومسيحي، والتصدي لها وإحباطها يُجمع عليهما الشعب بكل طوائفه ومذاهبه، وقد انتصروا عليها بإيمانهم بالله تعالى وبوطنهم العربي العزيز، فكانوا مسيحيين ومسلمين كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً، ببث الوعي القومي وتوطيد الوحدة الوطنية.

وإننا نفتخر بوحدتنا الوطنية التي يعتزّ بها كل مواطن سوري في الوطن والمهجر، وبإرادتنا القوية وبتأييد من القائد التاريخي المغفور له الرئيس حافظ الأسد، تحوَّلت الوحدة الوطنية من حلم إلى حقيقة، حيث أرسى ـ رحمه الله ـ قواعد المواطنة الحقيقية، ليعيش الجميع على أرضٍ هي للجميع، والكلُّ متساوٍ في الحقوق والواجبات. فأعياد المسيحيين هي أيضاً أعياد للمسلمين، والعكس صحيح، فتمَّ فينا قول القديس بولس الرسول: «أعضاء كثيرة ولكن الجسد واحد، لا تقدر العين أن تقول لليد لا حاجة لي إليك، أو الرأس أيضاً للرجلين لا حاجة لي إليكما، بل بالأولى أعضاء الجسد التي تظهر أضعف هي ضرورية… فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه، وإن كان عضو واحد يكرّم فجميع الأعضاء تفرح معه».

وعندما تسلّم سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد دفّة القيادة، التفّ حوله جميع أبناء الوطن، إذ أعطى كل ذي حقٍ حقه دون تمييز بين مسلم ومسيحي، وتابع مسيرة التطوير والتحديث، وكافح الفساد وبثِّ السموم، وواجه بقيادته الحكيمة جميع أعداء الوطن في الداخل والخارج، وقال كلمته الرادعة في وجه أعداء الشعوب المتطلعة إلى فرض إرادتهم على الآخرين، ووضع يدهم على ثروات الشعوب، ودائماً كنا وسنبقى مسيحيين ومسلمين إلى جانبه لحماية سورية وتحقيق سيادتها ومصالحها الوطنية والقومية.

أيها السامعون الكرام: ما أجمل أن يجتمع الإخوة معاً! ما أسمى أن يجلس القادة الروحيون، حول طاولة واحدة ليدرسوا معاً كل ما هو نافع ومفيد للدين والدنيا. وخيراً فَعلت وزارة الأوقاف إذ دعت لهذا المؤتمر انطلاقا من إيمانها بدور علماء الدين والدعاة في توجيه أبناء الله وإرشادهم إلى الحق وحثّهم على أعمال المحبة والرحمة التي لا يجوز أن تقتصر على الأخ والصديق والجار، بل يجب أن تتعدى ذلك، لتطال كل الناس أياً كانت مهنتهم ودينهم، على حدّ قول الرسول العربي الكريم: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه»، وهذا ما قصده الكتاب المقدس بقوله: «من قال إنه في النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن في الظلمة، من يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة».

مما لا ريب فيه أنّ للخطاب الديني دوراً هاماً في توعية المؤمنين بالاهتمام بحياتهم الروحية والاجتماعية والوطنية، ودفعهم إلى احترام الآخر انطلاقا من مبادئ الشريعة، على عكس ما تقوم به اليوم بعض وسائل الإعلام، فقد باعدت بين الشعوب وزادت في إبراز الفوارق وتعميق سوء الفهم، رغم أنها قربت المسافات.

إن الدين في سورية لهو ثقافةُ حياةٍ بكل جوانبها، وليس ديناً ينظّمُ العلاقة الفردية، بل يقرُّ بالتعدد والتنوع ويدعو إلى الحوار والقبول بالآخر، فصحيح أننا أتينا من أديان ومذاهب مختلفة لكن الوطن يوحدنا، ويجمعنا بكل فئاتنا، فلنسع جاهدين من خلال خطبنا وعظاتنا أن ندعو أبناءنا إلى محبة الله ومحبة القريب، والتمسك بالشرائع الإلهية ومحبة وطننا العزيز.

ختاماً نكرر شكرنا لسيادة وزير الأوقاف وللقيمين على هذا المؤتمر.

وشكراً لكم جميعاً، والسلام.

الإخاء الإسلامي المسيحي في سوريا·

معالي الدكتور محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف الأكرم

أصحاب الغبطة والسماحة والنيافة والفضيلة

أيتها الأخوات، أيها الإخوة

مرةً أخرى نلتقي فيها، لنثبِّتَ المحبة في القلوب، ولنعزّز وحدتنا الوطنية، ولنشبك أيدينا معاً، لنُعلن للعالم أجمع من هم أبناء سورية، وكيف تكون المواطنة الحقيقية، الأمر الذي بات معلوماً لدى القاصي والداني. فما أسعدنا، وما أبهجنا ونحن بلقائنا اليوم نضيف لبنةً جديدة للسور المنيع الذي يحصّن سورية ويحمي أبناءها جميعاً، بكل طوائفهم ومذاهبهم وحضاراتهم وثقافاتهم، ويصونهم من كل غدر وشر.

وجلاء للحقيقة أقول: لقد تعجَّب البعض، كيف أن وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية، تبادر بالدعوة إلى مؤتمر دولي كبير لتبحث أبعاد مقررات السينودس الكاثوليكي لأجل الشرق الأوسط والبلاد العربية، الأمر الذي غاب عن بال المسيحيين والمسلمين في أي بلد آخر، فقد كان لوزارة الأوقاف قصب السبق بهذه المبادرة الطيبة، تجسيداً منها لدعوة القرآن الكريم: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» ولدعوة الإنجيل المقدس: «وكانت جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحدة»، وترسيخاً لنموذج الإخاء الفريد في سورية والتي قال قائدها السيد الرئيس المبجل الدكتور بشار الأسد: «نحن في سورية وُجِدنا موحَّدين، ونحن النموذج الطبيعي للمجتمع والإنسانية، وللعلاقة بين الأديان»، فشكراً لمعالي الدكتور محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف على لفتته الكريمة هذه، متمنين لمعاليه وللمؤتمر النجاح والتوفيق.

ويجدر بنا أن نحيّي من هذا المكان صاحب الفضل في كل ما وصلنا إليه، بلداً وشعباً، الرجل الذي وحّد الشعب، وربط أواصر الوحدة الوطنية، وأقام العدل بين المواطنين، فالأحب إليه، هو الأكثر حباً لوطنه، والأقرب إليه، هو الأكثر تضحيةً من أجل شعبه وأمته، لا يفرّق بين مواطن ومواطن، ولا يرفع فئة على حساب فئة، فهل من الغريب أن يكون سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد في قلب كل مواطن؟

ونحن السريان أينما كنا في جميع أنحاء العالم فقد ارتبط اسمنا باسم سورية، وتاريخنا بتاريخ سورية، نحن شريحة من هذا الوطن العزيز، نفتخر ونعتزّ بالرجل الذي يعرف التاريخ حقَّ المعرفة، ويملك الحاضر بيديه القويتين، ويرسم المستقبل اعتماداً على الحضارة المستمرّة في سورية منذ ألوف السنين، فله منا كل المحبة والتقدير، ونسأل الله أن يمدَّ سيادته بالصحة التامة والعمر المديد ويجعل أيام سورية على يديه أيام عزٍّ ونصرٍ وابتهاج.

أيها الحضور الكريم: تلبيةً لدعوة قداسة البابا الروماني بندكتوس السادس عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية للمشاركة في السينودس الكاثوليكي لأجل الشرق الأوسط، أوفدنا نيافة المطران مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم مطران حلب، ليمثّل كنيستنا السريانية الأرثوذكسية في هذا المجمع المهم، وقد كان لنيافته مداخلات هامة، عبّرت بشفافية عن واقع حال المسيحيين في الشرق الأوسط، وبشكل خاص عن علاقة السريان الفريدة بإخوتهم المسلمين.

وإذ اطَّلعنا على خلاصة أعمال السينودس وما توصَّل إليه المجتمعون من مقررات وتوصيات، عرفنا حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع في هذا الشرق الحبيب دون استثناء، مسيحيين ومسلمين على حدٍّ سواء، ودون تمييز منطقة على منطقة، فما يجري في فلسطين والعراق وغيرها من البلدان، هو خير دليل على محاولات أعداء الخير، لتقليب الأخ على أخيه، والجار على جاره، بُغية إحكام السيطرة عليه ونهب ثرواته وخيراته، بدعم وتشجيع من دول غريبة بعيدة لا يطالها الدمار والنار، ولا تصل سُحب الدخان السوداء إلى سمائها.

وأما القدس، فهناك خط أحمر، ما سمحنا يوماً، ولن نسمح لأحد أن يتجاوزه، فالقدس مهبط الوحي والإلهام، ومحطّ أنظار وآمال المسيحيين والمسلمين، وتحاول إسرائيل اغتصابها من أهلها الشرعيين والاستيلاء على مقدّساتها المسيحية والإسلامية، وتسعى جاهدة بكل ثقلها لتهويد القدس، ولكن هذه المدينة العظيمة لم تكن لهم، ولا هم بنوها، ولا هم سكنوها، إن الصهاينة يزوّرون التاريخ، ويخضعون الحقائق لأطماع التوسّع والتسلّط، ويجعلونها مطية لهم إلى أطماع سياسية واقتصادية، لا يربطها بالدين رابط، ولا بالأخلاق شاهد.

إنّ التعصّب الصّهيوني العنصري المعادي لجميع الأديان والشّعوب لم ينتج الحروب والاضطرابات الّتي شهدها الشّرق الأوسط منذ الأربعينات من القرن الماضي وحسب، بل هو أيضاً بتطلّعاته وعدوانيّته وأطماعه، يمهّد الأرض لصراعات عرقيّة ودينيّة وسياسيّة في المستقبل.

وإنّ شلّ يد التعصّب الدّيني العنصري بالحقّ والشرعية قبل أن تمتدّ إلى مقدّسات الغالبية العظمى من شعوب العالم، واجب على كل الشعوب والأمم والدول وواجب علينا قبل الجميع.

ولا بدّ لنا ونحن في هذا المقام أن نشجّع مسيحيي الشرق، وخاصة في فلسطين والعراق، على التشبث بتراب الوطن، ميراثنا الشرعي من أجدادنا وآبائنا، وليس لأحد غيرنا أي حقٍّ فيه، هذا وطننا ونحن فيه منذ آلاف السنين قبل مجيء المسيح وبعد مجيئه، وجذورنا فيه عميقة لا يمكن اقتلاعها، وسنظل راسخين فيه إلى نهاية العالم.

إننا نحتاج اليوم كمسلمين ومسيحيين إلى بثِّ الوعي القومي والاقتداء بالآباء الذين سفكوا دمهم على أرض الوطن يوم حرروه من غاصبيه، وعبر الأجيال ذادوا عن حياضه، وكان المسلمون والمسيحيون في خندق واحد. فلنوطّد الوحدة الوطنية، ولننبذ التعصّب والعنف والتطرّف والإرهاب بكل أشكاله، وبقلبٍ واحد نصلي إلى الله تعالى لينشر أمنه وسلامه في أرجاء شرقنا الحبيب، ويمنح جميع القادة، الحكمة وسداد الرأي، لما فيه خير البلاد والعباد.

مجدداً، شكري الجزيل لوزارة الأوقاف، ولرؤساء الطوائف المسيحية في سورية. شكراً لإصغائكم.

مأدبة إفطار رمضانية·

صاحب السيادة الدكتور محمد عبد الستار السيد، وزير الأوقاف الجزيل الاحترام، أصحاب السماحة والفضيلة والسيادة علماء الدين المسلمين والمطارنة وممثلي الطوائف المسيحية.

أيها الحضور الكريم: باسمي واسم صاحبي الغبطة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم والبطريرك غريغوريوس الثالث لحام، وباسم أصحاب السيادة رؤساء الطوائف المسيحية بدمشق، ومطارنة الأبرشيات السريانية الأرثوذكسية في سورية ولبنان يطيب لي أن أرحب بكم أيها الأخوة الكرام، في مُجمَّع دير مار أفرام السرياني، وأقول أهلاً وسهلاً بكم ونحن مجتمعون الآن على مائدة المحبة بمناسبة شهر رمضان المبارك، فكل عام وأنتم بألف خير، ووطننا العزيز سورية بخير، ورئيسنا المبجَّل الدكتور بشار الأسد بخير.

ويسعدنا جميعاً أن نلتقي في كل مناسبة، لنؤكد من جديدٍ، والمرة تلو المرّة، إننا أخوةٌ في وطنٍ، هو للجميع والجميع له، فلقاؤنا اليوم معاً هو صورةٌ رائعة للوحدة الوطنية التي امتازت بها سورية عن الكثير من دول العالم، الأمر الذي جعل منها قدوةً ومثالاً لكل من يعرف قيمة الحرية وأهميتها ودورها في تقوية الأمم وإطلاق طاقاتها الكامنة وقدرتها على التقدّم والتطور بالعلم والثقافة وحرية المعتقد والتفكير.

