من بيدر المواعظ – 2

مقدمة المؤلف

بعد حمد الله تعالى، أقول:

شاء الرب يسوع فاختارني أنا الضعيف الضئيل، ودعاني لخدمته، فلبَّيت الدعوة، وأرسلني منذ شرخ شبابي لأعطي عبيده الطعام في حينه (مت 24: 45)، وأبسط أمامهم مائدة الكلمة الحيّة، وأرويهم من ماء الحياة. ومن جملة المسؤوليات الروحية التي وضعها الرب على عاتقي أن أعظ المؤمنين به.

ففي عام 1954 وهي السنة الأخيرة من مرحلة دراستي في مدرسة مار أفرام الإكليريكية في مدينة الموصل بالعراق مسقط رأسي، ابتدأت أعظ في كنيسة العذراء الداخلية التي كانت تدعى كنيسة (الطاهرة) أو كنيسة (القلعة) إحدى كنائسنا الخمس في مدينة الموصل يومئذ، وهي كنيسة آبائي التي كان بينها وبين دارنا قاب قوسين أو أدنى في محلة (حوش الخان) وقد نلتُ سر العماد المقدس فيها، وخدمت مذابحها المقدسة في صباي كشماس صغير، وقد ابتدأت فيها خدمة الوعظ بإيعاز من أستاذي الجليل مطرانها المثلث الرحمة الملفان مار غريغوريوس بولس بهنام الخطيب المصقع والواعظ المفوّه. وقد اشتهر شعبنا السرياني الموصلي بإيمانه وتقواه وشغفه بسماع المواعظ. وإنني لمدين لهذا الشعب المبارك بتشجيعه إياي على الوعظ وبذلك نمت موهبة الوعظ لديَّ في سن مبكرة، وابتدأت أعير اهتماماً كبيراً بتهيئة مواعظي احتراماً للسامعين، وتقديراً لهم، وسعياً للوصول بهم إلى الهدف الأسمى الذي نتوخاه من رسالة الوعظ وهو خلاص النفوس.

وقد تعودت على الصلاة إلى الله ليعضدني تعالى ويُمدني بقوة منه وحكمة، ولينير روحه القدوس ذهني لأبذل قصارى جهدي بدراسة موضوع الموعظة جيداً، وأقوم بتقسيمه إلى أجزاء وأختار الآيات المناسبة من الأسفار المقدسة، أستشهد بها لدعم الحقائق الإيمانية والعقائد السمحة، وأستعين بتعاليم آبائي السريان الميامين وشروحهم النفيسة للكتاب المقدس. ويشغل موضوع العظة ذهني بل يحيا معي فترةً كافية من الزمن وتسرع نبضات قلبي عندما أكون على أهبة إلقاء العظة من على ظهر قلبي.

ولغتي في الوعظ سهلة سلسة وأتوخّى دائماً البساطة والوضوح، وأتجنّب التعقيد والألفاظ الغريبة غير المتداولة وغير المستساغة، محاولاً توصيل الحقائق الإيمانية والمبادئ الروحية إلى أذهان السامعين بسهولة قدر الإمكان.

وقد تعوّدت أن أسأل الله تعالى بصلاة حارة كي يضع في قلبي وعلى لساني الكلمات المناسبة المؤثّرة في النفوس لتدخل هذه الكلمات الروحية إلى القلوب فتتطهَّر وتتوب إليه تعالى، وبذلك أكون قد بلغت الغاية المنشودة من الوعظ، ألا وهي خلاص النفوس.

وفي هذا المضمار أسعى لخلاص نفسي أولاً لئلا ينطبق عليَّ القول: «أعلّم الناس ولا أتعلّم، وأعظ ولا أتعظ»، فكنت ولا أزال أعظ نفسي قبل أن أعظ الناس، وأطلب إلى الرب أن يملأ قلبي محبة للّه وللقريب وإيماناً به تعالى وثقة بالرب يسوع الذي وعد سائر خدامه الأمناء بأن يُرسل إليهم روحه القدوس ليذكرهم بتعاليمه ويصون أفكارهم وألسنتهم من الخطل والزلل، فكنت أطلب إليه أن ينعم عليَّ بإصلاح نفسي قبل أن أسعى إلى إصلاح نفوس السامعين.

وبما أن أسلوبي في الوعظ هو غالباً عدم كتابة نص الموعظة بكامله مسبقاً، والاكتفاء بكتابة عناوين أقسامها الرئيسة، لذلك فقد فقدتُ أغلبَ عظاتي في عهد رهبنتي ومطرنتي، ولم يبقَ منها سوى ما سجله بعض الهواة لأنفسهم، وبخاصة مواعظ الجمعة العظيمة وبعض الأعياد الكبيرة. أما بعد أن تبوّأتُ الكرسي البطريركي الأنطاكي بالنعمة لا بالاستحقاق عام 1980 فقد كان بعض أبنائي الروحيين، يسجّلون مواعظي على أشرطة تسجيل (كاسيتات) في المناسبات ثم يفرّغونها على الورق وهكذا نشرت قسماً منها على صفحات المجلة البطريركية الغراء وبخاصة تلك التي كانت تذاع عبر إذاعة دمشق، كما نشرتُ بعضها في كتاب بجزئين طبع الجزء الأول منهما عام 1984 والجزء الثاني عام 1988 تحت عنوان (حصاد المواعظ).

وبعدما أسستُ عام 1990 رهبانية العذارى باسم (راهبات مار يعقوب البرادعي) اهتمت بناتي الروحيات الراهبات الفاضلات بإشراف رئيستهن الأم الفاضلة حنينة هابيل بتسجيل أهم مواعظي على أشرطة تسجيل (كاسيتات) أثناء إلقائي إياها من على ظهر قلب، وتفريغها على الورق، فتجمّع لديَّ عدد وافر من العظات والخطب التي ألقيتها في عدة مناسبات رأيتُ أن أنشر نخبة منها في سلسلة تحت عنون «من بيدر المواعظ» أنوي إصدارها تباعاً، تتضمّن مقدمة لاهوتية ضافية بموضوع الأعياد المسيحية ومواعظ مختارة لمناسبات الأعياد المارانية (السيدية) أي أعياد الرب الكبيرة، ولبعض هذه الأعياد أكثر من موعظة، خاصة لعيدي الميلاد والقيامة، ومواعظ الأعياد المارانية (السيدية) الصغيرة، وأعياد السيدة العذراء مريم، والشهداء والقديسين، وآحاد الصوم الكبير وشتى المناسبات الروحية على مدار السنة الطقسية السريانية، وذلك لفائدة الإكليروس السرياني وخدام مراكز التربية الدينية والشعب المؤمن.

نسأل اللّه تعالى أن تؤول هذه المواعظ إلى خلاص النفوس وأن تكون سبب بركة للقارئ الكريم آمين.

إغناطيوس زكا الأول عيواص

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

 

 الكتاب

ـ هذا الكتاب ـ

ها إننا نضع بين يديك أيها القارئ الكريم جزءاً يسيراً من مجموعة كبيرة من المواعظ والخطابات التي ارتجلها وألقاها قداسة سيدنا البطريرك المعظم موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى خلال إحتفاله بالقداس الإلهي أو زياراته الرسولية والرسمية ومناسبات أخرى…

بعون الله تعالى، وببركة قداسة سيدنا البطريرك وبمناسبة الذكرى الثلاثين لجلوس قداسته الميمون على الكرسي الرسولي الأنطاكي خليفة مار بطرس الرسول هامة الرسل الشرعي، أُعدت هذه السلسلة «من بيدر المواعظ»، لتكون في متناول أيدي الجميع، إكليروساً وعلمانيين.

وجلاءً للحقيقة نقول: تفادياً للتكرار والإطالة اخترنا بعضاً من هذه المواعظ والخطابات، ورتبناها في هذه المجلدات بحسب تاريخها الزمني، متوخين بذلك الفائدة الروحية والعلمية لكل من يقرأها، واحتفظنا بالبقية التي لم تنشر، وتحسّرنا على بعض المواعظ المهمّة والنادرة التي لم يحفظها لنا القرطاس أو آلة التسجيل.

وإذ نرفع أكفّ الدعاء للرب الإله ليطيل عمر قداسته ويرفله بثوب الصحة والعافية ليحتفل ونحتفل معه باليوبيل الذهبي لبطريركيته، نسأله له المجد أن يبارك هذا العمل وجميع من تعب واشترك في الإعداد له وكل من قدم لنا أو حفظ لنا جزءاً من هذه اللآلئ الثمينة، ليعوّض له الرب بنعمه ثلاثين وستين ومائة.

وليتمجد اسم الرب إلى الأبد.

        (فريق العمل)

 

اثنين المسامحة

اثنين المسامحة

اثنين المسامحة (1)

أعمال الرسل (9: 1ـ 19)

رومية (14: 1ـ 23)

لوقا (16: 1ـ 18)

 

اثنين المسامحة

«فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك»                            

  (متى 5: 23 ـ 24)

صعد الرب على الجبل وجلس، وإذا كان المعلم يجلس فذلك يعني أنه سيعظ، وابتدأ موعظته الشهيرة على الجبل، أعطى الطوبى للمساكين بالروح، للودعاء، لصانعي السلام، ونادى بالمحبة، ليس فقط محبة الأصدقاء والأقرباء والأحباء، بل حتى محبة الأعداء. ولم يكتفِ بهذا، بل أمر الإنسان أن يصلي من أجل أعدائه.

فما أعظم هذه الشريعة الإلهية!

ويريدنا ونحن نتخيل الإنسان الذي كان بموجب شريعة موسى يقدم قرابين لله، يريدنا أن نتخيل ذلك لنرى هذا الإنسان وقد أتى بحمل وديع، وضع عليه يده، وابتدأ يعترف بخطاياه، لتنتقل خطاياه إلى هذا الحمل الوديع، فيُذبَح هذا الحمل ويُحرق أيضاً لأنه قد حمل خطايا الإنسان الذي قدمه لله قرباناً.

كان الإنسان الخاطئ التائب، يعترف بخطاياه أمام الكاهن، واضعاً يده على رأس الحمل، والرب يريد أن يعترف هؤلاء الناس بالخطايا من كل قلبهم، نادمين على ما اقترفوه من الذنوب لكي تقبل ذبيحتهم وقربانهم، ليس كأمر روتيني وكفرض يرفعه الإنسان عن قلبه ورأسه، بل ليكون حقاً طاهراً نقياً مستحقاً أن يُقدم هذا الحمل عن نفسه، نادماً عن خطاياه.

هذا الإنسان وهو يعترف بخطاياه يقيسها بمقياس سامٍ جداً هو مقياس الشريعة، فيذكر بقلبه كل وصية من وصايا الله، ويعترف أمام الله أنه قد تعدى هذه الوصية. فالرب يريدنا أن نكون صريحين مع أنفسنا، ليس فقط أن نفعل ما فرضته علينا الشريعة كأمر عادي، بل من كل قلبنا وفكرنا أن نندم على ما اقترفته أيدينا، نفوسنا، ضمائرنا وأفئدتنا، حينذاك يقبل الرب قرابيننا.

إن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك عليك شيئاً، فدع قربانك أمام المذبح واذهب وصالح أخاك حتى تتمكن بينكما الألفة، ثم تعال وقدم قربانك، إذ لا يمكن أن يقبل الله تقدمة أي إنسان ما لم يكن قد تصالح مع أخيه. وأخوه، هو كل إنسان له معه علاقة في هذه الحياة. 

هذا ما أخذته الكنيسة المقدسة وبنت عليه فروضها، لذلك عندما نقدّم القربان الإلهي، نبدأ برتبة السلام لننقي قلوبنا، لنسامح بعضنا بعضاً، حينذاك نستحق أن نشارك الكاهن عندما يقدم الذبيحة الإلهية. وعندما نبدأ بالسنة الطقسية نبدأ بالمسامحة والصوم الذي فرضه الله علينا لكي ننقي بوساطته نفوسنا، ونؤدب ذاتنا، لا أن نقتلها. بل نعتني بالجسد كما نعتني بالروح، الصوم الذي علمنا يسوع المسيح فعلياً أن نتمسّك به، فقد صام أربعين يوماً وأربعين ليلةً. هذا الصوم الذي تمسك به الرسل أيضاً والتلاميذ جماعةً وأفراداً، وخاصة في مناسبات روحية سامية، عندما يقومون برسامة أحدهم بالرتب الكهنوتية فكانوا يصومون ويصلون ويضعون الأيدي على ذلك الإنسان، لأنهم يريدون أن يقدموه لله كما كان في العهد القديم يقدم القربان أو الحمل الوديع عن هؤلاء الناس لكي يقدم عن نفسه وعنهم القرابين لمغفرة الخطايا.

فالصوم فرض واجب علينا جميعاً سنّته القوانين المجمعية وعلينا أن نتمسك به، ونِعمَ ما فعل آباؤنا بإلهام الروح القدس، أن جعلوا بدء الصوم رتبة المسامحة النابعة من الأعماق لأن فيها روح المسؤولية التي تدعو إلى حفظ كرامة الإنسان، لكي يسامح بعضنا بعضاً، ننقي أفكارنا وقلوبنا ونستعد لتقديم هذه التضحية أمام الله لكي يقبل فريضة الصوم الذي نقدمه له تعالى.

وليست المسامحة أمراً بسيطاً. الإنسان لا يريد أبداً أن يُذَلّ من الآخرين، هذا يفتري عليه، وذاك يحاول أن يأكل حقه، وهذا يعاديه، والإنسان يحفظ في قلبه الضغينة والحقد على هذا وذاك، إن كان على حق أو باطل. ليس من السهل على الإنسان أن يسامح أخاه الإنسان، ولكننا عندما نتطلَّع إلى رئيس إيماننا، إلى فادينا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي اضطُهِد وهو طفل، الذي افتُرِي عليه كثيراً، الذي شتم، الذي اضطهد أمام الناس، وذُل وكان صامتاً، حتى عندما سمع شهود الزور يشهدون عليه، الذي لأجلنا حمل الصليب إلى الجلجلة، وعلى الصليب أعلن مغفرته للصالبين الذين لم يعلموا ما الذي فعلوه، فنالوا المغفرة عندما آمنوا به أنه ماشيحا المنتظر ورجعوا عن خطيئتهم واعترفوا به أنه الإله المتجسد، وقبلوه فادياً لهم وللبشرية كافة. لأنَّ الرب طلب من الآب أن يغفر لهم لأنهم لم يدروا ما فعلوه.

هكذا علّمنا أن نغفر للآخرين ذنوبهم، وإن تطلب الأمر عتاب رقيق خير من شحن الصدور بالكراهية، وفي قوله وتعاليمه السامية في محبة الأعداء، وفي الصلاة التي علمنا إيّاها لتكون نموذجاً لكل صلواتنا، ومثالاً لنا في سلوكنا في هذه الحياة، لنعترف أمامه ونقول له: اغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر حقاً للمذنبين إلينا، ووضع الشرط: ما لم نغفر للمذنبين إلينا، لا يغفر الآب السماوي لنا ذنوبنا. فلا يمكن إذاً أن نحقد على الآخرين، لا يمكن إلا أن نحب أعداءنا وأن نصلي لأجلهم، ليس هذا فقط بل أن نباركهم ولئن لعنونا. هذه هي المسيحية، فإذا كنا نشاء أن نُقبَل لديه تعالى، وأن يقبل الله صومنا وصلواتنا وصدقاتنا خاصة في هذه الأيام المقدسة، علينا أن نقف أمامه بل أن نجثو بتواضع ووداعة ونطلب منه المغفرة لأعدائنا.

نذكر في العهد القديم النبي الغيور إيليا، كيف كان حاقداً على أعداء الله، وكيف أنه كان يطلب من الله أن تنزل نار من السماء فتلتهم وتحرق جند الملك الذي كان ضد الله، ولكنّ الرب لا يريد هذا في العهد الجديد، إننا أولاد المحبة، «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16). وأهم ثمرة للمحبة هي التسامح. أن نسامح بعضنا بعضاً كما يقول الرسول بولس: كما سامحكم الله بالمسيح (إفس4: 32). خطيتنا العظيمة الجَديّة وخطايانا الشخصية غفرها لنا الله الآب بالمسيح يسوع الذي تجسد لأجلنا وصُلب ومات ودُفن وقام من الأموات وأقامنا معه، فلذلك علينا أن نسامح بعضنا بعضاً وأن نكون لطفاء بعضنا لبعض كما يوصينا الرسول بطرس حتى نعيش في سلام واطمئنان (1بطرس 3: 8).

رسل الرب كانوا كسائر أترابهم من اليهود، لا يمكن أن يسامحوا أحداً. يغضبون ونتيجة الغضب يأتي القتل، بالرصاص تقتل الإنسان بيديك ولكنك إن تمنيت قتله يعني أنه لو كان بإمكانك لقتلته وهذه خطيئة عظيمة. يعقوب ويوحنا غضبا مرة على السامريين الذين لم يشاءوا أن يجتاز المسيح ويدخل قراهم، فطلبا من الرب أن يسمح لهما فيقولا أن تنزل نار من السماء وتحرق مدينتهم، وذكروا: كما فعل إيليا قبلهم. كان ذلك بعد حادثة التجلي، بعد أن رأيا إيليا مع الرب يسوع وكذلك موسى، فتذكرا ذلك النبي الناري الغيور وأرادا أن يفعلا كما فعل ذاك، فقال لهما الرب: «لستما تعلمان من أي روح أنتما، لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلّص» (لو9: 55 و56).  هذه هي الروح المسيحية، ليست كروح إيليا ولا كروح حتى موسى، وشريعة المسيح ليست هي العين بالعين والسن بالسن، بل هي شريعة التسامح، شريعة المحبة، شريعة تساعد الإنسان أن يدرك حقيقته، شريعة الإنسان الذي يطلب الخير حتى لأعدائه مقتدياً بالآب السماوي الذي يشرق شمسه على الناس كافةً.

أحبائي: هذه الشريعة التي فرضت علينا كمسيحيين عندما ولدنا ثانية من جرن المعمودية، لا من بشر ولا من مشيئة رجل بل من الله (يو 1: 13)، لنصير أولاد الله بالنعمة، ليكون سلوكنا في هذه الحياة كمن يشهدون لله بالذات، وكمن يكونون أبناء السماء يعيشون شريعة السماء على هذه الأرض. ولكي يقبل الله صومنا ويؤهلنا أن نصوم الأربعين إن أمكن، ويقبل هذا الصوم عنا وعمّن يمتُّ إلينا بصلة وعن كنيستنا وشعبنا وعن وطننا، ولكي يقبل الله هذا الصوم علينا أن ننقي قلوبنا من كل حقد، من كل بغضة، أن نحب الجميع حتى الأعداء لكي يقبل الله هذا الصوم إذا قدمناه بمحبة.

وإنني كأب للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في كل مكان، أسأل الله أن ينجينا من كل خطيئة وبلية وإثم، وأن ينقي أيدينا من الدماء. هذا كلام سامٍ جداً أيها الأحباء. إننا كرعاة للكنيسة نصلي مع داود قائلين: نجنا من الدماء (مز 51: 14)، أي دماء؟ لم نقتل أحداً. ولكن عندما نقرأ في النبوات أن الله يرسل، ويرسل كل كاهن إلى الشعب، إلى المذنبين، إلى الخطاة يحذرهم وينذرهم ليعودوا إلى الله، إن لم يفعلوا ذلك ويموت الخاطئ بخطيته، يقول الرب: دمه أطلبه منك (حز 3: 18). فنحن عندما نطلب من الرب أن ينجينا من الدماء، ليساعدنا على أن ننذر الخطاة ليعودوا إليه تعالى بالتوبة، حينذاك نكون أنقياء، نكون قد أكملنا واجبنا، وقبل كل شيء نكون قدوة صالحة لأولئك المذنبين الخطأة ونحن مثلهم. ألم يقل بولس الرسول في الرسالة إلى العبرانيين عن رئيس الكهنة الذي يؤخذ من الشعب يتقدم الشعب ويقدم قرابين عن ذنبه وذنوب الشعب. فالكاهن عندما يقدم هذه القرابين، قبل كل شيء يجب أن يكون مسامحاً، وديعاً، متواضعاً، حينذاك يستحق أن يكون مقدماً قرابين مقبولة لدى الله تعالى.

أسأله تعالى أن يغفر لي ذنوبي ويغفر لكم، وأطلب من كل من يظن أنني أسأتُ إليه أن يغفر أي إساءة يشعر بها. وأؤكد أنني أسعى لأكون حقاً راعياً صالحاً لشعبنا في كل مكان، أتحمل في سبيله الضيقات والآلام بصبر ومحبة، وبصلاة مستمرة ليقبل الرب هذه الخدمة، فاغفروا لي أحبائي كل تقصير لي كراعٍ للسريان الأرثوذكس، الشعب المبارك في كل مكان، وصلوا لأجلي لكي يقبل الرب خدمتي على الرغم من ضعفي، وإنني بسلطاني الرسولي، أسأل الله أن يغفر لكم جميعاً ذنوبكم ويؤهلكم لتكونوا مؤمنين صالحين في كنيسة الرب على الأرض، وأن تستحقوا بعد العمر الطويل أن تكونوا مع أرواح القديسين في كنيسة الأبكار التي هي في السماء. ونعمته تشملكم دائماً أبداً. آمين.


اثنين المسامحة (2)

«فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك»                            

  (متى 5: 23 ـ 24)

شريعة الكمال أعطانا إياها الرب يسوع، لم يلغِ الشريعة الأدبية التي أعطيت لإنسان العهد القديم، لكنه جاء ليكمّل، فجعل شريعته الجديدة شريعة الكمال، فبعدما كان الإنسان ينتقم من عدوه، حيث قد أُمر بأن يحب أخاه ويبغض عدوه، أصبح في العهد الجديد يسمو عن كل عاطفة وانفعال بشري ليحبَّ حتى أعداءه، ليبارك لاعنيه.

ليس من السهل على الإنسان أن يغفر للآخرين ذنوبهم، لأنه بشر، ولأنه قد تسلّم من آبائه الجسديين أن عليه أن ينتقم من عدوّه ليأخذ بالثأر ولكن يأمرنا الرب يسوع أن نحب أعداءنا وأن نبارك لاعنينا، أن نسامح الناس جميعهم مهما كان ذنبهم الذي اقترفوه ضدنا كبيراً وعظيماً.

شريعة المحبة أعلنها لنا يوم جلس على الجبل، وهو يعلم وأعطى الطوبى للمساكين، للودعاء، لصانعي السلام، للمضطهدين من أجل البر، للذين يسامحون الآخرين. وعقد المقارنة ما بين شريعة العهد القديم وشريعته، ليرى الناس البون الشاسع الذي يظهر لنا المسيح إلهاً حقاً متجسداً، بل هو نفسه طبّق عملياً ما كان قد أمر به الناس أن يعملوه بتواضع ووداعة، بمحبة وتسامح، ألم يتحمل التعييرات من أعدائه؟ نعم، تحملها بصبر جميل، هذه هي مفاتيح القوة الروحية للمسيحية.

إن قدمت قربانك إلى المذبح ـ قال لنا ـ وهناك تذكّرت أن لأخيك شيئاً عليك فدع قربانك أمام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك ثم تعال قدم قربانك.

هذه فلسفة المسيحية نتعلّمها من قول الرب حتى في العهد القديم إن الرب يريد الرحمة ولكن ما ينفعك إن كنت غاضباً على أخيك، إن كان قلبك مملوءاً بالحقد والبغضة هل ينفعك أن تأتي بحملك الوديع عندما كنت في العهد القديم؟ حيث كان اليهودي يضع يده على رأس هذا الحمل الوديع ويأتي إلى الكاهن معترفاً أمام الكاهن بخطاياه وكان الكاهن بسلطانه يضع تلك الخطايا على رأس ذلك الحمل، وبدلاً من أن يقاصص الإنسان، أن يُقتل عما اقترفه من ذنب، يذبح ذلك الحمل، يقدم ذبيحة عن هذا الإنسان ليفديه.

إذا قدمت قربانك، تصوروا إنساناً قدم هذا الحمل وتذكر أن لأخيه شيئاً عليه يترك الحمل جانباً لأن الحمل سيحمل ذنوبه التي اقترفها ضد الله، ولكن هناك ذنوباً يقترفها الإنسان ضد الإنسان عليه أن يصفي الحساب قبل أن يأتي ويقدم قربانه أمام الله ليذهب ويصطلح مع أخيه.

وضع المسيح لنا شروط المصالحة أن نعاتب هذا الأخ، أن نأخذ معنا أيضاً شاهداً أو شاهدين على لسان اثنين أو ثلاثة تقام كل شهادة، وبعدئذ إن لم يسمع منهم قُل للكنيسة، أي الكنيسة الراعية القاضية الحاكمة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن كالوثني والعشار، إن لم يسمع منك ومن أصدقائك وحتى من الكنيسة، حينذاك دعه وشأنه، لكن عليك أن تنقي قلبك.

المسيح كمَّل كل ذلك، يوم قدّم نفسه ذبيحة عنا على الصليب، وقبل كل شيء سامح أعداءه، وطلب من الآب أن يغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون، ويذكرنا لما أمر شعب العهد القديم بإيجاد مدن الملجأ، فكان الإنسان إذا ما اقترف خطيئة كبيرة كالقتل مثلاً سهواً لا عمداً يهرب إلى مدن الملجأ هنا يقاضى وهناك ينال العقاب لأنه لم يكن يعرف ماذا يفعل، اليهود عندما صلبوا المسيح يسوع كان هناك رؤساؤهم الكهنة ورؤساء الكهنة والكتبة والفريسيون هؤلاء كانوا هناك عارفين، ولكن عامة الشعب البسيط لم يكن يعرف ماذا يفعل إذا اقترف هذا الذنب الكبير، الجريمة العظيمة، كان عليه أن يلتجئ إلى مدن الملجأ، والملجأ عندنا هو المسيح الذي يغفر، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون، يغفر لهم إذا ما عادوا إليه، إذا ما جاءوه وهو الملجأ، إذا التجؤوا إليه طالبين المغفرة حينذاك يغفر لهم وهو على الصليب قبل أن يقدّم نفسه ذبيحة قبل أن يموت، قبل أن يسلّم نفسه بيد أبيه السموي، لذلك ننسج نحن على منواله، إذ نهج لنا طريق الحياة، فهو طريقنا وهو حقنا، وهو حياتنا، هو شريعتنا بالذات فعلينا أن نقتدي به إذا ما أتينا لنصلي أمام الله، إن كان في البيت، إن كان في السوق، إن كان في العمل، الصلاة هي مناجاة الله تعالى، هي رفع النفس التي هي روح من الله إلى الله الذي هو روح حي.

فالصلاة إذا ما قدمناها هي ذبيحة تسبيح، علينا أن نغفر للذين أذنبوا إلينا قبل أن نقدم للصلاة، قبل أن نلفظ ما أمرنا به المسيح يسوع عندما نصلي لنقول له: اغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا، هذه عقيدة إيمانية، كما أنها شريعة أدبية، فالمسيح غفر لنا، والمسيح يغفر لنا أيضاً لنغفر نحن بدورنا أيضاً لأعدائنا.

تجسد عنا، ونحن خطاة مات المسيح عنا، وغفر لنا ولأعدائه، نتعلم منه أن يغفر بعضنا بعضاً، أن يسامح بعضنا بعضاً كما يقول الرسول بولس برسالته إلى أهل أفسس: «كما سامحكم الله في المسيح».

أحبائي: لا تُقبل صلواتنا ولا قرابيننا ما لم يسامح بعضنا بعضاً، وآباؤنا بالهام الروح القدس بالحكمة قبل أن يبدأ القداس في بدئه صلوات المسامحة الغفران التي أصبحت أمراً روتينياً نأخذ السلام ولا نعلم أن هذا السلام هو سلام النفس، السلام الداخلي الذي يناله الإنسان عندما يطلب الغفران من الله، ويطلب المسامحة من أخيه. ليس هذا فقط عندما نبدأ بالصوم الكبير نقوم بخدمة رتبة المسامحة، واليوم بالذات قد نظم آباؤنا الذين رتبوا قراءات الإنجيل المقدس أن نتأمل بكلام الرب عن تقديم قرابين لله وأن يسامح بعضنا بعضاً قبل أن يقدم القربان، فالأحد القادم هو أحد تقديس الكنيسة، لذلك نستعدّ لهذا الأحد الذي هو رأس السنة الطقسية عندنا نحن السريان، وهو أول أحد من الآحاد التي تسبق الميلاد لنهيئ نفوسنا لتقبّل عقيدة التجسد والفداء.

فلنسامح بعضنا بعضاً، لننقِّ نفوسنا وقلوبنا من كل ضغينة وحقد، ولنقدم نفوسنا ذبائح حية للرب الإله، ليتقبل الصلوات والأدعية والطلبات بنعمته تعالى آمين.


اثنين المسامحة (3)

«فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك»                            

  (متى 5: 23 ـ 24)

نشكر الله أيها الأحباء الذي أهلنا جميعاً لكي نستقبل الصوم المقدس، هذا الصوم الأربعيني الذي صامه الرب يسوع فقد صامه في العهد القديم موسى وإيليا، وكلما نتأمل به ونستقبله نتذكر الرب يسوع الذي بصومه استطاع أيضاً نيابة عنا أن يغلب قوى إبليس الذي قال وعلَّمنا عنه الرب أنّ هذا الجنس ـ جنس الشياطين ـ لا يخرج الاّ بالصوم والصلاة، فإذا كنّا نرغب في أن نكون مع الله ونرغب في أن يكون الله معنا، وأن يبتعد عنا كل جنس من الشياطين، علينا أن نتمسَّك بالأصوام، إن أول وصية اُعطيت للإنسان أيها الأحباء هي وصية الصوم، والإنسان إذ تعدّى تلك الوصية وكان يمثل الجنس البشري كافةً سقطنا جميعاً في الخطية الأبوية الجَّدية ونلنا عقابها الموت بكل أنواعه، لذلك فالصوم إذن وضعٌ الهي، وُضعَ علينا منذ البدء وتطور مع الزمن، حتى أن الرب يسوع لكي يعلمنا الصوم وكيفية الصوم أمرنا ألاّ نظهر للناس أننا صائمون، بل إلى أبينا الذي في السموات.

والكنيسة المقدسة التي أُعطيت السلطان في الأرض والسماء نظمت الأصوام لكي تجعل الإنسان المؤمن يتمرن على تحمل الجوع والعطش، وعلى تحمل المشقات أيضاً في سبيل أن يكون مرضياً لله، والصوم الأربعيني أيها الأحباء عرفناه منظماً على الأقل منذ القرن الرابع أما قبل ذلك فكانت كل كنيسة وكل مدينة وكل جماعة من المسيحيين يصومونه كيف يشاؤون، ولكن في القرن الرابع خاصة في كنيستنا المقدسة كما يعلمنا ملفاننا العظيم مار أفرام آمراً إيانا قائلاً: «ܨܘܡ ܨܘܡܐ ܕܐܪܒܥܝܢ ܝܘ̈ܡܝܢ ܘܗܒ ܠܚܡܟ ܠܐܝܢܐ ܕܟܦܝܢ ܨܠܐ ܒܝܘܡܐ ܫܒܥ ܙܝܢܝ̈ܢ ܐܝܟ ܕܝܠܦܬ ܡܢ ܒܪ ܐܝܫܝ» إذ يأمرنا أن نصوم الصوم الأربعيني، وأن نوفّر من طعامنا لنعطِ الخبز للمساكين الجائعين، وأن نصلي في كل يوم سبع مرات، وشفقةً من الكنيسة جمعت هذه المرات إلى مرتين شريطة أن نجعل ذلك كقربانٍ نقدمه لله، لذلك فالرب يسوع يعلمنا أننا إذا قدمنا القربان إلى الهيكل وتذكرنا أن لأخينا شيئاً علينا، فعلينا أن نترك قرباننا أمام الهيكل، ونذهب نصطلح مع أخينا ثم نأتي ثانيةً ونقدم قرباننا. هذا الأمر ينطبق على الصوم أيضاً وآباؤنا القديسون ملافنة الكنيسة العظام الذين بالهام الروح القدس نظموا كل ما نتلوه من طقوسٍ، اعتبروا أن الرحمة أفضل من الذبيحة إتماماً لوصية الرب وأن كل ما نقوم به من أعمالٍ صالحة ومن صوم وصلاة يعتبر ذبيحةً، والرب الذي علمنا أنه إذا قدمنا قرباننا يجب أن نقرن هذه التقدمة بطلب الغفران لأنه لاتُقبل أي خدمة من خدماتنا ما لم نكن قد غفرنا بعضنا لبعض، كما يوصينا الرسول بولس «أن نكون شفوقين متسامحين كما سامحنا الله الآب بالمسيح يسوع ربنا».

الكنيسة المقدسة علمتنا أننا قبل أن نبدأ مثلاً أي خدمة علينا أن نبدأ بخدمة المسامحة، لا نبدأ القداس ما لم نسامح بعضنا بعضاً، ولا نبدأ السنة الطقسية ما لم نكن قد أكملنا رتبة المسامحة، لا يمكن أن يُقبل منا أي عمل صالح نقوم به إن كانت قلوبنا مليئة بالأحقاد والضغائن، إن كنا لا نغفر لبعضنا البعض، ولذلك في الصلاة الربية علمنا أن نقول: «واغفر لنا خطايانا كما نحن أيضاً نغفر لمن أخطأ إلينا»، هل توقفتم عند هذه العبارة وأنتم تصلون الصلاة الربية؟ أم نحن نتلوها بأفواهنا لا بفكرنا وقلوبنا، وننسى التعليم السامي الذي أعطانا إياه الرب بالنسبة للتسامح والمغفرة أن يغفر بعضنا لبعض، إننا نرى أيها الأحباء أننا قد ولدنا من فوق من السماء، فنحن نمتاز عمن عاش في العهد القديم مؤمناً بالله تعالى ولكنه كانت له شريعة العين بالعين والسن بالسن أما نحن الذين قد تبعنا الرب يسوع نعلم أن الدين المسيحي مبنيٌ على المحبة وما يبرهن على وجود المحبة التسامح، المغفرة لذلك نرى أن الرب يسوع أظهر لنا محبة الآب السماوي «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية».

التلاميذ الذين تخرجوا في مدرسة الرب يسوع لمدة تنيف على ثلاث سنوات كانت بقايا الأحقاد اليهودية في قلوبهم، مرة عندما أراد الرب يسوع أن يجتاز في إحدى مدن السامرة ومنعه أولئك الناس من الدخول إلى مدينتهم كان ذلك بعد حادثة التجلي على الجبل، وفي التجلي نعلم أنه كان هناك بطرس ويوحنا ويعقوب، فيعقوب ويوحنا عندما وجدا أن أولئك الناس رفضوا الرب يسوع طلبوا إليه قائلين: إن يسمح لهما أن يطلبا من الله الآب أن يُنزل ناراً ويُحرق تلك المدينة، على الجبل وجدا مع الرب يسوع في التجلي ايليا النبي وموسى، موسى الذي علمهم العين بالعين والسن بالسن، وإيليا الذي طلب واستجابه الله ونزلت نارٌ من السماء وأحرقت جند الملك الذي أرسل يطلب ايليا، فأرادا أن يقتديا بإيليا بالصرامة والقساوة، ولكن الرب قال لهما: «لستما تعلمان من أي روح أنتما، روح العهد القديم، روح السن بالسن، روح الإنتقام ذهبت، أما العهد الجديد عهد الرحمة، عهد يسوع المسيح الذي كان المحبة بالذات» فلا يمكن أن يُطلب لتنزل نار على أعداء أولئك الناس فتحرقهم، حتى لو طلبت في قلبك ولم تستطع أن تقتل عدوك، طلبت له أن يُقتل، أن يموت يعني ذلك أنك قد قتلته لأنه لو كان بإمكانك لفعلت ذلك، لذلك هذه ليست روح المسيح ولا روح من يتبع المسيح، المسيح علمنا المغفرة في الآيات التي تُليت على مسامعكم أحبائي سمعنا عن ذلك العبد الذي أشفق عليه سيده ووفى الدين كله وكان عادة لكي يوفي دينه يباع هو وامرأته وأولاده وكل ما له أما السيد الذي يمثّل المسيح فقد وفى ذلك الدين، عفا عنه. أما ذلك العبد القاسي إذ كان عبد آخر رفيقه مديناً له بشيء زهيد بالنسبة إلى دَينه تجاه سيده فأخذ بعنقه ووضعه في السجن، وعندما سمع سيد ذلك العبد قال له: «كل ما كان لي عليك تركته لك وأوفيتك أما كان يجب أيضاً أن تعامل أخاك كما عاملتك»، هكذا نحن لابد أن نقتدي بالمسيح يسوع.

لو تأملنا بسيرته: هو طفلٌ حاول هيرودس أن يقتله، هو فتى اهتم في أن يكون فيما لأبيه في الهيكل، هو شاب ورجل جال بين الناس يصنع الخير، أُهين من أهل بلدته وقال: «ليس لنبي كرامة في مدينته وبين أهله وعشيرته» لكن غفر للكل، أُحتقر وسمي ببعلزبول رئيس الشياطين، أيضاً تألم في سبيلنا وغفر على الصليب لصالبيه، لمن من صالبيه؟ لأولئك الذين قال عنهم الرسول بولس بعدئذ: «لو عرفوا لما صلبوا رب المجد» إذن لا مغفرة لرؤساء الكتبة والكهنة والفريسيين الحاسدين بل المغفرة كانت لذلك الشعب الذي لم يكن يعرف أنه يصلب رب المجد.

ألا نقتدي بالرب يسوع أحبائي!

ألا نصطبر قليلاً على من يهيننا، على من يفتري علينا ظلماً؟ على من يدّعي بأنه أكثر معرفة من الآخرين وأكثر رحمة ربما لأنه غني أو ذو جاه ومركز، ولم يدرِ ولن يدري إنسان كهذا أن الله هو الذي يعرف كل شيء وأن الله يريد أن يغفر ايضاً إن ظنّ قد أُسيء إليه. أحيانا عديدة يتوهم الإنسان انه قد أُسيء إليه، قد أُهين، أُهينت كرامته ولكن بعد ذلك يكتشف أن ذلك وهم وعليه أن يغفر حتى لو أُسيء إليه لكي يقتدي بالرب يسوع، ليس من السهل أيها الأحباء أن يغفر الإنسان لأخيه ولكنه إن كان يرغب في أن يكون مسيحياً صالحاً يسمع ويطيع وكلمة يسمع بالسرياني معناها أطاع. الرب يسوع الذي أرادنا أن نحب أعداءنا، أن نبارك لاعنينا، إذا عملنا شيئاً صالحاً، «إن جاع عدوك فأطعمه وأن عطش فاسقه بذلك تترك جمر نار على هامته» فما أعظم أن يغفر الإنسان لأعدائه، ما أعظم أن يحب الإنسان الناس جميعاً الأصدقاء منهم والأعداء، ما أعظم أن يغفر الإنسان لمن أساء إليه، عندما سأل بطرس في الآيات التي تليت على مسامعكم الرب يسوع هل إذا أخطأ الي أخي سبع مرات في النهار اغفر له؟ قال له إن اخطأ إليك سبعين مرة سبع مرات وجاء وطلب المغفرة فاغفر له. وأعطانا طريقة انه إن شككنا أن هذا الإنسان قد اخطأ إلينا نذهب ونعاتبه بيننا وبينه فإن سمع نكون قد ربحنا أخانا وان لم يسمع نأتي بشاهدين أو ثلاثة حيث تقوم كل دينونة على فم شاهدين أو ثلاثة وإلا أن نشكو ذلك الإنسان للكنيسة ويقصد بالكنيسة الكنيسة الرئيسة، الكنيسة القاضية، الكنيسة الحاكمة وان لم يسمع منهم فليترك كالوثني والعشار ويعني بذلك أن الوثني والعشار لم يكن يُحسب لدى اليهود في تلك الأيام كأنه إنسان وكأنه موجود. أحبائي نحن كلنا بشر وكلنا نخطئ وكلنا نظن أن فلاناً قد اخطأ إلينا وقد نكون واهمين، فنعم ما نظم آباؤنا أننا نستقبل الصوم المقدس لكي يكون صومنا مقبولاً لدى الله بطلب المغفرة بعضنا من بعض بان يطلب بعضنا من بعض المغفرة ونسامح بعضنا بعضاً وأنا كأب لهذا الشعب المبارك في كل مكان أسأل الله أن يغفر لي ذنوبي وخطاياي وتقصيري في خدمتي، اسأله أيضا أن يغفر لكل من أساء الي لأنني بقلب نقي طاهر اطلب من الرب أن يلهم الجميع ليكونوا أتقياء انقياء يغفر بعضهم لبعض وأنا قبل كلهم بهذا المجال أيها الأحباء. فليغفر الله لي ولكم أحبائي خطايانا وينقي قلوبنا ونحن نقدم قرباننا أمام المذبح فالصوم أيضا كقربان نقدمه لله، نقدم هذا القربان إن ذكرنا أن لأخينا شيئاً علينا، علينا أن ندع هذا القربان لا ينفعنا هذا الصوم، لا تنفعنا الصلاة، لا ينفعنا حتى عمل الإحسان ما لم نكن قد نقينا قلوبنا وأفكارنا من الضغينة، من البغض، من الحقد، من كل ما يسيء إلى أخينا، نعم بهذا فقط تُقبل أصوامنا وصلواتنا وقرابيننا.

أسأله تعالى أن يؤهلنا جميعاً أحبائي لكي نكون بكل أعمالنا مقبولين لدى ربنا يسوع المسيح مقتدين به وبكل ما قام به في سيرته بالجسد لأجل خلاصنا وليجعل صومكم مقبولاً كما نظمته الكنيسة المقدسة وكما هو معروف لديكم جميعاً حتى ولئن كان الإنسان مريضاً أو شيخاًَ أو طفلاً أو مرضعة فلهم بتخفيف الصوم أن يصوموا الأسبوع الأول والأخير وجمعة وأربعاء ثم اسبوع الآلام أيضا بقدر إمكانهم الصحي.

أسأله تعالى أن يؤهلكم أيضا لتذهبوا إلى عيد قيامته فتحتفلوا بسرور ورجاء ومحبة ونعمته تشملكم دائما ابداً آمين.


اثنين المسامحة (4)

«كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح».                                 

        (أفسس4: 32)

يلخّص لنا الرسول بولس، أيها الأحباء، العقائد الإيمانية للكنيسة المسيحية المقدسة، بل يعطي للمسيحيين الحقيقيين الذين كانوا في أفسس درساً فيما نسميه اليوم اللاهوت العقيدي واللاهوت الأدبي في آن واحد. فهو يقيم الربط بين مسامحة الناس لبعضهم وبين عقيدة غفران الله لنا في المسيح، فيعلن الآب سرَّي التجسد والفداء، كما أنه يريدنا أن نتحلّى بالفضائل السامية التي تستند خاصة على الشفقة، والمحبة التي هي أساس كل عمل صالح.

هذه الأمور علمنا إياها ربنا يسوع المسيح، كيف؟

قبل الميلاد كان الإنسان يفتخر بقوته، كان يتباهى بأنه انتقم من عدوه، وغلبه وانتصر عليه، بل كان الناس يعجبون بإنسان كهذا استطاع أن يثأر من غريمه، أما المسيحية التي أعطاها المسيح مبدأ المحبة فترى في المحبة الفخر والاعتزاز لكل من يتبع المسيح.

فالمسيح بأقواله وبأمثاله بل بمثاله خاصةً علمنا المحبة، والمحبة إذا تمسكنا بها تحلينا بكل الفضائل، وإذا ما ابتعدنا عنها تورطنا بكل الرذائل، بل نكون قد ابتعدنا عن الخلاص الذي صار بالمسيح يسوع.

«الله محبة» هذا ما قاله الرسول يوحنا عندما أراد أن يصف المحبة، لم يجد لفظة أعظم من اسم الجلالة، «الله محبة»، والرب يسوع وهو يظهر لنا الغاية القصوى من تجسده قال: «هكذا أحب الله العالم حتى أرسل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية».

 وظهرت محبة الله في المسيح يسوع، فبعد أن ابتعدنا عن الله، بعد أن تورطنا في الخطية، بعد أن توغلنا في بيداء الضلالة، جاء المسيح وفدانا، لأنه أحبنا كما أحبنا الآب، فالله يبغض الخطية ولكنه لا يبغض الخاطئ، بل يريد أن يعود إليه تائباً، لأنه لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة، يريده أن يقتدي به أيضاً، فمحبة الله جعلت المسيح يسوع أن يأتي إلى العالم ليعلمنا المحبة.

لو تأملنا بسيرة ربنا بالجسد لرأينا وهو المحبة متجسدة ظهرت فيه فضائل التواضع والوداعة والحلم، هذه هي ثمار المحبة والتسامح خاصة وأن نرى الإله المتجسد يُحتقر من الناس، فقد سموه بعلزبول (رئيس الشياطين)، قتلوه بعد أن أهانوه، ولكنه ـ وهو المحبة ـ سامح الجميع على الصليب وغفر لهم، غفر لكل من لا يعرف إنه قد صلب رب المجد، على حدّ قول الرسول بولس: «لو عرفوا لما صلبوا رب المجد»، لكن كل من عاد من أولئك الصالبين إلى الرب تائباً نادماً مؤمناً به أنه الماسيا المنتظر. ومنه تعلم تلاميذه، اسطفانوس رئيس الشمامسة وبكر الشهداء وهو إنسان عندما كان اليهود يرجمونه كان يصلي طالباً لهم المغفرة، وبذلك يطلب أيضاً من الآب أن يمنحهم الخلاص لأنه عندما يطلب المغفرة لهم يعني ذلك أيضاً أن يعودوا إلى المسيح ليفهموا معنى المحبة حتى الموت في سبيل الإيمان بالمسيح، ويدركوا معنى التسامح الذي يستند على حقيقة مسامحة الله لنا في المسيح، كما قال الرسول بولس: «كما سامحكم الله في المسيح»، فهو يوصينا أن نسامح بعضنا بعضاً بصلواتنا.

لدينا طلبات عديدة من الرب، ودائماً نفكر بالجسد أكثر من الروح، لكننا عندما نصلي الصلاة الرّبية نطلب من الله خبزنا الذي يكفي يومنا حتى نبقى متكلين على الله دائماً، ولكن نحن نطلب أيضاً أن يتمجد اسم الله، ونطلب أيضاً الأمور الروحية أن يأتي ملكوت الله، أي أن تعمّ نِعم الخلاص في العالم كله، وأن ينال الإنسان ملكوت المسيح يسوع وأن يتنعم البشر مثلنا أيضاً في ملكوت الله، نطلب هذا كله ثم نعلن ونعترف بأننا ونحن نطلب السماء نطلب من ربنا أن يغفر خطايانا مستندين على أمر مهم جداً وهو أننا قد أطعنا وصايا ربنا وغفرنا لأعدائنا خطاياهم كل ما أخطؤوا به إلينا، والرب يترك كل هذه الطلبات ويعلّق على هذه الطلبة بعد أن يعلمنا الوصية في الصلاة الربانية ويؤكد إننا إن لم نغفر لإخوتنا ولأعدائنا خطاياهم، لا يغفر لنا الرب خطايانا، هذه هي المحبة، لا محبة القريب فقط، بل حتى للعدو الذي إذا ضربك على خدك الأيمن فحول له الآخر، محبة أي إنسان لا تعرفه، لا جنسه، ولا قوميته، ولا لغته، ولا دينه، ولا مذهبه، ولا اتجاهه، محبة السامري الصالح للساقط بين اللصوص.

ما أعظم هذه المحبة، التي تدعو إلى محبة الآخرين وتذليل الصعاب أمامهم، التي تتجلّى بالتسامح!

ما أعظم تلك الحكمة التي أنعم الله بها على آبائنا إذ يبدؤون دائماً الفروض الدينية والطقوس المقدسة برتبة التسامح، فنحن قبل أن نبدأ بالقداس نظنُّ أننا نبدأ برتبة التسامح، والحقيقة القداس بأقسامه نقول ما يسبقه هو رتبة السلام، أن يعانق بعضنا بعضاً بقبلة مقدسة روحية لأننا لا نقبل لدى الله بشركة القداس الإلهي الذي هو شركة القديسين ـ لا في الأرض فقط بل أيضاً في السماء ـ فنحن في القداس نشترك مع الملائكة ومع أرواح القديسين أيضاً، هذه كلها لا ننال ثمارها الروحية ما لم نسامح بعضنا بعضاً، ما لم نكن بسلام مع إخوتنا جميعاً.

الصوم المقدس الصوم الأربعيني الذي عرفناه منذ أجيال وأجيال عرفناه خاصة في القرن الرابع بتنظيمه هذا الصوم الذي يشعرنا بمشاركتنا المسيح يسوع بصومه في البرية لأجلنا، لم يكن بحاجة إلى أن يصوم، ولكن صام لأجلنا، وليعلمنا الصوم، هذا الصوم لا يُقبل من ربنا ما لم تكن قلوبنا نقيّة طاهرة خالية من كل بغضة، من كل حقد، ما لم نسامح بعضنا بعضاً لذلك أفضل أن نبدأ أصوامنا برتبة المسامحة في هذا اليوم ونحن نقرأ الإنجيل المقدس، وقد تُلي على مسامعكم ونرى كيف أن الرسول بطرس يسأل الرب قائلاً: «يا ربّ كم مرةً يخطئ إليَّ أخي وأنا أغفر له، هل إلى سبع مرات؟ قال له يسوع: لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات» (مت18: 21).

من هنا نفهم أن لا حدود للصفح والغفران لدى المؤمن بالمسيح، فليس من مصلحتهم أن يحصوا زلات إخوتهم المؤمنين الموجهة إليهم لأنه ليس من صالحهم أن يحتفظوا بالسجل الذي يحتوي على الإحصائية، لأنه يخصّ الرب بعد أن يعاقب المذنب، لأنَّ الرب يقول: «لي النقمة أنا أجازي»، كم مرة أسامح أخي إذا أخطأ إليَّ؟ هل إلى سبع مرات؟ وهذه كانت كبيرة جداً عند اليهود إذا أخطأ إليه أخوه سبع مرات في النهار ويسامحه سبع مرات، لكن الرب قال له: حتى إذا أخطأ أخوك إليك سبعين مرة سبع مرات وجاء وقال لك اغفر لي فعليك أن تغفر له هذا إذا جاء إليك أخوك حتى ولو لم يأت أخوك ولم يطلب المسامحة أنا لا أحمل في قلبي أي حقد ضد أخي، أكون حينذاك إن حفظت الحقد وأردت النقمة قد وضعت نفسي مكان الله وهذه خطية عظيمة.

نرى الله في الكتاب المقدس في العهد القديم يقول: لي النقمة أنا أجازي، إذا كان عدوك يبغضك، اطلب له من الله المسامحة، سامحه، اغفر له ذنوبه، والرب هو الذي سيلهمه أن يغفر لك أيضاً ذنوبك، لأننا كلنا بشر وكلنا نخطئ، أولاً إلى الله وبعدئذ تنعكس هذه الخطية إلى القريب، فإذا كنا لا نغفر لقريبنا يعني ذلك أنّ الله سوف لا يغفر لنا ذنوبنا تجاهه وتجاه القريب في آن واحد.

ضرب لنا المثل الذي تلي على مسامعكم عن الإنسان الذي سامح عبيده، وكان له مبلغ كبير من المال على واحد من العبيد، والعادة كانت أن يباع العبد هو وزوجته وأولاده وأملاكه حتى يوفي الدين، فغفر له. أما ذلك العبد فكان قاسي القلب مثلنا نحن البشر قساة القلوب لا نفكَّر إلا بمصلحتنا الخاصة بل نفكر بأننا ديّانون للعالم كأننا نحن لا نخطئ أبداً، ولا نغفر لأحد إذا سمعنا كلمة على أحد ننشرها بين الناس.

النميمة، البغضاء، الافتراء، الحسد كل هذه مصادر للشر ومصادر للبغضاء التي هي ضدّ المحبة وضد الله لأن الله محبة، ونحن عندما نعمل هذا الشيء نكون قد ابتعدنا عن الله، كيف نعالج هذا المرض ليس هناك إلا دواء واحد هو المحبّة، إذا أحببنا بعضنا بعضاً، إذا أحببنا الله أولاً، ولا نقدر أن نحب الله الذي لا نراه ـ كما يقول الرسول يوحنا ـ ما لم نحب قريبنا الذي نراه، تظهر محبتنا لله بمحبتنا لقريبنا، وإذا أحببناه مثلما قال الرسول بولس في الرسالة التي تُليت على مسامعكم إن المحبة لا تحسد، لا تفتخر، المحبة هي الكل في الكل، بالنسبة إلى القانون الأدبي والشريعة والناموس المسيحي، لأنَّ الرسول بولس يقول: لو كنت أعمل كل المعجزات حتى أنقل الجبال وليست فيّ محبة، فمعنى هذا أني لا شيء، وأخيراً يقول: يثبت الرجاء والإيمان والمحبة، أما الرجاء والإيمان فيزولان وتبقى المحبة، كيف؟

نحن نؤمن بالله، ونؤمن بالشيء الذي نراه ولكن في السماء سنرى هذا الذي نؤمن به، سنرى الله وجهاً لوجه سنسر بمجده. والرجاء، نترجّى قيامة الأموات، نترجّى العالم الثاني، نترجّى النعم وسننالها ـ إن شاء الله ـ ويزول الإيمان، ويزول الرجاء، وتبقى المحبة سائدة في السماء، إذا كانت المحبة قد ملكت قلوبنا على الأرض.

أحبائي في هذه اللحظات وقد عزمنا جميعنا أن نتمسّك بالصوم المقدس لننال نعمة عظيمة من ربنا، لندرِّب إرادتنا على طاعة الكنيسة، بطاعة الرب بالذات، نتدرَّب على التقشّف، على الزهد والفقر الاختياري، لنقتصد أيضاً فقد يكون أحياناً طعام الصوم أغلى بكثير من طعام الإفطار، ولكن هذا ليس صوماً، فالصوم نتعلّم به كيف يكون التقشف، كيف يكون الزهد، كيف نقتصد شيئاً لنتصدّق به على الفقير والمحتاج والمعوز واليتيم والأرملة، وقد أوضح الله هذا الأمر لإشعياء النبي فقال له: «يقولون لماذا صمنا ولم تنظر ذللنا أنفسنا ولم تلاحظ.. ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون».

لنكنز لنا كنوزاً في السماء في الوقت نفسه لنكنز لنا كنوزاً على الأرض فضائل أيضاً للمغفرة للتسامح للمحبة.

إذا بدأنا صومنا بمسامحة بعضنا بعضاً، الأقرباء أولاً الذين ضمن الكنيسة، أقرباء الجسد أيضاً أبناء الإيمان الذين يوحدون أفكارهم مع غيرهم بل ليوحدوا قلوبهم عندما يجتمعون لعبادة الله خاصة حول القربان المقدس الذي عليهم أن يذكروا بأننا عندما نقدم هذا القربان نتذكّر الفداء ونتذكّر أنّ الله قد أحبنا وفدانا، وقد أرسل ابنه الوحيد وسفك دمه من أجل خلاصنا، فكما سامحكم الله في المسيح ـ يقول الرسول بولس ـ كذلك يجب أن تسامحوا بعضكم بعضاً.

إنني كأب للسريان وأب لكم جميعاً، في هذه اللحظات أطلب من الرب المغفرة عن كل ذنوبي، عن كل ما قصّرت به بالرسالة التي حمّلني الله إياها، ليس لي على أحد أبداً أي عتب، ولم أحمل في قلبي حقداً على أي إنسان، ولا أحمل إلى الأبد. يمكن ليس عندي وقت لهذا الشيء ولكن هذه طبيعتي منذ صغري والذي يظنّ أني لا أحبه أحياناً بل أحبه أكثر من غيره، ولكن ليمتلئ هو قلبه بالمحبة، إنني أسامح الجميع وأطلب من الجميع أن يسامح بعضهم بعضاً، أيضاً لكي يقبل المسيح توبتنا جميعاً ويقبل صومنا وصلواتنا وصدقاتنا ويؤهلنا جميعاً لكي نحتفل بآلامه المحيية وبصلبه لأجلنا ونحتفل أيضاً بفرح بالقيامة التي هي قيامتنا من بين أموات الخطية كما هو رجاؤنا أن نقوم أيضاً في اليوم الأخير لننعم معه في ملكوته السماوي الحالة التي أتمناها لي ولكم أحبائي بربنا يسوع المسيح آمين.

 

عيد مار أفرام السرياني

عيد مار أفرام السرياني

عيد مار أفرام السرياني (1)

أعمال الرسل (12: 1ـ 17)

رومية (5: 12ـ 21)

يوحنا (4: 46ـ 54)

 

عيد مار أفرام السرياني

«ذكر الصِّديق للبركة»

         (أمثال10: 7)

ونحن نصوم لله «الآب والابن والروح القدس» تائبين عائدين إلى الله لننال المغفرة، نذكر اليوم صدّيقين عديدين، وعندما نذكر الصدّيقين الملفان مار أفرام السرياني والشهيد مار ثيودوروس، والشهداء الأربعين في سبسطية وسائر من اعترف بالمسيح، وتحمّل الضيقات وصنوف العذاب من أجل اسم المسيح، واستشهد على مذبح محبته للمسيح، نذكرهم وننال البركة.

ونعيّد خاصة لشمس السريان ونبيّهم وكنَّارة الروح القدس، لمار أفرام السرياني، كما دعاه القديس يوحنا الذهبي الفم الذي عرف ما كان لمار أفرام من مقام رفيع في تاريخ الكنيسة وفي قلوب المؤمنين لأنه كان حقاً شمساً لنا نحن السريان.

عندما نتأمل بسيرة هذا القديس العظيم لابدّ أن نعود بذاكرتنا إلى القرن الرابع للميلاد، نرى أمامنا كنيسة تداوي جروحها وتلم شعثها وتستعد لتمجيد إلهها بعد أن مجدته بتقديم عدد لا يحصى من الشهداء في القرون الثلاثة الأولى، وفي بدء القرن الرابع عندما تنصّر الامبراطور قسطنطين ارتاحت قليلاً، ورأت في هذه الراحة فرصة ذهبية لكي تجمع شمل أبنائها، وتمجّد الله بالروح والحق.

ولكن إبليس استيقظ وهو يرى أن الكنيسة أصبحت للمسيح، فابتدأ يغرر ببعض الناس، بكبريائهم وعجرفتهم وغرورهم فكانت البدع وكانت الهرطقات والمسيح لها بالمرصاد، فألهم الآباء فكان مجمع نيقية الذي حدد لنا صورة الإيمان وجعلها صورة إيمان واحد لجميع الذين هم أبناء الله بالنعمة الساجدين لله بالروح والحق، المؤمنين بأن المسيح هو الإله المتجسد الذي جاء إلى عالمنا هذا وفدانا بموته على الصليب وقيامته من بين الأموات، هذا الإيمان ـ أيها الأحباء ـ تمسّك به الآباء، كان أحد هؤلاء الآباء المشهورين الراهب الشماس الإنجيلي، وما أجمل هذا النعت، أفرام السرياني إننا نفتخر به ونفتخر بسريانيته، أفرام كان شماساً كوّن شخصيته في الدار التي ولد فيها وتربّى، الدار المسيحية التي على كل مسيحي ومسيحية أن يهتمّ لتكون داره داراً للمسيح، فينشأ أبناؤه للمسيح كما نشأ أفرام السرياني، وأفرام تتلمذ لمار يعقوب أسقف نصيبين الناسك الزاهد، ومنه تعلّم مار أفرام كيف يكون للمسيح؟ واصطحبه إلى مجمع نيقية وهناك أيضاً تعلّم مار أفرام كيف يدافع عن حياض الكنيسة، كيف يتمسّك بالإيمان المستقيم الرأي، والتقى كبار لاهوتيي الكنيسة يومذاك وآبائها الميامين.

هكذا نشأ مار أفرام، وهكذا تبلورت شخصيّته، وهكذا أصبح شاهداً للرب باسم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، قديسنا هذا عندما عاد إلى نصيبين وترأس مدرستها اللاهوتية أعطى للكنيسة رجالاً يخدمونها لذلك سمّي شمساً لنا ونبياً، كان محباً لوطنه سورية، ونصيبين هي جارة القامشلي، نصيبين التي نفتخر بها وبمدرستها لأنها عون لنا نحن السريان بتمسّكنا بالله ومخافة الله وبمحبتنا العلم والمعرفة وبتمسكنا خاصة بالإيمان المستقيم الرأي، كان محباً لوطنه فذاد عن حياضه مع مار يعقوب، كان يشجّع الجند لكي يكونوا حماةً لمدينة نصيبين، ولا يدع الفرس أن يستولوا عليها، وعندما أخضعها الفرس سنة 363 غادرها مار أفرام إلى الرها ليبدأ هناك مدرسته اللاهوتية، ويهتمّ بتنشئة أبناء الكنيسة وبناتها ليكونوا للمسيح، وفي الوقت نفسه يعبد الله كناسك زاهد.

طريق الرهبانية لدى مار أفرام أخذناها عنه وسنبقى كذلك، فرهباننا وراهباتنا برهبانيتهم يمتازون عن غيرهم من الرهبان والراهبات لأننا نتنسّك، لا ننفرد للصلاة والعبادة، لا نتفرّغ لعبادة الله فقط، وعبادة الله والصلاة لأجل الكنيسة قوة وراء الكنيسة، ولكن هناك ما يفوق ذلك كثيراً هو نشر البشارة الإنجيلية، بالكلام والفكر والعمل، هذا هو الهدف الأسمى لكل راهب وراهبة في كنيستنا السريانية المقدسة، فرأينا أفرام السرياني العظيم وهو يتنسّك ويرشد يمتلئ بالاختلاء من الروح القدس، ليفرّغ المواهب الإلهية أمام المؤمنين كافةً، يؤلف جوقة ترتيل في المسيحية، يعطي للمرأة مقامها وهو الراهب الشماس.

وكم كان آباؤنا ـ وما يزالون ـ واقعيين وتقدّميين لأنهم يرون أن المسيحية هي روح وحياة، ليست حرفاً، والحرف يقتل ـ كما يقول الرسول بولس ـ أما الروح فيحيي، لذلك صمدت كنيستنا وستصمد إلى الأبد أمام كل الاضطهادات والبدع والهرطقات لأنّه قد قام فيها مثل مار أفرام، ويقوم فيها كل جيل من ينسج على منوال مار أفرام ويتبع على غراره مقتفياً آثار الرب يسوع حاملاً صليبه.

عندما نقرأ سيرة مار أفرام السرياني نرى فيه معلماً للمسكونة، نسكٌ وزهدٌ وتعليمٌ، أشعاره ومؤلفاته مازلنا نتغنّى بها صباح مساء، ونحن نمجّد الله تعالى، آلاف القصائد أنشأها ونظمها وكلّها تسبيح لله، فضلاً تفسيره للكتاب المقدس فقد قيل عنه: إنه لو فقدنا الكتاب المقدس بالسريانية لاستطعنا أن نجمعه ثانيةً من مؤلفات مار أفرام، بالاضافة إلى عبادته ونسكه وزهده، وخدمته الإنسانية الاجتماعية المسيحية، تأليفه جوقة الترتيل، هذا عمل كبير جداً في المسيحية، اقتدت بنا كل الكنائس بعدئذ، كما أنه اهتم بعمل الإحسان تطلعوا إليه بعد المجاعة التي طرأت على تلك البلاد، يجمع الصدقات من الأغنياء ليوزّعها على الفقراء، ثم عندما انتشر وباء الطاعون فتح لأول مرة في تاريخ المسيحية داراً لأولئك المرضى يعتني بهم، فأصيب بالمرض ومات.

مات، ولكنه في موته استراح لينال المكافأة من الله، وصار قدوة لنا، في هذا اليوم ونحن نعيد له علينا أن نقتدي به.

نهنئ قبل كل شيء ناظر كليتنا الإكليريكية ومعلميها وطلابها، نهنئ هؤلاء الرهبان الذين يقتدون بمار أفرام، نهنئ الشمامسة الرهبان ونحثّهم ليقتدوا بمار أفرام في الزهد والطهر والنقاء وبالنسك أيضاً وبعبادة الله بالروح والحق، وبمحبة العلم لينهضوا بالكنيسة في هذا الجيل الفاسد الشرير الذي يحتاج إلى رهبان وراهبات ليقودوا موكب الكنيسة إلى معرفة الله ومخافته، نهنئ كل من اسمه أفرام، وكل من يتشفع بمار أفرام، سائلين الرب الإله أن يبارككم جميعاً، وأن يؤهلكم لتكونوا مرضيين بأعمالكم لدى الرب الإله مقتدين بالقديس مار أفرام وسائر القديسين والشهداء بنعمته تعالى وكل عام وأنتم بخير.


عيد مار أفرام السرياني (2)

«ذكر الصِّديق للبركة»

         (أمثال10: 7)

بركة عظيمة نلنا في هذا الصباح المبارك أيها الأحباء ونحن نذكر قديسين عظيمين، الشهيد ثيودورس الذي ضحّى بنفسه في سبيل التمسك بالإيمان بالمسيح يسوع ربنا وإعلان ذلك الإيمان أمام الناس وأمام الله ليستحقّ إكليل المجد في السماء، ومن ثمة الصديق البار ملفان الكنيسة العظيم مار أفرام شمس السريان مرشد الشبان ومعزّي الحزانى.

ذكرنا هذين الصديقين ونحن عندما نحتفل بعيد الشهداء والقديسين، نرى أنفسنا ونحن ننسج على منوال أولئك الذين اعترفوا بالمسيح يسوع جهراً، لا يهابون الموت، لا يخافون الذين يقتلون الجسد ولكن ليس باستطاعتهم قتل النفس، نقتدي بأولئك الناس الذين كانوا مثلنا بشراً، ولكنهم سموا عن كل البشر لأنهم آمنوا بالأبدية وعاشوا السماء على الأرض، لذلك ضحّوا بكل شيء في سبيل الوصول إلى ملكوت الله والحصول عليه.

ونذكر ما أفرام وقد احتفلنا بالقداس الإلهي ويشاركنا في ذلك سيادة أخينا الحبر الجليل مار أياونيس بولس السوقي النائب البطريركي في أبرشية دمشق، ويخدم القداس أبناؤنا الروحيون الأحباء الرهبان والطلاب في كلية مار أفرام الكهنوتية اللاهوتية ورئيسة وراهبات مار يعقوب البرادعي مع بناتنا الفاضلات، كما اشتركتم أنتم أيضاً أيها الشعب المبارك، وبهذه المناسبة أيضاً نهنئ هيئة السيدات الخيرية في أبرشية دمشق بعيد شفيعهنّ وقد ذكرناهن على مذبح الرب ليعطيهن الرب الإلهام الرباني والقوة لمواصلة خدمة الفقير والمعوز والمحتاج ويعطيهن الرب أجراً صالحاً عن كل ما يفعلنه في سبيل خدمة أخوة المسيح الصغار، كما ذكرنا على مذبح الرب ناظر ورعاة ومرشد ورهبان وأساتذة كلية مار أفرام الكهنوتية وطلاب الكلية جميعاً مهنئين إياهم بعيد شفيعهم مار أفرام السرياني ذاكرين أيضاً سلفنا الأسبق المثلث الرحمات البطريرك العلامة مار اغناطيوس أفرام الأول برصوم مؤسس هذه الكلية ومن واصل الخدمة معه في سبيل ازدهارها وتقدّمها وثباتها وتنشئة طلاّبها النشأة الإكليريكية الصّالحة المثلث الرّحمة المطران الملفان مار غريغوريوس بولس بهنام. وكذلك من واصل الجهاد لتثبيتها سلفنا المثلث الرّحمة البطريرك مار اغناطيوس يعقوب الثالث، وذكرنا كل مَنْ خدم هذه الكلّية الإكليريكية.

ليرحم الله أولئك الذين رقدوا بالرب وانتقلوا إلى السّماء، وليعطِ الرب القوّة والإلهام الرّباني لهؤلاء الذين يقطنون الكليّة حتّى اليوم وليمتّعهم بالصحّة والعافية والعمر الطويل والتوفيق الجليل، كذلك كلّ من يقدّم خيرة أولاده لخدمة مذابح الرب ليتدرّبوا ويتعلّموا وينشؤوا في هذه الكلية نشأة إكليريكية صالحة وكل من يعضد الكلية ماديّاً. ليبارك إلهنا الجميع بشفاعة مار أفرام السّرياني.

أحبائي: عندما نتذكّر ما قاله صاحب الأمثال: «ذكر الصدِّيق للبركة»، نتأمّل بحياة الصدِّيقين، إن كانوا أبراراً في العهد القديم وكانوا سبباً لرحمة الله للبشريّة كافةً، وإن كان أولئك الذين نالوا الخلاص بالمسيح يسوع ربنا، وكانوا مثالاً لمن آمن بالرب يسوع وحمل الصليب وتبعه في طريق الجلجلة. في العهد القديم عندما حاد الناس عن شريعة الله وحتّى عن شريعة الضّمير، أشفق الله على البشر بوجود قلّة من الناس كانوا صدّيقين.

أيام نوح اختار الله نوحاً ومن معه لينجوا من الطوفان لأنهم كانوا وحدهم مؤمنين بالله ومتمسّكين بشريعته، ولو كانت تلك الشريعة شريعة الضّمير. دائماً نرى الصدِّيق ونرى الشرير أيضاً، نرى المؤمن بالله والذي يسجّل إيمانه بالأعمال الصالحة ونرى ما قال عنه صاحب المزامير: «قال الجاهل في قلبه ليس إله». في حياة إبراهيم بعد أن زاره ملاك الرب ومعه ملاكان، إبراهيم بكرمه استضافهما فبشّره الإله الذي ظهر له بأن سارة ستلد له ابناً، بعدئذ نرى الله يظهر لإبراهيم ينبئه عن الشر الذي تمرّغت به سدوم وأنه سيحرقها، سيهلك أهلها، سيبيدها. فيتشفّع إبراهيم ـ وهو الصدِّيق باعتباره صدّيقاً وله دالّة عند الله ـ يتشفّع بأولئك فيقول له: لو كان خمسون شخصاً من أولئك الناس صدِّيقين في المدينة هل تهلكها؟، أجابه الله: لا، ووصل إلى عشرة فقال الله: لا، ولكن لم يكن هناك عشرة صدِّيقين لكي يشفعوا بتلك المدينة. حتّى نحن عندما يعيش بيننا أناس صدِّيقون بشفاعتهم إكراماً لهم، نعيش في هذه الحياة سالمين لأن أولئك الناس يصلّون من أجلنا، وقد صاروا متشفّعين لنا، وعندما لم يجد الله أحداً في سدوم يتبعه، لم يجد صدِّيقاً هلكت المدينة. طبعاً نحن نعلم أن الملاك أخذ لوط وابنتَيه وامرأته لأن أصحابه لم يقبلوا أن يؤمنوا بقوله، الذي هو كان رسالة من السماء فهلكوا مع البقيّة، أمّا لوط فقد أخرج من المدينة ولكن امرأته عندما التفتت إلى الشر تذكّرت ما كانت تتلذّذ به من الشر لذلك أصبحت عمود ملح. عندما نذكر كل هذه الأمور نرى البَرَكة العظيمة التي ننالها هي أن يكون لنا وبيننا صدِّيقون وعندما نحتفل بعيد مار أفرام مثلاً أو الشّهداء والصدّيقين نعلم أنه لنا في السّماء من يشفع فينا إنهم صدّيقون فالبركة ننالها.

«ذكر الصدّيق للبركة»، ألم يقل إنّ الله إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله أحياء. لذلك عندما نحتفل بعيد أو ذكرى أو تذكار أحد الشّهداء أو القديسين نعلم أنه حيٌّ عند الله وأنه يتشفّع فينا، بل أيضاً نؤمن أن أرواح القديسين معنا عندما نحتفل بالقداس الإلهي وهم يحتفلون معنا بالقداس ويفرحون لأننا نصلّي إلى الله ويتشفّعون بنا لكي ننال برَكة الرب، فذكرى الصدِّيق للبركة، والبركة التي ننالها هذا اليوم من الصدِّيق، ملفاننا العظيم مار أفرام السرياني، وتتضاعف البرَكة أيها الأحبّاء عندما ننتهزها فرصةً ذهبيّة طيّبة لنتأمّل بسيرة هذا القديس العظيم.

كان في القرن الرابع ميلاده، في أوائل ذلك القرن كانت الكنيسة تجاهد للحفاظ على الإيمان ضدّ هرطقة آريوس وغيرها. رافق معلّمه القديس مار يعقوب النصيبيني أسقف نصيبين إلى مجمع نيقية وهناك امتلأ من الروح القدس للدفاع عن الإيمان. هناك حلّ عليه الروح ليعطيه شجاعةً وعلماً وحكمةً حتّى يدافع عن الإيمان القويم الرأي، الذي تسلّمناه مرّة من الآباء القديسين والرسل الأطهار. في نصيبين كانت هناك مدرسة لاهوتيّة علّم فيها مار أفرام سنين عديدة بإشراف مار يعقوب النصيبيني وإذ احتلّ الفُرس المدينة وغادرها الأساتذة والتلاميذ وأيضاً بعض سكّان المدينة إلى الرّها. هناك واصل جهاده، ليس فقط النّسك والزّهد والتقشّف والعبادة، بل أيضاً في تعليم الرهبان والراهبات وأوّل من أسّس جوقة ترتيل من العذارى ممّا يدلّ على أفقه الواسع وفهمه العميق في الكتاب المقدس واحترامه أيضاً للمرأة التي اعتبرها مساويةً للرّجل.

ولم يكن يتنسّك فقط، بل كان أيضاً يعلّم بل أيضاً عندما عمّ الجوع في تلك المناطق كنتيجة للحروب والقتالات رأيناه يترك صومعته وينزل ليدور على بيوت الأغنياء ويجمع الصّدقات ليوزّعها على الفقراء، وعندما عمّ وباء الطاعون كان أوّل من أسّس ملجأً لأولئك المرضى واعتنى بهم فأصيب بالطاعون ورقد بالرب سنة ثلاثمائة وثلاث وسبعين في التاسع من حزيران، وبقي ذكره خالداً في الكنيسة، ليس فقط بعلمه الغزير، ليس فقط بمحبته شعب الله والإنسان عامّةً، بل أيضاً بقي ذكره خالداً وصالحاً في كنيسة الله، لأنه ترجم الشريعة إلى العمل بالرحمة، بعمل الإحسان، بزيارة المريض والاعتناء به. بكل هذه الأمور بقي ذكر مار أفرام خالداً في كنيستنا. أما ما كتبه لنا فنحن صباح مساء نرنّم ونصلي بما ألّفه مار أفرام وخلّد. لذلك دُعي شمس السريان وملفان الكنيسة بل أيضاً مرشد الشبّان فهو شفيع هيئة السيّدات الخيريّة لأنه كان خير من اهتمّ بالإنسان والمعوَز والمحتاج، وهو شفيع كليّتنا الإكليريكية لأنه معلّم الشبّان، معلّمنا وقدوة ومثال لنا.

فنحن كإكليريكيين علينا أن نقتدي بمار أفرام بصومه، بصلاته خاصةً فآباء الكنيسة أرادوا أن نعتبره مثالاً لنا، فقد انتقل إلى السّماء في التاسع من حزيران وعادةً نحن نعيِّد للقديسين يوم انتقالهم بانتهاء جهادهم على الأرض وانتقالهم للسّماء، أمّا آباؤنا فجعلوا لمار أفرام عيداً خاصّاً هو في السّبت الأوّل من الأسبوع الأوّل من الصّيام، وقد نقلناه إلى يوم الأحد مجمعيّاً لفائدة المؤمنين، وفعل آباء الكنيسة ذلك لكي يذكّروا المؤمنين كافّةً كيف أن الرهبان كانوا يتركون كهوفهم وقلاّياتهم ويتركون حتّى أديرتهم ليأتوا إلى المدن، إلى القرى، إلى الدساكر، وفي وقت الصّوم كل واحد منهم في كنيسة متعبّداً خاشعاً لكي يقتدي به المؤمنون وهو يعِظ المؤمنين طيلة الصوم المقدس لكي يحثّهم على التمسّك خاصّةً بالصوم الأربعيني الذي ولئن فسّحت الكنيسة للذين لا يستطيعون أن يصوموا أربعين يوماً وأسبوع الآلام أن يصوموا في الأسبوع الأوّل والأخير والجمعة والأربعاء، ولكن في الوقت نفسه من يتمسّك بالصوم كما وُضع ويصوم أربعين يوماً وأسبوع الآلام أيضاً مقتدياً بالرب يسوع فهذا أجره عظيم. إذن نعيّد لمار أفرام لكي نقتدي بفضائله، لكي نقتدي أيضاً بنسكه وزهده لكي ننال بركة عظيمة عندما نذكر هذا الصدِّيق لأن ذكر الصدِّيق للبركة.

بارككم الرب أيها الأحباء وأعاد عليكم هذا العيد وأنتم بأحسن حال وأنعم بال وأهّلكم أن تصوموا صوم الرب المقدّس وأن تنالوا أجراً عظيماً بذلك، وأن تحتفلوا أيضاً بآلام الرب يسوع وقيامته من بين الأموات وكل عام وأنتم بخير.


عيد مار أفرام السرياني (3)

بنعمة الله تعالى وبالهام الروح القدس احتفلنا في هذا اليوم المبارك بالقداس الإلهي في كنيسة مار أفرام في دير مار أفرام السرياني في معرة صيدنايا، شاكرين الله تعالى على النعم العظيمة التي أسبغها علينا، فأهلنا أن نقوم بإلباس الإسكيم الرهباني لأربعة شمامسة من طلاب كلية مار أفرام السرياني الإكليريكية، الأبناء الروحيين وهم: يوقين أونفال، أفرام حنا، متى الخوري، صليبا نعمة القسيس.

هؤلاء الرهبان الأربعة أمام الله، وأمام مذبحه المقدس، وأمام أحبار الكنيسة والكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة وهذا الشعب المبارك، تعهّدوا أن يكونوا لله تائبين عمّا مضى من خطايا وزلات يقترفها الإنسان بضعفه الجسدي، محتّمين أن لا يعودوا إلى الخطية، مكرِّسين أنفسهم لله تعالى بالنذور الرهبانية: البتولية مقترنة بالعفة، والفقر الاختياري، والطاعة التامة لوصايا الرب ولتوجيه رئيس الكنيسة الأعلى وأبي الرهبان والرؤساء المكانيين في الأديرة أو الكنائس أو المؤسسات الروحية بحسب ما يشاء الله.

هؤلاء الأعزاء الأربعة نشؤوا في دورهم العامرة بتقوى الله، وتربّوا تربية صالحة، فبارك الله لأهلهم وذويهم الذين أعدوهم لكي يقدموا أنفسهم لله. واليوم في هذا الاحتفال الذي حقاً يعدَّ مقدساً نشترك جميعاً بالشهادة على ما قدموه أمام الرب من وعود ونذور، ونصلي جميعاً بأن يقبل الله نذورهم وأن يقويهم لكي ينتصروا على إبليس وجنده وعلى كل ما هو مخالف لنواميس الله.

