دائرة الدراسات السريانية

انتخاب الاساقفة-مار سويريوس الانطاكي

انتخاب الاساقفة

في رسائل مار سويريوس الأنطاكي

بقلم : نيافة مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم مطران حلب وتوابعها[1]

مقدمة :

قد لا نرى في مؤلفات مار سويريوس الأنطاكي سوى رسائله لتشكل مصدراً هاماً لموضوعنا القانوني – التاريخي انتخاب الأساقفة. ولكن قبل ان نلج الموضوع نتطرق الى دراسة مختصرة عن حياة البطريرك سويريوس الأنطاكي (٥١٢-٥٣٨+ ).

لدينا اربع سير لمار سويريوس، ثلاث منها كتبت في القرنين السادس والسابع، والأخيرة كتبت في ايامنا، ولا نرغب في أن نزود القارىء بكل ما جاء في هذه السير انما نشير الى السيرة الرابعة وهي بقلم قداسة مار اغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك انطاكية وسائر المشرق السرياني اذ تعتبر اشمل واوضح و سنعتمدها في نقاط هامة لها علاقة بموضوعنا. فزكريا زميل مار سوپریوس في الاسكندرية وفي بيروت يكتفي بسرد حياته كطالب، ثم طريقة عماده ورهبنته حتى اولى ايامه كبطريرك. ولا أثر لصلاحياته وأعماله كبطريرك لأنطاكية. بينما يزودنا مؤلف السيرة الثانية يوحنا الثاني رئيس دير قنسرين الشهير ببعض الأمور الأخرى، اذ يعتبر انتخاب سويريوس بطريركا كان بمثابة اعجوبة للكنيسة الأنطاكية، حيث الجموع تستقبل الراعي الجديد بفرح عظيم وسرور منقطع النظير، ورغم كل دلائل الرخاء والطمانينة سويريوس يعيش عيشة رهبانية صرفة وهو متربع على عرش انطاكية العظيم. قريب من شعبه كل القرب، يزورهم في ابرشياتهم وكنائسهم، ويتفقد شؤون رهبانه في اديرتهم، ولا يريد ان تفوته شاردة أو واردة عن حياتهم. لا شك أن هذه السيرة تلقي اضواء كاشفة على حياة سويريوس الرعوية. وينفرد اثناسيوس الأنطاكي (٦٣١+) في وصف مآثر سويريوس القلمية، بل يركز على مؤلفاته الجدلية ويستنتج منها ان عظمة سويريوس تكمن في استطاعته ان يدافع عن الأرثوذكسية دفاعاً مستميتاً بقلمه السيال. ويبقى البطريرك يعقوب الثالث أوضح من المؤلفين الثلاثة عند حديثه عن ملفاتنا مار سويريوس الأنطاكي، فمن خلال قراءة سريعة لفهرس كتاب (نفح العبير أو سيرة البطريرك مار سويريوس الكبير) يظهر جلياً الجهد الكثير الذي بذله المؤلف لجمع المعلومات الكافية والوافية عن هذا البطريرك المعترف الذي ينادى به في كل مرة يقام فيه القداس الإلهي (بتاج السريان). والكتاب يدفع القارىء الى قراءة رسائل مار سويريوس بالذات التي اعتمدها البطريرك يعقوب لكشف جوانب كثيرة من حياته.

وقبل ان نخوض الموضوع علينا أن نتعرف الى الاحداث التي عاصرت سويريوس. فالجدل كان يلعب دوراً كبيراً في حياة الكنيسة، أذ لم يكن البطاركة جميعاً قد أقروا ما جاء به مجمع خلقيدونية (٤٥١) بل ان اثنتين من البطريركيات الكبرى في الشرق الاسكندرية وانطاكية كانتا قد رفضتا باصرار و تصميم كريستيولوجية خلقيدونية وطومس لاون الروماني. وكان سويريوس البطريرك الأنطاكي من الرافضين وكان على كل منتخب لدرجة الاسقفية ان يكون رافضاً، والرفض المقررات خلقيدونية يصير عنصراً هاماً لشرعية وصحة الاسقف الجديد، هذا الأمر ناتج كما هو واضح عن الحالة التي كانت الكنيسة تعيشها في ايام سويريوس، ففي القرون التي تلي عهد سويريوس لا نحتاج الى امتحان ايمان المنتخب، بل سنقف نادراً على ابعاد اسقف او مطران عن ابرشيته بسبب عقيدته. فاذا كان سويريوس ومطارنته يعملون حتى وهم خارج ابرشياتهم، ويتدخلون بقوة من اجل تثبيت او ابعاد اسقف، بسبب العقيدة الأرثوذكسية الغاية منها كانت لانقاذ الكنيسة ولتثبيت الايمان الأرثوذكسي (ايمان المجامع الثلاثة نيقية، قسطنطينية، وافسس).