فوحدتنا الوطنية هي سرّ قوة هذا الوطن الجميل، ذي التاريخ الغني والعطاء المستمر في جميع الميادين العلمية والحضارية والثقافية، وفي لقائنا اليوم نُكمِّل رسالة الآباء والأجداد بالوقوف معاً جنباً إلى جنب، ويداً واحدة نساهم في بناء هذا الوطن الغالي، الذي تسهر عيون قادته من أجل أمن أبنائه وراحتهم، وتأمين حياة أفضل ومستقبل زاهر لهم.

وقوة سورية كانت دوماً نابعةً من وحدتها الوطنية التي تهزم الأعداء، وتزيد الحكام الوطنيين قوةً على قوة، وقد قُلتها مرةً وسأقولها ثانيةً: صحيح أن الوطن مستهدف ولكننا يقظون لِما يجري في العالم، ونلمسُ كل يومٍ التحديات الكبيرة التي نواجهها في هذا الوطن ولكن ليست هي المرة الأولى التي فيها نرى وطننا العزيز يواجه التحديات من قبل أعداء الوطن، وفي كل مرة يفكِّر أولئك بأن القضاء على وطننا سهل، يعودون إلى الوراء لأنهم يرون أن وراء الوطن يقف شعبٌ متماسك متَّحد.

فالأديان والمذاهب والانتماءات في سورية كلها تذوب في بوتقة الوطن، وعند التحديات يربح الوطن ويخسر الأعداء.

إننا نحتاج اليوم كمسلمين ومسيحيين إلى بثِّ الوعي القومي، والاقتداء بالآباء الميامين الذين سُفك دمهم على أرض الوطن، وعبر الأجيال ذادوا عن حياضه وكان المسلمون والمسيحيون في خندق واحد، كما أنهم سعوا إلى حماية الحضارة العربية وسلّموها إلينا أمانة في أعناقنا لنصونها كحدقة العين، ودمهم يجري في عروقنا فنحن شعب عربي واحد، فلنوطِّد الوحدة الوطنية في الوطن الواحد، ولنكُنْ كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، فكلنا أبناء هذا الوطن الواحد ونعبد اللّه الواحد الأحد.

ولنعلّم أولادنا أن الإسلام والمسيحية تكامل تاريخي في بناء الحضارة، وأن آباءنا المسلمين والمسيحيين بمحبتهم للعلم، ونشرهم إياه، وبأخلاقهم الحميدة المبنيَّة على أسس الدينين الساميين المسيحية والإسلام نشروا الحضارة الحقيقية التي هي من أهم خصائصها تهذيب أخلاق الإنسان لينشأ أميناً للّه تعالى، ومحبّاً لوطنه أينما كان، متحلّياً بالفضائل السامية في عالم اليوم، الذي عمّ فيه الفساد وانهيار الأخلاق «وإنما الأمم الأخلاق».

وحيث أن رسالة المسيحية والإسلام، هي رسالة إيمان ومحبة وسلام، فباعترافهما بعضهما ببعض، وتعاونهما معاً، تزداد هذه الرسالة قوةً، وتتمكن من إنشاء جيل مؤمن فاضل، وناكر ذاته، يُسعد نفسه والعالم، بنبذه الحروب، ويرفض الذلَّ والجور واللامبالاة، لأنه ينصت جيداً إلى صوت الضمير الحي، ويعمل بموجب شرائع الدين الصحيح، فيتمّ القول: المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة.

أهلاً وسهلاً بكم مرةً ثانيةً، وكل عام والوطن بخير.


تدشين مركز البطريرك زكا الأول عيواص

الثقافي الاجتماعي في الحسكة ·

سيادة اللواء معذى نجيب سلوم محافظ الحسكة الجزيل الاحترام.

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاّء، السادة المسؤولين في الحزب والدولة:

أيها الحضور الكريم:

بهجتي وفرحتي اليوم لا حدود لهما، وأنا بنعمة اللّه أفتتح هذا المركز الجميل، شاكراً اللّه الذي أبهجني في شيخوختي لأرى هذا العمل الجبّار الذي قام به نيافة أخينا الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، المطران الهمام الذي اشتهر عنه محبته للبناء والعمران، فلم يكتفِ بالأديرة والكنائس، بل باشر بهمّة ونشاط ببناء المدارس والمراكز الثقافيّة وتربية هذا الجيل الناهض تربية روحية وثقافية واجتماعية. الأمر الذي يعتبر خدمة للوطن العزيز والكنيسة المقدسة، بل للعالم أجمع.

فهذا هو المطران الذي رفع رؤوسنا واشتهر بمحبته للوطن العزيز والكنيسة المقدسة، واشتهر أيضاً بمحبته للّه تعالى ومحبته للقريب، والقريب عنده وعندنا هو كل إنسان يحتاج إلى دعمنا ومساعدتنا.

أدام اللّه هذا الحبر الجليل لكي يواصل خدمته للوطن، وهو القدوة والمثال لخدمة أبناء الوطن وأبناء الكنيسة. إنه الحق لابدّ أن يُقال، فقد عمل جهده في خدمة المواطن من أي اتجاه كان، وهو يسعى ليكون قدوة ومثالاً للجميع في السعي وراء الخير والحضارة والثقافة، وجعل أبناء هذا الوطن العزيز محبين لوطنهم وباذلين جهدهم ليخدموا الوطن مضحين بالغالي والنفيس في سبيل رقيّه وازدهاره.

وقد أنعم اللّه علينا في هذه الأيام أن يرأسنا شاب ذكي، يبذل كل ما في وسعه في سبيل رقي هذا الوطن العزيز سورية، وهو رئيسنا المبجّل الدكتور بشار الأسد، الذي نرجو اللّه أن يمتّعه بالصحة والعافية والنجاح في كل عمل يقوم به في سبيل هذا الوطن العزيز والذود عن حياضه.

أيها الحفل الكريم: ليس لي من الكلمات الذهبية لأعبّر عن شكري لأخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم، وأسأل اللّه أن يؤهّلني أن أقوم بما يرضيه تعالى في خدمة كنيسته المقدسة ووطننا العزيز سورية وأشكره وسيادة المحافظ الجليل على هذا الحفل الجميل النابع من محبة الوطن والشعب المبارك، وأتمنى لهما ولكم الحفلات الجميلة والمناسبات السعيدة. عاش وطننا العزيز سورية وعاش رئيسنا الدكتور بشار الأسد وعشتم جميعاً آمين.

وضع حجر الأساس لروضة ومدرسة الآمال الخاصة·

نيافة مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات الجزيل الاحترام

الأحبار الأجلاّء، الكهنة والشمامسة والمجالـس المليّـة.

أيها الشعب المبارك: قبل ثلاثين عاماً اختارني الرب لأكون خادم خدّام السريان، كأب روحي لهم، حينذاك كان المثلث الرحمة المطران قرياقس قد ألحّ جداً أن أقوم بزيارة الجزيرة أبرشيته حينذاك قبل كل الأبرشيات. فزرتُ الجزيرة ورأيتُ فيها مجد السريان والجزيرة بشعبها المبارك الذي هو عنوان الوحدة الوطنية، فهو يحب وطنه ويحب رئيسه المغفور له حافظ الأسد يومذاك، كما يحب الآن رئيسنا المبجل الدكتور بشار حافظ الأسد. واليوم على كرسي أبرشية الجزيرة حبر عالم ذكي مربٍّ ناجح وغيور ومحب لكنيسته ووطنه، وعنوان المحبة يعطينا النصر دائماً. إنه نيافة أخينا الحبيب مار أوسطاثيوس متى روهم. لفترة من الزمن قصيرة جداً، رأينا النهضة في هذه الأبرشية. الكنائس تشيَّد، المدارس تشيَّد، الشعب يتثقف بأنواع اللغات والثقافات وأنواع الروحانيات.

فتشوا سجلاّت الحكومة وسجلاّت كنيستنا السريانية، لتروا وقف السريان قد ازدهر وتقدّم، وكله باسم الوقف. لقد قام نيافته بعمل جبار، ولم يذكر اسمه، لكن اللّه تعالى سيذكر اسم نيافة المطران متى روهم. والشعب السرياني الأصيل المُحب للكنيسة، سيذكر اسم هذا الحبر الجليل الذي سعى لترقية السريان في الجزيرة والفرات. إنني بفخر أقول ذلك وتأكّدوا في سجلات الحكومة والكنيسة أنه لم يسعَ لنفسه ولم يسجّل شيئاً لفائدته، إنما لفائدة السريان في أبرشية الجزيرة وسائر الأبرشيّات أيضاً.

إنني أقرّ أمامكم أيها الأحباء أن ما أقوم به وقد ذكره نيافته إنما أقوم به بتعاونه، وجامعة الأخطل التي ننوي تشييدها ـ نشكر اللّه ونشكر رئيسنا المبجّل الدكتور بشار الأسد الذي منحنا رخصة لتشييدها ـ إنما نشيدها معاً لأن الرب اختار أن يكون تشييدها في أرض الجزيرة التي يرعاها نيافة أخينا الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم.

هذا فخر لنا، أن في عهدنا نجد مطارنة يشيدون ويؤسسون الكنائس والمدارس وأيضاً المراكز الدينية والاجتماعية، ففي كل مكان نجد ذلك في أبرشياتنا العزيزة، في الجزيرة التي كان لها تاريخ مجيد ويعاد تاريخها اليوم على يد نيافة أخينا مار أوسطاثيوس متى روهم.

فمجد جديد يُضاف إلى مجد تليد سيبقى تاريخه مسجلاً بأحرف من نور أن أحباراً أجلاّء يسعون إلى إعادة مجد السريان في كل مكان.

هذه الجزيرة كانت عنواناً دائماً، وما تزال أيضاً عنواناً للتقدم، وفخراً للسريان في كل مكان. تأملوا ما يعمله نيافة أخي الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى، الاهتمام بالمدارس بغيرة وقادة وهو المربي الكبير، الاهتمام بتشييد الأوقاف في كل مكان والكنائس لكي تكون مكاناً للتقوى ومخافة اللّه. الاهتمام بالفقير والمحتاج والمسكين في تربيته وتثقيفه، لا يعنيه أن هذا محتاج لأن الكنيسة أمه ونيافة مطران الأبرشية أب لهم، وأنا شخصياً أشعر بأنه يسعى دائماً إلى رقي الكنيسة ورقي أبرشيته التي تضم السريان الأعزاء، والأبرشية بعددها وعدّتها بسريانها، بشبابها وشاباتها يسعون دائماً بتوجيهه إلى خدمة الرب وخدمة لغة الرب السريانية المقدسة، وإلى رقي وازدهار هذه الأبرشية وبقية الأبرشيات. حفظه اللّه وجعل منه عموداً للكنيسة دائماً ونرى فيه أيضاً قدوة ومثالاً لأحبارنا الأجلاّء.

أيها الأحباء: ليس بإمكاني أن أعبّر عمّا يجول في قلبي وفكري من محبة، والمحبة عنوان هذه الجزيرة ومطرانها. ليس بإمكاني التعبير. وأنا والحمد للّه قد تحسّنت صحتي كثيراً، وقمتُ بشيخوختي ألبّي محبته لأزور هذه الأبرشية التي زرتها أول أبرشية بعد جلوسي على الكرسي البطريركي بالنعمة لا بالاستحقاق.

أتمنى لكم دائماً احتفالات كهذه. أتمنى لسيدنا المطران متى روهم السعي والمواصلة لخدمة هذا الشعب المبارك، أتمنى له الاستمرار بتأسيس الكنائس والمدارس، أتمنى له العمر المديد، وما يسعى إلا لصالح الكنيسة والوطن. هذا ما أقوله أمام القريب والغريب وأصلي ليعطيه الرب أياماً كثيرة وسنين عديدة في خدمة الكنيسة والوطن والشعب والنعمة معكم.

 

وضع حجر الأساس لثانوية الحرية الخاصة·

رجال الحزب والدولة، الأحبار الأجلاّء، الكهنة الأفاضل،

أعضاء المجلس الملي، أيها الحفل الكريم:

أشكر اللّه شكراً جزيلاً على ما أسبغ عليَّ من نِعَم عظيمة. أشكر اللّه الذي ألهم أخي الحبيب الحبر الجليل مار أوسطاثيوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، فتكرّم بدعوتي لأشارككم هذه الفرحة العظيمة فرحة تأسيس المدارس التي منذ أن جلس على كرسي أبرشية الجزيرة والفرات، وهو يسعى لتأسيسها، بل أيضاً لتشجيع أبناء الأبرشية للاشتراك بها، لأنه كما ذكر بكلمته الرائعة نحن لابدّ أن نقتدي بآبائنا وأجدادنا، بمار أفرام، بمار يعقوب النصيبيني، بكل علمائنا عبر الدهور والأجيال. والآن يسعى نيافته ليضيف مجداً على الأمجاد السالفة، وليحقق أحلام الطيبين من أبناء شعبنا المبارك بتأسيس المدارس وتأسيس الكنائس لينمو هذا الشعب وخاصة الشباب منهم نمواً بالنعمة وبالعلم والثقافة وبمحبة الكنيسة ومحبة الوطن العزيز سورية. لا فُضَّ فوك يا أخي صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم على تلك الكلمات الذهبية التي أتحفتنا بها، وستكون عبرة للأجيال لأنك أصبحت قدوةً للراعي الصالح، للراعي الذي تهمه الثقافة والروحانيات وكل ما هو جيد لكنيستنا ولشعبنا ولسورية العزيزة.