وإنني في هذه المناسبة لأشكر إخوتي أصحاب النيافة الأجلاء مار أسطاثاوس متى روهم مطران الجزيرة والفرات، المطران مار يوليوس قرياقس السكرتير البطريركي الأول والنائب البطريركي لشؤون الكنيسة في الهند، ومار سلوانس بطرس النعمة مطران حمص وحماه وتوابعهما، والمطران مار سويريوس صليبا توما النائب البطريركي في زحلة والبقاع، والمطران مار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي. أشكرهم على مشاركتهم إياي الفرحة بتقديم هذه الثمار الناضجة، ثمار كلية مار أفرام في عيد مار أفرام هذا المجيد بتقديمهم للرب، كما أثني جزيل الثناء على الابنين الروحيين الأب الربان متى عبد الأحد ناظر كلية مار أفرام اللاهوتية والأب الربان متياس نايش معاون ناظر كلية مار أفرام اللاهوتية والمرشد الروحي على اهتمامهما في خدمة الكنيسة وهذه الكلية التي توصف بأنها: «قلب الكنيسة النابض»، كما أثني أيضاً وأهنئ جميع من يمتّ إلى هؤلاء الرهبان الأحباء بصلة القرابة والصداقة والزمالة، الآباء والأمهات الأفاضل جميع أقرباء هؤلاء الأعزاء والأساتذة الذين درسوهم واعتنوا بتربيتهم وتهذيبهم لكي ينشؤوا نشأة رهبانية صالحة، وبالهام الروح القدس تهيَّؤوا لكي يقدموا نفوسهم للرب.

أهنئ في عيد مار أفرام الكلية وناظرها ومعاونه وأساتذة الكلية ورهبان وراهبات السريان، أهنئ كل من سُمي أفرام في هذا اليوم المبارك في عيد مار أفرام، وقد ذكرت على مذبح الرب كل من له تعب في تأسيس هذه الكلية وفي خدمتها وخدمة أساتذتها وطلابها.

عندما نعيد لمار أفرام أيها الأحباء نرى فيه كما وُصف نبي السريان وشمسهم وكنارة الروح القدس نرى فيه المثل السامي لكل الرهبان والراهبات، نرى فيه الراهب الشماس الذي يقود موكباً عبر الدهور والأجيال وإلى الأبد، ما دام السريان في أمجادهم وليبقوا بأمجادهم بقوة الله إلى أبد الآبدين، يقود البطاركة وهو شماس، والمطارنة وهم أحبار الكنيسة والكهنة والشمامسة في آن واحد، صباح مساء نرنّم ما ألفه لنا ووضعه من أناشيد ونكمل الطقوس السامية بلغتنا السريانية، لغة ربنا يسوع المسيح المقدسة.

وعندما نقدم أنفسنا للرب رهباناً وراهبات، نتقشف بزهد بأصوام وصلوات مستمرة وفي وحدة وانعزال عن الناس، نغلق باب قلايتنا لننفرد بالرب، نشعر بقوة سامية أن الرب معنا مثل مار أفرام أيضاً، لا ننعزل في وقت الضيق، نقاوم الهرطقات التي تريد أن تفسد إيماننا القويم الرأي، نساعد الفقراء والمساكين مثلما فعل مار أفرام، ونسعف المرضى ونصلي لأجلهم مثلما فعل مار أفرام، وفي الوقت ذاته نصلي لأجل خلاص نفوسنا، وخلاص الآخرين.

هذه رسالة الرهبانية لدينا، ليست فقط أن ينعزل الإنسان ويبتعد عن العالم ليكون قوة بصلاته وراء الكنيسة، بل أيضاً ليكون قوة في الكنيسة بإقامة نفسه مثالاً طيباً للإنسان الذي يؤمن بالأبدية، ويضحيّ بكل شيء ليكتسب الحياة الأبدية، يحمل الصليب ـ الشرط الذي وضعه الرب يسوع للتلميذ الصالح الحقيقي ـ أن يحمل صليبه ويتبع المسيح. أين يتبعه؟ هناك طريقان في هذه الحياة باب واسع وطريق واسع جداً، لكن لا تؤدي إلى ملكوت الله، وباب ضيق وطريق صعبة جداً مليئة بالأشواك، مليئة بالآلام، وفيها يحمل الإنسان صليباً تابعاً القيرواني الذي حمل صليب الرب ليخفف عنه آلامه، تابعاً الزهاد والنساك والرهبان والراهبات الذين ضحّوا بنفوسهم ليربحوا الحياة الأبدية، هذه الطريق تؤدي حقاً إلى ملكوت الله.

هذا هو المكسب، هذا الربح العظيم في معرض الخسارة نرى أن الإنسان قد خسر كل شيء، أحياناً نبكي عندما نراه يقدم نفسه لله وعلينا ـ وإن كنا في الضعف البشري نتألم لأننا نفتكر دنيوياً ـ علينا أن نبتهج لأنَّ هذا الإنسان مرشح لنيل ملكوت الله لنيل السعادة الأبدية.

لا أود أن أطيل عليكم الكلام، ولكن لابدّ أن أقول كلمة عن نفسي: عندما قدمت نفسي لله وأنا في الثالثة عشر من عمري، ألهمني الله أنني سأسلك طريقا أكون فيها راهباً بسيطاً في هذه الكنيسة المقدسة، وانخرطت في سلك الإكليريكية وفي الثالثة والعشرين من عمري، بعد أن أنهيت دراستي شعرت بقوة إلهية تدفعني لأكرّس نفسي كلياً لله، وبعد موافقة أبي الآباء وأبي الرهبان السريان الكلي الطوبى المثلث الرحمة البطريرك أفرام الأول برصوم مؤسس مدرسة مار أفرام الاكليريكية بعرق جبينه ودم قلبه، والذي روحه معنا اليوم تبتهج وتفرح حينما ترى رهباناً يتقدمون ليواصلوا هذه الرسالة، ليتبعوا أفرام السرياني الملفان العظيم، والبطريرك أفرام برصوم أبا الإصلاح في الكنيسة في القرن العشرين بعدئذٍ، وفي السادس من الشهر السادس (حزيران) ألبسني الاسكيم الرهباني المثلث الرحمة معلمي ومدير الاكليريكية المطران مار غريغوريوس بولس بهنام الذي له أتعاب كثيرة في خدمة الكلية الاكليريكية، ومنذ ذلك الحين ـ أيها الأحباء ـ أشعر بنفسي بأنني أصبحت لله، منذ نعومة أظفاري كان شعاري وأنا أقف أمام الله وأنفرد به بصلاة طويلة وعميقة: «إن أبي وأمي قد تركاني أما الرب فقد قبلني»، حقاً الرب قد قبلني.

وعندما أُلبست الاسكيم الرهباني وأشار إليّ معلمي المطران بولس بهنام أن أتكلم فبدأت كلامي: «مع المسيح صُلبتُ ـ قال الرسول بولس ـ لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ»، هذه هي الرهبانية أن يصلُب الإنسان نفسه مع المسيح، من هو المسيح؟ الله ظهر في الجسد، من نحن؟ نحن بشر ضعفاء، ما قيمتنا؟ وما ثمننا، عندما نقارن أنفسنا بالله تعالى؟ فإذا كان المسيح يسوع الإله الذي ظهر بالجسد جاء وفدانا بآلامه بحمله الصليب وبصعوده أيضاً على الصليب ليصلب عنّا وفدانا، فإذا دعانا أن نحمل صليبه، فهل هذا كثير علينا؟

ولكن، لنعلم أن المسيح لا يترك من يضحي بنفسه وبكل شيء من ماديات في هذا العالم ورغباته وشهواته، الله لا يترك هذا الإنسان وحده، حتى شعور رؤوسكم ـ قال لنا ـ أنها محصاة، من يقدر أن يحصي شعر رأسه، شعور رؤوسنا كلها محصاة لأن الرب معنا، لأنه هو يقوينا، لأنه هو دعانا ونحن قد حملنا صليبنا وتبعناه.

ما أجمل ما قُرئ على مسامعكم في بدء القداس من سفر أعمال الرسل عن الرسول بطرس الذي سُجن سجناً قاسياً جداً، وعشرات الجند كانوا حواليه وقد كُبل بسلاسل حديدية وهُيئ لكي يُقدم لليهود ليُقتل، ولكن شاء الله فأرسل ملاكه ونبه بطرس ليقوم ويتبعه. تكسرت القيود، قام بطرس بشجاعة تبع ملاك الرب الأبواب انفتحت والحراس كانوا كموتى عندما خرج خارج السجن وتحرر وتطلع في نفسه أنه لا يرى رؤيا ولا هو في حلم، ولكن ما كان حقيقة ذلك؟ شعر أن الله قد أنقذه من أعدائه، ومن ذلك السجن المظلم، فجاء وقرع على باب بيت مريم ومرقس العلية المقدسة، لم يصدق من كان هناك الجارية تقول لهم أني أسمع صوت بطرس يقرع على الباب اعتبروها قد جُنَّت، ثم قالوا لعله ملاك بطرس لعله طيفه، ولكن فتحوا الباب فرأوا بطرس بالذات، الله لا يتركنا أبداً، هو معنا طالما نحن نقدم أنفسنا لله.

هذه نعمة عظيمة، على الأرض نهيئ أنفسنا لنكون من أبناء السماء في الأبدية لهذا أريدكم أن تفرحوا في هذا اليوم أيها الأحباء، كما نفرح نحن، لأنّ الحصاد كثير والفعلة قليلون، وقد هيأ الرب فعلةً لحصاده، نفرح لهؤلاء الذين يقتدون فينا، كما فعلنا نحن يفعلون، وكما تبعنا الرب يسوع المسيح بإيمان متين ونحاول أن نكون مخلصين لرسالتنا الرهبانية، وإن كنّا بنعمة الله نتبوأ مراكز مرموقة في الكنيسة، ولكننا نبقى رهباناً ولا ننسى ساعة قدّمنا أنفسنا لله كرهبان، لذلك أحبائي يجب أن نفرح لأن هؤلاء الرهبان الأربعة قد انخرطوا في سلك الرهبانية ليسلكوا الطريق الصعبة بعد أن دخلوا الباب الضيق، الطريق التي تبلغ بهم إلى ملكوت الله، ونصلي لأجلهم ليصلوا هم أيضاً لأجلنا ولأجل أقربائهم وأحبائهم وأصدقائهم وزملائهم لكي يعطيهم الرب نعمة عظيمة ليتمّموا هذه الرسالة والنذور الرهبانية، ويكونوا سبب نعمة وخلاص لا لأنفسهم فقط بل للذين يمتون إليهم بصلة القرابة الجسدية والروحية ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً، وكل عام وأنتم بخير.


عيد مار أفرام السرياني (4)

«شهية جداً أخبار القديسين في مسامع الودعاء»

هذا ما قاله مار اسحق أحد ملافنة الكنيسة، الذي يحثّنا لنتأمّل في سيَر هؤلاء القديسين، فإن كنّا ودعاء سنجد هذه السِّيَر شهيّة طيّبة.

ونحن اليوم نحتفل بعيد قدّيسين عظيمين، هما مار أفرام السرياني، ومار ثيودورس الشهيد. ونتأمّل بسيرة الشهداء لنرى أن دمهم كان بِذار الإيمان، فقد قدّموا نفوسهم ذبائح حيّة على مذبح محبّة المسيح ربنا، في سبيل التمسّك بالمسيح يسوع، ونالوا إكليل الشّهادة، فربحوا الآخرة بخسارتهم هذه الدّنيا الفانية.

أمّا مار أفرام فهو كوكب الكنيسة، بل دعاه أيضاً الذهبي الفم: «شمس السريان، وكنارة الروح القدس»، وهو نبي السريان كما سماه آباء الكنيسة وملافنتها ومعلموها، الذي منذ القرن الرابع وحتى اليوم أناشيده التي تترنم بها الكنيسة المقدسة في صلواتها صباح مساء ترفع النفوس إلى السماء.

مار أفرام ابن سوريا، نشأ حيث ولد في نصيبين، ورضع لبان الإيمان النقي الطاهر من والديه السريانيين، وتتلمذ على يد مار يعقوب النصيبيني، فاقتدى بزهده ونسكه، واتشح بالاسكيم الرهباني، ورسمه شماساً إنجيلياً، ورافق معلمه إلى مجمع نيقية سنة 325م.

كانت المسيحية ـ أيها الأحباء ـ مدة ثلاثة قرون مضطهدة، متعبة، معذّبة، وكان المؤمنون قد امتلؤوا حماساً لأنهم كانوا مملوئين من الروح القدس، آمنوا بالأبدية وطمحوا إلى نيل السعادة الدائمة، لذلك كان لا يهمهم في هذه الحياة لا الجاه ولا المال ولا المراكز المرموقة، بل حملوا الصلبان تابعين يسوع في طريق الجلجلة متأكدين أنه لا قيامة بدون صليب وموت، بل لا مجد في السماء دون عذاب وآلام على هذه الأرض في سبيل التمسك بإيمان ربنا.

هؤلاء الناس حملوا بشارة الإنجيل إلى أقطار العالم، بل كانوا خير شهود للمسيح، قولاً وعملاً، بالسيرة النقية والسريرة الطاهرة، والأعمال المقدسة، ولذلك استطاعت الكنيسة المقدسة التي أسسها الفادي على صخرة الإيمان به، ووعدها أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها، استطاعت تلك الكنيسة لا بوساطة إكليروسها فقط بل عن طريق تقديم الشهادة والاستشهاد من قبل المؤمنين والمؤمنات تمكَّنت الكنيسة أن تخضع الدولة الرومانية الوثنية للمسيح، الدولة التي اضطهدت الكنيسة خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد، فأخضعها المسيح لعبادته بوساطة امرأة فاضلة سريانية هي هيلانة ابنة القسيس السرياني الرهاوي التي كانت ملكة، عن طريقها كأم مؤمنة تصلي لأجل خلاص ابنها قسطنطين الوثني، بل كان حبراً أعظم للوثنية، «ما أعظم قوة الصلاة التي يصليها البار» يقول يعقوب الرسول، وما أعظم قوة الصلاة التي تصليها الأم من أجل أولادها، وخاصة إذا كان موضوع الصلاة خلاص النفوس، فخلص قسطنطين، آمن بالرب يسوع وبدأ عصرٌ ذهبيٌ للمسيحية بعد أن كانت القرون الثلاثة الأولى كعهد للرسل بنشر تعاليمهم، ولئن كانت منتصرة بالمسيح يسوع، فانتشر الدين القويم في أطراف الدولة الرومانية، ولكن عندما آمن قسطنطين في المسيح يسوع، وعندما أعلن مرسوم ميلان سنة 313م، بأنه يحق لكل إنسان أن يختار دينه، استطاعت المسيحية أن تلمَّ شعثها، وتداوي جراحها وتبدأ عهدها الذهبي، فأثبتت دستور إيمانها مجموعاً من دساتير إيمان الرسل في مجمع نيقية ودحضت هرطقات الهراطقة، وأعطت للعالم ملافنة عِظاماً كالقديس مار أفرام.

في ذلك المناخ الروحي الطيب، في تلك البيئة المباركة نشاهد هذا القديس، فكره الروحي الديني مصدره البيت المبارك، الذي على كل عائلة أن تقتدي به لكي ينشأ أبناؤها وبناتها على جداول مياه التقوى ومخافة الله.

وغذى فكره الديني الذي مصدره الكتاب المقدس بتعاليم وقرارات المجمع المسكوني الأول، مجمع نيقية فذلك الراهب الشماس تعلم الكثير من آباء الكنيسة العظام في المجمع، وعاد إلى نصيبين مع أبيه الروحي القديس يعقوب الذي أسس مدرسة إكليريكية لاهوتية، انضوى تحت لوائها العديد من الشباب الأتقياء علَّمهم أفرام العلم الروحي الصحيح إلى جانب مخافة الله والتقوى، هذا هو أفرامنا ـ أيها الأحباء ـ الذي ألهمه الله منذ كان فتى برؤية كرمة خرجت من فيه وأورقت وأعطت ثماراً وفسّر ذلك بعدئذ أن الله بوساطته أعطى ثمار الروح للعالم من أناشيد ومداريش وميامر وتفسيرات للكتاب المقدس، فأفرام في نصيبين كان نوراً للهدى واستطاع أن يأتي بالشبان إلى كنيسة الله لكي يكونوا خير شهود لربنا يسوع المسيح قولاً وعملاً، وأفرام في نصيبين خير قدوة لنا بالتمسك بوطننا وبمحبة أرضنا فقد كان يدافع عن المدينة وهو يحثّ أولئك الأبطال الأشاوس للدفاع عن المسيحية، وأفرام في نصيبين يعلن راية المحبة للغة السريانية فيعلّمها لأبنائها الذين كانوا يتكلمونها، وأفرام في الشدائد خير مثال لنا فبعد أن استولى عدو البلاد على تلك المدينة غادرها إلى الرها، حيث علّم مار أفرام في مدرستها، وتنسك في جبلها، والنسك والرهبانية التي هي قوة وراء الكنيسة كما نصفُها لأنّ الرهبان والراهبات بصلواتهم بتزهدهم بنكرانهم الذات، بتركهم هذه الدنيا وما يظن من هناء وطموحهم لربح الآخرة إنما هم قوة وراء الكنيسة، لأنّ صلواتهم النقية الطاهرة تصعد كبخور طيب الرائحة إلى منبر المسيح يسوع شافعة بكنيسة الله.

وأفرام لم تكن لديه الرهبانية صوماً وزهداً وصلاة وحسب، بل كانت عملاً وجهاداً، فيوم احتاجت الكنيسة إلى من يذود عن حياض إيمانها والدفاع عن عقيدتها السمحة، كان أفرام يدحض تعاليم الهراطقة جميعاً تيطيانوس ومرقيون، وأخيراً أريوس وعندما احتاجت الكنيسة إلى من يقوم بتنبيه أغنيائها لمساعدة فقرائها على أثر الجوع والمرض كان أفرام أول من يدور على المؤمنين ليجمع الصدقات من الأغنياء حاثاً إياهم على عمل الخير. وعندما انتشر الطاعون، هذا المرض الوبيل في الرها، كان أفرام يعتني بالمرضى بل يعتبر أفرام أول من اهتمَّ بالمرضى في العالم المسيحي، جمع المرضى إلى مكان خاص وعضد العجزة فيقال: إنه جمعهم إلى مكان ضمّ ثلاثمائة سرير، وكان يعتني بهم عازلاً إياهم عن الناس، ولكنه أصيب هو بالذات بالمرض ومات، مات شهيد الرحمة، شهيد الاقتداء بالمسيح، بالسامري الصالح.

هذا أفرامنا لم يكن زاهداً وناسكاً وحسب، بل كان أيضاً معلماً للكنيسة ذا عقلية ناضجة جداً، فنراه أول من ألّف جوقة ترتيل من الفتيات في المسيحية، كان عقلانياً جداً، هذا أفرامنا كان وما يزال معلمنا لأن الله قد أرسله إلى كنيستنا السريانية ليبقى قدوة ومثالاً لنا بل نوراً بعد نور المسيح، فهو الذي يعكس نور المسيح علينا.

وفي عيده هذا نسأل الرب الإله، أن يؤهلنا لنقتدي به، بسيرته الطاهرة النقية وأن نقتدي بأجدادنا آبائنا الميامين وأمهاتنا الفاضلات الذين عاشوا في تلك الأجيال بطهارة وتقوى الله ومخافته.

إننا في هذه المناسبة ذكرنا على مذبح الرب كل من يهتم ليقتدي بمار أفرام السرياني، وكل من اشترك معنا في هذا القداس الإلهي وذكرنا على مذبح الرب متشفعين بالقديس مار أفرام ناظر مدرستنا الكهنوتية كلية مار أفرام الكهنوتية ومرشدها الروحي ورهبانها وأساتذتها وطلبتها، كما ذكرنا على مذبح الرب طالبين الرحمة لمؤسسها الأول سلفنا الأسبق البطريرك أفرام الأول برصوم أبي الإصلاح في كنيستنا السريانية، كما ذكرنا سلفنا المثلث الرحمة البطريرك يعقوب الثالث الذي اهتم أيضاً كثيراً في هذه المؤسسة التي تعتبر قلب الأمة النابض، وذكرنا على مذبح الرب معلمنا الملفان المثلث الرحمة مار غريغوريوس بولس بهنام الذي اهتم بإدارة المدرسة ونهض بها فليعطه الله أن يكون مع أفرام السرياني في السماء، كما طلبنا من ربنا ونحن أمام مذبحه المقدس أن يبارككم جميعاً وكل من يتشفع منكم بالقديس مار أفرام، فليعطنا الرب جميعاً أن نكون معه في السماء بعد العمر الطويل ونعمة الرب تشملكم جميعاً دائماً أبداً آمين. وكل عام وأنتم بخير.

 

معجزة شفاء المخلع

معجزة شفاء المخلع

معجزة شفاء المخلع (1)

أعمال الرسل (3: 1ـ 10)

أفسس (5: 3ـ 21)

مرقس (2: 1ـ 12)

 

معجزة شفاء المخلع

«فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بنيَّ مغفورة لك خطاياك»

          (مرقس2: 5)

طوبى لمن غفر الله خطاياه، طوبى لذلك المخلّع الذي نال من الرب شفاء النفس والجسد في آن واحد، طوبى لمن عاش في العصر الذي كان يقوم الرب بتدبيره الإلهي بالجسد على أرضنا هذه. إنه العصر الذي تنبأ عنه إشعياء قبل قرون من ميلاد الرب، إن فيه تتفجّر مياه في البرية وجداول ماء في القفر، فيه تنفتح عيون العميان وآذان الصم، فيه يقفز الأعرج كالأيل.

هذا العصر الذي اجترحت به المعجزات الباهرات والذي سمعنا فيه الرب يسوع وهو يجيب التلميذين اللذين أرسلهما يوحنا إليه ليسألاه على لسان يوحنا: هل أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ فبعد أن اجترح المعجزات الباهرات قال للتلميذين: اذهبا وقولا ليوحنا: العمي يبصرون والصم يسمعون والبرص يطهرون والموتى يقومون، المساكين يبشرون فطوبى لمن لا يشك فـيّ.

لقد جاء لخلاص البشرية، جاء لكي يعطي الحياة للهالكين، جاء ليغفر ذنوبنا ويطهرنا من آثامنا، ويعيد إلينا نعمه، جاء بهذه الرسالة السامية الفريدة من نوعها، رسالة المغفرة. برهن على صدق رسالته بما عمله من المعجزات الباهرات وإحدى هذه المعجزات شفاء المفلوج أو المخلّع.

كان ذلك في كفرناحوم التي يدعوها متى بـ «مدينة الرب». يقول عن يسوع: إنه قد جاء إلى مدينته، وكان الرب قد اجتمع في بيت. وعندما تترجم هذه الكلمة في هذه القصة يقال في البيت بأل التعريف لأنه البيت الواسع الذي كان الرب يسوع يجتمع فيه دائماً. وسمع أنه كان في البيت واجتمع جمهور غفير في البيت قد جاؤوا من كل فجّ عميق من أماكن عديدة، هذا الجمهور نراه دائماً في كل المجتمعات فهو من سائر الشرائح، فيه الغني وفيه الفقير وفيه أناس نالوا حظوة في مجتمعهم، فكانوا ذوي مركز مرموق، وفيه البسطاء، فيه من كان يرغب في الاستماع إلى كلمات الحياة الخارجة من فم الرب يسوع، وفيه من يريد أن يتربّص بالرب، أن يصطاده بكلمة، فيه العدو وفيه الصديق، فيه الفضولي الذي يريد أن يرى معجزة يتحدّث عنها هنا وهناك بين الناس، لا لإيمانه بمن اجترحها بل لأنه يتوق أن يتكلّم في أي أمر أو شأن.

قلنا إنّ بين الجمهور عدو، كان هناك الكتبة والفريسيون جاؤوا ليصطادوا الرب بكلمة، وكان هناك العديد من المرضى جاؤوا لينالوا الشفاء. وفي كفرناحوم يقول كتبة الإنجيل الثلاثة الأولون متى ومرقس ولوقا الذين فصّلوا هذه الأعجوبة إنه كان هناك إنسان مفلوج مخلّع لسنين عديدة. كان هذا الإنسان متروكاً ولم يكن بإمكانه أن يأتي إلى الرب، ولعلّه قد سمع عن المعجزات التي يجترحها الرب يسوع ولكن هل بإمكانه أن يأتي بنفسه؟ فإذا بأربعة من أقربائه أو أصدقائه يتبرعون بأن يحملوه على سرير ويأتوا به إلى الرب يسوع، فجاؤوا ولم يستطيعوا أن يدخلوا من كثرة الجمع، هل يعودون إلى البيت ثانيةً؟ فخطرت في ذهنهم فكرة أن يصعدوا إلى السطح ويثقبوا السقف ويدلّوا السرير أمام الرب يسوع.

يقول كتبة الإنجيل: ولما رأى الرب إيمانهم ـ لم يقولوا إيمان المخلّع لعلّ المخلّع أيضاً ـ قال للمخلّع: ثق يا بنيَّ مغفورة لك خطاياك. حينذاك ابتدأ الكتبة والفريسيون يفكرون في قلوبهم أنه يجدِّف، مَن له سلطان أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟ فالتفت إليهم يسوع وهو يقرأ ما في القلوب من أفكار وقال لهم: أيهما أيسر أن يقال للمخلّع مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا، التفت إلى المخلّع وقال له: قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك فقام ومشى حاملاً سريره أمامهم فتعجّبوا جميعهم.

أيها الأحباء:

إننا قبل كل شيء يجب أن نعرف ما هي الخطيئة، ثم علينا أن نعرف بعدئذ من له السلطان أن يغفر الخطايا. الرسول يوحنا يقول: «كل من يفعل الخطيّة يفعل التعدِّي أيضاً والخطيّة هي التعدّي» (1يو3: 4). فالخطيّة هي التعدّي. على أي شيء؟

دعونا نتصوّر أمامنا هدفاً، ونحن نحاول أن نوجّه سهاماً إلى هذا الهدف، فإذا تعدّى السهم الهدف ولم يصبه نقول إنه تعدّاه.

نحن أيضاً عندنا شريعة الرب، ناموس إلهنا وأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا كلها سهام توجه إلى هذه الشريعة فإذا أصبناها نكون مرضيين لدى إلهنا، فنكون قد عملنا بشريعة إلهنا، ولكن إن تعدّت تلك الأفكار والأعمال والأقوال شريعة إلهنا، نكون قد تعدينا الشريعة فنكون قد أخطأنا، فالخطيئة كما يقول الرسول يوحنا: هي التعدّي، التعدّي على شريعة إلهنا، هذه الخطيئة توجه مباشرةً إلى الرب، ولئن كنا قد أخطأنا إلى أخينا ولكن علينا أن نطلب المغفرة من ربنا مثلما قال داود: «إليك وحدك أخطأت والشر قدّام عينيك قد صنعت». لذلك من له الحق أن يغفر سوى الله.

نعم، نحن نطلب المغفرة من الإنسان إذا كنّا قد تعدّينا على الإنسان، ونطمع أن يرحمنا كما هو يطلب الرحمة من إلهه، ولكن الرحمة تأتينا من الرب الذي له وحده السلطان على مغفرة الخطايا، وخاصة بالنسبة إلى خطيّتنا الجدِّية التي وجهت إلى الله غير المتناهي لا يمكن أن تغفر إلا من سلطان غير متناه، الإله بالذات وهذه عقيدتنا عقيدة التجسّد، الإله الكلمة غير المتناهي الذي أخذ جسدنا وفدانا بدمه الكريم ومنحنا مغفرة الخطايا.

كان الحق واضحاً بقول أولئك الفريسيون إنه لا يحق لأي من البشر أن يغفر الخطايا، لا سلطان إلا لله لمغفرة الخطايا. هذا شيء حقيقي وسليم وعقيدة واضحة. ولكن أخطؤوا جدّاً إذ لم يعلموا أن الرب يسوع هو ابن الله، ويحق له أن يغفر الخطايا، فالسلطان للمسيح يسوع أن يغفر الخطايا ولكن أيضاً عندما ننظر إلى ذلك الإنسان الذي ابتهج جداً عندما سمع كلمات الرب: ثق يا بنيَّ، مغفورة لك خطاياك. تبدأ الشكوك تساور أفكارنا إنه إنسان مجرم بل أيضاً نضلَّ سوء السبيل ونكون مخطئين جداً عندما نجد أي إنسان قد أصيب بمصيبة ونقول إنه قد أخطأ ولذلك عاقبه الرب. ليست الرزايا والبلايا نتيجة للخطايا، قد تكون أحياناً عقاباً من الرب، ولكن غالباً ما تكون تجارب من إلهنا الذي قيل عنه إنه يؤدّب الابن الذي يحبّه، ألم تسمعوا بقصة أيوب، كيف جُرِّب بإذن من ربنا؟ فتنقّى كالذهب الإبريز من كل الشوائب، ألم نقرأ عن يوسف الذي تحمّل كثيراً من البلايا والمصائب والضيقات من إخوته بالذات ومن بقية الناس، ولكن يقول عنه الكتاب: إن الرب كان يرعاه كالضان. بإذن الرب سُمح أن يجرّب يوسف ولكن كان يرعاه كخروف، كحمل وديع ويعتني به ويصونه، وأظهر بعدئذ فضيلته وأنجح الرب طريقه. ولكن حادثة المفلوج كما نفهم من كلام الرب الذي وجّهه إليه أن مرضه كان بسبب خطيئة، فشفى الرب النفس لأنّ النفس أفضل من الجسد وبعدئذ شفى الجسد أيضاً.

وفي هذه الحادثة بالذات ـ أيها المؤمنون ـ نرى أن الرب يقبل شفاعة الآخرين فقال: نظر إلى إيمانهم. إيمان أولئك الرجال الأربعة الذين حملوا المفلوج إلى الرب يسوع وبرهنوا على قوة إيمانهم إذ ثقبوا السقف ودلّوا السرير أمام الرب، ونحن أيضاً في الكنيسة على إيمان الوالدين مثلاً نعمّد الأطفال، الرب ينظر إلى إيمان الوالدين ويقبل هذا الإيمان كأنه إيمان الطفل بالذات، والوالدون الذين يعمّدون أولادهم على هذا الإيمان عليهم مسؤوليّة جسيمة جداً أن يهذّبوا أولادهم ويعلّموهم مبادئ الدين وينشئوهم على الفضائل المسيحية كما عليهم أن يصلّوا دائماً لأجلهم، فالرب يقبل صلاة الوالدين لأجل أولادهم. عليهم أن يحملوا هؤلاء الأولاد وإن شلت أعضاء نفوسهم وإن ضلّوا عن جادّة الحق وإن ذهبوا إلى الأماكن البعيدة كالابن الضال، يأتون بهم بصلواتهم بأصوامهم عنهم أمام إلهنا، أمام الرب يسوع ليلتفت إليهم ويقول لهم: ثقوا يا أبنائي مغفورة لكم خطاياكم فينالون الشفاء، شفاء النفس الذي هو أهم بكثير من شفاء الجسد.

أيها الأحباء: في هذه الأيام المقدسة أيام الصوم والكنيسة أمنا ومعلمتنا، تريدنا أن نتأمّل بعجائب الرب، العجائب التي اجترحها ويجترحها دائماً. إن اجترحها بالجسد أمام الناس يجترحها دائماً للمؤمنين به الإيمان المتين الثخين للملتجئين إليه في السرّاء والضرّاء. الذين يثقون به الثقة التامّة رافضين ضلالة إبليس ومن ضلّ وراء إبليس، علينا أيها الأحباء أن نواصل الصلوات والأدعية عنّا وعن أولادنا، علينا أن نتأمل بكل الذين آمنوا بالرب يسوع فنالوا تطهير النفس والجسد، لذا نرى كيف أن الرب رحمنا وله سلطان أن يغفر خطايانا فننال تلك المغفرة فيه إن آمنّا به.

أسأله تعالى أن يؤهّلنا جميعاً لنفحص نفوسنا وقلوبنا، ونرى إن كنّا قد تعدّينا على شريعة إلهنا، ونندم تائبين على ما اقترفته أيدينا ضد ربنا، فتقبل توبتنا وننال الطوبى التي أعطيت لمن غُفِرَت خطاياه وستر الرب عن آثامه، الحالة التي أتمنّاها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.


معجزة شفاء المخلع (2)

«فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بنيَّ مغفورة لك خطاياك»

          (مرقس2: 5)

«مغفورة لك خطاياك» هذه العبارة تبعث بنفس الخاطئ التائب الراحة والطمأنينة بل السعادة أيضاً، فالخطيئة تقلق الإنسان وتقضّ عليه مضجعه.

هل رأيتم إنساناً هارباً من وجه العدالة، إنه مضطرب مرتبك خائف مرتعب إنه يتوقّع العقاب في كل لحظة، فالخطية إذا ما تمخّضت ـ يقول الكتاب ـ ولدت موتاً، ويقول أيضاً: «الخطيئة خاطئة جداً»، ونحن عندما نتأمّل بحقائق العقائد الإلهية نرى كيف أن الخطيئة أنزلت ابن الله من السماء فلبس الجسد وتحمّل الآلام ليتغمّد خطايانا، وخاصة الخطية الأبوية الجدية الأولى، لذلك لا نستغرب إذا ما تطلّعنا إلى وجه ذلك المفلوج وهو يستمع إلى قول الرب، فنرى كيف إنه انشرح وابتهج، كيف وكأني به قد ألقى عن كاهله حملاً ثقيلاً عانى منه سنين عديدة «فطوبى للذي غفر إثمه وسترت خطيته، طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطيئة» (مز32: 1 و2)، طوبى لمن ينال التبرير بالرب يسوع.

نحن في كفرناحوم، المدينة التي أحبّها يسوع، حتى اعتبرت مدينته، ويقول الإنجيليون الثلاثة الأوّلون: متّى ومرقس ويوحنّا، وهم يسردون بالتفصيل حادثة شفاء المخلَّع: إن الرب كان في البيت الذي اعتاد أن يكون فيه دائماً، ولعلّه كان بيت بطرس، وكان واسعاً، وعندما سمع الناس أنه في البيت هناك «للوقت اجتمع كثيرون حتّى لم يعد يسع ولا ما حول الباب فكان يخاطبهم بالكلمة» (مر2:2).

ما أجمل أن يأتي الناس ليستمعوا كلمة الله!

كان يخاطبهم بالكلمة، هذه رسالته الإلهية أن يخاطبنا بالكلمة، وهذه هي الرسالة التي حملتها كنيسته المقدسة أيضاً، فهي بلسان المسيح تنادي بالكلمة، كلمة الله لكي تأتي بالناس إلى المسيح ليتوبوا وينالوا المغفرة.

رأينا شرائح عديدة من أولئك الناس حول المسيح، فالعديد منهم جاءوا ليستمعوا إلى الكلمة، ويتوبوا لأنهم آمنوا أن المسيح ليس مثل كتبتهم وفرّيسييهم المرائين، لأنه يتكلّم كمن له سلطان ويدعو الناس إلى التوبة. وإن العديد منهم جاءوا ليتربّصوه وليراقبوه ليصطادوه بكلمة. كان بينهم الكتبة والفريسيون، ولكن كل من يأتي إليه بحسب نيّاته ينال ما يفتكر به، فالصالح الذي يفتكر بأنه إذا ما تقرّب إلى المسيح ينال نعمة عظيمة وخاصة مغفرة الخطايا، لينال ذلك من الرب، والطالح الذي يأتي ليصطاده بكلمة يُوَبَّخ منه أيضاً، وتزداد خطيئته على خطيئة، لأن الذي يراقب الناس يموت همّاً، هو الذي يريد أن يصطاد الله بكلمة أو عمل أو بما قرّره إلهنا من تدبيره الإلهي، هذا الإنسان يموت بشرِّه لأنه الرب يقول الكتاب: «الله يستهزئ بهم»، هكذا حدث في كفرناحوم،  في ذلك البيت عندما اجتمع بأولئك الناس. نسمع عن إنسان مفلوج ونسمع عن أولئك الأصدقاء الأوفياء الذين نادراً ما نرى مثلهم في هذه الحياة، كيف أنهم حملوا صديقهم المفلوج، أرادوا أن يأتوا به إلى المسيح ليستمع وإياهم الكلمة، وأرادوا إيماناً منهم بقوّة المسيح العجائبية أن ينال صديقهم الشفاء.

لم يكن هناك موضع ليدخلوا ويقدّموا المريض إلى المسيح، يقول الإنجيل المقدس: إنهم صعدوا إلى السطح وثقبوا السقف، ودلّوا السرير أمام المسيح، ويقول الإنجيل المقدّس: ولما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: يا بُنيَّ مغفورة لك خطاياك.

هذا الإيمان رآه الرب في أولئك الأربعة، وقد يكون أيضاً قد اكتشف في قلب المفلوج الندامة والتوبة وطلب المغفرة، كل هذه مقرونة بالإيمان بالرب يسوع. رأى الرب الصدق بالصداقة، رأى عمل الإحسان، رأى المحبّة الخالصة، ورأى أيضاً صدق الإيمان ومتانته فالتفت إلى المفلوج وهو يعرف أصل الدّاء ليقول له: يا بنيّ مغفورة لك خطاياك، هذه الكلمة تبعث الحياة في قلب ذلك الإنسان وفكره والراحة والطمأنينة، ولكن كان هناك الكتبة الذين مع الفرّيسيين يراقبون الرب يسوع دائماً ويتربّصونه ليصطادوه بكلمة، فقد افتكروا في قلوبهم: ماذا يقول هذا؟! إنه يجِّدف.

الرب يقرأ ما في القلوب والكِلى كما يقول الكتاب فيوبِّخهم: «أيّما أيسر؟ أن يُقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك، أم أن يُقال له: قم واحمل سريرك وامشِ» (مر2: 9)، ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا. قال للمفلوج: لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك، فقام للوقت وحمل سريره وخرج قدَّام الكل حتى بُهِت الجميع ومجّدوا الله قائلين: ما رأينا مثل هذا قط (مر2: 9ـ 12).

كلمات نلفظها ونقولها نصف بها الحادثة، ولكننا لو كنّا هناك لشعرنا بقوّة المسيح الإلهيّة، وخاصةً لو كُنَّا من أبناء تلك البلدة، ونحن نعلم أن هذا المفلوج منذ سنين عديدة مقعَد في بيته. ونراه ليس فقط أن يُشفى كما يشفى أي إنسان من المرض ويبدأ تدريجيّاً بالتحسُّن، ولكننا نراه حالاً يقوم على قدميه ـ وليس هذا فقط ـ بل يحمل سريره أمام كل الجمهور ويذهب إلى بيته بحسب أمر السيد المسيح. الكتبة يفتكرون في قلوبهم أنه يُجدِّف، ليس لإنسان سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا، لأنّ مغفرة الخطايا خاصة بالله وحده، ولكنهم لم يعلموا أن المسيح هو الإله المتجسِّد الذي وصفه الرسول بولس بعدئذٍ «الله ظهر بالجسد». كان عليهم أن يكتشفوا ذلك عندما فاجأهم إذ قرأ ما في قلوبهم وأفكارهم ووبّخهم عن سوء نيّتهم.

أجل! في هذه الحادثة نرى كيف أن الناس الذين يريدون أن يصطادوا في المياه العكرة يفشلون، نرى كيف أن الذين لم يؤمنوا بالمسيح يسوع قد هلكوا، وأمام بقيّة الناس قد أصبحوا غرباء عن الحق، ولكن الذين آمنوا به واعترفوا بسلطانه الإلهي كالمفلوج وأصدقائه نالوا نعمة عظيمة.

نحن أحبائي بتأمّلنا بهذه الأعجوبة نأخذ دروساً خالدة نفيسةً جدّاً، فبحسب إيمان الآباء والأمهات يعمِّد الكاهن أولادهم. يحملون الطفل ليأتوا به إلى المسيح لينال مغفرة الخطايا، الجدّية أولاً ثم الشخصيّة. إن كان ذلك الإنسان الذي يتقبّل المعموديّة مدركاً وكان كاملاً بالسن على مسؤوليّة من يأتي به إلى المسيح، وبحسب إيمان أولئك قبل إيمانه ينال نعمة عظيمة بأن يصبح ابناً لله بالنعمة، تُغفَر خطاياه ويستحق أن يكون في عِداد من يُرشَّح ليرث ملكوت الله مع المسيح، ولكن هذه المسؤوليّة جسيمة جداً على أولئك الذين يأتون بإنسان إلى المسيح، بأي إنسان، بصديق، بقريب عندما يأتون به إلى المسيح عليهم أن يحملوا الإيمان المتين في قلوبهم وثقة تامّة بأن للمسيح سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا وأنه بإمكانه أن يشفي النفس قبل الجسد، بذلك ينالون النعمة العظيمة من الرب.

أولادنا أيضاً في هذا الزمن العصيب الذي تجتاح موجات من الإثم والانحطاط الأخلاقي بحاجة إلى آبائهم وأمهاتهم ليأتوا بهم إلى المسيح، قد تُشَل قوانا الروحيّة كما كان المفلوج قد شُلَّ جسدياً، وهذه القوى لا نستطيع أن نعيد إليها صحّتها ما لم نأتِ إلى المسيح. فهلاّ أتينا بأولادنا، بأصدقائنا، بكل من ابتعد عن الله وعن كنيسة الرب. أن نأتي بهم إلى المسيح فإنه بانتظارنا وانتظارهم ليرى ويقرأ ما في قلوبنا وأفكارنا وأفكارهم من الإيمان حتّى إن لم يكن لهم إيمان، فإيماننا يشفع بهم ليقول لهم ولنا: ثقوا، مغفورة لكم خطاياكم، لأنه قد وعد أنه من يأتي إليه لا يخرجه خارجاً.

أسأله تعالى في هذه الأيام المقدسة، أيام الصوم الأربعيني المقدّس. أن يلهمنا جميعاً لنأتي إلى المسيح يسوع ربنا بإيمان لننال مغفرة الخطايا بنعمته تعالى آمين.


معجزة شفاء المفلوج (3)

«فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: يا بنيَّ مغفورة لك خطاياك»

          (مرقس2: 5)

«مغفورة لك خطاياك»!

طوبى للمفلوج الذي استحق أن يستمع من فم الرب يسوع هذه العبارة المقدسة، وقد أجاد صاحب المزامير بقوله: «طوبى للذي غفر إثمه وسترت خطيته… ولا يحسب له الرب خطيته» (مز 32: 1و2).

 أجل! طوبى لذلك المفلوج الذي قَبِل الرب توبته، كما قبل الأب توبة ابنه الضال الشاطر، وأعاد إليه رتبة البنين، فنال العزاء بمغفرة خطاياه. ذلك أن الخطية تقضّ على الخاطئ مضجعه، وتعذّب ضميره وتقلقه وتربكه، ويستولي عليه الخوف والفزع وتصيبه الرعّدة كلما تذكّر يوم الدين والعذاب الأبدي الأليم، وهو مضطرب الجنان يتوقّع العقاب الصارم في كل آن. هذه هي حالة الخاطئ الذي في غربته عن اللّه يمثّله الابن الضال الذي أخذ من أبيه حصَّته من الميراث وبددَّ المال في التمرّغ بالشهوات في دار الغربة وجاع وأخذ ينافس الخنازير في أكل الخرنوب، ويرى ما هو عليه من شقاء ويزيده بؤساً، تذكره ما كان عليه من سعادة وهناء، يوم كان في دار أبيه.

وما لم يقتدِ الخاطئ بالابن الشاطر، بالتأمل بماضيه السعيد وحاضره التعيس ويندم على ما فعله من آثام ويقول في نفسه: أقوم الآن وأذهب إلى أبي… يبقى شقياً معذب الضمير لأنه قد عزل نفسه عن اللّه، وبهذا الصدد يقول النبي أشعياء: «آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم»(أش 59: 2) «والخطية إذا كملت تنتج موتاً»(يع 1: 15) و«الخطية خاطئة جداً»(رو 7: 13) حتى أنها أنزلت ابن اللّه من السماء رحمة منه ومحبة للبشر، لينقذ الإنسان من الموت والشيطان والخطية وليفتح لنا باب التوبة لمغفرة الخطايا الشخصية. فلا نستغرب إذاً إذا ما تطلعنا إلى ذلك المفلوج بعد أن استمع قول الرب يسوع: «يا بني مغفورة لك خطاياك» نراه وقد هشّ وبشّ، وانبسطت أسارير وجهه وابتهج، وكأني به قد ألقى عن كاهله عبئاً ثقيلاً، وقوي إيمانه بالرب يسوع، فاحص القلوب والكلى الذي عرف أن الخطية في حالته كانت سبب البلية وتضاعف رجاؤه بنيل شفاء الجسد بعد أن نال شفاء النفس.

وهكذا عندما يغفر اللّه خطايا الإنسان التائب ويتغمّد آثامه، تعود صلة البنوة والأبوة ما بين هذا الخاطئ التائب وبين الآب السماوي.

هلمّ الآن أحبائي نتتبّع مجريات أعجوبة شفاء المفلوج كما وردت في الإنجيل المقدس:

كان الرب يسوع في كفرناحوم، التي اعتبرت وطنه، وكان في البيت الكبير الرحب الذي كان عادة يحلّ فيه. وسمع الناس أنه هناك، فجاءوا إليه زرافات ووحدانا. وكانوا من شرائح مختلفة وطبقات متعددة، من الأصدقاء والأعداء. وكان يكلّمهم بكلمة اللّه ويبذر بذار الإنجيل. العديد منهم قد جاءوا ليستمعوا إلى الكلمة وينالوا الخلاص، وآخرون كانت قلوبهم قُدّت من حجر فلم تقوَ بذرة كلمة الحياة على اختراق جدارها فجاءت الأبالسة واختطفتها. وكان العديد ممن احتاط بيسوع قد جاءوا أيضاً لينالوا الشفاء، كانوا مرضى نفساً وجسداً فالمؤمنون منهم نالوا مرادهم. وكان هناك كتبة، وكان هؤلاء قد أقاموا من أنفسهم رقباء على الرب يسوع، يهمّهم بالاجتماع إليه أن يصطادوه بكلمة.

إنهم أناس لا يرون في الكون إلا أنفسهم. فقد تلبّستهم الأنانية والعجرفة والكبرياء، فصبّ عليهم الرب وعلى الفريسيين كافةً جامات الويل والثبور وعظائم الأمور. فقد جاءوا إليه ليوقعوه في شركهم، وبذلك يركمون على خطاياهم القديمة خطايا جديدة. وقد باءوا بالفشل الذريع.

وكان الرب يجترح المعجزات رحمة بالبشر. وكان أغلب المرضى يقصدونه بإيمان، قادمين من كل فجٍّ عميق، وجاء أربعة رجال حاملين مفلوجاً كان لسنين طويلة قد قبع في عقر داره، وقد يئس من الحياة. لم نكن ندري ما كان سبب إصابته بهذا المرض العضال، حمله أصدقاء أربعة، وما أحلى أن يكون للإنسان أصدقاء صادقون، حملوه ليأتوا به إلى يسوع، ثقةً منهم بأن المسيح يستطيع أن ينعم عليه بالشفاء.

جاءوا به وقد غمر قلوبهم الإيمان والرجاء والمحبة، واثقين من حنان الرب يسوع ورحمته. جاءوا فرأوا الجمهور الغفير، وقد ملأ حتى ما حول الباب، لذلك لم يستطيعوا أن يدخلوا المفلوج أمام يسوع. رفعوا السقف الخشبي، ثقبوه، دلّوا السرير أمام يسوع، يقول الإنجيل المقدس: «فلما رأى إيمانهم» المتين الثخين الذي دفعهم إلى أن يجدوا وسيلة ليقدّموا بوساطتها صديقهم إلى المسيح، بل ربما رأى إيمان المفلوج أيضاً، لا بدّ أن هذا الإنسان قد سمع عن الرب يسوع الذي كان يتردد كثيراً على كفرناحوم وقد اجترح فيها معجزات باهرات.

أجل، رأى يسوع إيمانهم ورأى إيمان المفلوج وما كان عليه من حال التوبة النصوح والرغبة إلى العودة إلى اللّه والندامة التامة على ما ارتكبه من خطايا لذلك استحق أن يسمع قول الرب: «يا بنيّ مغفورة لك خطاياك». ومن هذا القول علمنا أن الخطية في حالة ذلك المفلوج كانت السبب الأصلي لما أصابه من بلية. وكان هناك قوم من الكتبة جالسين يفكّرون في قلوبهم: لماذا يتكلّم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر خطايا إلاّ اللّه وحده. ولم يجرؤوا أن ينبسوا ببنت شفة، وللوقت شعر الرب بروحه أنهم يفكّرون هكذا في أنفسهم، فوبّخهم على سوء نيتهم قائلاً لهم: لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم. أيهما أيسر ان يقال مغفورة لك خطاياك، أم أن يقال قم احمل سريرك وامشِ. ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج: لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الجمهور حتى بهت الجميع ومجّدوا اللّه قائلين ما رأينا مثل هذا قط (مر 2: 1 ـ 12). هكذا برهن الرب يسوع أنه الإله المتجسّد، وعلى حدّ قول الرسول بولس إنه «اللّه ظهر بالجسد» (1تيم 3: 16) وله وحده السلطان على مغفرة الخطايا.

أيها الأحباء: إن العديد من المؤمنين بالرب يسوع تساورهم أحياناً الشكوك بألوهته لأنهم لا يرونه بعين الإيمان أنه ليس مجرد إنسان وهو ليس كموسى وسائر الأنبياء وله وحده إذاً السلطان على مغفرة الخطايا كما يعلّمنا الإنجيل المقدس لذلك فإن ما نعرفه عنه وما ندركه كبشر هو أقل بكثير مما لا ندركه ولا نعرفه. عندما نسكب نفوسنا أمام اللّه بتواضع نسلّم بإيمان بدستور الإيمان النيقاوي ونقبل كل الحقائق الإلهية العقيدية والمبادئ المسيحية السامية ببساطة القلب والفكر، ونتمسّك بالرب يسوع ولا ندع الشكوك أن تساور قلوبنا وعقولنا ولا نسمح للمشككين أن ينزلوا بنا إلى درك الخطية وعدم الثقة بالمسيح يسوع ربنا، حينذاك ننال مغفرة الخطايا، حينذاك نثق بأن بإيمان ورجاء ومحبة، نحمل جميع الذين أصيبوا بمرض الفالج الروحي العضال من أصدقائنا وأقربائنا، ونأتي بهم أمام الرب يسوع لينالوا مغفرة الخطايا والشفاء التام من جميع الأمراض الروحية والجسدية.

أجل، إن المفلوجين روحياً قد ازداد عددهم كثيراً في جيلنا هذا الفاسق الخاطئ، والروح قد حادت عن الحق وصارت بعيدة عن اللّه، لقد شُلّت أعضاء الروح إن صحّ هذا التعبير قبل أن تشلّ أعضاء الجسد والمسيح حيّ. فأين إيماننا وأين رجاؤنا بل أين محبتنا له وللقريب؟ هل لنا ثقة بأن باستطاعة المسيح أن يشفي أولئك ويشفي أنفسنا أيضاً وقد تلبستها أمراض الخطايا، لنأتِ إذاً إلى الرب يسوع كما أتى إليه أولئك الأربعة، ولنقتدِ بهم بالصلاة إليه كي يشفي نفوسنا المريضة ونفوس أصدقائنا وأقربائنا وكل من يمتّ إلينا بصلة، تلك النفوس التي قد أصابها فالج اللامبالاة، فلا صوم ولا صلاة، ولا توزيع صدقات. ولا بد في أعجوبة شفاء المخلّع أن نلاحظ شفاعتهم له عند الرب يسوع، لقد رأى الرب يسوع إيمانهم. نقول إن ذلك المفلوج كان مؤمناً وقد لا يكون مؤمناً ولكن المسيح رأى إيمانهم أي رأى إيمان الأربعة. فالرب يسوع يقبل شفاعة المؤمنين ويشفي من يشاء من مرضى الروح والجسد ويغفر الآثام الكثيرة. فلنقدّم إليه الصلوات الحارة بإيمان ورجاء ومحبة والدعاء المستمر لأجل أنفسنا ولأجل الآخرين. ألم يحدث لنا أن كنا في ضيق أو في مرض أو ألم وفجأة تنفرج عنا هذه الشدة، ذلك أن أناساً مؤمنين كانوا قد جثوا أمام الرب وطلبوا إليه بالصلاة الحارة لينقذنا، وقبل الرب شفاعتهم. أو أن القديسين الذين علينا أن نقتدي بسيرتهم والذين تتنعم أرواحهم الآن في فردوس النعيم مع المسيح يشفعون فينا لننال شفاء النفس والجسد.

أحبائي إننا بالتأمل بأعجوبة شفاء المفلوج، نشعر بأن علينا أن نأتي إلى الرب يسوع، حالاً، ولئن كانت أسمالنا بالية وخطايانا كثيرة، فلا نيأس ونقطع رجاءنا برحمته بل لنسرع إلى المجيء إليه بالتوبة الصادقة والندامة التامة، كما أن نحمل إليه أعزاءنا المؤمنين المفلوجين روحياً. لنسمع منه جميعاً قوله العذب: يا أبنائي مغفورة لكم خطاياكم، فننال الشفاء نفساً وجسداً، الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى أمين.


معجزة شفاء المفلوج (4)

«لما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج مغفورة لك خطاياك»

          (مرقس2: 5)

في هذه الأيام المقدسة وبالهام الروح القدس وزع آباء الكنيسة فصول الإنجيل المقدس على آحاد الصوم مذكّرين المؤمنين بوصايا الرب وتعاليمه، وكذلك بإجتراح المعجزات الباهرات التي فعلها يسوع لتثبيت المؤمنين على الإيمان القويم ولذلك عندما يقرأ الكاهن فصل الإنجيل المقدس في بدء القداس في أيام آحاد الصوم أو في أيام الصوم كافة يذكر أن ذلك في ذكرى صوم الرب يسوع أو في ذكرى اجتراح المعجزات التي اجترحها الرب يسوع.

في هذا الأحد، تذكر الكنيسة شفاء المخلع أو المفلوج، هذه أعجوبة باهرة تناولها كتبة الإنجيل المقدس الثلاثة متى ومرقس ولوقا، تناولوها بالتفصيل ليس فقط ليظهروها كأعجوبة باهرة، بل أيضاً ليظهروا سلطان الرب يسوع على مغفرة الخطايا، هذا السلطان لا يمكن أن يكون لإنسان بل هو خاص بالله تعالى، وبهذا يبرهنون على أن المسيح هو الله ـ كما قال عنه الرسول بولس ـ في الآية التي نعتبرها أساساً لكل عقائدنا الإلهية حيث قال عن الرب «الله ظهر بالجسد»، فنحن نرى جسداً نرى إنساناً ولكنه هو الله وبهذه الأعجوبة أظهر الرب يسوع أنه الله لأن بإمكانه أن يغفر الخطايا.

لنتأمل بمجريات هذه الأعجوبة، هلمَّ معي أيها الأحباء إلى كفرناحوم البلدة الواقعة على ضفاف بحيرة طبرية، البلدة التي أُعتبرت أيضاً وطناً للرب يسوع، وإن ولد في بيت لحم وتربى في الناصرة لكنه قضى وقتاً طويلاً جداً في كفرناحوم، هناك كان يعلم، هناك اجترح معجزات باهرات وأول معجزة اجترحها شفاء حماة بطرس من الحمى.

كان البيت ـ يقول كتبة الإنجيل ـ ولعله بيت حماة بطرس، وكان ذلك البيت كما نتصور كبيراً واسعاً بالنسبة إلى بقية البيوت، فبطرس كان صياداًَ بل كان أيضاً ميسور الحال، كانت له سفينة للصيد أي لم يكن فقيراً وحماته يظهر أنها لم تكن فقيرة أيضاً، وكان الرب يجترح المعجزات في ذلك البيت وفي ذلك النهار امتلأ البيت وحتى جوانب البيت من الناس الذين سمعوا أن الرب يسوع هناك، يحكي لنا كتبة الإنجيل أنه كان هناك في كفرناحوم إنسان مخلع مفلوج كان في عقر داره سنين عديدة ولم يكن يعرف ماذا يفعل لكن قيل له عن الرب يسوع إنه يجترح المعجزات الباهرات فجاء أصدقاء له أربعة أصدقاء حملوه على سرير ربما بناء على طلبه، إذ سمع عن الرب وقدرته حملوه ليأتوا به إلى الرب يسوع، ولكن لم يستطيعوا أن يدخلوا تلك الدار بسبب كثرة الناس، فالناس أيضاً لا تساعد بعضها بعضاً، كلٌّ من يفتّش عن وضعه وعن نفسه هل يمكن أن يفسحوا له المجال؟ فنرى قوة إيمان هؤلاء وإيمان المفلوج أيضاً، كيف أنهم صعدوا إلى سطح المكان الذي كان فيه الرب يسوع، لعله قاعة أو غرفة، وطبعاً كان السقف مصنوعاً من الخشب، فاستطاعوا أن يرفعوا بعض الأشياء، ويدلوا السرير أمام الرب يسوع، لما رأى يسوع إيمانهم الأربعة وإيمان المفلوج في آن واحد وتطلع إلى الجمهور وكان بينهم أناس أعداء كانوا يتربصون الرب يسوع وهذا في كل زمان ومكان نرى أن المجتمع الذي يريد أن يظهر عظمة الله ويتكلم بالروحيات ليأتي بالناس إلى الحق إلى الطريق إلى النور ليأتي بالناس إلى الرب يسوع في كل الأجيال منذ فجر المسيحية والأجيال وإلى الأبد، العديد من الناس الأشرار الذين يتلبسهم إبليس لا يتحملون سماع كلمات الروح ولا يريدون أن يظهر الرب يسوع بسلطانه الإلهي أمام الناس، لذلك كان من هؤلاء الذين يتبعون الرب يسوع لا ليؤمنوا به ولا لينالوا الخلاص به وبتعاليمه بل ليتربصوه ليراقبوه ليأخذوه بكلمة أو بعمل ليستطيعوا أن ينتقدوه بهذا العمل أو الكلمة التي يقولها كان كتبة وفريسيون يذكر الإنجيل المقدس والرب يسوع وهو يعرف ما في القلوب ويفحص ما في الكلى، الرب يسوع أيضاً عندما يرى إنساناً كالمفلوج يعلم ما هو سبب ذلك المرض العضال كان يفحص كطبيب ماهر ويصف الدواء حالاً، رأى أن ذلك المفلوج قد انكشف رأى التوبة الحقيقية، رأى الندامة على كل ما فعله من خطايا، ورأى أنه جاء وأصدقاؤه معه وهذه الصداقة الصدوقة «الصديق عند الضيق»، كيف حملوه، وكيف افتكروا أن يثقبوا السقف ويدلوا السرير أمام الرب يسوع.

يسوع رأى كل ذلك وهو يعلم أن سبب تلك البلية هي الخطية لذلك قال له: ثق يا بني مغفورة لك خطاياك، من يستطيع أن يغفر الخطايا إلا الله، هذا ما افتكر به الكتبة والفريسيون، ولكن لا يدرون أن الرب يسوع هو الله، لذلك قالوا في أنفسهم: إنه يجدف، وقرأ الرب أفكارهم وعرف نياتهم السيئة ففاجأهم بقوله: أيهما أيسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يُقال قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك. نتوقف قليلاً عند ذلك نرى أنه من الخطأ أن ننسب كل بلية إلى الخطية، فنرى تجارب عديدة تحدث للإنسان لا يعني أنه خاطئ هل كان يوسف البار الصّديق خاطئاً؟ عندما جُرب بشدائد عديدة فعلها إخوته به واضطهد والقي في جب وبعدئذ بيع عبداً للإسماعيليين ودخل السجن في مصر لتقواه لأنه يريد أن يبتعد عن الخطية وإغوائها.

هل كان أيوب الصديق خاطئاً، حتى أصيب بتلك البلايا؟ إذاً لا نستطيع أن ننسب لكل خطية بلية ولكن يسوع يعرف أن مرض ذلك المفلوج كان بسبب خطاياه لذلك قبل كل شيء يعالج الخطية حتى تزول البلية عن هذا الإنسان، مغفورة لك خطاياك، لابد أن المفلوج علم، ربما جيرانه وأصدقاؤه أيضاً كانوا يعلمون سيرته السيئة سابقاً حتى أُصيب بذلك المرض العضال، وقد نال عقاب ما فعله من شرور ورذائل وموبقات. جيد جداً أن يشعر الإنسان بنفسه، ولكن ليس من الحق على الآخرين أن يحكموا على إنسان إذا ابتلي ببلية بأنه قد نال جزاءه من الخطية، نعود إلى يوسف الصديق نعود إليه لنراه وهو في مصر وقد أعطاه الله أن يتبوّأ المركز الثاني بعد فرعون بعد أن كان في سجن، في عذاب، في ضيق، كان الله ينظر كل شيء، يعرف كل شيء، وإذا سمح بتجربة الصديق فإنه ينقذه من التجربة ويجعلها سبباً في إظهار بره وتقواه. إخوة يوسف عندما جاؤوا وفداً، جربهم يوسف بعد أن ابتاعوا الحنطة وقد أرسلهم وثم جربهم بأنهم كانوا سراقاً سرقوا كأسه، وخاصة جرب أخاه بنيامين فكانوا يلتفتون الواحد للآخر ويتكلّمون بلغتهم، إننا حقاً قد نلنا جزاء ما فعلناه بأخينا تضرّع إلينا وهو في شدته ولكننا لم نشفق عليه حقاً أننا ننال جزاء أفعالنا الرديئة، يحق أن يفعلوا ذلك وكل واحد منا أيضاً عندما يُصاب ببلية بتجربة ما بسماح من الله عليه أن يفتكر بخطاياه التي اقترفها ضدَّ الله وضدَّ الإنسان، حتى يُصاب بتلك البلية لكن لا يحق للآخرين أن يدينوا أحداً، لا تدينوا لكي لا تُدانوا ـ قال الرب ـ لأن الدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي تكيلون يُكال لكم ويزاد، وهنا نرى أن الرب يسوع قد رأى أن هذا الإنسان قد تاب وعلم أن البلية جاءت نتيجة الخطية، فقال له مغفورة لك خطاياك، الفريسيون والكتبة قالوا وما قالوه أيضاً منطقي، من يستطيع أن يغفر الخطايا إلا الله وحده، لم يكونوا يعلمون ولا يتصورون ولا يريدون أن يعلنوا أن المسيح هو «الله ظهر بالجسد» فلكي يبرهن لهم الرب على أنه حقاً هو الإله المتجسد قال لهم أيهما أيسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يُقال قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض لمغفرة الخطايا التفت إلى هذا المخلع المفلوج الذي صار له سنين عديدة قاعداً في عقر داره وقال له: قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك، فقام. يعرفونه منذ سنين أنه رجل مفلوج لا يستطيع أن يتحرّك قام حالاً وحمل لم يقم فقط بل حمل سريره أيضاً وسار بينهم، لم يفتحوا له الطريق عندما جاء به أصدقاؤه أولاً، أما الآن فاضطروا أن يفتحوا له الطريق ويتأملوا به وقد نال الشفاء ذاهباً إلى بيته.

المعجزة التي اجترحها الرب وكل المعجزات التي عملها لم تكن لتظهر قوته ولم يكن يقصد فيها أن يبهر الناس بهذه الأعمال كما يفعل أولئك الذين يصنعون بعض الأمور الباهرة بوساطة إبليس وجنده كالسحرة بل ليبرهن على أنه أولاً اله تجسد لأجل فدائنا وأنه يريد أن يفهم الناس ويعرفوا من هو وأنه جاء لفدائنا خاصة من الخطية، فالخطية منذ بدء البشرية، منذ وجود أبوينا الأولين في فردوس النعيم الخطية أسقطتهما وأسقطتنا نحن نسل هذين الزوجين آدم وحواء، والخطية تسبب ألماً وتجعلنا أيضاً بشقاء تام لا نعرف ماذا نفعل فهي تقضّ علينا مضجعنا وتريدنا أن نخضع لإبليس وجنده لذلك ليس لنا إلا الرب يسوع، إن لم يكن بإمكاننا أن نأتي وهو قد قال لنا مؤكد من يأتي إليَّ، من يقبل إليَّ لا أخرجه خارجاً، وهو مستعد أن يغفر لنا خطايانا إن جئنا إليه لأن ملائكة الله، يقول لنا، تفرح بخاطئ واحد يتوب وان لم يكن بإمكاننا لنسأل أصدقاءنا، إخوتنا، أقرباءنا، أحباءنا نسألهم ليحملونا على سرير كما فعل الأصدقاء الأربعة الصّدوقون ويأتوا بنا إلى الرب يسوع، هنا أيضاً أيها الأحباء نذكر كيف أن الكنيسة المقدسة تريد خلاص حتى الأطفال لئلا يرقدوا فلا يحصون مع الأبرار في فردوس النعيم، لأننا بوساطة المعمودية المقدسة ننال الفداء بالمسيح يسوع ودمه الأقدس فنحمل الأطفال أطفالنا لكي ينالوا العماد من ممثل الرب يسوع من الكاهن الشرعي ليموتوا ويدفنوا بالمعمودية بالغوص كما دُفن الرب يسوع ليقوموا من جرن المعمودية في حياة جديدة ليكونوا أصحاء بالروح أي ليكونوا أبناءً لله بالنعمة عندما نأتي بهم بوساطة إيماننا، رأى الرب إيمانهم إيمان المفلوج لكن المفلوج لو لم يستطيع أيضاً أن يعبر عن إيمانه بإيمان الأصدقاء الأربعة عندما أتوا به الرب يرى إيماننا عندما نأتي بأطفالنا لينالوا العماد وينالوا التطهير والتقديس بل أيضاً نعمة التبني حينذاك يغفر لذلك الإنسان الخطية الجدية وإذا كان قد نشأ أيضاً ونما في هذه الحياة بالجسد يعطيه النمو بالروح أيضاً ويغفر خطاياه الشخصية، كم من أبنائنا، أصدقائنا، أحبائنا في هذه الحياة روحهم، ضميرهم قد انشلَّ، أصبح مفلوجاً أصبح لا يدرك كالأعضاء الميتة عند المفلوج.

كيف نوقظ هذا الضمير؟

علينا أن ننادي باسم الرب يسوع الذي يغفر الخطايا، علينا أن نعلم هؤلاء الذين يمتون إلينا بصلة الصداقة والقرابة، أن الرب يسوع مستعد أن يستقبل المفلوج، ضميره وروحه لكي يغفر الخطايا وينعم عليه بالصحة التامة الروحية روحاً وجسداً. ليعطنا الرب أحبائي جميعاً أن نؤمن أن الرب يريدنا ويدعونا وقد أتعبتنا أمور الحياة لكي ننال راحة بوساطته لكي يجترح معجزته ويعيدنا إلى قوتنا الروحية والجسدية في آن واحد. في هذه الأيام المقدسة أيام الصيام وفي كل الأيام بنعمته تعالى آمين. 

 

إيمان المرأة الكنعانية

إيمان المرأة الكنعانية

إيمان المرأة الكنعانية (1)

أعمال الرسل (13: 1ـ 12)

1 تسالونيكي (5: 12ـ 28)

متى (15: 21ـ 31)

 

إيمان المرأة الكنعانية

«يا سيد يا ابن داود ابنتي مجنونة جداً»

         (متى15: 22)

«يا سيد يا ابن داود: ارحمني»، صلاة قدمتها امرأة كنعانية سريانية فينيقية، امرأة متألمة تطلب رحمة لها ولابنتها المجنونة، صلاة تقدم بلجاجة وبإيمان وتواضع وثقة وحكمة، استكملت هذه الصلاة الشروط التي يتطلبها إلهنا القدوس من المصلّي الذي يرغب في الاستجابة إلى صلاته، كان ذلك في ضواحي صور وصيدا، كان الرب يسوع قد جاء إلى تلك المنطقة قبل ذلك الوقت، كان قد أوصى تلاميذه أن لا يذهبوا إلى مناطق الأمم، قبل أن يبشروا اليهود بالإنجيل، لئلا يصير ذلك عذراً لليهود برفضهم المسيح الذي جاء لخلاص العالمين، ولكنه جاء لخلاص العالمين لذلك لابد أن تسمع الأمم أيضاً بشارته فرأيناه هو بنفسه يفتح الباب على مصراعيه لتدخل الأمم إلى حظيرته المقدسة، فجاء إلى نواحي صور وصيداء، صيداء بلاد كنعان، كنعان الذي لعنه نوح عندما أراد أن يعاقب حام، فلعن كنعان ابن حام، فجاء المسيح ليرفع اللعنة عن تلك الأرض التي سكنها ذلك الشعب.

يقول الإنجيل المقدس: إن امرأة كنعانية سعت وراءه وهي تصيح إليه: ارحمني يا سيد يا ابن داود إن ابنتي مجنونة جداً، التلاميذ ضجروا، طلبوا إليه اصرفها إنها تصيح وراءنا، يخدع بعض الناس مهما كانت مسؤولياتهم الروحية والاجتماعية يخدعون بأن الناس وراءهم، ولكن ثقوا لو لم يتبع الرسل المسيح يسوع لما تبعتهم تلك المرأة فعلى هؤلاء أن لا يضجروا إن كان أناس يريدون رحمة من المسيح.

اصرفها لأنها تصيح وراءنا، كان يجب أن تكون الشفاعة لتلك المرأة الطلب إلى المسيح أن يلبّي طلبها الرحمة والشفقة على تلك المتألمة لا القسوة، اصرفها لأنها تصيح وراءنا، وانتهرها الرب، فرصة ليعطينا درساً خالداً في الإيمان، فهو يمتحن إيمانها ويعلم أنها ستعلن إيماناً قوياً متيناً عندما يريد أن يوبّخ قلة إيمان اليهود الذين رفضوه، والذين كان إيمانهم قليلاً جداً على الرغم مما أعطي لهم من نبوات وإشارات كان عليهم أن يدرسوها ليعلموا أن الزمان قد دنا، وأن المسيح لابد أن يأتي.

يلتفت المسيح إليهم قائلاً: لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة، إن كان لم يرسل إلا لأولئك، فلماذا أعطى الأمم إشارات ونبوات عن مجيئه؟ لماذا تنبأ عنه بلعام بن بعور؟ لماذا جاء المجوس من المشرق ليسجدوا له! أجل، إنه درس لأولئك اليهود الذين لم يعرفوا زمن افتقادهم فتمّ فيهم ما قاله الإنجيل المقدس عنه إنه: «إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله، أما الذين قبلوه فأعطاهم ليصيروا أولاد الله، الذين ولدوا لا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله». هكذا نرى كيف أنه جاء للأمم أيضاً، إنما علّم تلاميذه كيفية التدرج بالتبشير، فالنبوات أعطيت لبني إسرائيل ومن السهل جداً على المبشر أن يذكرهم بما قاله أنبياؤهم عن المسيح، ثم يأتي ثانيةً إلى الأمم إلى السامريين وسائر الشعوب، ولذلك عندما ختم تدبيره الإلهي بالجسد وقبل أن يصعد إلى السماء أوصى تلاميذه أن يذهبوا إلى كل الأمم بل إلى العالم أجمع وأن يبشروا بالإنجيل في الخليقة كلها فقد جاء للكل فادياً ومخلصاً.

ويلتفت إلى تلك المرأة ويقول لها مثلاً كان سائداً في تلك الأيام ولكنه أصاب به كبد الحقيقة المريرة، حقيقة احتقار الأمم لليهود واحتقار اليهود للأمم، حتى أن اليهود كانوا يدعون الأمم كلاباً، فقال لها المثل الدارج «ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب»، أما هي فتقبلت هذا التوبيخ بكل تواضع وحكمة، فازداد إيمانها به، فأجابته: نعم يا سيد، والكلاب أيضاً تقتات من الفتات الساقط من مائدة البنين هذا الإيمان وهذه الحكمة وهذا التواضع جعلت نفسها ضمن البيت، إن كان اعتبرها من الكلاب البرية فاعتبرت نفسها من الكلاب المدللة التي تعيش في البيت وتقتات من الفتات الساقط من مائدة أربابها، لا تريد منه شيئاً عظيماً جداً، تكتفي بالفتات، إنها تعرف مقدرته الإلهية والفتات يكفيها من مقدرته لتنال مرادها بشفاء ابنتها. التفت إليها المسيح، رأى إيمانها، إيماناً لم ير مثله لدى بني إسرائيل فيقول لها: عظيم هو إيمانك يا امرأة، ما أعظم هذه الشهادة، ليكن لك كإيمانك كما أردت، فشفيت ابنتها للحال.

اليوم الكنيسة المقدسة تذكرنا بهذه الأعجوبة وتضع أمامنا هذه المرأة السريانية الفينيقية مثالاً لنتعلّم كيف نؤمن بالرب ونصلي كما صلت وألاّ نملّ من الصلاة إن لم نستجب، أو نعترض على الله، الصلاة تحتاج إلى لجلجة وتحتاج إلى إيمان وتحتاج إلى مواظبة، وتحتاج خاصة إلى الثقة بالله، والتسليم لإرادته الإلهية، لتكن مشيئتك لا مشيئتي في كل صلاة قد لا تستجاب الصلاة وعدم استجابة الصلاة هي استجابة للصلاة، عندما لا يستجيبنا الله على الصلاة التي نصليها يعني ذلك إن تلك الصلاة لم تكن لصالحنا بذلك لا يستجيب لنا الله، قد نظنّ ونحن مقياسنا دائماً مادي أننا لم نستجب فنعترض على الله ولكن عدم استجابة الصلاة لفائدتنا الروحية وعلينا أن نلحّ بصلاتنا إلى الله.

ضرب لنا ربنا أمثالاً عديدة عن الأرملة وقاضي الظلم، ضرب لنا أمثالاً عن التواضع بالصلاة والحكمة بمثل الفريسي والعشار، علمنا أن نؤمن به وبمقدرته لكي تستجاب صلاتنا، كما أستجيبت صلاة تلك المرأة، دائماً في حوادث كهذه نأخذ دروساً قيّمة أيها الأحباء إن كانت تلك المرأة قد شعرت أن ابنتها مصابة بمس من الجنون، فالجنون فنون، الجنون أنواع عديدة، فقد يصاب الإنسان بجنون الغرور والكبرياء، بجنون عبادة المادة، بجنون التمرّغ بالشهوات، كم نحن بحاجة إلى صلاة ربنا يسوع، نصلي بعضنا لبعض، نصلي لأولادنا قد يكونون قد أصيبوا بجنون الأفكار الباطلة، قد يكونون قد أصيبوا بعادات سيئة علينا أن نأتي إلى الرب يسوع نطلب منه أن يشفي أولئك الأولاد، لأنه هو وحده له المقدرة أن يخرج الأبالسة من أرواحنا، لنكون له.

فلنقتد ِبالكنعانية أحبائي، أن نطلب من ربنا لنفوسنا بالذات إن كانت هذه النفوس قد ابتعدت عن الله لنقتدي بالكنعانية لننال الشفاء لنا ولمن نصلي من أجلهم بقوة ربنا وإلهنا يسوع المسيح ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.


إيمان المرأة الكنعانية (2)

«ارحمني يا سيد يا ابن داود ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين اصرفها لأنها تصيح وراءنا،… يا امرأة عظيم إيمانك ليكن لك كما تريدين»        

 (متى 15: 21ـ 28)

في تخوم صور وصيدا في أرض كنعان، امرأة سريانية كنعانية أظهرت إيماناً عظيماً لا يضارعه إيمان أولئك الذين قد أؤتمنوا على الشريعة والناموس والأنبياء.

امرأة صارعت الرب يسوع، وسمح لها أن تفوز عليه في الصراع، امرأة أحبّت كثيراً وأظهرت إيماناً متيناً، إيماناً ثخيناً بكل معنى الكلمة، وظلّت مكملة كل شروط الصلاة الناجحة الصالحة من إيمان ولجاجة ومواظبة وتواضع وامتثالٍ لإرادة الله، فانتصرت.

يقول الإنجيل المقدس وإذا بامرأة تصيح وراءهم قائلة: ارحمني يا ابن داود ابنتي مجنونة جداً. وتظاهر الرب وكأنه لا يسمعها، وكانت تصيح بأعلى صوتها متضرّعة ولأن صوت الإيمان لا يصمت، وصوت الإيمان لا يسكت، وعلى المؤمن أن يصلي بلجاجة، كلجاجة المرأة الأرملة وهي تطالب قاضي الظلم لينصفها، مواظبة الإنسان على الصلاة وهو يريد أن ينال مطلبه من الرب إلهه.

يا ابن داود ارحمني ولكن هل عرفت شيئاً عن ابن داود، امرأة غريبة وثنية لا تعرف النبوات ولا تنتظر مشيحا المسيح الذي انتظرته الأجيال فكيف تصيح يا ابن داود ارحمني. فتقدم التلاميذ وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا فأجاب وقال لم أرسل إلا لخراف بني إسرائيل الضالة.

أجابها بالمثل الذي كان يجري على لسان الناس وقتذاك وهو يصيب كبد الحقيقة المريرة: «ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب». كان اليهود يدعون باقي الشعوب بالكلاب، وليس كالكلاب المدللة بل ككلاب الشوارع، لم تيأس تلك المرأة فالإيمان يتقبل كل ما يأتي من الرب. الإيمان لا يعترض أبداً، وفي الوقت نفسه يجد له منفذاً لكي ينال المطلب لذلك أجابت: نعم يا سيد والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. وبجوابها هذا بتواضع قبلت لنفسها أن تكون كلبة محتقرة، وليس كالشعب الذي يتقبل النبوءات والناموس والشريعة، اقتبلت كل هذا لتنال حاجتها ولكن في الوقت نفسه وبحكمتها استطاعت أن تدخل نفسها في دائرة عناية الآب بالبنين، العناية الربانية التي تشمل العالم كله. هذه الحكمة وهذا الإيمان وهذا التواضع جعل الرب أن يستجيب فقد وجد الرب فيها إيماناً لم يجد ما يضارعه إيماناً لدى أولئك الذين أؤتمنوا على الناموس والأنبياء.

حينئذ أجاب يسوع وقال لها: يا امرأة عظيم إيمانك ليكن لك كما تريدين، فشفيت ابنتها من تلك الساعة. عظيم إيمانك.. ما أعظم هذه الشهادة من الرب، كثيراً ما وبَّخ الرب تلاميذه على قلة إيمانهم وهو يمدح هذه المرأة لإيمانها. عظيم إيمانك ويشهد لهذه المرأة بعظمة إيمانها الإيمان كان مصدره المحبة، محبة تلك المرأة لابنتها تلك الأم لابنة مجنونة مصابة بروح نجس. المحبة تدفعنا لنضحي بعضنا لبعض وتعلمنا أيضاً أن نصلي بعضنا لأجل بعض.