رسائل مار سويريوس الأنطاكي :

كانت المدة التي أمضاها سويريوس الأنطاكي على عرش مار بطرس الرسول ستة وعشرين سنة. ست في انطاكية، وعشرون في المنفى. كتب البطريرك خلالها عدداً كبيراً من الرسائل، بل لم يُعرف بطريرك كتب بهذا المقدار. لقد فقدنا كل الرسائل تقريباً بلغتها الأصلية اليونانية، وحتى اليوم لم تكتشف جميعها بترجمتها السريانية. بروكس كان أول من نشر الرسائل فبين عام ١٩٠٢ – ۱۹۰٤ نشر جزأین تضمنا ۱۲۳ رسالة ترجمت كلها الى الانكليزية بعنوان: (الكتاب السادس من الرسائل المختارة لسويريوس) والترجمة السريانية تمت على يد القس اثناسيوس النصيبيني بناء على طلب من متى اسقف حلب، ودانيال اسقف الرها. وفي عام ۱۹۱۹ جمع بروکس نفسه رسائل اخرى لسويريوس كانت مبعثرة في ۲۸ مخطوطة متواجدة في مكتبات مختلفة في أوروبا ونشرها بعنوان (مجموعة رسائل مار سوپریوس الأنطاكي) من مخطوطات سريانية عديدة يقول بروكس الذي نقلها الى الانكليزية وقدم لها في مقدمة هذا المجلد (اذا جمعنا الرسائل الاضافية والعدد الأكبر لكل كتاب – من كتب الرسائل – مع رسائل هذه المجموعة سيكون عددها ٣٨٢٤ رسالة). ويذكر الطيب الذكر البطريرك افرام الأول برصوم في كتابه (اللؤلؤ المنثور) عدداً آخر من الرسائل بقيت مجهولة لدينا، لم نطع الا على واحدة منها فقط لخصها ونقلها الى العربية البطريرك يعقوب الثالث في كتابه الأنف (الذكر نفح العبير). وبالاضافة الى كل ما ذكر فلقد اكتشف البروفسور س. بروك عدداً آخر من الرسائل في مخطوط محفوظ في مكتبة جامعة هارفرد، تصفحناها مع مقال له بالانكليزية ما زال مخطوطاً على ما نعتقد. ولا علاقة لكل هذه الرسائل بالموضوع الذي نبحثه في هذا المقال.

الرسائل التي تتعلق بانتخاب الأساقفة :

أن القسم الأكبر الذي يبحث عن هذا الموضوع في رسائل البطريرك سويريوس الأنطاكي والتي تشكل المصدر الهام لموضوعنا يتواجد في مجموعة (الكتاب السادس …) الذي يقسم الى عدة أقسام يهمنا منه القسم الأول ويبحث في:

ا – الاكليروس.                   ب – رسامات الكهنة.

والقسم الثاني ويبحث في:

ا – رسامة سويريوس الكهنوتية.    ب – اولوية الاسقفية.

ج – نقاط غامضة عن الاسقفية.    د – اغتصاب الاسقفية.

هـ – شرعية الرسامات وصحتها.

واختيارنا لقسمين فقط من الرسائل لا يعني: ان سويريوس لا يتطرق الى موضوع انتخاب الأساقفة والمطارنة الا في هذين القسمين، كما لا يعني أننا سوف لا نقف على اخبار الأساقفة وانتخابهم في رسائل أخرى، وهذا ما أشار اليه بروكس بالذات في مقدمته.

أما عدد الرسائل التي تتطرق بصورة مباشرة الى موضوعنا فهو احدى وثلاثون رسالة، ثمان وعشرون منها موجودة في الجزء الأول، والثلاث الآخر في الجزء الثاني والرابع والخامس، ومن الرسائل الثلاث لدينا الرسالة الموجودة في الجزء الثاني وسنعتمدها كثيراً في حديثنا.

 المصطلحات اسقف مطران (متروبوليت)، رئيس أساقفة:

اذا كنا قد عنونا بحثنا هذا بانتخاب الأساقفة فقط، فلأن الاسقف والمطران ورئيس الأساقفة جميعا هم أساقفة. مع هذا يحدد سويريوس بوضوح وجلية الأسماء الثلاثة. فالاسقف هو الرجل الذي له ابرشية في متروبوليتية ما. ولنا أمثلة كثيرة سنأتي على ذكرها فيها يبين سويريوس انه غير ملتزم بل ليس من حقه وصلاحياته أن يتدخل في انتخاب أو رسامة اسقف فالأمر يعود بالدرجة الأولى الى مطرانه. وفي كل الرسائل لا نملك اخبار اساقفة متزوجين سوى في حادثة واحدة فقط، ولكن لم نقف على اخبار مطران متزوج. اما المتروبوليت او المطران فهو اسقف عاصمة المقاطعة. له امتیازات وصلاحيات تختلف كل الاختلافات عن امتيازات وصلاحيات الاسقف في المدينة الصغيرة أو الكبيرة. منها انه هو الوسيط بين مجمعه الاسقفي من جهة والأساقفة من جهة أخرى والبطريرك. وبين الاكليروس عامة والبطريرك. وبين العلمانية جميعا والبطريرك. وأكثر من ذلك، يقترح البطريرك عند وقوع خلاف ما يستدعي دخول السلطات المدنية أن يتصل المتروبوليت مباشرة بالامبراطور دون أن يعود اليه. أي ليس كما جرت العادة ان يكون البطريرك المسؤول عن البطريركية كلها تجاه الامبراطور. ويبقى الفرق بين انتخاب الاسقف والمطران واضحاً كل الوضوح في رسائل سويريوس. فالقرار الأخير في انتخاب المطران امتياز خاص للبطريرك، بل هو بالذات يقوم بحفلة رسامته. أما الاسقف فهو عائد الى مطرانه، ومطرانه يقرر انتخابه ورسامته ايضاً. ومن امتيازات المطارنة دعوة الأساقفة لحضور المجامع الاقليمية والبطريركية، وكان على الأساقفة أن يستأذنوا مطارنتهم اذا أرادوا مغادرة أبرشياتهم، كما كان عليهم أن يستشيروهم في كل أمورهم.