إنني مما زاد فرحتي في هذا اليوم أن نيافة الحبر الجليل مار ديونيسيوس بهنام ججاوي تبرع بسخاء لتشييد هذه الثانوية التي هي ضرورية جداً لهذه المدينة العزيزة. نعم، قلتها قبل ثلاثين عاماً: «من لا يعرف الجزيرة لا يعرف السريان». وأقولها الآن بعد أن رأيت ولمستُ النهضة العظمى لهذه الأبرشية بعد أن جلس على كرسيها بالنعمة وبالاستحقاق أخي الجليل صاحب النيافة مار أوسطاثيوس متى روهم. فشُيِّدَت المدارس في كل مكان، وجُدِّدَت الكنائس في كل مكان. ونرى الفتيان والشبان وكذلك الكهول والشيوخ مهتمين بأمور كنيستهم ومحبة وطنهم والسعي لازدهاره ورقيّه، ليكون وطناً عزيزاً نشعر فيه أننا كمواطنين نتمتع بكل الحقوق للمواطنة، فأدام اللّه رئيسنا المبجل الدكتور بشار الأسد. الذي لولا تشجيعه ولولا عضده ولولا محبته للوطن ولأبناء الوطن من جميع الملل والنحل لما كانت هذه النهضة التي جعلت من سورية عنواناً للافتخار بالوطن العزيز وبأبناء الوطن من نواح عديدة إن كانت ثقافية وإن كانت علمية. فنحن نشكر اللّه أن لنا رئيساً مبجلاً كالدكتور بشار حافظ الأسد، ونشكر اللّه على أحبارنا الأجلاء، فقد ارتقت وازدهرت أبرشياتهم في كل مكان لأنهم رعاة صالحون لهذا الشعب المبارك. نشكر اللّه أننا أبناء أولئك الجبابرة العظام في جميع الميادين السريان الأرثوذكس الذين بهم نفتخر، بل نشكر اللّه على أننا أولادهم وأحفادهم.

أيها الحضور الكريم: ليس بإمكاني أن أشكركم جميعاً على الاستقبال الحافل الذي اعتادت عليه المالكية، واعتادت عليه القامشلي وسائر أبناء الجزيرة الأعزاء. أشكر اللّه وأشكركم على الحفاوة التي نلتها وأنا خادم خدام هذه الكنيسة المقدسة وبدون استحقاق تكريمكم إياي. أشكركم جزيلاً أحبائي وأدعو لكم بالصحة والعافية والتوفيق الجليل، وليحفظ اللّه أولادكم وأحفادكم والنعمة معكم.

من عظات عام 2011

من عظات عام 2011

قداسته يبارك أبناء أبرشية حلب·

أشكر الله كل الشكر الذي أهّلني أن ألبي دعوة أخي الحبيب صاحب النيافة الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم لزيارة هذه الأبرشية العامرة، التي افتخر بها كل الافتخار، واعتز بها، وأرى فيها أبرشيةً ليست للسريان فقط، بل أيضاً لكل من آمن بالرب يسوع واتّكل عليه، ولكل من طبّق شريعة الرب يسوع فآوى الغرباء، واستقبل الذين عانوا من شدة هذا العالم. إن أخي صاحب النيافة مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم الذي كان وما يزال إلى جانبي منذ كان شماساً، وكان وهو فتى شاباً، مثقفاً، وشماساً ممتازاً، يهتم برعاية هذه الكنيسة المقدسة.

إنني أفتخر به واعتز كل الاعتزاز، وأرى وقد واكبتُ مسيرته، ورأيتُ غيرته الوقادة، وإيمانه بكنيسته المقدسة، بل أيضاً نشره ما يجب أن ينشر عن هذه الكنيسة، واهتم في جميع أنحاء العالم من النواحي المسكونية، لكي يكمل وصية الرب يسوع: أن يكون الجميع واحداً، ونال شهرة واسعة في هذا الميدان. ورأينا ونرى جميع البارزين في الكنائس المسيحية والمذاهب والأديان، عرفوا وتعرّفوا على من هو مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، وتفتخر به وتعتز، وكما كنيستنا تعتز به كذلك الغرباء من جميع المذاهب. هذا يجعلنا أيها الأحباء أن نفتخر به، ونرى أنه يسعى لتوحيد صفوف هذه الكنائس، وكذلك في الوطن العزيز، نراه بأنه يريد أن يكون هذا الوطن كالبنيان المرصوص طاعةً لرئيسه المبّجل الدكتور بشار الأسد، وهذه الأبرشية قد ازدهرت على عهده ولا تزال مزدهرة، وإن شاء الله في عمره الطويل والمثمر، تكون دائماً في مقدمة الأبرشيات التاريخية، التي لها تاريخ حافل بالإنجازات وخاصةً على عهده الميمون. إنني اشكر لكم استقبالكم لي ولصاحبي النيافة المطران مار فيلكسينوس متياس نايش المعاون البطريركي ومدير كلية مار أفرام السرياني اللاهوتية، والمطران مار ديونيسيوس جان قواق مدير الديوان البطريركي بدمشق، والأم الراهبة حنينة هابيل رئيسة راهبات دير مار يعقوب البرادعي. إنني بهده المناسبة أعلن عن فرحتي العظيمة أيضاً بالمشاركة غداً، إن شاء الله لتهنئة نيافته بعيد مار يوحنا المعمدان، ومشاركتكم أنتم جميعاً أيها المؤمنون بالاحتفال بعيد راعيكم الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، أنا اعتبر هذه المناسبة سعيدة جداً عندما اشترك معكم جميعاً بالاحتفال بعيد سميّكم مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم في هذا العيد، أنا مرتاح ومسرور جداً أن نحتفل جميعاً بتكريم راعيكم الذي يستحق كل الكرامة. لا أريد أن أطيل عليكم الكلام أيها الأحباء، أتمنى لكم أعياداً سعيدة، وأتمنى لنيافة أخي مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم أيضاً عيداً مجيداً، وليطيل الله عمره، وليكمل طموحه في خدمة هذه الكنيسة المقدسة، الكنيسة السريانية المجاهدة على الأرض، لتكون مثالاً لكل الكنائس للخدمة والتقوى.

قداسته يبارك أبناء أبرشية حلب·

أشكرك يا أخي صاحب النيافة الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم مطران هذه الأبرشية العامرة على كل ما ُفهت به، وكل توجيه توجه أبناءك في هذا البلد، ليس فقط كمؤمنين صالحين، بل أيضاً كمواطنين صالحين، هذا الجمهور الغفير الذي خرج للقاء أبي الكنيسة بمحبة صادقة وبفكر نيّر، فكر سرياني رهاوي عظيم، هذا الجمهور هو من المواطنين الصالحين في بلدنا سورية ومن المؤمنين الصالحين.

أبناء الرها أولئك الذين سجّلوا هم وأبناؤهم وآباؤهم في سجلات التاريخ صفحات ذهبية سامية وغالية، ونحن نحيا بذكرى آبائنا، ولكن ليس هذا فقط، بل نجدد العهود لله تعالى ولبعضنا بعضاً، ولكنيستنا المقدسة، ووطننا العزيز سورية، إننا نبتهج جداً عندما نكون معاً ونذكر فضائل أبنائنا وأخوتنا ومعلمينا، نذكر ذلك باعتزاز تام ومحبة عميقة. هذا ما أردت أن أذكّركم به أيها الأحباء، فنحن أبناء أولئك الأبطال، وأولئك الناس الميامين، أولئك الذين سجّلوا بأحرف من نور على صفحات التاريخ السرياني السوري، سجّلوا بطولات آبائنا، وسجّلوا محبة أبنائنا لأرضهم ولوطنهم ولبعضهم بعضاً. إننا عندما نكون معاً نرى أن الله معنا، فإذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه، فهو يكون معهم، ونحن نعتز بهذا الوعد الذي وعدنا به ربنا يسوع المسيح، لا أريد أن أطيل عليكم الكلام، الكلام حلو مع الحلوين أمثالكم، ولذلك نرى أن من واجبنا كآباء للكنيسة أن نفتخر بكم، وبتاريخكم وبالرها ونصيبين، وكل البلدان التي نميتم فيها، وأصبحتم أشجاراً باسقة عالية ومثمرة.

فأنتم أينما كنتم، أنتم فخر كنيستنا ووطننا في آن معاً، نسأل الرب أيها الأحباء أن يُؤهّلكم لتربوا أولادكم على جداول مياه التقوى ومخافة الله، ونسأل الله أن يؤهّلكم لكي تفتخروا بأبنائكم الأعزاء وأن يحفظهم لكم، ويكونوا ثماراً طيبة ليس للكنيسة فقط، بل أيضاً للوطن العزيز سورية، ليحفظ الرب رئيسنا المبجل الدكتور بشار الأسد، وليحفظ الرب سورية وراياتها مرتفعة في كل مكان فخراً، وعزاً للآباء والأبناء.

ليبارك الرب هذه الكنيسة وأبناء هذه الكنيسة بالفرح، والأعياد التي نسأل الله أن تكون كل أيام هذا الشعب أعياداً وبهجةً وسروراً وكل عام وأنتم بألف خير.

الإعلان عن منح نيافة المطران يوحنا إبراهيم

وسام الصليب الأكبر للقديس مار إغناطيوس النوراني·

أصحاب النيافة الأحبار الأجلاء….

الآباء الكهنة الأعزاء….

الرهبان والراهبات الأفاضل…

أيها المؤمنون…

يسرنا جداً أن نشترك في القداس الإلهي في هذا الصباح المبارك، في عيد مار يوحنا المعمدان، الذي قال عنه الرب المسيح: لم يكن نبي أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت الله هو أعظم منه. يوحنا المعمدان الذي ظن العديد من الناس في عصره أنه هو المسيح (المسيح المنتظر)، المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء، وحددوا متى موعد مجيئه إلى الأرض، ومكان مولده بالجسد، المسيح الذي انتظرته الأجيال، ظن الناس أن يوحنا هو المسيح، ولكن يوحنا نفسه قال للجميع: أنا لست المسيح، أنا لا استحق أن أحل سيور حذائه، أنا صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة، هذا هو يوحنا بتواضعه، ومحبته، وبشهادته للحق، وأخيراً استشهاده في سبيل الحق، وهو في البرية يربيه الملائكة، لأن أباه وأمه قد تركاه، أما الرب فقد قبله، رأيناه في البرية متشحاً بوبر الإبل، آكلاً العسل المر، وجراد البرية اليابس الذي هو مثل الخشب، رأيناه يشهد للحق، سمعناه يقول للناس: أنا لست المسيح، ولكنني صوتٌ صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة، هذا هو يوحنا المعمدان عندما أعلن هيرودس أن يقتل أطفال بيت لحم والمنطقة كلها، جاءوا إلى زكريا قائلين له: أين هو الذي تنبأت عنه الأنبياء، أين هو ابنك فقال: أخذته إلى المذبح، تفضلوا خذوه من المذبح، عندما كان زكريا يُعلن ذلك ملاك الرب خطف يوحنا الطفل وأخذه إلى البرية. هذا هو يوحنا الطفل الذي تنبأ عنه الأنبياء، الطفل الوحيد حتى مجيء الرب يسوع في عصر المسيح قد تنبأت عنه الأنبياء، الذي شهد عنه المسيح بالذات، الأنبياء تنبأت، لكن المسيح يسوع قال: ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا أنبياً حقاً هو أفضل من نبي لم يقم نبي مثل يوحنا المعمدان، أعظم نبي اعتبره الرب يسوع من الذين تنبؤوا عنه، ولكن الصغير بين الأنبياء، بين الذين دعوا أنبياء من الذين آمنوا بالمسيح، من الذين نالوا نعمة التبني أيضاً بالمسيح يسوع هو أعظم من يوحنا.