لقد شغفت هذه المرأة بابنتها، فصلَّت من أجلها، لتعلمنا نحن أيضاً أن نصلّي بعضنا لبعض، المحبة جعلت تلك المرأة أن تتواضع أن تلجأ بإيمان إلى الرب يسوع وتصلي بلجاجة. أحياناً نصلي وإذا لم تستجب صلاتنا بسرعة نيأس ويقول كل واحد منا لنفسه: صليت كثيراً ولم يستجب لي ولكن عليّ أن أعلم أن عدم استجابة الصلاة هي استجابة للصلاة، وللرب حكمة في عدم الإجابة أيضاً، هذه المرأة لو لم تلح ولو اكتفت من المرة الأولى وطاعت عدم الإجابة لتركت الرب وتلاميذه وظنَّت أنها ليست من عداد أولئك الذين يعتني بهم الرب. ولكن اللجاجة والمواظبة على الصلاة هي التي تثمر الثمار الطيبة. كذلك نرى التلاميذ يقولون اصرفها لأنها تصيح وراءنا، هي لم تصح وراءهم ولو لم يكن المسيح يقودهم لما تبعتهم. وبعض الأحيان وفي معاملتنا مع الناس والمؤمنين في الكنيسة وكمسؤولين أيضاً نرى أننا نضجر من الناس ولجاجة الناس لعدم تمسكهم بنظم اجتماعية فرضت علينا وعليهم، ولكننا إن كنا تلاميذ المسيح الصالحين علينا أن نعلم أن الرب يسوع هو الذي يقصد باتباع الناس للكنيسة بالذات وكذلك أن نعامل بعضنا بعضاً معاملة طيّبة وأحياناً بعض المؤمنين لا يرغبون في أن يندمجوا مع المؤمنين إخوتهم بالحضور للكنيسة لأن أحداً قد أساء معاملتهم أو ظنوا كذلك، ولكن لو تركت تلك المرأة المسيح قبل أن يستجيب صلاتها، لخسرت كثيراً ولكنها لم تبالي بما سمعت واستمرت باتباع الرب يسوع وبلجاجة قصدت المسيح بالذات واستجاب صلاتها ونالت ما رغبت فيه وكذلك نجد في هذه الحادثة أن علينا أن نكون دائماً في عداد المؤمنين وخاصة في الكنيسة المقدسة أن ننتبه وأن نسجد له وأن نواظب على الدعاء والصلاة

أجل، إن الجنون فنون، فأن أولاداً قد أغراهم هذا العالم جداً بآراء فاسدة وأيديولوجيات وأفكار غريبة وبعيدة عن الله بأمور لا تمتّ إلى الله بصلة يعدّ تصرفهم جنوناً، فما علينا كآباء وأمهات إلا أن نواظب على الصلاة لأجلهم في بيوتنا وفي أماكن عملنا خاصة في الكنيسة وفي هذه الأيام بالذات أيام الصيام المبارك لنطلب لأجل أولادنا ليهبهم الرب السلام الروحي، السلام مع الله سلام مع النفس سلام مع الناس لكي ينتزع منهم الرب كل روح نجس ويطرد عنهم ويزول عنهم جنون العالم ويشفيهم المسيح من ذلك استجابة لصلاة الإيمان التي نقدمها له ألهمنا الرب أيها الأحباء أن نفحص نفوسنا وقلوبنا وأفكارنا إن كنا بعيدين عن الله ونرى إن كانت روح نجسة قد أفسدتها. ألهمنا الرب جميعاًَ لنسجد أمامه بالروح والحق ونتضرع إليه ليزيل عنا وعن كل من يمت لنا بصلة كل شر وكل بلية وكل خطيئة بنعمته تعالى آمين.


إيمان المرأة الكنعانية (3)

«ارحمني يا سيد يا ابن داؤد إن ابنتي مجنونة جداً»

         (متى15: 22)

لم يأت الرب يسوع إلى عالمنا هذا لأجل أمةٍ واحدةٍ وشعبٍ واحد، ولئن كان ذلك الشعب قد أؤتمن على حفظ النبوات والرموز والإشارات، بل حفظ الشريعة والناموس، ليقدّمها للعالم أجمع ويبشّر بمجيء مشيحا المسيح المنتظر، ولئن كان ذلك الشعب قد نال هذه النعم العظيمة، ولكن الرب لم يأت ليخلّصه فقط، بل جاء للعالم أجمع.

إننا نرى بتدبيره الإلهي بالجسد، خاصةً المرحلة الثانية من ذلك التدبير المرحلة العالية يدرِّب تلاميذه في مدرسته الإلهية، حتى تخرّجوا فيها عالمين ما هي إرادة الله وقد اطلعوا على الأسرار التي لا تدركها عقول البشر خاصةً سرّي التجسد والفداء. كان قد منعهم أولاً من الذهاب إلى مدن السامرة، والسامريون شعب غريب أتى به المستعمر إلى تلك البلاد فاختلط مع اليهود، وعبد إله اليهود الإله الحقيقي إلى جانب آلهته أيضاً، فكان بكلِّ تصرفاته وتقاليده وبكل ممارسات طقوسه يُشرك مع الله أصناماً عديدة، وآلهة باطلة. منعهم من الذهاب إلى أولئك، كما منعهم أيضاً من الذهاب إلى مدن الوثنيين لئلا يكون عذراً لليهود في رفض المسيح وتلاميذه وبشارة الإنجيل المقدس، بحجة أن المسيح خالط أولئك الناس وأنه أرسل رسله أيضاً إلى السامريين وإلى الوثنيين، ولكن آن الأوان أن يعلن للرسل بالذات وللعالم أجمع أنه لم يأت فقط لبني إسرائيل، وأنه يريد خلاص العالم أجمع، فقبل أن يقول لرسله اذهبوا إلى العالم كلّه اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، قبل أن يصدر أمره إلى الرسل ابتدأ هو ليكون مثالاً لهم.

يقول الإنجيل المقدس: إنه جاء إلى ضواحي صور وصيدا، هذه بلاد كنعان قد لُعنت في الماضي عندما لعن الله حام أباه، لعنه بشخص كنعان، فالرب أراد أن يزيل هذه اللعنة، قال إنه جاء إلى العالم ليخلص العالم فذهب إلى تخوم صور وصيدا، تلك البلاد كانت تُسمى البلاد الفينيقية وشعبها سرياني سوري لذلك فالإنجيل المقدس يذكر عن المرأة التي خرجت من تلك التخوم وتبعت الرب يسوع وتلاميذه صارخة بدعاء حار وصلاة من أعمق أعماق قلبها الحزين على ابنتها المجنونة. المجنون لا يشعر بنفسه، ولا بتصرفاته ولذلك فالآلام تنصب على أهله وأقربائه، وكم كان ألم تلك المرأة شديداً وهي ترى ابنتها المجنونة أصابها مسٌّ من الجنون، روح نجسة سيطرت عليها، فسمعت عن نبي الناصرة الشاب الذي يقيم المعجزات، وسمعت أنه قد جاء إلى تخوم صور وصيدا فخرجت وراءه، عرفت أنه يُطلق عليه ابن داؤد، يا سيد يا ابن داؤد ارحمني ـ تقول له ـ ابنتي مجنونة جداً، الرب تجاهلها كأنه لم يسمع صراخها، ولكن التلاميذ نبهوه إصرفها قالوا له: إنها تصيح وراءنا، كم نأخذ دروساً نفيسة ـ أيها الأحباء ـ مما جرى للرب يسوع خلال تدبيره الإلهي العلني بالجسد، كم كان الرسل مخدوعين بأنفسهم، يقولون إنها تصيح وراءنا، من أنتم حتى تصيح هذه المرأة وراءكم، لو لم يتقدمكم المسيح لما أتت إليكم، ولا اعتبرتكم. كم يحدث في عالمنا هذا أن الإنسان يُصاب بغرور يعتقد أنه قد نال شعبية عند الناس حتى نحن كإكليريكيين، لينزع الإنسان ثوبه الإكليريكي، لنرى من يتطلع فيه، من يعرفه، من يسلّم عليه، ولكن طالما هو متشحٌ بهذا الثوب، وطالما أن المسيح يتقدم الموكب، وأن هذا الإنسان يتبع المسيح، إذاً الناس تتبعه، لا تتبعه لأجل نفسه، بل لأجل المسيح بالذات.

جاءت تلك المرأة السريانية، وقد سمعت عن المسيح يسوع والعجائب التي يجترحها وآمنت أنه بإمكانه أن يشفي ابنتها فطلبت منه الرحمة، ارحمني يا سيد يا ابن داود ابنتي مجنونة جداً، التلاميذ يقولون له اصرفها، ليتهم قالوا له ارحمها، تشفعوا به لأجلها، أحياناً عدة نحن الذين يحقّ لنا أن نتبع المسيح مباشرة، كما كان الرسل الأطهار عندما نرى الآخرين يتألمون، علينا أن نتألم معهم، ونطلب من الرب أن يرحمهم لا أن نقول اصرفها، حتى في أعمالنا وتدابيرنا، لأننا نتكلّم الآن معكم أنتم الذين قد انخرطتم في سلك الإكليريكية، لتكونوا في المستقبل قادة في الكنيسة، كهنةً ورهباناً وشمامسة، تخدمون الرب نرى كيف أننا أحياناً نتصرف مع الناس بحسب مستواهم الاجتماعي، وبحسب عقليتهم البسيطة، عندما يقصدوننا بخدمة روحية نضجر منهم، لكن المسيح لا يضجر أبداً، لو كنا مكان الرسل ربما لضجرنا وطلبنا ليس من الرب صرف تلك المرأة بل طردها أيضاً، كثيراً ما يتصرَّف الناس مع الكنيسة والمسؤولين على الكنيسة بروح عداء، لأن أمور العالم تجعلهم يضجرون حتى من الذين قد وُضعوا من الله لكي يساعدوهم روحياً، ولكن لنتعلم من الرب لأنه إذا ما اصطبر وتأنى على إجابة أي إنسان إنما هناك قصد إلهي لمنفعة هذا الإنسان، وعلينا نحن أيضاً أن تكون لنا روح الصبر والأناة والرحمة والمحبة، لنشعر شعور أي إنسان يحتاج إلى معونة الرب، ولكن بوساطتنا لأنه قد أُنعم علينا أن نكون قريبين من إلهنا، علينا أن نصطبر ونتريّث ونضع نفسنا مكانه ونشفق عليه.

المرأة واصلت الطلب، سمعت الرسل، وواصلت الصراخ: يا سيد، يا ابن داؤد ارحمني، التفت الرب إلى الرسل الذين قالوا اصرفها، ويسمعها قائلاً لها مثلاً كان شائعاًَ في تلك الأيام «ليس جيداً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب»، كلمة ثقيلة جداً ولكن عندما قالها الرب قالها كمثل شائع، ونعلم أن اليهود كانوا يعتبرون الأمم كلاباً، كما أن الأمم كانوا يعتبرون اليهود أنجاساً، فعلاقة متبادلة ـ كما يقولون ـ فليس فقط أن اليهود كانوا شرسين بل أن الأمم أيضاً كانوا شرسين وكانوا يحتقرون اليهود لأنهم لا يعبدون أصنامهم، ليس جيداً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب، أما المرأة فتعلمنا درساً عظيماً أننا عندما نطلب من الرب شيئاً علينا أن نكون صابرين، علينا أن نكون لجوجين من الرب، علينا أن نقبل بكل حكم يصدر من الرب، فقد سماها (كلبة) وعلينا في نفس الوقت أن نؤمن بأن الله سيستجيب لنا. أحياناً عديدة نصلي ونصلي لكن الله لا يسمع، لا نعلم أن عدم استجابته تلك الصلاة هي الاستجابة بالذات، لو استجاب لنا ونحن لا نعلم خيرنا كما هو يعلمه لكان ذلك ضرراً روحياًَ لنا، أراد أن ينقّي تلك المرأة كما ينقي الصائغ الذهب النقي من الشوائب التي تتلبّسه، وذلك عند وضع الذهب بالنار، لذا وضعها في نار التجربة، حاججها ولكن بإيمانها سمح أن تنتصر عليه.

هنا نذكر يعقوب عندما عاد من عند خاله لابان، بعد سنين خدمه وتزوّج ابنتين من بناته، عاد محملاً بأموال طائلة وغنى فاحش، عاد إلى بلاده ليلتقي أخاه عيسو، وكان مرتعباً من عيسو، نحن نعلم القصة أن يعقوب خدع أباه، ونال البركة بعد أن احتقر عيسو البكورية وباعها بأكلة عدس لأخيه يعقوب، لذلك كان خائفاً فهرب من وجه عيسو والآن عندما عاد بأولاد عديدين ومال طائل كان خائفاً من أخيه عيسو أن يؤذيه لذلك أرسل رسلاً أرسل هدايا إلى أخيه عيسو وكان مرتعباً نام ووضع حجراً، أمامه ووضع رأسه عليها ونام فرأى سلماً من الأرض إلى السماء، والملائكة تصعد وتنزل عليه، ثم جاء رجل وصارعه واستطاع يعقوب أن يصرع ذلك الرجل، صرعه تماماً ولكن ذلك الرجل ضربه في فخذه ومنذ ذلك اليوم بدأ يعقوب يعرج ثم أراد ذلك الرجل أن يهرب فأمسكه يعقوب قائلاً له: لا يمكن أن تهرب ما لم تباركني، فباركه وقال له: من الآن اسمك ليس يعقوب بل إسرائيل «مصارع الله»، فقد صارع الله في شخص ذلك الإنسان وغلبه، هذه المرأة أيضاً صارعت يسوع الإله المتجسِّد وغلبته، وسمح لها أن تغلبه لأنه وقع في جوابها عندما قال لها ليس جيداً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب، رأى حكمة ورأى جواباً، ورأى بنفس الوقت إيماناً قائلة له: الكلاب يا سيد أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة البنين، الحكمة هي أنها أدخلت نفسها في دائرة عناية الرب، فهي وإن اعتبرت كلبة لكن يحق لها، وإن ككلبة مدللة أن تأكل في بيت السيد من الفتات الذي يتساقط من مائدة البنين، فقال لها الرب: عظيم إيمانك يا امرأة ليكن لك كما تريدين فشفيت ابنتها حالاً، ونرى أسلوب الشفاء، نحن نرى الرب يسوع في معجزات عديدة يلمس الشخص، فالأبرص لمسه فطهر، الميت ابن الأرملة لمس النعش فقام، خاطب اليعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيام فعادت إليه الروح، وقام اليعازر وخرج لينطلق، امرأة نازفة الدم لمست هدب ثوبه فنالت الشفاء، ولكي يعلن الرب إيمانها قال من لمسني فاعترفت بذلك، لكن هذه المرة لم ير الرب تلك الفتاة المجنونة، لكن بإيمان أمها قال لها: عظيم إيمانك يا امرأة، لم يجد حتى في إيمان الرسل من كان عظيماً في إيمانه في ذلك الوقت، كم مرة وبّخ الرسل لقلة إيمانهم، أما تلك المرأة السريانية الكنعانية، فكان إيمانها عظيماً، وقد قبلت أن تكون كلبة وأن تقبل بنعمة صغيرة مثل الفتات الساقط من مائدة البنين لكي تُشفى ابنتها على يد الرب يسوع.

أيها الأحباء، نحن في أيام الصوم فرصة عظيمة لنا من آبائنا بالهام الروح القدس، عيّن هذا الأحد أن يكون أحد شفاء ابنة المرأة الكنعانية، ونُسر جداً أن هذه المرأة كانت من جنسنا سريانية من سورية، وأنها نالت نعمة عظيمة وشهادة لم ينلها كل إنسان عادة.

«عظيم إيمانك» قال لها الرب ونالت أيضاً نعمة شفاء ابنتها. يقولون: «الجنون فنون» وهذه الحقيقة كم نرى أنواعاً من الجنون خاصةً في أيامنا هذه عند الفتيان والفتيات عند الكبار والصغار أفكار بعيدة عن الله وأيديولوجيات لا تمتّ إلى الروح بصلة، تنزل بالإنسان إلى درك الخطية والانحطاط، جنون يشقى فيه الإنسان وليس هذا فقط يُعاقب عليه أيضاً إذ يُبعد عن ملكوت الله ليصير مع الأبالسة، كم هذا الإنسان بحاجة إلى صلواتنا إلى أن يأتي إلى الرب ولئن ليس هو حاضراً ولكن الرب دائماً حاضر معه، نطلب إليه أن يُشفق على هؤلاء الناس بإيمان بمواظبة على الصلاة بلجاجة وبحكمة، فالحكمة تجعلنا أن نقبل كل ما يقوله ويأمر به الرب حتى لو كان ذلك صفة تحقير لنا، كما حُقّرت تلك المرأة عندما سمعت ذلك ليس جيداً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب، دعي البنين يشبعون، لم يشبع هؤلاء اليهود من نعم الله، ولا استفادوا منها وطالما هم بعيدون عن الرب لا ينتفعون أبداً، الحكمة أن نقبل بما يقوله الرب ونصطبر ونعرف أن عدم استجابة الصلاة هي استجابة للصلاة بالذات.

في هذه الأيام نقرن الصوم بالصلاة، والصلاة بإيمان ثخين متين وبلجاجة كما فعلت تلك المرأة الكنعانية حتى تُستجاب صلاتنا لأجل جيلنا الفاسد، لأجل أولئك الذين أُصيبوا بمس بجنون، بالعادات الرديئة وكل ما هو بعيد عن الله. رسالتنا نحن خاصة كإكليريكيين الصلاة والصوم لأجل العالم أجمع، ولأجل الذين يمتون إلينا بصلة قرابة أو صداقة، أو صلة روحية، أيضاً لكي يُشفق علينا الرب وعليهم فيصابوا كما أُصيب غيرهم بجنون، إنما المسيح يشفيهم كما شفى ابنة تلك الكنعانية.

أسأله تعالى أيها الأحباء أن يؤهلنا لنكون ممن يتمسكون به، ويجعلنا ممن يواظبون على الصلاة النقيّة الطاهرة المقترنة بالإيمان، وأن يستجيب صلاتنا جميعاً ويقبل صومنا، آمين.

 

السامرى الصالح

السامري الصالح

السامري الصالح (1)

أعمال الرسل (16: 16ـ 34)

1 تيموثاوس (6: 1ـ 12)

لوقا (7: 11ـ 17)

 

السامري الصالح

(لو10: 25ـ 37)

عندما ندرس مثل السامري الصالح، نتخيّل أمامنا شاباً وُصف بأنه ناموسي، ولم يكن الناموسي لدى اليهود في عداد الكهنة، بل كان شخصاً ممّن يهتم بدراسة الناموس، ولا بدّ أن يجيد معرفة وصايا الله وفرائضه، فهو إنسان يعرف حتى عدد كل حرف من الحروف في كل سفر من أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس، خاصةً أسفار التوراة ثم أسفار الأنبياء. وهو إنسان إليه توجّه الأسئلة فيما يخصُّ الشريعة والناموس ووصايا الآباء اليهود وتفاسيرهم ودقائق تعاليمهم.

هذا الناموسي جاء إلى يسوع ووجّه إليه سؤالاً بنيّةٍ سيئة، نستدلّ على ذلك من قول البشير لوقا الذي يقول عن هذا الشاب: «أنه قام ليجرِّب الرب يسوع»، أي قام يسأل يسوع بنيّة سيّئة لا طيبة، لكن ذلك السؤال بالذات كان ضرورياً جداً على كل إنسان مؤمن باللّه، مؤمن بحياة أبدية، ولكل إنسان يتوق أن يرث هذه الحياة، أن يسأله «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟» (لو10: 25).

الرب يسوع يعيد السؤال إلى الناموسي ويرجعه إليه فيقول له: ماذا تقرأ؟ ماذا في الناموس؟ فيختار هذا الناموسي آيتين من سفري اللاويين والتثنية عن المحبة، محبة اللّه من كل القلب وكل النفس وكل القدرة وكل الفكر. ومحبة القريب مثل النفس، فقال له يسوع: «بالصواب أجبت إفعل هذا فتحيا».

نتوقف عند وصيّة المحبة، فنراها أنها من أهم الوصايا المسيحية، المحبة هي زبدة الوصايا، من تمسَّك بالمحبة يكون قد أكمل وصايا الرب كافة، المحبة التي اعتبرتها الديانة المسيحية، أسمى صفة في الكون إذ قال فيها الرسول يوحنا: «اللّه محبة» (1يو4: 8) وطبعاً عكس المحبة البغضة التي هي وحدها تهلك الإنسان لأن «من أبغض أخاه فهو قاتل نفس» (1يو3: 15) وإن ربط المحبة، محبة اللّه بمحبة القريب تظهر أيضاً من تعليم الكتاب إنني «إن لم أحب قريبي الذي أراه، كيف أحب اللّه الذي لا أراه؟» (1يو4: 20)، بل أيضاً إن أحببت اللّه ستنعكس محبتي للّه لمن خلقه اللّه على شبهه كمثاله وهو الإنسان الذي هو قريب أخيه الإنسان.

مدح الرب يسوع هذا الناموسيّ، لكن الناموسي لم يكتفِ بقول الرب له: «إفعل هذا فتحيا». وفي معرض المماحكة وتجربة الرب يسوع يواصل كلامه فيسأل الرب قائلاً: «من هو قريبي؟» كان الأجدر به أن يسأل أنا قريب من؟ ولكن يقول من هو قريبي؟ إن قريب اليهودي بحسب تعليم آباء اليهود كان اليهودي فقط، وهنا علينا أن نميّز تعليم التوراة بالنسبة إلى تعاليم اللّه تعالى ووصاياه عن تفسير هذه التعاليم عند آباء اليهود، فاليهود كانوا متعصّبين جداً لجنسهم وقوميتهم، كانوا شعباً يبغض بقية الشعوب، ويسمونهم كلاباً، ولا يعترفون حتى بالسامريين الذين كانوا على مذهبهم اليهودي لأنهم اعتبروهم غرباء الجنس، فقريب اليهودي كان اليهودي فقط وبقية الناس يعتبرهم أعداء لليهودي، لذلك يسأل هذا الناموسي قائلاً: «من هو قريبي؟».

ويضرب لنا الرب يسوع مثلاً هو من أمثاله السامية السماوية، مثلاً يعتبر قطعة أدبية بديعة إلى جانب ما هو عليه من السمو الروحي التي تقدمه. فيبدأ المثل بالحديث عن رحلة إنسان ما كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا وينتهي المثل بمركز إسعاف طبي. يقول الرب: رجلٌ كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والطريق بين أورشليم وأريحا هي مسافة عشرين ميلاً ولكنها كانت طريقاً خطرة منحدرة انحداراً حاداً وكلها صخور حادة على الجانبين، كانت تسمّى طريق الدم لأن هناك كان المجرمون يترصّدون المسافرين وينهبونهم، بل أيضاً إذا اقتضى الأمر يقتلونهم وهكذا يقترفون جرائم لا تحصى كل يوم، نحن لا نعرف ما هوية هذا الإنسان الذي ذكره الرب في المثل، وما كانت قوميته؟ ما كان دينه؟ الرب لا يريد أن يذكر ذلك، يريد أن يعرّفنا أن الإنسان هو إنسان مهما كانت اتجاهاته ومبادئه. هذا الإنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا في الطريق صادفه لصوص سلبوه أمواله، عرّوه وأخذوا ثيابه وضربوه وتركوه بين حيّ وميت، وصادف أن كاهناً كان نازلاً في تلك الطريق. كان في أريحا يقطن اثنا عشر ألف كاهنٍ، وعلى الكهنة أن يقوموا بخدمتهم الكهنوتية في الهيكل يومياً، تبعاً لنوبتهم فإذا كانت نوبة الكاهن في أي يوم كان عليه أن يسافر في تلك الطريق. جاء الكاهن في هذا المثل بعد أن قام بخدمته ربما ليوم أو أكثر وهو مرتاح الضمير وقد قدّم الذبائح والبخور، وربما قدّم أيضاً خبز التقدمة، وكان قد قام بهذه الطقوس الروتينية، وظنّ أنه قد أرضى اللّه بذلك، وفي طريقه من أورشليم إلى أريحا سمع تنهدات إنسان وصراخه وهو يتألم يستنجد ولكن الكاهن لم يبالِ وكأنه لم يسمع شيئاً، له أذنان غير سامعتين، استمر في طريقه، ثم جاء اللاوي، واللاوي يساعد الكاهن في الخدمات الدينية ويعتبر كالشماس في الخدمة الطقسية في المسيحية حالياً، هذا أيضاً سمع وتقدم ونظر ولكنه أيضاً عبر. أخيراً يأتي إنسان يقول عنه الرب إنه سامري، والسامري يعتبر غريب الجنس لدى اليهود، والسامريون جاؤوا إلى تلك البلاد من بابل على أثر السبي البابلي إذ نبوخذ نصر سبى العديد من اليهود وأخذهم إلى بلاده وأرسل من سكان بابل من يستولي على تلك البلاد. فكان السامريون يعبدون أوثانهم وفي الوقت نفسه عبدوا إله إسرائيل وكانوا مبغضين جداً من اليهود، فإذا سقط ظل سامري صدفة على يهودي وهما يسيران في الطريق فعلى اليهودي أن يرجع إلى داره ويستحم لأنه تنجس من ظل السامري.

لكن في هذا المثل نرى أن هذا السامري عندما يسمع أنّات هذا الإنسان الساقط بين اللصوص، ومن قرائن الحدث نستدل على أن الساقط بين اللصوص كان يهودياً، لم يسأل السامري عن دينه، وعن جنسه أو قوميته بل نزل عن دابته وجاء وضمَّد جراحاته بزيت وخمر، ولعل أولئك الناس كانوا يستعملون الزيت والخمر لغذائهم كما كانوا يستعملون الخمر في تلك الأيام لتعقيم الجروح ثم الزيت لتليينها ولم يكن للسامري ما يعصُب به تلك الجروح فلعله أخذ غطاء الرأس الذي كانوا يستعملونه أيضاً في السفر خاصة وثوبه فمزقه وعصب جروح هذا الإنسان وحمله على دابته.

لم يفتكر في تلك الفترة أو تلك البرهة باللصوص الذين ربما كانوا يتربصون المسافر فقد يفاجئونه ويأتون إليه وَيسلبون أمواله ويحاولون قتله كما فعلوا مع هذا الذي تركوه بين حي وميت. إن عمل الرحمة أسمى جداً من أي عمل آخر وعمل الرحمة يعطي للإنسان شجاعة ويبعد عنه الخوف.

الكاهن لم يفتكر بهذا الإنسان وظنّ أنه قد أتمّ عمله في الهيكل ولم يعلم ولم يتذكر ما قاله الرب في الكتاب المقدس.  أريد رحمة لا ذبيحة (هو6: 6، مت9: 13)، وكذلك اللاوي لم يفكر بقول الكتاب المقدس. أما هذا الإنسان السامري فقد اعتنى بعدوه اليهودي وأخذه إلى فندق ودفع عنه دينارين وأوصى صاحب الفندق بأن يعتني به ومهما صرف فعندما يعود يوفيه.

يسأل الرب الناموسي قائلاً: «من صار قريباً للساقط بين اللصوص؟» لم يرد الناموسي أن يقول «ذلك السامري» بل قال الذي صنع معه الرحمة. فقال له الرب يسوع: «إذهب أنت أيضاً واصنع كذلك» لترث ملكوت اللّه الذي أعده الرب لنا، لا نستطيع أن نرثه بالإيمان فقط لأن الإيمان بدون أعمال ميت، حتى وإن دعينا مسيحيين فالاسم لا ينقذنا من العقاب يوم الدينونة عن كل عمل صالح لم نفعله. وفي الدينونة سنسمع الرب يقول لنا للصالحين أولاً: «لأني جُعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني، عرياناً فكسيتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فأتيتم إليّ» (مت25: 35 و36). ويقول للأشرار بعكس ذلك، هؤلاء يسألون متى رأيناك يا رب عرياناً أو جوعاناً أو عطشاناً؟ يقول: «الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم» أما الآخرون فلأنهم لم يفعلوا بإخوتهم الصغار أعمال الرحمة يدانون. ويجب أن نعلم أننا لا ندان على ما فعلناه من شر فقط بل أيضاً على ما لم نفعله من خير، عندما يدعونا إنسان لا بلسانه بل بحاله أن نسعفه، نعضده، نساعده، فعلينا أن نقوم بذلك إن كنا نريد أن نرث ملكوت اللّه، هذه هي أعمال المحبة.

أيها الأحباء خدام مراكزنا الدينية: إن العديد ممن ينتمي إلى المراكز الدينية يحتاج إلى رعاية، إلى عطف، إلى محبة، قد يكون شقيّاً في داره، شقيّاً مع رفاقه، قد يكون محتاجاً مادياً واجتماعياً وروحياً، فعلينا أن نفتكر به كأنه ساقط بين اللصوص، علينا أن لا نهاب أحداً ولا نخاف اللصوص لأن المسيح معنا هو السامري الصالح بالذات لذلك علينا أن نحمل هذا الإنسان الذي هو قريب لنا، أن نحمله في قلبنا وفكرنا ونفسنا محبين إياه إن كنا قد أحببنا المسيح وأن نخدمه. العديد ممن يحتاجون إلى الانتماء إلى المراكز الدينية هم في دورهم قابعون ويحتاجون إلى من يدعوهم، قد يكونون خجلين لأن حالتهم المادية لا تساعدهم إن كان هناك ممن يحتاج إلى معونة فعلى خدام مراكز التربية الدينية أن يأتوا بهؤلاء أيضاً إلى مراكز التربية. أنا أعرف أنّ في أحد مراكز التربية إنساناً قد شذّ وبشذوذه أضرّ الكنيسة فهلك وما زال يهلك الآخرين. علينا أن نشعر بمسؤوليتنا هذه أيضاً لأنني أؤكد لكم أن ذلك الكاهن الذي مرّ على الإنسان الساقط بين اللصوص نزل إلى بيته غير مبرّأ بل زاد على إثمه إثماً لأن روتينية الطقس لا تنفعه شيئاً أبداً ما لم يطبق شريعة اللّه عملياً ويرحم أخاه الإنسان وكذلك اللاوي ستكون خدمته باطلة ما لم يرحم قريبه.

أما السامري فإنه قد قدم ذبيحة طيبة بعمله عمل الرحمة هذا، بل رفع بخوراً إلى عرش إلهنا لأنه قد رحم أخاه الإنسان. آباؤنا في تفسيرهم الرمزي لهذا المثل يقولون إنّ جنسنا البشري كان ساقطاً بين اللصوص ـ الموت والخطية وإبليس ـ وأن الكهنة والشرائع من الآباء وتقديم الذبائح وموسى وهارون وبقية من جاء من الآباء والأنبياء والكهنة مرّوا على هذا الساقط بين اللصوص فلم يتمكنوا من أن يساعدوه حتى جاء غريب الجنس، المسيح يسوع ربنا الذي وإن كان لابساً جسدنا فهو ابن السماء، ابن اللّه الآب جاء هو بنفسه، هو الذي لبى نداء الساقط بين اللصوص وعصب وداوى وليّن وعقم جراحاتنا بدم قلبه وزيت رحمته وأخذنا إلى الفندق إلى كنيسته المقدسة دافعاً عنا دينارين سر جسده ودمه الأقدسين، هذا بتفسير الدينارين، وهو سيدفع عنا ويدفع دائماً لأنه يريدنا أن نكون معافين روحياً وجسدياً، ويوفي بمجيئه الثاني كل من يعتني بنا روحياً وجسدياً.

أهَّلنا الرب جميعاً لنقتدي بالسامري الصالح لنستحق أن ننال الطوبى التي أعطاها الرب «للرحماء لأنهم يرحمون» (مت5: 7) آمين.


السامري الصالح (2)

«إذا بناموسي قام يجربه قائلاً: يا معلم ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية»

         (لوقا10: 25)

«ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟».

سؤال مهمٌ، على كل إنسان أن يوجهه إلى الله أولاً ثم إلى نفسه، سؤال لكي نعلم ما هو طريق الرب وكيف ينال الحياة الأبدية. ويوجهه لنفسه ليرى إن كان هو يسير في تلك الطريق الحقيقية المستقيمة، أم أنه قد تاه في بيداء هذه الحياة، وتشعبات طرق العالم التي لا تؤدي إلا إلى الهلاك.

ناموسيٌّ، أحد علماء الناموس، إليه توجه أسئلة كهذه، قام ـ يقول لوقا ـ يجرب الرب. ليته كان ذا نية طاهرة، لاستفاد كثيراً بل لمدح أيضاً منا ومن غيرنا، ولكن سؤاله سؤال محاكمة ومماحكة.

ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ ربما رأى في المسيح إنساناً لم يتعلّم في مدارس الناموس، ورأى فيه إنساناً بالنسبة لغيره وقد غاص في كبرياء الشريعة، لن يستطيع أن يعدد ما وضعه آباء اليهود من شروط وقوانين وأنظمة وفروض يكمّلها الإنسان لكي يرث الحياة الأبدية. 

يجيبه الرب: ماذا في الناموس؟ كيف تقرأ؟

أنت ناموسّي لا بدّ أنك تعرف ماذا في الناموس، إلى جانب هذا هناك الشريعة التي عصبت على جبين كل ناموسي ليعرف ما هي الشريعة. مقتبساً من سفر اللاويين وسفر التثنية آيتين هما خلاصة الشريعة والناموس، يقول له: «تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك وقدرتك و فكرك وقريبك كنفسك». يجيب الرب: إفعل ذلك فتحيا، ولكي يبرر هذا الناموسيّ نفسه فيوجه إلى الرب سؤالاً آخر: ومن هو قريبي؟

إننا مدينون لمماحكة هذا الناموسي، لأن بسؤاله هذا جعل الرب يلقي علينا درساً خالداً، يضرب لنا مثلاًَ من أجمل الأمثلة الإنجيلية بأخذنا شريعة وضعها آباؤنا كمسيحيين علينا أن نسير بموجبها. بتجسيد المحبة، ينقلنا من الأمور النظرية والشرائع المكتوبة والموروثة والتقاليد وحتى من الفروض إلى الدين العملي، ونحن نبدأ بسماع مثل وقصة وننتهي بمغزى سامٍ ونفيس، هذه هي المسيحية الحقيقيّة.

يقول الرب: إن إنساناً ما، لا تعرف ما عقيدته وما قوميته ما هويته ما جنسيته لا نعرف، نعرف أنه إنسان أسمى خلائق الله، إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والطريق من أورشليم إلى أريحا مسافتها عشرون ميلاً، طريق صخرية ومنحدرات قاسية ومخابئ للّصوص. هذا الإنسان كان سائراً في تلك الطريق فصادفه جماعة من اللصوص، كان هناك كمين ممن يمثلون البشرية القاتلة الوحشية التي لا تستطيع حتى الوحوش أن تدوسها، فسلبوه أمواله، وعرّوه وجلدوه وتركوه بين حيّ وميت، فعرض صدفة أن مرَّ في تلك الطريق كاهن، كان الكاهن يخدم في أورشليم في الهيكل ولكن كان هناك 12000 كاهن يسكنون في أريحا، فأنهى خدمته الكهنوتية وهو نازل إلى بيته فوجد هذا المنظر، فتطلَّع ومضى ولم يفكر به. ثم جاء لاوي هذا أيضاً نظر ثم مضى، وأخيراً جاء السامري، كان السامري الذي ترجّل من دابته وأسعف هذا الساقط بين اللصوص فيضمد جروحه ساكباً عليها زيتاً وخمراً. قد يكون في تعقيمها نفعاً أو ربما لا يكون من نفع في تعقيمها ثم يضمدها ويأخذها ويشدها ربما بقطعة من ثيابه ويحمله على دابته وينزل إلى فندق ويدفع عنه دينارين، ويقول لصاحب الفندق مهما أنفقت عليه فعندما أرجع أوفيك.

وبعد أن ضرب هذا المثل يقول للناموسي: من صار قريباً لهذا الرجل؟ فيجيب الناموسي: «الذي صنع معه الرحمة»، وهو لا يريد أن يقول السامري.

نرى هنا كيف يريد الرب أن تكون المحبة، هي محور الدين المسيحي وهي منبثقة وصادرة من قلب مؤمن، وهي الثقة بالرب والإيمان الذي هو تصديق كلام الرب من الوحي الإلهي.

فالمسيحية تقول لنا: «الله محبة»، فهي محبة وليست ادعاء أو رياء، بل أن نحبَّ قريبنا محبة مجردة، محبة نابعة من قلبنا الإنساني، ونريد للقريب ما نريده لأنفسنا، وكما قال السيد المسيح: «كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم بهم». ولذا إن ادّعينا أننا نحب الله ولا نحب قريبنا كأنفسنا فهذا رياء وكذب، إذ كيف نحب الله الذي لا نراه ولا نحب قريبنا الذي نراه والموجود بيننا، بل يجب أن نحبه مدفوعين بدافع الإيمان الصادق.

الكاهن الذي يقوم بفروض الصلاة التي هي ضرورية، ويقوم بالذبائح التي هي مفروضة من الله، ولكن هذا لا يمنع من أن يقوم بأعمال الرحمة وخاصة ذلك الكاهن المستقيم لأعمال الرب. إن الرب قد قال على لسان هوشع النبي: «أريد رحمة لا ذبيحة».

اللاوي وهو يساوي درجة الشماسية الآن، فكّر وتركه، ربما لأن الكاهن كان قد تركه قبلاً. أما السامري والذي كان عدواً لليهودي، فلم يفكر بهذا بل ترك الأحقاد القديمة وقال في نفسه هذا العمل هو من الله وهو الفرصة لأقوم بواجبي، لذلك ضمَّده وحمله على دابته، ولم يفكر بأمر اللصوص، لربما يتعرَّضون له هو أيضاً، وهذا هو نكران الذات بالذات.

الساقط بين اللصوص ليس فقط من سلبت أمواله فحسب، بل هناك كثيرون ممن سقطوا بين أيدي اللصوص، بين لصوص الناس الذين يتكلَّمون عن هذا وذاك، ويسلبون عقول الناس وحقوقهم، هؤلاء هم أشرس من اللصوص.

الدين لا يأمرنا بالابتعاد عن الشر فحسب، بل بعمل الخير أيضاً، لأنَّ الرب يسألنا عن شرورنا وعن خيرنا أيضاً.

أحياناً يخطأ أحد إلينا فندينه كمن نحن في درجة الكمال، لكن حري بنا أن نواسيه ونداويه بسكب الخمر لتنقية جروحه، وعلى الأقل نسكب زيت الرحمة ونحوله إلى كنيسة الله، وبهذا فقط نكون قد مارسنا فضيلة المحبة.

آباؤنا بخيالهم الواسع يصورون لنا هذا المثل بالرموز فيقولون: السامري الصالح هو الرب الصالح سيدنا يسوع المسيح، والذي سقط بأيدي اللصوص هو الإنسان، والذين عبروا عنه ولم يفعلوا له شيئاً الكاهن وهو موسى واللاوي وهو هارون.

هذا المثل يعلمنا المحبة التي هي أصل الشريعة والناموس، هي المحبة التي يصفها يوحنا قائلاً: «الله محبة».

وفي هذه الأيام المقدسة يجب أن نقرن صيامنا بثمار المحبة، فنتمثل بالسامري الصالح. بهذا فقط نستطيع أن نرث الحياة الأبدية، الحالة التي أتمناها لي ولكم أحبائي بشفاعة السيدة العذراء مريم وسائر القديسين آمين.  


السامري الصالح (3)

اليوم تذكر الكنيسة في طقوسها الأحد الخامس من الصوم، وقد تلي على مسامع بعضكم في بدء القداس آيات من الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (10: 25 ـ37).

وفيها رأينا إنساناً اعتُبِرَ أحد ناموسيي اليهود وعلمائهم الكبار في الدين، قام ليجرب الرب، فسأله: يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟

لو لم يقل لوقا إنه قام ليجرب الرب، لشعرنا أن هذا الإنسان يريد أن يعرف طريق الحياة الأبدية ليسلك الطريق ويبلغ إلى الحياة، ولا يسأل عن الحياة الأبدية إلا إنسان مؤمن مستعد للتضحية بالغالي والنفيس بهذه الحياة لكي يحصل على الحياة الأبدية، ولكنّ ذلك الناموسي وهو يعرف الناموس جيداً قام ليجرّب الرب، وكأن بإبليس وقد تلبسه، وإبليس هو المجرب، إنما الرب قد غلبه ويغلبه وأعطى الغلبة لنا جميعاًَ إذا ماجُربنا من إبليس وممن يخضعون لإبليس.

الرب يجيبه: ماذا في الناموس ـ يرده إلى الناموس ـ كيف تقرأ؟

إذا كان ناموسياً إليه توجه أسئلة كهذه، فلماذا يسأل الرب؟ يجيب الناموسي ربنا عمّا في الناموس قائلاً: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل ذهنك ومن كل إرادتك وكل قوتك وتحب قريبك كنفسك. يقول له الرب: افعل هذا فتحيا.

ولوقا يذكرنا أن هذا الإنسان أراد أن يبرر نفسه فسأل الرب: ومن هو قريبي؟

هذا سؤال يدلّ على مماحكة من ذلك الإنسان، كيف لا يعرف من هو قريبه، لكن قريب اليهودي كان اليهودي فقط، وكل الناس أعداء لليهودي، فلعله أراد بتجربته للمسيح أن يأخذه بكلمة، ولكن لنشكر ذلك الناموسي لأنه بسؤاله هذا جعل الرب يسوع يضرب لنا مثلاً هو من أروع أمثال الإنجيل، بل لم يضرب مثله في كل آداب اللغات العالمية هو مثل السامري الصالح.

فيه يرسم لنا المسيح يسوع صورة لواقع الحياة، يبدأ بالوصايا النظرية وينتهي بنا إلى مركز إسعاف نرى فيه معقماً ومليناً ونرى فيه تضميداً للجروح وحملاً للمريض.

قال الرب في هذا المثل: إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والطريق بينهما صعبة المسلك، لأنها منحدرة جداً. أورشليم ترتفع عن سطح البحر وعن أريحا بالذات التي هي تحت سطح البحر معدودة لانخفاضها والطريق تنحدر انحداراً قاسياً بمنعطفات شديدة جداً، وكان اليهود يدعون ذلك الطريق بالطريق الدموي لكثرة اللصوص وقطاع الطرق فيه.

إنسان ويكفي أن نقول: «إنسان»، الرب لم يذكر إن كان ذلك الإنسان يهودياً أو سامرياً أو وثنياً، بل قال إنسان، عندما نريد أن نعمل شيئاً يجب أن نرى الإنسان إنساناً، هو ابن الله لأننا جميعاً أولاد الله هو خلقة الله هو أيضاً أخ لنا، لماذا؟ لأننا بحسب تعليم الكتاب المقدس من أبوين آدم وحواء. فقال الرب إنسان، هذا الإنسان سقط بين اللصوص سلبوه أمواله، ضربوه، وتركوه بين حي وميت.

يأتي لنا الرب بتلك الصورة إنسان آخر إنه كاهن كان قد قدم ذبائحه في المذبح في أورشليم بالذات وهو نازل لأريحا وكان في أريحا في تلك الأيام اثنا عشر ألف كاهن يسكنون هناك يخدمون في أورشليم وينزلون إلى أريحا، الكاهن وقد قدم بعمل روتيني لا حياة فيه ولا قوة إلهية رأى الجريح فنظر إليه وعبر واجتاز تلك الطريق، وكذلك اللاوي واللاوي يعاون الكاهن في الخدمة أيضاً رأى وتحنن وعبر. ثم أتى سامري، كان السامري عدواً لليهودي ونحن ندرس هذا المثل نتأكد أن ذلك الساقط بين اللصوص كان يهودياً ونستطيع أن نميّزه أيضاً كما ميّزه ذلك السامري من ثيابه فكان يلبس ثياباً غير ثياب السامري، أما السامري فلم ينظر إلى ذلك اليهودي كعدو بل رآه إنساناً، فتحنن عليه وصب على جراحاته خمراً ليعقمها وزيتاً ليلينها وعصبها، عصب تلك الجروح العديدة، لعله فعل ذلك من ثيابه أو مما كان يلبسه في السفر ثم حمله على دابته وأخذه إلى فندق، ودفع عنه دينارين وطلب أن يُعتَنى به ووعد أنه إذا ما صرفوا أكثر من دينارين فهو يعوض لهم عن ذلك.

الرب يسوع بعد أن ينتهي من سرد هذه القصة، قد تكون قصة واقعية واعتبرناها مثلاً لأن الرب ضربها كمثل، يقول لذلك الناموسي: من صار قريباً للساقط بين اللصوص؟ لا يعقل أنَّ الناموسي لأمر يعتبر فضيلة أن يذكر اسم السامري أو لفظ سامري، فقال له: الذي عمل معه خيراً، قال له الرب: اذهب أنت أيضاً وأفعل كذلك.

أحبائي في هذا المثل، نرى كيف أنّ الإنسان في روتين، حتى لو كان ممن أوكل إليه خدمة الإنسان روحياً، والخدمة الروحية تصيب الضمير ضمير الإنسان الخادم والمخدوم، حتى ولو كان كذلك إذا ما ابتعد عن ناموس الرب، نراه يرى غيره يتألمون ويظنّ أنه لا شغل له بذلك فيتركهم بآلامهم كما فعل الكاهن اليهودي واللاوي والإنسان الذي  تلمس المحبة قلبه، ويرى أن الدين هو المحبة فلا ينظر إلى المذهب بل إلى المشرب، لا ينظر ما دين هذا الإنسان، ما قوميته، ما لونه، ما لغته، بل ينظر إليه كإنسان يحتاج إلى معونته فيعينه ويساعده، هنا المحبة، والمحبة مضحّية وناكرة للذات، لو لم يكن كذلك لترك ذلك السامري الجريح الذي سقط بين اللصوص ولأفتكر ذلك السامري مالي وله، حتى ولو كان سامرياً أنا لم أؤذِ أحداً، اللصوص قد قتلوه وجرحوه، اللصوص قد سلبوه أمواله ولعلهم يأتون إلي أيضاً إن كنت أتأخر في سفري، ولكن المحبة تضحّي، المحبة شجاعة أيضاً، المحبة تعتمد على الله، فلذلك تنتصر دائماً، بهذه المحبة ظهر السامري إنساناً سماوياً، السامري يمدحه كل إنسان والمسيحية اعتبرت المسيح يسوع نفسه سامرياً، لأن الجنس البشري كما يقول آباؤنا السريان في تفاسيرهم سقط بين اللصوص، إبليس جرحه سلبه نعمه، فجاء الكهنوت الموسوي بشخص ذلك الكاهن، وجاء اللاوي، جاء الناموس الموسوي فترك ذلك الجريح يتعذَّب لم يعنه، لم يكن في الناموس الموسوي قوة للتبرير، ولكن جاء غريب الجنس، المسيح يسوع هو الذي حمل جنسنا بعد أن أعطانا سرَّ دمه وجسده الكريمين، حملنا على دابته إلى كنيسته إلى الفندق وأمر أن يُعتنى بنا، هذا المسيح وحده هو الذي وهب الرحمة في قلوب الناس والمحبة لكل الناس بدون تفريق بين لون ولون ولغة ولغة، بين دين ودين ومذهب ومذهب، هذا مسيحنا أعطانا المحبة وعلمنا أنَّ المحبة هي مركز الدائرة في الفضائل المسيحية، بل هي الدين المسيحي، بل هي الله كما قال يوحنا الرسول: «الله محبة».

فإذا كنّا نرغب أيها الأحباء في أن نرث الحياة الأبدية علينا أن نوجه هذا السؤال إلى أنفسنا، وإلى الرب يسوع بالذات، لا كما وجهه ذلك الناموسي محرجاً الرب، بل لنتعلَّم من الرب عن وصاياه عن أوامره عن نواهيه إذا كنا نريد أن نرث الحياة الأبدية، فقد علمنا الرب أن نحب قريبنا كنفسنا لا نحب القريب لأننا نريد أن يكون مثلنا بل أن نحبه كما هو، نحبه إكراماً لخالقه، إكراماً للمسيح يسوع، الذي أحبنا أيضاً، وبذل نفسه دوننا وتكون محبتنا كاملةً مثمرة، لا فقط أموراً نظرية وأن نعرف حق المعرفة أن أبديتنا تعتمد على دينونتنا، ودينونتنا تعتمد على أعمالنا إن كنا نحب الناس، إن كنا نشفق على الناس، إن كنا نعضد أولئك الصغار الذين هم إخوة المسيح، كما دعاهم وسيدعوهم يوم الدين، حينذاك سنستحقّ أن نرث الحياة الأبدية مع الصالحين، الحالة التي أتمناها لي ولكم وبنعمته تعالى آمين.


السامري الصالح (4)

«إذا بناموسي قام يجربه قائلاً: يا معلم ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية»

         (لوقا10: 25)

في غمرة أيام الصوم الأربعيني المقدس، ونحن نقوم بما فرضته علينا الكنيسة المقدسة بالتمسك بالصوم ونقرنه بالصلاة، وقد نظم آباء الكنيسة بإلهام الروح القدس قراءات من الكتاب المقدس لنتلوها فنتأمل بعجائب الرب يسوع، ونرى كيف أننا نتبع من وصفه الرسول بولس «الله ظهر في الجسد» الذي صام لأجلنا أربعين يوماً وأربعين ليلة، وجاع وجُرِّبَ من إبليس وانتصر عليه، فانتصرنا نحن على عدونا الشيطان. نتأمل بكل هذا أيها الأحباء ونتمسك بالصوم وأحياناً عديدة ننسى الذي نقتدي به في الصوم وننسى تعليمه بالتمسك بالصوم كفريضة علينا وكوسيلة لنتوب ونعود إليه له المجد.

أحياناً نتمسك بالحرف وننسى الروح أن «الحرف يقتل والروح يُحيي»، لذلك أراد آباء الكنيسة بترتيب هذا الأحد الذي هو الأحد الخامس من الصوم، إذ نقرأ فصلاً من الإصحاح العاشر من الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا لنتعلم كيفية التمسك بالدين وحقائق الدين المبين، ألاّ نتمسك بالقشور بل باللب والجوهر، لنتعلم أنه لا يمكن أن ننال الأجر من الله تعالى عن أصوامنا وصلواتنا ما لم نقرن ذلك بأعمال المحبة.

لنتأمل بالمثل الذي ضربه الرب يسوع، وهو من أروع الأمثال التي ضربت من الحكماء والعلماء، ورجال الدين ما قبل ميلاد الرب يسوع في الجسد وإلى الآن وإلى الأبد، إنه مثل السامري الصالح الذي ينقلنا من تعاليم روحية بسيطة إلى مركز إسعاف، ليرينا ما هو الدين الحقيقي، وكيف تظهر المحبة لدى الإنسان بثمارها التي هي الرحمة والحنان.

يقول لوقا البشير إنَّ ناموسي قام يجرب الرب، كان إذاً تابعاً للرب أو على الأقل كان يظهر بأنه من الذين يتبعون الرب، كم واحد منا يظهر أمام الناس وكأنه تلميذ الرب وتابع الرب ولكنه يأتي كذلك الناموسي ليجرب الرب، ليضع الرب بالذات تحت المجهر، ولا يدرك أن عقولنا البسيطة لا تستطيع أن تدرك أسرار الله وخاصة سري التجسد والفداء، كم واحد منا يظهر بصومه وصلاته وممارسته أيضاً خدمة الناس روحياً، أنه يتبع الرب وهو بعيد بعد السماء عن الأرض من إتمام وصايا الرب والتمسك به.

الناموسي والفريسي والكتبة وكل الذين كانوا أعداءً لربنا كانوا يتبعونه ليروا المعجزات ويسمعوا العظات السامية، تعاليم السماء، لكن كانت لهم آذان ولا يسمعون وعيون ولا يرون الحقيقة ولا يؤمنون. علينا أن نتأمل بأولئك الناس الذين كانوا يتبعون الرب ليصطادوه بكلمة.

جاء الناموسي، ومن هو الناموسي يا ترى؟ إنه من الفئة التي كانت تدوّن الناموس والأنبياء، وكانت حذرة جداً لئلا تزيل كلمة أو لفظة أو تنقص لفظة من ذلك الناموس أو تلك النبوات، بل كان الناموسي يجلس ليلاً ونهاراً ليعرف كم صفحة هو السفر النبوي الفلاني؟ وكم سطر؟ وكم كلمة في السطر الواحد؟ وكم لفظة تتكرر في ذلك الكتاب أو السفر؟ كل ذلك يعتبر حرفاً، والحرف يقتل، لقد حفظ الناموس ولكنه لم يعمل به.

هذا الناموسي وقف يسأل الرب: يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ السؤال مهم جداً، إنه مصير الإنسان، خاصة الإنسان المؤمن الذي يسعى في حياته على الأرض كلها لكي يستحق أن ينال الحياة الأبدية. سؤال مهم جداً لو وُجِّهَ بروح التقوى والإيمان، بروح الجدية. ولكن سأله لكي يجرب الرب؟

هذا أمر غريب جداً عن روح المسيحية، الرب يجيبه ماذا تقرأ؟ ما هو مكتوب في الكتب؟ لقد ردّ السؤال عليه، فقال الناموسي مقتبساً آية هي صُلب الحقيقة الدينية والوصايا الإلهية مقتبساً هذه الآية من سفري التثنية واللاويين «تحب الرب إلهك من كل قلبك من كل فكرك من كل رغبتك من كل نفسك، وتحب قريبك كنفسك»، إعمل هذا ـ قال له الرب ـ فتحيا.

ولكن الناموسي وهو يريد أن يجرب الرب يسأله ومن هو قريبي؟ نحن نعلم أن الفكر اليهودي المتعصِّب الذي يظهر في كل الأجيال وقد ظهر في جيلنا هذا أيضاً بغضة الشعوب الأنانية خداع النفس أنه طالما هو يهودي فهو سيد الأكوان، وأن الله قد خلق العالم كله، ليخدم هذا اليهودي، لذلك لا يدري هذا الإنسان ولا يعرف من هو قريبه وكان الأفضل أن يقول أنا قريب مَن؟ لكنه قال: مَن هو قريبي؟

فيضرب الرب مثله السامي، يذكر لنا أن إنساناً كان نازلاً من أورشليم مدينة الطقوس مدينة الدين بالنسبة إليهم، المدينة التي كانوا يظنون أن في هيكلها فقط يوجد الله لا في مكان آخر. إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا والطريق صعبة كانت تسمى طريق الدم أو الطريق الدموية، منعطفات حادة، صخور قاسية، كان هناك فرص للقتلة وللسراق وللخاطفين أن يختفوا وراء الصخور وكانوا بلا رحمة يخطفون الناس ينهبونهم يسرقونهم يقتلونهم.

قال الرب إن هذا الإنسان النازل من أورشليم إلى أريحا صادفه اللصوص نهبوه سلبوا أمواله ضربوه جرحوه وتركوه بين حيّ وميت وبين تلك الصخور سُمِعَ أنين إنسان يتألم يستنجد بأخيه الإنسان، فمرّ الكاهن، الكاهن الذي كان يخدم الهيكل في أورشليم كان يقدم الذبيحة كما نفعل نحن ولئن كانت ذبيحتنا غير دموية وهي ذبيحة الكمال وهي تمثل ذبيحة المسيح، ولكن كان يقدم ما يرمز إلى ذبيحة المسيح، وكان يُظن أنه بذلك يفعل أمراً عجيباً مغفرة الخطايا للناس الذين يقدمون الذبائح، وله أيضاً وهذا يكفي ونحن نُخدع أيضاً بهذا ولا نعلم أن الله لا يريد الذبيحة بل الرحمة، فالكاهن إذ هو يسمع أنين ذلك الإنسان ولكنه يمر، يعبر لعله ظنَّ أنه جاء وأنقذه، قد يكون اللصوص حاضرين هناك فيسرقونه أيضاً، ولعلَّه كان يظنّ أنه لو جاء لينقذه ومات فيتنجس ذلك الكاهن، ولا يقدر أن يقوم لأنه لمس ميتاً، افتكر ما افتكر المهم صمَّ أذنيه عن أنين هذا الإنسان وآلامه، وكم نفعل نحن ما فعله ذلك الكاهن ونترك الإنسان يتألم بالضمير بأمور عديدة لا نفتكر بأننا وجدنا لخدمته ولإنقاذه وقد سقط بين لصوص الخطيئة والشيطان، لا نفكر بهذا بل نفتكر بأنفسنا ونعبر.

وجاء اللاوي ـ يقول الرب ـ واللاوي هو مثل الشماس في الكنيسة، كان يخدم أيضاً مع الكاهن، هذا اللاوي سمع أنين ذلك الإنسان لم يعبر حالاً بل تقدّم ونظر ورأى ذلك الإنسان الجريح الذي كان قد سقط بين اللصوص وهو بين حي وميت، نظر وعبر.

والرب يكمل مثله فيذكر لهم إنساناً سامرياً والسامري كان عدواً لليهودي، اليهودي إذا صادف أن مرّ في ظلّ السامري فعليه أن يترك كل شيء ويذهب إلى بيته ويستحم لأنه قد تنجس، هذه البغضاء لأن السامري هو غريب الجنس، كان قد أجبر أن يترك بلاده في السبي البابلي وغيره ويسكن في السامرة عابداً لآلهته وليهوه أيضاً، في آن واحد وكان له هيكل في جزين وكان يظن أن الخلاص هناك وليس في أورشليم، على كلٍّ هذا السامري عدو اليهودي لم يسأل عن الجريح إن كان يهودياً أو غير يهودي فقد عرف أنه إنسان ولذلك الرب عندما ضرب المثل لم يذكر أن ذلك الإنسان الذي وقع أنه كان يهودياً أو من جنس آخر أو قومية أخرى أو لغة أخرى بل قال إنسان كان نازلاًَ من أورشليم إلى أريحا، فالسامري ضمَّد جراحات ذلك الإنسان عقمها بالخمر ـ والخمر دائماً كان مع الإنسان عندما يسافر لأن غذاءه كان عبارة عن خمر وخبز وزيت ـ ودهنها بالزيت ليلينها وحمل ذلك الإنسان على دابته، وأتى به إلى فندق هناك دفع عنه دينارين وقال لصاحب الفندق: بأن يعتني به ومهما أنفق عندما يعود سيوفيه كل شيء.

بعدها، يسأل الرب ذلك الناموسي: من صار قريباً للذي سقط بين اللصوص؟ الناموسي لا يمكن أن يقول السامري بل قال: الذي صنع معه الرحمة، قال له الرب اذهب أنت وأفعل كذلك.

هذه الحياة الروحية العملية، هذا ما يريدنا الرب يسوع أن نعمله، أن نكون كالسامري نشفق على الإنسان، نفعل الرحمة فثقوا بأن صلواتنا الطويلة مهما كانت قاسية وصعبة لا تنفعنا شيئاً ما لم تقترن بأعمال المحبة، أعمال الرحمة، ما لم نحب بعضنا بعضاً ونشفق على من يحتاج إلى معونتنا لأنه هو قريبنا وقريب المسيحي هو كل إنسان يحتاج إلى المسيح.

آباؤنا أيضاً في تفسيرهم هذا المثل يجعلون السامري الصالح هو المسيح بالذات ونحن الجنس البشري سقطنا في الخطية بين اللصوص بين الشيطان والخطية والموت ولأن كنا بين أحياء وأموات في آن واحد لم يقل نموت كلياً أي لا نزال على قيد الحياة وقد متنا بالخطيئة، فمرَّ الكاهن موسى وهارون ومن تبعه، ومرَّ اللاوي الذين كانوا يخدمون الهيكل أيضاً مرّوا على هذا الإنسان الجريح الساقط بين اللصوص لم يستطيعوا أن يعينوه، ولكن جاء السامري الصالح غريب الجنس، الإله المتجسد الله ظهر بالجسد بالذات هو الذي ضمد جراحنا هو الذي اعتنى بنا هو الذي أخذنا إلى كنيسته إلى الفندق ودفع عنا جسده ودمه وأيضاً وعد من أوكلهم على كنيسته أنه عندما يعود عندما يأتي ثانية سيوفيهم إن كانوا قد اعتنوا بهذا الإنسان الذي كان ساقطاً بين اللصوص.

ما أعظم أن نفهم أحبائي ديننا المسيحي المبين بعمق! ما أعظم أن نمارس الفروض التي وضعتها الكنيسة من صوم وصلاة ونقرن ذلك بالصدقات! كل ذلك وضعته الكنيسة بناءً على تعليم الرب. ما أعظم أن نمارس أعمال المحبة التي بها يتميز كل واحد منا إن كان حقاً تلميذاً للمسيح أم لا! ألم يعطِ الرب علامة أخرى لنا لنُعرَف بأننا تلاميذه أم لا؟ إنها لا بالكلام البليغ ولا بعمل المعجزات، بل بشيء واحد، بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي: إن أحببتم بعضكم بعضاً، والمحبة التي حتى الناموسي عرف أنها تشمل الناموس كله محبة الله ومحبة القريب، هي التي تعطينا الدالة أمام الله لنكون تلاميذ الرب يسوع.

ليقبل الرب صومكم وصلواتكم وصدقاتكم ويؤهلكم ويؤهلنا جميعاً أن نقتدي بالسامري الصالح ونعمته تشملكم دائماً وأبداً آمين.

معجزة شفاء الأعمى

معجزة شفاء الأعمى

معجزة شفاء الأعمى (1)

أعمال الرسل (23: 12ـ 21)

2 كورنثوس  (10: 1ـ 18)

متى (20: 29ـ 34)

معجزة شفاء الأعمى

«وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى من ولادته، فسأله تلاميذه قائلين: يا معلم، من اخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى، فأجاب يسوع وقال لهم: لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه»

                                                 (يوحنا9: 1 ـ3)

من بين كل الأعاجيب التي اجترحها الرب يسوع تعدّ أعجوبة منح البصر للمولود أعمى الأهم، وقد فصَّل الإنجيليون الأربعة وقائع هذه الأعجوبة لأهميتها الفريدة، فكل المعجزات التي اجترحها الرب كانت لأناس كان لهم شيء ففقدوه وأعاده الرب إليهم، حتى الموتى كانت أرواحهم متحدة بأجسادهم فكانوا أحياء، وعندما افلتت هذه الأرواح عن الأجساد أعادها الرب إلى أجسادها، فعادت الحياة إليهم ثانيةً.

أما في منح البصر للإنسان المولود أعمى الذي لم يكن في وجهه أي أثر للعينين، هذه الأعجوبة تعد خارقة جداً بل أسمى الأعاجيب التي اجترحها الرب، فقد أعطى هذا الإنسان ما لم يكن له، خُلق أعمى، خلق في صورة مؤلمة جداً، والرب يسوع منحه البصر.

كان الرب في هيكل أورشليم، حاول اليهود رجمه لأنه أعلن أزليته فاختفى وجاز في وسطهم، وفيما هو يجتاز رأى إنساناً أعمى فسأله تلاميذه: أهذا أخطأ أم أبواه؟ وكان يمكن أن يوجه السؤال: هل أخطأ أبوا هذا الإنسان حتى ولد أعمى. فلذلك يقول الكتاب: الآباء يأكلون الحصرم وأسنان البنين تضرس.

كانت هذه العقيدة موجودة عند اليهود، ولكن كيف يسألونه قائلين: هل أن هذا أخطأ وهو أعمى؟ فهل كان قد أخطأ قبل ولادته، كانت هناك أيضاً عقيدة سخيفة باطلة هي عقيدة التناسخ، كانت منتشرة بين اليهود، جاءتهم من الأمم، فكثير من الناس كانوا يعتقدون كاعتقاد بعض الأمم إلى اليوم، أنَّ الروح إذا ما خرجت من جسد ما فإذا كانت خاطئة تحلُّ في حيوان وتحيا حياةً ثانية، أو في جسد إنسان شرير، وهكذا تتلقى جزاءها، فظنّوا أن هذا الإنسان كانت روحه في إنسان شرير وقد أخطأت تلك الروح، وعقاباً لها على تلك الخطايا ولد أعمى، ولكنَّ الرب نسف هذه الخرافة وقال لهم: لا هذا أخطأ ولا أبواه ولكن لتظهر أعمال الله فيه.

كذلك نرى الإنسان أحياناً عديدة يدين غيره إذا أصيب ببلية، فهل هناك علاقة للبلية بالخطية؟

كانت هناك أيضاً أراء سخيفة باطلة بعيدة عن روح العقيدة السمحة، والتي تربط البلية بالخطية، ولا تؤمن بأن التجارب التي تقع على الإنسان أحياناً إنما هي نارٌ تصفّي الذهب وتنقيه، لا للعقاب بل ضربات تأديب ومحبة كما يقول الكتاب، فهي تؤدب الإنسان الذي تحبه، فلا يحقّ للإنسان أن يدين غيره ولكن عليه أن يدين نفسه في تجارب كهذه، كما فعل أخوة يوسف عندما وجدوا أنفسهم أمام يوسف ولم يعرفوه، كيف أنهم لام بعضهم بعضاً قائلين: «إننا وجدنا أخانا في شدة ولم نرحمه، ولذلك ابتلينا بهذه الشدة الشديدة»، فيحق للإنسان أن يدين غيره في حالة كهذه، وإلا لشابهنا أولئك الذين جاؤوا ليعزوا أيوب وفي الوقت نفسه وجّهوا إليه لائمة كأنه قد أخطأ تجاه السماء والأرض فابتلي بتلك التجارب، ولذلك الرب يقول لنا: لا تدينوا لكي لا تدانوا، ألا يكفي ذلك الأعمى بما أصيب. إنه عاش منذ ولادته بدون بصر. ألا يكفيه مصيبة أنه صار بعيداً عن مجتمعه وأهله وأقربائه بل غريباً عن هذا العالم لأنه وُلد بدون بصر، فيقسون الناس عليه أيضاً، ويسمعوه كلمات قاسية، كأنه قد أخطأ قبل ميلاده، أو أن أبويه قد أخطأا، لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه.

وقال الرب: إنني أعمل أعمال أبي الذي أرسلني، وقال أيضاً ما دام النهار لنعمل. وقال أيضاً: أنا هو نور العالم، وأخذ الأعمى وتفل يسوع على الأرض وجبل طيناً على شبه عينين، ووضعهما في وجه ذلك الأعمى، وأرسله إلى بركة سلوام (شيلوحة) التي تعني (مرسلاً) ليغتسل هناك، كان ذلك اليوم يوم سبت، والرب يسوع قد علمنا أن السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت، ولذلك لا بدَّ أن يعمل الإنسان في اليوم الذي يكرَّس للخير والعبادة والصلاح، والرب أعطى لذلك الأعمى ما يشتهي كل أعمى من الرب أن يعطيه إياه.

أحياناً عديدة أسمع العديد من العميان أيضاً يصرخون ارحمني يا ابن داوود، ونرى الآخرين يأتون بالمرضى إلى الرب، وقد تنوَّعت أعمال الشفاء لدى الرب، عندما أتى أربعة بمخلع قال له: يا بني مغفورة لك خطاياك، وتلك المرأة التي فكرت فقط أن تلمس طرف ثوب الرب فلمست وشفيت. لقد تنوعت أساليب الشفاء لدى الرب فبعضهم بسؤال وبدون سؤال. الرب يسوع منح نعمة الشفاء لهذا وذاك، فالأعمى لم يسأل واجترح له أعجوبة ولكن لينشط فيه الإيمان قال له اذهب إلى بركة شيلوحة فذهب واغتسل ونال نعمة الرب.

فعندما يُنعم الله على الناس، نرى الذين قضى عليهم حسناً، يجدونهم ويفتكرون بأن ما أنعم الله به على أولئك إن لم يستطيعوا أن ينكروا عليهم الآية لعلهم يتجاهلونه أو ينسبونه إلى أمور أخرى غريبة عن الله، هذا الإنسان نال نعمة من الله، رآه الجيران رآه الأقرباء، بعضهم قالوا: إنه هو، وبعضهم قالوا: يشبهه، وسألوا الأعمى كيف أبصرت فقال: إنسان اسمه يسوع، جبل طيناً ووضع على وجهي، وأرسلني إلى شيلوحة فاغتسلت وأبصرت.

آباء الكنيسة يتناولون هذه الحادثة بخيالهم الواسع، فاليهود قالوا إذاً ليس يسوع بقوته أعطى البصر لهذا الإنسان بل بوساطة القوة العجائبية التي في ماء عين شيلوحة هي التي أعطته البصر.

وآباؤنا في دراستهم هذه الأعجوبة يتكلَّمون على لسان الأعمى، وكأنه يجيب اليهود، إن بركة شالوحة كانت ما تزال في موضعها وأن العميان في البلاد كثر، ليذهبوا إلى شيلوحة ويجربوا إذا اغتسلوا هل سيبصرون أم لا. إن إنساناً اسمه يسوع هو الذي جعلني أبصر.

وبعدئذ حدث وجرى الجدل بين الفريسيين أنفسهم وبينهم وبين هذا الإنسان الأعمى، بعضهم قال عن المسيح: إنه تقي، إنه نبي، وسألوا الأعمى فقال: إنه نبي، تدرج إيمان الأعمى، قال «إن يسوع إنسان»، ثم قال «إنه نبي»، وسنرى أعزائي كيف يؤمن هذا الأعمى بالرب، الأعمى مثال لكل منا، عندما يكون الإنسان أعمى في بصيرته لا يريد أن يتأمل فيه، لا يريد أن يعرف المسيح معرفة حقة، قال إنه إنسان، ثم نبي، ولكنهم يقولون لو كان ذاك الإنسان نبياً لما صنع الأعجوبة يوم السبت، والأعمى يجابههم وإن بعض ذلك يسمح به للإنسان الفاضل.

نحن نعلم أن الرب دائماً يسمع للأتقياء ويستجيب لهم، وأخيراً يُسأل أبوا هذا الأعمى، يخافان من مجلس الفريسيين يخافان من الحرمان من الجماعة، ومن الطرد خارج المحلة فيقولان هو كامل السن، إنه ابننا كان أعمى والآن هو يبصر، كيف حدث ذلك لا نعلم، اسألوه.

و الأعمى يبرهن على قوة إيمانه، وعلى شجاعته الروحية ويصرّ أنه كان أعمى والآن يبصر، حُرم الأعمى من الجماعة وطرد خارج المحلة كما يطرد أولئك الذين يشهدون للحق، ولكن الرب يسوع دائماً مع أولئك، فالتقاه خارج المحلة، وقال له: «أتؤمن بابن الله؟».

من هو يا سيدي حتى أؤمن به؟ فقال له: «أنت تراه وهو أمامك». فسجد له، واعترف بالرب، معلناً بذلك أن الإنسان يضطهد من أجل البر، وينال القوة التي أعطاها الرب: «طوبى للمضطهدين من أجل البر لأن لهم ملكوت الله». معلناً بذلك أن الإنسان الذي يثبت على الإيمان بالمسيح قد وهب له قول الرسول بولس: «وهب لكم بالمسيح إلهكم لا أن تؤمنوا فقط بل أن تتألموا»، فالآلام سبيل المسيح هبة سامية من الله.

أيها الأحباء، ينبغي أن نعلم أننا نور الحياة، من المسيح الذي هو شمس البر، كما أطاعه الأعمى عندما أرسله إلى بركة شيلوحة، لا بدّ أن نبرهن بهذه الطاعة على إيماننا بسلطانه الإلهي، باجتراح المعجزات. كما يجب أن نعلم أيضاً إننا إذا اضطهدنا في سبيل إيماننا سوف لا نجاهد لوحدنا بل المسيح سيظهر لنا، ويكون معنا ويقوينا، ويثبتنا ولئن عزلتنا الجماعة الشريرة منها، لأننا لسنا مواظبين إياها باضطهاد المسيح، سنكون بالمسيح ومع المسيح، ألم يقل المسيح لشاول الطرسوسي «شاول لماذا تضطهدني»، ولم يكن شاول يضطهد المسيح حسب رأيه إنما كان يضطهد أتباع المسيح وما يفعله بأتباع المسيح يفعله بالمسيح بالذات، ولذلك لئن اضطهد ذلك الإنسان في سبيل إيمانه بالمسيح اضطهد المسيح بالذات وكان المسيح معه.

علينا أحبائي ونحن نتأمل في هذه الأعجوبة السامية الخارقة للطبيعة، علينا أن نتصور ذلك الأعمى مع القديسين والأبرار في ملكوت الله، علينا أن نقتدي بالأعمى بالشكر للرب لأنه خلقه أعمى، لأن ذلك العمى كان سبباً لخلاصه، فمهما ابتلينا بالتجارب، لنعلم أن هذه التجارب إنما نذكرها لأن الرب يريدها، وهو ينجينا منها، لننال نعمة أسمى مما تتصوره عقولنا، فعلينا أن نشكر الرب دائماً في السراء والضراء، ونضع نفوسنا بين يديه متكلين عليه، متمسّكين بوعده لنا، «حتى شعور رؤوسكم محصاة»، وإنكم أفضل من عصافير كثيرة، فإذا كان عصفوران يباعان بفلس، وواحد منهما لا يسقط إلا بإرادة أبيكم فكم بالحري، أنتم أفضل من عصافير كثيرة. علينا أن نضع أنفسنا بيد الله دائماً أبداً، ونعلم أن كل ما يظهر علينا إنما هو لصالحنا الروحي.

أسأله تعالى أن ينير أذهاننا كما أنار ذلك الأعمى بما وهبه من نعمة البصر أسأله تعالى أن يؤهلنا أيضاً كالأعمى لنعترف به بالسر وعلانيةً، ونكون له، ليظهر لنا، ويكون لنا ومعنا، بنعمته تعالى.

اللهم صن أبصارنا ونوَّر بصائرنا. آمين

معجزة شفاء الأعمى (2)

«وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ ولادته فسأله تلاميذه قائلين يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى» 

          (يوحنا9: 1)

تاهت عقول الناس منذ أن خُلق الإنسان، بتفسير أسباب الخطية والبلية، ومعرفة نتائجهما، فالكثير من الفلاسفة وعلماء الروح ربطوا ما بين الخطية والبلية، وكثيراً ما ينوّه السيد المسيح إلى ذلك، فقد قال للمريض الذي شفاه عند بركة حسدا: «لا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر» (يو5: 14).

ولكن من الخطأ الفادح أن يتصرَّف الإنسان في التمسك بهذه العقيدة، في عقل الإنسان المؤمن لأنه يكون قد ضلَّ طريق الاستقامة، وحاد عن جادة الحق، ودان غيره من الناس باطلاً. كثيراً ما يحكم الناس على إنسان وقع في تجربة أن ما حدث له هو نتيجة خطية قد اقترفها، وإذا ولد إنسان بعاهة ينسب سبب هذه العاهة إلى خطية اقترفها والداه، «الآباء يأكلون الحصرم وأسنان الأبناء تضرس» (ارميا31: 29).

فيما كان يسوع مجتازاً في دروب أورشليم، رأى إنساناً أعمى منذ ولادته، كان قد رذله المجتمع، فدين هذا الإنسان من تلاميذ المسيح وسألوا الرب قائلين: هل هذا أخطأ أم أبواه حتى ولد أعمى؟ يبدو السؤال غير منطقي قد نسأل قائلين: هل قد أخطأ أبواه حتى ولد أعمى؟ لأننا نعلم في الكتاب المقدس أنه قد يخطئ الآباء، ونتيجة الخطية ينالها الأبناء، ولكن كيف يقولون: هل هو نفسه أخطأ حتى ولد أعمى؟

وهو أعمى، فكيف يخطئ قبل ولادته؟ كانت هناك عقائد سخيفة وباطلة قد انتشرت بين اليهود جاءتهم من الوثنية، فهذه عقيدة التناسخ، تعتبر أن روح الإنسان بعد مغادرتها الجسد تحلّ بأجساد بشر أو بهيمة أو حشرة وتنتقل من جسد إلى آخر بعد الموت، وحتى أنها تحلّ بهذه الأجساد بحسب ما كان عليه ذلك الإنسان من صلاح أو طلاح، فإذا كان صالحاً تنتقل روحه بعد موته وانفصالها عن جسده إلى إنسان صالح وتتنعَّم في هذه الحياة، هذه العقيدة الباطلة كانت قد انتشرت بين اليهود في ذلك الزمان، لذلك ظنَّ التلاميذ مع أهل أولئك الناس ربما أن أبوي ذلك الأعمى قد أخطأا فولد أعمى، أو ربما كان هو في حياة سابقة في جسد آخر قد أخطأ فولد في هذا الجسد أعمى ليتعذَّب. وكان الأعمى يتعذّب حقاً، كان منبوذاً من المجتمع، عقلية الناس تظنّ أن هذا الإنسان قد أصابه الله، عاقبه على شرّه فيسوغ لهم أن يحتقروه ويُرذل من الناس، قد يرحمونه فقط لأسباب الرحمة ولكنهم يتعدون خاصةً عندما يسمعهم يدينونه باطلاً كما فعل تلاميذ الرب.

الرب يجيبهم: لا هذا أخطأ ولا أبواه ولكن لكي تظهر أعمال الله فيه. فكان يسوع قبل ذلك قد أعلن عن ألوهيته وأزليته وسرمديته وكان وقتها في المجمع يعلّم، وكان اليهود عازمين على رجمه لذلك اختفى من بينهم، وليبرهن لهم على حقيقة ألوهيته رأى ذلك الأعمى  ولا نظن في حياة الرب وتدبيره الإلهي بالجسد كان أي شيء يحدث مصادفة، إنه بحسب التدبير الإلهي المسبق كل شيء حدث، ليظهر كما قال لهم: إنه هو والآب واحد، وليظهر قدرته على الخلق، تفل على الأرض وجبل طيناً ووضع هذا الطين بوجه ذلك الإنسان الذي لم يكن في وجهه مكان للعينين، ثم قال له: اذهب واغتسل في بركة سالومة أو شالوحة بالسريانية أي المرسل، لم يسأل الأعمى شفاء ولا نوراً ولا بصراً، ولكن الرب هو الذي دعاه ولكي يبرهن الرب أن هذا الإنسان مؤمن بالرب بالذات أرسله إلى بركة شالوحة (نحميا 3: 15) (أشعيا 8: 6).

إن طاعة هذا الأعمى للرب يسوع، تدل على إيمانه به، أرسله ونشط الإيمان الذي كان في قلبه، واغتسل في البركة فأبصر نعمة أعطيت لذلك الأعمى، نعمة البصر والبصيرة فآمن بالرب يسوع، وبشَّر به في كل مكان، ولكن الأعمى الذي أبصر لم يكن يعلم أن ذلك سيسبب زيادة حسد الكتبة والفريسيين للرب يسوع. أنه سينتج آلاماً واضطهاداً له ولمن يمتّ إليه بصلة، دعي الأعمى بعد أن رآه الجيران والأقرباء والأصدقاء، فقال لهم: إني أنا هو، كنت أعمى، كيف أبصرت؟ إنسان، وهنا نرى هذه الصفة، إنسان جبل طيناً ووضع في وجهي وذهبت واغتسلت في بركة سلوام فأبصرت، بعد ذلك يأتي الناس ليقولوا عن المسيح هذا الإنسان خاطئ لأنه اجترح هذه المعجزة في يوم السبت، الأعمى يقول لا أعلم إن كان خاطئاً أم لا ولكننا نعلم أن الله لا يستجيب للخطاة، هذا ما قاله أيضاً بعض الفريسيين وهم ينصحون أخوتهم الفريسيين أن يقبلوا بهذه الحقيقة كل ذلك حدث نتيجة للأعجوبة.