((البطريرك)) لفظة أطلقت على بطاركة انطاكية قبل عهد سويريوس، اذ نقرأها مرات عديدة في رسائله. ويسمي سويريوس كرسيه: بـ (الكرسي الرسولي) (العرش الرسولي) (العرش الانجيلي) (العرش البطريركي والرسولي). وفي رسالة ارسلت من مجمع انطاكي الى أساقفة أفاميا، آباء المجمع يكتبون: (من البطريرك القديس – أي سويريوس – الى محبي الله أساقفة الشرق). ولفظة ((رئيس الأساقفة)) يطلقها سويريوس على بطريرك الاسكندرية واحيانا على اسقف روما ((فديوسقوروس رئيس أساقفة الاسكندرية )). ((طيمثاوس رئيس أساقفة الاسكندرية )). (( سيريسيوس رئيس اساقفة روما)). وتارة يسمي أولئك البطاركة أساقفة أيضاً. أما موضوعنا فيبحث في انتخاب الأساقفة والمطارنة فقط.

الجزء الثاني

متى ينتخب الأسقف؟

عندما تشغر الأبرشية ينتخب بصورة قانونية وشرعية اسقف جديد لها.

وتكون الأبرشية شاغرة عادة في أربع حالات:

1- في الوفاة.  ٢- في الاستقالة.   ٣- في العزل.      ٤- في لا شرعية الرسامة.

في الوفاة: لدينا رسالة واحدة موجهة من سويريوس الى أبنائه في متروبوليتية أفاميا يعزيهم فيها بحرارة بوفاة مطرانهم اسحق ((الذي ترك الحياة الحاضرة قبل أن يستكمل الجهاد من أجل العقيدة الأرثوذكسية).

وبما أن كنيستهم قد ترمّلت، فمن الضرورة العمل من أجل ايجاد مطران آخر يكمل العمل الرعوي التبشيري في المتروبوليتية.

وفي رسالة ثانية يكتب أبناء احدى الأبرشيات الى البطريرك طالبين رسامة اسقف جديد لهم دون أن يشيروا الى وفاة اسقفهم السابق. وفي رسالة ثالثة يرد مار سويريوس على رسالة وردت اليه من أبرشية طلبت فيها أن يرسم لهم اسقفاً ويقول (( من الأفضل أن تقدموا الطلب مع المضبطة الى الامبراطور)). فالمهم في كل هذه الأحوال أن الأبرشية تنتخب لها مطراناً عند وفاة مطرانها.

في الاستقالة: لا تجيز القوانين الكنسية انتخاب ورسامة اسقف الأبرشية ما اذا كان اسقفها بعد في قيد الحياة. ولكن في عهد سويريوس بالذات وجد اسقفان لأبرشية واحدة، وهذا ما جعل الكثيرين من المقربين اليه أن يلوموه لسماحه بوقوع أمر كهذا في عهده. فبينما كانت متروبوليتية أفاميا خاضعة لمطرانها قوزما الذي انتخب ورسم مطراناً عليها بعلم وتدخّل البطريرك مار سويريوس، تقوم المتروبوليتية نفسها بعلم سويريوس بعملية انتخاب جديدة المطران جديد اسمه بطرس. ولم يرض البطريرك أن يبقى موضوع متروبوليتية أفاميا غامضاً فيكتب في رسالة موضحاً أن خلافاً وقع بينه و بين قوزما بالذات اعتزل على أثرها قوزما الخدمة، وعندما توسط الأساقفة في مجمع ضمهم والبطريرك وقوزما ليقبل توبته و ندامته، تعلل قوزما بعملية الانتخاب وقدم استقالته بصورة نهائية قائلا عن نفسه أنه ليس بعد اسقفاً ولا اكليريكياً ولا يرغب في خدمة كهنوتية. وبعد أن قبلت استقالته بحضور الأساقفة صدق البطريرك عملية الانتخاب وتم تنصيبه مطراناً، فلو رضي قوزما العودة الى مطرانيته، لعد الانتخاب غير شرعي لوجود راعيها الشرعي في قيد الحياة. ولئن كانت للاستقالة أسباب أخرى، غير أننا لا نقرأ في رسائل مار سويريوس شيئاً أكثر من هذا.

في العزل: المطران أو الاسقف قد يعزل من منصبه. ولا يعد له صوت في المجمع البطريركي أو الاقليمي. ونستطيع أن ندرج هنا العناصر الأساسية والهامة التي قد يستند اليها في عملية العزل:

۱ – مخالفة قوانين الكنيسة.

2 – العصيان على أوامر الرئاسة (البطريرك أو المطران).

3 – الاتصال بالسلطات المدنية بدلا من العودة الى الرئيس المباشر أو مجمع الأساقفة.

4 – الاقررا بكريستيولوجية خلقيدونية .

ويظهر أن القلاقل كانت كثيرة في متروبوليتية أفاميا في أيام سويريوس.