نبي شاهدٌ وشهيد، كانت حياة يوحنا شهادة، شهادة للمسيح، لكن أيضاً نهاية الحياة كانت للاستشهاد في سبيل اسم المسيح، استشهاد في سبيل الفضيلة، في سبيل النعم الإلهية، شهادة واستشهاد ليبرهن يوحنا على صدق شهادته قدّم دمه أيضاً، كان بإمكانه وهو في السجن أن يحتفظ اتباعه بكل ما هو له، أما هو لا. أراد أيضاً بإرادته وبإرادة الرب يسوع قدّم نفسه للشهادة والاستشهاد، نعم كانت حفلة ميلاد هيرودس، ويل للذي تُقام له حفلة ميلاد ما عدا الرب يسوع، لا يحق لنا أن نعمل حفلة ميلاد لأنفسنا نحن، أما الرب يسوع، ميلاده وحده أصبح ميلاداً للبر، ميلاد القداسة، ميلاد التضحية والاستشهاد، ميلاد ربنا يسوع المسيح، كل أطفال بيت لحم، قتلهم هيرودس ظناً منه أنه يقتل المسيح، ولكن في الحقيقة المسيح باقٍ وسيبقى إلى الأبد، هذا الميلاد هو ميلاد القداسة، ميلاد الإنسان ليصير إلهاً، هذا الميلاد الذي هو بدء تاريخ البشرية البارة القديسة الذي نالت الفداء بالمسيح يسوع، هذا الميلاد رأيناه يبرر الإنسان من خطيئته الأصلية، إذ لم يولد المسيح إلا ليُصلب، ولم يُصلب إلا ليمحو تلك الخطيئة الأصلية، ويبررنا ويقدسنا ويجعلنا أبناء الله بالنعمة، وُلد ليكون مع البشر، ومثل البشر بالجسد، ولنكون نحن كالإله بالقداسة والبر والتقوى، لذلك كان ميلاده بدء الخلاص، بات النعمة، بات الغفران والقداسة، هذا ميلاد الرب يسوع أصبح تاريخ التواريخ عندما سجل اسمه مع أولئك الذين كانوا قد ورثوا الخطيئة الأولية، ميلاده بدء تاريخ الخلاص، في ميلاده نلنا النعمة الإلهية وأصبحنا قريبين من الله، في الوقت وهو الإله الحقيقي لبس جسدنا ونال نعمة التبرير والتقديس والتبني. في ميلاده أيها الأحباء وُلدنا ثانية من السماء، إذ وُلد بالجسد مثلنا، أخذ كل ما لنا ما عدا الخطيئة. في ميلاده نلنا النعمة لنرث ملكوت الله، لأننا أصبحنا بنين وبنات لله، الابن والبنت يرثان الآب فورثنا، فحق لنا أن نكون في عداد من يرث ملكوت الآب السماوي. في ميلاده نلنا نعمة التبني، ومن يتبناه الآب يصبح ابناً، لذلك عندما علّمنا أن نصلي سمح لنا، بل أعطانا نعمة عظيمة أن نقف أمام الآب السماوي وندعوه أباً لنا. أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض، أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ونطلب منه أن ينجينا من الشرير ولا يدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير لأن لك الملك والقوة والتسبحة إلى الأبد آمين.

أحبائي: في هذا الميلاد، نلنا أيضاً نعمة العماد، خاصة في مثل هذا اليوم، عيد الظهور الإلهي، استحق الإنسان أن يرى الله ولا يموت، لأنه من رأى الله مات حالاً كما يقول الكتاب: أما الآن فقد رأى الله بالذات ولم يمت، رأى الابن وقد اعتمد كخاطئ وهو الإله الذي لبس جسدنا عدم الخطيئة. رأى الابن يصعد، والسماء قد انفتحت والروح القدس بشبه حمامة يهبط على الابن، والآب يصرخ من السماء قائلاً للرب يسوع الذي لبس جسدنا: أنت هو ابني الحبيب الذي به سررت، فهذا هو الأقنوم الثاني الابن الحبيب، وهذا هو الآب السماوي يصرح مُعلناً أنه أب للابن الواحد هو المسيح يسوع، ويُعلن أنه أب فله ابن وحيدٌ هو الرب يسوع الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي له نسجد، يُعلن ذلك من السماء فنرى الآب، ونرى الابن، ثم نرى الروح القدس يهبط على هامة الابن من السماء، على شبه حمامة، فهذا الثالوث الأقدس ظهر في ذلك اليوم العظيم يوم عماد الرب يسوع على يد عبده يوحنا. الآب والابن والروح القدس الأقانيم الثلاثة ظهرت لنا وللبشرية في ذلك اليوم، لذلك آباؤنا دعوا ذلك اليوم يوم الظهور الإلهي، ظهر الإله بأقانيمه الثلاثة الآب صارخ من السماء، الابن اعتمد على يد يوحنا، ثم الروح القدس على شبه حمامة هبط على هامة الابن ليميزه عن الجميع، عن الجمهور الذي كان مكتظاً على نهر الأردن، ما أعظم هذا العيد، أن صورة العماد عندما نعتمد نحن على يد الكاهن الشرعي، وننال نعمة لنرى أن الآب عن كل واحد منا، نلنا معه نعمة البنوة وإن كنا بنين فنحن ورثة يحق لنا أن نرث ملكوت الله، لأننا بنون وبنات، هذا الأمر نعمة عظيمة من الله.

فهذا اليوم أحبائي، هو يوم النعمة التي نلناها لنرث بعد هذه الحياة الزائلة ملكوت الله، نرثه إلى الأبد كنعمة عظيمة يحق للابن والبنت أن يرثا، يحق لنا أن نرث ملكوت الله على شرط أن نكون على الأرض أولاداً بررة، قد نلنا نعمة التبرير والتقديس والتبني، إن كنا كذلك كأبناء صالحين يحق لنا أن نرث ملكوت الله مع كل من استحق أن يكون وريثاً حقيقياً في ملكوت الله ليتنعم مع الأبرار والقديسين إلى الأبد.

أهنئكم في هذا العيد، وأتمنى أن ننال الطوبى التي قالها أحد قديسينا السريان الأرثوذكس يقول: طوبى لمن ثبتت معهم معموديته أي استحق بعد العماد أن يكون ابناً صالحاً للآب السماوي، وثبتت هذه المعمودية فيه، وهذا الإنسان إذا ثبتت معموديته ينال نعمة البنين، ومع نعمة البنين الحق بأن يرث ملكوت الله.

أحبائي، في هذه الزيارة المباركة التي رأينا الإنجازات الجبّارة التي قام بها نيافة الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم في أبرشيته العامرة، رأينا بنعمة الله وبإرادته أن ننعم عليه بـ وسام الراعي الصالح، ليكون مثالاً صالحاً لرعاة الكنيسة كافة، ويمتعه الله بالصحة والعافية والعمر المديد، وهذا الوسام ندعوه وسام الصليب الأكبر، وقد ناله رعاة صالحون فهو لا يُعطى إلا للرعاة الصالحين، ومن مثل نيافة أخينا الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، راعياً صالحاً نهض بهذه الأبرشية بهمته العالية، وإرادته الوقّادة، لذلك عن استحقاق نقول: «اكسيوس، اكسيوس، اكسيوس، آبون مور غريغوريوس يوحنا».

كان كيوحنا شاهداً للمسيح بأعماله، بأقواله، على النطاق الخاص والنطاق العام أمام الغريب والقريب، فاستحق أن يكون اسمه يوحنا، وأخذ الاسم بجدارة، نهنئه ونهنئ الأبرشية به التي أنعم الله عليها بهذا الراعي الصالح، يستحق الصليب العظيم، الصليب الذي نال كل النعم الإلهية بالشهادة والاستشهاد، بارك الله بهذا الراعي الصالح الذي يستحق هذا الصليب الذي حمله منذ صباه، بل حمل صفات الصليب وتحمّل في سبيله تمجيد اسم الله القدوس، الأسفار كثيرة، والاجتماعات الممتازة الجيدة، بل تحمّل أيضاً حتى نالت هذه الأبرشية ما تستحقه من نِعَم إلهية، وما يستحقه هذا الشعب من راعيه الرعاية الصالحة، فأتمنى له العمر المديد، ونتمنى له الاستمرار لأبرشيته وللكنيسة كافة، ونتمنى له أيها الأحباء بهذا الاستمرار أن يعطي الثمار الروحية والجسدية على ميادين عديدة وبأزمنة عديدة بقوة ربنا يسوع المسيح آمين.

ونهنئه على الوسام، ونهنئه من أعماق قلبنا، ونهنئ الأبرشية به مثلما قال المثلث الرحمة المطران أوسطاثيوس قرياقس عندما نال هذا الوسام قال: نسيت كل أتعابي، نلت أوسمة عديدة، لكن لا يهمني هذا، عندما نلت الوسام من رئيس الكنيسة نسيت أتعابي الكثيرة، وتمسكت بأن الفضل من الله، لأن الأب، أبا الكنيسة، ذكر أتعابي وجهودي في سبيل رقي الكنيسة واجتهادها، في سبيل الحفاظ على إيمانها، وعلى ما نلت بواسطة آبائها من فضائل سامية.

فهذا الوسام هو التقدير من الكنيسة، ومن أبي الكنيسة، للذين جاءوا وحفظوا الإيمان، وعلامة على أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ لهم إكليل المجد الذي لا يناله إلا الذين جاءوا باجتهاد حسن، وحفظوا الإيمان، والذين سعوا إلى ترقية الكنيسة وقيادة المؤمنين إلى ميناء الحياة الأبدية، الحياة التي ينالها الإنسان بعد جهد جهيد.

أيها الأحباء، بعد الإيمان حتى الدم، بعد الشهادة والاستشهاد، كما كانت ليوحنا المعمدان، فنطلب العمر الطويل لنيافة أخينا الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم ليواصل جهاده وأتعابه في سبيل تقدم الكنيسة، نسأله تعالى أن يمد بحياته، وأن يُعلن ثمرة أعماله أمام الملأ لكي يقتدي رعاته بهذا الراعي الصالح، والرب يحفظه ويباركه ويبارك رعيته لتمجيد اسمه القدوس آمين.

قداسته يقلد نيافة المطران يوحنا إبراهيم الوسام البطريركي·

أيها الأحباء: إننا بحسب تقرير آباء الكنيسة تعطى الصلاحية التامة منذ زمن قديم، لكي تكرم العاملين فيها وخاصة الرعاة، ونحن في حلب نشكر الله أن نيافة راعي الأبرشية إنسان ضحى بنفسه في خدمة الكنيسة المقدسة، ليس فقط في الأبرشية، بل أيضاً في كل مكان، يستحق هذا المكان خدمة هذا الراعي الجليل في المجتمعات المسكونية، والمجتمعات الخاصة، وفي كل ندوة، بل في كل مكان نرى فيه شهادة المسيح يسوع.

فنحن نفخر براعي هذه الأبرشية، ونعتز به كل الاعتزاز، ونرى في كل يوم ما أنعم الله عليه من مواهب سامية في رعاية هذه الكنيسة، ورعاية أيضاً المُثُل، وكل الأمور التي تجعل منه راعياً صالحاً، وراعياً ينشر الروح المسكونية، ويهتم في كل مكان بأن تبرز هذه الأبرشية، بل هذه الكنيسة المقدسة لترى فيها آباءنا الذين ضحوا في الماضي بكل غالٍ ونفيس، في سبيل الاحتفاظ باسم الرب يسوع، والحفاظ على اسم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية، وجعل هذه الكنيسة في مقدمة الكنائس، بالعمل المسكوني، بمحبة الرب، لنشر كل ما هو سامٍ، وكل ما يؤول إلى تمجيد اسم الله القدوس، إنه سيدنا يوحنا الذي أصبح اسمه كعطر في جميع الكنائس، وجميع المجتمعات، وأمام أخوتنا المسلمين والمسيحيين جميعاً، فيه وبأعماله يتمجد اسم الله القدوس، بل يتمجد أيضاً الإنسان المؤمن عندما يرى هذا العمل الذي نهتم جداً أن نتمسك به ليس فقط بالاسم، وليس فقط بالدعايات، بل عملٌ دؤوب، عملٌ مباركٌ، عمل يجعل منا نحن السريان في مقدمة كل من يسجد للرب يسوع وطريقه المقدس.

لهذا أيها الأحباء، يهمني جداً، بل أيضاً اعتز بأن أقلّد نيافة أخي الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، وسام الصليب الأكبر لمار أغناطيوس النوراني، هذا الصليب هو دلالة فقط على أن الأخ العزيز الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، سعى ويسعى، وأطال الله حياته، ليستمر في السعي لخدمة اسم الله القدوس، وتمجيد هذا الاسم، وخدمة أبناء هذه الأبرشية، بل أيضاً كل المجتمعات المسكونية في العالم في كل مكان، أقولها دائماً وفي كل زمان. فالوسام هو عبارة عن تعبير هذه الكنيسة المقدسة عن افتخارها بأحد رعاتها، وأحد أمرائها، بالعمل الذي قام به نيافته عمرانياً، ونحن نرى ذلك ونفتخر عمرانياً، وثقافياً، وروحياً، ولذلك لا نستغرب أن الرقي الحضاري في هذه الأبرشية مستمر، وما ذكر نيافته وذكرت أنا أيضاً، الرعاة الصالحين الذي أقامهم الله في هذه الأبرشية رحمهم الله وحفظ الأحياء هو عنوان وفخر للحضارة التي ورثناها من آبائنا، والرعاية الصالحة التي لمسناها من المثلث الرحمات المطران جرجس فكل من جلس على كرسي هذه الأبرشية، واستمرار ذلك بهمة عالية، وغيرة وقّادة، بفضل نيافة أخينا الحبر الجليل مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، وأبارك له على هذا الوسام الذي هو أعلى وسام في الكنيسة الأنطاكية السريانية الأرثوذكسية، ويعطى خاصة لرعاة الكنيسة المقدسة، أي وسام الصليب الأكبر لمار أغناطيوس النوراني الذي نتمنى أن يكون هذا الوسام لكل من يستحقه حقاً.