طُرد الأعمى من الجماعة لأن الفريسيين قد قرروا أن من يؤمن بالرب يسوع يحرم ويطرد خارج محلتهم، خارج أفكارهم الرديئة، خارج كفرهم، خرج عندما أيضاً سُئل من الناس وقد دعا الرب يسوع نبياً، أولاً إنساناً، ثم نبياً، وعندما يضطهد أحدنا في سبيل إيمانه بالرب يسوع نحن نتأكد أن المسيح يكون معنا. ألا نذكر قصة شاول الطرسوسي الذي ظهر له الرب يسوع وشاول في طريقه إلى دمشق لكي يضطهد المؤمنين بالمسيح يسوع فالمسيح قال له: لماذا تضطهدني، من أنت، قال له أنا يسوع الناصري. شاول لم يضطهد المسيح لكنه اضطهد أتباع المسيح، قال: فمن يضطهد أتباع المسيح يضطهد المسيح بالذات، لذلك المسيح يكون مع الإنسان المضطهد من أجله.

ظهر المسيح للأعمى وقال له أتؤمن بابن الله، قال له من هو؟ فأجابه: الذي يكلمك؟ بإلهام الروح القدس نطق الأعمى أنه يؤمن، وسجد للرب يسوع بعد أن رآه إنساناً ثم نبياً تدرج إيمانه وتقوى وعرف أن ذلك الإنسان النبي هو ابن الله بالذات لذلك سجد له.

لا نقدر أن نربط ما بين الخطية والبلية، قد تحدث تجارب كثيرة للإنسان من الله ويكون ذلك الإنسان باراً، لنذكر أيوب الصديق لنذكر يوسف البار، نحن لا يحق لنا أن ندين غيرنا، لندِنْ أنفسنا إن وقعنا في بلية ولنقل لعلَّ ما حدث لنا كان نتيجة خطية اقترفناها، ذلك جرى بأخوة يوسف عندما كانوا بضيق في مصر أمامه ولم يعرفوه أولاً فأخذ بعضهم يخاطب الآخر بلغته التي يفهمها يوسف أننا قد تعدينا على أخينا ورأيناه في ضيقته ولم نرحمه لذلك وقعنا في تلك البلية لا نستطيع أن ندين غيرنا، فأيوب الصديق شهادة الله له أنه لا يوجد مثله في الأرض كلها إنسان يخاف الله ويصنع خيراً ابتلي بلايا عظيمة وضيقات شديدة جداً ولكن الله بعدئذ بعد هذه التجارب، جعل من أيوب مثالاً لنا في الصبر، يوسف نفسه تحمّل المشقات والضيقات والآلام بصبر وأنجح الرب طريقه، لا نربط بين البلية والخطية، ولا ندين غيرنا فالأعمى الذي ولد أعمى نتصوره الآن ونرى روحه الطاهرة مع أرواح القديسين والملائكة تمجد الله وتسبحه لأنه ولد أعمى فميلاده أعمى منحه ليس فقط نعمة البصر بل أيضاً نعمة البصيرة، ومنحه أن يكون في عداد القديسين. لينر الله أبصارنا جميعاً ـ أيها الأحباء ـ ولينر بصيرتنا بنعمته تعالى آمين. 


معجزة شفاء الأعمى (3)

«وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ ولادته فسأله تلاميذه قائلين يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى أجاب يسوع: لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه»      

     (يوحنا9: 1ـ 3)

يسجل لنا يوحنا الرسول وقائع أعجوبة منح البصر لمن ولد أعمى، كما فعل أيضاً سائر كتبة الإنجيل المقدس، ذلك أنَّ أعجوبة منح البصر لإنسان ولد أعمى تُعدّ من أعظم أعاجيب الرب يسوع، فسائر ما اجترحه الرب من معجزات باهرات كان إعادة ما كان للإنسان من صحة أو موهبة أو حياة، حتى إقامة الموتى، إعادة الروح إلى جسدِ ذلك الميت، لتعود إليه الحياة. أما في هذه المعجزة فنرى أمامنا إنساناً ولد أعمى لم يكن في وجهه علامة لموضع العينين، والمسيح يسوع إذ فعل هذه المعجزة برهن على أنه هو والآب واحد، هو الخالق فقد جبل طيناً ووضع الطين في موضع العينين وأعطى البصر لذلك الإنسان.

هلم أحبائي لنتأمل بهذه الحادثة العجيبة لنأخذ دروساً خالدة مما جرى، فالمسيح يسوع قبل أن يجترح هذه المعجزة كان في الهيكل وأعلن نفسه أنه هو ماسيا ماشيحا المنتظر، وأراد اليهود أن يرجموه فاختفى عنهم واجتاز في المدينة المقدسة، فصادف ذلك الإنسان الأعمى. تلاميذه كسائر اليهود وسائر الناس مثلنا جميعاً ندين الناس باطلاً، رأوا أعمى لم يشفقوا عليه، لكنهم فاهوا بكلام قاسٍٍ، أسمعوه إياه فجرحوا كبرياءه فهو إنسان مصاب ولد أعمى ما ذنبه؟ ولكنهم بحكمهم الباطل على هذا الإنسان فيوجهون السؤال إلى الرب، يقولون: يا معلم، من أخطأ أهذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟ قد ولد أعمى كيف أخطأ أما عقيدة التناسخ الوثنية التي تسرَّبت إلى أذهان بعض اليهود في تلك الأيام جعلتهم يظنون أن هذا الإنسان قبل أن يولد قد عاش في حياة سابقة على الأرض، وكان خاطئاً وعندما غادرت روحه جسده، حلَّت الروح في جسد جديد، ولا بدَّ أن يتعذب هذا الجسد بالروح لأنه قد أخطأ في حياته السابقة له، هذه عقيدة سخيفة بعيدة جداً عن عقيدة الكتاب المقدس بعهديه، ولذلك فالرب يقول لهم: لا هذا أخطأ ولا أبواه ولكن لتظهر أعمال الله في هذا الإنسان.

الرب يشفق على الناس، الرب لا يريد أن ندين الناس، من حقنا أن ندين أنفسنا كما فعل أخوة يوسف مثلاً عندما كانوا أمامه ولكنهم لم يعرفوه في مصر وعندما اجتازوا تلك التجربة القاسية فأخذ بعضهم يخاطب الآخرين ألم نكن مخطئين عندما رأينا أخانا مكتئباً وقسونا عليه وبعناه عبداً، دانوا أنفسهم ونِعمَ ما يفعل الإنسان عندما يدين نفسه خاصةً لما تحلّ به المصائب والمتاعب والتجارب، ولكن لا يحق لك أن تدين الآخرين، لا تدينوا ـ قال لنا الرب ـ لئلا تدانوا، فالرب يتطلَّع إلى ذلك الأعمى دون أن يسأله ذلك الأعمى الشفاء، تفل على الأرض وجبل طيناً ووضع عينين في مكان العينين، دون أن يكون هناك أي علامة في وجه هذا الإنسان، ولكي يقوّي إيمانه قال له: اذهب إلى بركة سالومة أو شالوحة ومعناها المرسل وهناك اغتسل فتبصر، ذهب هذا الإنسان وبرهن ذهابه على أنّه حقاً يؤمن بالرب يسوع، لم يسأل أولاً أي مساعدة من الرب، لم يفكر أن يسأل الرب أن يمنحه نعمة البصر، كان يائساً فأشفق الرب عليه ولكن أظهر الرب أن ذلك الإنسان كان مؤمناً عندما صدَّق كلام الرب، وذهب واغتسل في بركة شالوحة وأبصر، وجاءته المتاعب.

دائماً عندما ينعم الله علينا بنعمة ما، يأتي الحساد والمبغضون والحاقدون والموتورون من الأهل، والجيران أيضاً تعجبوا عندما رأوا ذلك الإنسان بشكل آخر أهو أم لا؟ فكان يجيبهم نعم أنا هو، أنا الذي ولدت أعمى والآن أبصر، وأعلن إن شخصاً اسمه يسوع هو جبل طيناً ووضع على وجهه وأرسله إلى بركة سلوام واغتسل وأبصر، الكتبة والفريسيون اضطهدوه لأنه آمن بالرب يسوع وكانوا أعلنوا أن من يؤمن بأن يسوع هو المسيح يطرد من الجماعة، يُعلَن حرمانه يكون غريباً عن بني إسرائيل، حرم بعد أن جادلهم وأوضح لهم بأنه لا يستطيع أن يقول شيئاً عن ذلك الإنسان، إنه نبي أنتم تعرفون، أبواه خافا وارتعبا فقالا هو كامل في السن فاسألوه، أما هو فقد أعلن إن كان نبياً أو غير نبي إن كان باراً أو غير بار، أنا لا أعرف، أعرف أني كنت أعمى وأنا الآن أبصر، عندما طرد خارج المحلَّة وأصبح محروماً من الجماعة حين ذاك ظهر له الرب يسوع، هذه حالتنا دائماً عبر الدهور والأجيال أيها الأعزاء عندما يضطهد الإنسان من أجل عقيدته الإيمانية من أجل المسيح بالذات يقف المسيح ليعلن أنه هو المضطهد ليس ذلك الإنسان. نذكر حادثة شاول الطرسوسي الذي صار بعدئذ الرسول بولس كيف أن الله المسيح يسوع ظهر له في الطريق وهو قادم من أورشليم إلى دمشق ليضطهد أتباع الرب وقال له شاول شاول لماذا تضطهدني صعب عليك أن ترفس مناخس، لم يضطهد المسيح. يظهر له المسيح يقويه كما فعل مع ذلك الأعمى إذ ظهر له قائلاً له أتؤمن بابن الله؟ من هو يا سيد لكي أؤمن به؟ قال له الذي يكلمك وشعر بالروح إنه هذا هو المسيح يسوع لأول مرة رآه لأنه عندما اجترح تلك المعجزة كان ذلك الإنسان أعمى ولم يرَ الرب والرب قوّى إيمانه وأعلن له أنه هو ابن الله وبذلك يعلن هذه الحقيقة لنا جميعاً كما أنه يهب لنا شجاعة لكي نعلن إيماننا بقوة الإيمان لكي نكون أيضاً أيها الأحباء مؤمنين إن المسيح معنا وكما يقول الرسول بولس: قد وهب لكم للمسيح يسوع لا أن تؤمنوا به فحسب بل أن تتألموا أيضاً، لكي نصطبر أيضاً على الآلام عندما يعلن جهادنا من أجل المسيح يسوع ربنا لقد أنار الرب جسد ذلك الإنسان ثم أنار بصيرته فأنار الإيمان بقلبه وعقله بعدئذ لأنه ثبت على الإيمان بالرب وأعلن حقيقة المعجزة التي اجترحها له الرب.

أسأله تعالى في هذا اليوم الذي تذكر فيه الكنيسة هذه المعجزة أن يحفظ أبصارنا جميعاً سليمة وأن ينوّر بصائرنا لكي يكون إيماننا بالمسيح قلباً وفكراً إيماناً مستقيماً ولكي نستحق كذلك الأعمى أن نرى المسيح يسوع إن لم يكن في هذا العالم ففي الأبدية ونعمته تشملكم دائماً أبداً، آمين.


معجزة شفاء الأعمى (4)

«وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ ولادته فسأله تلاميذه: يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى. فأجاب وقال لهم: لا هذا أخطأ ولا أبواه ولكن لكي تظهر أعمال الله فيه»             

     (يوحنا9: 1ـ 3)

في البدء، خلق الله الإنسان على صورته كمثاله في حالة البر والقداسة، وأسكنه فردوس عدن، ونتيجةً لتمرّد الإنسان وعصيانه أوامر الله تعالى هوى في وهدة الخطية وحُكم عليه بالموت بأنواعه الثلاثة: الأدبي والطبيعي والأبدي، وبهذا الصدد يقول الرسول بولس «من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع» (رو 5: 12).

وعقاباً لارتكاب الإنسان الخطية طُرد من فردوس عدن، وحُكم عليه بالشقاء على هذه الأرض، وهكذا تاهت عقول الناس جميعاً بكل مستوياتهم الاجتماعية والفكرية والعقلية، تاهت عقولهم بتفسير أسباب الخطية ونتائجها في كل الأحوال، وطرح السؤال: فيما إذا أخطأ الإنسان هل يعاقب حالاً من الله؟

وهل إذا الإنسان ابتلي ببليّة يكون ذلك نتيجة لارتكابه خطية ما؟

هذه الأمور كانت قد ظهرت أحياناً في تعليم الكتاب المقدس، فالرب يسوع مثلاً عندما شفى المخلّع الذي كان متروكاً على ضفة بركة بيت حسدا قال له: «لا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر» (يو 5: 24)، وكذلك عندما جاء الأربعة بالمفلوج، وثقبوا السقف وأنزلوا ذلك المفلوج أمام الرب يسوع ورأى الرب إيمانهم فقال للمفلوج: «ثق يا بني مغفورة لك خطاياك» (مت 9: 2). نستشفّ من هذا أن الخطايا كانت السبب لتلك البلايا، فالرب عندما غفر له خطاياه أزال عنه شدة تبكيت الضمير، وأراحه روحياً ثم شفاه جسدياً.

ولكن هذه ليست قاعدة عامة لكل بليّة، وإذا آمنّا أنَّ كل بليّة تكون نتيجة للخطية نكون قد سقطنا في الخطأ الذي وقع به الرسل عندما قالوا عن ذلك الإنسان المولود أعمى: «هل هو أخطأ أم أبواه حتى ولد أعمى؟».

فقبل كل شيء نرى أن التلاميذ قد سقطوا في خطيّة «دينونة الآخرين»، ونحن أيضاً كثيراً ما ندين الآخرين الذين أصيبوا في بليّة ما، جسدية أو مادية، ونخطئ بدينونتنا الآخرين، فعندما نرى مثلاً الإنسان الذي يظهر وكأنه سعيد في هذه الحياة، يتمتَّع بصحة تامة، ويملك الأموال الطائلة، وغير ذلك من أسباب الهناء الدنيوي، نظنّ أن الله قد رضي عنه. ونرى الإنسان الذي يشقى بعاهة مزمنة، وفي آلام وأوجاع، أو فقر مدقع كأن الله قد غضب عليه. كما أن بعض الناس اعتادوا أن يستهزئوا بالمعوقين ظناً منهم أن الله قد غضب عليهم، فهم لا يستحقون أن يتمتعوا براحة في هذه الحياة الدنيا. هذا كان حال الإنسان المولود أعمى كان الناس يحتقرونه، وحيث أنه كان يستجدي، كان بعض الرحماء يشفقون عليه ويحسنون إليه.

كان تلاميذ الرب كأغلب مواطنيهم اليهود قد سقطوا في خطية دينونة الآخرين، خاصة ممن سمح الله أن يجربوا، ولا حقَّ لتلاميذ الرب أن يدينوا الآخرين. فعندما مروا بهذا الإنسان الذي قد ولد أعمى، سألوا معلمهم قائلين: من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟

عجبي كل العجب من سؤالهم هذا!

كيف يخطئ الإنسان قبل ولادته؟

هنا تظهر لنا بعض العقائد الباطلة التي دنَّست الديانة اليهودية، قد يكون الاعتقاد بأن أبويه أخطأا فولد أعمى، يستند إلى ما جاء في الكتاب المقدس كقوله تعالى: «لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ» (خر 20: 5)، وإن «الآباء أكلوا الحِصرم وأسنان الأبناء ضرست» (حز 18: 2)، ولكن كيف يكون هذا الأعمى قد أخطأ قبل أن يولد؟

هذه عقيدة وثنية باطلة دنَّست الديانة اليهودية، وهي عقيدة التناسخ، التي تتمسك بها الديانة الهندوسية وغيرها، وهي الإيمان بفكرة تجوال الروح بعد مغادرتها الجسد بالموت. فهم يعتقدون بأنَّ الأرواح جائلة متنقلة في أطوار شتى من الوجود، تنتقل من جسد إلى آخر سواء أكان في الإنسان أم الحيوان في طريقها إلى هدفها الأخير الذي هو الاندماج في الكائن الأسمى، وأن كل عمل يأتيه الإنسان في كل طور يمرّ به من أطوار الوجود المتكررة، تقرره الأعمال التي يأتيها في الوجود السابق وهي بمثابة كفارة. فجسد الإنسان وأخلاقه ومولده وثروته واختباره وسعادته وآلامه هي كلَّها نتيجة أعماله التي أتاها في وجود سابق، صالحة كانت أم شريرة، وجزاء لتلك الأعمال، كما أن الأعمال التي يأتيها المرء في وجوده الحاضر، صالحة كانت أو شريرة تهيئ طوراً جديداً للتكفير والاستغفار عن طريق التأمل والزهد في دورات الحياة وهذا اعتقاد باطل يفنّده الكتاب المقدس، فالعهد القديم الذي هو من كتاب اليهود يعلّمنا كيف أن الله خلق الإنسان من تراب الأرض، ونفخ في أنفه نسمة الحياة، فصار آدم نفساً حيّة. ويصف سفر الجامعة موت الإنسان بقوله: «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها» (جا 12: 5).

إذاً لا تتجول الروح بعد موت الإنسان، لتفتّش لها عن جسد وليكون اختيارها مبنياً على نتيجة أعمالها في حياة سابقة، فإذا كانت نفسه تقية تحلّ بجسد إنسان صالح وسعيد في الحياة الجديدة، وإن كانت خاطئة تحلّ في بهيمة، وحتى في حشرة أو في جسد إنسان قبل ولادته ليكون بعد ولادته شقياً أو معوّقاً ليجازى في الفترة الحالية عن أعماله السابقة بعذاب.

وهذا الاعتقاد الوثني الباطل لا يمت إلى العقائد السماوية السمحة بصلة، ذلك أن هذه العقيدة الوثنية تنزل بالروح الخالدة التي هي نسمة من الله إلى درك أن تحلَّ في إنسان معوق أو حيوان مفترس أو بهيمة أو حتى حشرة لتكفر عن خطايا اقترفها الإنسان في فترة سابقة من حياته.

لذلك ظنّ التلاميذ أن ذلك الإنسان المولود أعمى قد أخطأ في طور سابق للحياة، ويُعاقب في هذه الفترة الحالية من حياته، هذه عقيدة باطلة رفضها الرب، لذلك فالرب أجاب تلاميذه قائلاً: لا هذا أخطأ ولا أبواه.

نحن نعلم أيضاً من الكتاب المقدس أن الآباء يأكلون الحصرم وأسنان الأبناء تضرس، بناء على هذا التعليم على كل إنسان أن يتجنب الخطية، ليس لئلا يعاقب هو من أجلها، أيضاً لئلا يعاقب أولاده عن ذلك الذنب.

إن التطرف في هذه العقيدة يوصلنا إلى أن نحكم على الناس بالباطل إذا شاهدناهم مصابين بأمراض أو بلايا أو خسائر، ولا يمكن أن نحكم بها عليهم أنهم خطاة. فالربط بين الخطية والبليّة، يولد لنا اضطراباً فكرياً كمسيحيين، ولكن عندما نقرأ سفر أيوب نرى ذلك الإنسان البار الذي نال شهادة عظيمة من الله بقوله: «لأنه ليس مثل عبدي أيوب في الأرض رجل كاملٌ ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر» (أي 1: 8)، فأيوب البار التقي الذي نال كل هذه النعمة، نراه وقد فقد كل أفراد عائلته وكل ما كان يملك من غنى وصحة وأسباب الهناء الدنيوي في الحياة الدنيا، ونراه أيضاً مطروحاً في مزبلة يتألم بكل العاهات والأمراض التي أصابت جسمه كله، لا نحكم عليه لأننا كبشر نبعد عنا ما يجب أن نحكم به على أنفسنا من أمور، ونحكم على الآخرين وندينهم، ولذلك نرى المسيح يقول: «لا تدينوا كي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون» (مت 7: 1).

جيد جداً عندما ندين أنفسنا، حين نقع في بليّة أو مرض أو أية تجربة قاسية، مثلما أخطأ أبناء يعقوب عندما ظلموا أخاهم يوسف وطرحوه في الجب ثم باعوه عبداً للإسماعيليين، وجرى عليهم ما جرى من ضيق، أما يوسف فقد أنجح الله طريقه حيث صار الرجل الثاني في مصر بعد فرعون، ولما جاء إخوته إلى مصر على أثر الجوع الذي عمّ البلاد وجرّبهم أخوهم يوسف وهم لم يعلموا أنه أخوهم تذكروا ما فعلوه به وقال بعضهم لبعض: إننا ننال من الرب عقاباً لأننا لم نشفق على أخينا. لهم الحق أن يدينوا أنفسهم، وكل واحد منا له الحق بل أيضاً الواجب أن يدين نفسه ليفحص ما اقترفه من ذنب، بالفكر، بالقول، بالعمل، بكل ما حاد به عن شريعة الله، فإذا ما أصيب ببليّة يفتكر بذلك ويتوب، ولكن لا يحق له أن يدين الآخرين.

ولكننا كبشر عندما ندين الآخرين كما فعل الرسل بدينونة ذلك الإنسان المولود أعمى، كما كان أهل عصرهم يفعلون فهذه خطية عظيمة، ولكن أرادوا أن يعرفوا ممن يعرف ما في القلوب والأفكار، من الرب يسوع: هل هو أخطأ؟ أم أبواه؟ فأخذوا الدرس بجواب الرب لهم قائلاً: لا هذا أخطأ ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه.

ونأخذ نحن الدرس أيضاً عندما نرى الآخرين في شدة وندينهم ونعرف أن هذا الأمر لا يحق لنا أن نفعله، وأن الله وحده له الحق أن يدين البشر، وبهذا الصدد قال الرب يسوع: «لأن الآب لا يدينُ أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن» (يو 5: 22)، وبسماح من الله يجرب إبليس الناس وعندما يسمح اللّه لإبليس أن يجرب الناس فهو تعالى لا يقصد أن يعاقبهم بل أن ينقيّهم من الشوائب كما ينقى الذهب بالنار وأن تظهر أعمال اللّه فيهم.

أجل إننا بدراسة موضوع الإنسان المولود أعمى، نتلقَّى دروساً روحية نفيسة، فقد كان الرب في الهيكل في بدء السنة الثالثة لتدبيره الإلهي العلني بالجسد، وفي الهيكل سُئل فيما إذا كان هو المسيح، فأجابهم علناً: إنه هو ماسيا المنتظر، وعندما خرج من الهيكل رأى ذلك الأعمى وسمعنا الحديث الذي جرى بين الرب ورسله، ولكن الرب لم يكتف بهذا، بل أعلن أنه قد أتى إلى العالم لكي يعمل أعمال الآب، ومن جملة أعمال اللّه الآب هو الخلق. إن الله الآب خلقنا من تراب الأرض ومنحنا الروح الخالدة، هذه النسمة منه تعالى.

فالرب يسوع لكي يبرهن لأولئك التلاميذ أنه هو يعمل أعمال الآب، قال: أبي يعمل وأنا أيضاً أعمل، ثم تفل على الأرض وجبل طيناً، هذا التفل وعمل الطين يرمزان إلى ما فعله الله الآب عندما خلق الإنسان الأول من تراب الأرض، ووضع يسوع التفل مكان العينين في وجه المولود أعمى حيث لم يكن هناك أيضاً مكان للعينين، ثم قال لذلك الإنسان الأعمى: اذهب واغتسل في بركة سلوام، هذه البركة التي يخرج نبعها من تحت فسحة الهيكل واسمها حالياً بركة سلوان وفي العهد القديم كانت تدعى شيلوه (أنظر نح 3: 5 وأش 8: 6) يقال إنهم كانوا ينسبون إلى مياه هذه البركة فعلاً صحياً عجائبياً كما ينسب إلى مياه بركة بيت حسدا لذلك أرسل يسوع المولود أعمى إلى هذه البركة لينشط إيمانه فذهب واغتسل فأبصر.

الذي نلاحظه في هذه الأعجوبة ـ أيها الأحباء ـ أنها تمتاز عن سائر المعجزات التي اجترحها الرب يسوع، ففي تلك المعجزات أعاد الرب يسوع إلى أولئك الناس ما كانوا قد فقدوه، حتى الموتى كانت أرواحهم قبل موتهم في أجسادهم، وعندما فارقتها ماتوا، فأعاد الرب الأرواح إلى الأجساد فنالوا الحياة ثانيةً. لكن في هذه الأعجوبة لم يكن لهذا الإنسان نعمة البصر، حتى لم يكن هناك موضع للعينين في وجهه فخلق الرب يسوع العينين من تراب الأرض الذي جبله.

وما نلاحظه أيضاً أن هذا الإنسان لم يسأل الرب يسوع أن يشفيه، مع أنّ غيره من المرضى كانوا يطلبون من الرب الشفاء فكان يستجيبهم. أما هذا فلم يسأل شيئاً ولكن الرب يسوع أشفق عليه وأظهر عمل الله فيه. وهو يعرف بأنه يستحق نعمة البصر ونعمة الخلاص، وانجلى ذلك مما جرى له بعدئذ حيث بإطاعة الرب يسوع وذهابه إلى بركة سلوام واغتساله بمائها برهن على إيمانه بالرب يسوع، بل قد أعلن جهراً إيمانه هذا واعترافه بالمسيح يسوع وتحمل العذاب في سبيل ذلك.

أجل إنّ آباءَنا في طقوسنا الدينية المقدسة، يظهرون كيف أن اليهود ادّعوا أن الشفاء جرى من بركة سلوام وليس من الرب يسوع فيقولون: إنّ بركة سلوام موجودة، والعميان لا عدد لهم في تلك الأرض آنذاك ليذهبوا ويغتسلوا، لكي نرى هل يُشفون أم لا.

إذاً الأعمى عندما أطاع الرب يسوع برهن أنه يؤمن بالرب يسوع ولذلك نال نعمة الشفاء.

أجل، عندما يصاب أحدنا بمرض ما، نتعب بالجسد ونتألم مثلما كان الرسول بولس قد أصيب بمرض عضال في الجسد ربما كان مرضه آكلة في ظهره، أو مرضاً عضالاً في عينيه، قد تكون ما تكون إنما كانت مصيبة أليمة، فطلب من الرب أن يشفيه. بولس الرسول الذي كانت تؤخذ ثياب عن جسده وتوضع على المرضى فيشفون، حتى أنه أقام موتى ومع ذلك كان مريضاً، وعندما طلب من الرب أن يرفع عنه هذه الشدة، التي يسميها الشوكة في الجسد، قال له الرب: «تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تُكملُ» (2كو 12: 9).

كان يوم اجترح الرب يسوع معجزة الإنعام على المولود أعمى بالبصر يوم السبت فلم يبال الرب يسوع ولا المولود أعمى بما أوصى به الكتبة والفريسيون ألاّ يمشي اليهودي يوم السبت أكثر من بضعة خطوات ولا أن يركض بسرعة من مكان بعيد إلى بركة سلوام كما فعل المولود أعمى فقد ركض ولا بد أن آخرين ساعدوه لأنه لم يكن يبصر وجاء إلى بركة سلوام واغتسل فأبصر كان اليوم سبتاً وهم يراقبون الرب أنه أخطأ وخطيئته عظيمة برأيهم لأنه قد كسر السبت، ولم يفكروا بالأعجوبة الباهرة التي اجترحها، استدعوا ذلك الأعمى تحققوا منه هل كنت أعمى؟

ـ نعم.

ـ كيف أبصرت؟

ـ إنسان جبل طيناً ووضعه في وجهي وأرسلني إلى بركة سلوام فاغتسلت وأبصرت. هذا الإنسان خاطئ قالوا له، لأنه كسر السبت ووقفوا بحيرة عظيمة، لأنهم قالوا: إنّ الرب يسوع قد كسر السبت لماذا؟ لأنه منح نعمة البصر، لإنسان مولود أعمى، ومعنى هذا أنهم أثبتوا حقيقة هذه الأعجوبة، لذلك استدعوا والدي الشاب المولود أعمى وسألوهما عن ابنهما وكانا خائفين، فقالا: هو كامل السن، أسألوه. فأعلن المولود أعمى أن إنساناً يقال له يسوع منحه نعمة البصر ثم قال عن يسوع بعدئذ أنه نبي وقال له الفريسيون إنّ هذا إنسان خاطئ لأنه كسر السبت، قال لهم هل يمكن أن الله يسمع لخاطئ؟ أخاطئ يستطيع أن يعطي البصر لإنسان مولود أعمى؟ عندئذ حرموه، حرموا هذا الإنسان الذي كان أعمى أخرجوه خارج المحلّة أصبح غريباً عنهم ولكن الرب ظهر له ذلك أن الذي يُضطهد من أجل إيمانه بالمسيح يسوع.

فيظهر له الرب يسوع ويقوّيه، ومن يضطهد أحد أتباع المسيح لأجل إيمانه بالمسيح إن كان هذا الإنسان باراً وكان تقياً ومتمسكاً بالشريعة والناموس إن كان كذلك فالمسيح لابدَّ أن يظهر له ويقوّيه، وكان المولود أعمى أول إنسان يُضطهد من أجل إيمانه بالمسيح يسوع لينال نعمة الخلاص والبصيرة بالإضافة إلى نيله نعمة البصر.

وظهر له المسيح وقال له أتؤمن بابن الله، أجاب المولود أعمى: من هو لأؤمن به، فقال له: أنا هو الذي تراه.

فأدرك حالاً أن هذا هو يسوع المسيح هذا الذي أنعم عليه بنعمة البصر وكان قد وصفه أولاً أنه إنسان ثم دعاه نبياً أما الآن فآمن أنه حقاً ابن الله فسجد له.

لقد آمن المولود أعمى بابن الله الذي خلق له عينين فأبصر وشكر الله ولئن طرد من الجماعة، ولئن تنكر له حتى أقرب الناس إليه، ولكنه أعلن إيمانه بابن اللّه واعترافه به وشكره تعالى لأنه خلقه أعمى ثم أنعم عليه بنعمة البصر والإيمان به في آن معاً.

أيها الأحباء:

كم بليّة نبتلى بها ولكن لا نشكر الرب ولا نحمده بل نتذمر، فالرب يريدنا أن نفهم أن التجارب التي تطرأ علينا إنما هي لخيرنا فهو يؤدب كل ابن يحبه، فإذا ما أدبه يعني ذلك أنه أتى به إلى الخلاص.

فإذاً الذي ولد أعمى وهبت له نعمة عظيمة، وبإيمانه قد وهب له لا أن يؤمن فقط بل أيضاً أن يتألم على حد تعبير الرسول بولس، صار لنا جميعاً قدوة فإذا ما أُصبنا ببليّة كأيوب البار ويوسف الصدّيق، الذي ابتُلي وسجن وعذب لأنه تمسك بسيرته الطاهرة، بالعفة والقداسة وكل إنسان كان ينظر إليه في السجن يظن أن الله قد ابتلاه، الله قد غضب عليه ولكن الله كان معه وقال الكتاب عن يوسف: «لأن الرب كان معه ومهما صنع كان الرب ينجحه» (تك 39: 23).

وكان الله مع هذا الأعمى فمنحه نعمة البصر والإيمان في آن واحد وآمن بالمسيح واعتبر أول من اضطهد في سبيل المسيح ونحن نتصور روحه الطاهرة اليوم مع أرواح القديسين في فردوس النعيم يشكر ليلاً ونهاراً لأنه تعالى سمح أن يولد أعمى ثم تحنن عليه فأعطاه نعمة البصر والإيمان. نسأل الرب أيها الأحباء الإله أن يبعدنا من خطية دينونة الآخرين ويلهمنا لنتمسك بإيماننا القويم الذي تسلمناه من الرسل الأطهار الذين تسلموه من الرب يسوع وأن يجعلنا أحبائي مقتدين بالمعترفين والشهداء والأبرار الذين آمنوا بالرب واعترفوا به أنه «الله ظهر بالجسد» وهو ابن الله الوحيد مخلصنا وفادينا.

نسأله أن يؤهلنا لنكون أيضاً في فردوس النعيم بعد العمر الطويل معه له المجد ومع الأبرار والصالحين ونعمته تشملكم دائماً وأبداً آمين.

 

عيد بشارة العذراء مريم

عيد بشارة العذراء مريم

عيد بشارة العذراء مريم (1)

رسالة يوحنا 1 (3: 2ـ 12)

غلاطية (3: 15ـ 22)

لوقا (1: 26ـ 38)

 

عيد بشارة العذراء مريم

«فدخل إليها الملاك وقال: السلام لك أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك مباركة أنت في النساء… لاتخافي يامريم لأنك وجدت نعمة عند اللّه وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الاله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الابد ولايكون لملكه انقضاء»

   (لوقا1: 28ـ 33)

ما أبهج الفجر وهو ينبلج نوراً وضياء بعد ليلة ليلاء شديدة الظلمة. «ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام، المبشر بالخير، المخبر بالخلاص»(اش 52: 7). ما أروع منظر الملاك جبرائيل وهو داخل إلى البيت البسيط الذي كانت تقطنه العذراء مريم في مدينة الناصرة، ليبشرها بالحبل الإلهي.

أجل كانت السماء قد تلبّدت بغيوم الغضب الداكنة، وكانت الأرض مضطربة على أثر اللعنة التي أصابتها منذ سقوط الإنسان بالخطية، وتورطه بالتمرد على اللّه تعالى. وكان الإنسان يشقى في أرضه بعد أن طرد من فردوسه، ويتعزى بالوعود الالهية بالعودة إلى وطنه السماوي.

ومرّت الدهور إثر الدهور، والإنسان بعيد عن خالقه. لأن البر والاثم لايجتمعان، والقداسة والخطية لاتنسجمان، وبهذا الصدد يقول النبي أشعيا لبني البشر: «آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع» (اش 59: 2). ويقول الرسول بولس: «إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله»(رو 3: 23) ومع كل ذلك لم يخل جيل من أجيال البشر من أناس عبدوا اللّه وسعوا لعمل الصلاح لإرضاء اللّه فاختارهم اللّه لتبليغ إرادته الإلهية ونواميسه السامية لبني البشر. لأن اللّه رحيم كما انه عادل، ورحمة اللّه كانت الوازع لانزال الوحي والإلهام على المختارين من الآباء والأنبياء. فأوصلوا بدورهم الوعود الإلهية لإخوتهم البشر، فكان الرجاء بخلاص الإنسان سبب عزاء للأتقياء الذين عاشوا مع الله، وهم ينتظرون مجيء المخلص، مشتهى الأمم ورجاء الاجيال. وعاش أولئك الأولياء من الآباء وماتوا على رجاء الخلاص… ومهما كانت حياة بعضهم طويلة ومديدة لم يتمكنوا من الجمع بين زمن السقوط بالخطية وزمن مجيء المخلص لانقاذهم منها، وبهذا الصدد يقول عنهم الرسول بولس:« في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدّّقوها، وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عب 11: 13).

بدت المواعيد الإلهية عبر الدهور كالنجوم الساطعة في سماء الإنسان المملوءة بالسحب الداكنة، وأخذها الخلف عن السلف، وهو يرددها بروح الرجاء والإيمان، وينتظر المخلص. ففي البدء،وعلى أثر تمرغ الإنسان بخطية الكبرياء والتمرد على الله، قال تعالى للحية إبليس «ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك وأنتِِ تسحقين عقبه»(تك 3: 14 و15). ويوضح النبي أشعيا الذي استشهد سنة 696قبل الميلاد، أن تلك المرأة هي عذراء، إذ قال «ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل»(اش 7: 14).

واشترك الملائكة بإعلان هذه المواعيد، وعين اللّه تعالى جبرائيل أحد رؤساء الملائكة ومعنى اسمه «جبار اللّه» وهو الواقف قدام اللّه (لو 1: 19) قد عينه اللّه ليكون ملاك سر التجسد الإلهي. أي ملاك العهد الجديد، عهد الخلاص، والنعمة، والرحمة. فقد أرسله اللّه قبل الميلاد بخمسة قرون إلى رجل اللّه البار، النبي دانيال، في أرض بابل حيث كان مسبياً مع شعب العهد القديم وهو يواصل الصلاة إلى اللّه لأجل عودة الشعب إلى دياره، ويدرس النبوات السابقة ويتوق إلى أن يرى إتمامها، فاستجاب الرب الإله صلاته، وأرسل إليه جبرائيل الملاك الذي أعلن له نبوة الأسابيع السبعين، محدداً بها زمن مجيء ماشيحا المسيح المنتظر «قدوس القديسين».

ولما أوشكت الأسابيع السبعون على الانتهاء أُرسل جبرائيل أيضاً من السماء إلى هيكل الرب فوقف عن يمين مذبح البخور مبشراً زكريا الكاهن العجوز بميلاد يوحنا الذي يقوم برسالة تمهيد السبيل لمجيء المسيح المنتظر وليبشر الناس بقدومه. وفي الشهر السادس من تاريخ الحدث العجيب بلغ ملء الزمان، فوقف جبرائيل قدام العذراء مريم، وهي تصلي في بيت بسيط كانت تقطنه في الناصرة، فحياها بإكرام لائق، قائلاً لها: «سلام لك أيتها الممتلئة نعمة الرب معك، مباركة أنت في النساء، فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية، فقال لها الملاك لاتخافي يامريم لأنك قد وجدت نعمة عند اللّه وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع.هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولايكون لملكه نهاية» (لو 1: 28 ـ 33).

أجل لم يرسل جبرائيل الملاك في هذه المرة إلى عاصمة عظيمة شهيرة من عواصم الامبراطورية الرومانية، ولاحتى إلى المدينة المقدسة، بل أرسل إلى مدينة الناصرة الصغيرة التي قيل عنها بعدئذ: «أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح» (يو 1: 46) ولم يرسل الملاك جبرائيل في هذه المرة إلى هيكل الرب، بل إلى بيت بسيط متواضع، حولته العذراء مريم إلى قدس أقداس للرب إذ جعلته نظيفاً، أنيقاً، مرتباً، تفوح منه رائحة الفضيلة، وتعبق في جوانبه نسمات الصلاة النقية التي كانت العذراء مريم ترفعها إلى عرش اللّه بالسماء في أوقاتها الثلاثة يومياً مكملةً بذلك الفريضة المقدسة التي كان يقوم بها كل تقي وتقية من شعب العهد القديم. ويقول آباؤنا الميامين إن العذراء كانت حين بشرها الملاك بالحبل الإلهي، منفردة جاثية تصلي بحرارة ليقرب الرب موعد ارسال المخلص الذي بشر به الأنبياء عبر الدهور وتاقت إلى قدومه الشعوب والأجيال. فالعذراء مريم بالإضافة إلى قيامها بفريضتي الصوم والصلاة، كانت وهي ربيبة الهيكل تقرأ أسفار الشريعة والنبوات متأملة بذلك بتدقيق لتعمل بمشيئة الرب، وتطبق نواميسه الإلهية وأحكامه السامية. وهي ككل فتاة في شعب النظام القديم كانت تتوق من أعمق أعماق قلبها إلى أن يولد منها المسيح المخلص.

هذه الفتاة النقية الطاهرة والعفيفة القديسة مريم اختارها اللّه والدة لابنه الوحيد في سر تجسده الإلهي.

نعم لو خُيِّر الناس بانتقاء أمهاتهم لاختاروا بنات الملوك والعظماء والنبلاء والأغنياء، مهما كانت سيرتهن وسريرتهن، أما مقياس السمو لدى السماء فهو التمسك بشريعة اللّه والعمل بأحكامه بلا لوم، ولذلك اختار الرب هذه العذراء الطاهرة التي كانت تسير مع الرب، متمسكة بشرائعه، عاملة بوصاياه وأحكامه، فاختارها الله أماً لابنه الوحيد الحبيب. وعلى الرغم من فقرها المدقع، ومسكنتها، ويتمها، وجهل الناس بها وإياها، فقد كانت محاطة بالعناية الربانية، وكانت عين اللّه ترعاها، والله فاحص القلوب والكلى يعرفها حق المعرفة فهي في عينه تعالى صفوة الخليقة، وقد اختارها منذ البدء، وأوحى إلى أنبيائه فذكروها بنبواتهم، فهي من ذرية داود(لو 2: 4) وكذلك خطيبها يوسف البار(مت 1: 20) وهي المرأة التي نسلها (المسيح) يسحق رأس الحية، وهي العذراء التي تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره اللّه معنا(مت 1: 23) فهي والدة الإله.

والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا الموقف هو هل أن العذراء مريم ابنة الثلاث عشرة سنة أدركت فحوى بشارة الملاك لها؟! والجواب هو أن اللّه الذي اختارها هو الذي قوّاها ووهبها حكمة ونعمة وإيماناً متيناً ثخيناً فقبلت الحقائق الإيمانية وسلمت بها تسليماً ولكي تعرف كيف تتصرف مع هذا الأمر العجيب سألت الملاك بإيمان قائلة: كيف يكون هذا وأنا لم أعرف رجلاً؟ فشرح لها الملاك سر التجسد الإلهي الذي انما تم بصورة تفوق الطبيعة واعتبر أعجوبة الأعاجيب والذي وصفه الرسول بولس بعدئذ بقوله: «وبالإجماع عظيم هو سر التقوى اللّه ظهر في الجسد»(1تي 3: 16) وفي هذا الصدد أجاب الملاك العذراء مريم قائلاً: «الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله»(لو 1: 34 ـ 36) فأجابت مريم الملاك قائلة «هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك»(لو 1: 38) وبهذا سلمت مريم إرادتها بيد الله، وهذا هو الإيمان بل هذه هي الحكمة الحقيقية السامية أن يسلم الإنسان إرادته بيد الله. ليقول للرب صادقاً «لتكن مشيئتك» وحالما فاهت العذراء بعبارة: «فليكن لي كقولك» حل عليهاالروح القدس فطهرها، ونقاها وقدسها. كما حل نار اللاهوت في أحشائها، وجبل ابن اللّه له جسداً كاملاً من جسدها اتحد به اتحاداً أقنومياً طبيعياً، فولدته العذراء مريم وهي عذراء قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة، واستحقت أن تدعى والدة الإله لأنها ولدت الإله المتجسد وكانت ولادته عجيبة كما كان الحبل به عجيباً فريداً. فكما ظهرت العوسجة للنبي موسى وهي تلتهب بالنار، ولكنها لم تحترق، كذلك أنار نار اللاهوت العذراء مريم ولم يحرقها.

وهكذا بدأ سر التجسد الإلهي، إذ حبل بيسوع في العذراء من الروح القدس، فالمولود من مريم كما وصفه الملاك «عظيم، وقدوس، وإبن العلي». وسماه الملاك «يسوع» لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. فهو الفادي الذي أرسله الآب السماوي، فوفّق بسري التجسد بين عدل اللّه ورحمته. ومثل الإله والإنسان في آن واحد وفدى البشرية بدمه الكريم وأبرم بذلك الصلح بين السماء والأرض وبرر اللّه الإنسان وقدسه وأهله ليكون ابناً له تعالى بالنعمة.

لا غرو من أن للعذراء مريم في عمل الخلاص دوراً مهماً، فهي والدة المخلص ومربيته، وقد صارت لنا وللعالم أجمع مثالاً يحتذى بالطهر والنقاء والتمسك بشريعة اللّه وأحكامه وفرائضه من صوم وصلاة. ففي هذا اليوم وفي كل يوم نطوبها ونتشفع بها. ونقتدي بالملاك جبرائيل وباليصابات وبعض القديسين مقتبسين منهم العبارات المقدسة لنحييها بحسب طقسنا السرياني في ختام صلواتنا صباح مساء وفي كل صلاة قائلين: السلام عليك يامريم العذراء الممتلئة نعمة، الرب معك مباركة أنت في النساء، ومبارك ثمرة بطنك يسوع: «يامريم القديسة ياوالدة اللّه صلي من أجلنا نحن الخطاة الآن وفي ساعة موتنا آمين».


عيد بشارة العذراء مريم (2)

تحتفل الكنيسة المقدسة في هذا اليوم المبارك بعيد بشارة السيدة العذراء مريم. وهو عيد سيّدي، من أعياد الرب المهمة جداً، حتى إننا إذ نحتفل به في أيام الصوم المباركة، نكسر الصيام النظامي، ولئن كنّا نتناول طعاماً صيامياً ولكننا لا نصوم حتى الظهر أو المساء، إنما نأكل ولو كسرة خبز بعد القداس الإلهي إكراماً لهذا العيد العظيم، لأنه بدء التدبير الإلهي الخلاصي، بدء التجسد، هذا التجسّد الذي إنما كان لأجل خلاصنا نحن البشر.

في هذا اليوم نتأمل بما كتبه البشير لوقا في الإصحاح الأول من بشارته. تنتقل أفكارنا إلى بيت صغير في بلدة صغيرة في الجليل اسمها ناصرة، وهناك نرى فتاةً متواضعة بسيطة يتيمة، ولئن كانت سليلة الملوك والكهنة والأنبياء، ولكن لم يبقَ لها من تلك الأمجاد سوى الاسم فقط، لأنها كانت يتيمة وفقيرة، إنما كانت قدّيسة عفيفة طاهرة نقيّة وكانت ربيبة الهيكل.

يصوِّرها لنا الآباء السريان القديسون وهي تصلي، لأنَّ الإنسان التقي امرأة كان أم رجلاً، لدى اليهود كان متمسّكاً بفروض الصوم والصلاة، يصوم مرّتين في الأسبوع، وكان يصلّي في النهار ثلاث مرّات. فآباؤنا يصورون العذراء مريم وهي تصلي، فيدخل إليها الملاك جبرائيل، في أي هيئة ظهر لا نعرف، نحن نعلم أن الملائكة أرواح، ونعلم أيضاً من الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد أن الملائكة تتجسّد وتتخذ لها جسداً أثيرياً، لأن الروح لا تُرى وعندما يريد الملاك بأمر الله أن يظهر نفسه يتّخذ جسداً أثيرياً، كيف كان هذا الجسد، هل كان بهيئة شاب كما يقول بعض آبائنا، أو هل كان على شكل غريب كما نتصوّر الملائكة دائماً بأجنحة وغير ذلك.

كل ما نعلمه هو أن العذراء مريم ارتعبت عندما رأته فحيّاها قائلاً لها: السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة، الرب معكِ مباركة أنتِ في النساء. وبشّرها: لا تخافي يا مريم، لأنّكِ قد وجدتِِ نعمة عند الرب، وها أنتِ تحبلين وتلدين ابناً وتسمّينه يسوع، هذا يكون عظيماً وابن العليَّ يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ولا يكون لمُلكه انقضاء.

بعد أن قال لها: لا تخافي يا مريم، واطمأنَّ قلبها، انجذبت نحو كلام الملاك ولكن بسرعة فائقة افتكرت وأجابته: كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟ فيجيبها الملاك: الروح القدس يحلّ عليكِ وقوة العليّ تظللكِ، ولذلك فالقدوس المولود منكِ يدعى ابن الله.

هذه نعمة عظيمة نالتها العذراء مريم بعد أن كانت قد امتلأت نعمة، كما امتلأت جزّة جدعون بالطل يوم كانت الأرض كلها يابسة. كانت الأرض ومن عليها بعيدين جداً عن نعمة الله، الجميع أخطؤوا ـ يقول الرسول بولس ـ وأعوزهم مجد الله.

كان هناك بعض الناس الذين انتظروا مواعيد الرب، بعضهم ماتوا، لكنهم ولئن ماتوا إنما رقدوا على رجاء مجيء المسيح، أما العذراء فكانت في عِداد أولئك الذين كانوا يترجّون مجيء المسيح المنتظر، وكانت كل فتاة لدى اليهود تحلم بأن يولد منها هذا البطل الذي يخلّص شعبه، أما معنى الخلاص فلم يفهموه إنما وضّحه الملاك جبرائيل للعذراء: «يُدعى اسمه يسوع»، ويسوع هو المخلّص كما وضّحه بعدئذ ليوسف: «لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم». هذه العذراء اختارها الله لتكون أماً له.

في البدء عندما أخطأ الإنسان أعلن الله وهو يعلن للحية أن نسل المرأة يسحق رأس الحية، ويأتي إشعياء قبل مجيء المسيح بسبعة قرون  فيعلن أن هذه المرأة هي بتول عذراء: «هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل»، فالعذراء قد أشار إليها العهد القديم بنبوّات عديدة، وقد اختارها الله أماً لابنه الوحيد. نرى عظمتها بتواضعها، ولو كان أحدنا قد خُيِّر قبل أن يولد أن يختار له أماً، لاختار إحدى بنات الملوك والرؤساء والعظماء والأنبياء، ولو خُيِّر أن يولد في مدينة، لاختار عاصمة عظيمة شهيرة كأثينا وروما وأنطاكية والإسكندرية وغيرها في تلك الأيام. ولو خُيِّر أن يولد في بيت لاختار قصراً… هذه مقاييسنا نحن البشر، أما مقاييس الله فتختلف كلياً، فهو يحتقر هذه العظمة الفارغة، لا يرى في الكبرياء إلا الخطيّة، ولا يرى الأمور التي تظهر للناس زاهيةً وجيّدة إلا أسباباً لتمرّغ الإنسان بالآثام.

هو يريد القلب النقي، القلب الطاهر، النفس التي لا تشوبها خطيّة، لذلك يختار فتاةً كالعذراء مريم ولئن كانت فقيرة أو يتيمة ومرذولة، وقد تكون أيضاً محتقرة من الناس، اختارها لتكون أماً له لعفّتها وطهرها ونقائها، وهي تجاوبت مع البشارة لإيمانها ولأنها كانت تفهم الكتاب على الرغم من صغر سنّها، فهي ربيبة الهيكل، كانت تلهج بناموس الرب ليلاً ونهاراً كما يوصف الإنسان الصالح في المزمور الأول، وهي تعرف النبوّة أيضاً لأن الله كان قد هيّأها لعمل الفداء العظيم، وكل نعمة ينالها من الله تحتاج إلى قبول الإنسان لها.

يعني مثلاً حتى في مفهومنا نحن البشر، إذا أعلن رئيس في بلد ما العفو عن إنسان مجرم حُكِم عليه بالإعدام، لا يقبل هذا الإعلان ما لم يقبل ذلك المجرم هذا العفو. هكذا النعمة التي أعطيت للعذراء مريم أن تكون أماً للرب، «إني عبدة الرب فليكن لي كقولك»، ويقول آباؤنا: إنه في تلك اللحظة حلّ عليها الروح القدس، فبعد أن طهّرها ونقّاها، هيّأها ليحلّ فيها المسيح، ففي تلك اللحظة حلّ اللاهوت في أحشائها فحبلت بابن الله.

قال مار يعقوب: المجد للآب الذي أرسل الملاك فبشّر مريم، والسجود للابن الذي نزل فحلّ فيها في حال ما فاه به الملاك، والشكر للروح القدس الذي طهّرها ونقّاها ثم حلّ فيها.

إننا في هذا اليوم إذ نتأمّل بالعذراء مريم التي هي بشر مثلنا، وقد ولدت مثلنا تحت حكم الخطيئة الأبوية، وكانت معرّضة أيضاً للخطيئة، ليست هي بريئة من الخطيئة أبداً، ليس بريء من الخطيئة ممّن لبس الجسد البشري سوى المسيح يسوع ربنا.

نحن نعظّمها ونعطيها الطوبى كما تنبّأت هي عن نفسها، وتعظيمنا وتمجيدنا إياها إنما يكون من خلال تمجيدنا لابنها يسوع المسيح ربّنا. هذه العذراء هي بشر مثلنا، ولكنها كانت طاهرة ونقيّة متمسّكة بفروض الصوم والصلاة، اختارها الله أن تكون والدة له، وأعطتها الأجيال الطوبى، ونحن أيضاً نعطيها الطوبى في هذا اليوم متشفعين بها قائلين ما قاله لها الملاك وما قالته لها أيضاً أليصابات: «السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة، الرب معكِ، مباركة أنتِ في النساء ومباركة ثمرة بطنكِ يسوع، يا مريم القديسة يا والدة الله صلّي لجلنا نحن الخُطاة الآن وفي ساعة موتنا آمين». 


عيد بشارة العذراء مريم (3)

«هوذا أنا أمة الرب فليكن لي كقـولك»

           (لوقا1: 38)

في عيد البشارة أحبائي تبتهجُ النفوس التي تؤمن حقاً بالمسيح يسوع ربنا، ويعتبر هذا العيد بدء الأعياد السيّديّة لأن فيه ابتداء التدبير الإلهي بالجسد للمسيح يسوع ربّنا ومخلّصنا.

كانت الدّهور والأجيال بحاجة ماسّة إلى الخلاص من الخطيئة الأصلية التي اقترفها آدم في الفردوس، وكان ينوب عن نسله في حالة الخسارة والربح. كان الإنسان ـ كما هو اليوم ـ قد فسد وطغى وابتعد عن الله. كان بحاجة إلى المسيح.

الرسول بولس يصف أولئك الناس قائلاً: «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله»، ولكن مع هذا نرى أقلية من الناس المؤمنين الصالحين لا يتركون كنيسة الله وعبادة الله. كذلك في تلك الأجيال أيضاً كان هناك أناس يعبدون الله، كان هناك أناس يترجّون الخلاص من الخطيئة التي كانت سبباً لهدم هيكل الروح في قلب الإنسان وفكره، وتمّ ما قاله إشعياء لجيله ولنا والأجيال: «خطاياكم صارت فاصلةً بينكم وبين إلهكم».

كان هناك أناس علاقتهم بالله متينة ثخينة، واتّكالهم عليه يسنده الرّجاء بمجيء المخلّص. هؤلاء هم الذين أوحى إليهم الرب ليبشّروا الناس بانتظار الخلاص، وبعد أن اكفهرّت السماء بغيوم مؤلمة جداً وبعد أن هيمن اليأس على قلوب الناس، انفجر الفجر فجأةً، ورأينا الملاك جبرائيل واقفاً أمام العذراء مريم في بيت بسيط في قرية حقيرة قيل بعدئذ عنها: «أمِن الناصرة يخرج شيء صالح». هناك وقف جبرائيل أمام عذراء، فتاة يتيمة فقيرة بسيطة رُبِّيَت في الهيكل بعد فقدها والديها، وكان والداها قد نذراها للرب، والنذر ليس نذراً أبدياً بالبتولية في تلك الأيام، إنّما كان نذراً محدّداً لمدة يسكن خلالها الإنسان بيت الله منذ نعومة أظفاره ويعبد الله ويتعلّم الناموس والفروض والنبوات كما جرى لصموئيل النبي مثلاً، ولكن أولئك النسوة التقيّات اللّواتي بعد ترمّلهن يسكنّ بيت الله يمكثن هناك حتّى مغادرتهن هذه الحياة، وكانت كلّ واحدة منهن تسعى للعناية بالذين قد نذروا العيش في الهيكل فترة من الزّمن.

في الهيكل تربت العذراء مريم على جداول مياه الشريعة الإلهية، والفروض التي وضعها موسى على شعبه. وكانت إلى جانب هذا تقرأ النبوّات، فهي ولئن كانت صغيرة وفقيرة فقد كانت سليلة الملوك والكهنة والأنبياء، وكانت على معرفة واسعة بوعود الرب، وكانت في عِداد الذين يترجّون مجيء المسيح.

ولما بلغت الرابعة عشرة من عمرها خُطبَت ليوسف البار بحسب ناموس موسى وتعاليم الآباء اليهود. وفي دار خطيبها في الناصرة وقف أمامها الملاك جبرائيل بإكرام. وكان هذا الملاك ذاته قد وقف قبل خمسمائة عام من ذلك التاريخ أمام النبي دانيال الذي كان في عِداد اليهود المسبيين في بابل، وكان في كل يوم يتّجه ثلاث مرّات نحو المدينة المقدسة طالباً من الرب أن ينهي مدة سبي شعبه. ولكن الرب أرسل إليه جبرائيل الذي نعتبره ملاك العهد الجديد، ملاك التجسّد الإلهي وبشّره، ليس بعودة الشعب إلى وطنه، بل بعودة الإنسان إلى فردوس النّعيم، إلى ملكوت الله. أنبأه عن الخلاص الذي سيكون بعد سبعين أسبوعاً أي بعد خمسمائة عام من ذلك التاريخ.

ثم وقف جبرائيل أيضاً قبل ستة أشهر من موعد بشارته للعذراء، لا في قرية حقيرة كالناصرة ولا في بيت بسيط كبيت يوسف خطيبها، ولكن في يمين هيكل البخور في الهيكل وبشّر الكاهن زكريا بأن امرأته أليصابات ستلد له ابناً يدعى اسمه يوحنا ليكون سابقاً لمجيء المسيح ويكون عظيماً كما قال الملاك لزكريا وخمراً ومسكراً لا يشرب، ويُعدّ الطريق أمام الرب.

أجل، بعد ستة أشهر من ذلك الموعد رأينا الملاك جبرائيل واقفاً أمام العذراء مريم بإكرام ويقرئها السلام قائلاً: السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة. أجل، قد امتلأت تلك العذراء الطاهرة نعمة، ويخبرها أن الله قد أنعم عليها وأنها ستلد ابناً وتدعو اسمه «يسوع»، هذا يكون عظيماً وابن العليّ يُدعى. ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على آل يعقوب إلى الأبد ولا يكون له نهاية.

ترتعب العذراء ولكنها تؤمن وتبتهج، فكل فتاة يهوديّة كانت تتوقّع أن يولد منها «ماشيحا» المنتظر، وتكون أماً لمن سيأتي ويخلّص البشرية ولئن كانوا يظنّون أن البشرية هي عبارة عن شعب خاص أختاره الله، ولكننا نعلم من تبشير الملاك لزكريا وترنيمة زكريا وأليصابات ثم العذراء مريم أن المخلّص هو للعالم أجمع. وقف جبرائيل وأعلن هذه البشارة للعذراء، ماذا نتوقّع من العذراء الفتاة الصغيرة التي تُبشَّر بأنها ستلد ابناً؟. سألت سؤالاً واحداً هو: «كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟». هذا سؤال معقول ولا ينمّ عن شكّ، لذلك يعلن لها الملاك الحقيقة الإلهية بقوله: «الروح القدس يحلّ عليكِ وقوّة العليّ تظللك فلذلك أيضاً فالقدوس المولود منكِ يدعى ابن الله».

إن أمراً كهذا يحتاج إلى رضى المنعَم عليها، إلى إعلان مشيئته، أعلنت العذراء مشيئتها فتممت مشيئة الله، أن يأتي ابن الله ويحلّ في أحشائها، ولكن هذا لم يتمّ إلاّ بعد أن قالت العذراء: «هوذا أنا أمة الرب فليكن لي كقولك»، كل نعمة تأتينا من السماء إذا لم نقبلها، نُجرَّد منها. فهذه النعمة العظيمة التي أتت على العذراء مريم، والبشرية انتظرت كلمة واحدة من العذراء: «هوذا أنا أمة الرب فليكن لي كقولك». فانصرف عنها الملاك.

في تلك اللحظة ـ كما يقول آباؤنا ـ حلّ عليها الروح القدس وطهّرها ونقّاها لأن العذراء بشر مثلنا ولدت تحت حكم الخطيّة الأبويّة وأخطأ بل كفر من قال إنها معصومة عن الخطيّة.

عُصمَت عندما حلّ عليها الروح القدس، فهيّأها ليحلّ في أحشائها نار اللاّهوت، وأخذ الرب ناسوتاً كاملاً منها، اتحد به اتحاداً لا انفصال فيه وبعد تسعة أشهر ولدته منها، ويصفه الرسول بولس «الله ظهر بالجسد» فاستحقت العذراء أن تدعى «والدة الإله».

الدرس الذي نتلقّاه من السماء في هذه اللحظات ونحن نتأمّل ببشارة الملاك للعذراء مريم، أن نؤمن بالحقائق الإلهية الموحى بها من الله، والمدوَّنة في الكتاب المقدس وتعاليم آبائنا القديسين، كما آمنت العذراء مريم، لو لم تؤمن بقول الملاك لما قالت له ليكن لي كقولك.

وأن نسلّم إرادتنا ومشيئتنا لله كما فعلت العذراء مريم: ليكن لي كقولك. مثلما يشاء الله نفعل أحبائي. حوّاء كانت سبباً لمذلّة الجنس البشري وخروجه من فردوس النعيم، وحوّاء الجديدة، العذراء مريم بتقواها، بعفّتها، بقداستها اختارها الرب لتكون أماً له، وكانت كأم لله، والدة الله قد رفعت مركز المرأة وأزالت العار عن حوّاء لتكون بوساطة ابنها الوحيد سبباً لعودة الإنسان إلى فردوسه.

ففي هذا اليوم وفي كل يوم وكل صلاة بحسب تقليد آبائنا نعطي السلام للعذراء مريم، نوحّد ما بين سلام الملاك لها وتطويب أليصابات التي دعتها أم ربّي، ونقول لها: «السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة. الرب معكِ. مباركة أنتِ في النساء. مبارك ثمرة بطنكِ يسوع». ونطلب منها: أيتها القديسة مريم، نطلب منها لتشفع فينا، نطلب منها أيضاً لتسندنا حتّى آخر نسمة في حياتنا، لنكون ثابتين في المسيح وبما قاله ويقوله الرب وبالخضوع لإرادته الربّانيّة ليحفظكم إلهنا بشفاعتها آمين.


السلام الملائكي وتسليم الإنسان وجهه إلى اللّه (4)

«فقالت مريم هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك»

  (لوقا1: 38)

في هذا اليوم المبارك الموافق لعيد بشارة العذراء مريم بالحبل الإلهي، نقف متأمّلين في خشوع سر التجسّد الإلهي العجيب الذي فيه تمّت الوعود التي قطعها الرب مع الإنسان منذ بدء الخليقة فالإنسان الذي هوى في وهدة الخطية وعده اللّه أن ينقذه من عدوّه إبليس معلناً أن نسل المرأة يسحق رأس الحية إبليس وتلك المرأة أعلن لنا سرها النبي إشعياء (في القرن الثامن ق.م) موضحاً بأنها فتاة عذراء بنبوته القائلة: «ولكن يعطيكم السيدُ نفسُه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعُو اسمه عمانوئيل»(إش7: 14). وعندما استشهد الرسول متى بهذه الآية بالإنجيل المقدس الذي كتبه فسّر اسم عمانوئيل قائلاً: الذي تفسيره اللّه معنا»(مت1: 23)، أجل كان الإنسان ينتظر هذا الخلاص ولكن لم يتمكّن الإنسان الأول آدم ولا غيره من الآباء الذين جاءوا بعده أن يحظوا برؤية الإله المتجسّد المسيح يسوع نسل المرأة الذي حبل به من الروح القدس وولدته العذراء مريم إلهاً متجسّداً فحق لها أن تُدعى والدة الإله. وبهذا الصدد يقول الرسول بولس عن الآباء الذين آمنوا بالله وصدّقوا مواعيده وماتوا على رجاء مجيء المخلص «في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدّقوها وحيَّوها وأقرّوا بأنّهم غرباءُ ونزلاءُ على الأرض«(عب11: 13). وما أجمل ما قاله الرب يسوع عن ابراهيم أبي الآباء: «أبوكم ابراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرح»(يو8: 56). فلم يره بعين الجسد بل رآه بعين الروح كما رأى رمزاً سابقاً. وكان اللّه قد عيّن جبرائيل أحد ملائكته الكبار ليعلن هذه البشارة للأنبياء بين حين وآخر عبر الدهور فقبل تجسّد الرب يسوع بخمسة قرون حدّد رئيس الملائكة جبرائيل الموعد للنبي دانيال وهو في السبي البابلي بنبوة الأسابيع السبعين (9: 24)، وعندما آن الأوان وجاء ملء الزمان بشّر جبرائيل زكريا الكاهن في هيكل البخور بميلاد يوحنا الذي صار سابقاً للمسيح وهيّأ طريق الرب ونادى الشعب ليستعد بالتوبة والإيمان بالمسيح المنتظر قائلاً: «يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلّ سيور حذائه. أنا عمّدتكم بالماء وأما هو فسيعمّدكم بالروح القدس»(مر1: 7).

ففي ملء الزمان ظهر الملاك جبرائيل نفسه في بيت بسيط متواضع في مدينة الناصرة التي قيل عنها بعدئذ هل من الناصرة يخرج شيء صالح، وقف باحترام أمام فتاة عذراء كانت سليلة الملوك والكهنة والأنبياء ولم يكن قد بقي لها من ذلك المجد التليد سوى الفقر المدقع مقترناً بالتواضع والقداسة. كانت تصلّي كما يقول آباؤنا السريان ولا غرو من ذلك فإن الأتقياء من شعب العهد القديم كانوا يصلّون ثلاث مرات في النهار ويصومون يومين في الأسبوع، والعذراء مريم كانت قمة في التقوى ومخافة اللّه لذلك كانت تواظب على الصلاة وتكمل الفروض الدينية وكانت عندما وقف أمامها جبرائيل جاثية أمام الرب بالصلاة، السلام لك قال لها الملاك، وبشّرها بأنّها تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم كما بشّرها أيضاً بأن يسوع هذا هو قدوس وابن العليّ يُدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ليملك على آل يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه انقضاء، بشّرها بكل ذلك وهي تعرف النبوات وقد درست أسفار التوراة والنبوات جيداً يوم كانت تعيش في الهيكل مع النسوة التقيات منذ كانت في الثالثة من عمرها وقد بلغت الآن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها ولكنها وهي عذراء طاهرة لا بد أن توجّه السؤال الاستفساري إلى الملاك قائلة كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟ الروح القدس يحلّ عليك ـ قال لها الملاك ـ وقوة العلي تظلّلك ولذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله. (لو1: 26 ـ 35)

هذه الحقيقة الإلهية أعلنها لنا الملاك جبرائيل فالعذراء نالت نعمة عظيمة ولكن هذه النعمة لا تكمل ما لم تقترن بتسليم العذراء وجهها للّه وإعلان إرادتها بقبول قراره تعالى لذلك أعلنت العذراء «فقالت: هوذا أنا أمةُ الرب ليكن لي كقولك»(لو1: 38)، فحلّ عليها الروح القدس حالاً وطهّرها من الخطية وقدّسها فصارت أهلاً ليحلّ في أحشائها نار اللاهوت وجبل الأقنوم الثاني من دمائها جسداً له، اتّحد به أقنومياً وطبيعياً فتمّ سرّ التجسّد الأمر العجيب الذي حدث مرة فقط ولن يتكرر أبداً. كيف تمّ ذلك؟ لا نعلم حتى العذراء لم تعلم شيئاً من هذا ولكنها آمنت وقالت: ها أنا أمة الرب، بقولها هذا صارت والدة وأماً له، بقولها هذا علّمتنا كيف نقدّم الطاعة التامة للّه ونكرّس أنفسنا له ونسلّم وجهنا له تعالى، بالانقياد الخالص إليه، وكذلك علّمتنا أن نعطيها الطوبى لأن القدير صنع بها عظائم (لو1: 48و49) فلنعطها الطوبى دائماً خاصةً في هذا اليوم المقدّس الذي يعد من الأعياد الكبيرة السيدية لأنه هو بدء التدبير الإلهي في الجسد هذا السر العظيم الذي يصفه الرسول بولس بقوله: «وبالإجماع عظيمٌ هو سر التقوى اللّه ظهر في الجسد»(1تي3: 16).

لنعطِ العذراء مريم السلام في كل مرة نقف أمام اللّه لنصلّي، فالكنيسة المقدّسة تعلّمنا أن نسلّم على العذراء في ختام صلواتنا بالكلمات التي فاه بها جبرائيل الملاك وفاهت بها أيضاً أليصابات بعدئذ، قائلين: «السلام لك يا مريم العذراء الممتلئة نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء ومبارك ثمرة بطنك يسوع. يا مريم القديسة يا والدة الإله صلّي من أجلنا نحن الخطاة الآن وفي ساعة موتنا آمين».

في هذا اليوم أحبائي نحتفل أيضاً بذكرى ولادة رهبنة مار يعقوب البرادعي للعذارى أولئك اللواتي اقتدين بالعذراء مريم فأعلنت كل واحدة منهن أثناء طقس اتّشاحها بالإسكيم الرهباني بأنها أمة الرب وأنها تسلّم بإرادة الرب وكأني بها تقول:.. كما شاء اللّه الذي دعاني لأكرِّس نفسي بالنذور الرهبانية: البتولية المقرونة بالعفة والفقر الاختياري والطاعة التامة ليكن لي كما أراد الرب الإله الذي هو عريس نفسي.

نهنّئ بناتنا الفاضلات الراهبات عذارى مار يعقوب البرادعي في ذكرى تأسيس رهبنتهن هذه الرهبنة المباركة التي نضع فيها آمالاً مقدّسة جسيمة ونهنّئ في مقدّمتهن الأم الفاضلة الرئيسة حنينة هابيل التي هي الرائدة أي أول من اتشح بإسكيم الرهبانية من راهبات مار يعقوب البرادعي اللواتي اقتدين بالعذراء مريم بتسليم وجههن للرب. ليعطِهن الرب النعمة العظيمة إذ قالت كل واحدة منهن أثناء إتمام مراسم طقس تلبيس الإسكيم الرهباني: بإرادتي التامة رغبت أن أقدّم نفسي للّه. نسأل الرب الإله أن تزدهر هذه المؤسسة المباركة في خدمة الكنيسة وخدمة الجيل الصاعد حيث أن الراهبات يسعين في ميدان التربية المسيحية السريانية الأرثوذكسية إلى إعداد شباب الكنيسة وبناتها لينشؤوا نشأة مسيحية صالحة. كما يطيب لنا في هذا اليوم المبارك أن نهنّئ ابننا الروحي الفاضل الربّان إيليا الذي قلّدناه الصليب المقدّس أثناء القداس الإلهي لإخلاصه في خدمته وأتعابه الجمّة كسكرتير ثانٍ في البطريركية ومسؤول المجلة البطريركية للشؤون المالية والأنباء والمراسلات كافة، باركه اللّه تعالى ووفّقه وبهذه المناسبة نبارك أهله كافة ونهنّئهم، ونهنّئ أبناءنا الروحيين الذين رسمناهم شمامسة أفدياقونيين وقرّاء ونهنّئ أهلهم وذويهم. باركهم الرب جميعاً. ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً آمين.


عيد بشارة العذراء مريم (5)

نشكر الله أيها الأحباء الذي أهلنا جميعا لنحتفل بهذا الصباح بعيد بشارة السيدة العذراء بالحبل الإلهي واني لمسرور جذا أن أرحب بأصحاب النيافة الأحبار الأجلاء مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة ومار اقليميس أوجين النائب البطريركي في الولايات الغربية للولايات المتحدة ومار ديوسقورس بنيامين أطاش النائب البطريركي في السويد ومار أثناسيوس إيليا باهي المعاون البطريركي، كما أرحب أيضا بسرور بحضرة البروفسور الكمندور خريستوس فولكاريس أستاذ علم اللاهوت في كليتنا اللاهوتية في معرة صيدنايا هذه، كما هو عميد ثلاث كليات لاهوتية في اليونان. أحبائي في بدء القداس تُلي على مسامعكم فصل هو الفصل الأول من الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا، لوقا الذي كان احد السبعين كما كان طبيباً بارعاً وكاتباً ماهراً، وكان أيضاً معلماً الذي علمنا بأسلوب منطقي في الإنجيل الذي كتبه بدءا من بشارة زكريا ثم بشارة العذراء وتسلسل معنا في حوادث التدبير الإلهي للرب يسوع في الجسد، قال البشير لوقا في الشهر السادس أُرسل الملاك من السماء إلى عذراء مخطوبة لرجل واسم العذراء مريم إلى مدينة الناصرة ويظهر لنا كيف أن هذا الملاك العظيم احد رؤساء الملائكة دخل البيت الذي كانت فيه العذراء مريم وحياها السلام لك قال لها أيتها الممتلئة نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء ارتعبت العذراء، فيقول لها: «لا تخافي يا مريم ـ يسميها باسمها ـ لأنك قد وجدتِ نعمة عند الله ها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتدعينه يسوع هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على آل يعقوب إلى الآبد ولا يكون لملكه انقضاء»، حديث شيق بين مريم العذراء وبين رئيس الملائكة جبرائيل تسأله كيف يكون هذا وأنا لا اعرف رجلاً؟ ويشرح لها أن الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك ولذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى ابن الله ويذكرها أن اليصابات العاقر التي كانت نسيبتها حبلى في الشهر السادس، وهذا الشهر السادس للمدعوة عاقراً لأنه ليس شيء عسيرٌ عند الله العذراء مريم الفتاة ابنة الأربع عشرة سنة التي تربت في الهيكل يتيمة والتي عاشت عيشة البر والتقوى والعفاف والقداسة آمنت حالا فقالت ها أنا أمة للرب ليكن لي كقولك حالاً حلّ عليها الروح القدس طهرها ونقاها وحل الروح في أحشائها جابلاً من دمها جسداً كاملاً، أي جسد وروح في آن معاً، هذه هي عقيدتنا فحملت الإله ودعيت في السريانية ܝܠܕܬ ܐܠܗܐ والدة الإله لأنّ اللاهوت حلّ في أحشائها واتحد الأقنوم البشري بالأقنوم الإلهي والطبيعة البشرية بالطبيعة الإلهية فولدت الإله المتجسد الذي يقول عنه الرسول بولس «الله ظهر بالجسد».

ما أعظم النعمة التي نالتها العذراء مريم! إذا كنا في بدء الخليقة قد أصبنا بمرض عضال هو الخطية الأبوية بوساطة حواء فالعذراء مريم أزالت هذا العار عن جدتها وأصبحت فخراً للبشرية إذ حملت الإله في أحشائها وولدته بطريقة عجيبة حملته ليس بزرع بشر بل من الروح القدس وولدته وهي بتول قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة فسميت دائمة البتولية. الرب برحمته أشفق على حواء وعلى النسل البشري كافة فغلبت رحمته عدله فإذ حكم على الإنسان بعقاب صارم لأنه خدع بقول إبليس الذي تلبس الحية، هذه القصة قديمة جداً ويفهمها كل إنسان هي حقيقة إلهية أعلنت لنا في الوحي الإلهي فإذا كان الرب قد حذر الإنسان انه إذا أكل من الثمرة علامة فقط فانه موتاً يموت في الوقت نفسه غلبت رحمته عدله وأعلن أن هذه المرأة التي خدعت بإبليس نسلها يسحق رأس الحية أي إبليس بالذات لكن أيضا إبليس الحية الدهرية تلسع عقبه والنعمة العظيمة التي اعطاها الرب للإنسان حينذاك العداوة العداوة مابين الإنسان وعدوه إبليس. إبليس يحاول دائماً أن يخدعنا بأنه غير موجود واليوم أيضا البدع والهرطقات تقول لا شيطان في الكون وهذا أمر يسر فيه الشيطان لأنك إن لم تعرف عدوك بخدعك ويميتك بدون أي صعوبة ولكن عندما وضع الله العداوة بين نسل المرأة ونسل الحية أنقذ الإنسان من خدعة إبليس، الرب أيضا أعطى الإنسان وعداً أن نسله يسحق رأس الحية، نسل المرأة بالذات هذا فضل عظيم للنساء، ونسل المرأة هو المسيح الذي لم يولد من زرع بشر بل هو أصل الموعد كما يقول فيه الرسول بولس: «لم يقل بالأنسال بل بنسلك تتبارك الشعوب» إذ ذكر الرب ذلك لإبراهيم، ونسل المرأة المسيح يسوع هو الذي أعطانا الخلاص وهو الذي بلاهوته جعلنا أبناءً لله بالنعمة وغلبنا إبليس ولا يستطيع إبليس أن يغلب أي إنسان يؤمن بالمسيح يسوع إن ترجم إيمانه بالأعمال الصالحة أي ترجم وصايا الرب لأن التمرد في البدء وضعف إبليس وعدم طاعة قول الرب جعل الإنسان أن يسقط من سماء مجده والطاعة هي التي تجعلنا أن نعود إلى فردوس النعيم ولذلك فالعذراء مريم عندما أطاعت قول الرب وقالت: « ليكن لي كقولك»، فرضيت بالنعمة التي أُعطيت لها واستطاعت أن تظهر بنا بوساطة ابنها الوحيد ربنا يسوع المسيح. الوعد صار في الفردوس وسار مع الأجيال والناس عاشوا طويلاً في الأجيال الأولى ولكن لم يتمكن واحد منهم أن يربط ما بين السقوط والظهور، ما بين الخطية وبين البر فالرسول بولس يذكر عنهم أنهم ماتوا ولكنهم ماتوا على رجاء مجيء المسيح المخلص وأيقنوا أنهم كانوا غرباء على هذه الأرض، طموحهم أنهم يعودون إلى فردوس النعيم لذلك اعتبروا أنفسهم غرباء في هذه الأرض حتى جاء المسيح وأنقذهم كما أنقذ سائر البشرية أبناء البشرية وبناتها. والمسيح بالبشارة عندما بُشر بالعمل به للعذراء مريم بدأ تدبيره الإلهي بالجسد وانتهى التدبير الإلهي بالفداء، بموت المسيح على الصليب وبقيامته من بين الأموات ثم بعدئذ بصعوده إلى السماء بهذا فتح أبواب السماء لنا جميعاً نحن الذين نؤمن به أنه هو مخلصنا الإلهي، ففي بدء التدبير الإلهي البشارة المقدسة والعذراء استحقت لا لأنهما من نسل الملوك والأنبياء والكهنة بل لأنها استطاعت منذ كانت فتاة صغيرة يتيمة تربت في الهيكل مع النسوة الفاضلات استطاعت أن تغلب إبليس ولم يستطع إبليس أن يخدعها مثلما خدع أمنا حواء، واستطاعت أيضا بتواضعها أن تكون أماً للإله المتجسد.