فبعد تنصيب المطران بطرس الآنف الذكر خرج بعض الأساقفة على القوانين الكنسية ورفضوا الاشتراك في مجمع بطريركي بدعوة مطرانهم بطرس. وان كنا نجهل أسباب الخلاف بين الطرفين ولكننا نلاحظ أن المجمع يدعوهم بصورة رسمية طالباً اليهم تقديم طاعتهم ثم الاشتراك مع اخوتهم الأساقفة في أعمال المجمع. واذ استرسلوا في العصيان كتب البطريرك الى مدير المراسم في القسطنطينية يشرح له وضع أساقفة سورية الثانية مبيناً أن آباء المجمع بحثوا أمرهم بدقة واستنكروا أعمالهم وتصرفاتهم الجنونية ضد القوانين المقدسة ونظام الكنيسة وضد الامبراطور التقي! ويستطرد البطريرك قائلا: لا يحق للآباء دعوتهم الى المجمع فحسب بل انما محاكمتهم ومعاقبتهم أيضاً. وهذه دلالة على أن للمجمع امتيازات وصلاحيات واسعة يقوم بها على ضوء القوانين الكنسية لما فيه خير الكنيسة العام. وكان من ثم عقاب أولئك الأساقفة العصاة عزلهم عن كراسيهم. ونقرأ في رسالة للبطريرك بأن الامبراطور ذاته ومدير المراسم في القصر مهتمان كل الاهتمام بأمر أولئك الأساقفة بل يطلبان بالحاح عودتهم الى أبرشياتهم. فكان جواب البطريرك للامبراطور ((اذا كان هذا يرضيك، ويتوب الأساقفة بتواضع، فستقبلهم القوانين الكنسية وسيستقبلهم المطارنة الذين عزلوهم وسيجتمع المجمع معهم مرة أخرى)). وفي رسالة أخرى الى حاكم ولاية أفاميا يطالب البطريرك بالاّ يعادي ويخاصم مطران أفاميا ((اذ من يشترك مع الأساقفة المعزولين اكليريكياً كان أم علمانياً سيقطع من شركة الكنيسة)). وقد كتب بهذا عندما بلغه اشتراك الحاكم في حفلة ترأسها أحد الأساقفة المعزولين. وفي حال تمادي الاسقف في أخطائه كانت الأبرشية بعد عزله تنتخب لها بصورة شرعية اسقفاً آخر، واذا ما عاد تائباً اسقفها السابق لا يجلس مرة أخرى على كرسيه.

في ايصوريا أيضاً يعزل المطران سولون اسقفين بسبب الكبرياء والجشع. واذ تركا أبرشيتيهما على حين غرة ودون أخذ اذن خاص من مطرانهما، كتب سولون الى البطريرك مخبراً فأجابه: ((حسناً فعلتم قداستكم اذ استوحيتم القوانين الكنسية واستفسرتم منا عن أوسونيوس وبولس)). واعتبر أن الاسقفين أجيران وليسا من الرعاة الحقيقيين، اذ انهما تركا أبرشيتيهما عندما أقبل الذئب. بينما الراعي الحقيقي هو من يبذل نفسه عن الخراف. ثم يستشهد بقوانين كنسية ويقول: ((انها (القوانين) لا تسمح للاكليريكي أن يبعد نفسه عن شعبه بسلطانه دون استشارة بطريركه أو مطرانه)). واذ ان أحدهما (بولس) قد شخص الى العاصمة وتقدم بشكوى باسمه واسم زميله الاسقف الآخر الى السلطات المدنية وربما الى الامبراطور شخصياً، يرى سويريوس أن ((يبعدا من كل سلطان كهنوتي، ويُقطعا من بين الرعاة)) كما يقترح على سولون أن يكتب بنفسه الى الامبراطور موضحاً الأمور بخصوصهما. وأن يجمع أساقفته في مجمع اقليمي للتداول في الأمر. و لا نملك معلومات أخرى عن نهاية الاسقفين.

في اللاشرعية: لا بد وأن تكون الشروط مستوفاة في شخص المنتخب الدرجة الاسقفية. والا فلا يعد أهلا للدرجة. بل يعتبر انتخابه غير شرعي ورسامته باطلة. ولسنا بصدد سرد كافة الشروط اذ سنفرد قسماً من كلامنا في الصفات المعنوية والبدنية اللازمة للمنتخب في مكان آخر. أما هنا فلدينا أمر أحدهم اسمه أبيفانيوس نصب نفسه مطراناً على متروبوليتية فينيقية. يعتبر البطريرك سويريوس رسامته باطلة اذ نصب نفسه بنفسه، ويكتب الى أساقفة فينيقية طالباً عمل مضبطة جديدة لانتخاب مطران جديد عوضاً عن أبيفانيوس. وفي رسالة أخرى موجهة الى أرخلاوس قارئ كنيسة صور يؤكد البطريرك عمل مضبطة جديدة ويبعد الشكوك عن أولئك الذين حرمهم أبيفانيوس لمقاطعتهم اياه ويوصي بعدم الاكتراث له أو لأحكامه.