سيدنا المطران مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، هو سبب بركة ليس فقط في شخصه الكريم، بل أيضاً لكل العاملين معه من إكليروس وعلمانيين، فليدم دائماً هذا المجد في هذه الأبرشية، ولسيدنا طول العمر، وليكن هذا الاسم الذي حقيقة حصل عليه، وفاز بين كل المسيحيين والمسلمين، وفي جميع الذين هم أمناء في خدمتهم في رقي هذه البلاد سورية العظيمة برئيسها الذي نفتخر فيه الدكتور بشار الأسد، ونصلي له ليل نهار، وأن يعضده الرب في خدمة هذه البلاد، وخدمة المجتمع السوري العزيز، أدامه الله ليعطيه الصحة والعافية والتوفيق الجليل، والعمر الطويل.

استقبال العماد ميشيل عون·

دولة الرئيس العماد النائب ميشيل عون

سماحة المفتي العام الشيخ الدكتور أحمد بدرالدين حسون

أصحاب المعالي والسعادة والسيادة الوزراء والنواب والمطارنة الأجلاء

الإخوة والأخوات الأعزاء

إننا نشعر بسعادة كبيرة اليوم، لأن دار مطرانيتنا السريانية الأرثوذكسية في حلب، ترحب بحرارةٍ بكم، يا دولة الرئيس، ضيف سورية الكبير، وبالوفد المرافق الذي حضر إلى سورية العروبة، بل إلى حلب الشهباء، في زيارة كريمة نقرؤها وطنية ودينية. فمار مارون السرياني السوري، مؤسس الطائفة المارونية، يدعونا على الأقل مرةً كل سنة، وتحديداً في عيده إلى بْراد، حيث نتطلع جميعاً إلى هذا الإرث الروحي الديني الكبير، الذي لمع في سماء هذا الوطن الغالي، وطبع بصمةً خالدةً في تاريخ الجذور، والأصالة، ونحن نطمح إلى أن يكون عيد مار مارون، عيداً، مسكونياً، أنطاكياً، سريانياً، مشرقياً، فيتحسس المشرقيون، ومنهم: السريان من كل المذاهب، إلى المعنى الروحي العميق الذي تركه تاريخ النسّاك، والعموديين، والرهبان، والمتوحدين، في أنطاكية، والكورة (المناطق) المحيطة بها. لعل الله يسمع صلوات الأنطاكيين المشرقيين فتعود الوحدة إلى كنائسهم، إلى ما كانت عليه قبل عصر الانقسامات.

ويتمثل البعد الوطني بالمشاركة الحقيقية والفعّالة، أولاً للحكومة السورية الجليلة، ثم لكل المواطنين من كل الأطياف، والشرائح، والأديان، والمذاهب، لأنهم يُعيِّدون ويحتفلون بابن سورية البار القديس مار مارون.

فآلاف اللبنانيين، الذين يرافقون دولتكم، في زيارة الحج الدينية هذه، يتحققون أن سورية قد فتحت قلبها لاستقبالهم، فتعلن فرحها بهم وبحضورهم. وأنَّ سورية الأسد، قلب العروبة النابض، كما كانت في ماضيها المجيد، هكذا في حاضرها، وستبقى في المستقبل، عنواناً للوحدة الوطنية، والمقاومة، والصمود، ببعدها العربي تحت قيادة حكيمة، منبثقة من عصارة الناس وضمائرهم، عقلها في الغد، وجذورها في التاريخ. 

دولة الرئيس… نحن بنعمة الله بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، نؤكد بأن الجذور الماثلة في المعالم والأوابد تبقى الشاهد الدائم للتاريخ والحضارة، بعمل الله في الإنسان، وهنا الأديرة والكنائس ومنها: كاتدرائية مار سمعان العامودي، التي زرعها المؤمنون بالله، تعالى اسمه، في هذه الأرض الطيبة، قبل الإسلام، كانت مناراتٍ للإيمان، والعلم، وهي شهادة حية للفكر الناضج، والمستنير، والعمل الروحي الهام. وكل الذين عاشوا في هذه المنطقة، يشعرون بأن تأثير العلماء، والأدباء، والشعراء، واللاهوتيين، والمؤرخين، كان كبيراً على الفكر المشرقي، لا بل لنقل كان له إضاءات ناصعة في الفكر العالمي، لهذا عندما نتحدث عن الجذور، نتطلع إلى هذا الشرق الذي هو موئل الحضارة، ومهد الأديان السماوية، وتعدد الثقافات، والإثنيات، ولهذا أيضاً فاللبنانيون السريان الأنطاكيون المشرقيون يعودون إلى الرَحِم، إلى الأرض السريانية المارونية الأولى في سورية، ونحن نأمل أن نحمل مع بعضنا، رسالة عيش واحدة، وخدمة مشتركة للجميع.

فأهلاً بكم، وبصحبكم، ومرافقيكم، وفقّكم الله، في مسيرة العطاء، والخدمة، للبنان مستقل عزيز كريم، يؤمن كما في تاريخه الطويل بتعددية الأفكار، والآراء، والأديان، والمذاهب، والتيارات. وأن يساهم بانتشار الأمن، والسلام، والاستقرار في كل المنطقة التي نحن جزء منها، وأن يحفظكم، ويحفظ حياة قائد سورية الهُمام، راعي الوحدة الوطنية، والمؤمن بخدمة الإنسان، مهما كان انتماؤه، السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد. عٌشتم وعاشت سورية وعاش لبنان.

عيد الفصح المجيد·

إنه يوم النصر والغلبة، يوم الخلاص والفداء، اليوم الذي تمَّ فيه الصلح بين الأرض والسماء، يوم انبلج فيه شمس البر ممجداً، وأنار الجالسين في الظلمة وفي ظلال الموت، وأُذيعت فيه بشرى قيامة الفادي من بين الأموات، وصارت هذه القيامة أساساً متيناً للدين المسيحي المبين. فحقّ للرسول بولس أن يقول: «وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطلٌ أيضاً إيمانكم».

ولو استطاع القبر أن يضمَّ جسد يسوع المصلوب إلى الأبد، لدفنت معه المسيحية، ووئدت في مهدها، ولكن المسيح لم ينزل إلى القبر ليمكثَ فيه إلى الأبد، بل ليدفنَ الموتَ، ويدكَّ أركان الهاوية، ويقومَ في اليوم الثالث ظافراً بالخطيئة منتصراً على ابليس، منادياً «أين شوكتك ياموتُ، أين غلبتك يا هاوية؟». فقد قال السيد المسيح عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا»، «أنا هو الطريق والحق والحياة» وقد أعلن نفسه أنه ماسيا المنتظر، فهو ابن اللّه بشهادة السماء، وهو المخلص الذي أرسله الآب إلى العالم.

فهو حمل اللّه الرافع خطايا العالم، قد عُلق على الخشبة، وعلق معه خطايانا، ودَفَن في القبر معه معاصينا، وقام في اليوم الثالث من بين الأموات وأقامنا معه، ومنحنا نعمة التبرير والتقديس والتبني. فلنسلك إذن في جدة الحياة، كي نحيا مع المسيح بل يحيا المسيح فينا، لننال السعادة الأبدية، فهذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه.

أيها السامعون الكرام: ننتهزُ فرصة حلول عيد الفصح المجيد، عيد انتصار الحياة على الموت، والحق على الباطل، أن نتقدّم ومن هذا المكان المقدس باسمنا الشخصي وباسم أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم أجمع، بأحرّ التهاني القلبية إلى سيادة رئيسنا الدكتور بشار حافظ الأسد، ولأبناء الشعب السوري كافةً، مصلين إلى السيد المسيح القائم من بين الأموات، أن يحفظ سيادته، ويكلأه بعين رعايته، ويسدد خطاه إلى كل ما فيه خير وازدهار وتقدم سورية الحبيبة.

كما نتوجّه أيضاً بتحية تقديرٍ وإكبار إلى جيش الوطن حامي الديار، وإلى الحكومة السورية الجديدة ورئيسها سيادة الدكتور عادل سفر، وكلنا أمل بأنها ستكون أهلاً للثقة الكبيرة التي مُنحت لها من قبل السيد الرئيس والسوريين جميعاً.

وإلى أبنائنا السريان في جميع أنحاء العالم، نقول: أهنئكم بهذا العيد المجيد، وأسأل الله العلي القدير أن يأخذ بيدكم ويوفقكم وأن يجعلكم رسل خير ومحبة حيثما حللتم، وأقول لكم لا تنسوا كنيستكم المقدسة، التي هي كنيسة سورية، فسورية والسريان صنوان، واسمنا مرتبط باسم سورية، واسمها مرتبط باسمنا، وهي مهد كنيستنا وبطريركيتنا الأنطاكية، ومنها خرج آباؤنا إلى أنحاء العالم قاطبةً حاملين مشعل الإنجيل المقدّس مع حضارة سورية العريقة، فنحن لها وهي لنا، نعيش فيها في محبة مع الجميع، ونعمل من أجل رفعتها وتقدّمها وعظمتها كما عمل آباؤنا منذ بدء التاريخ، كل من فيها أخ لنا، وكل ما فيها عزيز علينا.

أيها الشعب السوري الأبي: لقد تأسفنا كثيراً لكل ما جرى على أرض الوطن العزيز، خلال الفترة المنصرمة، وقد كانت سورية دائماً تشغَل فكرَنا وقلبَنا وحواراتِنا مع المسؤولين، وكل من التقينا بهم، فسورية تستحق منا كل هذا الاهتمام، في الوقت الذي لا تستحق ما يجري على أرضها.

ففيما نُصلي لأرواح الشهداء الذين سَقطوا نتيجةً لأحداث العنف والشغب التي رافقت بعض التظاهرات، نَدين وبشدة، اندساس بعض الأيادي الغريبة، التي تُحرّك ضعافَ النفوس، لتأليب الرأي العام في الداخل والخارج، للوصول إلى مآرب خاصة لا تخدم مصلحةَ سورية ومواطنيها الشرفاء، بل تضع سورية أمام مفترق طرق، لا أحد يعلم نهايتها، وقد أخطأ العقل المدبر لهذه المؤامرات إذ اعتقد بأن إشعال نار الفتنة الطائفية سيقضّ مضجعَ السوريين، ويُضَعضِعُ الجدار المتين الذي يحمي سورية ويمتّعها بالأمن والسلام.

إننا نعتزّ بالوحدة الوطنية التي امتازت بها سورية عن غيرها من دول العالم، هذه الوحدة الوطنية التي أرسى قواعدها سيادة الرئيس التاريخي حافظ الأسد رحمه الله، وفي الوقت نفسه نستبعد الفتنة الطائفية التي نادى بها البعض من خارج الوطن، لإيماننا بوعي الشعب السوري لمخاطر الانزلاق فيها، وندعو أبناءها الأعزاء مسيحيين ومسلمين للوقوف صفاً واحداً في وجه جميع الهجمات التي تتعرض لها البلاد. وكُلّنا ثقة بقائدنا الهمام، السيد الرئيس بشار الأسد، الذي منحه الله حكمة الشيوخ وهمة الشباب، بأنه كعادته سيُخرج سورية من هذه الأحداث الأليمة بحلةٍ جديدة، وبشكل يضمن لجميع المواطنين الشرفاء، حقوقهم المشروعة كافةً، ومع سيادته سنعمل جميعاً يداً بيد لمتابعة مسيرة التطور والإصلاح لما فيه مصلحةُ البلاد والعباد. أعاد اللّه عليكم جميعاً عيد قيامة الرب يسوع بالخير واليُمن والبركات، وكل عام وأنتم بألف خير. المسيح قام.

مختارات من كلمات التأبين

مختارات من كلمات التأبين

مختارات من كلمات التأبين
الراعي الأمين والخطيب المفوه الملفان بولس بهنام·

قال بولس الرسول: «لأنّ لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح… لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً»

   (فيلبي1: 21 ـ23)

عباد الله، أيها المؤمنون:

عندما يبلغ المسيحي الذروة في الكمال الإنجيلي تسمو روحه عن المادة، ويكاد يتحرر من قيود الحواس فلا يبالي بما يكتنفه من متاعب الحياة الدنيا ومصاعبها، ونوائبها ومصائبها، مهما اشتدت وعظمت. وتصبو نفسه إلى الانطلاق من هذا العالم الفاني، المشوب بالآثام والشرور، ويذوب شوقاً وهياماً إلى الحياة الروحية في السماء حيث المسيح جالس عن يمين العظمة تمده طغمات الملائكة، وحيث يشرق نور الصديقين ويفوز الأبرار بالنعيم الأبدي.