لو واحد من أبناء البشر يختار أمه لاختار إحدى بنات الملوك والرؤساء والكهنة والأغنياء لكن الله بالذات عندما اختار ليولد من عذراء طاهرة فاختار مريم التي بطهرها وعفتها وقداستها اختارها لتكون أسمى بشر في الكون سمت حتى على الملائكة فاستحقت أن يُقال لها أنها ممتلئة نعمة، العذراء مريم لابد أن تكون وُلدت كما يولد سائر أبناء البشر وبناتهم، ولدت تحت حكم الخطية لكن عندما اختارها الله ليجبل من دمها جسداً لإبنه الوحيد ربنا يسوع المسيح حل الروح القدس عليها فطهرها ونقّاها ثم جبل من دمائها جسداً كاملاً ناسوتاً كاملاً ليس جسداً فقط بل جسد ونفس اتحد هذا الجسد وهذه النفس باللاهوت وأصبح طبيعة واحدة، أقنوماً واحداً، مشيئة واحدة، لا يمكن بعد اتحاد طبيعتين أن ندعو مسيحين فلنا مسيح واحد، ابن واحد هو الاقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، اله واحد هو الرب يسوع ففي هذا اليوم ونحن نحتفل بعيد بشارة العذراء مريم نعطيها الطوبى أحبائي لأنها أصبحت أول من يستحق أن نتشفع بها لأن ابنها يسمع لها. فاليوم وفي كل يوم نطوبها إذ طلبت ذلك «منذ الآن تطوبني جميع الأجيال لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتقونه» ونكرر في ختام كل صلاة نقوم بها صباح مساء وفي كل آن نكرر السلام الذي أعطاها إياه الرب بوساطة رئيس ملائكته جبرائيل «السلام لك أيتها الممتلئة نعمة الرب معك ـ نقول لها أيضاً كما قالت اليصابات ـ مباركة أنت في النساء ومبارك ثمر بطنك يسوع يامريم القديسة يا والدة الله صلي لأجلنا (كم نحن بحاجة ماسة إلى صلاة العذراء؟) صلي لأجلنا نحن الخطاة الآن وفي ساعة موتنا آمين»، وليكن هذا العيد المبارك سبب نعمة لنا جميعاً أيها الأحباء متشفعين بالعذراء مريم ويعيد الرب هذه الذكرى عليكم باليمن والبركات. وفي هذا اليوم يسرنا جداً أن نحتفل بذكرى تأسيس الرب على يدنا أنا الضعيف قبل خمس عشرة سنة رهبنة مار يعقوب البرادعي للعذارى كان ذلك بالهامٍ ربّاني، اختار الرب الابنة الروحية الفاضلة حنينة هابيل لتكون أول راهبة لنا في رهبنة مار يعقوب البرادعي، لقد اختارها منذ نعومة أظفارها حيث قد تربَّت في دارٍ تفوح منها رائحة المسيح الزكية، دار والديها المؤمنين، والدها المرحوم الشماس الإنجيلي يوحانون هابيل، الذي كان شماساً يخاف الله، ويجيد الألحان الكنسية على مدار السنة ليس هذا فقط بل كانت حياته حياة بر وطهر وقداسة، وتمسّك بالآباء القديسين، وأخذ يتعمق بدراسة كتب الآباء بالسريانية، ويحدثك إن جلست إليه بجهاد هؤلاء الآباء واستشهاد بعضهم في سبيل التمسك بالإيمان مفتخراً بكنيسته السريانية وآبائها الميامين. وجدّها والد أمها كان شماساً إنجيلياً ترمل فترهبن وكان راهباً فاضلاً نقرأ عنه في رسائل المثلث الرحمة البطريرك أفرام برصوم مثنياً على أتعابه في سبيل خدمة الكنيسة والبطريركية بالذات، والذين عاشروه كراهب في الحسكة يفتخرون بتقواه ومخافته لله، في ذلك الجو، جو البر والقداسة نشأت أول راهبة لنا من رهبنة مار يعقوب البرادعي التي تقدمت ورُسمت أيضا أماً ورئيسةً للراهبات، الأم الراهبة حنينة هابيل قبل خمس عشرة سنة في مثل هذا اليوم، يوم أسسنا هذه الرهبنة فنهنئها بهذه المناسبة ونهنئ سائر الراهبات الفاضلات العزيزات اللواتي أصبحن موضع فخر للكنيسة، بل أيضاً للكنائس الأخرى بالتقوى ومخافة الله، بالعلم، بالمعرفة، بالفضيلة، بالجهاد، بالإقتداء بمار يعقوب البرادعي الذي نحن في أمس الحاجة في جيلنا هذا أن نتقمَّص روحه ليس فقط لعبادة الله بل أيضاً في الإهتمام بتثبيت المؤمنين على الإعتقاد والإيمان التام بعقائدنا التي تسلمناها من آبائنا فنتمنى أن نصلّي دائماً لكي تزدهر هذه الطريقة الرهبانية لراهباتنا الفاضلات اللواتي هدفهن خاصة التربية الدينية المسيحية واليوم نرى أن لهن أديرة عديدة بدءاً من دير مار يعقوب البرادعي في العطشانة والدير في دار البطريركية بدمشق والدير الملحق بدير مار أفرام ههنا في معرة صيدنايا كما أنه كُرس لهن دير في بغداد برعاية نيافة أخينا الحبر الجليل مار سويريوس حاوا مطران بغداد والبصرة وفي دور التأسيس الآن دير آخر في الحسكة ملاصقاً لكاتدرائية مار جرجس كما أن المساعي في كل مكان للأحبار الأجلاء إلى الترحيب براهباتنا الفاضلات التقيات العفيفات اللواتي يهتَممن بهمة عالية في تدريس أبنائنا وخاصة معلمي مدارس التربية الدينية في كل مكان، فحمص وأبرشية حمص وقراها تتمتع جداً بما تقوم به راهباتنا من تعليم، وكذلك أبرشية الجزيرة والفرات وطبعاً في بغداد مهمة الراهبات التربية الدينية وعقد فصول الدروس اللاهوتية.

فإذ نهنئهن في ذكرى تأسيس رهبنتهن ورسامة الأم حنينة كراهبة أولاً ورسامتها بعدئذٍ كأمٍ، كرئيسة للراهبات الأمر الذي ربما لا يعرفه الكثير منا أن رسامة رئيسة الراهبات تكون مساوية لرسامة الشماس الإنجيلي حتى في الماضي كان راسم أم الراهبات يضع هراراً على كتفها اليسار كالشماس الإنجيلي فهذه نعمة عظيمة في كنيستنا المقدسة أيها الأحباء حتى الآن بعض الناس من الكنائس الأخرى يسألون هل هذا ضمن عداد الكهنوت؟ هذا كهنوت بمستوى المرأة فكانت رئيسة الراهبات وحدها يحق لها أن تدخل المذبح المقدس عندما لا يكون في المذبح كاهن أو شماس وكان لهنّ عادةً محل خاص على يسار الإنسان الذي يتوجه إلى المذبح يوضع القربان المقدس بعد القداس الإلهي وكان يحق فقط لرئيسة الراهبات أن تدخل وتفتح هذه الخزانة وتأخذ القربان وتناول النسوة والأطفال هذا أمر ورثناه من آبائنا حتى نظهر هذه النعمة العظيمة للراهبة التي تتقدم الراهبات.

ليبارك الرب هذه الرهبنة والراهبات جميعاً، نتمنى ونصلي دائماً لكي تبقى هذه الرهبنة مزدهرة في كنيستنا، والرهبنة التي هي قوة وراء الكنيسة بصلاة الرهبان والراهبات لأجل أبناء وبنات الكنيسة نعمة عظيمة لكل من يقدم ابنه ليكون راهباً أو ابنته لتكون راهبة لخدمة كنيسة الرب ليعيد الرب عليهن وعلينا جميعاً هذه الذكرى باليمن والبركة ونعمته تشملكم دائماً وأبداً آمين.

                  


عيد بشارة العذراء مريم (6)

مرّت الدهور إثر الدهور، وكرّت الأجيال عقب الأجيال، والإنسان يتخبّط خبط عشواء في الليلة الظلماء. فالسماء غاضبة، والله لا يريد أن يتصالح مع الإنسان الذي تمرّد عليه، الإنسان الذي أراد أن يكون معادلاً لله، فسقط في غواية إبليس وانحطَّ من رتبتهِ السامية، حيث أنه قد خُلق على شبه الله كمثالهِ، بروح ناطقة، أي مفكّرة وعاقلة، وبنفسٍ طاهرة نقية، ولكن بغواية إبليس انحطّ الإنسان إلى هذا الدرك.

مرّت الدهور والله لم يعمل شيئاً إلاّ ما يخطّطهُ سابقاً، ففي البدء عندما أخطأ الإنسان أعلن الله بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية، حينذاك لا أعتقد أنّ آدم نفسه أدرك فحوى هذا الكلام، ولكننا نرى أنَّ الأجيال بعدئذٍ بوساطة بعض الأنبياء شرحت لنا الوحي الإلهي، فجاء في القرن الثامن قبل الميلاد النبي إشعياء ووضّح أنّ هذه المرأة هي عذراء، يختارها الله من بين بنات العالمين لتكون سبباً لميلاد المخلص، بل أن تلد المخلص بالجسد.

هذه الحقيقة السامية شرحت معنى ما قاله الرب في البدء: أنَّ نسل المرأة يسحق رأس الحيّة، لم يقل: «نسل الرجل»، بل قال: «نسل المرأة»، وهل يمكن أن يكون نسل للبشر دون رجل، هذا ما وضّحته إلينا الحقائق الإلهية إذ تمّت النبوات، فإشعياء يقول لنا: «يعطيكم السيد الرب نفسه آيةً، (لا شخص آخر بل السيد الرب نفسه يعطينا آية، هذه الآية العظيمة التي تمّت مرة واحدة ولم تتكرّر أبداً)، هوذا العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو اسمهُ عمانوئيل»، والرسول متى في الإنجيل المقدس استشهد بهذه الآية المقدسة فيقول: عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا، فوضّح أن الذي وُلد ويولد من العذراء مريم هو الله…، الله معنا ولذلك دُعيَ عمانوئيل.

في هذه الحقيقة الإلهية نرى أنّ الملاك جبرائيل يقول للعذراء مريم: «أيتها الممتلئة نعمة»، ليس فقط المُنعم عليها، بل هي الممتلئة نعمة لأن النعمة التي نالتها لم ينلها بشر أبداً، السلام الذي أُعطي للعذراء مريم أصبح سلاماً أبدياً، تكرّره الأجيال وتُضيف إليه ما قيل أيضاً عن العذراء من الوحي الإلهيّ عبارات سامية مثلما قالت إليصابات للعذراء عندما زارتها العذراء: من أين لي هذا أن تأتي أم ربيّ إليّ؟ دعتها أمّ الرب، ولذلك الآباء القديسون في مجامعهم المسكونية العامة أطلقوا على العذراء الصفة السامية والدة الإله، لماذا؟

لأنها عندما بُشّرت من الملاك وهي تُؤمن أنّ المخلص لابدّ أن يولد في بني إسرائيل، بل كل فتاة في العهد القديم كانت تتوق ليولد منها المخلص، لم يكونوا يفهمون معنى الخلاص، ربما ظنّوا أن الخلاص هو خلاص دنيوي، خلاص من الاستعمار الروماني، ولكن بالحقيقة الخلاص كان خلاصاً من الخطيئة والشيطان، بل أيضاً من الموت، ولذلك تمَّت النبوات عن هذا الخلاص كافةً، بل حدّد دانيال المدة قبل خمسمائة عام من مجيء الملاك جبرائيل أحد الملائكة الكبار إلى العذراء مريم مبشراً إياها بالحَبَل وميلاد المخلص.

كل نعمة يسكبها الله على إنسانٍ لا يمكن أن ينالها الإنسان ما لم يؤمن بها أولاً، إنسان حكم عليه بالموت وجاء العفو من رئيس البلاد أو ملكها لا يمكن أن يتمّ هذا العفو ما لم يقبل به المحكوم عليه بالموت. هكذا أيضاً عندما بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بالحبل الإلهي استفسرت منه وهي تعرف أنها بتول وَلَئِن كانت قد خُطبت نظامياً برجلٍ إذ كانت يتيمة بسيطة فقيرة، لم يكن لها أيّ مقامٍ لدى الناس، ولكنَّ الله يعرف القلوب، فالله عندما اختار أن يتجسد وأن يولد بالجسد لم يختَر إحدى الأميرات ولا بنات الملوك والرؤساء والأغنياء بل اختار فتاة يتيمة متواضعة عندما قالت بعدئذٍ نظر إلى تواضع أمتهِ، ولكن كانت سليلة الملوك والكهنة والأنبياء، وكانت تقيّة طاهرة، ربيبة الهيكل، نُذرت أن تكون في الهيكل لكن ليس نذر بتوليّة، لأنه لم يكن هناك بتولية في العهد القديم، حتى أن ابنة يفتاح عندما استقبلت والدها قادماً من نصرهِ على الغرباء وكان قد نذر أنه يقدم لله ذبيحة كل من يستقبلهُ، طلبت منهُ أن تذهب إلى الجبال قبل أن يقدمها ـ كعادة وثنية ـ لأن المسيح ربنا الذي أزال كل الذبائح لم يُذكر أنه كان قد ذكر الذبائح البشرية التي هي وثنية صرفة، وإلى اليوم في عبادة الشيطان تُقدم ذبائح بشرية، لذلك لم يكن هناك بتولية، فطلبت ابنة يفتاح أن تذهب إلى الجبال وتبكي بتوليتها، من هنا نعلم أنه لم يكن في العهد القديم نذور بتولية ولكن كانت نذور محدودة، كانت تنذر الفتاة مثلاً سنين  لتتربى إلى وقت زواجها في الهيكل لدى الأرامل اللواتي كنّ يعبدنَ الرب ليلاً ونهاراً بأصوامٍ وصلوات، مواظبين على ذلك متشفّعين بالله تعالى طالبين إليه أن يرحم شعبهُ يومذاك.

فالعذراء عندما حان وقت زواجها ـ كما يذكر الكتاب المقدس ـ أنّ يوسف البار خطبها، من كان يوسف؟ يوسف هو أحد أقربائها، وبحسب الناموس اليهودي كان لابدَّ عندما يتمّ الزمان لتُخطب هذه الفتاة أن يجتمع الكهنة طالما هي يتيمة، فاجتمع الكهنة وقرّروا أنّ الذي يحقّ لهُ أن يأخذها هو الأقرب إليها، وكان يوسف، بعض الآباء يقولون: إنّه كان أرملاً ـ وليس هذا عاراً ـ وبعضهم يقولون: إنه لم يكن متزوجاً، المهم خطبها، وإذا خطب أحد فتاة بإمكانه أن يأخذها إلى بيتهِ، حتى تُزفّ إليه رسمياً، فيتزوّجها، لكن طوال مدة الخطبة، مدة سنة تقريباً كان يحقّ لهُ أن يعرفها معرفة زواج، لذلك عندما حَمَلت العذراء مريم الرب يسوع في أحشائها وظهرت أنها حُبلى، لم يشكّ فيها أحد، ظنوا أنها حُبلى من يوسف، هذه هي العناية الربانية لِتُصان العذراء مريم، لكن يوسف كان الوحيد الذي شكّ، وهكذا يُعلمنا الإنجيل المقدس أنهُ شكّ ولذلك ظهر له الملاك ليلاً في حلم وقال له: يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأنّ الذي حُبل بهِ فيها هو من الروح القدس.

نأتي إلى الملاك وهو يُبشر العذراء، يُنصت إليها لِتقول لهُ: كيف يكون لي هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟ ويُظهر الملاك جبرائيل سرّ هذا الحَبَل: «الروح القدس يحلّ عليكِ وقوة العليّ تُظللكِ لذلك فالقدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله»، وذكر لها أيضاً إليصابات نسيبتها التي كانت حُبلى في شهرها السادس، إليصابات التي كانت شَيخة وعاقرة وزوجها أيضاً كان عاقراً، من هنا نعلم أنه كان لابدَّ للعذراء أن تَقبل هذه النعمة العظيمة التي امتلأت منها فكان جواب العذراء للملاك جبرائيل ها أنا أَمَة للرب لِيكن لي كقولك، حينذاك حلّ الروح القدس عليها، قبل كلّ شيء طهّرها ونقاها من كلّ خطيّة، هيّأها لِتكون هيكلاً، بل سماءً ثانية لله الابن الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، حينذاك وبعدما تطهّرت، حلّ نار اللاهوت في أحشائها ولم يحرقها بل أنارها، من هنا جاء ـ أيها الأحباء ـ ما تعتقده الكنيسة بأن العذراء هي «والدة الله»، لأنّ اللاهوت حلّ في أحشائها، والذي حُبِل به فيها وولدتهُ هو «الله المتجسّد»، ولذلك حقّ أيضاً للرسول بولس أن يقول وهو يصف الرب يسوع: «الله ظهر بالجسد»، هذه هي العذراء مريم التي نالت نعمة عظيمة وأصبحت والدة الله.

هذه العذراء مريم التي ربّت الرب يسوع بالجسد لِتكون قدوة للبتولات جميعاً، بالطُهر والنقاء والقداسة، وللأمهات أيضاً في تربية أولادهنّ التربية الصالحة، وعندما نُعيّد عيد بشارتها نعيّد كلّ الأعياد لأن البشارة هي بدء التدبير الإلهي بالجسد، ونتشفّع بها لا نعبدها لأنها بشر ومن عَبد البشر كَفر،لكننا نتشفع بها ونطلب صلواتها لأجلنا ولأجل العالم كافةً، ونحتفل أيضاً اليوم أحبائي بذكرى تأسيس رهبنة مار يعقوب البرادعي للعذارى البتولات اللواتي يُكرسنَ أنفسهنّ لله بشفاعة القديس مار يعقوب البرادعي المجاهد الرسولي العظيم.

لم تكن رهبنة البنات جديدة بل بدأت مع بدء رهبنة الرجال، إن كنّا نرى الرهبنة في برّيات مصر، فمار أنطونيوس عندما باع أموالهُ ووزعها على المساكين والفقراء، كانت لهُ أخت أودعها إلى بيت بتولات لِتعبد الله بالروح والحق معهنّ، وهذا يدلّ على أن الرهبنة النسائية بدأت مع الرهبنة الرجالية.

في كنيستنا خطونا خطوات جبارة في هذا المجال، فمار أفرام في القرن الرابع ولَئن بدأت الرهبنة في ديارنا هنا سورية القديمة الكبرى وما بين النهرين، ومنذ القرن الثاني كانت الرهبنة في مصر، لكن في الحقيقة مار أفرام السرياني هو الذي جعلها شاملة كاملة، ونظَّم أشعاراً عديدة وترانيم كثيرة، بل نظم جوقة ترتيل من البتولات، والبتولات المقصود بهنّ ليس فقط العلمانيات، إنما أيضاً العذارى الراهبات المكرسات أنفسهنّ لخدمة الله. ومع الأجيال أصبحت الراهبات مكرسات في خدمة الأديرة.

وأردنا بإلهام الروح القدس أن نُؤسّس رهبنة للتربية المسيحية لِعبادة الله بالروح والحقّ في الصوم والصلاة، الصلاة لأجل أنفسهنّ ولأجل الكنيسة، والصوم ليكنّ قدوة ومثالاً للبتولات، خاصةًَ بنات الكنيسة المقدسة المؤمنات. أسسناها سنة ألف وتسعمائة وتسعين ونشكر الله على هذا العمل الذي ألهمنا به الرب، وكانت أول راهبة كرست نفسها في خدمة الكنيسة بنظام رهبنة مار يعقوب البرادعي المجاهد الرسولي العظيم في العلم والمعرفة والتبشير وتثبيت المؤمنين على الإيمان القويم الراي كانت الفتاة حنينة هابيل، التي رُسمت راهبة في مثل هذا اليوم، وبعدئذٍ رُسمت رئيسة للراهبات. ولرئيسة الراهبات رسامة كاملة تدخل سلك الإكليروس، لأنها تكون برتبة الشماس الإنجيلي، وهذا شيء بحسب تقليدنا وإيماننا. ففي هذا اليوم نهنئها ونهنئ الراهبات العزيزات كافةً، اللواتي جاءت بعضهنّ لهذه الغاية، وقد ترقّت جداً رهبنتنا للبنات، وراهباتنا مثقفات الثقافة العالية وحصلت بعضهنّ على شهادات عالية من جامعات عالمية كُنّ فائزات بها بالدرجات الأولى، ليس هذا فقط فالشهادة التي نطلبها من بناتنا الراهبات هي التقوى ومخافة الله والاقتداء بالعذراء مريم ليكنّ بتولات طاهرات تقيات عفيفات ويخدمن الرب بالروح والحق، ويكنّ أيضاً كشفيعهنّ مار يعقوب البرادعي في خدمة تهذيب بنات الكنيسة وأبنائها وشبابها التهذيب المسيحي في تقوى الله ومخافته.

نهنئهن ونهنئكم جميعاً في عيد بشارة السيدة العذراء ونطلب إلى الرب بشفاعة السيدة العذراء مريم ومار يعقوب البرادعي هذا البطل الرسولي العظيم أن يصون بلادنا جميعاً بالسلام والمحبة ويُؤهلنا لنتمسك بإيماننا بعروة وثقى ويعطينا نصيب البتولات الخمس الحكيمات في ملكوت السموات ونعمته تشملكم وكلّ عام وأنتم بخير.      

 

جمعة الأربعين

جمعة الأربعين

جمعة الأربعين

أعمال الرسل (21: 4ـ 14)

العبرانيين (12: 12ـ 27)

متى (4: 1ـ 11)

 

جمعة الأربعين

«ثم أصعِد يسوع من الرّوح إلى البرّية ليُجَرَّب من إبليس، فصام أربعين نهاراً وأربعين ليلةً ثم جاع»

       (متى 4: 1ـ2)

ما تزال نفوسنا أحبائي تمخر عباب يمّ الصوم الأربعيني، ونحن في مسيرتنا نرافق الرب بصومه مدّة أربعين يوماً. وكذلك نشعر بأن الرب الذي جُرّب لأجلنا يسمح أيضاً بتجربتنا، وكما انتصر هو على إبليس بقوته سننتصر نحن أيضاً.

في هذا اليوم نحتفل بما نسمّيه في الطّقس الكنسي بجمعة الأربعين، وهو ذكرى تجربة الرب بعد انتهاء الصوم الأربعيني، لنبدأ مرحلةً ثانيةً هي صوم أسبوع الآلام. بدأنا بقوّة الرب مقتدين بيسوع لأنه لم يكن بحاجة إلى صيام، لكنه صام من أجلنا. عندما فُرِض علينا الصوم بشخص أبوَينا الأوّلَين في فردوس النّعيم لم نتمسّك به فسقطنا وكانت التجربة قاسيةً جدّاً. هي نفس التجارب التي دخلها الرب يسوع: شهوة الجسد كما يقول الرسول يوحنا في رسالته الأولى، وشهوة العين وتعظُّم المعيشة. كل هذا من العالم وليس من الله.

كان ربنا قد نال مجداً عظيماً أمام النّاس، فبعد أن تواضع واعتمد من عبده يوحنا، انفتحت السّماء والرّوح حلّ على هامته بشبه حمامة. وصوت الآب جاء: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت». دائماً عندما يتمجّد الأبرار تأتيهم التجارب حالاً، فكم بالحري ابن الله الذي طأطأ سماء مجده وجاء أرضنا ولبس جسدنا ويقول الرّسول بولس: «كان مُجرَّباً في كل شيء مثلنا بلا خطيّة» (عب4: 15). فبعد أن اُزيح السّتار عن جزء من مجده على إثر عماده من يوحنا حيث انشقّت السماء وهبط الرّوح القدس بشبه حمامة واستقرّ على هامته، وسمع صوت الآب قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (مر1: 11)، وكان الله قد أخفى عن إبليس حقيقة ألوهة الرب يسوع وسرّ تجسّده. إبليس وقد رآه يعتمد بتواضع ارتعب عندما رأى السماء وقد انفتحت وخاف جداً عند سماعه صوت الآب، ومجرّد قبول الرب يسوع أن يُجرَّب بالنيابة عن البشر وهو بذلك ظهر في قِمَّة تواضعه ووداعته، فانتهزها إبليس فرصةً مواتيةً لمنازلته. تُرى هل هو ابن الله حقاً؟ هذا الأمر كان خفيّاً على إبليس، ولئن كان إبليس وما يزال يعلم أموراً كثيرةً جدّاً تفوق معرفتنا كبشرٍ، ويعرف شيئاً من المستقبليات، ولكنه تحت حكم الله، لا يستطيع أبداً أن يتصرّف من نفسه بالشر، ما لن تأذن له السّماء، وإبليس موجود ولكنّه ذكيّ جدّاً، هو عدوٌّ لنا وسيبقى عدوّاً وهذه نعمة عظيمة نلناها من الله عندما سقطنا في الخطيئة بشخص أبوَينا الأوَّلَين، أن الله صنع العداوة بين إبليس ونسله، وبين نسل المرأة. لولا هذه العداوة لبقينا ساقطين إذا ما سالـمْنا عدوّنا إبليس، ولكن هذه العداوة انكشفت وعرفنا أن إبليس هو عدونا يحاول هو أن يخفي نفسه.

إن بعض الناس ينخدعون وهم يعتقدون بأنه لا وجود لإبليس، إذا كان لك عدوٌّ لدود شرير كإبليس وتعتقد أنه لا وجود له، معنى ذلك أنه سيغلبك وسينتصر عليك حتماً، لأنه موجود حقّاً، ولكنه قد تخفّى ليباغتك ويأخذك على حين غرّة. عندما صام الرب يسوع أربعين يوماً وأربعين ليلةً، لقد صام الرب لكي يقدِّس الصّوم، وينهج لنا طريقه، وكانت حياته كلّها صوماً وصلاةً وكشف لنا سرّ الغلبة على أشرس أجناس الأبالسة بقوله: «هذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصوم والصلاة».

يقول الإنجيلي متّى: أخرجه الروح للبريّة، وهذا هو الروح القدس وبإرادته الكاملة سمح الرب يسوع أن يُجرَّب من إبليس، بالتجارب الرئيسة التي يتعرّض لها الإنسان المؤمن عادةً، وهي الشراهة والمجد الباطل ومحبة المال وسائر المقتنيات الدنيويّة، وهذه الرذائل الثلاث أساسٌ لكل الرّذائل، ويلخّصها الرسول يوحنا في رسالته الأولى قائلاً: «إن أحب أحدٌ العالم فليست فيه محبّة الله، لأنَّ كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظّم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم والعالم يمضي وشهواته، أما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد» (1يو2: 15 ـ17).

يقول الإنجيلي متّى: وكان يُجرَّب من إبليس، وكان إبليس يبرهن على وجوده. كما يقول آباؤنا: ظهر للرب يسوع بشكل شاب جاء يجِّربه، جرّبه كثيراً، ومن التجارب التي ذُكِرَت لعلّها كانت في آخر الأربعين، ولذلك في الطقس الكنسي نذكرها في جمعة الأربعين. رآه قد جاع كما قلنا. قد تعلّمنا من الكتاب: أن الرب يسوع هو حمل الله الرافع خطايا العالم (يو1: 29)، وهو يمثِّل البشريّة وقد أخذ كلّ ما لنا. قبل كل شيء مثلنا، منّا أخذ «فقد كان مجرّباً في كل شيء مثلنا بلا خطيئة» (عب 4: 15) وبذلك دخل حلبة الصّراع بين قوى الشر والخير، لأن التجربة ليست خطيئة ولكن تغلّب إبليس عن طريق التجربة على الإنسان وخضوع الإنسان لرأي إبليس كما كان في الفردوس هذا الأمر يُعَد خطيئة، لأننا نكون قد تنكّرنا لوصايا الرب وخضعنا لإبليس وتوجيهاته، بل لأوامره أيضاً، فإما نعبد الرب وإما نعبد إبليس.

ظهر إبليس، رأى الرب يسوع وقد أُنهكَت قواه وجاع يقول الكتاب: أنه جاع، فقال له: وهو يتذكّر العقيدة التي أرعبته، يتذكّر صوت السّماء القائل: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت، فيقول إبليس ليسوع: إن كنتَ ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزاً، لتأكل وتشبع. يتطلّع إليه الرب يسوع ويقول له: قد كُتِب، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله، ردّه بقول الكتاب. لم يقل له لا أستطيع أن أجعل هذه الحجارة خبزاً، لأنه كان بإمكانه أن يفعل ذلك، وقد فعل بعدئذ: حوّل الماء خمراً، بل أشبع خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأطفال بخمس خبزات، عجائبه كثيرة جدّاً ولكنه ردّه من الكتاب، ردّ عدوَّه إبليس بآية الكتاب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ستمائة ألف شخص من بني إسرائيل كانوا في البرية، ليس فقط مدّة أربعين يوماً بل أربعين سنةً. لم يأكلوا خبزاً ولكن أعطاهم الرب خبز الملائكة، أشبعهم بالمن والسّلوى إذ: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، كلمة الله تكفي الإنسان ليشبع ويأخذ. هذه التجربة كانت ضمنها تجربة ثانية هي عدم الثّقة بالله، فالمسيح لم يخرج كإنسان إلى البريّة، خرج بالروح، الروح أخذه إلى البرية وهو محتاط بعناية الآب السّماوي. إن كان كل واحد منّا يحيطه الآب الذي خلقه بعنايته وهو مسؤول أيضاً عن كل ما ينقصه، فكم بالحري ابن الله الوحيد‍‍!. لذلك كانت التجربة تجربتين: التشكيك بعناية الله ثم الشراهة، ولكن الرب انتصر على إبليس.

أخذه إبليس أيضاً بإرادة الرب، وأوقفه على جناح الهيكل في منطقة جميلة جدّاً وقال له: إن كنتَ ابن الله ألقِ بنفسك من ههنا، فقد كُتِب ـ هنا يحارب إبليس الرب يسوع بقول الكتاب ـ يقول محرّفاً كلام الكتاب: إنه يرسل ملائكته ليحملوك على أيديهم ليحفظوك، وهذه الآية ليست كاملة لأنه قد كُتِب: ليحفظوه. من يتّقي الله في مسيرته، في سيرة ليس أن يقف على جناح ويلقوا بأنفسهم للمجد الباطل، فهذه تجربة المجد الباطل ليراهُ الكهنة لو ألقى بنفسه هناك، هناك منطقة الكهنة في الهيكل ليروه ويؤمنوا، ولكن يكون قد سقط في المجد الباطل. هذه التجربة نُصاب به ونحن صائمون ومصلّون.

العديد منّا يصوم ليراه النّاس، ويصلّي ليظهر للناس. الرب يرفض ذلك، لا يريد أن يجترح معجزة ليراه النّاس ويمجّدوه، هذا هو المجد الباطل. الرب انتصر على إبليس قائلاً: قد كُتِب أيضاً لا تجرِّب الرب إلهك. قد يكون للإنسان قدرة أن يجترح معجزة ولكن ليست المعجزة للمعجزة، ما اجترحه وما عمله الرب من معجزات كان لإثبات حقيقته الإلهيّة، أنه مُرسَل من الله لفداء البشريّة ليس إلاّ. إذاً لا تُجرِّب الرب إلهك.

ويأخذه أخيراً إلى قمّة جبل، هناك نرى رغبة الإنسان في امتلاك العالم، يريه ممالك الأرض وأمجاده، ويدّعي إبليس أنّها قد أُعطيَت له، يقول له: إن خررتَ ساجداً لي أُعطيكَ إياها لأنها قد وُهبَت لي. لم يهِب الرب لإبليس ممالك العالم ولكن نحن الذين نخضع لإبليس ونترك الرب نكون قد استُعبدنا لإبليس بإرادتنا، حينذاك يحقّ لإبليس أن يقول عنّا إننا ملكٌ له وكذلك ممالك العالم. هنا أجابه الرب قائلاً: اذهب عنّي يا شيطان لأنه قد كُتب: للرب إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد. فغاب عنه إلي حين لأن إبليس كان يتبع المسيح دائماً ويحاول أن يسقطه، إن لم يكن مباشرةً فعن طريق أولئك الذين يحيطون به.

وكانت آخر مرحلة عند الصليب عندما قصم الرب ظهر إبليس بالصليب، وحطّمه وهشّم أضراسه، وهو كوحشٍ يريد أن يفترسنا نحن الذين نتبع المسيح، فلنحذر منه كما يقول الكتاب، فهو كأسدٍ زائرٍ يريد من يبتلعه. انتصر عليه المسيح، على شهوة الجسد، شهوة العين وتعظّم المعيشة التي كلّها من العالم، ووصمة العار التي على جبين البشرية التي أصابتها بسقوط الأبوَين الأوّلَين في التجربة محاها الرب بانتصاره على التجارب التي دخلها بإذن من الآب والروح، وبالنيابة عن البشرية كافةً.

أحبائي: ما نلاحظه أن الناس الأتقياء كثيراً ما يدخلون في التجارب حتّى وهم على قمّة جناح الهيكل في المكان المقدّس، قد يدخل الإنسان في تجربة ولكن عليه أن يحذر لئلاّ يسقط، الرسول بولس يقول: من ظنّ نفسه قائماً فليحذر لئلاّ يسقط، فالتجربة ليست خطيّة ولكن السقوط بالخطيّة يحصل باتّباع غواية إبليس، وتكمل رغبته ليبلغ أهدافه التي يتوخّاها من التجربة، التجربة التي يقصدها إبليس تجعل الإنسان بعيداً عن الله، وليس كلّ من يُجرَّب بمرض، بضيق، بشدّة في العالم، يعني ذلك أن الله قد غضب عليه.

نادراً ما يحدث هذا وقد يحدث، ولكن رأينا المسيح عندما مُجِّد، بدأت التجارب تطرأ عليه. عندما يبلغ الإنسان التقي درجة من البر والتقوى فليحذر لأن إبليس يبدأ بمحاربته، وأسلحة إبليس متنوّعة كما رأينا في التجارب التي دخلها الرب يسوع وكذلك الذين يحتاطون بإنسان مُجرَّب إن كان بشدّة وإن كان بمرض، إن كان بأي شيء لا يرتاح إليه الإنسان فرداً أو جماعات، لنعلم أنهم قد بلغوا إلى مرحلة استعدّ إبليس فيها لمحاربتهم، سمعنا الملاك روفائيل يقول لطوبيّا: «إنه إذا بلغ درجةً من التّقوى كان لابدّ أن يُجرَّب». فالتجربة إذاً أيّها الأحبّاء لابدّ منها، ولكن علينا أن لا ندين غيرنا قبل كل شيء، كما فعل التلاميذ عندما رأوا المولود أعمى، فقد دانوا ذلك الإنسان، وسألوا الرب: هل هو الذي أخطأ، أم أبواه حتّى وُلد أعمى؟ الرب يقول لهم: «لا هذا أخطأ ولا أبواه ولكن لكي تظهر أعمال الله فيه»، لا يحقّ لنا أن ندين غيرنا إن رأيناهم داخلين في تجارب، ولكن علينا أن ندين أنفسنا إن نحن دخلنا في تجربة.

نرى مثلاً إخوة يوسف عندما صاروا في ضيق أمامه ولم يعرفوه، وقصّة يوسف يجب أن تكون معروفة لدى الصغير والكبير، كلّم بعضهم بعضاً أن الله أصابنا في هذه الضّيقة لأننا رأينا أخانا في ضيق ولم نشفق عليه، «لا تدينوا لئلاّ تُدانوا»، فما علينا إلاّ أن نفحص نفوسنا وقلوبنا وأفكارنا لنرى إن كان إبليس وهو يحاربنا سيتمكّن من التغلّب علينا.

داؤد النبي قال مرّةً للرب أن يجرّبه، وعندما جرّبه سقط في خطيّتَين كبيرتَين قال: ارحمني يا الله، وطلب أن روح الله لا تُنزَع منه، وطلب أن يخلق الله فيه روحاً جديدةً ومستقيمةً، وقلباً جديداً.

ما أعظم الطلبة التي علّمنا الرب يسوع أن نطلبها من الرب: «لا تدخلنا في التجربة لكن نجّنا من الشرير».

نجّاكم الله جميعاً أيُّها الأحبّاء من الشرير وتقبّل صومكم وصلواتكم بنعمته تعالى آمين.

 

سبت ألعازر

سبت ألعازر

سبت ألعازر

أعمال الرسل (5: 1ـ 11)

1 تيموثاوس (6: 13ـ 22)

متى (20: 17ـ 28)

 

سبت ألعازر

احتفلنا بالقداس الإلهي على مذبح هذه الكنيسة المقدسة في دير مار متى، هذا الدير المقدس، العزيز جداً على قلبنا، وهو موضع فخرنا واعتزازنا. وإنني لأشكر نيافة أخي الحبر الجليل مار ديوسقورس لوقا شعيا مطران أبرشية دير مار متى الذي نظّم استقبالنا في الدير، أيّد الله رئاسته وليكن الدير والأبرشية مزدهرين على يديه.

كما أشكر صاحبي النيافة الأخوين العزيزين مار غريغوريوس صليبا شمعون مطران الموصل وتوابعها، والمطران مار سويريوس إسحق ساكا النائب البطريركي للدراسات السريانية العليا، وبرفقتي أيضاً السكرتير البطريركي الربان إيليا باهي ومعاون مدير كلية مار افرام الكهنوتية الربان موسى الشماني. وإني لمبتهج أيضاً بالآباء الكهنة الأعزاء وبهذا الشعب المؤمن الذي نشعر بأنه قد دقّت قلوبه فرحاً لزيارتنا هذه.

أيها الأحباء: عندما نحتفل بالقداس الإلهي لا بد أن نذكر الذين تعبوا جداً في تشييد الكنيسة، الاهتمام بهذه الأبنية الجديدة والقديمة ليبارك الرب ويحفظ ويكافئ الأحياء السادة المطارنة وجميع الذين شاركوهم في هذه الأعباء، وجميع الموتى المؤمنين وذكرنا خاصة بالقداس الإلهي المفارنة البطاركة والأساقفة الذين جلسوا على كرسي الدير وأبرشية مار متى، والذين رقدوا بالرب ليعطهم الرب راحة في السماء وخاصة المثلث الرحمة المطران طيمثاوس يعقوب، كما ذكرنا الرهبان الذين خدموا هذا الدير عبر الدهور والأجيال وذكرنا خاصة منهم الراهب الأخير الذي رقد على رجاء القيامة المرحوم الراهب حنا. عندما نذكر موتانا أيها الأحباء نرى وأنهم قد رحلوا على رجاء القيامة، آمنوا بالرب يسوع الذي هو القيامة والحياة.

أيها الأحباء:

في الفصل الذي تلي على مسامعكم في بدء القداس بمناسبة سبت لعازر، سمعنا الرب يعلن حقيقة جديدة لمرثا ثم لمريم ثم للعالم أجمع، أنه هو القيامة والحياة، فمن آمن به ولئن مات فسيحيا، ومن آمن به وهو حي سيبقى حياً إلى الأبد.

لم يقم في هذا العالم منذ بدئه وحتى اليوم ولن يقوم أبداً ممن لبس الجسد بإمكانه أن يقول عن نفسه إنه هو القيامة والحياة، الرب يسوع وحده الذي هو القيامة والحياة، هو حي وقد مات من أجلنا ولكنه حي إلى الأبد، بعد قيامته أقام الموتى وعندما صرح بهذه الآية الكريمة المقدسة كان على وشك أن يقيم لعازر من بين الأموات، كان بعيداً عن بيت عنيا في موضع يقال له بيت عقرا، ولكن يبعد عن بيت عنيا في اليهودية قريباً من أورشليم مسيرة يوم.

كان هناك عندما جاءه أحد مُرسلاً من مريم ومرتا ليقول له لعازر الذي يحبه مريض، ويقول الرب إن هذا المرض ليس للموت، ولابد أنه وجده ميتاً وفي موقف كهذا يتشكك الإنسان إذا لم يعرف الرب يسوع عن لعازر سيموت كيف يقول ذلك؟

وبعد يومين يقول يوحنا في الفصل الذي تلي على مسامعكم، قال الرب لتلاميذه: لعازر حبيبنا نام، فهل سيقوم؟ طالما قد نام فسيصحو، كل ضمير إذا ما نام وارتاح طبعاً إلى حين تماثله للشفاء، الرب كرر الكلام بأكثر وضوح لعازر حبيبنا قد مات وأنا ذاهب لأقيمه، كان اليهود يطلبون قتل المسيح، وكان قد ابتعد عن تلك المنطقة، ولكنَّ الآن  يريد أن يعود إلى بيت عنيا ليحيي لعازر. التلاميذ خافوا، أرادوا أن يمنعوه، ولكن توما الذي عندما نذكر قصته نذكر أنه تلميذ مشكك الذي شكَّ في قيامة الرب، وأراد برهاناً على ذلك بعدئذٍ، نراه تلميذاً محباً حتى الموت، لذلك يقول لإخوته التلاميذ: لنذهب ونموت معه، ذهبوا إلى بيت عنيا، وقبل أن يصل البيت سمع مرتا تستقبله قائلةً: «لو كنت يا سيد ههنا لما مات أخي»، قال لها: أخوك سيقوم، قالت له: أنا أعلم، أنه سيقوم في يوم القيامة، قال لها: آمني أنا هو القيامة والحياة ومن آمن بي وإن مات فسيحيا، ثم قامت مريم والمحزونون معها قاموا ورأوا أنها ذاهبة إلى القبر لتبكي. بكى يسوع، يسوع الإله المتجسد هو الحنان والرحمة، بكى على حبيبه لعازر، جاءت مريم تكرر الكلام، ويظهر أن بيت عنيا كانت تعتزّ بذلك البيت، بمرتا ومريم والعازر، العديد من الذي قدموا من أورشليم أيضاً، جاءوا إلى القبر.

المسيح انزعج واضطرب ثم قال للحاضرين: أزيحوا الصخرة عن باب القبر، وكان القبر ـ كما يقول الإنجيلي يوحنا ـ مغارة فأزاحوها، وصرخ يسوع، أولاً مجد الآب فتطلّع إلى السماء، وأكَّد للناس أن الرب سيسمعه مهما طلب منه، ثم صرخ بصوت عظيم، لعازر هلمّ خارجاً، فخرج الميت ملفوفاً بكتانه، قد لفَّ رأسه بمنديل، فقال الرب يسوع: حلّوهُ ليمضي.

إن الذي أقام لعازر هو إله الموت والحياة، وهو القيامة والحياة، الناس تحقد ولكن كان هناك جواسيس من الكتبة والفريسيين ذهبوا وأخبروهم بذلك وازداد حقدهم على المسيح، وأرادوا أن يقتلوه خاصةً لأنه أقام لعازر من بين الأموات.

كثيراً ما تقسو قلوبنا ـ أيها الأحباء ـ كثيراً ما نبتعد عن الشريعة، كثيراً ما تسير الخطيئة عندنا وكأنها عادة وضمير اليهود، كما مات ضمير أولئك الناس حتى عندما رأوا لعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيام بصوت من الرب يقوم حياً، قلوبهم قست وأرادوا بالأكثر أن يقتلوا الرب، لأنه هو القيامة والحياة.

إقامة لعازر، إقامة موتى آخرين، شاب أرملة نايين والصبية ابنة يائيروس، كل هذه الحوادث برهنت على صدق وعد الرب لنا جميعاً، أنه في اليوم الأخير سيدعونا، يدعو الذين في القبور فيقوم الذين عملوا الصالحات لقيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة، لأنه هو القيامة والحياة ـ كما يقول عن نفسه في سفر الرؤيا ـ وهو حي إلى أبد الآبدين وبيده مفاتيح الموت والحياة والهاوية.

ليرحم الله موتاكم المؤمنين أحبائي، وليعطنا جميعاً أن نكمل بالرب يسوع رب الحياة والموت لكي بإيماننا نكمّل الإيمان بالأعمال ونستحق في اليوم الأخير أن نكون في عداد الذين سيدعوهم إلى ملكوته ليتنعموا معه لأنه الألف والياء ومن آمن به وإن مات فسيحيا، ومن آمن به وهو حي فسيحيا إلى الأبد، ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

 

أحد الشعانين

أحد الشعانين

أحد الشعانين (1)

أعمال الرسل (7: 30ـ 36)

رومية (10: 5ـ 21)

يوحنا (12: 12ـ 19)

أحد الشعانين

«ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان»                                   

  (زكريا9: 9)

ربُّ المجد، الإله الذي رآه إشعيا النبي متربّعاً على أجنحة الكاروبيم، وسمع ملائكته يسبحونه قائلين: «قدوس قدوس قدوس، الرب الصباؤوت السماء والأرض مملوءتان من مجده».

هذا الإله الذي رآه حزقيال على مركبة الملائكة، هذا الإله العظيم إله السماء والأرض خالق كل الكائنات، يراه كاتب القسم الثاني من نبوة زكريا داخلاً إلى المدينة المقدسة بتواضع، وهذا الكاتب يبشّر تلك المدينة التي قد ذلّت لتمرغ كهنتها وشعبها بالخطايا، وابتعد عنها الرب لأنها قد انفصلت عن الرب، ولكنه يبشّرها بفرح عظيم، ابتهجي ـ يقول لها ـ افرحي واهتفي، لماذا؟ لأن ملكك يأتيك، لا يأتي متكبراً ومتعجرفاً راكباً كالفاتحين على بغلة، ولا كالملوك المنتصرين على صهوة حصان، بل يأتي وديعاً متواضعاً راكباً على جحش ابن أتان، يأتيك مليكك وهو عادل ومنصور، والعدل والنصر أعطياه افتخاراً عظيماً، نتيجة لوداعته وتواضعه.

أجل، تعلن النبوّة أن الرب الإله رب الصباؤوت وهو في تدبيره الإلهي بالجسد، سيدخل إلى أورشليم بتواضع عظيم.

كانت أورشليم قد عجّت بالذين قصدوها ليحتفلوا بالعيد فيها، وقد جاؤوا من كل فجّ عميق، سمعوا عن نبي الناصرة، سمعوا أخيراً أنه أقام لعازر من القبر بعد موته ودفنه بأربعة أيام، فسأل بعضهم بعضاً هل ترى يأتي إلى العيد؟ وفوجئوا بموكب قد جاء من جبل الزيتون، وعندما وصل إلى سفح الجبل رأوا ذلك النبي العظيم قد ركب على جحش ابن أتان، والرسل والتلاميذ والجموع يفرشون أمامه ثيابهم، ويهتفون: «مبارك الآتي باسم الرب»، والجماهير والأطفال والرضع من فم أولئك ـ حسب نبوة المزامير ـ قد هيّأ له الرب تسبيحاً، وهم ينادون قائلين «أوشعنا مبارك الآتي باسم الرب»، وكلمة «أوشعنا» السريانية تعني يا رب خلص.

إنهم بحاجة ماسة إلى الخلاص، والخلاص بمفهوم أولئك الناس كان خلاصاً دنيوياً عالمياً، ولكن اللّه أرادهم أن يطلبوا بصلاة عميقة حتى من أفواه الأطفال والرضع، أن يطلبوا الخلاص ويريد به الخلاص من إبليس والموت والخطيّة، والخلاص من كل من حاد عن جادة الحق وتنكّر للشريعة الإلهية، الخلاص من الكتبة والفريسيين وكهان اليهود، الخلاص من اللصوص الذين ملؤوا الهيكل، الصيارفة وباعة الحمام.

جاء المخلص الإلهي، أوشعنا ـ يا رب خلص ـ التلاميذ يهتفون مع الأطفال والرضع والكل يلوّح بأغصان الزيتون وسعف النخل بالرحمة التي يرمز إليها الزيتون بالذات والعدالة والاستقامة والشريعة الحلوة التي ترمز إليها سعف النخيل، يطلبون الخلاص. الفريسيون يقولون: يا معلم أسكِت تلاميذك. أما هو فيجيبهم ولئن سكت هؤلاء فالحجارة تنطق، السماء والأرض يمجّدان اللّه، أتنطق الأرض وتسكت السماء؟ كلا السماء دائماً تمجّد الإله ولكن آن الأوان ليأتي الإله المتجسد، اللّه ظهر بالجسد ليُمجَّد وهو بالجسد، آن الأوان ليصلي هذا الشعب بدون شروره طالباً الخلاص من الرب.

دخل الهيكل ونقاه من الذين حولوه إلى مغارة لصوص، أخذ سوطاً وطردهم وما يزال إلى اليوم وسوطه بيده يريد أن يطرد كل من دنّس هيكله ويدنسه.

«أوشعنا مبارك الآتي باسم الرب»، كانت الجماهير الغفيرة تنظر إليه ويسأل بعضها بعضاً من هو هذا؟ إنه نبي الناصرة، إنه الذي أقام لعازر من بين الأموات بعد موته بأربعة أيام، إنه صانع المعجزات، إنه الذي نادى بالرحمة والحنان ويعطي الطوبى للمساكين، هذا هو الرب يسوع ملك الأرض والسماء الذي دخل المدينة المقدسة بتواضع وهو عادل ومنصور.

إننا في هذا اليوم نعيّد عيد دخوله إلى المدينة المقدسة، نرى أطفالنا يحتفلون معنا في هذه المناسبة المقدسة، ونتمنى أن يكونوا قيثارة الروح يمجدون الإله، لأن اللّه يريدهم أن يكملوا الرسالة التي خلقوا لأجلها وهي تسبيح اللّه. فإذا أردنا أن نسبّح اللّه علينا أن نهيئ هؤلاء الأطفال لينموا بالقامة والنعمة أمام اللّه والناس، ليكونوا قيثارة الروح دائماً، يرنمون ترانيم الأوشعنا، يطلبون الخلاص لأنفسهم، ولأهلهم وذويهم للمؤمنين بالمسيح وللعالم أجمع، يطلبون الخلاص الذي هو أوشعنا.

إذاً نهنئكم أحبائي بهذا العيد المجيد، ونسأل الرب الإله أن يعيده عليكم باليمن والبركة، وأن يحفظ أولادكم ويؤهّلكم لتربوهم التربية الصالحة لكي بتمسّكهم بالأعمال الصالحة كما يقول الرب: يرى الناس تلك الأعمال الحسنة الصالحة ويمجّدوا اللّه الإله الآب الذي في السموات. لتشملكم نعمته جميعاً، آمين.

وكل عام وأنتم بخير.


أحد الشعانين (2)

«ابتهجي جداً ياابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتيك. هو عادل ومنصور وديع ومتواضع وراكب على جحش ابن آتان»

         (زكريا 9: 9)

من وراء الدهور والأجيال، بعين النبوة رأى زكريا موكب ملك السماء والأرض داخلاً أورشليم، والجموع حوله تتقدمه وتتبعه هاتفة: «أوشعنا لابن داود، أي: يا ابن داود خلص، أوشعنا مبارك الآتي باسم الرب. لقد كانت الجموع بحاجة ماسة إلى الخلاص، وقد طال انتظارها لمخلصها، وهوذا النبي زكريا يقول لها: إنّ مخلصها هذا «يأتي وهو عادل ومتواضع ووديع، يأتي راكباً على جحش ابن آتان» ولكن النبي إشعيا يراه على السحاب، بل على أجنحة الكروبيم، فهل سيأتي على السحاب يا ترى، أم يأتي راكباً على جحش ابن أتان؟ هذا ما أربك الشعب، فاضطرب قلبه، ولم يدر موعد خلاصه، لأنه لم يميز بين مجيء المسيح الأول لفداء البشرية وديعاً متواضعاً عادلاً وراكباً على جحش ابن أتان، وبين مجيئه الثاني يوم يأتي على سحاب السماء وتنظره كل عين، كما تنبأ عنه يوحنا كاتب سفر الرؤيا.

كان المسيح قد جاء لفدائنا، هذا هو مجيئه الأول، جاء متواضعاً، جاء ليفدينا لأن الكبرياء كانت قد حطت بالانسان إلى درك الخطية، وهوت به إلى جهنم لأنه تمرد على إلهه فاحتاج أن يأتي المخلص متواضعاً لينقذه من خطيته.

جاء متواضعاً، ومارس وظائفه الثلاث: الملوكية بدخوله إلى أورشليم كملك عظيم، والكهنوت بدخوله إلى أورشليم ليُفحص في ذلك اليوم من كهنة اليهود كسائر الحملان التي تقدم ذبائح في عيد الفصح وليقرر الكهنة فيما إذا كان حملاً لا عيب فيه يصلح للذبح، فهو حمل الله الرافع خطايا العالم، الحملان التي كان لابد أن يفحصها الكهنة في العاشر من نيسان بحسب تقويم اليهود لتذبح في الرابع عشر منه، وتُقدم للرب. فالمسيح كان في عدادها دون أن يعلم الكهنة بذلك، ولم يدروا أنه هو الكاهن، وهو التقدمة، وهو الذبيحة فقد قدم نفسه فدية عن الخراف. ومارس أيضاً وظيفته النبوية فهو رب الأنبياء يوم تنبأ في ذلك الموكب بالذات وأسمعنا في سمفونية الفرح والابتهاج نغمة الحزن والألم عندما بكى منتحباً على المدينة المقدسة، لأنه رأى ما سيحلّ بها بعد أربعين سنة من ذلك التاريخ حيث تصير قاعاً صفصفاً.

رأيناه يمارس هذه الوظائف وهو أسمى من كل وظيفة، فقد مارسها بالنيابة عنا ليبررنا ويطهرنا ويقدسنا، لذلك سمح في ذلك اليوم أن يدخل أورشليم بأبَّهة ومجد عظيم، وهو الذي كان يبتعد عن الأمجاد الدنيوية، ولكن الأوان كان قد آن أن يعلن نفسه أنه ماسيا المنتظر.

الجموع رأته بل بدأت بالمسيرة من بيت عنيا حيث رأوا لعازر وقد أقامه المسيح من بين الأموات بعد موته ودفنته بأربعة أيام، وساروا معه يهتفون «أوشعنا مبارك الآتي باسم الرب». أورشليم كانت تعج بالجماهير الغفيرة التي أتت من كل فجٍ عميق، فكان على اليهودي أن يزور الهيكل خاصة في ذلك العيد، وأن يقدم الذبائح عن ذنوبه وخطاياه إلى جانب ذبيحة الفصح التي كانوا يذبحونها ويأكلونها في دورهم. أورشليم التي كانت قد عجت بالجماهير، استمعت الهتافات، ورأت الأطفال والرضع وسمعتهم يهتفون أوشعنا، أولئك الأطفال الذين لم ينطقوا بعدُ أنطقتهم السماء لتمجيد ابن السماء المسيح يسوع، أوشعنا مبارك الآتي باسم الرب.

وأعداء البشرية الكتبة والفريسيون يريدونهم أن يسكتوا، لذلك تقدموا إلى يسوع قائلين: يا معلم أسكت تلاميذك، فأجابهم قائلاً: «لئن سكت هؤلاء فالحجارة تنطق»، ويذكِّرهم بنبوة أبيه داؤد القائلة «من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحاً» ولم يكمل لهم الآية التي تقول أيضاً «لتسكيت عدوٍ ومنتقم»، كان عليهم أن يأخذوا درساً روحياً ويمجدوا اللّه الذي أنطق الأطفال والرضع بأعجوبة باهرة.

وكانت ليسوع في ذلك اليوم رسالة سامية جداً وهو يرى هيكل الله وقد تحوّل إلى سوق تجارة، بل إلى بيت لصوص. لذلك قلب موائد الصيارفة وباعة الحمام ووبَّخهم قائلاً: «بيتي بيت صلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص»، ونرى أيضاً في ذلك المهرجان العظيم والاستقبال الفخم، نرى الناس يتساءلون من هذا؟ فيجيب بعضهم بعضاً إنه نبي من ناصرة الجليل، فتمت بذلك نبوة موسى القائل إن الله يرسل إلى بني إسرائيل نبياً مثله فهذا نبي بل رب الأنبياء، وقد تمَّت نبواته بحذافيرها معلنةً صدق مطاليبه الإلهية.

كما إنه هو الكاهن السماوي الذي جاء إلى أرضنا ليقدم نفسه ذبيحة عن الخراف، وهو الملك الذي دخل عاصمة ملكه بمجد، ومجده بتواضعه، وجلس على عرشٍ، وعرشه كان الصليب، ولبس تاجاً، وتاجه إكليل من الشوك، وبايعته الجماهير حيث هتفت قائلة: أوشعنا يارب خلص مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل. فقد جاء لخلاصنا وبدأ أسبوع آلامه بالأوشعنا يارب خلص، فخلاص البشرية لا يكون فقط بالتواضع الذي أظهره في كل مراحل تدبيره الإلهي بالجسد، بل أيضاً بسفك دمه على الصليب فداءً للبشرية.

أجل، إن الرب يسوع لم يبكِ على نفسه مرة، بل بكى على حبيبه لعازر، وفي هذه المرة إنما انتحب باكياً على المدينة المقدسة، غير آبه بما ستقترفه من جريمة بحقه حيث ستحمله الصليب وتعلقه عليه، ولكنه بكى على شعبها الذي حاد عن الحق وتاه في طريق الضلالة وهو يعلن نبوته عن خرابها.

في هذا اليوم ونحن نحتفل بذكرى دخول الرب إلى أورشليم وتطهيره هيكلها، لنفحص نفوسنا ونحن هياكل الله وروح الله حالٌّ فينا، هل تحولت هياكل الله إلى مغاور لصوص كما تحول هيكل أورشليم؟ حيث غادره روح اللّه بعدئذ، فلنحذر بعدئذ لئلا يغادر الروح القدس نفوسنا فنهلك، ولنغسل قلوبنا بدموع التوبة ليدخلها الرب يسوع، ويملك عليها، لنهتف مع الأطفال الأنقياء والرضع الأطهار أوشعنا يارب خلص، ليستجب الرب دعاءنا ويخلص نفوسنا جميعاً، فقد جاء لخلاصنا. فليتم هذا الخلاص بتوبتنا إليه لئلا يغادر روحه القدوس هياكل نفوسنا.

أعاد الله عليكم أحبائي هذا العيد البهيج وحفظ أولادكم جميعاً الأطفال والرضع لينمو في القامة والنعمة، وليصيروا كنارات روحية يعزف عليها الروح القدس ترانيم التمجيد في كل حين للرب يسوع «أوشعنا مبارك الآتي باسم الرب» ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.


أحد الشعانين (3)

«ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك وهو عادلٌ ومنصور ووديع راكباًً على جحشٍ ابن أتان»

         (زكريا 9: 9)

قبل الميلاد بخمسة قرون وقف النبي زكريا على هضبة الوحي والإلهام وتطلّع إلى المدينة المقدسة فرأى الرب يسوع مخلّص العالم داخلاً إليها بتواضع ووداعة، رآه عادلاً كما رآه أيضاً منتصراً لذلك بشّرها لتهتف ولتبتهج لأن وقت خلاصها قد دنا فقد جاء ملكها لينقذها ويخلّصها ويعيد إليها مجدها الروحاني، دخلها قبل الآن مرّات عديدة ولكنه لم يكن بحاجة أن يعلن نفسه، أما الآن فقد آن الأوان لكي يوضّح لأولئك الناس الذين أتوا إلى أورشليم من كل حدب وصوب أن الخلاص قد دنا وأنه هو المخلّص.

كان ذلك اليوم العاشر من نيسان بحسب التقويم اليهودي القديم، وكان في ذلك اليوم جميع من تمسّكوا بشريعة موسى يأتون بحملان وديعة إلى أورشليم يقدمونها إلى الكهنة ليمتحنوها فيما إذا كانت تصلح لتكون حملاناً تذبح في عيد الفصح وهكذا المسيح يسوع الذي يدعوه الرسول: فصحنا. جاء في اليوم العاشر ليظهر نفسه للكهنة فقرّر أولئك الكهنة أنه ينبغي أن يموت واحد عن الشعب أفضل من أن يموت الشعب كلّه، وقد صلح أن يكون حقاً كما دعاه يوحنا المعمدان: حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم.

دخل أورشليم بتواضع عظيم، لم يركب بغلة كما فعل سليمان، ولم يمتطِ صهوة حصان كما يفعل الفاتحون. ولكنه ركب جحشاً متواضعاً فرش أمامه الرسل والتلاميذ والجمهور ثيابهم وأغصان النخيل والزيتون، استقبلوه في هذه المرة باحتفال عظيم لأنهم قد سمعوا أنه قد أقام لعازر من بين الأموات بعد موته ودفنه بأربعة أيام، لوّحوا بأغصان الزّيتون وسعف النخل صارخين قائلين: أوشعنا أوشعنا أي يا رب خلّص، مبارك الآتي باسم الرب، أيضاً الأطفال والرضّع هتفوا لأوّل مرّة وعندما نطقوا سبّحوا الله، طلبوا الخلاص: أوصنّا مبارك الآتي باسم الرب.

دخل المدينة فالتهبت قلوب الكتبة والفريسيين والكهنة ورؤسائهم وهتفوا على ابن الإنسان الذي جاء ليخلّص البشرية، قالوا له: أسكت تلاميذك يا معلّم، فأجابهم: لئن سكت هؤلاء فالحجارة تنطق، فقد أنطق الأطفال والرضّع فبإمكانه أن يُنطِق الحجارة أيضاً إذا ما سكت الإنسان عن تسبيحه وما خلق الإنسان إلا ليسبّح الله. أوصنّا مبارك الآتي باسم الرب.

يدخل الهيكل يراه قد انقلب إلى عبادة أوثان بل رآه معبداً للأصنام وعبادة المادّة وهناك رأى الصيارفة وباعة الحمام فقلب موائدهم وأخذ حبلاً وصرخ بهم: بيتي بيت صلاةٍ يُدعَى وأنتم قد جعلتموه مغارة لصوص.

كان أولاً في طريقه قد تطلع فرأى تينة يابسة، وفي اليوم الثاني وقف أمام شجرة التين ذاتها فرآها وقد أورقت، ولكن لم يجد ثمراً فلعنها. فالكنيسة أحبائي إذ تحتفل بهذا العيد المجيد تريد أن تذكّرنا أولاً بدخول الرب إلى أورشليم وثانياً بتنقية الهيكل، ثالثاً لنرى التينة اليابسة ونعتبر أن المسيح الذي دخل مرة إلى المدينة المقدسة بأصوات الأوشعنا وتلويح أغصان الزيتون وسعف النخل واقفاً على أبواب قلوبنا يريد أن يدخلها ولكن كثيراً ما يجدها مليئة بالصيارفة وباعة الحمام، مليئة بالأفكار الدنيوية، لا مكان للمسيح فيها. فعلينا في هذا اليوم أن ننقي هذه القلوب لكي يدخل المسيح المنصور العادل الوديع المتواضع ليملك على عروش هذه القلوب، ونقف معه أيضاً أمام التينة اليابسة نرى أننا قد أصبحنا مشابهين لكل شجرة تحمل أوراقاً خضراء تظهر بهيّة شهيّة للناظرين ولكن لا ثمر فيها، لنا الاسم المسيحي، نمارس بعض العادات والطقوس الدينية وقد قلبنا أكثر أعيادنا إلى حفلات دنيوية بشرية باسم الدين بالذات، لذلك أصبحنا كالشجرة التي ولئن كانت أوراقها خضراء فالمسيح يطلب فيها ثمراً، فإذا لم يجد ثمر الروح، ثمر الأعمال الصالحة ثمر الدين المسيحي المبين، فإنه لا سمح الله سيلعنها كما لعن التينة أيضاً.

ونرى الكتبة والفريسيين الذين نهش الحسد أفئدتهم لأنهم سمعوا الأطفال يرنّمون وينشدون ويهتفون ممجّدين ابن الله: أوصنّا يا رب خلّص مبارك الآتي باسم الرب، فنرى أطفالنا أيضاً، هل يسبحون الله؟ هل جعلنا منهم قيثارات للروح القدس يعزف عليها عبارات التمجيد والتكريم والتسبيح لإلهنا أم تركناهم للشارع، تركناهم للأمور الدنيويّة واهتممنا فقط بتربيتهم تربية دنيويّة جسدية صرفة. علينا أن نجعل منهم هياكل للروح القدس ونربيهم التربية المسيحية الصالحة. ما أجمل الأطفال المحروسين بالرب وقد أتى بهم أهلهم إلى الكنيسة ليقدموهم إلى الرب! ما أجمل أن يكونوا في كل آن وأوان وكل مناسبة وطقس مع آبائهم وأمهاتهم في كنيسة الرب لينموا ليس فقط بالقامة بل أيضاً بالنعمة، لينموا بالرب ليكونوا لإلهنا في الأرض وبعد العمر الطويل في السماء أيضاً. ومن أفواه أطفالنا هيّأ الرب وأسّس ترنيمة بحسب نبوءة داود.

رسالة هذا اليوم هي أن نربّي أطفالنا تربية مسيحية صالحة، أن نجعلهم للمسيح ليكون المسيح معهم أيضاً في طريق هذه الحياة المليئة بأشواك الخطيّة. لقد دخل المسيح أورشليم في مثل هذا اليوم العظيم ونقّى الهيكل ويريد أن يدخل بيوتنا أيضاً، ليس فقط كنائسنا لينقيها من كل ما هو ضد المسيح لتصير للمسيح وليكون المسيح سيّد هذه البيوت والدور كما يكون سيّد الكنائس، ويكون أيضاً سيّد كل من دعي باسم المسيح.

أسأله تعالى في هذا اليوم المجيد المبارك يوم الشعانين، يوم الأوشعنا، أن يخلّصنا جميعاً من الخطايا والآثام، من الانحراف عن مسيحيّتنا ويؤهّلنا لننقِّ قلوبنا وأفواهنا لنستعدّ لنقبل القربان المقدس بعد الاعتراف القانوني في يوم الفصح لكي يثبت المسيح فينا ونثبت نحن في المسيح ويدخل قلوبنا ويملك على عروشها إلى الأبد بنعمته تعالى، وكل عام وأنتم بخير.

 

النهرة

النهيرة

النهيرة (1)

أعمال الرسل (3: 22ـ 26)

العبرانيين (6: 12ـ 20)

متى (25: 1ـ 13)

المسيح آتٍ

«اسهروا اذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربُّكم. واعلموا هذا أنه لو عرف ربُّ البيت في أي هزيع يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته يُنقب، لذلك كونوا أنتم أيضاً مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الانسان»

  (متى 5: 23 ـ 24)

منذ عشرين قرناً تجسد ابن الله وأكمل تدابيره الالهية على الأرض. وصلب عوضنا وخلصنا بسكب دمه الأقدس على الصليب، مات وقام من القبر في اليوم الثالث. وسار مع تلاميذه أربعين يوماً يثبتهم على الايمان بهِ، ويعدهم المواعيد الكثيرة، ويخبرهم بأنه سيغادر الأرض ويصعد إلى السماء وبأنهم سيتعذبون ويتألمون لأجل اسمه، ويصبحون هزءاً للأمم من أجل التبشير بإنجيله. ومن يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص.

 هذه هي خلاصة حوادث الإنجيل التي قام بها الرب يسوع على أرضنا هذه قبل ألفين من السنين، ولكنها تحتاج إلى عمل أخير يقوم به يسوع قبل انتهاء الدهر. وهذا العمل هو مجيئه ثانية إلى عالمنا. فإن يسوع وعد أحباءه ورسله الأمناء الذين يتعذبون من أجل بشارته أن يأتي و ينقذهم من عالم الشقاء والخطيئة ويأخذهم إليه حتى حيث يكون هو يكونون هم أيضاً. وإلا لكانت حياتهم أشقى من حياة جميع البشر، ولكان رجاؤهم خرافةً من الخرافات أو وهماً من الأوهام.

لا لن يدع يسوع أحباءه يتامى بل لابدَّ أن يأتي ويأخذهم إليه. انه قد شجعهم قبل مغادرته الأرض قائلاً لهم لا تيأسوا يا تلاميذي، «لا تضطرب قلوبكم انتم تؤمنون بالله فآمنوا بي. في بيت أبي منازلٌ كثيرةٌ وإلا فإني قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إلي حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً» (يو14: 1 ـ3). ولما أخذهم إلى جبل الزيتون حدثهم عن المجيء الثاني والدينونة بالتفصيل. ثم ابتعد عنهم قليلاً ورفع يديه وباركهم وارتفع إلى العلا وهم ينظرون إليه متعجبين إنه يصعد إلى السماء بجسده، ها هوذا سحابة تأخذه عن أعينهم. أين أنت ذاهب يا رب، لماذا فارقتنا يا حبيبنا؟ إلى من نمضِي وعندك الحياة الأبدية؟ لقد شقَّ على التلاميذ فراق ربهم إياهم. ولكن ما هي إلا فترةٌ قصيرة وإذا بملاكين قد ظهرا لهم بلباسٍ أبيض وقالا: «أيها الرجالُ الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء» (أع 1: 11). نزلت هذه العبارة على القلوب نزول الغيث على الأرض الظمأى، وأصبحت بمثابة بلسم وزيت لنفوسهم المجروحة المكلومة المتعذبة. فتذكروا كلامه لهم وتذكروا وعوده لهم. وحملوا هذه الحقيقة إلى المؤمنين الذين بشروهم باسم يسوع. لقد أخبرهم له المجد، بأن مجيئه متوقع في كل لحظة فلابد للكنيسة أن تكون واقفة على رؤوس أطراف أقدام الانتظار. سرجها موقدة، أحقاؤها ممنطقة، عيونها شاخصة نحو السماء تتوقع مجيء ابن الله بالمجد والبهاء.

ويحدثنا بولس ـ بوق الكلمة الانجيلية ـ عن المجىء الثاني كثيراً وكثيراً جداً. هذه الحقيقة التي أخذها عن يسوع نفسه عندما صعد إلى السماء الثالثة. ويعيرها أهمية كبرى في رسائله، والأرجح إنه أول من استعمل العبارة المشهورة «ماران آثا» (1كو16: 22). وهذه عبارة سريانية ترجمتها «الرب آتٍ». استعملها المسيحيون منذ فجر المسيحية وهم يحيون بها بعضهم بعضاً. فهم اذ كانوا مضطهدين مرهقين يختفون في النهار في المغاور والكهوف وفي الليل يخرجون ليبتاعوا طعامهم فإذا، حدث ان مرَّ أحدهم بشخص ما قال له: ماران آثا. فان كان الآخر مسيحياً ردَّ عليه بالمثل، فكأن هذه العبارة كلمة السر بينهم. وكأن أحدهم عندما يتفوه بها يشجع أخاه وينبهه عن مجيء السيد المسيح ويحثه على الثبات في الجهاد والتمسك بالايمان والصبر على الضيقات وكأنه يقول له: يا أخي المسيحي لنتجلدنّ لأننا غرباء على هذه الأرض (1بط2: 11)، وليس لنا ههنا مدينة باقية بل ننتظر المزمعة، دار العلى وطننا وسيدنا سيأتي ويأخذنا إليه فيكون فرحنا في السماء عظيماً.

ماران آثا، الرب اذن آت ثانية ولكن ليس كما أتى في المرة الأولى بل بنوع آخر. لقد جاء متواضعاً وعاش رحوماً شفوقاً، أحب الخطاة وقبلهم. احتمل الآلام من أجلنا، سفك دمه لأجل خلاصنا. أما في مجيئه الثاني فسوف يدين الشعوب بالاستقامة والأمم بالعدل. سوف يأتي لابساً لا اكليل شوك بل تاجاً من المجد والبهاء ووجهه كالشمس، سيأتي وكله عدل وصرامة ليطالبنا بثمن دمه الأقدس الذي أراقه في سبيل انقاذنا من عبودية إبليس.

ماران آثا، الرب آتٍٍ ولكن متى؟ لا نعلم في وقت لا نظنه. «اسهروا اذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم» (مت42:24).

فما هي علامة مجيء السيد المسيح؟ وكيف يأتي؟ وما يُقصد بالدينونة؟ وماهي أصناف البشر ازاء مجيئه ودينونته؟ بل ما هو موقفنا حيال مجيء الرب؟

سأل التلاميذ الرب يسوع قائلين متى تأتي؟ وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟ فنسمع الرب يجيبهم قائلاً: «ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه». اذاً لم يحدد لنا يسوع يوماً معيناً لمجيئه، ولا ساعة معلومة لئلا نكسل لأن اليوم في سلطان الآب وحده. العبد الرديء يقول في قلبه: «سيدي يبطىء قدومه فيبتدئ يضرب العبيد رفقاءه ويأكل ويشرب مع السكارى أما سيده فيأتي في يوم لا ينتظره وفي ساعة لا يعرفها فيقطعه ويجعل نصيبه مع المرائين. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. اسهروا اذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم». وهل تعلم ملائكة الله بذلك اليوم؟ ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب. نعم الإبن بنفسه شاء أن تكون الأزمنة تحت سلطان الآب وحده. ولكنه مع هذا وضع لنا علامات مجيئه اذ قال لتلاميذه انظروا لا تضلوا فأن كثيرين سيأتون باسمي قائلين إني أنا هو والزمان قد قَرُب فلا تذهبوا وراءهم. فإذا سمعتم بحروب وقلاقل فلا تجزعوا لأنه لابد أن يكون هذا أولاً ولكن لا يكون المنتهى سريعاً. ثم قال لهم وتقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة، وتكون زلازل عظيمة في أماكن، ومجاعات وأوبئة وتكون مخاوف وعلامات عظيمة في السماء. وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم ( لو21: 25). وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط ( مت 24: 29) والبحر والأمواج تضج والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة لأن قوات السموات تتزعزع ( لو 21: 25-26).

هذه هي بعض علامات مجيء يسوع ولكن كيف يأتي بأي شكل سيظهر؟ «كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضاً مجيء ابن الانسان» (مت24: 26). سيأتي المسيح بشخصه وبالجسد الذي أخذه من مريم العذراء إذ ولد منها، وبعد قيامته من بين الأموات صار جسداً ممجداً، وسينُظر آتياً على سحاب السماء بقوة ومجدٍ كثير (مت 24: 30) والملائكة القديسون معه ( مت 22: 31). سيأتي بالشكل الذي رآه به التلاميذ مرتفعاً إلى السماء يوم قال لهم الملاكان: «إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء» (أع 1: 11) وساعة مجيئه يرسل ملائكته ببوق وصوت عظيم فيجمعون مختاريه من الرياح الأربع، من أقاصي السماء إلى أقاصيها. أما الأموات فسيقومون والأبرار منهم تخطفهم السحب الخفيفة وتصعدهم إلى السماء. أما نحن الأحياء فكقول بولس سنخطف معهم في السحب لنلاقي الرب (1تس4: 16) ويقول أيضاً يسوع بأنه حينئذ يكون اثنان في الحقل فيؤخذ الواحد ويترك الآخر. اثنتان تطحنان على رحى فتؤخذ الواحدة وتترك الأخرى. إلى أين يؤخذون؟ إلى حيث الجثة فهناك تجتمع النسور. حيث يسوع فهناك مختاروه الأحباء.

أما الأشرار فيكون قد دنا زمن دينونتهم، وزمن الحكم عليهم. ولكن ما الدينونة وكيف ستكون؟ سيجلس يسوع، وهو الديان، على كرسي مجده وفي يوم معين ( يه: 6). يقف أمامه جميع الشعوب من آدم إلى ذلك الوقت. الأحياء والأموات، كباراً وصغاراً (يو5: 22و27، أع20: 42، 2تي4: 1) ليدينهم بالعدل محاسباً إياهم حسب سرائرهم وأعمالهم في الحياة الدنيا. ويميز بعضهم عن بعض كما يميز الراعي الخراف عن الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره. ثم يصدر الحكم للفريقين حسبما يستحقون فيقول الملك للذين عن يمينه: «تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. أما للذين عن اليسار فيقول لهم اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته».

فما هي أنواع الناس وما موقفهم بالنظر إلى حقيقة مجيء يسوع ويوم الدينونة؟

أولاً الغافلون النائمون غير المبالين، غير المؤمنين بحقيقة الدينونة ولا بخلود النفس، القائلين بأنفسهم ليس إله. وهؤلاء دينونتهم صارمة وحالتهم تشبه حالة جيل نوح الذي قال عنه يسوع: «وكما كان في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الانسان. كانوا يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك وجاء الطوفان وأهلك الجميع». لقد رُفض نوح من جيله وكذلك ابن الانسان وأتباعه. أما الرب فأخبره بأنه مزمع أن يغرق الأرض بطوفان وأمره بأن يصنع له فلكاً فصنع كما أمره الرب. وكان أثناء العمل ينظر إليه الناس ولكنهم لم يبالوا لا بل لم يصدقوا وأظنه أصبح هزءاً ومضحكة لدى من يسمعه. ولكن هل منع عدم مبالاتهم مجيء الطوفان؟ كلا. بل حالما دخل نوح الفلك جاء الطوفان وأهلك الجميع. ولابد أن بعضهم قبل موتهم قرع باب الفلك ليفتح نوح لهم ولكنه لم يفعل. وكذلك مجيء يسوع ثانيةً. فإنه له المجد سيأتي وأمرنا بأن ننتظر مجيئه دائماً. وأن نسهر ونصحو أما نحن فقد لا نبالي ولكن عدم مبالاتنا لا تمنع مجيئه. فسوف يأتي حقاً وتسد حينذاك أبواب التوبة في وجوهنا.

أما الصنف الثاني فهم المستهزئون وقد حذرنا منهم بطرس الرسول بقوله: «عالمين هذا أولاً أنه سيأتي في آخر الأيام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات أنفسهم وقائلين أين هو موعد مجيئه لانه من حين رقد الآباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة (2بط3: 3ـ 4) وهؤلاء تشبه حالتهم حالة جيل لوط الذي قال عنه يسوع: «كذلك كما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون، يشترون ويبيعون، ويغرسون ويبنون، ولكن اليوم الذي فيه خرج لوط من سدوم أمطر ناراً وكبريتاً من السماء فأهلك الجميع» (لو17: 26). فلوط كان يسكن في سدوم وعامورة يوم بلغت شرور أهلها إلى السماء فغضب الرب عليم، ولم تفد تضرعات ابراهيم وشفاعته لدى الرب فيهم، فأرسل الرب ملاكين لينذرا لوط ليخرج منها لأن الرب مهلك المدينة. فقبل لوط الرسالة وأخبر أصهاره بذلك. ويذكر الكتاب المقدس بأنه كان كمازح في عين أصهاره فتركهم وترك المدينة وأهلها وإذا بالنار والكبريت يحولان المدينة العظيمة في مدة وجيزة إلى قطعة من الأرض محروقة سوداء. وإلى الآن من زار هذه الأرض يجد صخورها وهضابها ووديانها أرضاً جرداء سوداء مثل الفحم. فحالة الناس أيام نوح وأيام لوط تشبه حالتهم أيام مجيء ابن الانسان ثانيةً لا بل تشبه حالتنا الآن والمجيء الثاني على الأبواب. فنحن الآن نعيش في عصر اللا مبالاة. اننا غرقنا في المعاصي ونسينا إلهنا.

هلا نستيقظ من سبات الخطيئة العميق؟ هلا نسهر ونستعد لملاقاة ربنا. لنقتدِ بالنوع الثالث من الناس وهم المنتظرون ربهم والمشتاقون لملاقاته. اننا نسمع أحدهم وهو الرائي يوحنا الحبيب يستهل رؤياه بقوله: «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين» (رؤ1: 7) ويختمها عن لسان الرب بقوله: «أنا آتٍ سريعاً» ويوحنا نفسه يجيب الرب بكل شوق وتلهف مصلياً «آمين تعال أيها الرب يسوع» (رؤ22: 20). فالمشتاقون لقرب يوم الرب هم الرسل الأطهار الذين نشروا بشارته في المسكونة، واحتملوا الآلام في سبيله. انهم يطلبون منه دائماً ليأتي وينتقم لهم ممن ظلموهم على هذه الأرض. كما أنهم ينتظرون تكميل وعده لهم بأن يجلسهم على اثني عشر كرسياً ليدينوا أسباط اسرائيل.