وفي حمص أيضاً تمت رسامة أشعيا على يد اسقف واحد فقط. فيتدخل سويريوس من المنفى ويعتبر رسامة أشعيا غير شرعية، اذ أن قوانين الكنيسة توصي بقطع الشركة عن الاثنين (المحتفل بالرسامة والمرتسم)، لعدم اشتراك الاكليروس والمؤمنين في الانتخاب. ولذلك لا يجوز له أن يستعمل لقب الاسقفية. وفي أطول رسالة كتبها سويريوس على ما نظن عنونها الى أهل حمص الأرثوذكسيين يقول ((من لم يكن منتخباً من الاكليروس والشعب لا يحق له أن يحمل لقب الاسقف)). فاللاشرعية في رسامة الأول كانت بتنصيبه نفسه بنفسه، وفي الثانية لنيل رسامته بواسطة اسقف واحد دون العودة في انتخابه الى الاكليروس والشعب، فلهذا كانت الرسامة في كلتيهما غير شرعية وباطلة.

الجزء الثالث

عملية الانتخاب

بعد أن عرفنا متى يُنتخب الاسقف، نلقي هنا ضوءاً على دور البطريرك، الأساقفة، الاكليروس، والعلمانيين في عملية الانتخاب. ونظراً الى وجود بعض الاختلاف بين انتخاب المطران والاسقف سنفصلهما عن بعضهما:

1 – انتخاب المطران

نستنتج من رسائل مار سويريوس الكبير أن البطريرك، الأساقفة، الاكليروس، والشعب كانوا يشتركون فعلياً في انتخاب المطران. وكان للبطريرك امتياز خاص، ولكل من المذكورين دور لا بد وأن يلعبه ليكون اشتراكه فعلياً لاضفاء صبغة الشرعية على الانتخاب. ولم نقرأ شيئاً عن تدخل السلطات المدنية (حاكم الولاية، شخصيات سياسية في الولاية وفي العاصمة، أو الامبراطور في عملية انتخاب مطران. بينما نقرأ عن تدخلهم في اقالة وعزل مطران أو اسقف من أبرشيته. وكانت تتم عملية الانتخاب باختصار على الوجه التالي:

في حالة شغور الأبرشية يكتب البطريرك الى الأساقفة، الاكليروس، الشعب (وفي بعض الأحيان الى الوجهاء والنبلاء) لينتخبوا ثلاثة أشخاص ويرسلوا أسماءهم اليه ليختار أحدهم ويرسمه مطراناً عليهم أو ليأمر الأساقفة برسامته مطراناً على المتروبوليتية. ونلاحظ في رسالته التي وجهها الى أفاميا معزياً بوفاة مطرانها قوله: ((ورأينا من واجبنا أن نهتم برسامة مطران آخر خلفاً لمطرانكم المتوفى لا سيما وأن أسبوع الآلام وأعياد القيامة المجيدة قريبة منا)). والآن كيف كان على البطريرك، الأساقفة، الاكليروس والشعب أن يعملوا لتتم عملية الانتخاب بصورة شرعية.

أ – دور البطريرك: للبطريرك دور بارز كما قلنا. فهو الذي يكتب الى المتروبوليتية الشاغرة ويطلب مضبطة فيها تنتخب المتروبوليتية ثلاثة أشخاص فيهم المؤهلات الكافية لنيل درجة المطرنة. وللبطريرك فقط الحق في اختيار أحدهم ليكون مطراناً. فقرار البطريرك كان من الأهمية بمكان. هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى لم يكن باستطاعته أن يختار آخر لم يرد اسمه في المضبطة. فان كان له مرشح يشير اليه بصورة غير مباشرة كما حدث في أفاميا. فعندما توفي اسحق مطران أفاميا كتب البطريرك الى الاكليروس أولا طالباً أن يجهزوا مضبطة ينتخبون فيها ثلاثة أشخاص. وعندما تباطأوا بسبب خلاف نشب بينهم، كتب رسالة ثانية الى الاكليروس والنبلاء وأشار عليهم أن يضعوا اسم قوزما بين الأسماء الثلاثة حلا للخلاف. وهذا قوزما – مرشح البطريرك – صار فيما بعد مطراناً على أفاميا. فصلاحيات البطريرك كانت أن يختار أحد الثلاثة المنتخبين من الاكليروس والشعب في المتروبوليتية ليرسمه مطراناً أو ليأمر الأساقفة برسامته.

ب – دور الأكليروس: ونعني بالاكليروس الأساقفة والكهنة المتزوجين والبتولين. وفي انتخاب المطران كان للأساقفة أيضاً دور واضح. واجماعهم على انتخاب أحدهم ليكون رئيساً عليهم كان دعامة كبيرة للمنتخب. وان كنا لا نلاحظ بالتدقيق الدور الذي كان يلعبه الكهنة في رسائل مار سويريوس ولكننا واثقون من أنهم كانوا يشتركون فعلياً في انتخاب مطرانهم جنباً الى جنب مع أساقفتهم، ونقرأ مرات ومرات لفظة الاكليروس في رسائل البطريرك. أما عن دور الأساقفة، ففي عهد سويريوس اعترضت فئات على رسامة سولون مطران ايصوريا مدعية أنها كانت غير صحيحة، فيرد البطريرك قائلا: ((اذا وافق عدد كبير من الأساقفة على رسامة أحدهم تعتبر رسامته قانونية)) ورغم أن البطريرك يستعمل امتيازاً خاصاً ومن باب التدبير (الايكونوميا) يمنح رسامة سولون شرعية، ولكن لكلماته مدلولا آخر اذ تبرهن على دور الأساقفة البارز في عملية انتخاب ورسامة مطران. وعندما يفسر سويريوس قول بولس الرسول في صفات الاسقف يؤكد أن الاسقف هنا ليس الكاهن، أي أنه يميز بين الكاهن والاسقف. ثم يبين في رسالته الى أهل حمص الأرثوذكسيين أنه جرت العادة في الأجيال الأولى أن يعين الكهنة في الاسكندرية رئيس أساقفتهم، ثم أقلعت الكنيسة عن هذه العادة وجعلت انتخابه ورسامته منوطين بالأساقفة فقط. وقوله في رسالته الموجهة الى أساقفة فينيقيا لانتخاب مطران جديد: ((عليكم أن تعملوا مضبطة كما هو مكتوب في القوانين الكنسية ..)) كل هذه الأقوال تؤكد أن دور الأساقفة في عملية انتخاب المطران كان فعالا وبارزاً وضرورياً لشرعيته.