هذا ما كان يدور في رأس الرسول بولس أثناء كتابته رسالته إلى أهل فيلبي وهو في سجنه في رومية من أجل المسيح، فكان يتوق إلى التحرر لا من أسوار سجنه الأربعة فحسب، بل أيضاً من نطاق سجن الجسد البالي. وإذ يلمس حاجة أبنائه الروحيين إلى خدمته الرسولية، فمن أجلهم يفضل أن يبقى في الجسد ولو لمدة قصيرة. وبهذا تتجاذبه قوتان عارمتان، قوة الحب إلى البقاء في الحياة الدنيا لخدمة المسيح وأخوة المسيح الصغار وقوة الشوق إلى الانطلاق نحو السماء للحياة مع المسيح، ويعبّر الرسول عن الحالتين بكلماته قائلاً: «كذلك الآن يتعظم المسيح في جسدي سواء كان بحياة ام بموت، لأنّ لي الحياة هي المسيح والموت هو ربحٌ ولكن إن كانت الحياة في الجسد هو لي ثمر عملي، فلماذا أختارُ لستُ أدري. فإني محصور من الاثنين، لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً. ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم» (في1: 20) فليس الجسد إذن أيها المؤمنون سوى سجنٍ تتغرّب فيه النفس في هذه الحياة، وليس الموت سوى وسيلة فيها تتحرّر النفس من معقلها وتطرح عنها قيودها لتصعد إلى الملأ الأعلى، إلى أورشليم السماوية لتنضم إلى أرواح الأبرار الذين هم حجارة كريمة مبنية في أسوار مدينة إلهنا وأعمدة نور مثبتة في هيكله السماوي المقدّس. أجل: إن هذه التصورات الروحية السامية التي داعبت مخيلة الرسول بولس راودت ذهن (سميّه) المثلث الرحمة المطران بولس بهنام وهو على فراش مرضه فكان يناجي ربّه مناجاة المحب الولهان، وفي قلبه لوعة وهيام للتحرر من قيود الجسد، وحنين لرحيل إلى الوطن السماوي لملاقاة الإله، ولكن كانت تراوده، في الوقت نفسه فكرة العمل في حقل الرب وحاجة الكنيسة المقدسة إلى خدمته لهيكل الإله، فهناك مشاريع كبيرة تنتظر رجلاً جباراً عالي الهمة، عزيز النفس ألمعيّاً مثله، وهناك أخوة وأبناء روحيون أحباء يكنّ لهم في قلبه الكبير العواطف النبيلة، كما كان يحفظ الرسول بولس المحبة الأبوية للمؤمنين في مدينة فيلبي ولكن وا أسفاه! فقد حلّت الداهية الدهياء! والنكبة النكراء! ونزلت المصيبة الأليمة، والكارثة الجسيمة، ومات المطران بولس بهنام منذ أربعين يوماً تقريباً. ففقدت الكنيسة بفقده وجهاً عبقرياً عظيماً في علمه، فذاً في أقدامه، وعموداً من أشد أعمدتها رسوخاً وثباتاً، وحبراً من ألمع أحبارها علماً وتقى، وأميراً من أفضل أمرائها منزلة ومكانة، وخطيباً مصقعاً حسن البيان طليق اللسان، وكاتباً مجيداً طويل الباع سريع الخاطرة، وشاعراً مطبوعاً موهوباً مفلقاً، ورجلاً نقي السيرة سليم الصدر طيّب السريرة، رقيق الحاشية متواضع النفس وضّاح المحيّا.

فاستحق من أبناء الكنيسة الإعجاب والتقدير فبكته؟؟ إكليروساً وشعباً.

أما الموت بالنسبة إليه، فقد كان انتهاء عهد أيام الشقاء على الأرض وبدء عهد السعاة في السماء وكأني به يقول مع الرسول بولس «لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح، لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً»، ولا غرو فقد عاش فقيدنا الجليل للمسيح ومات في المسيح إذ مثّل المسيح في مراحل حياته على الأرض، وإذا درسنا معاً حياته المجيدة وتأملنا أعماله الصالحة، «مجّدنا الآب الذي في السموات» (مت 5: 16).

فقد أبصرَ فقيدنا النور في قرية قرقوش حيث تبسط الطبيعة سلطانها وتخلع على البسيطة أبهى حللها، فتسعد الإنسان وتفسح له المجال للحصول على صحة الجسم وقوته، وسلامة العقل وحدته وصفاء الذهن وبساطته، ولا غرو فمعظم عباقرة الرجال من رؤساء وعظماء وكتّاب وشعراء، وفلاسفة وأدباء ومصلحين وأبناء الإنسانية، ورجال اللاهوت وأبطال العالم وصناديده برزوا من القرى والأرياف، وكان فقيدنا أحد هؤلاء بل أنه جمع بين صفات الكثيرين منهم.

هناك حيث تكتسي السهول بالأعشاب المخضوضرة، والروابي بالزهور النضرة، والأودية بالسوسن والرياحين وورد شارون، هناك تلقى الفتى سركيس وهذا اسمه بالمعمودية، مبادئ القراءة والكتابة في مدرسة القرية الابتدائية. وإذ بدت عليه علائم الذكاء الفطري أُرسل إلى دير مار متى في جبل مقلوب القريب من الموصل. وكانت مدرسة الدير الدينية قد ازدهرت بطلابها فانضم سركيس إلى صفوفهم ودرس لغة المسيح السريانية، بجانب اللغة العربية ومبادئ العلوم الدينية.

واتشح في شرخ شبابه بالاسكيم الرهباني، حاملاً صليب الرب وبذلك فُسح أمامه المجال لتمثيل حياة الرب على الأرض بصورة أكثر وضوحاً وجلاء، واقتفى أثر مسيحه وأخذ ينسج على منواله ويطبع على غراره وسمي بولس تيمناً باسم الرسول بولس، وكانت الرهبانية بالنسبة للراهب بولس حياة صلاة وتفرغ للعبادة والدرس والتحصيل وكان مولعاً بالمطالعة، فقرأ مصنفات آباء الكنيسة ولم تكن الصومعة لديه منزل راحة وخمول وكسل بل مدرسة استعداد للجهاد والعمل.

وكانت سنة 1939 سنة الرب المقبولة، إذ خلالها افتتحت في زحلة لبنان مدرسة مار أفرام الإكليريكية التي أسسها وغذاها بعلمه وماله، رجل الاصلاح رئيس أحبار الكنيسة يومذاك المثلث الرحمة البطريرك العلامة أفرام الأول برصوم لينقذ الكنيسة من براثن الجهل الذميم وينتشلها من هوة التخلّف البغيض، فدخلت الكنيسة في طور جديد وعهد ميمون. وكانت تلك السنة نقطة انطلاق روحي في حياة فقيدنا الجليل حيث استدعي إلى المدرسة الإكليريكية ليكون أول طالب يدخلها فدرس فيها اللاهوت والفلسفة والأدب العربي واللغة الإنكليزية وكان في الوقت نفسه يلقي على الطلاب دروساً في اللغة السريانية.

وسنة 1945 عندما انتقلت المدرسة الإكليريكية إلى الموصل تسلم الراهب بولس إدارتها فرعاها خير رعاية بغزارة علمه ودماثة أخلاقه.

هناك تتلمذتُ عليه طالباً من عام 1946 حتّى عام 1954 فكنت وسائر تلاميذه نستمع إليه بقلوبنا وأحاسيسنا ونعكف على دراسة بحوثه القيمة في مجلته المشرق ولسان المشرق وكتبه التي تعتبر في القمة من الناحية الأدبية والفلسفية، ولا عجب إذا ما شعرنا عند انتقاله إلى جوار ربه أننا لم نفقد فيه أستاذاً فحسب وإنما فقدنا أستاذاً ومرشداً وأباً روحياً عزيزاً. فقد كان رحمه الله من الأساتذة القلائل الذين يجمّلهم تواضع العلماء. فكان يحق له أن يقول مع ربه يسوع «تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب» (مت11: 29) وقد تم فيه قول الرب: «أما من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات» (مت5: 19).

ولمس أبو الكنيسة العام ورئيسها في العالم آنذاك المثلث الرحمات العلامة البطريرك أفرام برصوم ما اتصف به فقيدنا من الإقدام والنشاط والذكاء المقرون بطيب الأخلاق فمنحه شهادة (ملفان) أي أستاذ في اللاهوت على أثر تأليفه كتابه «النفس عند ابن كيفا».

ولما رقد بالرب رجل الله البار المثلث الرحمة مار أثناسيوس توما قصير مطران الموصل رسم الفقيد مطراناً للموصل سنة 1952 وكان إلى جانب خدمته الأسقفية يدير المدرسة الإكليريكية ويحاضر في صفوفها العالية. ثم نقل إلى بغداد. وكان في فترة أسقفيته في الموصل وبغداد راعياً صالحاً نشيطاً، وكان للشعب أباً حنوناً في الوقت الذي كان فيه رئيساً، يجبر القلوب المنكسرة ويهدي النفوس الضالة. فبهذه الروح الطيبة وهذه التعاليم السامية نفح تلاميذه وشعبه مدة ثلاثين سنة مورداً إياهم موارد الخلاص فقد عاش للمسيح ومات في المسيح. فليرحمه الرب عداد حسناته وتضحياته ونكرانه ذاته وليسمعه الرب صوته العذب «نَعِماً أيها العبد الصالح لأنك كنت أميناً في القليل فليكن لك سلطان على الكثير ادخل إلى فرح سيدك»، آمين.

البطريرك العلامة يعقوب الثالث في رحاب الخلود·

«طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن، نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم» (رؤ 14: 13).

أصحاب الغبطة والنيافة والسيادة:

أيا عباد الله: إن في الصدر لغصّة أليمة صامتة،

وإن في القلب لحرقة عميقة ساكتة،

وإن في المواقف لآيات بينات ناطقة.

فقد رقد بالرب واأسفاه! الطيب الذكر البطريرك العلاّمة مار إغناطيوس يعقوب الثالث.. وحلّت بالكنيسة السريانية الداهية الدهياء والنكبة النكراء. ونزلت بنا المصيبة الأليمة والكارثة الجسيمة، وجئنا من كل فج عميق لنلقي النظرات الأخيرة على محياه الرسولي الوسيم، ونتلقى الأمثولة الأخيرة ممن وعظنا بكلامه البليغ ومثاله الصالح سنين عديدة ليعظنا اليوم بصمته الأبدي.

أجل، جئنا لنودعه إلى مقره الأخير. فقد صمت اللسان الفصيح الذي أسمع الناس كلمة الله، ووقف القلم السيال الذي دبّج الروائع وحبّر البدائع.. فحق لنا أن نبكيه وأن نرثيه وأن نستعظم المصيبة فيه.

فقد كان واحداً بمقام ألف، وقلما يجود الزمان بمثله.

قالوا: مات البطريرك العظيم.. كلا لم يمت لأن ذكره خالد، والذكر للإنسان عمر ثانٍ، والمنايا لا تقوى على محو ذكر الخالد من الناس الذين سجلوا أسماءهم بأحرف من نور في سجلات التاريخ.

أجل هو خالد بروحه التي غادرت الجسد الفاني بعد أن أتعبته حيث أنه قد استمات جهاداً في سبيل الله والفضيلة. ولا غرو فقد قيل:

وإذا كانت النفوس كباراً                 تعبت في مرادها الأجساد

أجل، لقد تحررت الروح العظيمة من سجنها لتنعم في فردوس إلهها الخالد. وكقول الكتاب: «إن يوم الموت خير من يوم الولادة». و«طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن، نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم»، لقد رقد بالرب فقيدنا الجليل البطريرك يعقوب فاستراح من أتعابه، وأعماله الجبارة تتبعه إلى السماء.

أجل، لقد صار في ذمة التاريخ.. فليفتح التاريخ أنصع صفحاته وليسجل اسمه الكريم بمداد من نور، بل قد صار عهد بطريركيته تاريخاً لكنيستنا السريانية الأرثوذكسية لأنه كان عهد التقدم والازدهار.. وستبقى أقواله وأعماله نبراساً لنا مضيئاً في مسيرتنا الروحية في هذه الحياة.. وجهادنا الروحي في هذا الميدان. من أين لي بلاغته وفصاحته وبيانه لأفيه حقه من الرثاء والتأبين؟ ولكنني أدعوكم أيها السامعون الكرام لتتأملوا معي بسيرته الصالحة فنستمد منها جميعاً العبر الثمينة والدروس الخالدة.