وممن يشتاق إلى يوم الرب أيضاً الأنبياء الذين تنبؤوا عن مجيئه، فهم يتلهفون إليه لينالوا المجازاة. الشهداء الذين سفكوا دمهم في سبيل الإيمان به يطالبونه بالاكليل. البطاركة، المفارنة، المطارنة القديسون الذي أئتمنهم على وزناته فتاجروا وربحوا. سيقومون جميعهم من قبورهم يوم مجيئه وسوف يصرخون قائلين: أين شوكتك يا موت وأين غلبتك يا هاوية. مبارك الآتي باسم الرب. نعم! كأن كل واحد منهم يقول كقول بولس: «جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان. وأخيراً وضع لي اكليل البر الذي سيهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً» (2تي4: 8).

فهل نحن أيها المؤمنون مشتاقون لرؤية ربنا؟ ومن أي صنف من هذه الأصناف الثلاثة نحن؟ أمن المهملين غير المؤمنين بمجيئه! أم من الهازئين بهذه الحقيقة! أم نحن من المشتاقين المؤمنين بها والمترجين ظهور ربنا لا بل المتلهفين لذلك اليوم، ما موقفنا ازاء ظهور ربنا؟ لنزِنْ أنفسنا في ميزان المثل الآتي وهو مثل العذارى البتولات العشر الذي خبر به يسوع لينبه سامعيه وليجعلهم مستعدين دائماً للقاء ربهم. وهذا المثل تذكره الكنيسة المقدسة وتشرحه في طقوسها كل سنة في مثل هذه الليلة. لنوزن أنفسنا في ميزان هذا المثل لنرى كم تحمل قلوبنا من الإيمان والرجاء والمحبة. أما المثل فهو يُشَبه ملكوت السموات عشر عذارى اخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس. وكان خمس منهن حكيمات وخمس جاهلات. أما الجاهلات فاخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتا. وأما الحكيمات فأخذن زيتاً في آنيتهن مع مصابيحهن. وفيما أبطأ العريس نعسن جميعهن ونمن. ففي نصف الليل صار صراخ: هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه.

فقامت جميع أولئك العذارى وأصلحن مصابيحهن. فقالت الجاهلات للحكيمات أعطيننا من زيتكنّ فإن مصابيحنا تنطفئ. فأجابت الحكيمات قائلات: لعله لا يكفي لنا ولكنّ اذهبن إلى الباعة وابتعن لكنَّ. وفيما هنَّ ذاهبات ليبتعن جاء العريس والمستعدات دخلن معه إلى العرس وأغلق الباب. أخيراً جاءت بقية العذارى أيضاً قائلات: يا سيد يا سيد افتح لنا. فأجاب وقال: الحق أقول لكنَّ إني ما أعرفكن. فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي ياتي فيها ابن الانسان (مت25: 1-14).

فمن سياق المثل نعرف بأن العذارى العشر الجاهلات والحكيمات عرفن بأن العريس سيأتي. أي كان لهنّ إيمان بذلك، وكان لهن رجاء ولكن الخمس الجاهلات نفد زيتهن والزيت هنا بمثابة الأعمال الصالحة. فلم يكن للجاهلات محبة. والمحبة تتضمن جميع الفضائل. وسمّيت الخمس العذارى التي نفد زيتهن جاهلات لأنهن طلبن الحاجة في غير أوانها. وشئن أن يتُبنَ بعد أن حدثت القيامة، فأغلق الباب في وجوهن فصرخن: يا رب يا رب افتح لنا، ولكن ليس من يجيب، لأن زمن التوبة قد عبر وزال.

فلنتمسك الآن بالشروط الثلاثة التي هي ضرورية للحياة: بالإيمان والرجاء التي تمسكت بهما العذارى العشر. وبالمحبة أي بالأعمال الصالحة التي تمسكت بها العذارى الخمس الحكيمات. ويقول الرسول بولس: «أما الآن ليثبت الإيمان والرجاء والمحبة. هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة» (1كو13:13). لأن قانون الدينونة أساسه المحبة «كنت جائعاً فأطعمتموني».

فالآن أيها المؤمنون عرفنا أن المسيح آتٍ، وعلمنا كيفية مجيئه وعلاماته ولكن متى سيأتي لا نعرف. وكل ما نعرفه أنه سيأتي وسنقف أمام منبره ونحاسب عما فعلنا.

فهل أنت مستعد لمقابلته؟

لو كان اليوم هو موعد وقوفنا أمام كرسي الديان العادل، فأين تظن سيكون موضعك عن جانب اليمين أم عن جانب اليسار؟ وأين ستقضي الأبدية؟ أفي النعيم؟ أفي الجحيم لا سمح الله؟ أمع المسيح حيث الراحة الأبدية؟ أم مع ابليس لا سمح الله حيث العذاب الأبدي؟ هل أنت مرتاح البال من حالتك الروحية؟ أتشتاق إلى ظهور يسوع؟ هل تملك الإيمان بالله؟ هل تقوم بأعمال المحبة التي يأمرنا بها ربنا؟ هل تسهر روحياً دائماً وتنتظر ربك ليأتي فيأخذك إليه؟

أيها المؤمنون: لنسمع قول الرسول بولس منادياً ضمائرنا قائلاً: «فلا ننم إذاً كالباقين بل لنسهر ونصح لان الذين ينامون فبالليل ينامون و الذين يسكرون فبالليل يسكرون وأما نحن الذين من نهار فلنصح لابسين درع الايمان و المحبة و خوذة هي رجاء الخلاص» (1تس5:6-8). والآن يا إلهنا وسيدنا يسوع المسيح يا من اجتمعنا تحت سقف هذه الكنيسة المقدسة باسمك القدوس، بجاه آلامك إجعل حياتنا حياة السهر الدائم لكي نكون في استعداد حسن لذلك المجيء المنتظر (2بط3: 11). يا رب أهلنا بأن تكون آنيتنا مملوءة بالزيت لندخل إلى عرسك مع البتولات الحكيمات ونكون مع خرافك عن جانبك الأيمن.
يا رب اجعلنا مع زمرة قديسيك القائلين يوم مجيئك: «هذا هو الرب الذي انتظرناه مخلصنا» ولك المجد إلى الأبد آمين.


النهيرة (2)

«أما المستعدات فدخلن معه إلى العرس»

      (متى 25)

إنه العرس السماوي الذي لا يستحق أن يشترك فيه إلا المستعدون روحياَ. إنه العرس السماوي الذي تٌزَف فيه الكنيسة المقدسة إلى عريسها المسيح يسوع ربنا في نهاية الدهر.

ملكوت الله على الأرض، المؤسسة الروحية التي أنشأها الرب يسوع على أرضنا هذه، وهي كنيسته المقدسة المؤسسة على الإيمان به أنه ابن الله الحي وجعل منها سلّماً نصعد عليها إلى ملكوت الله في السماء. وهذه الكنيسة هي مستودع الأسرار الإلهية، والنعم السّماوية وهي الوالدة والمربية والمعلّمة التي تأخذ ابن الهلاك فتلده ثانيةً من جرن المعمودية ليصير ابن السماء، وليرشّح لملكوت الله في السماء.

ضرب الرب أمثالاً عديدة ليكشف لنا أموراً سرّية عن هذا الملكوت في الأرض، كما أنه بأمثاله كان واقعياً، فملكوت الله شبكة تطرح في البحر تصطاد أسماكاً عديدة كبيرة وصغيرة، جيّدة ورديئة، وهو حقل زرع به الرب بذوراً جيدة، ولكن جاء الذين أخبروه قائلين: أن هناك زؤاناً ينبت مع الحنطة الجيدة، وسألوه قائلين: هل نقلع الزوان؟ أجابهم: كلا.. بل دعوهما ينموان معاً إلى يوم الحصاد لئلاّ تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. هذه كنيسة الله، العديد من الناس ولئن كانوا قد ولدوا فيها من جرن المعمودية، ولئن يسمون مسيحيين أيضاً، ولئن يأخذ كل منهم نعمة عظيمة من الروح القدس، ولكن لا يثبت الجميع إلى النهاية أي إلى يوم الحصاد. ففي الكنيسة أبرار، وفيها أشرار، فيها الصالحون، وفيها الطالحون الفئتان تنموان معاً إلى يوم الحصاد. فحين جاء الرب يسوع في مجيئه الأول لفداء البشرية ومات لأجل خلاصها، أسس هذا الملكوت على الأرض وسلّمنا الإيمان به، وأنعم علينا أن ندعى باسمه «مسيحيين»، وأن نولد بالنعمة من فوق، من السماء وأن نرشّح كأبناء لله بالنعمة لنرث ملكوته السماوي.

جاء إلى أرضنا وأنهى تدابيره الإلهية، وصعد إلى أبيه السماوي. ويوم صعوده كان الرسل شاخصين إليه بأنظارهم وهو صاعد إلى السماء وأخفته سحابة بيضاء عنهم، اثنان من الملائكة وقفا بهم وقالا لهم: «ما بالكم أيها الرجال الجليليون تتطلّعون إلى السماء إن يسوع هذا الذي ذهب عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء»، هذه العقيدة كان الرب قد سلّمها إلى تلاميذه، والتلاميذ سلّموها إلى الكنيسة. إذاً سيأتي ثانيةً ليأخذنا إلى ملكوته السماوي بعد أن نكون قد جاهدنا الجهاد الحسن وأكملنا السعي وحفظنا الإيمان في ملكوته على الأرض أي كنيسته المقدسة، فإذا كنّا في ملكوته على الأرض أعضاء حيّة، تستحق أن تكون أرواحنا حجارة حيّة في ملكوته السماوي.

في مجيء الرب ثانيةً كما نصّ قانون مجمعَي نيقية وقسطنطينيّة أنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات، جاء أولاً لفدائنا فكان مجيئه مجيء رحمة وحنان وخلاص من أعدائنا بدمه الثمين. ولكن في مجيئه الثاني سيأتي ليدين الأحياء والأموات. وقد أوصانا أن نسهر لأننا لا نعلم متى يأتي الرب: «اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربّكم، واعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أي ساعة يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته ينقب».

علّم الرسل تلاميذهم هذه الحقيقة الإيمانية وعلّم هؤلاء المؤمنين كافةً أن المسيح سيأتي ثانيةً. وكانوا يحيّون بعضهم بالعبارة السريانية الآرامية «ماران آثا»، العبارة التي تعني أن الرب قد جاء وهو آتٍ، أي لقد جاء الرب وسيأتي ثانيةً. وكان الرسل يظنون أن المسيح سيأتي سريعاً لأننا لا نعلم متى يأتي، ولذلك كانوا ينتظرونه في كل لحظة من لحظات حياتهم مستعدّين لاستقباله، وكانوا يذكرون هذه الحقيقة ومازلنا نذكرها عندما نحتفل بالقداس الإلهي منتظرين مجيئه الثاني، بعد أن نكون قد اعترفنا بمجيئه الأول للخلاص، وبموته من أجلنا، وبقيامته من بين الأموات. وعند منتهى الدهر يبدأ عهد ملكوته السماوي، ملكوته الذي نطلب دائماً في صلاتنا الربانية بقولنا: «ليأتِ ملكوتك» هو الملكوت السماوي.

ضرب لنا الرب مثلاً عن ذلك، مثل العذارى، الخمس الحكيمات والخمس الجاهلات. لا عبرة في العدد، فليس هناك مساواة في العدد بين الذين سيدخلون ملكوت الله وبين الذين سيطردون من الملكوت، ولكن هناك الكيفيّة. أي الذين يكونون مستعدين لمجيء الرب يسوع بشوق وتوق، الذين يكونون قد أخذوا الإيمان الصوري، وقارنوه بالإيمان الحي، فنحن نؤمن كما علّمتنا الكنيسة بقانون الإيمان وبعقائدها السمحة، هذا جيّد جداً وضروري لكل مسيحي، ولكن ما لم يقترن هذا الإيمان بالأعمال يبقى إيماناً صورياً يجعلنا فاترين لا باردين كليّاً، خارجين عن حظيرة المسيح، ولا حارّين بالروح لنكون حقاً مملوئين من الروح القدس، والمسيح يسوع يكون معنا.

الشياطين أيضاً يقول الكتاب «تؤمن وتقشعر وتخاف أيضاً»، ولكنها ستتعذّب في النار الأبدية لأنها شريرة. لنا رجاء، هذا الرجاء هو أن نكون مع الرب في مجيئه، أن نترجى الحياة الثانية. هذا يقترن بإيماننا بالحياة الأبدية. ولكن أيضاً لا ينفعنا شيء أن كنّا لا نترجّى قيامة الموتى، ونحن مستعدون للقاء المسيح بنور مصابيحنا المملوءة زيتاً هو زيت الإيمان المستقيم والأعمال الصالحة.

في طقسنا هذا اليوم نطوف في الكنيسة، وشموعنا بأيدينا والظلمة قد خيّمت علينا. بهذا الرمز العظيم لنا أيها الأحباء أننا بسلوكنا في هذه الحياة الدنيا، لنا شموع مضاءة، بنور المسيح نسلك في هذه الحياة، وهذا النور يظهر بأعمالنا الصالحة، لذلك قال الرب يسوع: «ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات»، وعندما نصل بدورتنا في الكنيسة إلى باب المذبح الذي يمثّل باب الملكوت نتضرّع تائبين إلى الله، لأننا في سلوكنا في الحياة طالما نحن لابسون الجسد لابدَّ من أن نتعرّض للتجارب وكثيراً ما نقترف الخطايا لأن إبليس يحاول أن يجرّبنا لنكون بعيدين عن الله، ولكن الرب الرحيم الديّان العادل الذي جُرِّب مثلنا في كل شيء ما عدا الخطيّة، لن يسألنا في يوم الدين: لماذا أخطأنا؟ بل لماذا لم نتب؟ فعلينا أن نتوب مستعدّين للقاء الرب، منتظرين إياه في مجيئه الثاني.

إن مثل العذارى يعلمنا أن العذارى العشر جميعهن كنّ مؤمنات، ودُعِين عذارى. إذاً نتصوّر أنهنّ كنَّ في دائرة الملكوت على الأرض كما ندعى نحن أيضاً مسيحيين، هذا الاسم الذي أطلق أولاً على أهل أنطاكية إنما أطلق عليهم لأنهم كانوا مستقيمين قدّيسين أتقياء، لا بالفكر والقول فقط، بل أيضاً بالعمل فشابهوا المسيح وسمّوا مسيحيين. إنه اسم مقدّس أن ندعى باسم الرب مسيحيين كأتباع للمسيح، ولكن هذا الاسم لا ينفعنا شيئاً، بل يقوم في الدينونة ضدّنا إن كنّا لا نتمثّل في المسيح يسوع ربّنا.

مرّة عاد التلاميذ من رحلة تبشيرية، وكانوا فرحين قائلين للرب: «حتى الشياطين تخضع لنا باسمك»، فقال لهم: «لا تفرحوا لأن الشياطين تخضع لكم باسمي، بل افرحوا بالحري لأن أسماءكم مكتوبة في السماء». فاسم الرب قوي، «وباسمه تجثو كل ركبة ما في السماء من فوق، وما على الأرض، وما تحت الأرض»، ولكن هذا الاسم الذي أخذناه ما لم نقتدِ بالمسيح ربنا نكون غرباء عنه.

كما قيل مرةً عن الاسكندر أنه وجد أحد جنوده نائماً في ساعة نوبته للحراسة، فأيقظه وقال له: ما اسمك يا بني؟ قال اسمي اسكندر، قال له: إمّا أن تكون مثلي، أو غيّر اسمك واخرج من هذا السلك كليّاً.

فالمسيح يريدنا أن نكون مثله طالما دعينا باسمه، فالعذارى كنّ قد دُعين باسم المسيح، وكنّ مكرِّسات أنفسهن للرب بالأصوام والصلوات ومنتظرات مجيء المسيح، وكنّ مؤمنات بأن المسيح سيأتي، وكانت لهن سرج مملوءة زيتاً ومضيئة، ولكن العريس أبطأ مجيئه فنفد الزّيت بالسُرُج ولم يكن لخمس منهن زيت احتياطي، لذلك لم يكنّ مستعدات، فعندما جاء العريس كانت سرجهنّ مظلمة واعتبرن جاهلات ولم يسمح لهن بدخول الملكوت مع العريس السماوي أما المستعدّات فدخلن معه وتنعّمن. لا نعلم متى يأتي الرب، نظنّ أنه قد أبطأ مجيئه، هل استعد كل واحد منّا إن كان حكيماً، والحكمة هي تطبيق الإيمان بالأعمال الصالحة، إن كان حكيماً هل هو مستعد للقاء الرب؟ هل أعد لسراجه زيتاً وافراً في آنية إضافية، حتى إذا أبطأ الرب لا ينطفئ سراجه لأنَّ هناك زيت الأعمال الصالحة، زيت الرحمة.

جاء الرب، فالجاهلات اللواتي لم تستعد كل واحدة منهنّ لآنية مليئة بالزيت انطفأت سرجهن، والمستعدّات يقول المثل: دخلن مع الرب، أما الجاهلات فطردن خارجاً، صرخن: يا رب افتح لنا، ولكن ليس من يجيب.

هذا المثل أحبائي لنا جميعاً أبناء الكنيسة وبناتها، نحن الذين نلنا النِعم العظيمة من الله. نحن الذين نلنا نعمة الفداء بمجيء المسيح أوّلاً، فعلينا أن ننتظره لنستقبله في مجيئه الثاني وانتظارنا يجب أن يكون على غرار الحكيمات بوافر الأعمال الصالحة وخاصةً بالرحمة، الرحمة التي ستفتخر على الدين والحكم، لأنها ستكون أساساً للحكم في دينونة اليوم الأخير. كنتُ جائعاً فأطعمتموني. علينا أن نستعد فالمسيح آتٍ لا محالة، متى؟ لا نعلم. «اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون متى يأتي الرب». والرسول بولس ظنّ أن مجيء الرب يكون قريباً وأنه سيكون في عِداد الأحياء حينذاك، لذلك قال: «أما نحن الأحياء فسنخطف معه في الجو»، والرب عندما أعلن عن حقيقة مجيئه أنه عندما يصرخ في البوق، عندئذ بعد أن تكون العلامات قد تمّت من حروب وكوارث طبيعية، وعلامة ابن الإنسان الصليب المقدس قد تظهر في السماء حينئذ يأتي المسيح، فيقوم الموتى بأجساد روحيّة، وتتّحد بأرواحها، فالصالحون يكونون مع المسيح، مع العذارى الخمس الحكيمات، أما الأشرار أبعدكم الله وأبعدنا عنهم وعن الشرير حيث أنهم يكونون مع سيدهم إبليس ليتعذّبوا إلى الأبد، وهناك يكون البكاء وصريف الأسنان.

فلنقتدِ بالمستعدّات أحبائي، لنفتخر باسمنا المسيحي، لنفتخر بكنيستنا التي ولدتنا من جرن المعمودية وأعطتنا النِعم الأبدية لنتمسّك بعقائدنا الإيمانية السمحة، لنتمسّك بنور المسيح، لنكون مملوئين حرارة، لا أن نقبل الإيمان الصوري فقط، بل نقرنه بالإيمان الحي أي الأعمال الصالحة، لنكون أحياء في المسيح، حتى إذا ما جاء ولا نعلم متى، نرث معه ملكوته السماوي، متنعّمين على مائدته إلى الأبد، الحالة التي أتمناها لي ولكم أحبائي بنعمته تعالى آمين.


النهيرة (3)

«هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين»

    (رؤيا1: 7)

يلخص لنا الرسول يوحنا بهذه الآية المقدسة كيفية مجيء الرب يسوع ثانيةً، هذه العقيدة السمحة التي أعلنها الرب يسوع لرسله الأطهار وتسلمتها الكنيسة المقدسة منهم فصارت منذ فجر المسيحية سبب تقوية لإيمانهم بالرب يسوع، وتشوقاً إلى رؤيته عند مجيئه الثاني ورجاءً وطيداً بالحياة الأبدية، كما ملأت هذه العقيدة قلوبهم عزاءً وألهمتهم الشجاعة والصبر الجميل على تحمل المشقات، وحتى الاستشهاد في سبيل التمسك بالإيمان بالرب يسوع.

فقد جاء له المجد من السماء إلى عالمنا هذا في ملء الزمان، وأخذ جسدنا وفدانا بدمه الكريم، ووهبنا نعماً سماوية، وخوَّل كنيسته المقدسة التي هي ملكوته على الأرض، أن تمنحها للذين يؤمنون به ويطيعونه ليولدوا ميلاداً ثانياً من السماء ويصيروا أولاداً لله بالنعمة.

أجل، إننا بتأملنا في سيرة الرب يسوع، وتدبيره الإلهي بالجسد، نرى كيف أنَّه له المجد بعد أن أتم عمل الفداء،حيث صُلب ومات ودُفن وقام في اليوم الثالث من بين الأموات، «أرى نفسه حياً لتلاميذه ببراهين كثيرة… هو يظهر لهم أربعين يوماً، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله» (أع 1: 3) معلناً لهم أسراره الإلهية، ثم بعد أربعين يوماً من قيامته «أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء. فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم. وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله» (لو24: 50 ـ53).

ويخبرنا البشير لوقا في سفر أعمال الرسل أنه فيما كان الرب يسوع يرتفع إلى السماء والرسل يشخصون إليه وهو منطلق أخذته سحابة عن أعينهم وإذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض وقالا: «أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء إنّ يسوع هذا الـذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء، حينئذ رجعوا إلى أورشليم» (أع 1: 9ـ21) فرجعوا فرحين لأن الرب يسوع سيأتي ثانيةً.

لقد حدث ذلك يوم صعود الرب يسوع إلى السماء، ولا بد أن تلاميذه تذكروا حينذاك قوله لهم مرة: «وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء»(يو 3: 13) وكان صعوده إلى السماء بالجسد الممجد على مشهدٍ من تلاميذه،  حيث أخفته عن أعينهم سحابة بيضاء. وحسب قول الملاكين لهم أنه في مجيئه الثاني سيأتي أيضاً مع السحاب. وأكد ذلك الرسول يوحنا في سفر الرؤيا بقوله: «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين»(رؤ1: 7).

أجل! إن لظهور السحاب في حوادث مختلفة من الكتاب المقدس سراً إلهياً عظيماً فقد دلَّ ذلك على ظهور العزة الإلهية، مثلما حدث يوم ظهر مجد الله لموسى وشعبه حيث ظهرت السحب والتهب الجبل بالنار، ولم يجرؤ أحد من ذلك الشعب أن يتقدم إلى الجبل. ومثلما حدث عندما تجلى الرب يسوع أمام ثلاثة من تلاميذه على الجبل، وظهر موسى وإيليا يتكلمان معه… وتاق بطرس أن يمكثوا هناك فقال للرب يسوع: جيد يارب أن نمكث ههنا، وإذ كان ذلك اليوم أحد أيام عيد المظال، تابع بطرس القول: ولنصنع ثلاث مظال، واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليا. ولكن الرب ليس بحاجة إلى مظال يصنعها بطرس أو غيره، لذلك شاء له المجد فظللتهم سحابة بيضاء، وكشف الرب يسوع جزءاً من مجده الإلهي، وبهذا الصدد يقول الإنجيل المقدس بحسب الرسول متى: «إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا» (مت17: 5) وكان يوحنا الرسول أحد الرسل الثلاثة الذين شاهدوا تجلي الرب يسوع على الجبل وسمعوا صوت الآب السماوي يشهد بأنه ابنه الوحيد الذي به سُرَّ وأن علينا أن نسمع له ونطيعه، بل أيضاً استحقوا أن يروا الرب يسوع بعد قيامته من بين الأموات بجسده الممجد، وشاهدوه أيضاً وهو يصعد إلى السماء، وأخفته سحابة بيضاء عن أعينهم، وفي سفر الرؤيا أعلن يوحنا تشوّقه إلى أن يرى الرب يسوع مع كل من يؤمن به عندما يأتي ثانيةً مع السحاب.

كان الرب يسوع قد حدثنا عن مجيئه الثاني، وسمعناه ينبهنا، ويحذرنا لنكون يقظين وساهرين، منتظرين إياه لنرث معه ملكوته السماوي.

ولذلك فالكنيسة المقدسة وهي ملكوت الله على الأرض، وتدعى الكنيسة المجاهدة، تهيئ أولادها ليكونوا في عداد الذين سيستحقون أن يرثوا ملكوت الله في السماء. وجعلت الكنيسة المقدسة عقيدة مجيء الرب ثانيةً وازعاً ودافعاً للمؤمنين لممارسة الفضائل السامية وخاصةً «الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة وأعظمهن المحبة»(1كو 13: 13) على حدِّ تعبير الرسول بولس، كما أوصى الرب يسوع تلاميذه قائلاً «اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة» (مت26: 41) ذلك أن السهر الروحي المقترن بالصلاة خير وسيلة لإنقاذنا من التجارب الصعبة التي تصادفنا في حياتنا على الأرض، وخير وسيلة لتعطينا الغلبة على أعدائنا الروحيين الذين لا يحصى لهم عدد، فإبليس يزأر كوحش يريد أن يفترسنا روحياً، كما أن الجسد ضعيف ومعرض دائماً للتجارب، وحيث أننا نسلك في ظلمة هذه الحياة الدنيا، علينا أن نستنير بتعاليم الرب يسوع ونتبعه لأنه هو نور العالم. وإننا بحسب طقسنا الأنطاكي السرياني الأرثوذكسي في هذه المناسبة من كل عام عندما نطوف في الكنيسة التي تطفأ الأنوار فيها لتمثّل ظلمة هذا العالم الفاني نأخذ بأيدينا الشموع المضاءة التي تمثّل تعاليم الرب يسوع المسيح. هكذا نستنير بالرب يسوع في ظلمة هذه الحياة الدنيا، فيكون لنا الرب يسوع الطريق والحق والحياة.

 وعندما ندور في الكنيسة نمثّل حياة كل إنسان مؤمن في المسيح يسوع، في هذه الحياة الدنيا نتوق أن نصل إلى النهاية الصالحة التي هي لرجال السلام ولذلك تسمى هذه الرتبة«ܘܥܕܐ ܕܠܡܐܢܐ» أي البلوغ إلى الميناء، الوصول إلى شاطئ الأمان الذي يُعتبر المرفأ، والميناء في نهاية الحياة الدنيا، حياة الإنسان على هذه الأرض أو نهاية العالم التي ستكون عند مجيء الرب يسوع ثانيةً، فإذا كنا نؤمن بما تسلمناه من الرب يسوع بوساطة الكنيسة المقدسة من عقائد إيمانية صورية ونترجم ذلك إلى واقع حياتنا اليومية أي أن نقرن الإيمان بالرب يسوع بالأعمال الصالحة، أعمال الرحمة خاصةً التي يشير إليها مثل العذارى العشر بالزيت الذي كان فائضاً في سرج العذارى الخمس  الحكيمات المضاءة، وكان مترعاً في آنيتهن، حينذاك نكون مستحقين مثلهن أن نرث ملكوت الله ونحن ساهرون بإيمان متين ورجاء وطيد ومواظبون على الصلاة ومنتظرون مجيء عريس الكنيسة المقدسة المسيح يسوع الذي لابدَّ أن يأتي ثانيةً، ولكننا لا نعلم متى يكون موعد مجيئه وقد أوصانا قائلاً: «اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعةٍ يأتي ربكم… لذلك كونوا أنتم أيضاً مستعدين لأنه في ساعةٍ لا تظنون يأتي ابن الإنسان» (مت24: 42 و44).

أيها الأحباء: في الكلمات المقدسة التي تليت على مسامعكم من الإنجيل المقدس، في المثل الذي ضربه الرب لنا عن مجيئه الثاني، مثل العذارى الخمس الحكيمات، والخمس الجاهلات، لا يعني أن عدد الذين سيدخلون إلى ملكوت الله هو بمقدار عدد الذين سيهلكون، ولا يستحقون أن يدخلوا إلى هذا الملكوت ولكن المثل يشرح لنا الكيفية التي يكون فيها أولئك المؤمنون بالرب يسوع، فالعذارى العشر كنَّ جميعهنّ مؤمنات بالرب يسوع، وجميعهنّ انتظرن مجيئه الثاني، وجميعهنّ كن ساهرات، ولكن الحكيمات كانت لهن أعمال صالحة، أعمال الرحمة، عشن السماء على الأرض فقد كانت كنوزهن في السماء وقلوبهنَّ في السماء وسيرتهن سيرة أبناء السماء، حيث قد قرنَّ إيمانهن بالأعمال الصالحة وهنَّ يعرفن: «أن الإيمان بدون أعمال ميت»(يع2: 21) على حد قول الرسول يعقوب الذي يقول أيضاً: «الديانة الطاهرة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالــم» (يع1: 27) فإذا كنا نؤمن أن الرب يسوع سيأتي ثانية، طبقاً لما ذكره صاحب الرؤيا بقوله: «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين»، علينا أن نذوب شوقاً إلى رؤيته فهو كما يصفه سفر المزامير «أبرع جمالاً من بني البشر»(مز 45: 1).

فلننتظر مجيئه كما أنتظره يوحنا الرسول وسائر الرسل والآباء القديسين ولنسلك مثلهم، بموجب نواميسه السماوية، حاملين صليبه المقدس وتابعين إياه في طريق الجلجلة، لنصلب ذواتنا معه على الصليب، لنقوم معه من بين الأموات بمجد عظيم، ولنحيا لا نحن بل المسيح يحيا فينا (غلا 2: 20)، حينذاك فقط نستحق أن نكون في عداد الساهرين مع العذارى الخمس الحكيمات، سرجنا منيرة، وآنيتنا مترعة بزيت المحبة والرحمة، لنستحق أن ندخل معه إلى العرس، ونتمتّع معه في ملكوته السماوي. وكما أننا سنراه بعيوننا ونبتهج معه، سيراه الأشرار أيضاً بعيونهم ولكنهم سيكونون مرتعدين، خائفين وهم يتوقعون العذاب الأليم لأنهم لم يطيعوا أوامره في الحياة الدنيا، أمّا المؤمنون فسيكونون أمام العرش الإلهي سعداء كما يذكر الإنجيل المقدس بقوله: «حينئذ يضيء الصدّيقون كالشمس في ملكوت أبيهم»(مت 3: 43)، «ويكونون كملائكة الله في السموات» (مت 22: 30).

أيها الأحباء: إن الرب يسوع يريدنا أن نتذكَّر دائماً أنه قد فدانا بدمه الكريم، ولذلك فالكنيسة المقدسة في كل مرة يحتفل بها الأحبار والكهنة بالقداس الإلهي، يذكرون أن المسيح قد مات لأجلنا، وأنه ليلة آلامه سلّم سر جسده ودمه الأقدسين إلى تلاميذه الأطهار قبل أن يسلَّم بإرادته جسده الطاهر بيد أعدائه الظالمين من اليهود والرومان الذين استهزؤوا به وساموه صنوف العذاب ثم علقوه على الصليب، وبإرادته سلّم روحه بيد أبيه السماوي ومات، وعندما يذكر الكاهن العبارات التاريخية المقدسة التي فاه بها الرب عندما سلّم سر جسده ودمه الأقدسين إلى رسله الأطهار يرتعب وهو يذكر أن المسيح وهبنا نعمة الكهنوت المقدس وأوصانا أن نقدم الذبيحة الإلهية غير الدموية، وهي سر القربان المقدس، وأن نذكر موته وقيامته ومجيئه الثاني. ولذلك فالشماس يعلن أثناء الاحتفال بالقداس الإلهي وهو يناجي الرب يسوع قائلاً: «إننا نذكر يا ربنا موتك مؤمنين بقيامتك ومنتظرين مجيئك الثاني فارحمنا». وكما أن المؤمنين في فجر المسيحية كانوا يستعملون عبارة «ماران آثا» الآرامية السريانية التي ترجمتها «الرب آتٍ»، وكانوا يلفظون تلك العبارة وهم يحيّون بعضهم بعضاً، ليذكِّروا بعضهم أن المسيح آتٍ ليكونوا فرحين صابرين في الضيقات ومحتملين صنوف العذاب في سبيل الإيمان بالرب يسوع، ومستعدين لاستقباله في مجيئه الثاني.

أجل، إن للمؤمنين مواقف متباينة من حقيقة عقيدة مجيء الرب يسوع ثانيةً، فمنهم الغافلون غير المبالين، الذين في حياتهم الروحية يشبهون سفينة تمخر عباب اليمّ، ولا تترك بعدها أثراً وكأنها لم تأتِ ولم تذهب، فهم غير مبالين بما ضمه الكتاب المقدس من الحقائق الإيمانية مثل أولئك الذين عاصروا نوح الذي كان ينذرهم ليتوبوا، ليخلصوا من غضب الله ولئلا يهلكوا بالطوفان، فلم يسمعوا وجاء الطوفان وأخذ الجميع. وغيرهم يشابهون المستهزئين بأوامر الله تعالى، كأهل سدوم وعامورة الذين يقول الكتاب المقدس عنهم وعن أمثالهم: «كان لوط كمازح في عين أصهاره» (تك19: 14 ).

أما القسم الثالث فيمثل الساهرين الذين يؤمنون بمجيء الرب يسوع ثانيةً وينتظرونه بسهر وتوق، ويمثلهم يوحنا الرائي الذي كان ينتظر مجيء الرب ثانية بإيمان، ويعلن هذه الحقيقة الإيمانية بقوله: «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين»، أجل، لا يكفي الإيمان النظري في حالةٍ كهذه بل يجب أن يقرن الإنسان إيمانه بالأعمال الصالحة فالرب يقول لنا: «ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات»(مت7: 21) كما علينا أن نعرف أنه لا يوجد في الأبدية إلا مكانان فقط هما: ملكوت السماء الذي هو السعادة الأبدية، وجهنم التي هي العذاب الأبدي والنار الأبدية والظلمة الخارجية حيث البكاء وصرير الأسنان، فلنسأل أنفسنا بجدٍّ وخوف ورعدة: يا ترى أين سنقضي الأبدية؟

لننتظر مجيء الرب يسوع بتشوق، ولنتطلَّع إلى السماء لنرى رايته   الإلهية، أي الصليب المقدس، الذي سيظهر في السماء عند مجيئه الثاني. لننتظر الرب يسوع بسهر روحي ورجاء وطيد وإيمان متين، لنستحق أن ندخل معه إلى العرس مع العذارى الخمس الحكيمات المستعدات ونتمتع  معه بالسعادة الأبدية.

لنردد بإيمان قول الرسول يوحنا الرائي «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين، والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض» (رؤ 1: 7 ) ولننصت جيداً، لنسمع وعد الرب لنا بقوله: «ها أنا آتي سريعاً» ولنجاوبه بالروح بإيمان ورجاء قائلين مع صاحب الرؤيا الرسول يوحنا قائلين للرب: «آمين تعال أيها الرب يسوع نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم»(رؤ22: 20،21).

وفيما يلي نقدم شرحاً لبعض الفقرات من رتبة النهيرة حسب تقليد كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية:

تحتفل كنيستنا كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية المقدسة صباح عيد الشعانين، بموجب طقسها الأنطاكي السرياني العريق، بذكرى دخول الرب يسوع إلى أورشليم راكباً على جحش بن أتان، وأعلن بذلك ذاته أنه ماشيحا الملك الذي انتظرته الشعوب، وبذلك أيضاً تمت نبوة النبي زكريا القائل: «ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش بن أتان» ( زك9: 9) وفي تلك المناسبة استقبله الأطفال والرضع، وبأيديهم سعف النخل وأغصان الزيتون (لو19: 28 ـ 48) وهم يمجدونه قائلين: «مبارك الآتي باسم الرب، أوصنا مبارك الآتي باسم الرب، أوصنا في الأعالي» ومعنى لفظة أوصنا الآرامية السريانية (خلص إذاً يارب) وهي بدء صلاة كان شعب العهد القديم يتلونها، إبَّان الشدة، ثم استُعملَت بعدئذ بمناسبة الأفراح والمسرات. وكان الأطفال عندما استقبلوا الرب يسوع عند دخوله إلى أورشليم قد حملوا بأيديهم سعف النخل وأغصان الزيتون ـ ذلك أن شجرة النخل شجرة مستقيمة والشجرة متجهة نحو السماء وهي ترمز إلى استقامة المؤمن وتطلعه نحو السماء ـ أما الزيتون فأوراقه خضراء ويستخرج منه الزيت الذي كان يُستعمَل لإنارة السرج، كما أن الزيت يعتبر المادة المباركة لسرَّي الميرون المقدس ومسحة المرضى، وتُعتبر أغصان الزيتون علامة السلام والمحبة. ففي صباح أحد الشعانين تحتفل الكنيسة بذكرى دخول الرب يسوع إلى أورشليم الأرضية.

أما في مساء يوم عيد الشعانين نفسه أي ليلة الاثنين اليوم الأول من أسبوع الآلام فتحتفل الكنيسة برتبة النهيرة أي الأنوار وبهذا الطقس تُذكِّر المؤمنين بمجيء الرب يسوع المسيح ثانيةً إلى أرضنا هذه بمجد أبيه ومعه ملائكته القديسون ليدين الأحياء والأموات، ودخوله بمجد عظيم مع أبنائه القديسين المختارين إلى أورشليم السماوية (مت25: 31ـ46 ) وسيكون مجيئه الثاني في يوم وساعة لا يعلمهما أحد (مت 24: 42) حيث ستظهر علامة الصليب في السماء، ويأتي الرب مع السحابة، وتنظره كل عين، بعد أن ينفخ رئيس الملائكة بالبوق، وعندها يسمع الذين في القبور صوت الرب يسوع ابن الله الوحيد ويقوم الذين عملوا الصالحات قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات قيامة الدينونة. فالأبرار ينتظرون مجيء الرب ثانيةً، بفارغ الصبر والفرح والبهجة لينالوا المكافأة على إيمانهم، وأعمالهم الصالحة.

ففي مناسبة النهيرة مساء يوم الشعانين، يجتمع المؤمنون في كنائسهم حيثما وجدوا في أنحاء العالم، ليحتفلوا بهذه المناسبة المقدسة، وينصتوا بإيمان متين ورجاء لا يخيب إلى الكاهن وهو يتلو إنجيل العذارى العشر، الخمس الحكيمات والخمس الجاهلات، اللواتي كنّ ساهرات ينتظرن مجيء العريس والمؤمنون يقتدون بالعذارى الخمس الحكيمات وهم ينتظرون مجيء العريس السماوي الرب يسوع المسيح ثانية، وهم يحملون الشموع المضاءة التي تمثل مصابيح العذارى المنيرة ويحملون الآنية المترعة بالزيت، حتى إذا نقص الزيت في السُرُج يملؤونها من الآنية التي معهم وهي مترعة بالزيت، والزيت يشير إلى أعمال المحبة والرحمة.

ومن ضمن طقس النهيرة في هذا اليوم (الدورة) أي الطواف في الكنيسة وكان المؤمنون قديماً يبتدئون الدورة من الجهة الواقعة عن يمين الشخص المواجه للمذبح وهي الموضع الذي كان يُخصص لجلوس النساء في كنائسنا القديمة، وفي أيامنا هذه لا يلتزم المؤمنون بنوع الجهة. وخلال الدورة تُطفَأ أنوار الكنيسة، دلالة على ظلمة العالم الذي يجتازه المؤمنون في حياتهم على الأرض، وهم يحملون بأيديهم شموعاً مضاءةً إشارةً إلى نور الأيمان بالمسيح يسوع ربنا الذي هو نور العالم، الذي يسترشد المؤمنون به لينعكس نوره الإلهي عليهم فيستحقوا أن يستنيروا به وينيروا الآخرين طبقاً لوصية الرب يسوع القائل: «أنتم نور العالم والنور يضيء في الظلمة» (يو1: 5) وقوله أيضاً: «ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات»(مت5: 16).

وعندما يصل الموكب أمام المذبح المسدل ستاره، وتُقدَّم الأدعية لطلب الرحمة والمغفرة من الرب، كي يؤهّلهم لدخول ملكوت السماء في مجيئه الثاني برفقة العذارى الخمس الحكيمات، اللواتي انتظرن مجيئه  ومصابيحهن مترعة بالزيت، وقد احتفظن بزيت احتياطي في آنيتهن، يرتّل المترئس للاحتفال مع الشعب ثلاث مرات ترتيلة ܥܠ ܗܘ ܬܪܥܐ، وفيما يلي ترجمة هذه الترتيلة كما اعتاد المؤمنون أن يرتلوها بالعربية: «أمام الباب الخارجي كان سمعان جالساً يبكي، ربي افتح بابك أنا تلميذك، السماء والأرض عليَّ تبكيان، مفاتيح باب السماء ضيَّعت». ثم يقرع المطران بصليبه أو الكاهن بيده الستار المسدل على باب المذبح ثلاث مرات وهو يقول: «يارب يارب افتح لنا»، فيُزاح الستار، وتُضاء الأنوار ويدخل المطران والكهنة والشمامسة خلال ذلك المذبح ويرتلون بالسريانية: ܛܘܒܝܗܘܢ ܠܥܒ̈ܕܐ ܛܒ̈ܐـ طوبى للعبيد الصالحين، وتُختَم مراسم الطقس بتلاوة قانون الإيمان ثم يبارك المطران الشعب ويصرفه بالسلام. وتدور الموعظة حول موضوع مجيء الرب يسوع ثانيةً، والتأمل بقول صاحب سفر الرؤيا: «هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين، والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض» (رؤ1: 7)، وقوله على لسان الرب يسوع: «أنا آتي سريعاً» وجواب صاحب الرؤيا للرب يسوع: «آمين تعال أيُّها الرب يسوع نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم» (رؤ 22: 20 و21).

 

خميس الأسرار

خميس الأسرار

خميس الأسرار (1)

أعمال الرسل (1: 15ـ 25)

1 كورنثوس (10: 14ـ 33)

متى (26: 17ـ 30)

خميس الأسرار

«وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلّكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا»

 (متى 26: 26ـ 28)

بهذه الكلمات المقدّسة أيها الأحباء، أنعم الله علينا بسر جسده ودمه الأقدَسين، ولو صحّ أن ننسب للملائكة شعور الحيرة والدهشة والعجب بل الخوف والرعدة والفزع لقلنا إنهم حاروا عندما سمعوا الرب يتفوّه بتلك الكلمات العجيبة المقدّسة، وعندما رأوه يقدّم لتلاميذه خبزاً وخمراً ويدعو ذلك جسده ودمه، ولكنَّ الرب الذي أراد أن يمنح البشرية بشخص تلاميذه الأطهار أعظم هبة بالكون، هبة مغفرة الخطايا التي يتبعها التبرير والتقديس بل أيضاً التبنّي؛ شاء أن يمنح جسده ودمه الأقدسَين لتلاميذه قبل أن يسلّم هذا الجسد الطاهر ليد الأعداء، أعدائه وأعداء البشرية الذين حكموا عليه بالموت صلباً، موت اللعنة بالنسبة إلى شريعتهم الذي انقلب حياةً للبشريّة، وأصبح للإنسان سبب نعمة لا تزول بحياةٍ مع الرب على هذه الأرض وفي السماء في آن واحد.

خذوا كلوا هذا هو جسدي، اشربوا هذه الكأس، هذا هو دمي للعهد الجديد. كان مهّد لهذا السر عندما تحدّث عن المنّ الذي أُعطي من السّماء لبني إسرائيل في البريّة. كان تقليد اليهود أن ماسيّا، ماشيحا الذي يأتي لفداء البشرية يكون كموسى زعيماً دينيّاً ومدنيّاً في آن واحد ويعطيه المن خبز الملائكة، وعندما افتخروا بذلك أمام الرب قال لهم: موسى لم يعطكم المن من السماء بل أبي الذي أعطاه ويعطيه دائماً، ثم أعلن أنه هو المن الذي نزل من السماء، هو الخبز الحقيقي الذي أعطاه الآب السماوي للبشرية، من يأكل منه لا يجوع أبداً، يقول كتبة الإنجيل: إن تلاميذه واليهود استغربوا جدّاً من هذا الكلام، اليهود تركوه ومشوا، تلاميذه أيضاً رجعوا إلى الوراء لأن هذا الكلام كان بالنسبة إليهم غريباً جداً، ونحن لا نلومهم بذلك لو سمعناه نحن أيضاً لأول مرّة لاستغربنا كثيراً.

ما معنى أن يعطينا جسده لنأكله ودمه لنشربه؟

ما معنى أن يكون هذا الخبز قد أعطي من الآب السماوي، ولكن أيها الأحباء نحن الذين أنعم الله علينا فولدنا مسيحيين وتقبّلنا الإيمان المستقيم من آبائنا، نحن الذين أنعم الله علينا أن نتقبّل هذا التعليم المسيحي منذ نعومة أظفارنا. نرى أن هذه العقيدة طبيعية جداً وسهلة الفهم. نتأمّل في الكتاب المقدس فنرى أن ملكيصادق ملك شاليم أي المدينة المقدسة كان يقدم ذبائحه من الخبز والخمر، ونعلم أنه كان رمزاً للمسيح حتى لم يُعرَف له أبٌ ولا أم، وكان أيضاً ملك السلام، والمسيح بالذات وكان بذبيحته غير الدمويّة رمزاً إلى ذبيحة المسيح غير الدموية. الخبز والخمر اللذان بعد تقديسهما يصيران حقّاً جسد المسيح ودمه، أعطى المسيح هذا السر وأصرّ قبل ذلك معلناً بوضوح أن من لا يأكل جسده ويشرب دمه ليس له حياة فيه، وهذا أمر ضروري جدّاً لكل من يؤمن بالمسيح أن يأكل جسد المسيح ويشرب دمه، والمسيح وضّح لنا أن من لا يأكل جسده ويشرب دمه ليس له حياه فيه، أما من يأكل جسده ويشرب دمه فإنه يثبت في المسيح والمسيح يثبت فيه، وليس هذا فقط بل أن المسيح في الحياة العتيدة يقيمه أيضاً قيامة الحياة ويجعله مع الأبرار والصالحين متنعّماً في ملكوت السموات.

في أيامنا هذه قد أهملنا هذا السر، حتى في عيد الفصح هذا، في هذا اليوم نجد نسبة ضئيلة جداً من أبناء الكنيسة وبناتها يحضرون القداس الإلهي ويتقدّمون إلى منبر الاعتراف، متهيّئين لقبول سر جسد المسيح ودمه، فيا للخسارة العظمى، يا للتأخير الروحي في نفوسنا وعدم الشعور بمسؤوليتنا تجاه خلاص نفوسنا، إننا بحاجة إلى يقظة روحيّة، إلى شعور بعظمة سر جسد المسيح ودمه.

نعم، هناك من لهم أعذار بالنسبة إلى وظائفهم وأعمالهم ولكن الذين تغلب عليهم الروح الدينية على المصالح الدنيوية يستطيع أن يهيّئ نفسه لحضور القداس الإلهي في هذا اليوم العظيم والاشتراك بسر جسد المسيح ودمه لو كان له مسؤولية اجتماعية دنيويّة لاستطاع بكل وسيلة أن يوفّر على نفسه وعلى وظيفته وعمله ساعة يقوم بواجب جسده الدنيوي، وذلك عندما نكون حارّين بالروح عندما نشعر بمسؤوليتنا الدينية وشعورنا بحاجتنا الماسّة إلى الحياة في المسيح ليحيا المسيح فينا، ليثبت أيضاً فينا ونثبت فيه، هذا السر العظيم، علينا أن ننشئ أولادنا على محبّته. هذا السر العظيم، علينا أن نشعر بضرورته وكذلك علينا أن نعلم أنه من أعظم أسرار الكنيسة، فالمسيح سلّمنا هذا السر بذاته أعطانا بشخص التلاميذ جسده ودمه الأقدسَين. عندما نحتفل بالقدّاس الإلهي أيها الأحبّاء ونذكر روتينيّاً مع غاية الأسف العبارات التي تذكّرنا حقّاً كيف أن الرب يسوع ليلة آلامه، آلامه المحيّية المقدسة العظيمة كيف أنه وهو في تلك الحالة النفسية جلس مع تلاميذه، لنتصوّر أننا كنّا في عِداد أولئك التلاميذ كيف أنه سلّمهم وأعطاهم ومنحهم وبوساطتهم منحنا جميعاً سر جسده ودمه الأقدسَين: هذا هو جسدي كلمة تُقال، ولكن إن كان لنا شعور لنحس بعمق معنى هذه الكلمة لشعرنا برعدة وخوف كيف أن المسيح يعطي جسده لنأكله، كيف يبذل جسده ودمه الأقدسين في سبيل خلاصنا، إن فعل إنسان عادي أمراً كهذا نبجّله ونعظّمه لأنه قام بتضحية كبرى ونكران الذات، فإذا فكّرنا أن المتكلّم هو إله الكون وهو الذي خلّصنا ببذل جسده ودمه الأقدسين عنّا، لو فكّرنا بكرمه الذي لا حدود له إذ أعطانا جسده ودمه لخلاصنا ولفدائنا لروحي ولثباتنا به ولتقويتنا لكي نتمكّن من الحفاظ على إيماننا به وأيضاً لمستقبلنا الأبدي لنرث معه ملكوته السماوي، لو فكّرنا بهذا لكنّا نتوق دائماً إلى تناول جسده ودمه الأقدسين وهما علامة الرب دائماً يوزّعان مجّاناً للمؤمنين، ليس على المؤمن إلا أن يكون مستعداً روحياً وجسدياً ليكون جسده نظيفاً طاهراً ويكون قد تمسّك بالصوم القرباني وهو صباحاً منذ نصف الليل وللمرضى ولمن يتناول دواءً يوميّاً بإمكانه أن يصوم ثلاث ساعات، ومساءً في القداس الذي يُحتَفَل فيه أحياناً بعد الظهر أيضاً الصوم القرباني ثلاث ساعات فقط، إنما الكنيسة فسّحت ذلك لكي تشجّع المؤمنين على التقدم إلى مائدة الرب على تناول القربان المقدّس، هذا هو الاستعداد الجسدي. أما الاستعداد الروحي فعلينا أن نكون قد نقّينا قلوبنا من كل ضغينة وحقد وحسد وبغضة ونسامح بعضنا بعضاً وأن نعترف اعترافاً أمام كاهن الرب، بذلك نكون مستعدّين لتقبّل سر جسد المسيح ودمه الأقدسَين.

ليعطنا الرب فهماً لإيماننا وطاعةً لوصاياه المقدّسة والتمسّك بفروض الكنيسة المقدسة، ليعطنا أن نثبت بالرب بتناول القربان المقدس وليؤهّلنا لنأخذ تلك الثمار الشهية من هذه الحياة، مشتركين بعضنا مع بعض في العقيدة والفرائض مشتركين أيضاً مع القدّيسين الذين في البيعة المنتصرة في السماء، وجميعنا نشترك مع المسيح بسر الشركة والشكر، سر القربان المقدس ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.


خميس الأسرار (2)

«لأن جسدي مأكل حقٌ ودمي مشرب حقٌ»

        (يوحنا 6: 56)

عجيبة جداً عقيدة القربان المقدس، فإننا نرى أمامنا خبزاً وخمراً ونؤمن بأن هذا الخبز قد صار جسد المسيح، وإن هذه الخمرة قد صارت دم المسيح، بعد حلول الروح القدس عليهما خلال قيام الكاهن الشرعي بطقس القداس الإلهي. ويقول الرب يسوع بكل وضوح: إن جسده مأكلٌ حق، وإنّ دمه مشرب حق، قال ذلك في معرض تمهيده لتأسيس سر القربان المقدس العجيب، وتهيئته عقول تلاميذه المؤمنين به حينذاك والذين سيؤمنون به. هذه العقيدة السمحة، عقيدة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه الأقدسين.

كان لدى اليهود تقليد تسلموه من آبائهم، أنّ موسى قد تنبأ بأن النبي الذي سيقيمه لهم الرب مثل موسى يطعمهم خبزاً نازلاً من السماء كما أطعمهم موسى المنَّ في البرية. وبعد أن اجترح الرب يسوع معجزة تكثير الخبزات القليلة وأشبع الألوف من اليهود تبعه جمهور منهم غفير، قال لهم: لم تتبعوني لأنكم رأيتم الآيات بل لأنكم أكلتم الخبز فشبعتم، وهو كعادته يريد من الإنسان المؤمن به وبقوته وسلطانه الإلهيين، ألا يفتكر بالدنيويات بل بالروحانيات فيوصيهم أن لا تهتموا بالطعام البائد بل بالطعام الروحي الباقي للحياة الأبدية، الذي يعطيهم إياه الآب الذي في السماء. وعندما سألوه آيةً من السماء وذكّروه بالمنّ، قالوا: إن موسى أعطاهم إياه في البرية يقول لهم الرب: إنَّ موسى لم يعطكم المنَّ لكن أبي الذي في السموات.

ثم نراه يحول أفكارهم إليه وهو «ماشيحا» المسيح المنتظر، يعلن نفسه أنه هو الخبز الذي نزل من السماء، ولا غرو من ذلك! فإننا عندما نتأمل بسيرة الرب بالجسد وتدبيره الإلهي العلني نتأكد إنه هو حقاً الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء فقد ولد في (بيت لحم) أي بيت الخبز، وأعلن نفسه أنه هو الخبز النازل من السماء قوتاً للبشر، لقد عجن بالآلام، وخبز بنار الجلجلة على الصليب، وصار للناس خبزاً حقيقياً ليقيت النفس. فإذا كان الخبز العادي يقيت أجسادنا ويغذيها وينميها فالقوت الروحي الخبز السماوي المسيح يسوع يغذي نفوسنا في الإيمان ويقيتها بل أيضاً يهيّئها للحياة الأبدية.

فقد قال عن نفسه: أنا هو الخبز الذي نزل من السماء، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه، من لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه ليس له حياة فيه. هذه الكلمات لا يتمكن الإنسان العادي أن يدركها أو يؤمن بها ما لم يُلهم بها من السماء، لذلك عندما أعلنها الرب ممهداً لتأسيس سر القربان المقدس رجع تلاميذه إلى الوراء، وأخذ اليهود يخاصم بعضهم بعضاً قائلين: كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده ودمه مأكلاً ومشرباً؟ أما هو فيعلن هذه العقيدة قائلاً: «إن جسدي مأكل حقٌ وإن دمي مشرب حقٌ، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه».

وفي ليلة آلامه كان قد آن الأوان فيها ليؤسس سر القربان المقدس، فبعد أن غسل أقدام تلاميذه نقاهم وطهرهم وهيأهم ليكونوا مستعدين لتقبّل سر جسده ودمه الأقدسين، منحهم هذا الجسد المقدس بإرادته قبل أن سلم نفسه لأعدائه اليهود ليصلبوه على العود.

جلس معهم، أكل الفصح اليهودي أولاً، أي أتمّ فريضة العهد القديم وختمها، وابتدأ بفريضة العهد الجديد، ويقول الإنجيل المقدس إنه أخذ خبزاً، بارك وكسر وأعطى تلاميذه قائلاً لهم: خذوا كلوا هذا هو جسدي، إذاً «جسده مأكل حق»، وبعد ذلك بارك الكأس المملوءة من الخمر النقي وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم هذا هو دمي. وبذلك يؤكد عليهم جميعاً ومن جملتهم الرسل الذين كانوا سابقاً في عداد تلاميذ يوحنا المعمدان الذين لا يشربون الخمر قائلاً: اشربوا كلكم لأنها لم تبق خمراً بعد تقديسها بل قد صارت دم المسيح، والرب يقول: هذا هو دمي الذي يسفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا ويوصيهم قائلاً: اصنعوا هذا لذكري، كان قد قال سابقاً إن من يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه يثبت فيه وله الحياة الأبدية. ويقول أيضاً: أنا أقيمه في اليوم الأخير، كل هذه المواعيد مبنية على أساس تقبل هذه العقيدة السمحة أن الخبز والخمر بعد تقديسهما يصيران جسد المسيح ودمه.

اصنعوا هذا لذكري، وقد أتمَّ الرسل هذه الوصية الإلهية فإننا نقرأ في سفر أعمال الرسل عن الرسل والتلاميذ أنهم إتماماً لأمر الرب كانوا يجتمعون معاً ويكسّرون الخبز، أي كانوا يتناولون سر القربان المقدس، وكان علامة شركة روحية قائمة بينهم وبين الرب يسوع المسيح أيضاً.

من هنا جاء الاحتفال بالقداس الإلهي الذي احتفل فيه أولاً الرب يسوع المسيح، عندما قدّس الخبز والخمر وناول تلاميذه سر جسده ودمه الأقدسين، ثم بعدئذ بحسب تقليد كنيستنا المقدسة أن أول من احتفل بين الرسل بالقداس الإلهي هو مار يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم، واحتفل به بلغتنا السريانية، لغة الرب يسوع، ولغة الرسل والعذراء مريم، وأخذت عنه الكنائس كافةً طقس الاحتفال بالقداس الإلهي.

لقد منح الرب تلاميذه سر جسده ودمه على شكلي الخبز والخمر يوم خميس الفصح، الذي ندعوه أيضاً «خميس الأسرار»، ففي ذلك اليوم أخذت الكنيسة بشخص الرسل الأطهار عن الرب يسوع أسراره الإلهية، وفي اليوم التالي أي يوم الجمعة العظيمة سلَّم بإرادته جسده الطاهر إلى أعدائه وصلب على عود حيث سفك دمه عنا، وهذه هي الذبيحة الكفارية التي قدمها عنا للآب السماوي فبررنا وقدسنا وجبلنا أولاداً لله بالنعمة. أما الذبيحة غير الدموية فتستمد قوتها من استمرارية استحقاق ذبيحة الصليب.

إنَّ الرب يسوع المسيح عندما قدم نفسه ذبيحة قدمها باعتباره الحبر الأعظم الذي يقول عنه الكتاب المقدس: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق، وكان في الوقت ذاته الذبيحة الإلهية الكفّارية، وعندما يقدم كهنة الرب الذبيحة غير الدموية أي سر القربان المقدس يقومون بذلك بالنيابة عن ربنا يسوع المسيح بتقديم سر جسد الرب يسوع ودمه ذبيحة غير دموية التي لها قوة استمرار واستحقاق نِعَم الذبيحة الدموية على الصليب، للتطهير والتقديس، للتغذية والنمو بالمسيح، ولنيل وعد المسيح أن يرث الإنسان ملكوت الله، ويحيا في المسيح إلى الأبد.

لذلك لا يمكن أن يقدّم الكاهن هذه الذبيحة الإلهية غير الدموية مالم يكن قد انتخب من الله، وأخذ الرسامة الشرعية، ومالم يكن مؤمناً بقوتها ومفعولها، مالم يكن مرتعباً عندما يلفظ الكلمات التاريخية التي فاه بها الرب يسوع عندما قدم سر جسده ودمه الأقدسين لتلاميذه، وبعدئذ يدعو الروح القدس لتقديسهما، فالذي يقدس الخبز والخمر هو الروح القدس بالذات وبعد أن يحلَّ الروح القدس على الخبز والخمر يصيران حقاً جسد المسيح ودمه، ومن يأخذهما يثبت في المسيح والمسيح يثبت فيه.

أيها الأحباء: لنطهّر أنفسنا من كل خطية، ولنتقدم إلى مذبح الرب ونتناول القربان المقدس الذي هو جسد المسيح ودمه الأقدسان، الطعام الروحي الذي نتناوله لنثبت في المسيح ويثبت المسيح فينا ولنستحقَّ جميعاً أن نرث ملكوته السماوي حسب وعده المقدس الصادق، الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.


خميس الأسرار (3)

«وفيما هم يأكلون أخذَ يسوع خبزاً وباركَ وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هوَ جسدي، وأخذَ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلّكم لأنّ هذا هوَ دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفكُ من أجلِ كثيرين لمغفرة الخطايا»                                   

        (متى 26: 26)

أيها الأحباء: هذهِ الكلمات المقدسة التي فاهَ بها الرب يسوع عندما جلسَ مع تلاميذهِ وصنعَ الفصح القديم وأكلَ معهم هذا الفصح بحسب شريعة موسى، بعدئذٍ ختمَ تلك الشريعة وأتمّ ذلك الفصح، ليبدأ فصحاً جديداً، وهذا الفصح ليس خروفاً يُقدم كما كان فصح اليهود، بل هو المسيح بالذات يقدِّم ذاته عنّا، هذا ما علّمنا إياه الرسول بولس إذ يقول: إنّ فصحنا هو المسيح الذي ذُبح لأجلنا.

النعمة العظيمة التي أعطانا إياها الرب أحبائي أنهُ قبل أن يُسلّم جسده باختياره إلى يد اليهود فيُعلّقوه على العود، وقبل أن يُسلّم أيضاً روحه للآب السماوي ويموت على خشبة ويُدفن في القبرٍ الجديد قبل كلّ ذلك سلّم لنا نحن بشخصِ رسلِه الأطهار وتلاميذه الأبرار سرَّ جسده ودمه الأقدسين.

بعد أن أتمّ الفصح القديم، بعد أن أكمل هذه الشريعة، وختمها لكي تُتِمَّ بذلك الوصية بحسب العهد القديم، يقول الرسول متى في الإصحاح السادس والعشرين العدد السادس والعشرين أيضاً: إنّ الرب أخذَ خبزاً وبارك وكسّر وأعطى تلاميذهُ ـ في هذا الفصح الجديد ـ قال خذوا كلوا هذا هوَ جسدي، ثمّ بعد العشاء أخذ الكأس، كانَ الكأس مليئاً بالخمر وقال: اشربوا منها كلّكم هذا هوَ دمي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل مغفرة الخطايا، نلاحظ هنا أنهُ قال كلوا جسدي، الخبز الذي أعطاهُ كان جسدَهُ وهو الذبيحة غير الدمويّة إذ كان قد ختم الذبيحة الدموية التي كانت رمزاً إلى ذبيحتِه الإلهية الكفارية التي بها كفّر عن ذنبِ وخطيّة آدم وحواء وخطية البشرية كافةً، إذ هو معادل لله وقد تجسّد أيضاً فأصبح نائباً عن البشر فاستطاع أن يُكفّر عن هذه الخطية التي كانت موجّهة إلى الله وكان لا يُمكن أن يغفر تلك الخطية إلاّ من كان معادلاً لله وهو يسوع وحده.

خذوا كلوا هذا هو جسدي، لم يقل هذا رمز إلى جسدي بل عن الخبز قال هذا هو جسدي، بعدئذٍ أخذ الكأس وقال اشربوا منها كلّكم، لماذا قال كلّكم؟ لأنه كان بين تلاميذه بعض مِمّن كانوا مِن تلاميذ يوحنا المعمدان، ولم يكونوا يشربونَ خمراً ولا مُسكراً لكن الرب أكّد لهم اشربوا منها كلّكم هذا هوَ دمي، لم تبقَ بعد التقديس تلكَ الخمر خمراً، بل أصبحت دم المسيح بالذات.

ما أعظم هذا السرّ! لذلك أحبائي لا يُمكن أن يُفسّر شيء من هذا ولا يُعتقدُ أنهُ رمز إلى جسدِ الرب ودمهِ بل بعد التقديس، هذا هو جسد الرب وهذا هو دم الرب، وقال أيضاً اصنعوا هذا لذكري، أعطى السلطان الكهنوتي لصنعِ هذهِ الذبيحة غير الدموية، لكي تأخذ قوّة الذبيحة ذبيحة المسيح بالذات على الصليب وتُصبح بكلّ نِعَمِها مثل الذبيحة التي على الصليب بل استمرارية هذهِ الذبيحة.

خذوا اشربوا منها كلّكم هذا هو دمي، لم تبقَ خمراً حتى ولَو نراها خمراً ونذوقها وهي خمر، لكنها أصبحت جسد المسيح وأصبحت دم المسيح بالذات. اشربوا منها كلّكم هذا هو دمي الذي يُهرقُ عن كثيرين لمغفرة الخطايا. هذهِ النعمة العظيمة كان قد أشار إليها الرب مُمهداً أفكارنا كبشر لتقبُّل هذا السرّ العظيم، بحسب تقليد اليهود أنّ الشخص الذي يقوم مثل موسى في قيادة الشعب روحياً يُعطي الشعب خبزاً من السماء كما أعطى الرب خبزاً من السماء بوساطة المن الذي نزل من السماء على يد موسى، والمسيح قال عن نفسهِ أنا الخبز الذي نزل من السماء، مَن يأكل من هذا الخبز لا يجوع أبداً، صرَّح بذلك بعدَ أن اجترحَ معجزةً تكثير الخبزات وإشباع الآلاف بخبزات بسيطة وقليلة، وقال أيضاً عن هذا الخبز ـ عن نفسهِ ـ أنا هو الخبز النازل من السماء، وما أجمل عندما نُقارن هذا الشيء بحياة الرب يسوع فهو الذي وُلدَ في بيت لحم، بيت الخبز وكما يُفسّر آباؤنا أنهُ عُجنَ في الجلجلة وخُبزَ أيضاً على الصليب بوساطة الآلام التي كانت أقوى من النار ليكونَ طعاماً للذين يُؤمنون بهِ، فينالونَ غذاءً روحياً، عندما نأكل أيّ طعامٍ يتحوّلُ هذا الطعام إلى أجسادنا ولكن عندما نتناول القربان المقدس، جسد المسيح ودمهُ نتحول نحنُ إلى ذلك القربان ونصبح متّحدين بالمسيح، لذلك قال من يأكل جسدي ويشربُ دمي يثبُتُ فيّ وأنا فيه، مَن لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمهُ ليس لهُ حياة فيه، ما أعظمَ هذا القول!

نحنُ خاصةً في أيامنا هذه أهملنا ذلك، آباؤنا يقولون إكراماً للذبيحة الإلهيّة للقربان المقدّس إنه على الإنسان أن يتناول القربان، بحسب طقسنا عندما نقدس علينا جميعاً أن نشترك بالقربان المقدس ليثبت المسيح فينا ونثبت نحنُ في المسيح، لكن لإهمال الناس على الأقلّ بحسب تعاليم الكنيسة ولو مرة بالسنة يتناول الإنسان القربان المقدس وخاصةً في خميس الفصح، نحنُ نذكر عندما كنّا نُمارس شعائرنا الدينية في خميس الفصح دائماً كنا نتقدم إلى منبر الاعتراف أمام الكاهن ثمّ نتناول القربان المقدس، بل أيضاً كنا نأخذ من الخبز المبارك يوم خميس الفصح ليكون بركة لبيوتنا إلى جانب أنهُ تناولنا القربان المقدس لنثبت في المسيح ويثبت المسيح فينا، هذهِ وعود الرب أنّ من يأكل جسدي قال ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه، ليس هذا فقط بل وأنا أقيمُهُ في اليوم الأخير أي يوم القيامة العامة عندما نكون قد اتّحدنا بالمسيح واتّحد المسيح فينا نستحقّ يوم القيامة العامة أن نقوم مع الصالحين في قيامة الأبرار ونرث معهم ملكوت الله، ومن الناحية أيضاً السلبية مَن لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمهُ ليس لهُ حياة فيه، هذا ليس إنذاراً بل أيضاً تحذير لكل مؤمن يُهمِل تناول القربان المقدس، وتناول القربان المقدس الذي هو شركة دم المسيح وجسد المسيح، هذا الشيء المقدس لا يمكن أن نتناولهُ ما لم نكن مستعدين لذلك أولاً جسدياً أن تكون أجسادنا نظيفة نقية طاهرة، ثانياً أن نكون مستعدين بالصوم القرباني الذي كان عادةً من الساعة الثانية عشرة ليلاً وحتى ساعة تناول القربان المقدس والكنيسة إذ نظرت إلى ما ينال الإنسان من صعوبات في هذا الجيل سمحت للمرضى والذين عليهم أن يتناولوا أدويةً صباحاً أن يصوموا الصوم القرباني لمدة ثلاث ساعات. هذا السماح أيها الأحباء ينفعنا جداً، بل يجعلنا أن نُوحّد ما بين تناول الأدوية وبين تناولنا القربان المقدس، لكن روحياً علينا أن نُطهر نفوسنا قلوبنا وأفكارنا من كل شيءٍ لا يمتُّ إلى الروحانيّة بِصِلَة، بهذا فقط نستحقّ أن نكون مستعدينَ لتناول القربان بعد أن نعترف بخطايانا أمام الرب وكاهن الرب ونأخذ الإرشادات من معلم الاعتراف لنكمّلها فنستحقّ تناول القربان المقدس، ولهذهِ الحالة أيضاً سمحت الكنيسة بالاعتراف الجماعي كما نفعلُ أحياناً بإذنٍ من رئاسة الكنيسة، واليوم سنفعلُ ذلك أيضاً عندما نصلّي صلاة قبل الاعتراف ونقارن ما فعلناهُ في حياتنا من أعمالٍ مع ما أعطتنا الشريعة الإلهيّة من الوصايا والأوامر وما أعطتنا أيضاً من كل ما يُساعدنا على نقاء قلوبنا والندامة التامة على كل ما اقترفناهُ من ذنبٍ أو خطيّة، بهذا فقط أحبائي نكون قد عملنا بوصايا الكنيسة ونكون قد نلنا الشفاء من أمراضنا الروحية، لنستحقّ أن نتناول جسد المسيح ودمهُ وبذلك نثبت في المسيح ويثبت المسيح فينا، ويتمّ فينا وعد الرب أنّ مَن يأكل جسدهُ ويشرب دمَهُ يثبت في المسيح والمسيح يثبت فيه، والرب قال وأقيمُهُ في اليوم الأخير، فلكَي نربح أحبائي السماء، ملكوت الله ولكي نستحقّ أن نكون بشركة مع المسيح وكنيسة المسيح ومع الآباء القديسين الأحياء منهم والذين انتقلوا إلى الخدور العلويّة علينا أن نتناول القربان المقدس باستحقاق، وهذا القربان يجب أن يكونَ مقدساً من الروح القدس فنحنُ على شكلَي الخبز والخمر نتناول جسد المسيح ودمهُ.

لنتأمل بكلّ ما اقترفناهُ من ذنوب نادمينَ على ذلك، طالبين من الرب المغفرة وبعد أن تنالوا الحلّة بوساطة كاهن الله الذي أُعطيَ هذا السلطان الكهنوتي لحلّ الخطايا، وبعدَ أن نكون قد قدّمنا الندامة التامة والتوبة الصالحة الناجحة عن كلّ ما اقترفناهُ لننال المغفرة من ربنا يسوع المسيح.

 

غسل أقدام التلاميذ

غسل أقدام التلاميذ

غسل أقدام التلاميذ (1)

رسالة بطرس 1 (3: 17ـ 22)

1 كورنثوس (3: 1ـ 13)

يوحنا (13: 1ـ 20)

 

غسل أقدام التلاميذ

«تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي فإني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم»                                   

        (متى 11: 29)

نداء إلهي يوجهه الرب يسوع إلى أبناء الأرض كافةً، إنه يعلَم أن الآثام قد أتعبتهم، وأن الكبرياء قد أنهكت قواهم، والعجرفة قد أسقطتهم من علياء فردوسهم إلى أرض الشقاء، وقد جاء ليعطي الدواء لهذا الدّاء، فهو الإله الذي يقدّسه الملائكة، الذي رآه الأنبياء يتمجّد على أجنحة الكروبيم، وسمعوا جند السماء يسبحونه قائلين: قدوس قدوس قدوس الرب الإله الصباؤوت، هو الإله قد نزل إلى هذه الأرض متواضعاً، أخذ جسدنا، أخذ كل ما لنا ما عدا الخطيّة، ليخلّصنا من أعدائنا الثلاثة الخطيئة والموت والشيطان، لذلك دعانا لنأتي إليه ليخفف عن كاهلنا متاعب كبرياء هذه الحياة. الكبرياء التي أسقطت أحد رؤساء الملائكة، فانقلب إلى محتجّ، إلى إبليس، إلى الشيطان الرجيم. الكبرياء التي فصلتنا عن الله، ولكن الله برحمته جاء بالجسد فعلّمنا التواضع بأقواله، بأمثاله، ومثاله.

أجل، رأى الكبرياء تعمل في الإنسان عمل النار في الهشيم، رأى الكبرياء وقد حطّمت قلب الإنسان، لذلك جاء بتواضعه. ما أعظم هذا السر أيها الأحباء، «الله ظهر بالجسد»، لم يقل لتلاميذه تعلّموا منّي الحكمة، لم يقل لهم تعلّموا منّي اجتراح المعجزات، ولئن أعطاهم الحكمة بروحه القدّوس، وأعطاهم السلطان على الأرض والسماء، ولكنه قال لهم: تعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.

كم مرّة أتى بطفلٍ صغير وأقامه في وسط أولئك التلاميذ وهو يسمعهم ويعلّم ويقرأ ما في قلوبهم من روح العجرفة، كم مرّة أتى بطفل صغير، قائلاً لهم: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت الله، الذي يضرب لكم ولنا مثل الفريسي والعشّار، يرينا ذلك العشّار الخاطئ بتواضعه استطاع أن ينال مغفرة خطاياه، فعاد إلى بيته مبرّراً. وذلك الفريسي الذي كان قد أصيب بداء الكبرياء والبر الذاتي زاد على خطاياه خطيّة وأصبح مرذولاً من الله. لم يكتفِ الرب بذلك بل قال: تعلّموا منّي فرأيناه بمثاله بعمله يعلّمنا التواضع. ألم يكن بإمكانه وقد أراد أن يتجسّد وأن يولد من إحدى بنات الملوك والرؤساء والأمراء والأغنياء، ولكنه اختار فتاة مسكينة بسيطة، ولئن كانت سليلة الملوك والأنبياء والكهنة ولكنه اختارها لأنها قد تحلّت بالعفّة والقداسة والطهر والنقاء، إنها العذراء مريم، ألم يكن بإمكانه أن يولد في قصر منيف في إحدى عواصم الدنيا الشهيرة يومذاك، ولكنه اختار المذود البسيط، في بلدة بسيطة صغيرة هي بيت لحم أفراثا ليعلّمنا كيف يجب أن نتواضع.

في كل صلته بالجسد وتدبيره العلني رأيناه متواضعاً، وديعاً، والدرس الأخير الذي قدّمه لتلاميذه الذين كانوا مازالوا متمسّكين بروح العالم ومن فيه، يؤمنون بالقوة والعجرفة والكبرياء، وحب السيطرة والسلطان والرئاسة، ولكنه يؤمن بأن القوة تكون في الضعف البشري، فقوة الله تظهر في ضعفنا وإن كنّا ضعفاء فنحن أقوياء بالله تعالى. ولكن إن ادّعى أحدنا القوة الجسدية فهو مرذول من الله، كم مرّة سمع تلاميذه يتجادلون، من هو الأعظم بينهم في ملكوت الله؟ والملكوت بحسب آراء اليهود يومذاك كان ملكوتاً دنيوياً. والمسيح الذي صلبوه، إنّما انتظروه ليخلّصهم من سلطان الرومان، انتظروه ليمنحهم غنىً دنيويّاً وقوة عالمية. ولكن المسيح الحقيقي يسوع الناصري القدوس جاء ليعلن لهم أنه ولئن ظهر للناس ضعيفاً أمام أعدائه وأعداء البشرية حنّان وقيافا وهيرودس وبيلاطس ولكّنه بضعفه أقوى من كل قوى الدنيا، وإنه بتواضعه ووداعته يعلن مجده الإلهي، ولذلك أعطى التلاميذ الدرس الأخير في ليلة آلامه. كانوا قد اجتمعوا ليأكلوا الفصح معه، يأكل الفصح اليهودي أولاً، وبعدئذٍ ليمنحهم ويمنحنا نحن الذين نؤمن به سر جسده ودمه الأقدَسَين.

كانت العادة عندما يجتمع الناس في أحد البيوت، أن يغسل المضيف أقدام الضيوف كافةً، وإذا كان غنيّاً فهناك العبيد هم الذين يقومون بهذه الخدمة. دخل المسيح إلى العليّة لأنها عليّة صهيون، إنها ديرنا المرقسي في القدس، وانتظر المسيح أن يقوم التلاميذ ليغسل بعضهم أرجل بعض، فلم يتحرّك واحد منهم. رأى داء الكبرياء، عدوّاً لدوداً لكنيسته المقدّسة، التي أعلن عن تأسيسها، وولدت بعدئذ بعد حلول الروح القدس على التلاميذ. رأى كل ذلك ورأى الذين سيقودون الكنيسة، هؤلاء الرسل، كيف أن الكبرياء ماتزال مهيمنة على أفكارهم وقلوبهم ومعلَنة بتصرفاتهم، فقام هو بنفسه عن العشاء، وخلع ثيابه، مَنْ هو؟ ليتكم تفهمون السريانية لغة كنيستنا السريانية الأرثوذكسية المقدسة، لكنتم انتبهتم بالروح ولصعدت أفكاركم إلى العلاء، وقد شنّفت آذانكم وآذاننا بأصوات الشمامسة الأعزّاء وجوقة الترتيل الممتازة جداً التي رفعت قلوبنا إلى السّماء، الإله المتجسّد، الذي تمجّده الملائكة، المسيح يقوم عن العشاء، يخلع ثيابه، يأخذ منديلاً يأتزر به ويصب ماءً في مطهرة، يغسل أقدام تلاميذه.

يا للعجب! عندما كان إنساناً تعجّبنا كيف أن الله ظهر بالجسد كما يقول عنه الرسول بولس، ولكن الآن بعد أن رأيناه يمثّل الخاطئ وهو البريء والمعصوم عن الخطيئة، عندما جاء إلى يوحنا ليعترف بخطاياه، أما الآن فنراه كعبدٍ يغسل أقدام التلاميذ بدءاً من يهوذا الاسخريوطي وهو يعلم، من هو يهوذا الاسخريوطي، فينحني ويغسل أقدام تلاميذه. ما أعظم ذلك المشهد! يقول آباؤنا: لو صحّ أن ننسب العجب للملائكة، لقلنا ما أعظم عجبهم! غسل أقدام التلاميذ، جاء إلى بطرس، هامة الرسل وانحنى في معرض التواضع، كأني به يظهر نفسه أكثر فهماً من الرب يسوع بالذات، ويخاطبه ويلومه: أنت تغسل قدمَيَّ؟ أنت يا سيّد! ثم بعدئذ يخطئ رفاقه الذين سمحوا للمسيح أن يغسل أقدامهم ولكن الرب يوبّخه على ذلك «إن لم أغسلك فليس لك نصيب معي». الرب يريدنا أن نغتسل وأن نغتسل به وبوساطته لكي نتطهّر. وعندما شعر بطرس أنه سيفقد النعمة العظيمة، نعمة أن يكون مع المسيح وأن يكون له نصيب مع الرب. قال له: ليس قدمَيَّ فقط بل يديَّ ورأسي وجسمي وكل شيء، إن كان ذلك يسرّ الرب.