جـ – دور العلمانيين: (( رسامة الأساقفة يجب أن تكون بالصوت الحي، أي بالرضا المشترك بين الاكليروس والوجهاء البارزين الفصحاء)). بهذه الكلمات توجه سويريوس الى الأساقفة والاكليروس والوجهاء في متروبوليتية أفاميا، وذلك عندما وقع خلاف على ما سيظهر بين الاكليروس والعلمانيين الذين يمثلهم هنا ((الوجهاء البارزين الفصحاء)). ومن هذه الكلمات يظهر بوضوح دور العلمانيين أو ممثليهم في عملية الانتخاب. اذ برضاهم المشترك مع الاكليروس ينتخب ويرسم المطران الجديد. ورغم وجود نوع من الطبقية في كلام سويريوس ((نبلاء، وجهاء، فصحاء، بارزون))، أجل، رغم هذا نقرأ أكثر من مرة في رسائله كلمة ((الشعب)) ((الناس)) ولربما كان أولئك الوجهاء النبلاء الفصحاء يشكلون مجلساً يعمل على تصريف الأمور الدنيوية العائدة الى الكنيسة كما هي عليه اليوم.

في رسالته الى أفاميا التي لم تتفق على منتخب ليتسنم رئاسة المتروبوليتية، يكتب أولا الى الاكليروس فقط، ثم في رسالة ثانية الى الاكليروس والوجهاء يقول فيها: ((لكي أكون مثالاً حسناً في الرضا فاكتب اليكم رسالة واحدة دلالة على وحدتكم وليس لكل منكم على حدة لأنكم كنيسة واحدة))، ونفهم من كلامه أنه لربما اعتاد في حالات كهذه أن يكتب الى كل من الفريقين على حدة، واذ كان الخلاف بين الفريقين أعطاهم مثالاً حسناً في الاتحاد فكتب اليهما رسالة واحدة ليكونوا واحداً في الرأي. اذن دور العلمانيين هو واضح. وبالاضافة الى اشتراكهم الفعلي في عملية الانتخاب، كانت لهم وظيفة أخرى وهي أن يحمل ممثلوهم المضبطة الى البطريرك لسماع قراره الأخير وتبليغه بواسطتهم الى المتروبوليتية.

د – تدخل السلطات المدنية: نادراً ما كانت السلطات المدنية تتدخل في عملية انتخاب مطران ولكن في أحيان كثيرة تتدخل بعد الانتخاب لصالح أحد المنتخبين. وبعدما كتب سويريوس الى اكليروس وممثلي الشعب في أفاميا طالباً أن يكونوا على رأي واحد استطرد قائلاً: ((ان امبراطورنا المؤمن ومحب المسيح يصادق على هذا أيضاً)). ومن خلال رسائل أخرى نستنتج أنه كان على البطريرك أن يعلم الامبراطور بنتيجة الانتخاب فقط بعد أن يكون قد استلم المضبطة واختار الشخص المناسب.

الجزء الرابع

۲ – انتخاب الاسقف

بعد أن انتهينا من كلامنا عن دور البطريرك، الاساقفة، الشعب في انتخاب المتروبوليت سنشرح هنا دور كل منهم في انتخاب الاسقف وتلفت النظر الى دور المطران.

أ – دور البطريرك: للبطريرك أبرشية خاصة به كباقي المتروبوليتين والاساقفة، فأبرشية انطاكية اداريا وكنسيا تخضع ((لاسقف انطاكية)) وأساقفة هذه الأبرشية بالذات تتعلق أمورهم الادارية والكنسية بأسقف انطاكية مباشرة، وذلك أكثر من زملائهم المطارنة والاساقفة اللائذين بالكرسي الانطاكي. وللبطريرك صلاحيات وحقوق وامتيازات في أبرشيته كالتي لمطران في متروبوليتيته. ولكن بما أن البطريرك هو ((الرئيس الاعلى)) ((أبو الاباء))، و ((المتقدم بين المطارنة))، ((والاول في الصف الاسقفي)) لهذا نراه يستعمل صلاحياته في متروبوليتيات الكرسي الانطاكي، وجوابه الى سولون مطران ايسوريا ((حسنا فعلتم قداستكم اذ استوحيتم القوانين الكنسية واستفسرتم منا..)) لدليل على وجود بعض القوانين التي تمنح البطريرك صلاحيات يعمل بموجبها في المطرانيات الاخرى.