ولد الفقيد الجليل سنة (1912م) في قرية برطلّة المباركة التي أعطت الكنيسة عبر الدهور والأجيال رجالاً ميامين ورعاة صالحين رعوا الشعب في مروج التقوى ومخافة الله. هناك في ربوع برطلّة بالقرب من الموصل بالعراق نشأ الفتى النجيب «شابا» وهذا اسمه في المعمودية، ونما بالقامة والنعمة لدى الله والناس. تلقى مبادئ الدين واللغتين السريانية والعربية في مدرسة الكنيسة، فتاقت نفسه إلى التوسع في العلوم الدينية فانخرط في سلك تلاميذ مدرسة دير مار متى القريب من الموصل سنة (1923 م) وأوفد إلى الميتم السرياني في بيروت سنة (1931م) أستاذاً للسريانية والتعليم المسيحي فتضلع بالإنكليزية وآداب اللغة العربية، وألمّ بالفرنسية.. وهفت نفسه إلى الحياة الرهبانية فزهد بالدنيا واتشح بالاسكيم الرهباني سنة (1933) وبعد سنة رسم كاهناً وعيّن مديراً لمعهد مار إغناطيوس اللاهوتي في مليبار الهند، فكان مثالاً للكاهن الفاضل والمعلم الناجح «ومن عمل وعلّم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت الله» ودرس (المليالم) احدى لغات الهند.

وفي سنة (1946) عيّن مرشداً روحياً ومدرساً للتاريخ الكنسي واللاهوت واللغة السريانية في معهد مار أفرام اللاهوتي في الموصل حيث تتلمذت عليه مع مجموعة من رفاقي في الجهاد الروحي، الذين يحتل العديد منهم اليوم مناصب مرموقة في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية كأحبار وكهنة.. وقد رأينا فيه مدرسة كاملة في التربية الروحية.

وفي سنة (1950) رُسم مطراناً على بيروت ودمشق باسم «مار سويريوس يعقوب» فسطع نجماً لامعاً في سماء الكنيسة، ومجاهداً روحياً في ساحتها.. رأى الحياة عقيدة وجهاداً فجسّم الجهاد في سبيل خلاص النفوس. ورأى المعركة الطاحنة تدور رحاها بين الخير والشر فتمسّك بالخير وتجنّب الشر.. ورأى نفسه راعياً مسؤولاً في الكنيسة فنسج على منوال الراعي الصالح بالبذل والتضحية، لا يبالي بتعب ونصب، ينقذ الهالك ويفتّش عن الضال ليحمله على منكبيه ويأتي به إلى حظيرة الخراف، ويداوي الجريح فيصب على جروحه المثخنّة زيتاً من نفسه الطاهرة وخمرة من عصارة قلبه الكبير.

نازل الكواسر في ميدان الجهاد فهشّم أنيابها بعصا الرعاية الصالحة وذاد عن حياض الكنيسة وأقر حقها فزهق الباطل. كان شمعة مضيئة ذاب حباً لينير أمام رعيته.. وكان ملحاً للأرض فطيّبها.كان للرعية كلها.. للكبير والصغير.. أباً وأخاً شاركهم أفراحهم وأتراحهم.. حمل الصليب وتبع الرب مردداً قول الرسول بولس: «مع المسيح صلبت فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ» وكلّل هامته بإكليل الشوك لأنه علم أن لا تاج في المسيحية بدون إكليل الشوك، ولا عرش بدون صليب.

ها هي ذي مشاريع أبرشيته في عهد مطرنته كلها ألسنة ناطقة بفضله وتعبه وجهده… فقد أسس الكنائس والمدارس والمياتم والملاجئ.. واهتم بإدارتها.

وفي سنة (1957) نُصّب بطريركاً على الكرسي الرسولي الأنطاكي السرياني الأرثوذكس باسم «مار إغناطيوس يعقوب الثالث» خلفاً للمثلث الرحمة العلاّمة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم. فبدأ عمله الرسولي بتفقّد أبناء الكنيسة في كل مكان في الوطن والمهجر، ورافقته في رحلاته الرسولية كسكرتير له مدة ثلاث سنوات، ولمست ما كان يتجشمه من أتعاب وعناء في سبيل خدمة الإنسان. وكان شعاره قول الرب: «إن ابن الإنسان لم يأت ليخدَم.. بل ليخدُم.. وليبذل نفسه عن الخراف».

أحبَّ أخوته المطارنة الأجلاء وعمل معهم في المجمع المقدّس بروح التعاون واهتم بتنظيم الأبرشيات السريانية الأرثوذكسية في العالم ولا سيما «أبرشية دمشق النيابة البطريركية». كما نهض لتشييد أبنية كوقف للبطريركية تدر عليها بمال جزيل يسد أغلب نفقاتها. أحبَّه الكهنة والشعب كله وانقادوا إليه مختارين كبنين، وقدموا له الطاعة المشفوعة بالمحبة. ومع كثرة  أشغاله الإدارية والرعوية، لم يهمل الكتابة والتأليف حتى بلغت مصنفاته الأربعين كتاباً، يعدّ بعضها من عيون المراجع في التاريخ الكنسي واللغة السريانية واللاهوت. وهو عضو في مجمع اللغة العربية بدمشق، وعضو في المجمع العلمي العراقي في بغداد.

حاضر الفقيد في مؤتمرات عالمية بالأدب السرياني وعقائد الكنيسة وحصل على شهادتين في الدكتوراه الفخرية وحاز على أوسمة عديدة من دول عربية وأجنبية.

أحبّ الفقيد الجليل الوطن العربي الكبير، وكانت فلسطيننا المقدّسة عزيزة على قلبه الأبوي تشغله دوماً فيصلي لأجل استعادة الأرض السليبة، والقدس الحبيبة.

أخرج الكنيسة السريانية من عزلتها وضمها عضواً في مجلس الكنائس العالمي.. وانفتح على العالم المسيحي متعاوناً مع أخوته أصحاب الغبطة البطاركة، وسائر رؤساء الطوائف، بما فيه تمجيد اسم الرب القدوس.

وقام بزيارة للمثلث الرحمة «البابا بولس السادس» كما زار قداسة «البابا يوحنا بوس الثاني» والعديد من أصحاب القداسة والغبطة البطاركة الأرثوذكسين، وأجرى الحوار معهم جميعاً هادفاً إلى التقارب والتعاون في الميدان الروحي والكنسي.

وانفتح على العالم الاسلامي فله من اخواننا المسلمين على النطاق الرسمي والخاص أصدقاء مخلصون كثيرون في الوطن والمهجر، يكنّ لهم المحبة الخالصة والودّ الصافي.. فبادلوه الودّ ورأوا فيه شخصية فذّة تفرض احترامها على جليسها.. وإنساناً نقي السيرة طاهر السريرة صريحاً إلى أقصى الصراحة.. لم يخشَ في إعلانها لومة لائم.

لقد تعجله الموت وا أسفاه.. كيف سقط الجبّار في ساحة الجهاد.. حقاً لقد جاهد الجهاد الحسن كالرسول بولس، وأكمل سعيه وحفظ الإيمان، فوضع له إكليل البر الذي يهبه له في ذلك اليوم ـ اليوم الأخير ـ الرب الديان العادل. فقد كان أميناً حتى الموت فليعطه الرب إكليل الحياة. وليسكب إلهنا نعمة العزاء والصبر والسلوان على قلوبنا جميعاً لنتحمل مصيبة فقده بصبر جميل. آمين.

رجل النهضة والإصلاح البطريرك أفرام الأول برصوم·

«اذكروا مرشديكم الذين كلّموكم بكلمة الله، انظروا إلى نهاية سيرتهم، فتمثلوا بإيمانهم» (عب 13: 7).

أعوام ثلاثون انصرمت وانقضت على انتقال سلفنا الأسبق المثلث الرحمات البطريرك العلامة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم إلى الخدور العلوية، وهو في السبعين من عمره.

واحياء للذكرى المئوية لميلاده، والذكرى الثلاثين لانتهاء جهاده الروحي في الكنيسة المجاهدة على الأرض، وانضمامه إلى كنيسة الأبكار المكتوبة أسماؤهم في السماء، نحتفل بالقداس الإلهي في هذه الكاتدرائية التي تضم ضريحه الطاهر، كاتدرائية أم الزنار بحمص، التي أحبها كثيراً، ورددت جوانبها صدى أنغامها الشجية يوم كان يرفع فيها إلى السماء صلواته المستجابة، عطر بخور طيب الرائحة، وينشر مواعظه البناءة، درراً غالية الثمن، فكانت كلمة الله الحية تلج القلوب الواعية، فتنمو وتعطي الثمار الكثيرة. لقد كان صاحب الذكرى واعظاً بليغاً كيوحنا الذهبي الفم، مؤثراً في سامعيه كيوحنا المعمدان. يأتي بالابن الشاطر إلى بيت الآب السماوي، وبالخروف الضال إلى حظيرة الخراف. ويثبت المؤمنين على التمسك بالعقيدة القويمة والفضائل المسيحية السامية التي كان هو ذاته يتحلّى بها.

فلنتأملن بنهاية سيرته الحميدة، ولنتمثلن بإيمانه، اتماماً لوصية كاتب الرسالة إلى العبرانيين. فقد كان بطلاً من أبطال الإيمان، وأحد فطاحل السريان، وركناً متيناً من أركان الدين والعلم والوطن. خط بأحرف من نور أول صفحة مجيدة في سجل تاريخ الكنيسة الحديث، بعلمه الغزير وأعماله الراعوية الصالحة. وما تاريخ الكنيسة المجيد سوى سجل عمل الروح القدس في أناس يختارهم الله تعالى، ويدعوهم، فيلبّون الدعوة، ثم يرسلهم إلى العالم ليبلّغوه رسالته الإلهية. فهم أنبياء صادقون، وأحبار أجلّاء، وكهنة أتقياء. أولئك قوم أنعم الله عليهم بمواهبه الصالحة النازلة من السماء، ومنحهم سلطاناً على الأرض وبوّأهم كراسي في كنيسته على الأرض وفي السماء. وقال لهم الرب يسوع: «من يقبل نبياً باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ومن يقبل باراً باسم بار فأجر بار يأخذ» (مت10: 40 و41) وذلك أن هؤلاء قد حملوا صليب الرب، وتبعوه في طريق التضحية ونكران الذات، وأوصلوا إلى العالم نعمة الفداء فأتوا بالشعوب إلى عبادة الله الحي بالروح والحق، وبهذا صنعوا التاريخ الكنسي المجيد. والله تعالى هو وراء التاريخ، في كل أدواره وأحداثه، وقد برهن الرب على صدق وعده لكنيسته المقدسة أنه باق معها دائماً وإلى انقضاء الدهر، وإن «أبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت16: 18) فالكنيسة ثابتة وقوية بالمسيح رأسها. ويقاس تقدمها بمقياس روحي سماوي، فهي ناجحة بالمسيح، وبقدر ما تقدم للعالم من أبطال الإيمان المملوئين من الروح القدس الذي يحيا المسيح فيهم، وعلى هذا المقياس نحدد الفترة الزمنية للعصر الذهبي لكنيستنا، كنيسة أنطاكية السريانية، فقد بدأ في القرن الرابع للميلاد، بظهور مار أفرام السرياني، وامتدّ عبر الدهور والأجيال ماراً بالسروجي، والبرادعي، والمنبجي، وسويريوس الكبير، والرهاوي وميخائيل الكبير وغيرهم، وانتهى في  القرن الثالث عشر بانتقال ابن العبري إلى جوار ربه. وكنيسة أنطاكية السريانية في السراء والضراء كانت وما تزال تقدم لخدمة الإنسانية والدين، رجالاً ميامين، وهي تؤسس المدارس في الأديرة والكنائس، في المدن والقرى، لأن السريان طبعوا على التمسك بالإيمان ومحبة العلم والمعرفة.

وفُرضت على كنيسة أنطاكية السريانية بعد ابن العبري ظروف قاسية، بفترات زمنية اجتازتها بقوة الله، الذي سند وعضد آباءها القديسين، وقيّض الله تعالى لها في أوائل هذا القرن الخالد الذكر البطريرك العلامة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم، الذي أزاح عنها كابوس السنين العجاف، وأنهضها من كبوتها، وانتشلها من وهدتها، وفتح عينيها على أمجادها التليدة. وهكذا برز كوكباً للسريان منيراً، ومصلحاً جباراً، أحدث في تاريخ الكنيسة منعطفاً كبيراً، وابتدأ عهداً جديداً هو عهد يقظة ونهضة وإصلاح، لبناء حاضر زاهر، ومستقبل باهر.

هذا هو البطريرك أفرام الأول برصوم الرجل العظيم الذي اختاره الله منذ نعومة أظفاره ليحمل رسالة المسيح الإلهية إذ هيأ الجو الروحي الملائم «فكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس» (لو2: 52) بل صار كزيتونة مباركة غرست في بيت إلهنا على ضفاف جداول المياه الحية، فأعطت ثمرها في حينه وورقها لم يذبل.