ولكن الرب أعلن له «إن من اغتسل لا يحتاج إلا إلى غسل قدميه». وبذلك سر عظيم يشرحه لنا آباؤنا السريان: السر هو أن الرب يسوع كان قد غسل رؤوس تلاميذه وقلوبهم وكل الأفكار الباطلة والخرافات التي دخلت إلى الدين اليهودي، من الوثنيّة وغيرها. كان قد غسل منهم الخطايا والذنوب، بقي شيء واحد الكبرياء التي هي سبب سقوط الإنسان، الأمس واليوم وإلى الأبد. والرسول بولس يقول: من ظنّ أنه قائم فليحذر لئلاّ يسقط. لذلك لا يحتاج أولئك التلاميذ إلا إلى غسل أقدامهم لكي يسيروا في طريق الحق في المسيح يسوع الذي هو الطريق والحق والحياة، ليسيروا في العالم بأقدامٍ نقيّة طاهرة أقدام تجعلهم ألا يحملوا معهم إلا الرسالة المفرحة التي اؤتمنوا عليها، إلا رسالة الإنجيل المقدّس، رسالة التوبة ليدعوا العالم إليها والمناداة والإقبال إلى الحياة أن يأتوا إلى المسيح ليتعلّموا منه ليلبوا نداءه، ليتعلموا منه الوداعة والتواضع، دعوة أولئك الناس ليستنيروا بنور العالم يسوع المسيح.

أيها الأحباء:

إنه درس خالد لنا، تساورنا الكبرياء ربما لجمال يمنحنا إياه الله، أو لغنى أو لصحة أو لطول عمر أو لأي موهبة يهبنا الله إياها، تساورنا أفكار الكبرياء كل ذلك منّا ولكنّ الله الذي علمنا بمثل ذلك الغني الذي أخصبت كورته، أن كل شيء بيده تعالى، قال له عندما أعلن كبرياءَه وكأنه هو الذي خلق ما ملكه: «يا جاهل في هذه الليلة تؤخذ نفسك منك، فهذا الذي أعددته لمن يكون؟».

وآباؤنا السريان يعلموننا أننا يجب أن نتأمل بأننا من تراب وسنعود إلى التراب، فلمَ الكبرياء؟ هل يحب الإنسان الذي سيصير طعاماً للدود أن يتكبر، ويقول آباؤنا أيضاً: إذا كانت الكبرياء وحدها قد أسقطت الإنسان من حالة البر والقداسة من فردوس النعيم إلى حالة الشقاء إلى أرض الشقاء، فالتواضع دون سائر الفضائل لأنه يجمع الفضائل كافةً، يعيد للإنسان مجده الإلهي لأنه قد تمثل بالإله المتجسد يسوع المسيح ملبياً دعوته بالتواضع والوداعة.

أهّلنا الرب الإله أحبائي أن نقتدي بإلهنا المتجسد، الذي خلَّصنا من كبرياء القلب والعقل والفكر، وأعادنا إلى مجدنا الإلهي، لنكون مقتدين به أحبائي، بالفكر والقول والعمل بنعمته تعالى آمين.

غسل أقدام التلاميذ (2)

«قال الرب يسوع: تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم»                           

        (متى 11: 29)

«تعلّموا مني» هذه وصية الرب يسوع الذي يصفه الرسول بولس بقوله: «اللّه ظهر بالجسد»، الإله الذي رآه اشعياء النبي في السماء وسمع الملائكة يسبحونه قائلين: قدوس قدوس قدوس الرب الصباؤوت، الإله الذي رآه حزقيال النبي يتمجّد على أجنحة الكروبيم، إنه إلهنا الذي ظهر بالجسد، وعلمنا دروساً خالدة في التواضع والوداعة، فقد رأى الكبرياء تعمل عمل النار في الهشيم في قلب الإنسان وفكره، وكان في بدء خليقته قد خلق الملائكة روحاً من نار، وساورت الكبرياء عقل أحد رؤسائهم فأراد أن يصير معادلاً للّه، فسقط وكان سقوطه عظيماً، وعوقب وكان عقابه صارماً، وانقلب إلى عدو للّه هو ومن تبعه وأغواه، ورأى الإنسان هو الآخر أن يكون معادلاً للّه، فسقط في وهدة الخطية واستحقّ عقاباً صارماً أن يُطرد من فردوسه وحكم عليه أن يأكل خبزه بعرق جبينه، وأن تنبت له الأرض شوكاً وحسكاً.

وشاءت رحمة اللّه أن تنقذ الإنسان، فتجسّد ابن اللّه وأخذ جسدنا ليخلصنا، فطأطأ الإله سماء مجده، وجاء متواضعاً. اختار له فتاة بسيطة متواضعة أماً له فوُلد منها، قالت عن نفسها للملاك جبرائيل: «ها أنا أمة للرب» وقالت في أنشودة لها: «نظر إلى تواضع أمته فهوذا منذ الآن تعطيني الطوبى جميع الأجيال لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتقونه. أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين».

أجل، رأيناه ليس فقط متواضعاً بولادته من العذراء مريم الفتاة اليتيمة الفقيرة المسكينة القديسة العفيفة سليلة الملوك والكهنة والأنبياء، بل أيضاً اختار له بلدة صغيرة ليولد فيها، وولد في مغارة بسيطة ليعلّم الإنسان التواضع، ورأيناه يعلّمنا الفضائل السامية وهو الإله الذي تحدّى بعدئذ أعداءه وأعلنها حقيقة إلهية أمام أتباعه قائلاً للناس: «من منكم يبكتني على خطية».

لتواضعه انضمّ إلى جمهور التائبين وجاء إلى يوحنا المعمدان وتقبّل العماد منه كما كان يفعل الخطاة التائبون. في كل تدبيره الإلهي بالجسد بعد أن جرّب أيضاً من إبليس بالنيابة عن الإنسان، رأيناه متواضعاً وديعاً ليعلّم الإنسان كيف يجب أن يتواضع، وهو يعلَم العلم اليقين بأن بذرة الشر تنمو في قلب الإنسان وتهيمن على كل أفكاره وأقواله وأفعاله من داء عضال هو العجرفة والكبرياء. كم مرة رأى تلاميذه ينافس بعضهم بعضاً للحصول على المراكز الأولى؟ كم مرة لقنهم دروساً قيّمة حتى أنه أتى بطفل احتضنه ووضعه في وسطهم وقال لهم: «إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت اللّه»، والطفل عادة وديع متواضع قد يؤذيه إنسان فيتألم ويغضب ولكن بعد لحظات ينسى ما ناله من أذى من أي إنسان كان، والرب يريدنا أن نرجع ونصير كالأطفال لنستحق أن ندخل ملكوت السموات إن كنّا نرغب في دخول الملكوت.

عالج داء الكبرياء بدواء التواضع. عندما كان يجول يصنع خيراً. لم يكن أحد يميزه عن تلاميذه، لم يكن في تواضعه ضعف وضِعة إنما في ذلك التواضع سموّ إلهي وعزّة نفس ودرس خالد يلقيه على تلاميذه، حتى في ليلة آلامه أراد أن يلقّن هؤلاء التلاميذ الدرس الأخير في التواضع «تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم»، هناك فضائل سامية يريدهم أن يتعلموها منه ولكنه فضّل عليها الوداعة والتواضع فإذا ما كانوا ودعاء متواضعين صاروا حكماء أعطوا الناس المثل الجيد في الحكمة الإلهية التي شاءت أن يأتي ابن اللّه الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس إلى هذه الأرض متواضعاً، بل أيضاً مطيعاً للآب السماوي حتى الموت موت الصليب.

وفي ليلة آلامه وهو يرى أن الكبرياء ما زالت تهيمن على قلوب تلاميذه وأفكارهم ورآهم كيف أنهم لم يقدم أحدهم ليغسل أقدام رفاقه.

كانت هذه العادة متبعة في تلك الأيام في تلك المنطقة من العالم خاصةً عندما يأتيك ضيف عزيز لابدّ أن تغسل قدميه بنفسك وتقبل قدميه أيضاً، وتجلسه في مكان لائق من بيتك، وعندما تجتمع العائلة يغسل أحدهم أقدام الآخرين، ولكن تلاميذ الرب لكبريائهم لم يتذكروا الدروس السامية التي ألقاها عليهم الرب، ولم يتذكروا مثل الفريسي والعشار، وكيف أنَّ الرب ذمّ الفريسي الذي كان يظهر برّه الذاتي أمام الناس، وكأنه بار ولكنه لم يكن باراً، الذي عندما وقف يصلي أمام اللّه أخذ يكيل المديح لنفسه وبذلك انجلت كبرياؤه، ولم يكتفِ بذلك بل أخذ يذم ذلك العشار المسكين الذي جاء ووقف يقرع صدره تائباً نادماً على كل ما اقترفه من ذنوب يطلب الرحمة من اللّه، فمدح الرب العشار وقال عنه إنه ذهب إلى بيته مبرراً، وقد غفرت خطيته ودان الرب الفريسي المتعجرف.

وكان له المجد، قد صبَّ جامات الغضب على الفريسيين والكتبة لعجرفتهم وكبريائهم. أجل، لم يتذكّر التلاميذ دروس الرب التي ألقاها عليهم بأقواله وأمثاله فأعطاهم الدرس الأخير بمثاله.

وآباء الكنيسة الميامين وضعوا هذا الطقس «غسل أقدام التلاميذ» مدفوعين بروح المسيح يسوع ربنا، روح التواضع، فالنفس إذا ما خضعت لوصايا الرب علمت أن المحبة هي أم الوصايا وثمرة المحبة التواضع التام، والإنسان المتواضع يحيا التواضع بين نفسه وبين ربه، فيشعر بأنه تراب وإلى التراب يعود، وأن عليه أن يتلاشى جسداً ونفساً أمام اللّه لكي يظهر مجد اللّه في أعماله وأقواله وأفكاره، وبذلك يجد راحةً لنفسه.

فعندما نقوم بهذا الطقس الذي رتّبه آباؤنا نكمل وصيَّة ربنا يسوع المسيح لتلاميذه بقوله لهم: كما فعلت أنا بكم افعلوا أنتم أيضاً بعضكم لبعض.

فهذا درس خالد في التواضع وتجنّب الكبرياء إنما نفعل هذا لنعيد ما علّمنا المسيح إياه ونذكّر الشعب المبارك بأن على كل فرد منا نحن المؤمنين بالمسيح يسوع ربنا أن يتمثّل بالرب الذي قال لنا: «تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب»، وكما علّمنا بعض آباء الكنيسة أن الكبرياء دون سائر الرذائل أخرجتنا من الفردوس، وأن التواضع دون سائر الفضائل يعيدنا إلى الفردوس.

أسأله تعالى في هذه اللحظات أن يؤهلنا لنبتعد عن روح الكبرياء، وأن يحب بعضنا بعضاً لأن ثمار المحبة التواضع والوداعة، أسأله تعالى أن يحفظ هؤلاء الأبناء الأعزاء الذين قمنا بغسل أقدامهم في هذه اللحظات، ويؤهلهم ليسلكوا السبل المستقيمة مهنئين إياهم بالنعمة التي نالوها من الرب يسوع، وأن يبارككم جميعاً أحبائي ويؤهلكم أن تقتدوا بالرب يسوع بالوداعة والتواضع، فتجدوا راحة لنفوسكم ليرفعكم إلى رتبة الأبرار والصديقين والقديسين لأنه قد قال: «من وضع نفسه ارتفع» لتكونوا في عداد أولئك الذين لبّوا دعوته وحملوا نيره الخفيف الهيِّن، تبعوه في طريق التواضع والوداعة والتحمل ولئن كان نيره هو الصليب، وصليبه هو مجده وإذا ما صلبنا كبرياءنا معه على الصليب سنقوم معه بمجد عظيم، لأننا إذا تألمنا معه ـ يقول الرسول بولس ـ فسوف نتمجّد معه أيضاً، الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.

عة الألام العظيمة

جمعة الآلام العظيمة (1)

أعمال الرسل (26: 8ـ 23)

غلاطية (2: 17ـ 21)

يوحنا (19: 25ـ 37)

 

جمعة الآلام العظيمة

«أمَا إليكم يا جميع عابري الطريق تطلعوا وانظروا

إن كان حزن مثل حزني»

  (مراثي إرميا 1: 12)

على ناصية الوحي والإلهام والنبوة ومعرفة المستقبلات، يقف بنا النبي إرميا وهو يبكي وينتحب على كسر بنت شعبه، ويرى أحزانها وأحزان العالم كافةً، ثم يرى ابن الانسان معلقاً على العود فيقول على لسانه: «أمَا إليكم يا جميع عابري الطريق تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزني»، وأحزان البشرية مجتمعةً لا تعادل نقطة في يمِّ حزن ربنا يسوع. فعندما قام بالفداء وصار حمل الله إذ رفع خطية العالم وقدم ذبيحةً بل محرقة ألم وحزن وكآبة على عود الصليب في سبيل فداء البشرية، والبشرية وإن تطلعت إلى ذلك الحدث العظيم في إعجاب لكنها لم ترتفع كلها به، لأنها كانت في كبريائها وثنيةً تعبد الأصنام بل تلتذ بما هو قاتل وجاهل، ورأت القوة كل القوة بالعجرفة والكبرياء، والضعف كل الضعف بالوداعة والتواضع والمحبة، ولذلك لم تنتفع من نبي الناصرة ولم ترَ النعمة في ذلك الانسان الاله، والاله الانسان، الذي عند أقدامه وهو معلق فوق الصليب ظهرت لنا جهالة الأمم كافةً، فقد انقلبت نظرية الوثنية، لأن الضعف قد صار قوة، ولأن التواضع قد أعلن نفسه جبروتاً إلهياً ولأن من كان مغضوباً ومات قد ظهر بوساطته حياة للبشرية كلها، هذه البشرية أيضاً يهودية متعصبة رأت كل آمالها في الملك الأرضي وخلاصها من استعمار الرومان، ولذلك رفضت الذي أتى لخلاصها وخلاص البشرية كافةً، المسيح يسوع ربنا رفضته لأنه أرادها أن تتجه بأنظارها نحو السماء، وأن تكون خاضعةً لله بالروح والحق، ولذلك رفضها هو أيضاً وأعطاها اللعنة وقال: «يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرةٍ أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هذي بيوتكم تترك لكم خراباً»، فهل يوجد حزن كحزنه على الشعب الذي رباه في البرية وخلصه من العبودية وأطعمه طعام الملائكة وسقاه ماءً متفجراً من صخر، هل يوجد حزن مثل حزن ربنا وهو يرى نفسه مضروباً ومرذولاً في بيت أحبائه؟ لذلك ونحن في ذكرى الأحزان والآلام علينا أن ندخل السحابة الروحية التي يقول عنها الكتاب إن الله يسكن فيها لنتألم بسير الأحزان للأجيال والدهور، ولنتأمل في أحزان ربنا وهو بين اليهود يسلم من تلميذ خائن إلى رؤساء الكهنة، ونتأمل فيه وهو يساق كشاة إلى الذبح ويعلّق على الصليب، ويموت من أجلنا، هوذا الأحزان قد سارت عبر الأجيال بدءاً من فردوس عدن، هوذا الأحزان قد بدأت بالكون منذ أن دخلت الخطيئة إلى العالم، وفي الخطية الموت.

إن الإنسان عند سقوطه في خطية الكبرياء كان بإمكان ربنا أن يحكم عليه بموت أبدي، وموت طبيعي وموت أدبي في آن واحد، لأن ربنا كان قد أنذره وحذره لئلا يسقط في الخطية، ولأن ربنا كان قد وضع عليه ناموساً ووصية، وخالف ذلك الإنسان بإرادته فحكم عليه بالموت بأنواعه الثلاثة لأنه قد تكبر، ومنذ ذلك الحين رأينا الأحزان تقضّ مضجعه وتدمي قدميه، بل رأينا الأرض ملعونة من أجله تغضب عليه وهو يأكل خبزه بعرق جبينه، ولكن بادرة الأمل ظهرت للإنسان عندما أعلن الله أن رأس المرأة يسحق رأس الحية، ونرى في ذلك أيضاً سراً عظيماً، فإن الحية الدهرية لابد أن يسحقها نسل المرأة ولكن من نسل المرأة هذا؟ إنه المسيح يسوع الذي حمل أوجاعنا واحتمل آلامنا الذي صار فديةً لنا، إن هذه النظرية اللاهوتية العويصة لا تدركها أفكارنا ولا تستطيع عقولنا أن تسبر غورها اللاهوتي الفلسفي، لذلك فإن الله يهيئ عقول البشر لتقبُّل الفداء، ونراه برموز وإشارات يعلن عن ابنه الحبيب الذي صار فديةً عن الخراف، نرى أولاً آدم يأمر ابنيه قايين وهابيل ليقدما ذبيحةً وقرباناً للرب، ولعل آدم تعلّم ذلك من الرب ففي الكتاب قد كُتب أن الله قد خاط لأبوينا الأولين عندما تعريا وزال عنهما ثوب البر والمجد والقداسة، فخاط لهما قميصين ولم يكن هذان القميصان سوى من جلدٍ، إذاً قد ذُبح حيوان بريءٌ من الفردوس ومن جلده خاط الله لأبوينا قميصين فآدم تعلم ذلك وأوصى ولديه بتقديم ذبيحتين، ورأينا ذبيحة هابيل تقبل من الرب، ورأينا هابيل نفسه مثالاً للرب إذ حسده قايين الذي رُفضت ذبيحته من إلهنا، أو رفضت تقدمته، ورأينا قايين يقتل هابيل وبذلك مثَّل قايين الصارمين اليهود الملاعين ومثَّل هابيل المسيح البريء الذي قدم نفسه فديةً عنّا.

ونرى مثاله أيضاً كما يذكر آباء الكنيسة في الطقس الكنيسة في أسبوع الآلام الحادثة التي جرت في جبل موريا التي تظهر لنا علاقة الإنسان بالله والله بالإنسان، علاقة الأبوة والبنوة، التي مُثِّلت بحادثة اسحق، هذه الحادثة تشمل جزءاً عظيماً من طقوسنا من أسبوع الآلام تناولتها أقلام آباء الكنيسة شرحاً وتفسيراً ووجهت أذهاننا إليها، لنرى فيها رمزاً وإشارةً إلى ذبيحة المسيح، وفيها نرى قدسية علاقة الأبوة والبنوة، ونرى كيف أنَّ الإنسان الذي يمثله إبراهيم الذي بنسله تتبارك الشعوب، كيف أنَّ هذا الإنسان يفضل طاعة الله على إبنه وحيده اسحق الذي أحبَّه وكيف أنه يقف بكل شجاعة أمام ابنه ليأخذه وغلامين معه ويحمل الحطب على حماره ويأتي به عند سفح جبل موريا ثم يترك الغلامين والحمار ويُحمِّل ابنه اسحق الحطب، تماماً كما حمل المسيح صليبه وهو في طريقه إلى الصليب إلى الجلجثة إلى الآلام، وهكذا رأينا هذا السر العظيم يعلنه إبراهيم لأبنه اسحق عندما وضعه على الحطب، وعصب عينيه وأخذ السكين ليذبحه للرب لأنَّ الرب طلب ذلك مجرباً لإبراهيم ولكن صوت الرب يقول له: أمسك يدك عن الصبي لأني علمت أنك تؤمن بالله، بل علمت أنك لم تُمسك وحيدك اسحق الذي أحببته عندما دعوتك وقلت لك خذ اسحق ابنك الذي أحببته وقدمه لي ذبيحةً في جبل موريا، والجبل والجلجثة كما يقول آباؤنا القديسون كانا أجردين ليس فيهما شجر ولا مرعى، فوجدت شجرة، نمت شجرة بقوة إلهية وصارت عوسجةً وعليها وُجد كبشٌ معلقٌ بقرنيه كما عُلق المسيح على الخشبة، ومن تلك الخشبة بالذات صُنع صليب المسيح كما يقول لنا التفسير الرمزي وفي تلك الشجرة وجد الكبش الذي قُدم ذبيحة عوضاً عن إسحق فخلَّص إسحق من الذبح وعلى عود الصليب الذي صُنع من تلك الشجرة بالذات عُلق المسيح فلم يُخلص إسحق وحسب، بل خلص البشرية كلها من أعدائها الثلاثة: الشيطان والموت والخطية، فما أعظم السر في حادثة اسحق وإبراهيم.

ونرى سر الفداء أيضاً في مصر، في خروف الفصح الذي أمر الله بني اسرائيل أن يقدموه عن أبكارهم وأمرهم أن يلطخوا القائمتين والعتبة العليا من كل باب من دورهم، وأن يأكلوه وأحقاؤهم مشدودة  وعصيهم في أيديهم وكأنهم على عجل وعلى سفر، ففعلوا هذا فمرَّ الملاك من دورهم وعبر وأهلك أبكار المصريين، وكان هذا رمزاً إلى خروفنا حمل الله الرافع خطايا العالم، وكانت إشارة الدم هي إشارة الصليب بالذات فكما خلص ذلك الخروف أبكار العبرانيين كذلك خروف فصحنا الجديد خلصنا من الإثم ومن الموت ومن الشيطان، فنلنا به الحرية إذ كنا مستعبدين لإبليس. هذا هو السر العظيم الذي أعلن في خروف الفصح وهذا هو السر العظيم الذي أُعلن لنا في فصحنا الجديد.

ونرى أيضاً أيها الأحباء الرمز العظيم الذي أعلن لنا بالقديم، بسير الأحزان عبر الدهور والأجيال، رمز الحية التي صنعها موسى في البرية والمسيح قال لنيقوديموس عندما أتاه ليلاً كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الانسان، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية، ونحن نرى الحيات الصفراء السامة تلسع بني اسرائيل لأنهم تذمروا على ربنا وعلى كليمه موسى، ولأنهم فضلّوا العبودية وفضلوا أكل بطونهم والتمرّغ بشهواتهم مع الخطية على الحرية بالله، وعلى احتمال عقاب ربنا وعلى الصبر على التجربة على السير إلى أرض الموعد، إنهم إذ أنكروا نعمة ربنا عاقبهم إلهنا بحيات سامة وعندما تاب بقية الشعب بعد أن هلكت ألوف مؤلفة منهم، أمر الله موسى أن يصنع حيةً نحاسية ويجعلها في وسط المحلة، فإذا ما لسعت الحية السامة إنساناً يتطلع إلى الحية النحاسية التي ترمز للصليب بالذات فيخلصون ولا يهلكون، فكما رفع موسى الحية في البرية هكذا يجب أن يُرفع ابن الانسان، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، فقد كانت الحيات سامة كما كانت الخطية مهلكةً، ولكن حية النحاس كانت في شبه تلك الحيات، ولكن خالية من السم وكذلك ربنا يسوع أخذ شبه جسد الخطية ولكنه وإن كان قد أخذ كل شيءٍ منا إنما أخذ كل شيء ما عدا الخطية، وكان عبارة عن إنسان إله وإله بشبه إنسان ولكنه لم يكن بفمه إثم لكنه وقف أمام أعدائه قائلاً لهم: من منكم يُبكتني على خطية، فإذا رأيناه مرفوعاً على عود اللعنة نعلم أنه البار القدوس بل هو القداسة بالذات ولئن حمل آثامنا وتحمل أوجاعنا وإن إحتمل أحزاننا ورفع لأجلنا، ولكنه إنما فعل ذلك لننظر إليه وهو في وسط المحلة في وسطنا في قلوبنا لكي إن آمنا به لا نهلك أبداً، والحية الصفراء التي ظهرت أولاً في الفردوس سارت عبر الدهور والأجيال وأتت تحت الصليب صليب ربنا لأنها تريد أن تلسع قدمه كما أمر الرب ولكن الرب كان نداً لها فداسها بعقبه، العقب الذي أرادت أن تلسعه أما هو فقد حطم وهشم رأسها فزالت قوتها عنا لأننا نلنا الخلاص بربنا يسوع المسيح وبعد لحظات نرى ربنا وهو في طريقه لإختبار الأحزان.


جمعة الآلام العظيمة (2)

«إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله، وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد اللّه أي المؤمنون باسمه الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من اللّه»

(يوحنا 1: 11ـ 13)

يُصدر النسر اللاهوتي يوحنا الانجيلي حكماً عادلاً على الأمة اليهودية العاتية، التي اؤتمنت على الناموس والنبوات والرموز والإشارات. واعتُبرت في العهد القديم شعباً خاصاً باللّه ولكنها أنكرت الرب إلهها، ونسيت ما قاله الأنبياء عنه وما ذكره الآباء عن مجيئه، ورفضته لأنه وبّخها على أعمالها الظالمة، العاتية، الفاسدة الشريرة.

جاء المسيح يسوع إلى عالمنا هذا ليُتم النبوات والإشارات والرموز. ولم يدع عذراً لليهود لأنه أعلن نفسه المسيا المنتظر. وُلِدَ كما يولد الإنسان اليهودي ولئن كانت ولادته فائقة الطبيعة. إنما لا يُعذر اليهود إذ رفضوه لأنه اختتن في اليوم الثامن كسائر اليهود، وقُدّم إلى الهيكل في اليوم الأربعين، بل سار بينهم في زيارة الهيكل كما يفعلون، ولم يخرج إلى العالم حتى بلغ الثلاثين لتكون شهادته مقبولة منهم بعد بلوغه سن الرشد، السن التي كان اليهود يقبلون شهادة الإنسان بعد أن يبلغها.

لماذا إذاً رفضوه؟ لو لم يكن منهم وبينهم، لو كان أممياً لكان يحق لهم أن يتنجّسوا منه بحسب تقليد آبائهم الباطل. لو بشّر الأمم أولاً لكان يحق لهم أن يرفضوه لأنه رفضهم. ولكننا رأيناه يبشّر اليهود أولاً ويوصي تلاميذه أن لا يذهبوا حتى إلى السامرة بل إلى اليهود أولاً. ولكنه عندما رأى قساوة قلوبهم رفضهم وذهب إلى الأمم، فرأيناه في أرض الكنعانيين، يقول أولاً للمرأة الكنعانية السريانية الجنس، التي طلبت منه أن يشفي ابنتها «ليس جيدٌ أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب». دعا الأمم كلاباً في سبيل تكريم اليهود الذين لا يستحقون الكرامة. ولكنه عندما وجدهم بعيدين عنه قال لتلك المرأة «يا إمرأة عظيمٌ إيمانك». وهذه تعاليمه أظهرها في عظته على الجبل. سمعناه يقول «طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات». بل رأيناه يتكلم كمن له سلطان وليس كالكتبة والفريسيين. فأظهر نفسه إلهاً بينهم ومشرِّعاً. يقول لهم: «قيل للقدماء أحبب قريبك وأبغض عدوك، أما أنا فأقول لكم أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلوا لأجل مبغضيكم». فهنا يظهر لنا المسيح إلهاً لأن الإله الذي شرع شريعة موسى في القديم، هو نفسه أتى في عصر النعمة وكمال الناموس ليمنحنا الشريعة الجديدة. وبرهن على صحة أقواله، بل برهن على كونه هو اللّه بالذات بالآيات والمعجزات. رأيناه يُطهّر البُرص، ويفتح أعين العميان، رأيناه يقيم الموتى، وبعد أن يُصلب يقيم نفسه بقوته الذاتية. هل بقي عذرٌ لليهود وهم يرون بأعينهم لعازر يقوم من القبر بعد أربعة أيام من دفنته بصوتٍ واحدٍ من يسوع. هل بقي عذرٌ لليهود بإنكارهم المسيح المسيا المنتظر. إذاً إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله.

لماذا رفض اليهود المسيح يسوع؟ لأنه إلهٌ أتى بقوة سلطانه الذاتي يوبّخ الكتبة والفريسيين إذ حادوا عن جادة الناموس وتبعوا أضاليل آبائهم الفاسدة. «ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون ـ قال لهم ـ لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون» (مت 23: 13). إن اليهود كانت قلوبهم مظلمة وأفكارهم دنيوية لذلك رفضوا نبوات الأنبياء ولم ينتبهوا إلى الإشارات، ولذلك أبغضوا المسيح يسوع، ورفضوه لأنهم أرادوا مسيحاً دنيوياً يأتيهم بأمورٍ يتمرّغون بوساطتها بشهواتهم، ويتبعون سبوتهم ويتركون الإله بالذات. فاتهموه أنه قد بطّلَ سبتهم، وأنه يريد أن يهدم هيكلهم وأنه يجعل نفسه ابناً للّه. أما سبتهم ولئن وضع لهم كيومٍ مقدس في القديم لكي يذكروا أنهم كانوا عبيداً في أرض مصر وخلصهم الرب الإله بيدٍ قوية وذراعٍ ممدودة، فإنهم قد حوّلوا تلك الذكرى إلى عبادة يومٍ من الأيام. استعبدوا للسبت فقال لهم «السبت إنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت». أما هيكلهم الذي إنما شُيِّد ليكون مكاناً يعبدون اللّه فيه فقد صار موضع فخرهم، وصار موضع عبادتهم كحجارةٍ لا كروح، ونسوا اللّه الذي سكن في الهيكل لذلك دعا اللّه على ذلك الهيكل فنقضه ولم يبقَ فيه حجرٌ على حجر. أما إعلانه الحقيقة الإلهية بأنه ابن اللّه فهذه حقيقةٌ سامية، وعقيدة مسيحية أعطانا إياها الرب. وقد أعلن أنه أزليٌ كالآب. قال لليهود قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن، وقال لهم أنا والآب واحد، ومن رآني فقد رأى الآب. لذلك أيها الأحباء تعتقد الكنيسة المقدسة أن المسيح يسوع هو اللّه بالذات. وهو ابن اللّه بالنسبة إلى الأقانيم الثلاثة، الآب والابن والروح القدس. ولأنه ابن اللّه أعلن ذلك لتلاميذه بالنسبة إلى سر المعمودية، أن يعمّدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس. وبذلك أوضح لنا أنه هو والآب والروح القدس أقانيم ثلاثة متساوية في الجوهر، إلهٌ واحد. لكن اليهود لم يرضوا بهذه العقيدة، ورفضوا هذا الإيمان الذي أتاهم من السماء ورب السماء. هل يدركون وجود اللّه وكيفية ذلك الوجود الروحي المحض؟ هل يعلمون أين هو اللّه وهو في كل مكان؟ فإذا كان اللّه قد أعلن لنا ذاته بأنه روحٌ محض، وأنه الحكمة وهو القداسة، وهو البر. فإن اللّه أيضاً أعلن لنا أنه أقانيم ثلاثة، وأن ابن اللّه قد أتى إلى العالم وخلصنا بتجسّده. فرفض اليهود له إذاً كان لقساوة قلوبهم، بل لأنه وبّخهم على أعمالهم الشريرة. لذلك فأعمالهم الشريرة كانت ظلمةً قاتمة، معتمة أمامهم. جعلت نفوسهم بعيدةً عن روح اللّه، وقلوبهم غريبةً عن قلب اللّه. بل جعلت بصائرهم عمياء لا يبصرون الحقائق الإلهية.

أما نحن الذين نؤمن بالمسيح يسوع، فإننا نراه إلهاً أزلياً أبدياً، ونراه إلهاً متجسداً ونفهم من كلماته وآياته المقدسة وتصريحات رسله الأطهار أنه حقاً ابن اللّه. هذا ما اعترف فيه الرسول بطرس عندما قال له أنت المسيح ابن اللّه الحي. وهذا ما اعترف فيه الرسول بولس عندما تكلّم عن الكنيسة قائلاً: كنيسة اللّه التي اقتناها بدمه. وهذا ما أعلنه لنا الرسول يوحنا عندما قال عن الرب يسوع أنه الكلمة الذي كان منذ البدء. وقال عنه أيضاً الذي رأيناه بعيوننا ولمسته أيدينا. وسمّاه الرسول بولس ثانيةً ربَّ المجد إذ قال عن اليهود «لو عرفوا لما صلبوا رب المجد».

فإلهنا إذاً أتى إلى هذا العالم. أتى أولاً إلى خاصته وخاصته رفضته، خاصته لم تقبله، لأنها كانت في الظلمة وهو نور، ولا يمكن أن يتحد النور مع الظلام. ولكن إن كانت قلوبنا مظلمة علينا أن نفتح كوّة صغيرة ليخرج الظلام من المكان الذي يدخل فيه نور المسيح. أما الذين قبلوه فأعطاهم أن يكونوا أولاد اللّه، الذين قبلوا المسيح مصلوباً. فالأمة اليهودية لم ترفضه فحسب، بل علقته على الصليب، سلّمته للأمم، الأمم التي أرادت بشخص بيلاطس أن تخلصه من الموت. الأمة اليهودية فضّلت عليه براباس ذلك الإنسان المجرم. الأمم آمنت بالمسيح، وخضعت للمسيح، وهي التي سجدت لصليب المسيح، ورأت في صليب المسيح قوةً إلهية، لذلك الرسول بولس يقول لنا «أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به صُلب العالم لي وأنا للعالم» (غلا 6: 14). وإن إشارة الصليب التي نرسمها على جباهنا نبرهن بها على أننا من الذين قبلوا المسيح مصلوباً، من الذين رفضوا اليهود وظلمهم وقساوتهم، من الذين تبعوا المسيح حاملين عاره إلى خارج المحلّة كما قال الرسول بولس. إن هؤلاء هم الذين حملوا صليب المسيح بافتخارٍ وما صليب المسيح سوى إنجيله المقدس. وما إنجيل المسيح سوى البشارة الإلهية المحيية التي بوساطتها نستطيع البلوغ إلى الحياة الأبدية إذ نقبل المسيح مخلصاً لنا.

وإذا ما قبلنا بإيمان متين المسيح مخلصاً لنا أيها الأحباء نكون أيضاً قد تحرّرنا باسم المسيح من كلّ أعدائنا وأعدائه الروحيين والبشر، إذ أن المسيح بصلبه على العود برّرنا وقدّسنا وأعطانا نعمةً عظيمة، «لأنكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان» كما قال الرسول بولس. وهذه النعمة هي نعمة التبني، فالذين قبلوه أعطاهم سلطاناً ليصيروا أولاد اللّه، الذين لم يولدوا من مشيئة جسدٍ ولا من مشيئة رجلٍ بل من اللّه.

فبهذا اليوم العظيم، في ذكرى آلام فادينا يسوع المسيح، نتطلع بإيمان أيها الأحباء، إلى المسيح مصلوباً فوق العود في الجلجلة في أورشليم. ونرى ونحن نواجه هذه الحقيقة، نرى أنفسنا بين فريقين. هل نحن مع خاصته التي رفضته بعد أن اختارها؟ أم مع هؤلاء الذين قبلوه فصاروا أولاداً للّه. علينا أن ننظر إلى إيماننا وإلى أعمالنا، ونفحص قلوبنا، وأن نحكم نحن على أنفسنا. فإن كنا غرباء عن المسيح غير مفتخرين باسمه وبصليبه، ناكرين إياه أمام العالم بالقول أو الفعل، فإننا نكون من هؤلاء الذين كانوا خاصته ورفضوه فرفضهم الرب الإله وأزال عنهم نعمة الكهنوت والمذبح والنبوّة، بل أزال عنهم روح التقوى والقداسة فعبدوا المادة ولا يزالون. أمّا إن كنا في عداد هؤلاء الذين ولدوا روحياً لا من مشيئة جسدٍ ولا من مشيئة رجلٍ بل من اللّه الذين دُفنوا مع المسيح في المعمودية للموت كما يقول الرسول بولس فإننا سنقوم معه أيضاً في جدّة الحياة، ونسلك في هذه الحياة سلوك المسيحي الحقيقي الذي قد ولد من فوق، فسيرته في السماويات.

أسأله تعالى في هذه اللحظات، هذه اللحظات المقدسة التي نسجد فيها لصليب المسيح، سجودنا للمسيح بالذات بالروح والحق، ليؤهلنا جميعاً لنكون في عداد هؤلاء المفديين في صليب ربنا، مبرَّرين ومقدَّسين، نائلين نعمة التبني لنكون أولاد اللّه بالنعمة، سالكين بموجب ما تقتضيه هذه البنوة الإلهية. ونعمة الرب تشملكم جميعاً إلى أبد الآبدين آمين.

الرب يسوع مات على الصليب وخلصنا (3)

«دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد»

       (إشعياء 63: 3)

بعينه النبوية الثاقبة يرى إشعياء النبي مأساة الصليب قبل حدوثها بثمانية قرون. يرى المسيح يسوع يدوس معصرة الدم في سبيل فداء البشرية. يراه مخضّباً بدمه الطاهر فيقول عنه: «من ذا الآتي من آدوم بثياب حمر من بصرة، هذا البهي بملابسه المتعظّم بكثرة قوته (ويتخيّله قائلاً) أنا المتكلّم بالبر العظيم للخلاص» (إش 1: 63)، فيسأله عن سبب لون لباسه الأحمر ومن هو. فيقول له: أنا المتكلّم بالبر العظيم للخلاص. لماذا لون لباسك أحمر؟ يجيبه: دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن أحد معي. أجل داس معصرة الخلاص وحده لأنه لا يستحق أحد من الشعوب أن يكون معه في معركة الدم. لا يستحق أحد من الشعوب أن يشاركه عمل الخلاص. لذلك كان لا بدّ أن يكون واحداً وحيداً فريداً لا شريك له في كل شيء. في ولادته ولد ولادة عجيبة، فهو الوحيد الذي ولد من عذراء دون زرع رجل. وهو الوحيد الذي ولئن اضطُهد وهو طفل من هيرودس الذي تلبّسه إبليس ولكن اللّه خلّصه لأنه أبوه. وهو الوحيد الذي نازل إبليس ليغلبه، فداس المعصرة معه عندما شعر إبليس أنه أسمى من إنسان. بل عندما سمع الآب السماوي يقول عنه على نهر الأردن «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت»، أجل داس المعصرة ونزل ساحة المعركة في البرية وجُرّب من إبليس ورأيناه ينتصر فيها على إبليس، ويخرج وقد نال الظفر بل يخرج ليس منتصراً وظافراً وحده إنما قد ظفر للبشرية كافة. ولكن معصرة الدم، معصرة الخمر النقي الذي أنعم به علينا ليكون مثال دمه الأقدس، هذه المعصرة يراها اشعياء ونراها نحن اليوم في عين الروح والتقوى، في عين البر والقداسة، في عين التبنّي الذي نلناه من الرب يسوع بوساطة تلك المعصرة، نرى مسيحنا يدوس معصرة الدم في مثل هذا اليوم مبتدئاً في الجثسيماني ومنتهياً بالموت على الصليب والدفن في قبر جديد منحوت في صخرة.

في الجثسيماني نراه يدوس المعصرة وحده، تركه تلاميذه إذ كانوا نائمين. حتى الثلاثة الذين اختصّهم وأرادهم أن يروا المشهد العظيم مشهد الآلام، مشهد الصراع مع الآب. الثلاثة الذين اختصّهم دون بقية رسله وهم بطرس ويعقوب ويوحنا، يوم صعد بهم إلى الجبل وأراهم مجده في التجلي ويوم قال له بطرس: «جيد أن نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال، لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة» (لو 9: 33)، لقد ظنّ بطرس يومذاك أن المسيح مساوٍ لموسى وإيليا ولكن المسيح وحده لا شريك له ممّن لبس الجسد البشري، لذلك غاب إيليا وغاب موسى وبقي يسوع وحده، وفي الجثسيماني أيضاً كان وحده، وكان أولئك التلاميذ نائمين راقدين رقاد الخطية، رقاد الإهمال كما ننام جميعاً ونرقد في سبات الإثم وضميرنا لا يستيقظ ونحن نرى المسيح يسوع يتألم. في الجثسيماني رأينا الكأس تقدّم إلى المسيح، كأس الموت. فيقول للآب: إن أمكن أن تعبر عنّي هذه الكأس. ولكنّه أخيراً يسلّم إرادته بيد أبيه السماوي. يعجبني جداً قول أحد الوعّاظ عندما قال: «لو جمعنا آلام وأمراض البشرية كافة لما كانت تحسب قطرة ماء في بحر آلام المسيح». لو أتينا بإشعياء الذي نشره اليهود، وأرميا النبي الذي طرحوه في جبٍّ. لو أتينا بإيليا النبي المضطهد ويوسف الذي باعه إخوته، بل لو أتينا برسل الرب وتلاميذه، باسطيفانس وحجارته التي رُجم بها، بولس والسيف الذي قُطع به رأسه، وبطرس وصليبه الذي صُلب عليه منكّس الرأس، لو أتينا بهؤلاء وآلامهم لرأيناها لا شيء تجاه آلام المسيح. فالمسيح حتى في الآلام هو وحده لا شريك له، لأن آلامه وهو البار القدوس إنما احتملها لأجل البشرية ولأنه لم يكن فيه إثم ولم يصنع خطيئة بل وقف يبكّت أعداءه ويقول لهم: «من منكم يبكّتني على خطية» (يو 8: 46)، «لأنه جعل الذي لم يعرف خطيةً خطية لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه» (2كو 5: 21). ولذلك استحق هو أن يموت عنا، أن يتألّم كثيراً بل فاق بآلامه آلام البشر كافة. رأيناه وحده عندما جاء يهوذا الخائن بعصابة شريرة أُرسلت من قِبل رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين. رأيناه هناك وتلاميذه حوله لا يريد أن يشاركوه آلامه، فيُرهِب ويُرعِب أولئك الذين جاؤوا ليلقوا القبض عليه ليرجعوا إلى الوراء بعد أن يسألوه أين هو يسوع الناصري ويقول لهم أنا هو ليرجعوا إلى الوراء ويسقطوا، ثم يقول لهم عن الرسل دعوا هؤلاء يذهبون. ذهب الرسل كافة وبقي يسوع وحده. لم يبقَ معه من تلاميذه سوى الخائن، سوى يهوذا الذي كان قد باعه بثلاثين من الفضة، والذي أتى وقبّله قبلة الغش والخيانة علامة لليهود لئلا يأخذوا أحد التلاميذ بدلاً من يسوع.

أبقبلة تسلّم ابن الإنسان قال له الرب. في هذه الحادثة أيضاً رأينا يسوع وآلامه والعذابات التي تحمّلها من يهوذا أحد تلاميذه الاثني عشر. يُشبه هذا ما ذكر في التاريخ عن أحد قياصرة الرومان الذي اجتمع نبلاء مملكته إلى دار المحكمة وجلبوه هناك غشاً ثم أوصدوا الأبواب وهجموا عليه ليقتلوه ودافع عن نفسه ولكنه رأى بينهم عبداً كان قد تبنّاه، إنساناً وضيعاً كان قد رفع منزلته، إنه بروتوس الذي أوصى أيضاً أن يكون وارثاً له في الملك. رأى هذا الإنسان وقد مسك بيده خنجراً طعن به قلب ذلك الملك فقال له القيصر: أأنت أيضاً يا بروتوس؟ هكذا ربنا لم يتألّم عندما هجم عليه اليهود، لم يتألّم عندما أتته جماعة الأشرار بحسب النبوة، ولكن تضاعف ألمه خاصة من يهوذا بالذات الذي كان قد ائتمنه على الصندوق لجمع الصدقات لسد حاجات يسوع الجسدية وحاجات رسله الذي جعله الرب كيوحنا وبطرس حبيباً عليه. أبقبلة تسلّم ابن الإنسان؟ قال له. من حكمة اللّه أن الكنيسة المقدسة منعت قبلة السلام في أسبوع الآلام لأنها تذكّر بالقبلة الغاشة التي صدرت من يهوذا.

فكان المسيح وحده أمام أعدائه، أمام تلميذه العدو، العدو الذي أصبح أكثر عداوة من بقية الأعداء، أمام يهوذا. وكان وحده أيضاً أيّها الأحباء أمام رؤساء الكهنة والكهنة، من أجلنا اقتبل الحكم الجائر الظالم. من أجلنا كان صامتاً. من أجلنا حُكم عليه بالموت من بيلاطس أيضاً. من أجلنا استمع إلى ذلك الشعب الظالم العاتي يصرخ أمام بيلاطس قائلاً: «اصلبه اصلبه». كان وحده عندما رُبط على عمود وجُلد جلدات قاسية فتناثر لحمه ونزف دمه. ضربه جند الرومان بأعصاب البقر وبحبالٍ شُدت بأشواك حديدية حادة. ضربه أولئك الناس على كتفيه وعلى ظهره وصدره وهو صامت لم ينبس ببنت شفة. كل ذلك لأجلنا أيها الأحباء ولأجل خلاصنا. تضعضعت أعضاء جسمه ولكن مع هذا حمّلوه الصليب لأن بيلاطس البنطي الجبان الذي أراد أن يخلّصه لم يستطع أن ينقذه من أيدي اليهود. ولم يكن يعلم أن المسيح إنما لبس جسدنا ليكون وحده مخلصنا البار. ولم يكن يعلم إنه بتسليمه المسيح للآلام والصلب يفعل مشيئة اللّه لأنه كان لا بدّ أن يُصلب المسيح ويموت لينال البشر بصلبه وموته الخلاص من الموت والشيطان والخطيّة.

في طريق الجلجلة كان وحده ولمّا سمع بعض النسوة ينتحبن ويبكين وبّخهن قائلاً: لا تبكين عليَّ بل على أنفسكن وأولادكن. لا يريدنا المسيح أن نسرد قصة آلامه منتحبين، لا يريدنا أن نبكي عليه لأنه تألّم، فآلامه صارت سبب خلاص لنا. علينا أن ننتحب على خطايانا، على الخطيئة الجدية التي ساقته إلى الصليب، على خطايانا الإرادية التي نصلب فيها المسيح في كل ساعة من حياتنا. علينا أن نبكي على نفوسنا أما هو فقد جاء إلى الصليب بإرادته وكان في هذا العمل واحداً وحيداً لا شريك له.

وعلى الصليب سمعناه أيها الأحباء يتألّم ويتكلّم. يسأل أباه المغفرة للصالبين العائدين إليه تائبين. فنحن لا ننال المغفرة من المسيح ربنا، المغفرة التي أعطانا إياها مجاناً لا نستحقها إن كنّا نرفضها ولا نقبلها. ولا نقبل المغفرة إلاّ بالتوبة والعودة إلى اللّه. فالمسيح الذي صرخ قائلاً: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لو 23: 34)، أهدى كرماً منه ورحمة المغفرة لأولئك الصالبين لكنهم قسّوا قلوبهم واستهزؤوا به ورفضوه، مثّلهم بذلك اللص الذي ذُكر في الكتاب المقدس وقيل عنه إنه كان عن يسار الرب بحسب تقليد الكنيسة، حيث كان وهو في طريقه إلى الموت رافضاً الخلاص. أما اللص الثاني الذي مثّل الأبرار فكان عن يمين ربنا، فطلب المغفرة بل طلب النعمة الإلهية ليكون مع المسيح في مجيئه الثاني، فأعطاه الرب أكثر مما طلب، قال له: «الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس» (لو 23: 43). المسيح وحده بإمكانه أن يغفر وهو على الصليب، المسيح وحده بإمكانه أن يعد المصلوب معه ليكون معه في الفردوس. والمسيح وحده بإمكانه أن يفكّر بأمه وهو على الصليب فيودعها أمانة بيد تلميذه يوحنا. «يا امرأة هوذا ابنك، قال لها ثم قال لتلميذه الحبيب يوحنا: هوذا أمك» (يو 19: 26)، والمسيح وحده استطاع أن ينوب عن آدم الذي هرب من أمام وجه اللّه في الفردوس لأنه أخطأ فقال نيابةً عن أدم: «إلهي إلهي لماذا تركتني» (مر 15: 32). بل أيضاً احتمل العطش وبعدئذ قال: «قد أكمل» (يو 19: 29) لأنه أكمل الخلاص فأودع روحه بيد أبيه.

هذه مأساة الصليب، هذه المعصرة التي داسها المسيح يسوع وحده لم يكن معه أحد من الشعوب والأمم. لم يشرك في هذه المأساة بل في عمل الخلاص إنساناً ما، المسيح وحده أعطانا نعمة الخلاص لأنه وقد خرج من المعركة بثياب حمراء من بصرة كما يقول أشعياء. قال أنا المتكلّم بالبر، البر العظيم للخلاص. فقد تكلّم بالبر العظيم ومنحنا الخلاص بصليبه المقدس. داس معصرة الدم وجعل الدم على جباهنا جميعاً. نُصلب معه على العود وندفن معه في القبر الجديد، لنقوم معه في اليوم الثالث منتصرين على الموت والهاوية. لذلك في هذه اللحظات نحن المخلّصين بصليبه المقدس علينا أن نحمل الصليب لنكون تلاميذ حقيقيين له. لا يكفي أن منحنا الرب هذه النعمة، نعمة الفداء بصليبه المقدس، علينا ان نقتبل بإيمان هذه النعمة الإلهية، نعمة الفداء المجانية وتكونوا مع المسيح في فردوسه، عليكم أن تتأمّلوا المسيح متألماً وحده لأجلنا جميعاً وتؤمنوا بخلاصه، عليكم أن تحملوا صليب المسيح وتسيروا وراءه في طريقه إلى الجلجلة. فطريق الحياة، طريق كل منا في هذه الحياة هو طريق جلجلة. فإن كنا نحمل صليب المسيح بصبر وصمت وسكوت وصلاة نستحق أن نكون مفديين بالمسيح، لا أن نتألّم لحمل صلباننا فصلباننا زائلة ولكن صليب المسيح باقٍ. وعلينا أن ننتظر المسيح عندما تظهر علامة الصليب، علامة النصر، علامة المعركة التي نازل فيها إبليس وانتصر عليه. علينا أن ننتظر ظهور هذه العلامة في السماء في مجيء المسيح ثانية لكي إذا تألمنا معه ننال النصر معه ونرث ملكوت اللّه معه متنعّمين إلى الأبد الحالة التي أتمناها لي ولكم أيها الأحباء ونعمة الرب تشملكم دائماً أبداً. آمين.


جمعة الآلام العظيمة (4)

«اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض لأن الرب يتكلّم. ربّيتُ بنين ونشّأتهم أما هم فعصوا عليَّ. الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم»

    (إشعياء1: 1ـ 2)

يناشد الرب الأرض ومن عليها، والسماء ومَنْ فيها محتجّاً على عصيان بني البشر لأوامره الإلهية. خلق الله الإنسان عقلاً راجحاً يميّز ما بين الحق والباطل، وضميراً يقظاً يعرف الحلال من الحرام، وجعله سيّد المخلوقات. وفي الوقت نفسه منحه حرية تامّة لينال مكافأة طاعته لله نِعماً عظيمة، كما كان يُجازَى على عصيانه الله تعالى.

ومنذ بدء خليقة الإنسان، الذي ولئن كان تراباً من الأرض ولكنه هو أيضاً نفس حيّة منحها الله له ليكون شبيهاً بالملائكة، كما يكون شبيهاً بالمخلوقات البهيمة. هذا الإنسان تمرّد على الله، خلقه وربّاه ولكنه عصى أوامره. يأتي ذلك ببداية القصة القديمة والقديمة جدّاً، إلى قصة تمرّد الإنسان بأكل الثمرة التي مُنِع عنها، هذا هو أنت أيّها الإنسان. لك جنّة غنّاء، أشجار وأثمار لا عدد لها. ولكنك تريد أن تأكل من ثمرة شجرة معرفة الخير والشر لأن الله منعك عنها. هذا أنت يمثّلك آخاب وإيزابيل. قصر منيف يسكنانه، سلطان وطغيان ولكنهما يريدان الحقل البسيط لإنسان فقير هو نابوت (1ملوك 21: 16).  هذا هو أنت أيها الإنسان، رغبتك أن تعصي أوامر الله. هذه المعركة الطاحنة التي بدأت في الفردوس، جعلت الله أن يحكم على هذا الإنسان أن يُطرَد من فردوسه. ناداه ليوقظ ضميره: آدم آدم أين أنت؟ فآدم قد هرب من وجه الله ظنّاً منه أنه سيتخلّص من العقاب. وفي أرض الشَّقاء حُكِم عليه أن يأكل خبزه بعرق جبينه، ولكن الله كان قد أنعم عليه بأمر يجب أن نفهمه جيداً. عندما حكم على الحيّة التي سمحت أن يتلبّسها إبليس فخدعت أبوَينا الأولَين، حُكِم عليها أن هامتها تُسحَق بوساطة هذا الإنسان، ولئن لها سلطان أن تسحق عقبه. (تك 3: 15) لقد وضع عداوةً بينها وبين المرأة، وبين نسلها ونسل المرأة (تك 3: 15) وهذه نعمة عظيمة أن يعرف الإنسان عدوّه، فالشيطان دائماً يتخفّى ولكن الله فضحه إذ أقام هذه العداوة.

الحرب ضروس. استمرّت أجيالاً وأجيالاً. ولكنَّ الله أيضاً وعد أن يخلّص هذا الإنسان من عدوّه إبليس، هذه التهيئة الأخرى التي أعطاها الله للإنسان عبر الدهور والأجيال. هيّأ عقله البشري لتقبّل سر الفداء، هذا السر العظيم الذي لا يمكن أن ندركه بعقولنا ما لم نؤمن بقول الله. في البدء لم نُطِع الله وعصينا قوله وصدّقنا قول إبليس فسقطنا. وعبر الدهور والأجيال بالرموز والإشارات، بالذبائح والقرابين هيأ الرب عقولنا لتقبّل الذبيحة الإلهية. المأساة التي اقترفتها الأمة اليهودية، التي قال عنها الرب على لسان النبي إشعياء: «الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل لا يعرف، شعبي لا يفهم»، لأن هذا الذي أراده أن يحافظ على النبوءات، على الرموز والإشارات تمسّك بالحرف ونسي قوة الإشارة، فكل الذبائح أشارت إلى ذبيحة المسيح واستمدّت قوّتها المحدودة من قوّة ذبيحة المسيح التي لا حدود لها. من جملة هذه الذبائح رأينا رمزاً عظيماً جدّاً. عندما دعا الله إبراهيم من أرضه ليعبده، دعاه في أرض الغربة. وعندما أقام معه عهداً أن يتبارك بنسله جميع الشعوب. والرسول بولس يشرح لنا ذلك قائلاً: «لم يقُل بأنسال بل بالنسل لأنه نسل واحد هو المسيح بالذات» (غل 3: 16). فكان رمزاً لدى إبراهيم عن صلب المسيح، موته عن خطايانا. فإبراهيم الذي وُلِد له ولد في شيخوخته. وَلَد الموعد (اسحق) طلبه منه الرب أن يقدمه ذبيحة. عجباً! لا يقدم الذبائح البشرية في ذلك الوقت إلاّ من لا يؤمن بالله، من يطيع الشيطان، وإلى اليوم. عَبَدة الشيطان وما أكثرهم، يقدمون ذبائح بشرية لإرضاء سيّدهم. إبراهيم يطلب منه الله أن يأخذ اسحق ابنه الوحيد الذي أحبه، ليقدمه له ذبيحة في جبل موريا (تك 22: 2) إبراهيم كان خليل الله. والخليل هو الصّديق الصّادق، الصديق الذي دائماً يكون على اتصال بصديقه. سمع إبراهيم أمر الله وأطاعه وأخذ ابنه اسحق ومعه اثنان من غلمانه، بعد مسيرة يومين وفي اليوم الثالث، ترك الغلامين في أسفل الجبل وصعد مع ابنه اسحق ليقدمه ذبيحة ومحرقة. حمّله الحطب ليشير إلى المسيح ابن الله الحبيب، ابن الله الوحيد الذي أعلنته السماء يوم العماد، ويوم التجلّي على لسان الله: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. ويوم التجلي هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا. اسحق ابن إبراهيم الحبيب يحمل الحطب كما حمل المسيح الصليب، ويأتي أبوه بالنار والسكّين، ويسأل اسحق أباه: أبتاه هوذا الحطب، وهوذا النار والسكّين. أين الخروف؟ يقول له إبراهيم: الله يجد له الخروف يا بني. على الجبل، نُصِب المذبح كالصليب، تضرّع اسحق لأبيه ألاّ يُقدِم على ذبحه. رأينا المسيح في البستان يطلب أن تعبر عنه إن أمكن هذه الكأس، لكن لتكن إرادتك لا إرادتي (لوقا 22: 42). إبراهيم شدّ ابنه على الخشبة، وكأني به يصلبه ويأخذ السكين ليذبحه ويقدّمه ذبيحة لله، ويظهر ملاك الرب له: أمسِك يدك عن الصبي. لقد علمتُ أنك تخاف الله. فكيف لا يسمع كلام الله ويعلم أن هذا الصبي هو ابن الموعد، ويلتفت إبراهيم وراءه في تلك المنطقة الجرداء فيجد عوسجةً وكبشاً معلّقاً في العوسجة، يأخذه ويذبحه ويقدمه محرقة لله. كأني بالله تعالى يعلن الحقيقة الإلهية بوساطة ملاكه ليقول لإبراهيم: ما الفائدة من ذبح ابنك وحرقه وتقديمه محرقة لي، إنه إنسان. إنسان تحت الخطيّة، إنسان لا يعادل الله. فخطيئة آدم إذ توجّهت نحوي أنا الإله غير المتناهي، أنا البار، أنا القدوس لذلك أحتاج إلى ذبيحة غير متناهية لكي تُغفَر تلك الخطيّة. دع ابنك الآن. إنني أنا الآب السماوي سأرسل ابني الوحيد لكي يُصلَب وهو يعادلني باللاهوت، وبالوقت نفسه يعادل الناس بالناسوت وباتحاد اللاّهوت بالناسوت ستكون هذه الذبيحة ذبيحة كفّارية تغفر للإنسان خطيئته الأصليّة التي ورثتها البشرية كافةً. هذا هو الرمز العظيم أيّها الأحبّاء. لذلك رأينا الله الآب يرسل ابنه إلى العالم، ويعلن الابن لنيقوديموس وللعالم أجمع محبة الله بقوله: «لأنه هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 16).

ربّيتُ بنين ونشّأتهم لكنهم عصوا عليّ. المسيح أيضاً ابن الله الوحيد المساوي للآب في الجوهر، الذي في ملء الزمان تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء. نشأ مع أولئك الناس الذين اؤتمنوا على حفظ النبوءات، تعاليمه السّامية أوضحت لهم وهو يشير لهم إلى النبوءات التي قيلت عنه، عجائبه الباهرات وضّحت لهم حقاً أنه هو ابن الله المُرسَل لخلاص العالم. ربّى أولئك البنين ولكنهم عصوا عليه كما قال الرب ما دوّنه النبي إشعياء. إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. وأما كلّ الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه، المولودون لا من جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله (يو1: 11 ـ 13). تمرّد أولئك الناس على المسيح يسوع لأنه وبَّخهم على خطاياهم، طردهم من الهيكل. بيتي بيت صلاةٍ يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص (لو19: 46) كشف مراءاتهم ونفاقهم وأعلن أنهم بعيدون عن الله، ولئن كانوا قد اؤتمنوا على حفظ النبوّات ولكنهم لم يعرفوا الزمن لأنهم عصوا ربنا. عجائب ومعجزات، تعاليم سامية إلهية. كل هذا فعله الرب. واليهود تمرّدوا عليه وأرادوا قتله. في المثل الذي ضربه لهم عن الكرم وعن ابن صاحب الكرم. عن الكرم الذي بعث صاحبه عبيده فقتلهم أولئك الناس الواحد تلو الآخر، ثم أرسل ابنه الوحيد لعلّهم يخجلون منه. فقالوا: هذا هو الوريث لنقتله ونرث الكرم (مر12: 1 ـ8). المسيح يسوع هو الوريث. هو ابن الله. هو الذي جاء لخلاصنا. في الأعجوبة الباهرة التي اجترحها بإقامة لعازر من القبر بعد أربعة أيام من موته ودفنته، جعل الجميع، جميع اليهود الذين جاءوا من الشّتات، الذين جاءوا إلى عيد الفصح مشتاقين أن يروا هذا النبي العظيم، وأيضاً أن يروا لعازر الذي أقامه من بين الأموات. يوم الشعانين رأيناهم يهتفون: أوصنّا (يا رب خلِّص)، إنهم بحاجة إلى الخلاص ولكن كهنتهم حكموا عليه بالموت، كما كانوا يحكمون في ذلك اليوم على الخرفان التي تُقَدَّم في يوم الفصح. إنها تصلح أن تكون ذبائح. يوم الخميس قدّم لتلاميذه سر جسده ودمه الأقدسين قبل أن يقدم جسده إلى أبيه، أكل الفصح مع تلاميذه لأنه هو فصحنا الجديد. وخروف الفصح كان يشير إليه. فبحسب أمر موسى كان خروف الفصح يُذبَح وكان الدم يُشار به على العتبة العليا من باب ذلك الشعب لكي يمرّ الملاك ويرى علامة الصليب على ذلك البيت بأنه قد ذُبِح خروف الفصح إتماماً لأمر الله ويعبر الملاك ولا يقتل أبكار أولئك الناس، بل قتل أبكار المصريين. الفصح وخروف الفصح ودم الخروف علامة ورمز إلى دم المسيح بالذات. لذلك أكل الفصح وأتمم هذا الرمز ثم أعطى رمز جسده ودمه الأقدَسَين لتلاميذه وأمرهم أن يصنعوا ذلك لذكره قبل أن يقدم جسده لأبيه. خرج من العلية، جاء إلى البستان ليتألّم، جاء لينتحب أمام تلاميذه وهو جاثٍ أمام الآب السماوي: إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، بعدئذ يقول لهم: قد جاء المُسَلِّم. جاء يهوذا الذي باع سيّده بثلاثين من الفضة. ربّيتُ بنين ونشّأتهم أما هم فعصوا عليّ. ألم يربِّ يهوذا ثلاث سنوات وثلاثة أشهر مع بقية التلاميذ، ولكن ذلك الشرير عصى أوامر الله، أصمّ أذنيه عن سماع تعاليم المسيح، أغمض عينيه عن رؤية المعجزات الباهرات التي اجترحها المسيح. ولذلك هو يمثّل كل إنسان يبيع المسيح ومبادئ المسيح وإيمان المسيح بالمادة التي يعبدها. نبّهنا الرب: لا تستطيعون أن تعبدوا ربّين الله والمال (مت 6: 24) عبَدَ يهوذا المال، ولكنه بثلاثين من الفضة اشترى له حبلاً وشنق نفسه، فصار عِظة لكل إنسان خائن، سلّم سيّده بقبلة ولذلك حرّمت الكنيسة قبلة السلام يوم جمعة الآلام بل في أسبوع الآلام كافة لأنها تلعن يهوذا الخائن.

ربّيتُ بنين ونشّأتهم فعصوا عليّ. المسيح يُسَلَّم إلى أعدائه، بإرادته سلّم نفسه إلى أعدائه، كان لا بد أن يُصلَب. حُكِم عليه بالموت من المحكمة الدينية من رئيسَي الكهنة حنّان وقيافا، لأنه نقض سبتهم، والدعوى أنه يريد أن يهدم هيكلهم، ولكن هل يُبَكَّت المسيح؟ لقد أعلن لبيلاطس أن مملكته ليست من هذا العالم عندما اتُّهِم أنه يريد أن يأخذ الملك من قيصر، ولليهود أيضاً أعلن أنه قد جاء لخلاصهم، ولكنهم ولئن حاول بيلاطس سبع مرات أن ينقذ المسيح من أيدي أعدائه اليهود، لكنهم ولئن نشّأهم ورباهم كانوا قد عصوا أوامره، وحقدوا عليه وحسدوه وطلبوا أن يُصلَب، فضّلوا بارباس عليه وطلبوا أن يُصلَب عنه، كان لابد أن يُصلَب ولذلك كان لابد أن يدخل محكمة بيلاطس الذي هو وحده يحق له إصدار أمر الصلب.

المسيح رمزت إليه الحيّة النحاسية في البرية، التي ولئن كانت حية لعينة لدى بني إسرائيل وكانت مُحرِقة وأماتت آلافاً منهم، ولكن عندما أمر الله موسى أن يصنع حيّة نحاسيّة ويجعلها في وسط المحلّة، ومن تطلّع إليها بعد أن يكون قد لُدِغ يحيا ولا يصيبه شيء. الحيّة كانت ملعونة ولكن حيّة النحاس كانت بارّة. من صُلِب على الخشبة كان ملعوناً في العهد القديم. ولكن عندما صُلِب السيد المسيح على الخشبة نالت تلك الخشبة نعمة عظيمة وأصبحت علامة الصليب علامة خلاصنا. طفلٌ صغير إذا رسم علامة الصليب يرعب الأبالسة، وينقذ نفسه من كل شر. هذه هي علامة الصليب. فكان لابد أن يصلَب المسيح لذلك حُكِم عليه بوساطة الدولة الرومانية، ولكن الذي أراده أن يموت هم اليهود المجرمون الذين ربّاهم عبر الدهور والأجيال. أخرجهم من العبودية، سقاهم ماءً من الصّخر، أنزل عليهم خبز الملائكة ولكنهم تمردوا عليه.  عندما نتطلّع أيها الأحباء إلى ما حدث في مأساة الجلجلة، ونعلم أن ما حدث إنما كان نتيجة لخطيئة آدم ولخطايانا الشخصية. لابد أن ننوح ونبكي مع النسوة اللّواتي تبعن يسوع بعد أن جُلِد، بعد أن استُهزِئ به، بعد أن وُضِع إكليل الشوك على هامته. بعد أن جُلِد، ونقول جُلِد فقط وتعلمون ما كان نوع الجَلْد في تلك الأيام، وخاصة لإنسان كالمسيح يسوع اتّهموه بأنه يريد أن يأخذ المُلك من قيصر، ويحرض الناس ضد الاستعمار الروماني؟ كانت السِّياط مصنوعة من أشياء حادّة جدّاً كعِظام ونحاس، يُضرَب بها الإنسان أربعين جلدة إلا جلدة فيسيل دمه لكي يذهب إلى الصليب منهكاً. هكذا جُلِد المسيح يسوع، دمه من هامته، من ظهره ومن كل جسمه. والناس تستهزئ به، يبصقون عليه. الإله المتجسّد يلطمونه ويستهزئون به، حمل صليبه. صليبه كان صليبنا لأنه حمل خطايانا. سقط تحت حِمل الصليب، كان هناك إنسان اسمه سمعان القيرواني، فلاّح وما أشرف هذه المهنة!، فلاّح يُكلَّف بحمل صليب المسيح لأن سمعان بطرس كلن قد أنكره. وظهر نيقوديموس الذي كان تلميذاً خفيّاً، ويوسف الرّامي ظهر أيضاً، ولكنهما لم يفعلا أي شيء، لأن سمعان القيرواني هو الذي سُخِّر أن يحمل صليب المسيح. لم يكن سمعان القيرواني يدري أنه يقود مواكب عظيمة عبر الدهور والأجيال من تلاميذ المسيح المخلصين الذين أمرهم أن يحملوا صليب المسيح ويتبعوه، فحمل صليب المسيح وجاء إلى الجلجلة. مريم والنسوة يبكين. لا تبكين عليّ بل على أولادكنّ، ويتنبأ عن خراب أورشليم، عن الصلبان التي بعد أربعين سنة نُصِبَت خارج تلك المدينة، حتى أن مؤرِّخهم يوسيفوس قال: لم تبقَ شجرة إلاّ وصُنعَت صليباً، وعُلِّق عليها اليهود الظالمون الذين تنكّروا للخلاص وصلبوا المسيح يسوع. على الصليب غفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون، على الصليب وهو صامت سمع اللصَين اللّذَين صُلِبا معه يتحاججان، وأحدهما لا نعرف أيهما كان، نقول إنه لص اليمين يوبّخ أخاه ورفيقه، نحن بحقٍّ: يعترف بذَنْبه نلنا هذا العقاب، أما هذا الإنسان فلم يكن قد اقترف ذَنباً. ثم يلتفت إلى الرب يسوع ويقول له: اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك. بهذا الاعتراف بالذنْب وهذا الاعتراف بالمسيح يسوع ينال نعمة عظيمة: اليوم يقول له، الحق أقول لك أنك اليوم تكون معي في الفردوس. ويرى أمه وتلميذه الوحيد الذي معه (يوحنا) فيسلّم أمّه إلى يوحنا، وسلمها بذلك لنا جميعاً صارت لنا أماً نحن الذين نؤمن بيسوع المسيح، حزنَّا لحزنها ونتشفّع بها وهي معنا. كذلك أيها الأحباء نرى الرب وهو يتألم لأجل خطايانا وخطيئة آدم. آدم بعد أن أخطأ يشعر بخطيئته ويعترف بها ولكنه يهرب من وجه الله، وصاحب المزامير يقول على لسان آدم: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ والمسيح يقولها بالنيابة عن آدم، ثم عندما يسلّم الرّوح يقول: قد أُكمل، في يَدَيك يا أبتاه أستودع روحي. مات المسيح على الصليب. لم يكن المسيح كإسحق ابن إبراهيم إنساناً بسيطاً، كان المسيح هو الله بالذات، الله ظهر بالجسد. ولذلك صَلب المسيح أساس عقائدنا المسيحيّة، لأنه لو لم يمت المسيح على الصليب لكُنّا نحن أمواتاً في الخطيّة.

نيقوديموس، يوسف الرامي. يوسف الرامي يطلب جسده من بيلاطس، كما يقول الرسول يوحنا في إنجيله: إنّ الجند أتوا وكسروا سيقان الأول والآخر، أما يسوع فلما رأوه ميتاً طعنه أحد الجنود بحربة، فخرج للوقت دم وماء (يو 19: 22-24). إنّه حي بلاهوته وميت بجسده لم يفارق لاهوت المسيح لا جسده ولا دمه لحظة واحدة، ولذلك نؤمن بأن المسيح قد مات عنّا بالجسد ولكنه قام وهو حيّ وسيبقى حيّاً. كنتُ ميتاً يقول سفر الرؤيا وأنا حيّ إلى أبد الآبدين (رؤ 1: 18). إلى القبر الذي نُحِت في الصّخر، القبر الجديد الذي لم يُدفَن فيه أحد، كُفِّن الرب يسوع كالملوك والعظماء، بعطور وبخور والنسوة يشاهدنه ويُدفَن في القبر الجديد، ويُختَم القبر بحسب أمر بيلاطس وبطلب من اليهود بأختام المملكة. ونحن نقف متأملين: يا ترى؟ أيمكن أن ذلك القبر البسيط، القبر الصغير يضم المسيح يسوع خالق العالم ومبدعَه. ويأتي فجر الأحد ليقوم الرب من بين الأموات والأختام موضوعة كما هي. بعدئذ جاء الملاك ودحرج الحجر لتأتي النسوة ويرين أن المسيح ليس هناك. إنه قد قام، الذي قد صُلِب لأجلنا، الذي صرخت الملائكة عند دفنه: قدوس الله، قدوس القوي، قدوس أنت الحي غير المائت. فكمّل يوسف الرامي ونيقوديموس هذه الصلاة إلى الله، الإله المتجسّد: يا مَنْ صُلِبتَ عوضاً لأجلنا ارحمنا.

ليرحمنا الرب جميعاً أيّها الأحبّاء. لكي وقد ربّانا كبنين وبنات أن نكون مطيعين له، لا عُصاةً كاليهود الذي عصوا أوامره لكي يقول ربّيتُ بنين ونشّأتهم وكانوا مؤمنين بي وبذبيحتي الإلهيّة، لذلك ولدوا من السماء وسيكونون بركة السماء معي أنا ابن الله الوحيد. الحالة التي أتمناها لي ولكم بجاه صليبه آمين.

حمل الله (5)

«وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال: هوذا حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم»                                   

        (يوحنا 1: 29)

هوذا حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم. هوذا الذي انتظرته الأجيال والدهور وتنبأت عنه الأنبياء وإليه أشيرت الرموز والأمثال في كل دهر من الدهور وعصر من العصور منذ أن هوى الإنسان الأول في وهدة الخطية، هوذا رجاء الأمم وأملهم، هوذا الذي جاء لكي يحمل خطية العالم، «حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم». هذه الكلمات التي لفظها يوحنا المعمدان تعيدنا إلى بدء الخليقة، بل إلى اليوم الذي كان فيه الإنسان قد هوى في وهدة الخطيئة وسقط وكان سقوطه عظيماً فتجرّد من بره وقداسته وأصبح مرذولاً ومرفوضاً وطرد من فردوسه إلى أرض الشقاء، حيث شعر أنّه بحاجة إلى مخلص عظيم يعادل اللّه تعالى اللامتناهي الذي إليه وجهت الخطية التي اقترفها الإنسان لكي يستطيع أن يغفر لهذا الإنسان خطيته. يقول آباء الكنيسة الميامين إن الإنسان بعدما أخطأ وتجرّد من النعمة نُحر حمل وديع في الفردوس لأن بدون سفك دم لا تحصل مغفرة لكي يخمد غضب اللّه على الإنسان ولو وقتياً. ومن جلد ذلك الحمل خاط اللّه قميصين لآدم وحواء ليسترهما لأنهما كانا قد تجرّدا من النعمة ومن البر وعرفا أنهما قد صارا عريانين. هناك رأينا أول حمل يُنحر ثم رأينا دم الحملان عبر الدهور والأجيال يُسفك كأنهار ولكن ذلك الدم لم يكن بإمكانه أن يغفر خطية الإنسان التي كانت موجّهة إلى اللّه اللامتناهي ولذلك رأينا الحملان تشير بكل قوتها إلى حمل كان لا بد أن يأتي ليحمل خطية العالم، إلى دم المسيح يسوع إلهنا غير المتناهي الذي في مثل هذا اليوم قدّم بإرادته هو نفسه ذبيحة كفارية لكي يغفر لنا ذنوبنا.

اتّشحت كنيستنا بالسواد، بعلامة الحزن والكآبة وهي تحتفل بمأساة الجلجلة، تحتفل باليوم الذي قدّم الحمل الإلهي ذاته طوعاً عنا جميعاً بل عن الأجيال كافة لتنال مغفرة خطية آدم ونسله. تتشح الكنيسة بالسواد أحبائي وفي الوقت ذاته نرى أنفسنا أمام مأساة إلهية. نرى اللّه الإله المتجسّد معلّقاً على الصليب ما بين الأرض والسماء. فالأرض رفضته لأنه وبّخ فريسييها وأنَّبَ كهنتها ونادى عليها بالويل والثبور فرفضته، والسماء لم تقبله ولئن كان هو ابن السماء لأنه جعل من نفسه خطية وهو المعصوم عن كل خطأ، واللّه يبغض الخطية ولئن كان يحب الخاطئ ويدعوه لكي يتوب ويعود إليه تعالى. عُلق الفادي الإلهي يسوع المسيح على الصليب فجمع ما بين السماء والأرض واعتبر الصليب بعد إتمام الفداء سلّماً يصعد عليه البشر التائبون إلى فردوس النعيم ثم إلى ملكوت اللّه.

مأساة الصليب أيها الأحباء تجعلنا ندين أنفسنا، فالمسيح يسوع الذي قبل أن يكون خطية عنا هو معصوم من كل خطأ وصار خطية لأجلنا لنصير نحن بر اللّه فيه على حد تعبير الرسول بولس (2كو 5: 21)، ويوحنا عندما كان الذين يأتون إليه ليعتمدوا ينصت جيداً إليهم وهم يعترفون بخطاياهم، وعندما جاء إليه يسوع ليعتمد اعترف يسوع بخطايا العالم كافة لذلك اعتبره يوحنا حملاً يحمل خطايا العالم. هو وحده يحلّ له أن يحمل تلك الخطايا بإرادته إذ كما كان الخاطئ بحسب شريعة موسى يأتي بحمل وديع ليقف ذلك الخاطئ أمام الكاهن ويضع يمينه على رأس الحمل ويعترف بخطاياه والكاهن يطلب من الرب لتنقل خطايا هذا الإنسان الخاطئ التائب إلى ذلك الحمل الوديع البريء، حينذاك ينحر ذلك الحمل أو يحرق لتحرق معه خطايا ذلك الخاطئ الذي كان المفروض أن يذبح ويحرق ولكن الحمل حمل خطاياه واحرق بدلاً منه، هكذا المسيح يسوع حمل خطايا كل العالم واعترف بها أمام يوحنا.  لذلك عندما رآه يوحنا بعد أن كان قد اعتمد عن البشرية كافة والروح هبط على هامته بشبه حمامة، قال: «هوذا حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم… أنا لم أكن أعرفه ولكن الذي أرسلني لأعمّد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمّد بالروح القدس» (يو 1: 29و33).

وفي اليوم التالي عندما كان يوحنا واقفاً هو واثنان من تلاميذه رأى يسوع ماشياً فأعلن شهادته عنه أنه حمل اللّه. كان لا بد أن يشهد يوحنا ليسوع لأن رسالة يوحنا كانت أنه جاء للشهادة للنور لم يكن يوحنا النور بل جاء ليشهد للنور. النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم هو يسوع المسيح حمل اللّه الذي رفع خطية العالم. هوذا حمل اللّه قال يوحنا، أنتم الذين انتظرتموه أجيالاً وأجيالاً، أنتم الذين رقدتم دون أن تنالوا المواعيد، لكنكم نظرتموها من بعيد على حد قول الرسول بولس وآمنتم، وآمنتم أنكم كنتم غرباء على هذه الأرض، أنتم جميعاً وحتى الأحياء منكم هلمّوا واسمعوا وانظروا، إنني أشير إلى الذي هو رجاء الأمم كافة، هوذا حمل اللّه الرافع خطايا العالم.

هذا الحمل الإلهي كان قد أشير إليه عبر الدهور والأجيال. رأينا كيف أن الوعد صار لإبراهيم الخليل أبي الآباء الذي كان اسمه أولاً أبرام يوم كان أباً لشعب واحد ثم دُعي ابراهيم أي أباً للشعوب وبنسله تتبارك جميع القبائل، هذا النسل ليس نسلاً جسدياً وإنما هو نسل إلهي، هو ابن اللّه المتجسّد الذي لم يرث الخطية ولكنه جاء ليصير خطية عنا ليغفر لنا خطايانا، إنه حمل اللّه.

ابراهيم رأى يومه وفرح، كان فرحه أولاً بابنه ابن الموعد، ولكن فرحه ذاك انتقل إلى حزن عميق عندما طلب اللّه منه أن يقدم ابنه ذبيحة. قال له اللّه تعالى: اسحق ابنك وحيدك الذي تحبه تقدمه ذبيحة لي في أحد الجبال بأرض المريا. هذا هو الرمز الأهم بالنسبة لذبيحة المسيح. فابراهيم يأخذ ابنه ويأخذ خادمه ويترك الخادم والحمار في أسفل الجبل ويصعد على الجبل هو وابنه بعد أن حمّل ابنه خشب المذبح الذي سيذبح عليه. هناك رأينا صورة وحيد الآب المسيح يسوع وهو يحمل صليبه الذي عُلق عليه نرى اسحق وقد حمل الخشب، وسمعناه يقول لأبيه: أبتاه المذبح مهيأ والسكين حاضر والنار أيضاً حاضرة، أين الذبيحة يا أبتاه؟ يقول له ابراهيم: بُنيَّ اللّه يعد له الذبيحة. وفي قمة الجبل ينصب ابراهيم المذبح مثلما سمح الآب السماوي أن يُهيَّأ الصليب لابنه الحبيب واسحق يبكي وينتحب يطلب إليه أن لا يقدمه ذبيحة، ثم يعصب إبراهيم عيني اسحق ويضعه على المذبح ويأخذ السكين لكي ينحره وإذا بملاك الرب يمسك بيد ابراهيم قائلاً له: لا تفعل شراً بالصبي إن اللّه عرف إيمانك وأنك لم تمسك عني ابنك وحيدك اسحق الذي تحبّه، ويلتفت ابراهيم ويرى كبشاً لا فقط حملاً. كبشاً وقد علّق بقرنيه على عوسجة.