جوابا على رسالة كتبتها أبرشية تطلب من البطريرك أن يرسم لها اسقفا، يعلم سويريوس هذه الابرشية بأنه قد كتب إلى دير مار اسحق طالبا أن يرسلوا اليه راهبا ورد اسمه في المضبطة التي وصلت اليه من الابرشية. وفي رسالته الى دير مار اسحق يؤكد سويريوس وجوب ارسال الراهب المنتخب، ويهدد الرهبان بالعقاب الكنسي اذا ما أرسلوا آخر بديلا عنه.

وكانت الآراء في أبرشية انترادوس – احدى أبرشيات فينيقيا متباينة حول المنتخب، فتطلب هذه الابرشية أن يتدخل البطريرك لانهاء الخلاف. واذ كان مستحكما، يخبرنا سويريوس بأن الموضوع قد رفع إلى الامبراطور لبته. ولا يخبرنا ان كان البطريرك قد أشار على مطرانهم للكتابة الى الامبراطور أم انه شخصيا كتب اليه. وربما وقعت هذه الاحداث في عهد ابيفانيوس الذي عرفنا انه اغتصب كرسي المتروبوليتية وجلس عليه، لذلك نرى سويريوس متألما فيتدخل حسما للموقف.

ولدينا رسالة أخرى هي أوضح الرسائل بالنسبة الى هذا الموضوع. أبرشية تصر على رسامة منتخب واحد اسقفا، والبطريرك يكتب الى انتراخيوس قائلا: (( كي يكون الانتخاب شرعيا والرسامة صحيحة يجب أن تتم على الشكل التالي:

1- أن ينتخب ثلاثة أشخاص لا شخص واحد.

2- أن تقدم المضبطة اليكم (المطران)

3- أن يعمل بقرار المطران واختياره النهائي”.

ومجمل القول، يتدخل البطريرك عند الضرورة في أبرشية خاضعة المتروبوليتية، أما أمور تلك الابرشية فهي عائدة الى مطرانها بالدرجة الأولى. وتدخل البطريرك يكون حسما لخلاف ما كما رأينا.

ب- دور المطران: المطران هو المتقدم على الاساقفة في المتروبوليتية.

مركزه عاصمة الاقليم أو المقاطعة. وله حقوق و امتيازات يعمل بواسطتها في مختلف الحقول والمجالات التعليمية، الادارية، التوجيهية، وبواسطته تتصل المتروبوليتية بالمقام البطريركي وبالسلطات المدنية. أما بالنسبة إلى دوره في انتخاب الأساقفة المتواجدين ضمن حدود ولايته، فانه يشبه الى حد كبير دور البطريرك بالنسبة الى انتخاب المطران. يوضح سويريوس ذلك في رسالته الى سولون مطران ايسوريا بقوله: ((بواسطة الروح القدس: وصوت الشعب الحي، وبواسطتكم ليرسم الاساقفة ورؤساء الكهنة للمدن))

وكما سبق ورأينا البطريرك يشجع المطران سولون ليرسم أساقفة للابرشيات التي تركها أساقفتها دون مبرر بعد أن أطلق عليهم لقب الأجير. وسولون فعل كما أمره سويريوس اذ كان من صلاحياته أن يرسم أساقفة للابرشيات اللائذة بمتروبوليتيته بعد أن يتم انتخابه بصورة شرعية. ولكي يتوضح أكثر دور المطران في انتخاب ورسامة الاسقف علينا أن نعيد قراءة الفقرة الاخيرة الواردة في دور البطريرك في انتخاب الاساقفة اذ تبين بجلاء صلاحياته وامتيازاته في انتخاب الاسقف.

جـ – دور الاكليروس والعلمانيين: رأينا البطريرك وهو يظهر امتعاضه من بعض الاساقفة الذين يحملون لقب ((اسقف)) دون أن يكون لهم أبرشيات، ويؤكد في رسالته الى أهل حمص الارثوذكسيين، أن الذين يحملون لقب أسقف يجب أن تكون لهم رعية، اذ أن القوانين الكنسية لا تعترف بالاساقفة ((الذين لا اكليروس لهم ولا شعب)). وهذا دليل على أن للاكليروس وللشعب دورا في انتخاب راعيهم. وعندنا في رسائل سويريوس الكثير من الاثباتات التي تشير الى حضور الاكليروس والشعب في عملية الانتخاب نذكر منها ثلاث حالات فقط:

1 – في رسالة الى المطران انتراكيوس يقول: انه قد تسلم رسالة من الاكليروس وباقي سكان كنيسة روسوس المقدسة. ((وباقي السكان)) تعني العلمانيين ويطلب من المطران أن يعمل هؤلاء ((الاكليروس وباقي السكان)) المضبطة لانتخاب أسقف جديد لهم.

۲ – عندما يكتب البطريرك الى رهبان دير مار اسحق يقول لهم: ان ((هؤلاء القادمين)) من البلدة (قسطرا) قدموا الينا مضبطة ((وهؤلاء القادمين)) تعني العلمانيين. اذ كما رأينا سابقا أن العلمانيين كانوا يحملون المضبطة إلى دار البطريركية لتقديمها الى البطريرك. و ((هؤلاء القادمون)) هم من الذين انتخبوا ثلاثة ليكون أحدهم أسقفا عليهم.

3 – بعد الخلاف الذي وقع في أبرشية انترادوس يفضل البطريرك أن يعمل ((الاكليروس والشعب)) مضبطة ولتقدم الى الامبراطور مباشرة ليبت الامر. فاشتراك ((الاكليروس والشعب)) في عمل المضبطة ضرورة لا بد منها.