ولد أيوب، وهذا اسمه قبل رهبنته، من أبوين فاضلين، في مدينة نينوى التاريخية. وتربى على محبة العلم، وانكب على تحصيله في سن مبكرة، فتلقّى في مدرسة الكنيسة بحي القلعة، وفي مدرسة أخرى أجنبية مبادئ العلوم الدينية والمدنية وألمّ باللغات السريانية والعربية والتركية والفرنسية. وتاقت نفسه إلى الانخراط في سلك الرهبانية، فأرسل إلى دير الزعفران بالقرب من ماردين حيث أُلبس الاسكيم الرهباني عام 1907 ودعي اسمه أفرام، وفي السنة التالية رقّي إلى درجة الكهنوت.

وأخذ يلقي الدروس الدينية والعلمية واللغوية في مدرسة الدير التي كان قد أسسها مار ديونيسيوس بهنام سمرجي مطران الموصل يوم كان قائماً بطريركياً وكانت بإدارة الراهب توما عازر قصير (مار أثناسيوس توما مطران الموصل بعدئذ) وفي الوقت ذاته كان الراهب أفرام يتعمّق بدراسة اللغة السريانية وعلومها وآدابها وألمّ باللاتينية واليونانية وتبحر في التاريخين الديني والمدني وعلم اللاهوت والمنطق.

وفي دير الزعفران ابتدأ الراهب أفرام برصوم وهو في شرخ شبابه بتأليف بعض الكتب المفيدة في مبادئ الإيمان والطقس البيعي، نشرها في مطبعة الدير، التي كان قد أسسها في أواخر القرن التاسع عشر المثلث الرحمات البطريرك بطرس الرابع وترأسها الراهب أفرام عام 1911. كما اهتم الراهب أفرام بالدفاع عن حياض الكنيسة فكتب ونشر ردوداً دامغة على كل من سوَّلت له نفسه الأمّارة بالسوء الطعن بالكنيسة السريانية. وكان بكتاباته معتدلاً، منصفاً، لطيف العبارة، شيق الأسلوب.

وكان في حياته الرهبانية مثالاً للراهب التقي الورع العفيف والطيع، أخذ طريقة الزهد والتقشف عن الرهبان السريان الذي كان يزورهم في قلاليهم وأديرتهم، ويجلس عند أقدامهم، ويستمع إلى أحاديثهم الروحية والتاريخية يدونها. واما اقتبسه من أولئك الزهاد الأتقياء من الفضائل السامية، وما تعلمه منهم من طرق الزهد، والتقشف، والصوم، والصلاة، والعفة، والوداعة، والتواضع، والمحبة والتسامح وسائر الفضائل السامية، تجلى في سيرته حتى آخر نسمة من حياته.

وجال، الراهب أفرام، المدن والقرى، وزار الأديرة والكنائس، وبعض المؤمنين، ينقب عن المخطوطات السريانية القديمة، ووضع لها فهارس تعد اليوم من التحف الثمينة النادرة خاصة وإن العديد من تلك المخطوطات قد عبثت بها يد الزمن وفقدت، أو أتلفت.

وقام بجولته الأولى في أوربا ليطلع على ما حوته مكتباتها الشهيرة من كنوز المخطوطات السريانية، وكان في كل ذلك كمن يغوص في أعماق البحار ينقب عن الجواهر الثمينة، وقد حصل عليها وقدم لنا بعدئذ كتابه «اللؤلؤ المنثور» في تاريخ العلوب والآداب السريانية وغيره من المؤلفات النفيسة المطبوعة والمخطوطة.

وعيّنه المثلث الرحمات البطريرك عبدالله كاتباً ثانياً له، فرافقه إلى القدس حيث انفتحت أمامه آفاق جديدة في العلم والمعرفة، وبدأ علائق مهمة مع بعض العلماء واللاهوتيين من سائر الملل والنحل، فاتسعت مجالات عطائه العلمي الغزير.

وفي عام 1917 على أثر انتقال البطريرك عبدالله إلى جوار ربه اشترك الراهب أفرام بانتخاب سلفه المثلث الرحمات البطريرك الياس الثالث بالنيابة عن أحد المطارنة. وعينه سلفه المذكور نائباً بطريركياً لأبرشية يشارك أبرشيته تحمّل محن الزمن العصيب بصبر جميل، ومداواة الجراح المثخنة التي تركتها الحرب العالمية الأولى في جسد الكنيسة، وما خلفته هذه الحرب المشؤومة من مصائب ومصاعب وكوارث. ثم انتخبته الأبرشية بالإجماع فرسم مطراناً عليها سنة 1918 باسم مار سويريوس أفرام وأضيف إلى رئاسته الروحية فيما بعد لبنان.

في حمص برزت مواهب المطران سويريوس أفرام الدينية والعلمية. وتجلت محبته للوطن العزيز. وكانت له في هذا الميدان مواقف مشرفة، كما له دور فعال قام به في الاشتراك مع الذين ناضلوا في سبيل تحرير الوطن الحبيب من المستعمرين الطغاة، ويعد بحق قطباً من أقطاب الحركة الوطنية العربية السورية. وقد قام عام 1919 بجولته العلمية الدينية الثانية في أوربا، موفداً من سلفه الطيب الذكر البطريرك الياس الثالث فحضر مؤتمر باريس الأممي، وكانت له صولات في المطالبة بحقوق العرب ونبذ كل شكل من أشكال الاستعمار. وكان لقوة عارضته وفصاحته في التعبير بالفرنسية الأثر الطيب في المؤتمر من جانب زملائه ممثلي العرب.

وأوفده سلفه المثلث الرحمات البطريرك الياس الثالث إلى أمريكا لتفقد الجاليات السريانية، وتنظيم شؤونها الروحية والاجتماعية، فقام بذلك خير قيام، وجال ثانية في أوربا يدرس المخطوطات السريانية في مكتباتها الشهيرة. ولمكانته العلمية انتخب عام 1932 عضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق.

كان المطران سويريوس أفرام برصوم راعياً صالحاً، خدم أبرشية حمص بتضحيته ونكران الذات، مشاركاً المؤمنين أفراحهم وأتراحهم، وكان يقضي أياماً عديدة في تفقد القرى روحياً واجتماعياً، مرة في السنة على الأقل، ويلقي المحاضرات البليغة على أبنائه الشباب، شارحاً لهم عقائد كنيسة أنطاكية السريانية وتاريخها. كان يشجعهم على تحصيل العلوم مؤرخاً بطولاتهم بأناشيده الشعبية، مفتخراً بغيرتهم الدينية، وشهامتهم، وتمسكهم بالعقيدة الإيمانية، ومحبتهم لوطنهم العزيز. فأحبوه كثيراً والتفوا حوله كالسوار بالمعصم. وفي الفترة الزمنية العصيبة التي مرت على السريان في بعض البلدان المجاورة استقبل صاحب الذكرى المهجرين الوافدين إلى سوريا مهيئاً لهم المأوى والمأكل والمشرب، مع النصح والإرشاد.

ولما أعلن الناعي انتقال الخالد الذكر البطريرك الياس شاكر إلى جوار ربه في الهند، أجمعت الكنيسة بأشخاص أحبارها على انتخاب المطران مار سويريوس أفرام برصوم قائمقاماً بطريركياً فنظم شؤون الملّة وهيأ الجو الملائم للانتخاب البطريركي وانتخب بطريركاً سنة 1933 وجرت حفلة تنصيبه في حمص التي اتخذها مقراً مؤقتاً للبطريركية، إذ تعذّر عليه الذهاب إلى دير الزعفران مقر الكرسي البطريركي.

وأول عمل قام به كبطريرك هو تنظيم قوانين الكنيسة وسن ما يصلح منها لذلك الزمن مستنداً بذلك على قرارات المجامع المقدسة، ثم شراؤه من ماله الخاص أرضاً في مدينة زحلة شيد عليها مدرسة مار أفرام الكهنوتية التي أسسها عام 1939 ورعاها إلى آخر نسمة من حياته لتكون مصنعاً لإكليروس الكنيسة المؤمن والمثقف والمتمسك بعقيدته والمفتخر بتراثه الثمين ولغته السريانية المقدسة.

وجاءت الحرب العالمية الثانية لتضاعف من الأعباء الجسيمة على كاهل البطريرك أفرام ولكنه تمكن من أن ينظم الأبرشيات الجديدة التي تألفت من النازحين في عهد مطرنته وبطريركيته ويرعاهم رعاية صالحة بما منحه الله من حكمة حسن تصريف الأمور. كان لنا الحظ السعيد في الانضواء تحت لوائه، والانضمام إلى حاشيته طيلة السنتين الأخيرتين من حياته، فصرنا موضع اهتمامه الأبوي ورعايته الرسولية، واعترافاً منا بالجميل، علينا أن نسبق الآخرين إلى الإقرار بفضله، فقد كان رحمه لله أباً حنوناً وراعياً صالحاً، يشمل أولاده الروحيين بعنايته، ويتجاوز عن الهفوات بعد إسداء النصح والإرشاد، ويعالج الضعفات بحكمة ووداعة، لأنه أب محب ذو قلب كبير يختلج بمحبة الكنيسة، ماضيها وحاضرها، ويخفق أملاً ورجاءً بمستقبل أفضل.

عاش سبعين عاماً كانت بمثابة سبعمائة عام عوّض خلالها للكنيسة، عما خسرته في الحقبة الزمنية الواقعة بين اواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن العشرين، أي منذ فقدت الكنيسة العلامة ابن العبري (ت 1286)، وحتى ظهور صاحب الذكرى البطريرك أفرام الأول برصوم، الذي وهبه الله كابن العبري. ذكاءً خارقاً، وجلداً على الدرس التحصيل، فكان منكباً على ذلك بياض نهاره وسواد ليله، وكان خصب الإنتاج الأدبي والديني فمن اطلع على ما تركه لنا من مؤلفات بلغات شتى أقر بما كان عليه من عبقرية فذة، فهو حقاً وحيد دهره، وفريد زمانه، ونسيج وحده.كان يجل آباء الكنيسة وعلماءها وقد خلد ذكرهم في كتاباته النفيسة. كما كان يتمسك بتقاليد الكنيسة وأنظمتها.

حدث في ليلة عيد رأس السنة الجديدة لعام 1957، وهو أيضاً عيد آباء الكنيسة كافة، وبحسب تقاليد كنيستنا يتمتع قداسة البطريرك بحاشيته ليلة العيد، ويمسك بيمناه الصليب المقدس، وبيسراه العصا الرعوية، وهو في صالة البطريركية، وبعد أن ترتل الحاشية الأناشيد الخاصة بتكريم الأحبار يمنح البطريرك بركته الرسولية للكنيسة كافة أحباراً وكهنة وشمامسة وشعباً. وهكذا جرى ليلة عيد رأس السنة الجديدة المذكورة، إذ شرع صاحب الذكرى يتكلم، طلب إلى الله تعالى أن يبارك الكنيسة ويبارك البلاد رئيساً وحكومة وشعباً، وينشر أمنه وسلامه في العالم، ثم توقف لحظة وأردف قائلاً:

لعلها المرة الأخيرة التي أحتفل فيها بمثل هذه المناسبة. وبكى.. وشاركناه البكاء.. كانت نغمة حزن في سيمفونة طرب.. ولفظ عبارات اخرى كأنه سلَّم بها الكنيسة إلى الرب يسوع رأسها… وماتزال هذه الصورة المؤلمة ماثلة أمامنا حتى الآن..

وفي صباح الأحد المصادف الثالث والعشرين من شهر حزيران من ذلك العام، وقبل الانتهاء من القداس الإلهي كان صاحب الذكرى قد لفظ أنفاسه الأخيرة في قلايته وهو راقد على فراشه بسلام، ولسان حاله يقول مع الرسول بولس: «قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظته الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً» (2تي4: 7 و 8)، واليوم ونحن نحتفل بالذكرى المئوية لميلاده وبمرور ثلاثين عاماً على انتقاله إلى السماء، نكرمه بالاقتداء بسيرته الصالحة، بالتمسك بالإيمان القويم، وبممارسة الفضائل السامية، وبمحبة الوطن العزيز، ومحبة الكنيسة المقدسة، وانعاش لغتنا السريانية الحبيبة..

أما أنتم يا أبناء حمص الأعزاء وخاصة نيافة أخينا الحبر الجليل مار ملاطيوس برنابا مطران حمص وحماه وتوابعهما، وتلميذ البطريرك أفرام فهنيئاً لكم بضريح البطريرك أفرام الطاهر.. فكما يحج الناس إلى هذه الكاتدرائية المقدسة للتبرك من زنار القديسة العذراء مريم الذي اكتشفه صاحب الذكرى في هذه الكاتدرائية عام 1952، يحجون أيضاً إلى ضريحه الطاهر لتكريم العلامة الكبير، والمؤرخ الشهير، والأديب القدير، والشاعر المبدع، والراعي الصالح، رجل النهضة والإصلاح، البطريرك أفرام الأول برصوم، فليكن ذكره خالداً فقد كان أميناً إلى الموت فليعطه الرب إكليل الحياة (رؤ2: 10) آمين.

المطران قرياقس حكيم السريان في ذمة الخلود·

قال صاحب المزامير: «أي إنسان يحيا ولا يرى الموت، أيّ ينجي نفسه من ال