ولنا تعليق على نقطتين في نهاية كلامنا لهما علاقة بانتخاب الاسقف.

۱ – ليس للسلطات المدنية أي دور يذكر في عملية الانتخاب، وان كانت تتدخل بعد الانتخاب وبالضبط عندما يقع خلاف في الابرشية. وهذا لا يعنينا هنا.

۲ – ليس من معلومات متوفرة في رسائل البطريرك مار سويريوس تشير إلى تدخل السلطات الدينية أو المدنية لتثبيت صحة المنضبطة. ويظهر أن الثقة كانت موجودة ولهذا لم يعترض البطريرك أو المطارنة على صحة المضبطة بالذات.

صفات الأسقف

يجب أن يتحلى المنتخب بصفات تؤهله لقبول رتبة الاسقفية عن جدارة و استحقاق. ويزودنا البطريرك سويريوس بالشيء الكثير من تلك الصفات المعنوية والبدنية. مثلا نقرأ بوضوح عن رفضه أولئك المشبوهين الذين جمعوا من الأزقة والطرقات، البعض منهم عميان والبعض مصابون بالجذام، وآخرون يشكون من عيوب جسدية شتى. هؤلاء رسمهم اشعيا الذي نصب نفسه بنفسه متروبوليتا على حمص خلافا للقوانين رغم رفضه للمشوهين سويريوس لا يعتبرهم أناسا خطاة، لأن الخطيئة الرئيسية هي عندما تخطىء النفس وتبتعد عن الله.

أما الصفات المعنوية فهي من الأهمية بمكان اذ أن العلاقة التي تربط ما بين الاسقف ورعيته هي علاقة روحية أكثر من أن تكون زمنية. ولهذا فصفاته المعنوية هي أهم بكثير من صفاته البدنية، وفي مقدمتها الفضيلة بكل أنواعها وأشكالها وكما يصفها كتاب الله العزيز. وبالاضافة الى الصفات التي يذكرها بولس الرسول في رسالته الأولى الى تيموثاوس (۱:۳ – ۷)، على الاسقف أن يكون متشبها بمعلمه أي أن يكون راعيا حكيما مضحيا ومستعدا لخدمة رعيته في كل لحظة، متعمقا بالتعاليم الالهية ومؤهلا للتعليم. أما بخصوص البتولية فلم تكن صفة ضرورية تلازم الأساقفة جميعا، رغم اننا لم نلتق الا اسقفا واحدا متزوجا كانت له ابنة أصابه منها مشاكل عدة فكتب اليه سويريوس موبخا وناصحا. ولكن تبقى الصفة الضرورية جدا، أن يكون المنتخب متمسكا بايمانه الارثوذكسي صادقا في اقراره بالعقيدة المستقيمة الرأي.

 

 

المصادر

ملاحظة: لقد قمنا بترجمة هذا المقال من الايطالية لاطروحة لنا قدمناها في نهاية العام الدراسي ٩٧٥ – ٩٧٦ إلى المعهد الشرقي في روما لنيل شهادة البكالوريوس في الحق القانوني. والاطروحة جاءت في مئة صفحة من الحجم الوسط حاولنا أن تختصرها قدر امكاننا. آملين نشر الاطروحة قريبا مع المصادر مفصلة. ونكتفي هنا ببعض منها:

1 – نفح العبير أو سيرة البطريرك مار سويريوس الكبير. تأليف أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك انطاكية وسائر المشرق . دمشق ۱۹۷۰

۲ – اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية. تأليف أغناطيوس أفرام الأول بر صوم بطريرك انطاكية وسائر المشرق. حمص ١٩٤٣

3-ATHANASIUS, of Antioch The conflict of Severus patriarch of Antioch. Ethiopic text, edited and translated by: Edgar J. Goodspeed, with the remains of coptic version by: W. E. Crum. P. OIVM. Paris. 1908.

4-JEAN, supérieur du Monastere de Beth-Aphtonia. Textes syriaque publies, traduits et annotés, par M. A. Kugener. P.O. XII, part III, Paris 1907.

5-SEVERUS, of Antioch: The sixth book of the Select Letters of Severus. In the syriac version of Athanasius of Nisibis, Edited and translated by: E. W. Brooks. London 1902, and republished in 1969.

6-SEVERUS, of Antioch. A Collection of letters of Severus of Antioch. From numerous syriac manuscript. Edited and trans-lated by E. W. Brooks. P.O. XII, 2, and XIV,

7- ZACHARIAS, Rhetor Sévère patriarche d’Antioche, Vie de Severe. Texte syriaque publié, traduit et annoté par M. A. Kugener. P.O. II.

8 – Zacharia le Scolastique: Opusculus Maronites. Histoire de Mar Sévère patriarche d’Antioche, traduction par: Nau, ROC IV, IV. 1899, PP. 343-353, 543-571, et, V 1900, PP. 74-98.

P.O. = Patrologia Orientalis.

R.O.C. = Revue de l’Orient Chrétien.

[1] المجلة البطريركية 167، 1979، ص 370-373؛ المجلة البطريركية 168، 1979، ص435-439؛ المجلة البطريركية 169، 1979، ص 499-502؛ المجلة البطريركية 170، 1979، ص 566-570.

Scroll to Top