أين وجدت العوسجة في ذلك الجبل الأجرد؟ من أين وجد الكبش؟ اللّه أعدّ ذلك فأخذ ابراهيم الكبش ونحره بدلاً من اسحق. الرب يقول لابراهيم أن ابنك لا يصلح أن يكون ذبيحة لأنه لا يصلح أن يغفر خطية آدم وخطايا البشرية إنما أعطيت الرمز لتعرف إنني سوف أقدّم ابني ذبيحة لمغفرة خطية العالم. وهذه الحقيقة أعلنها الإنجيل المقدس بقوله «هكذا أحبّ اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية»، وكأني به تعالى يقول لإبراهيم لقد أعطيتك مثلاً ورمزاً مشيراً إلى أن ابني الوحيد سيُنحر، سيُصلب، سيموت عن البشرية ليعطي الحياة لآدم ونسله، فالحمل بل الكبش أنقذ اسحق من الموت، ولكن الرب يسوع المسيح الإله المتجسّد حمل خطايا العالم وبموته خلّص العالم.

ونرى أيضاً حملاً آخر اعتبر بالنسبة لبني اسرائيل سبب خلاص لهم وخلاص لأبكارهم وهم في مصر إنه خروف الفصح. كان خروف الفصح أيها الأحباء الذي أمر موسى بحسب أمر اللّه تعالى أن يذبحه بنو اسرائيل ويمسحوا بدمه العتبة العليا والقائمتين من كل بيت من بيوتهم حتى إذا ما مرّ الملاك المهلِك الذي يُهلك أبكار المصريين أتباع فرعون يرى الدم، دم ذلك الحمل، ذلك الخروف، خروف الفصح، على بيوت العبرانيين فيعبر من ذلك البيت ولا يقتل إلاّ أبكار المصريين.

هذه صارت شريعةً وناموساً لبني اسرائيل حتى عندما آن الأوان وجاء ملء الزمان لكي يقدم اللّه الآب ابنه الوحيد فدية عن البشرية كان لا بدّ أن يكون خروف الفصح موجوداً في تلك الأيام. يوم الشعانين رأينا الرب يسوع يُستقبل بهتاف الأوصنا أي يا رب خلّص، وبذلك يطلبون منه أن يخلّصهم. يوم الشعانين رأينا حتى الأطفال والرضّع يستقبلونه في أورشليم عندما دخل المدينة بمجد عظيم ولكننا علينا أن نعرف السر: فيوم الشعانين كان العاشر من نيسان بحسب تقويم اليهود وفي ذلك اليوم لا بد أن تقدم كل خرفان الفصح ليفحصها الكهنة ويقرّروا إن كانت خالية من العيوب وإن كانت تستحق وتليق أن تقدم كخرفان الفصح أم لا، والمسيح الذي يقول عنه الرسول بولس: إنه فصحنا الجديد، المسيح فصحنا كما أن الفصح نقل بني اسرائيل من العبودية إلى الحرية، كما أن الفصح حرّر أولئك الناس، كذلك فصحنا المسيح يسوع كان لا بد أن يذبح ليحرّرنا من عبودية الشيطان والموت والخطية، وكان لا بدّ للكهنة أن يقرروا فيما إذا كان يصلح للذبح أم لا ورئيس الكهنة يومذاك قال عنه إنه يجب أن يموت واحد ويخلص الشعب. لم يكن يدري ما يقول ولم يكن يدري ما يفكر به ولكنه قالها بما أنه كان رئيس كهنة في تلك السنة كما يقول الإنجيل المقدس. إذاً يجب أن يموت المسيح ليحيا الشعب، يجب أن يموت المسيح حمل اللّه لكي يرفع خطية العالم.

ويوم الخميس أكل لآخر مرة الفصح الموسوي، بعدئذ غسل أقدام تلاميذه، هيّأهم ليكونوا مستعدين لأخذ الفصح الإلهي ليقدم لهم سر جسده ودمه الأقدسين قبل أن يقدم جسده باختياره إلى اليهود لكي يموت عن البشرية. ويوم الجمعة في مثل هذا اليوم جرت المأساة العظمى وقدّم المسيح يسوع نفسه للموت صلباً بعد أن حكم عليه بالموت أولاً من رؤساء اليهود الذين لم يكن يحق لهم أن ينفّذوا الحكم بالموت على أحد لأنهم تحت سلطة الرومان ولكن هم حكموا على المسيح بالموت ثم حكم عليه بيلاطس ليموت المسيح البريء بعد أن يُعذّب ويتحمّل آلاماً فظيعة جداً ليحمل صليبه ويأتي إلى الجلجلة، هناك رأيناه يسمَّر على العود، يتألّم ويتكلّم، رأيناه أيضاً يتعذّب كثيراً في سبيل البشرية. رأيناه حقاً حملاً وديعاً.

لنرجع بالروح إلى أسفار العهد القديم، ونقرأ أسفار الأنبياء لنرى الاصحاح الثالث والخمسين من سفر نبوة إشعياء الذي كتب قبل ميلاد السيد المسيح بالجسد بثمانية قرون كيف أنه يشرح بالتفصيل موكب آلام الرب يسوع وموته ودفنه بل أيضاً قيامته. نراه ـ يقول اشعياء ـ كشاة صامتة أمام جازّيها. تألّم ولكنه كان صامتاً. عندما لأول وهلة نقرأ هذا الاصحاح أيها الأحباء نظنّ أن أشعياء يكتب تقريراً عمّا حدث يوم صلب المسيح وموته، ولكننا عندما نعلم أنها نبوّة أعلنها إشعياء قبل مجيء الرب بالجسد بثمانية قرون نتأكّد أن كل خطوة من خطوات آلام المسيح كانت مقررة من السماء. كل شيء جرى بإرادته لأنه رغب في أن يكون وهو البريء من الخطية، خطية لأجلنا لنصير نحن بر اللّه فيه. هكذا تألّم الرب يسوع في مثل هذا اليوم أيها الأحباء وسفك دمه الطاهر لكي ينقّينا ويطهّرنا ويبرّرنا ويمحو صك الخطية ثم يقدّسنا لنصير أبناء للّه بالنعمة. واليوم ونحن نحتفل بذكرى هذه المأساة الأليمة نبكي وننتحب على ذنوبنا على خطايانا التي جعلت ابن اللّه القدوس أن ينزل من السماء، أن يلبس جسدنا، أن يتألم من أجلنا لكي ننال الفداء به.

إننا أيها الأحباء عندما نحتفل بمأساة الجلجلة نرى النعمة العظيمة التي أنعم بها علينا الرب، إنه سفك دمه لأجلنا إنه مات لكي نموت نحن عن الجسد ونحيا بالروح كما يقول آباؤنا وفي مقدمتهم مار اسحق السرياني القائل: «شوبؤرا دعدةا ؤنو دءلؤا مية بزقيفا إن فخر الكنيسة هو هذا أن اللّه مات على الصليب». الإله المتجسّد، اللّه بالجسد مات على الصليب. لو لم يكن يسوع المسيح الذي صُلب لأجلنا إلهاً لما غفرت خطايانا لأن الخطية كانت عظيمة وعظيمة جداً ولا يمكن أن تغفر وهي موجهة إلى اللّه تعالى غير المتناهي إلاّ أن تكون ذبيحتها الكفارية غير متناهية أي معادلة للّه تعالى بالذات لذلك تجسّد اللّه ومات عنا وبموته أحيانا. وليس هذا فقط بل أنعم علينا بسر القربان المقدس لكي نراه دائماً على مذابحنا، ذبيحة غير دموية تستمد قوتها من الذبيحة الإلهية الدموية من المسيح يسوع نفسه، من الذبيح الذي هو ابن اللّه. فاللّه تعالى قد أحبنا ولذلك لم يشفق على ابنه الوحيد بل بذله لكي نحيا نحن به.

فليعطنا الرب أحبائي أن نفتخر بأننا قد تبرّرنا وتقدّسنا بالمسيح يسوع، أن نشكر ربنا وإلهنا ونحيا له وبوساطته، لأنه أحياناً هو بموته لنموت نحن معه وإذ قام من بين الأموات لنحيا فيه ونقوم معه في جدّة الحياة كما يقول الرسول بولس: «مع المسيح صلبت لأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ». فبعد أن مات المسيح عنا ومنحنا الحياة علينا أن نحيا نحن للمسيح لكي يحيا المسيح فينا وبهذا يكون كل واحد منا وكل واحدة بقوة المسيح يسوع نعيش حياة طهر ونقاء وأخيراً نعود معه إلى ملكوته متنعمين معه إلى الأبد فهو الخروف الذي ذُبح لأجلنا ولكن سمات الصليب بقيت على يديه وقدميه وجنبه بل أيضاً وهو ذبيح حتى في السماء، يوحنا المعمدان رآه حمل اللّه الرافع خطايا العالم، ويوحنا الرائي رآه في السماء خروفاً مذبوحاً احتاطت به أرواح القديسين كافة فإذا كنا نشاء أن نكون مع أولئك القديسين فلنؤمن بذبيحة الصليب ولنسجد للصليب ولنؤمن أن المسيح فدانا بصليبه المقدس وأنه مات لأجلنا لنحيا نحن به.

بهذا فقط نكون قد أتممنا الشريعة الإلهية بتمسكنا بكل وصية من وصاياه، بهذا فقط نستحق أن نكون في عداد القديسين الذين يحتاطون به في السماء كما أعلن لنا يوحنا الرائي ونتنعّم معهم.

الحالة التي أتمناها لي ولكم أحبائي بنعمة ربنا يسوع المسيح آمين.

 

عيد القيامة

عيد القيامة

عيد القيامة (1)

أعمال الرسل (13: 26ـ 43)

1 كورنثوس (15: 20ـ 33)

مرقس (16: 1ـ 8)

 

عيد القيامة

«يقوم الله، يتبدد أعداؤه و يهرب مبغضوه من أمام وجهه»

        (مزمور68: 1)

يرى صاحب المزامير المعركة الطاحنة التي بُدِّلت أدوارها فوق أعالي الجلجلة. يرى الإله في يد أعدائه ويرى أعداء البشرية وكأنهم قد انتصروا على ربه. وكما يصور لنا هذه الحادثة أحد الآباء يرينا المسيح يسوع ليس معلقاً على الخشبة مائتاً وحسب، بل يربنا إياه في قبر صغير وقد دُحرِج الحجر وسدَّ ذلك القبر.ويرينا أعداء البشرية وأعداء الله في آن واحد وقد عقدوا جلسة فرحٍ وسرور على تلك الصخرة الكبيرة. هوذا الموت والشيطان والخطيئة، وقد تحالفوا بعضهم مع بعض وأعلنوا النصر على الإله والبشرية. هوذا إبليس الذي تقمص الحية في فردوس عدن وجعل الإنسان الأول أن يرضى ويغوى ويسقط، هوذا إبليس وقد تكدرت حياته بتجسد إبن الله لأنه أعلنه ساقطاً من السماء وهوذا الخطيئة التي كانت قد دخلت العالم وبالخطيئة الموت، الخطيئة التي كان ابن الله عدواً لدوداً لها، لأنه انتشل من بين يديها أناساً كثيرين، هدى الضالين، أدخل الخطاة إلى التوبة وأعطى التوبة للعالم أجمع. وهوذا الموت، الموت الذي دخل العالم بدخول الخطية. الموت بأنواعه الثلاثة. أعلن عليه النصر لأنه انتشل منه العديدين ولكنه هو مات أخيراً على العود.

يصف لنا أحد آباء الكنيسة هذا الحدث العظيم، ويرينا أولئك الأعداء الجالسين على صخرة كبيرة التي سدت باب قبر ربنا، يرينا إياهم في فجر الأحد، يرينا إياهم وقد دحرج الحجر وهشّم رؤوسهم فقد قام الله وتبدَّد أعداؤه وهرب مبغضوه من أمام وجهه، هذه قيامته كانت ضرورية جداً لإعلانه إلهاً من فوق، وهذه قيامته حقيقة أزلية أبديّة لا يستطيع أن ينكرها أحد، هذه قيامته رسالة لنا نحن المؤمنين بالقيامة. لأنها جعلت عقيدة أساسية للكنيسة المقدسة. فقيامته كانت ضرورية ولئن تبجح أعداؤه بأنهم إستطاعوا أن يستولوا عليه بأن يميتوه بالجسد ولكنه كان حياً بلاهوته وإن لاهوته لم يفارق جسده ولا روحه لحظة واحدة. فقيامته إذاً كانت ضرورية لأنه وقف يوماً بين الناس وقال متحدياً الموت «أنا هو القيامة والحياة ومن آمن بي وإن مات فسيحيا»، وقف أمام أموات وأنقذهم من موتهم وأعلن قوته الأزلية الأبدية وانتصاره على الموت والهاوية. ولذلك كان لابد أن يقوم في اليوم الثالث فهو الذي أعلن أمام اليهود قائلاً: «إنقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه بعد ثلاثة أيام». وعندما طلبوا منهم آية قال: «جيل شرير وفاسد يطلب آية ولا يُعطى إلا آية يونان النبي. فكما كان يونان ثلاثة أيام وثلاث ليال في جوف الحوت هكذا ينبغي أن يكون إبن الإنسان في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال». فالذي وقف بين الناس يعلن بأنه الله والذي أعلن عن نفسه أنه يسلَّم بيد رؤساء الكهنة والكتبة بيد اليهود ويقتلونه ولكنه في اليوم الثالث يقوم، والذي عندما تجلى على الجبل أمام تلاميذه وأعلن مجده الأبدي السرمدي قدامهم أوصاهم أن لا يقولوا ذلك لأحد حتى يقوم إبن الإنسان من بين الأموات. الذي أعلن هذه الأمور كلها، كان لابد حتماً أن يقوم من بين الأموات. لتكون كل تعاليمه وكل وصاياه وكل أوامره وكل نبواته صادقة حقيقية. وليكون هو حقاً إله وخالق الكائنات كافة، فكانت القيامة ضرورية جداً. كان لابد أن يقوم الله فيتبدد أعداؤه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه.

لقد ضُرِب كراعٍ فتبددت الخراف في يوم الجمعة، ولكنه عندما انتصر تبدد أعداؤه من أمام وجهه، واجتمع الرسل القديسون واجتمع تلاميذه وأعلنوا أنه قام حقاً قام.

هوذا القيامة أعلنت بلسان شهود كثيرين، بلسان أعدائه أولاً. فالحراس الذين كانوا أمام صليبه يتأملونه يتألم، الحراس الذين تأكدوا من موته وطعنوا جنبه بحربة، فجرى دم وماء معلناً أنه ميت بالجسد لكنه حي باللاهوت، هؤلاء الحراس الذين وضعوا لحراسة قبر إنسان ميت خاف منه اليهود أولئك الحراس أوكل إليهم أن يحرسوا قبراً مختوماً. أولئك الحراس كانوا أول الشهود لقيامة الفادي. فقد نزل ملاك من السماء ودحرج الحجر الكبير من أمام باب القبر الصغير. تدحرج الحجر وانبلج نور عظيم. أشرق النور في الظلمة و قام الفادي منتصراً على أعدائه لذلك كان أعداؤه ومن بينهم أولئك الحراس أول من شهد لقيامته. فقد ذهبوا إلى رؤساء الكهنة. كهنة اليهود وأعلنوا حقيقة القيامة ولكنهم إذ ارشوا بالفضة أعمت الفضة عيونهم كما تعمي وتغشي عيون الناس الذين يعبدونها دون الله في كل آن وآوان. ولذلك ولأن أعلنوا حقيقة القيامة لكنهم كأمم وثنيين كأناس غرباء عن التوراة والنبوات، جعلوا الفضة أول مكسب لهم، ولم يفكروا بالروح ولا بالروحيات، ولم يفكروا بالسماء ولا بالسماويات، خاصة إذ لاحظوا أن الكهنة ورؤساء الكهنة الذين إليهم أوكلت رعاية الشعب وهدايته. وقد وجدوا أولئك الناس ظانين أنهم مؤمنون وينكرون القيامة. لذلك عادت شهادة الحراس الكاذبة عليهم في يوم الدين لأن المسيح قد قام ولكنهم ولئن رأوه قائماً من بين الأموات ارتعبوا وفزعوا وخافوا ولم يؤمنوا. وكذلك كانت شهادتهم شهادة عن الكهنة ورؤساء الكهنة  الذين أعلنت لهم حقائق السماء ولكنهم أنكروها لأن قلوبهم كانت غليظة ونفوسهم ضالة ومضلة ولأنهم كانوا بعيدين عن الله.

قام الله ويقوم أيضاً ويتبدد جميع أعدائه من أمام وجهه. ولكن إذا تبدد الأعداء وهرب المبغضون فإن الأحباء والأصدقاء والتلاميذ والرسل لابد أن يجتمعوا فقد قام المسيح. هذه الحقيقة أعلنت للنسوة اللواتي كن آخر من رأى المسيح على الصليب مائتاً. اللواتي إنتحبن عليه. اللواتي رأين من واجبهن أن يقمن بما تقضيه الصداقة والتلمذة، فأخذن بحسب عادة اليهود، عطوراً وبخوراً وحنوطاً ليطيّبن الجسد في اليوم الثالث كما كان متبعاً لدى الأمة اليهودية، وكن مفتكرات وهن سائرات نحو ذلك القبر «من يدحرج لنا الحجر» ولكنهن رأين الحجر وقد دحرج والقبر وهو فارغ ورأين شاباً جالساً هناك في القبر بلباسه الأبيض يعلن لهن البشرى. إنه قد قام. إنكن تطلبن يسوع الناصري المصلوب ليس هو ههنا لأنه قد قام كما قال.

إن المرأة كانت السبب الأول في دخول الخطية بحسب تعليم التوراة فلذلك حق للمرأة أن تكون أول مبشرة بقيامة الفادي بأعلان الخلاص بالنصر على الخطيئة وعلى إبليس والموت. ولذلك حق لأولئك النسوة أن يحملن هذه البشارة إلى التلاميذ. ورأينا بطرس ويوحنا يأتيان إلى القبر الفارغ أيضاً، يأتي يوحنا أولاً ولكنه لا يدخل القبر. هذا الشاب الرعديد يخاف الموت. ويأتي بطرس وهو إنسان كهل، أكثر شجاعة من يوحنا في هذا الموقف ولإن رأيناه قبل يومين رعديداً خائفاً يهرب من أمام اليهود ورأينا يوحنا يقف حتى آخر لحظة من لحظات عمل الفداء على الصليب، يقف أمام صليب ربنا. ولكن هذه المرة رأينا بطرس ويوحنا أمام القبر الفارغ. يدخل بطرس ويتبعه يوحنا ويريان الأكفان وقد وضعت بإنتظام و ترتيب ويريان القبر فارغاً ويرجعان إلى التلاميذ. لقد قالت النسوة إنّ الرب أوصاهن أن يقلن للتلاميذ أن يسبقوه إلى الجليل كما قال. هذه شهادة التلاميذ وشهادة التلميذين بقيامة الفادي. فقد رأوا القبر فارغاً بل مريم المجدلية رأته وظنته حارس البستان ولكنه عندما نادها بصوته العذب، مريم، عرفته وسجدت إلى قدميه وقالت له بالعبرية «رابوني» يا سيدي، يا ربي، وأرسلها إلى التلاميذ أيضاً.

وظهر للتلاميذ أيضاً ظهر لهم في العلية، وتوما لم يكن معهم. ظهر لتلميذاي عمواس الذين كانا قد نسيا كل شيء عن قيامته. أليس من العجب العجاب أيها الأحباء أن أعداء ربنا لم ينسوا أنه قال: «أنه هو القيامة و الحياة»، وأنه يقتل ويموت ويقوم في اليوم الثالث ولذلك وضعوا حراساً على قبره، ولكن أصدقاءه أتباعه رسله نسوا هذه الحقيقة. فالتلميذ الخائن شنق نفسه والتلميذ الناكر عاد إلى عمله وتلميذا عمواس كانا في طريقهما إلى قريتهما، وتبدد التلاميذ ولكن في القيامة ظهر المسيح لهم جميعاً. ظهر مرات عديدة وبأشكال وبأوضاع عديدة، وبأماكن عديدة، ظهر على بحيرة طبرية وفي العلية وعلى الجبل في الجليل لأكثر من خمسمئة أخ، رأوه وسمعوه. وظهر أيضاً أمام التلاميذ وأكل وشرب أمامهم وظهر في العلية وتوما لم يكن مع التلاميذ وظهر ثانية في العلية وتوما كان معهم ومجد له الكل وتكلم معهم جميعهم. سجد له توما وقال: «ربي وإلهي»، أعلنوه رباً وإلهاً بل آمنوا به كما قال لهم عن نفسه بأنه رب وانه إله الكون. وحقيقة القيامة إذاً أعلنت من شهود هم أعداء للرب وأعلنت من شهود هم أصدقاء الرب وأولئك الشهود أصدقاء ربنا وتلاميذه، قدموا في سبيل إعلان هذه الحقيقة دماءهم ذكية على مذبح حبهم لربنا يسوع وهؤلاء الشهود كانوا صالحين فإنهم كانوا بسطاء، لا يعرفون الخداع، أكبرهم كان صياد سمك، أكبرهم هرب عند الصلب، وكان جباناً. ولكن لما أعلنت لهم حقيقة القيامة إنقلبوا إلى أبطال وأعلنوها أمام ملوك وأمم وبني إسرائيل. أعلنوها حقيقة صريحة. وضربوا السبت اليهودي وأعلنوا يوم القيامة عيداً مسيحياً هو يوم الأحد منذ ذلك الحين. إخترقوا السبت وأعلنوا الأمل. لأن السبت كان علامةً لبني إسرائيل لخلاصهم من مصر وعبوديتها كما قالت التوراة: إحفظ يوم السبت لتقدسه واذكر أن الرب عندما كنت عبداً في مصر أن الرب إلهك أخرجك بيده القوية، ولذلك ترك السبت وكان أخر سبت تتمسك به الكنيسة.

كنيسة اليهود والكنيسة المسيحية التي كان يمثلها الرسل، هذا السبت الذي نسميه سبت النور السبت الذي فيه استراح جسد فادينا في القبر. ولكننا إذ انتصرنا يوم الأحد ليس على مصر والمصريين وفرعون وعبوديته، بل على أعداء ربنا وأعداء البشرية، على إبليس على الشيطان على الخطيئة. لذلك أعلن يوم النصر عيداً لنا جميعاً، نعلنه ونتمسك به ونكرسه لعبادة الله. وهذه الحقيقة التاريخية تثبت أيضاً قيامة الفادي في فجر يوم الأحد. والكنيسة المقدسة أسست على الفادي القائم من بين الأموات، فلو مات المسيح وبقي في قبره الصغير لماتت المسيحية معه ودفنت معه وتركت إلى الأبد لكن المسيح قد قام وبقيامته قامت المسيحية، المسيح قد قام وبقيامته تبدد أعداؤه أيضاً اليهود والرومان في آن واحد، المسيح قد قام وإنتصر على هؤلاء الأعداء لا بقتلهم ولا بذمهم كما كان يفعل بنو إسرائيل الظالمون بل بتبشير قلوبهم وأفكارهم ونفوسهم بل بإخضاعهم لإرادته الربانية وشريعته الإلهية بتحويلهم من أناس أشرار إلى أبرار من أناس هالكين إلى أناس مخلصين بدمه الثمين. ولذلك عيد القيامة هو عيد قيامنا من خطيئتنا وانتصارنا على عدوّنا إبليس. وإذا كان عيد القيامة عيد تبدد أعداء ربنا فعلينا أن ننتصر لإلهنا في عيد قيامته أن نقوم معه في عيد قيامته من بين الأموات.

الأموات هم الناس الذين يتبعون الشر و يذهبون وراء إبليس، الذين هم أموات أدبياً في الخطيئة، ونحن إذ كنا معهم فإننا نسمع الرب يقول لاحد التلاميذ «دع الموتى يدفنون أمواتهم وتعال اتبعني»، فإن كنا قد قمنا مع المسيح علينا أن لا نسلك ونحن في فترة عيد القيامة أن لا نسلك كسائر البشر في حياة دنيوية صرفة لا تمت إلى الروح بشيء بل أن نكون قائمين مع المسيح منتصرين معه على أعدائه وأعدائنا أما إذا ساعدنا أولئك الأعداء أما إذا ذهبنا وراء الموت والخطيئة وإبليس فإننا نكون ضمن أعداء الرب لا سمح الله لا ضمن أقربائه. فإذا قام وسيقوم أيضاً في اليوم الأخير إذ قام في اليوم الثالث وصار باكورة الراقدين ويقوم أصدقاؤه، أتباعه، تلاميذه في اليوم الأخير عندما يناديهم يقومون قيامة الحياة أما أعداؤه الذين تبددوا فسيقومون في اليوم الأخير قيامة الموت إنهم محفوظون لجهنم و بئس المصير.

أسأل الله تعالى أن يجعل عيد القيامة هذا عيداً مباركاً عليكم أيها الأحباء تعيدونه في الحب والصحة والعافية واليقظة الروحية وأن يكون عيد القيامة سبب تجديد لحياتنا الروحية لنكون أعداء لأعداء المسيح وأصدقاء ربنا لنكون معه في اليوم الأخير يوم القيامة العامة ونملك معه في السماويات إلى الأبد ونعمته تشملكم إلى الأبد آمين.


عيد القيامة (2)

«لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات ليس هو ههنا لكنه قد قام كما قال»

على الصليب مات الإله المتجسد، مات حقاً مات. «بهذا تفتخر الكنيسة ـ قال مار إسحق السرياني ـ أن الإله مات على الصليب». تأكد أعداؤه من موته. حربة غاصت في جنبه، تدفق قلبه دماً و ماءً، إنه قد مات. وأخذ يوسف الرامي ونيقوديموس جسده الطاهر، ولفاه وحنطاه ووضعاه في قبرٍ جديدٍ منحوت من صخر، ودحرجا حجراً عظيماً على باب القبر. إنتهت مأساة الصليب، خاب أمل التلاميذ، هرب الرسل، إجتمعوا في العلية، وكأني بهم وقد خاب ظنهم وانقطع رجاؤهم، يعزي واحدهم الآخر. كان معلمنا رجلاً صالحاً، ظننا أنه يخلص الشعب من طغيان الرومان، ظننا أنه يعيد مملكة داود، ظننا أننا سنكون عظماء في مملكته، ولكنه قد مات. وجاء فجر يوم الأحد، وبحسب عادة اليهود كانت النساء يذهبن في اليوم الثالث إلى القبر ويدحرجن الحجر، ويحنطن الأجساد. وهكذا فعلت المريمات. في فجر الأحد، في فجر أول الاسبوع، ذهبت النسوة إلى القبر وهن يفتكرن في الطريق من يدحرج لهن الحجر، فقد كان الحجر كبيراً جداً. وقبل أن يصلن إلى القبر، تزلزلت الأرض فارتعبن ودُحرج الحجر عن باب القبر. وعندما وصلن إلى هناك نظرن، وإذا القبر فارغٌ، والأكفان موضوعة بإنتظام، وإذا بشابٍ لابسٍ ثياباً بيضاً يقول لهن «إني أعرف أنكنّ تطلبن يسوع الناصري، ليس هو ههنا إنه قد قام، إذهبن وقلن للتلاميذ لبطرس أن يسبقوه إلى الجليل هناك يراهم كما سبق وقال لهم».

عندما مات ربنا على الصليب أظلمت الشمس، وتزلزلت الأرض لأن العظيم سلم روحه بيد أبيه. وعندما عاد الروح إلى الجسد تزلزلت الأرض ثانيةً. فقد أكمل الجبار عمله في الهاوية، وأخرج نفوس أولئك الآباء والأنبياء الذين رقدوا على رجاء قيامته وعمله الخلاصي الذي يقوم به. لكن كان من المستحيل أن يبقى المسيح في قبره مائتاً. فلو بقي في قبره لدفنت معه ديانته، ولو بقي في قبره لما كان مسيحنا وإلهنا، فكان لابد أن يقوم من القبر منتصراً. ولد من عذراء، وعندما ولد كان قد أخذ جسداً كاملاً كثيفاً، أخذ كل شيء ماعدا الخطيئة. ولد من عذراء واحتفظ ببكارتها قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة، فهي دائمة البتولية. فولد ثانيةً من قبرٍ منحوتٍ جديدٍ. ولكن هذه الولادة الجديدة تختلف عن الولادة الأولى. وخرج من القبر والصخرة كانت على القبر، وأختام الرومان موجودة، والحراس يحرسون ذلك القبر لأنهم قد خضعوا لرؤساء الكهنة والكهنة ومن الرومان أيضاً ليحرسوا إنساناً ميتاً لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه حسب ظنهم. ولكن الرب العظيم عندما خرج من القبر، خرج بجسد لطيف روحاني. خرج والصخرة كانت لاتزال على القبر وأقدام الرومان الذليلة. ولكن بعد أن قام من القبر وليس في ذلك اعجوبة كما ولد من عذراء وبقي على بكارتها، فإن الجسم الكثيف لا يخترق الأشياء ولكن الجسم اللطيف، الجسم الروحاني، جسم المسيح بعد ان قام وعند قيامته من بين الأموات. وأجسادنا يوم القيامة بإمكانها أن تخترق الأشياء لأنها أجساد روحانية. وعندما قام المسيح من القبر، كانت الصخرة، الحجر الكبير كما يذكر الكتاب موضوعاً على فم القبر. ولكن عندما أتت النسوة، ولكي تبرهن السماء لسكان الأرض أن القبر فارغٌ وأن الأكفان موضوعة جانباً، وأن المسيح قام بقوته الذاتية، في ذلك كله نزل الملاك ودحرج الحجر من باب القبر. ولذلك كله قال الملاك للنسوة «انكنّ تطلبن يسوع الناصري، ليس هو ههنا. إنه قد قام كما قال».

قام حقاً قام. فارتعب الحراس وأخبروا رؤساء الكهنة والكهنة، الغلاظ الرقاب، القساة القلوب. الذين سنحت أمامهم فرصة ذهبية ليؤمنوا بالرب يسوع ليعودوا إليه تائبين، لينتكفوا عن الذي طعنوه وقتلوه، ولكنهم لم يؤمنوا بل رشوا أولئك الحراس. أعمت الفضة عيون الحراس. قالوا لهم قولوا إن تلاميذه قد جاؤوا وسرقوه ونحن نيام. وإذا سمع الخبر عند الوالي نخلصكم نحن من هذه المسألة. كيف يخطفه التلاميذ أيها الأحباء، والتلاميذ الجبناء كانوا قد هربوا من أمام وجه اليهود واختفوا في العلية. كيف يستطيع بطرس الذي أنكره ثلاث مرات أن يسرق جسداً مائتاً ولماذا؟. وكيف يستطيع يوحنا الذي وقف عن بعدٍ يتطلع إلى الصالبين ثم تقدّم إلى الصليب فأخذ مسؤولية الإعتناء بالعذراء. كيف يستطيع هؤلاء الرسل أن يسرقوا جسد الرب، وإن كانوا قد سرقوه هل يبشرون بإنسانٍ ميت. هل يقدمون أنفسهم شهداء في سبيل إنسانٍ ميت. لم يسرق التلاميذ جسد ربهم، إنهم نسوا في حزنهم والآمهم وخوفهم وفزعهم، نسوا حتى وعده لهم، أنه يموت بيد رؤساء الكهنة والكهنة وفي اليوم الثالث يقوم. لقد أخبر بطرس ويعقوب ويوحنا عندما تجلى في الجبل أن لا يخبروا أحداً بذلك حتى يقوم إبن الإنسان من بين الأموات. بل أيضاً عندما طلب منه اليهود آيةً قال: «جيلٌ شريرٌ وفاسد يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، فكما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، هكذا ينبغي أن يكون إبن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ». بل قال لهم أيضاً عن الهيكل أن يهدموه وهو يقيمه في ثلاثة أيام.

كل هذه الأمور نسيها التلاميذ من خوفهم. فجاءت النسوة تبشرن التلاميذ بأنه قد قام. وجاء بطرس وجاء يوحنا إلى القبر الفارغ. فتطلع يوحنا ولم يدخل وتقدم بطرس ودخل فتبعه يوحنا فرأوا القبر فارغاً. ورأوا الأكفان ملفوفةً بإنتظام والمنديل الذي كان على رأس الرب موضوعاً جانباً. فلو سُرِق الجسد لما تركت الأكفان، ولو سُرِق الجسد لما تُرِكَ القبر أيضاً مفتوحاً. ولكن القبر كان منحوتاً من صخرٍ فكان لا يمكن أن يُفتح من جانبٍ آخر إلا من الحجر الذي دُحرج عليه وأغلقه. وكان الحجر مختوماً بأختام المملكة الرومانية، والحراس هناك واقفون حذرون. لم يُسرق الجسد إذاً فقد قام المسيح حقاً قام. وظهر لمريم المجدلية فظنته البستاني. وعندما قال لها مريم عرفته وقالت رابوني، ربي وإلهي ومعلمي وسيدي. فقال لها لا تلمسيني، إذهبي وقولي لبطرس والتلاميذ ليسبقوني إلى الجليل. قام حقاً وظهر للتلاميذ ظهوراتٍ عديدة. أحصاها بعضهم فبلغت العشرين. وذُكر أكثرها فبلغت أربعة عشر ظهوراً. ظهر لأولئك التلاميذ في العلية وهم مجتمعون والأبواب مغلقة وتوما لم يكن معهم. وظهر لهم في العلية أيضاً والأبواب مغلقة وتوما كان معهم. وأراهم أثر المسامير في يديه وأثر الحربة في جنبه وقال لتوما كن مؤمناً ولا تتشكك. أي لأنك رأيتني آمنت، طوبى لمن لم يرَني ويؤمن. بل رأينا توما أيضاً يشهد بلاهوته قائلاً ربي وإلهي. ظهر المسيح لتلاميذه واجترح المعجزات ومن هذه المعجزات أنه أكل وشرب وهو كان ذا جسم روحاني. جسم لطيف لا يأكل ولا يشرب لأنه جسم القيامة. أكل وشرب وعلمهم وأعطاهم أوامره الإلهية بأن يذهبوا ويبشروا بإسمه، باسم الثالوث الأقدس في العالم كله وأن يعمدوا المؤمنين باسم الثالوث الأقدس أيضاً.

صعد إلى السماء أمامهم، إذاً قام حقاً قام. والتلاميذ انقلبوا يوم الخمسين من أناسٍ بسطاء إلى حكماء بالروح. من أناسٍ خائفين إلى أناسٍ شجعان. وفي خطابٍ واحدٍ أعلن فيه بطرس قيامة المسيح جذب إلى حظيرة المسيح ثلاثة الآف نفس. فهذه قيامة المسيح أعلنها شهودٌ صادقون، الرسل والتلاميذ الذين ظهر لهم. وأعلنها الرسول بولس الذي كان يناهض الكنيسة المقدسة. ولكنه إذ دعاه الرب، رأى الرب بالذات وسمع صوته فآمن بقيامته وأعلن أن تلك القيامة هي أساس العقيدة المسيحية. فلو لم يكن المسيح قد قام كما قال بولس، فباطل إيمانكم وباطلة كرازتنا أنتم بعد في خطاياكم. ولكن المسيح قد قام فإيمانكم صادقٌ، وخطاياكم قد زالت، لأن المسيح قد محاها في الصليب وأعلن نصرته بقيامته من بين الأموات. والرسول بولس الذي كتب إلى أهل كورنثوس رسالته سنة ثمانٍ وخمسين أعلن بأن الذين رأوا المسيح بعد قيامته بلغ عددهم الخمسمئة كان أكثرهم يوم ذاك حياً. فلو لم يكن الرسول صادقاً ولو لم يكن الرسل صادقين، لقامت قيامة اليهود، واعترضوا عليهم، ولأنكروا كل شيء وكل حقيقةٍ إلهية. ولكنهم لم يستطيعوا أن ينكروا قيامة المسيح وقالوا إنّ التلاميذ قد سرقوه. ولكنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا أباطيلهم وتزويراتهم. فالمسيح إذاً قد قام وشهود القيامة عديدون وهم صادقون لأنهم ختموا هذه الشهادة بدمائهم الذكية. والمسيح قد قام وقيامته أساس عقيدتنا المسيحية. وإن كنا نؤمن بأن المسيح قد قام، علينا أن نتمم وصية الرسول بولس أن نُدفن معه في المعمودية للموت. قد اعتمدنا إذاً ودفنا معه في المعمودية ولكن علينا أن نقوم معه في جدة الحياة. فالشهادة التي نقدمها عن قيامة الرب، نحن الذين بلغت إلينا الأزمنة الأخيرة، أن نتمسك بالإيمان بقيامة إلهنا. ونعلن هذا الإيمان لا بالقول فحسب بل بالأعمال الصالحة لكي نكون في جدة الحياة شهوداً للمسيح وقيامة المسيح لنستحق أن نقوم معه في اليوم الأخير ونملك معه إلى الأبد ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.


الموت والقيامة (3)

«وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلةٌ كرازتنا وباطلٌ أيضاً إيمانكم… أنتم بعد في خطاياكم… ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين»

   (1كو 15: 14 و17و20)

في ميدان دحض الآراء الباطلة التي كان ناكرو قيامة الأموات يبثونها بين الناس يفترض الرسول بولس افتراضاً مشؤوماً، ثم يستدرك استدراكاً منطقياً معقولاً وهو يربط عقيدة قيامة السيد المسيح من الأموات، بعقيدة القيامة العامة، ويعتبر الأولى أساساً للثانية، ويخرج بنتيجة حتمية، واضحة، هي أن المسيح قد قام من الأموات، وصار باكورة الراقدين، وفي المسيح سيقوم الأموات في اليوم الأخير.

ولاعجب فإنَّ قيامة المسيح من الأموات أهم عقائدنا المسيحية الراسخة، فلو تمكنت الهاوية من الاحتفاظ بجسده الطاهر مدفوناً في القبر الجديد، ولو استطاع الموت إبقاءه تحت سلطانه، لأصبحت المسيحية أثراً بعد عين. ولكن المسيح أمات الموت بموته، ودكَّ أركان الهاوية بنزوله إليها وأثبت صحة الحقائق التي أعلنها أمام الملأ: فهو ابن اللّه الوحيد، وهو والآب واحدٌ، ومن رآه فقد رأى الآب وهو الطريق والحق والحياة، وهو نور العالم، بل هو القيامة والحياة. من آمن به وإن مات فسيحيا. لذلك حقَّ للرسول بولس أن يكتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: «إن لم يكن المسيح قد قام فباطلٌ إيمانكم» «وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لاترى» (عب 11: 1) وهو الإقرار قلباً ولساناً مع الرسول بطرس وسائر الرسل، بأن الرب يسوع هو المسيح ابن اللّه الحي، وهو المخلص الذي انتظرته الشعوب، وفيه كملت نبوات الانبياء، وقد فدى البشرية بموته وقيامته. وهذا الإيمان هو لب الإنجيل المقدس والغاية القصوى من كتابته وإعلانه على حدّ قول الرسول يوحنا في إنجيله «أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن اللّه ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمه»(يو 20: 31).

أجل، إن قيامة المسيح هي الضمانة الوحيدة لنيل الحياة باسمه له المجد لأنها الوسيلة الفريدة لمغفرة الخطايا كقول الرسول بولس: «إن لم يكن المسيح قد قام.. أنتم بعد في خطاياكم»… فقيامته برهانٌ ساطعٌ على قبول الآب السماوي ذبيحته الإلهية كفّارة عن العالم، وبذلك غُفِرت الخطية التي تمخضت وولدت موتاً، ونلنا الحياة بالمسيح يسوع.

ولو لم يكنِ المسيح قد قام من الأموات لاعتبر مجرد إنسان صالحٍ استشهد كسائر القديسين في سبيل مبادئه الدينية السامية، ولكن قيامته أثبتت أنه حمل اللّه الرافع خطايا العالم «الذي أُسلِم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا»(رو 4: 25).

و«إن لم يكن المسيح قد قام من الأموات فباطلةٌ كرازتنا» يقول الرسول بولس، وليست كرازة الرسل باطلة بدون قيامة المسيح فحسب بل أيضاً باطلة كرازة الأنبياء الذين تنبّؤوا عن مجيئه ووصفوا بدقةٍ مراحل تدابيره الإلهية على الأرض. وباطلة كرازة تلاميذ الرسل ومعلمي الكنيسة وملافنتها بل أيضاً باطلة الكرازة الصامتة والناطقة للمؤمنين به في كل عصر ومصر.

ولكن الآن المسيح قد قام. فكرازة الرسل والأنبياء والآباء إذاً ليست باطلة بل صادقة وكان أولئك الرسل الأطهار شهود عيانٍ لقيامة الرب، وقد أعلنوا شهادتهم على رؤوس الأشهاد وختموها بدمائهم الزكية إذ قدَّموا أعناقهم للذبح في سبيل التمسك بالإيمان بالمسيح القائم من الأموات. وهؤلاء الرسل مشهودٌ لهم بالصدق والاستقامة والتقوى ومخافة الرب.

كان هؤلاء الرسل الأطهار قد دفنوا آمالهم وأمانيهم مع الرب يسوع في القبر الصغير وودّعوا، يوم الجمعة، رجاءهم إلى الأبد إذ تملكهم اليأس القاتل، وخيبة الأمل القاسية، وعادوا إلى المدينة حزانى خائفين، موصدين وراءهم أبواب العلية. ولكن في فجر يوم الأحد، انبلج النور من الظلمة، بقيامة المسيح يسوع من الأموات وظهر الرب لتلاميذه مرات عدة وفي أماكن شتى، وأكل وشرب معهم، وبعد أربعين يوماً أخذهم إلى جبل الزيتون، وانفرد عنهم ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم صعد إلى السماء، وبعد عشرة أيامٍ من صعوده أرسل إليهم الروح القدس، فحل عليهم في العلية بشبه ألسنة نارية… فانقلب أولئك الرجال البسطاء إلى رجالٍ حكماء، وصار أولئك الضعفاء الجبناء مملوئين شجاعة وبسالة وقوة، يعلنون شهادتهم الصادقة أمام القاصي والداني بجرأة فائقة. ولم يبالوا بالآلام التي تحملوها في سبيل إعلان حق المسيح يسوع والاعتراف بقيامته من الأموات.

فهذا بطرس زعيمهم يخطب يوم الخمسين في الجمهور الغفير الذي قدم المدينة المقدسة من كل فج عميق، مخاطباً اليهود قائلاً «يسوع الناصري رجلٌ قد تبرهن لكم من قبل اللّه بقوات وعجائب وآيات صنعها اللّه بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مُسلَّماً بمشورة اللّه المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه الذي أقامه اللّه ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يمسك منه… فيسوع هذا أقامه اللّه ونحن جميعاً شهود لذلك» (أع 2: 22 ـ 24 و32). فلما سمعوا نخسوا في قلوبهم وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة، فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس… فقبلوا كلامه بفرحٍ واعتمدوا وانضمَّ في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفسٍ(أع 2: 37 و38 و41).

أما الرسول بولس، الذي اضطهد كنيسة اللّه في بادئ الأمر فبعد أن ظهر له الرب يسوع بالقرب من دمشق، واختاره ليكون اناءً مختاراً، يكتب إلى أهل كورنثوس سنة سبعٍ وخمسين للميلاد قائلاً: «فإنني سلَّمت إليكم في الأول ماقبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا ثم للأثني عشر، وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باقٍ إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين، وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا… فسواءٌ أنا أم أولئك هكذا نكرز وهكذا آمنتم». ثم يردف الرسول بولس قائلاً: «وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم… ولكن الآن قد قام المسيح وصار باكورة الراقدين» (1كو 15: 3 و7 و11 و13 و20).

هذا مثال صادق لشهادة الرسل الأبرار على حقيقة قيامة المسيح من الأموات ويضاف إلى ذلك البراهين الطبيعية،وهي شهادات لاتحصى تنطق بصمتها على صحة حقيقة قيامة المسيح، من ذلك القبر الفارغ، والأكفان الملفوفة بانتظام، والمنديل الذي كان على رأسه، والحجر الكبير المدحرج عن باب القبر، والأرض التي تزلزلت، والنور الباهر الذي أشرق فأرعب الحراس وصاروا كالأموات. فالأرض والسماء شهدتا على قيامة الفادي من الأموات.

وكانت قيامة الرب من الأموات فريدة من نوعها: فقد قام بإرادته الذاتية وقدرته الإلهية، كما مات بمحض مشيئته، وقد قال عن نفسه: «لذلك يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضاً. وهذه الوصية قبلتها من أبي» (يو 10: 17 ـ 18).

وفي قيامته أعلن انتصاره المبين على أعداء البشرية الثلاثة: الموت والشيطان والخطية، وصار باكورة الراقدين، والباكورة هي أول كل شيء، وهي أيضاً كل فعلة لم يتقدمها مثلها، والمسيح هو أول من قام من الأموات قيامة حياة لا موت بعدها، كقول الرسول بولس: «عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لايموت أيضاً لايسود عليه الموت بعد» (رو 6: 9) فهو حيٌّ، وسيبقى حياً إلى الأبد، بل هو المحيي، لأنه القيامة والحياة ومن آمن به وإن مات فسيحيا، كما وعدنا له المجد، وإذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه فهو يكون بينهم. وقد قام بجسده الذي أخذه من العذراء مريم ولكن بعد أن صار جسداً ممجداً شفافاً لايخضع للعوامل المادية ولاتحجبه الحواجز.

لقد قام من الأموات، العديد من الناس قبل قيامة المسيح وبعدها. فالنبي إيليا أقام ابن أرملة صرفة صيدا(1مل 17: 22) والنبي اليشع أقام ابن المرأة الشونمية(1مل 4: 35) كما أن جثة رجلٍ ميت طرحت في قبر النبي اليشع فلما مسَّت هذه الجثة عظام النبي أليشع عاش الرجل وقام على رجليه(2مل 13: 21).

والرب يسوع ذاته قد أقام من الأموات، الفتاة ابنة يايرس (مر 5: 21 ـ 43) والشاب ابن أرملة نايين(لو 17: 11 ـ 17). ولعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيام (يو11:46). ولكن هؤلاء جميعاً وغيرهم ممن أقيموا بقوة إلهية إنما أقيموا بأجسادهم الترابية، وماتوا ثانيةً، أما يسوع المسيح ربنا فقد قام بارادته الذاتية، وبجسده الممجد وهو حيٌّ إلى الأبد. وليس هذا فقط بل أن قيامته صارت ميراثاً حقيقياً للذين دفنوا معه في المعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا يسلكون هم أيضاً في جدَّة الحياة(رو 6: 4). وبالتالي يرثون معه ملكوت أبيه السماوي كقول الرسول بولس: «لأنه إن كنا نؤمن أن المسيح مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم اللّه أيضاً معه»(1تس 4: 14).

فكما في آدم مات الجميع، كذلك في المسيح يحيا الجميع، فآدم كان نائباً عن الجنس البشري، وفي نيابته كان في معرض الربح والخسارة، فلما سقط في الخطية وحُكم عليه بالموت، دخل الموت إلى العالم وشمل الجنس البشري كلَّه، «فالجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله»(رو 3: 23). وقد ورثنا هذه الخطية بالولادة الشرعية الطبيعية من آدم.

كذلك المسيح يسوع ربنا صار نائباً لنا، وبديلاً عنا، وفدانا بدمه الكريم وذلك بسلطان إلهي وتدبير سماوي، بني على قصد اللّه ورحمته تعالى ففي المسيح نولد ميلاداً ثانياً روحياً من السماء ونصير ورثة لملكوت الآب السماوي.

كذلك يوصينا الرسول بولس «ألاَّ نحزن كثيراً على الراقدين بالرب كمن لا رجاء لهم»(1تي 4: 13).

فرجاؤنا بالمسيح أنه باكورة الراقدين، وأنه يدعو المؤمنين الصالحين لتتنعم أرواحهم معه في الفردوس، كما وعد اللص التائب وهو على الصليب قائلاً له: «الحق أقول لك اليوم تكون معي في الفردوس» (لو 23: 43). فالإنسان لايتلاشى بالموت، والموت هو انتقال من حالٍ إلى حال، وهو انفصال النفس عن الجسد، والنفس خالدة لاتموت لأنها نسمة من الله. وصاحب الجامعة يصف الموت قائلاً: «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى اللّه الذي أعطاها»(جا 12: 7).

فالذين رحلوا عنا، وسبقونا إلى الأبدية، إنما قد رحلوا من دار شقاءٍ فانية إلى دار هناء خالدة، وأرواحهم تتنعَّم مع المسيح، في الفردوس وتنتظر يوم القيامة العامة لتسمع صوت ابن اللّه فتقوم قيامة الحياة متحدة بأجسادها وحينذاك تملك مع المسيح، في ملكوت أبيه السماوي.

ولذلك تاق القديسون إلى الانتقال إلى السماء وسمعنا الرسول بولس يقول: «لي اشتياق أن أنطلق وأكون مع المسيح»(في 1: 23) وصاحب الرؤيا يعطي الطوبى للراقدين بالرب بقوله: «وسمعت صوتاً من السماء قائلاً لي: اكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم»(رؤ 14: 13).

أهَّلنا الرب الإله لنحيا كما يحق لإنجيله المقدس، بإيمان متين ثخين، ورجاءٍ وطيد، ومحبة صادقة. وأن نتزين بالأعمال الصالحة التي ستتبعنا إلى السماء، لنستحقَّ أن نسمع يوم القيامة العامة صوت ربنا يسوع ينادينا فتتحد أرواحنا بأجسادنا، ونقوم قيامة الحياة، ونرث معه ملكوت االسموات.

أعاد اللّه عليكم عيده المجيد باليمن والبركة، ووفقكم لتحتفلوا في ملكوت أبيكم بعيد القيامة العامة الذي لايزول ولايحول. ونعمته تشملكم آمين.


يوم الظفر (4)

«هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه»

(مز118: 24)

إنه يوم النصر والغلبة، يوم الخلاص والفداء. اليوم الذي تمَّ فيه الصلح بين الأرض والسماء، ونقض سياج العداوة.

يوم انبلج فيه شمس البر ممجداً وأنار الجالسين في الظلمة وفي ظلال الموت، وأُذيعت فيه بشرى قيامة الفادي من بين الأموات، وصارت هذه القيامة أساساً متيناً للدين المسيحي المبين. فحق للرسول بولس أن يقول:

«وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطلٌ أيضاً إيمانكم» (2كو 15: 14). فعلى أساس عقيدة قيامة المسيح قامت الكنيسة المقدسة. لذلك فأبواب الجحيم لن تقوى عليها. ولو استطاع القبر أن يضم جسد يسوع المصلوب إلى الأبد، لدفنت معه المسيحية، ووئدت في مهدها، وانتهت في بدئها وصارت أثراً بعد عين، ولكن المسيح لم ينزل إلى القبر ليمكث فيه إلى الأبد بل ليدفن الموت، ويدك أركان الهاوية ويقوم في اليوم الثالث ظافراً بالخطيئة منتصراً على ابليس، منادياً «اين شوكتك ياموتُ أين غلبتك ياهاوية» (اكو 15: 55). وقيامة المسيح التي جاءت بعد موته على الصليب ودفنه في القبر الجديد، جعلت الكنيسة تفتخر بصليب الرب وموته، وفي هذا الصدد يقول مار اسحق السرياني: «من دواعي فخر الكنيسة أنَّ اللّه مات على الصليب» ويقول الرسول: «أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم»(غلا 6: 14). فلو لم يكن المسيح قد قام من بين الأموات لشابه الآباء والأنبياء والأبرار والأتقياء الذين احتملوا المشقات في سبيل تبليغ رسالة اللّه للبشر وماتوا كسائر الناس، ولكن الرب يسوع المسيح لم يكن إنساناً بسيطاً بل هو الإله المتجسد، احتمل آلامه المحيية إرادياً وكان موته على الصليب ضرورياً لفداء البشرية، كما كانت قيامته من بين الأموات ضرورية لإثبات صدق رسالته الإلهية وصحة أقواله السامية وعجائبه الباهرة، وإتمام نبواته الصادقة وبالتالي لإقامة الدليل القاطع على قبول الآب السماوي ذبيحة الصليب فداء للبشرية.

فقد قال السيد المسيح عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا» (يو 11: 25) «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يو 14: 6) الذي رآني فقد رآى الآب (يو 14: 9) وقد أعلن نفسه أنه ماسيا المنتظر، فهو ابن اللّه بشهادة السماء، وهو المخلص الذي أرسله الآب إلى العالم، «وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل اللّه ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم» (يو 3: 14 ـ 17). فلو لم يقم من بين الأموات لكانت أقواله الإلهية هذه باطلة والعياذ بالله.

وكان لا بد أن يقوم من بين الأموات لتكون قيامته علامة واضحة على قبول الاله الآب عمل الكفارة الذي أتمه على الصليب، فكما هبطت النار من السماء في العهد القديم والتهمت الذبائح التي قدّمها بعض الآباء الأبرار دلالة على قبول اللّه إياها، هكذا أعلن الآب قبوله ذبيحة الصليب بإقامة ابنه الحبيب من بين الأموات.

كان السيد المسيح قد سبق فأنبأ تلاميذه وحتى أعداءه عن موته وقيامته، فعلى أثر تطهيره الهيكل من الصيارفة وباعة الحمام، «قال له اليهود أية آية ترينا حتى تفعل هذا، أجاب يسوع وقال لهم أنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه… فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع» (يو 2: 18 ـ 22). أما أعداؤه فحنقوا عليه وعيَّروه وهو على الصليب، فكانوا «يجدفون عليه وهم يهزّون رؤوسهم قائلين آه ياناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك وانزل عن الصليب» (مت 27: 40 ومر 15: 29 ـ 30).

كما سمعنا الرب يوبخهم مرة بقوله: «جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلاَّ آية يونان النبي: لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ» (مت 12: 39 و40) فيونان كان رمزاً للسيد المسيح، وقد آمن أهل نينوى بكرازته وتابوا، ولكن الصالبين لقساوة قلوبهم لم يؤمنوا بالآية العظيمة التي أعلنت لهم ألا وهي قيامة الرب العجيبة التي تقيم الدليل على صحة رسالته الخلاصية ولذلك فالرب يوبخهم بقوله: «رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا»(مت 12: 14).

وقد تجلى الرب يسوع مظهراً مجده الإلهي أمام ثلاثة من تلاميذه وبينما هم نازلون من الجبل أوصاهم قائلاً لاتعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات(مت 17: 9). كما عين لرسله الجليل مكاناً للقائه بهم بعد القيامة(مت 26: 32) وبعد أن كان قد أنبأهم عن آلامه وموته وقيامته.

أجل إن ضرورة قيامة الرب يسوع من الأموات تظهر أيضاً في مجريات حياته العجيبة على الأرض: فقد ولد من عذراء، وعاش بطهر ونقاء وجال يصنع في الأرض خيراً، ويعلم الناس طريق السماء، واجترح المعجزات الباهرة وحتى أنه انتشل من الموت ابنة ياييرس، والشاب ابن أرملة نايين، ولعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيام، فهل يمكن أن يكون الموت نهاية حياة شخص مثله؟ وهل يقوى القبر على أن يضمه إلى الأبد؟. كلا وألف كلا. فلو بقي ميتاً لما كان مسيحنا. لأن الكتاب يقول على لسانه: «أنا الحي» «لقد كنت ميتاً وها أنا حي إلى دهر الدهور»(رؤ 1: 18) ويقول صاحب المزامير: «لأنك لن تترك نفسي في الهاوية لن تدع تقيك يرى فساداً» (مز 16: 10 وأع 2: 27).

فالقدوس البار الذي لم يعرف خطية وقد صار خطية لأجلنا لنصير نحن بر اللّه فيه(2كو 5: 21) هو حمل اللّه الرافع خطايا العالم قد علق على الخشبة وعلق معه خطايانا، ودفن في القبر معه معاصينا، وقام في اليوم الثالث من بين الأموات وأقامنا معه، ومنحنا نعمة التبرير والتقديس والتبني. فهذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه.

أجل قام الرب من بين الأموات وخرج من القبر والحجر الكبير كان موضوعاً على باب القبر لايزال في مكانه. وأختام المملكة لم تثلم فكانت قيامته العجيبة من القبر العذراوي الجديد تماماً كولادته العجيبة من العذراء مريم وبعد أن قام وإذا زلزال شديد قد حدث لأن ملاك الرب نزل من السماء وأتى ودحرج الحجر وجلس عليه وكان منظره كالبرق وثوبه أبيض كالثلج فارتعد الحراس خوفاً وصاروا كالأموات (مت 28: 1 ـ 5) وكان ذلك في فجر يوم الأحد باكراً جداً. ثم جاءت النسوة ليعطرن الجسد بحسب العادة المتبعة يومذاك فوجدن الحجر الكبير قد دحرج عن باب القبر… وسمعن الملاك يبشرهن بقيامة الفادي قائلاً: «إنكن تطلبن يسوع الناصري الذي صلب، إنه قام، ليس هو ههنا فاذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل فترونه هناك كما قال لكم» (مت 28: 7) ويأتي بطرس ويوحنا فيجدان القبر فارغاً… وداخله الأكفان المرتبة بانتظام، والمنديل الذي كان على رأسه غير مطروح معها مطويّاً وحده في موضع آخر دلالة على التأني والهدوء وعدم العجلة أو الاسراع للخوف من الأعداء.

ثم ظهر يسوع القائم من بين الأموات. ظهر لمريم المجدلية.. ودعاها باسمها فعرفته، وقالت له (رابوني) أي يامعلم. وظهر لجماعة من النسوة عند القبر أيضاً، وظهر لتلميذي عماوس، وللتلاميذ في العلية والأبواب مغلقة ولم يكن توما معهم، وظهر لهم مرة أخرى وتوما معهم، وقال لتوما: «هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديَّ وهات يدك وضعها في جنبي ولاتكن غير مؤمن بل مؤمناً. أجاب توما وقال له ربي وإلهي» (يو 20: 26 ـ 29). أجل لقد مهَّدت لنا شكوك توما الطريق إلى الايمان فهذا هو المسيح الذي مات على الصليب قد قام من بين الأموات، هو عينه… رأى التلاميذ جراح الصليب ثابتة ظاهرة في يديه وجنبه… إنها الجراح الخالدة التي تؤكد أنه هو عينه ابن اللّه وابن الإنسان الإله المتجسد. الذي بإرادته بذل نفسه لخلاص البشرية ومات على الصليب ودفن وقام في اليوم الثالث منتصراً… وظهر مرات عدة، في أمكنة عديدة وأزمنة عديدة… في طريق جبل الجلجلة، وفي طريق عمَّاوس وفي العلية وعند بحيرة طبرية وأخيراً على جبل الزيتون.

ظهر في أزمنة مختلفة، صباحاً ومساءً، نهاراً وليلاً، وفي أيام متفرقة وأيام متتابعة.

ورآه أشخاص متفاوتو الثقافة والسن رجال ونساء كمريم المجدلية وبطرس ويوحنا وتلميذي عماوس والأحد عشر رسولاً كما ظهر لأكثر من خمسمائة أخ كان أغلبهم لايزال على قيد الحياة يوم كتب الرسول بولس رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس(15: 6) سنة سبع وخمسين للميلاد. وقد أكل الرب بعد قيامته وشرب أمام تلاميذه وكلمهم محققاً القيامة، ومثبتاً اياهم على الايمان به وأخيراً باركهم على جبل الزيتون بعد أربعين يوماً من قيامته، وصعد إلى السماء. ولكنه وعد أن يكون معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر(مت 28: 20) وحيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه فهناك يكون في وسطهم (مت18: 20) فهو اذاً حيّ إلى الأبد، وهو في السماء، وهو على الأرض، وفي كل مكان في آن واحد… هو خاصة في كنيسته المقدسة التي هي جسده السري وهو رأسها وكنيسته حيةٌ فيه، وحياتها وثباتها برهان قاطع على صدق قيامته من بين الأموات، فهو حي فيها فلن تتزعزع لذلك عندما ظهر لشاول الطرسوسي في طريق دمشق قال له، لماذا تضطهدني، معتبراً اضطهاد شاول لأتباع المسيح اضطهاداً للمسيح نفسه. وقد حوّل الرب شاول الذئب الخاطف إلى حمل وديع، وجعل منه الرسول بولس فيلسوف النصرانية المضطهد من أجل المسيح. المعلن حقيقة قيامة المسيح. وهكذا جرى للتلاميذ كافة حيث انقلبوا بعد القيامة من أناس متشككين ضعفاء بسطاء إلى رجال مؤمنين أشاوس شجعان حكماء يعترفون بالمسيح ببساطة أمام الملوك والرؤساء والعلماء ويختم أغلبهم شهادتهم بدمائهم الطاهرة النقية الزكية فانتشر الإيمان الراسخ بالمسيح الفادي القائم من بين الأموات في فجر يوم الأحد، واستبدل التلاميذ السبت اليهودي بالأحد المسيحي يوم القيامة العظيم يوم النصر والغلبة اليوم الذي صنعه الرب ليبتهج المؤمنون فيه ويفرحوا، لأنه ذكرى الخلاص، وبدء الرجاء الذي لايخيب.

أما الصالبون فكان يوم القيامة لهم يوم بؤس وشقاء، وخزي وعار فلما أخبرهم الحراس بحقيقة القيامة زادوا على شرهم شراً وعلى خطيتهم خطايا، ورَشَوا الحراس ظناً منهم أن بإمكانهم إخفاء نور الشمس في رابعة النهار، ولو أنهم رجعوا عن غيهم وتابوا إلى الرب لقبلهم الرب وغفر خطاياهم. أجل إن يوم القيامة يحمل للمؤمنين في هذه الحياة رسالة سامية يلخصها الرسول بولس. بقوله: «فدُفنّا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة»(رو 6: 4) «إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله»(كو 3: 1).

كما أن قيامة الفادي كشفت لنا عن حقيقة الخلود ويوم القيامة العامة، فالراقدون بالرب إنما يرقدون على رجاء يقظة أبدية ينالون فيها السعادة الأبدية لأن المسيح قد قام من الأموات وصار باكورة الراقدين (1كو 15: 20) وفي اليوم الأخير «تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة» (يو 5: 29).

حقاً لقد قام المسيح من بين الأموات «وأقامنا معه» (أف 2: 6). فلنسلك إذن في جدة الحياة، كي نحيا مع المسيح بل يحيا المسيح فينا لننال السعادة الأبدية، التي اكتسبها لنا بسري التجسد والفداء.

المسيح قام. حقاً قام. أعاد اللّه عليكم عيد قيامة الرب يسوع باليمن والبركة آمين.


حقيقة القيامة (5)

«ليس هو ههنا لكنه قام»

  (لوقا24: 5)

أمام القبر الفارغ، سمعنا السماء تعلن للأرض بشرى قيامة الفادي من بين الأموات.

كان ذلك قبل عشرين قرناً، لما حكم اليهود الظالمون، والرومان الضالون، على يسوع الناصري القدوس بالموت صلباً، وساموه صنوف العذاب من ضرب، وجلد، ولطم، وهزء، وسخرية، وأخيراً علقوه على العود خارج المدينة المقدسة، حيث سلّم روحه بيد أبيه السماوي، فانفصلت نفسه عن جسده، ومات، حقاً مات، ودفن في قبرٍ جديد منحوت من الصخر، دُحرج على بابه حجر كبير، ختمه اليهود والرومان بخاتم المملكة، وأقاموا عليه حراساً، وظنوا أنهم قد دفنوا مع المصلوب رسالة الخلاص التي أتى بها من السماء. ولكن خاب ظنهم، لأن الرب يسوع قد أمات الموت بموته، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث حياً ممجداً، «وأقامنا معه وأجلسنا معه في السموات» (أف 2: 6) فحق للسماء أن تذيع للبشرية بشرى الخلاص، أما القبر الفارغ الذي شع منه نور القيامة والحياة، وحق لرسله الأطهار، وتلاميذه الأبرار، أن ينقلوا هذه البشرى السارة إلى العالم أجمع، فهم شهود عيان صادقون. وفي طليعتهم أمه مريم، ومريم المجدلية، وبقية النسوة من الجليل اللواتي قبل أن يأتين إلى القبر باكراً في أول الأسبوع، كنَّ قد رافقن موكبه المؤلم يوم الجمعة، وشاهدنه جثة هامدة، بل ذهبن مع يوسف الرامي ونيقوديموس ومن ساعدهما في دفن جسده، ونظرن إلى القبر، وكيف وضع الجسد، وفي السبت استرحن حسب الوصية.

وفي هذه الاستراحة سرّ عجيب. فقد جاء في سفر التكوين أن الرب استراح في اليوم السابع (تك 2: 2) بعد أن خلق العالم في ستة أيام، وخلق الإنسان في اليوم السادس على صورته كمثاله فمنحه عقلاً يميّز بين الحق والباطل، وله قوة الابتكار والإبداع، وضميراً يعرفه الحلال من الحرام وروحاً كالملائكة. وخلقه في حالة البرّ والقداسة، ولكن الخطية مسخت صورة البرّ والقداسة في الإنسان، لذلك تجسد الإله ليعيد إلى الإنسان صورته الحقيقية، ويوم الجمعة العظيمة، اليوم السادس، فداه بدمه الكريم وجدد خلقته.

وفي اليوم السابع استراح الإله المتجسد من عمله، ويقول الإنجيل المقدس «لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً»(يو 19: 31) لأنه كان سبتاً وكان عيد الفصح أيضاً، والفصح هو ذكرى تحرر الشعب من عبودية بشرية. أما الفداء فهو خلاص الإنسان من نير عبودية الشيطان وإنقاذه من براثن الموت والخطية.

«وكان يوم ذلك السبت عظيماً» وكان الرب في تدابيره الإلهية على الأرض قد نقض السبت، ففي السبت شفى المرضى، ومنح البصر للمولود أعمى، «وقال للمخلع قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك» وعلمنا قائلاً: «إن السبت جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت، إذاً ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً»(مر 2: 27 و28) ونقض الرب السبت، وحلل عمل الخير فيه. لذلك ففي ذلك السبت العظيم قام بعمل عظيم حيث نزلت نفسه إلى الهاوية فكسر أغلالها، وحطم أقفالها، ودك أركانها، وأذاع بشرى الخلاص لآدم وحواء، والآباء والأنبياء، أولئك الذين رقدوا على رجاء مجيء ماسيا، وقال عنهم الكتاب: «في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدَّقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض»(عب 11: 13).

ففي استراحة الرب عمل جبار، ولاعجب فعمله مستمر، ألم يقل لليهود الذين أرادوا قتله على أثر شفاء المخلع يوم السبت، إن «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل» (يو 5: 17).

واستراح في ذلك اليوم أيضاً تلاميذ الرب الذين كانوا قد تركوا كل شيء وتبعوه، وكان الرب موضع أملهم الباسم، ورجائهم الذي لايخيب، ولكن بعد أن مات مصلوباً، دفنوا مع جسده الطاهر آمالهم وآمانيهم، وكادوا يعودون إلى حرفهم وأعمالهم التي كانوا يمارسونها قبل التعرف عليه، وبخوف ورعدة هربوا من أمام وجه أعدائه، وأغلقوا الأبواب على أنفسهم، واستراحوا في اليوم السابع.

وجاءت النسوة ليعطرن الجسد بحسب عادة اليهود، فوجدن الحجر الكبير قد دحرج عن باب القبر، وسمعن الملاك يبشرهن بقيامة الفادي قائلاً: «إنكن تطلبن يسوع الناصري الذي صلب، إنه قام، وليس هو ههنا، فاذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل فترونه هناك كما قال لكم»(مت 28: 7).

إنه قام. حقاً قام. وهل يعقل أن يبقى ذلك المصلوب ميتاً، وأن يرى جسده فساداً، وهو الذي قال عند قبر لعازر: «أنا هو القيامة والحياة»(يو 11: 25). وهو الذي أقام الموتى بكلمة من فيهِ!؟ إنه قام. حقاً قام. وقيامته تختلف عن قيامة الأشخاص الستة المذكورين في الكتاب المقدس الذين عادت إليهم الحياة بعد موتهم، ولكنهم ماتوا ثانية بعد قيامتهم من الموت وفسدت أجسادهم. أما الرب يسوع فقد قام من القبر ليبقى حياً إلى الأبد، وحق له أن يقول: «.. أنا هو الأول والآخر، والحي وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين آمين، ولي مفاتيح الهاوية والموت» (رؤ 1: 17 و18).

وكما قبل المسيح الموت بإرادته، كذلك قام من بين الأموات بإرادته، وقوته الذاتية الإلهية، كما كان قد قال عن نفسه «لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً‎»(يو 10: 18) وهكذا أعاد نفسه إلى جسده، لأن لاهوته لم يفارق جسده ولا نفسه لحظة واحدة ولذلك لم يرَ جسده فساداً. وقام وآثار جروحاته بادية في يديه ورجليه وجنبه، علامة محبة أبدية للبشرية. «لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16).

وأظهر الإبن الحبيب ذاته، بعد قيامته، لتلاميذه الأحباء، فامتلأت قلوبهم بهجة، وانقلب ضعفهم إلى قوة، وخوفهم إلى شجاعة، ويأسهم إلى أمل، إذ أكمل الرب وعده لهم قبل آلامه بقوله: «الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. ‎أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح… عندكم الآن حزن ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولاينزع أحد فرحكم منكم»(يو 16: 20 و22). أجل على أثر قيامة المسيح صار كل واحد من تلاميذه مسيحاً صغيراً، ويصفهم البشير لوقا بقوله: «بقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع، ونعمة عظيمة كانت على جميعهم»(أع 4: 33) فقد نالوا ثقة الرب الغالية فسلم إليهم رعاية أغنامه الناطقة. فبطرس مثلاً، بعدما أنكر سيده أمام جارية حقيرة، يوم الجمعة، وبكى وتاب، غفر له الرب، وأودع إليه قطيعه الحبيب قائلاً له: «إرعَ خرافي، إرعَ نعاجي، إرعَ كباشي، إتبعني». فصار بطرس راعياً لكنيسة الرب. فما أسمى رتبة الرعاية التي منحها الرب لبطرس وسائر الرسل، وما أروع الشهادة التي يقدمها بطرس عن قيامة الرب، قائلاً: «فيسوع هذا أقامه اللّه ونحن جميعاً شهود لذلك» (أع 2: 22). ولإقامة الدليل على صحة هذه الشهادة وصدقها قدم بطرس نفسه ذبيحة على مذبح محبة المسيح، وصلب منكس الرأس ليقوم مع المسيح.

هكذا جاهر التلاميذ بقيامة الفادي وختموا شهاداتهم بدمائهم الزكية، فقد شاهدوه حياً مرات عدة، بعد أن قام من بين الأموات، ولمسوه، وأكلوا وشربوا معه وكلموه واستمعوا إليه، فصار لهم رجاء لايخيب، وقدسوا يوم قيامته، وأجمعوا على استبدال يوم السبت اليهودي بيوم الأحد المسيحي، ليكون يوم راحة، ويوم عبادة، لأن فيه أكمل الفادي سر الفداء، وقام من بين الأموات.

وغدت عقيدة قيامة المسيح من بين الأموات أساس العقائد المسيحية كافة، لذلك فالرسول بولس يقول: «وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا، وباطل أيضاً إيمانكم» (1كو 15: 14). فقيامة المسيح من بين الأموات برهان قاطع ساطع على حقيقة قيامة المؤمنين لجدّة الحياة(رو 6: 4) فبطرس الذي أنكر سيده قام مع المسيح وعاد تائباً معلناً محبته للرب فصار راعي الخراف والنعاج والكباش، وتوما الذي هوى في وهدة الشكوك، قام مع المسيح، ونادى وهو ساجد له، «ربي وإلهي». وشاول الطرسوسي الذي اضطهد أتباع المسيح، قام مع المسيح، فصار الرسول بولس، الإناء المصطفى.

والكنيسة ككلٍ منذ فجر النصرانية، وحتى الآن وإلى الأبد، كانت ولاتزال وستبقى حية في المسيح الحي، وهي ولئن صلبت مرات عدة عبر الأجيال، وستصلب، ولكنها دائماً تقوم في اليوم الثالث مع فاديها الإلهي، فكل صلب وموت لديها يعقبهما قيامة وحياة. ولاينزع أحد فرحها منها، وهي تعمل عمل الرب بإحياء النفوس، فنور القيامة يضيء لها الطريق، فلا تخاف شراً ولو سارت في وادي ظلال الموت لأن المسيح الحي هو معها، حسب وعده لتلاميذه أن يبقى معهم دائماً إلى انقضاء الدهر.

أجل، إن قيامة المسيح هي الحجة الدامغة على صحة عقيدة القيامة العامة ويوم النشور. فقد كان المسيح قد أعلن أن اللّه هو إله أحياء لا إله أموات، وان الراقدين هم أحياء، وانهم «يكونون كملائكة اللّه في السماء»! وجاءت قيامته برهاناً واضحاً على حقيقة قيامة الموتى يوم يأتي ثانية، ولهذا فالرسول بولس يقول: «لأن المسيح قد قام من الأموات وصار باكورة الراقدين»(1كو 5: 20).

فلنسرعنَّ إلى قبر الفادي مع المريمات وسائر النساء القديسات، والتلاميذ الأطهار، فنرى بعين الروح القبر الفارغ الذي منه تنبعث حقيقة القيامة، ونسمع قول الملاك: «ليس هو ههنا لكنه قام» ولنعلن إيماننا بالمسيح القائم من بين الأموات فننال الخلاص، فيكون لنا المسيح في الضعف قوةً، وفي الضيق فرجاً، وفي الحزن تعزيةً، وفي اليأس رجاءً لايخيب، ولنكن كتلاميذ الرب وأتباعه المؤمنين شهوداً صادقين للقيامة، مبرهنين، بسيرتنا الفاضلة، على صدق شهادتنا، وحقيقة قيامتنا مع المسيح.

ملأ اللّه قلوبنا جميعاً ببهجة قيامته المجيدة، وأهلنا لنقوم في مجيئه الثاني قيامة الحياة مع الذين آمنوا به وعملوا الصالحات، لنرث معه ملكوت السموات.


السلام مع الله (6)

قال الرسول بولس: «فاذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع اللّه بربنا يسوع المسيح» (رو 5: 1) «الذي أُسلِمَ من أجل خطايانا، وأقيم لأجل تبريرنا» (رو 4: 25).

أحنى المسيح يسوع هامته المقدسة على الصليب، وسلم روحه الطاهرة بيد الآب السماوي، ومات. أجل مات ذاك الذي أحيا الموتى بقوته الإلهية، وشفى المرضى، وطهر البرص، وشدد ركب المقعدين، وفتح عيون العميان، وهدى الضالين إلى الطريق المستقيم، وأتى بالخطاة إلى التوبة، وتم فيه ما كتبه النبي أشعيا على لسانه قائلاً: «روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية» (لو 4: 18 واش 61: 61).

مات ذاك الذي تبعته الجموع الغفيرة من كل فج عميق لتستمع إلى تعاليمه السماوية السامية «لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة»(مت 7: 27) ففي عظته على الجبل قال لهم: «طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السموات… طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء اللّه يدعون» (مت 5: 3 و9).

ولم يكتف بهذا بل وضع القاعدة الذهبية لمعاملة الإنسان أخاه الإنسان قائلاً: «فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم أفعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء» (مت 7: 12).

فاذا تجرد الإنسان من أنانيته، وأحب ربه من كل قلبه وكل إرادته، وأحب قريبه كنفسه، فانه يستطيع أن يكمل وصية الرب هذه، بل يتوصل أيضاً إلى الكمال المسيحي باتمام أمر الرب القائل «أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات»(مت 5: 44 و45). ان الآب السماوي هو: «اللّه الذي بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا»(رو 5: 7 و8) هذه المحبة المضحية، التي لاتطلب مالنفسها بل ما للآخرين. المحبة التي تنقض سياج العنصرية البغيضة، وتهدم الفوارق المذهبية بين البشر، وتعلم الناس الإخاء المتبادل، لأنه «هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16).

لقد كان موت المسيح على الصليب ضروياً لخلاص الجنس البشري، كما نص قانون الايمان النيقاوي بقوله: «الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله، وصار انساناً وصلب عوضاً عنا في عهد بيلاطس البنطي تألم، ومات، ودفن، وقام في اليوم الثالث» ويقول الرسول بولس بهذا الصدد: «الذي أُسلِمَ من أجل خطايانا، وأقيم لأجل تبريرنا»(رو 4: 25).

فالسيد المسيح بموته كان بديلاً، أي أنه مات عوضاً عن البشرية، وكان موته ضرورياً ليفي عدل اللّه حقه، وليوفق مابين عدله تعالى ورحمته. وكان اختيارياً، أي بإرادته وإرادة أبيه السماوي. وهو الإله المتجسد البريء من العيوب، المعصوم من الخطأ، حلَّ محل الإنسان الخاطئ واحتمل الآلام بمحض إرادته نيابة عن هذا الإنسان، ومات على الصليب ليصالحنا مع أبيه السماوي على حد قول الرسول بولس «لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر اللّه فيه»(2كو 5: 21) و «المسيح افتدانا من لعنة الناموس اذ صار لعنة لأجلنا» (غلا 3: 13). وقال الرسول بطرس «الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا ونحيا للبر»(1بط 2: 24).

ولم يكن المسيح عاجزاً عن التخلص من أيدي أعدائه اليهود والرومان ولكن كان لابد أن يشرب كأس المنايا في سبيل خلاص الإنسان. وقد قال «كما إن ابن الإنسان لم يات ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مت 20: 28)

أجل مات المسيح، وانتهى آخر فصل من فصول مأساة الجلجلة بعد ظهر يوم الجمعة لما سلّم روحه بيد أبيه السماوي، وطعن في جنبه بحربة، فجرى منه دم وماء. وتأكد أعداؤه من موته التام.. وبإذن من بيلاطس الوالي، جاء يوسف الرامي ونيقوديموس وأنزلا جسده الطاهر من على الخشبة، وحنطاه وكفناه بكتان وبخور، وطيوب وعطور. ودفناه في القبر الجديد المنحوت في صخرة، ودحرج على باب القبر حجر كبير.. وبأمر بيلاطس وتلبية لطلب رؤساء كهنة اليهود، ختم القبر بأختام السلطة الرومانية. وأقيم الجند لحراسته، لأن أعداءه تذكروا بعد أن أماتوه بالجسد أنه قال إني أقوم بعد ثلاثة أيام، فضبطوا القبر بالختم، ووضعوا عليه الحراس (مت 27: 63 و66).

نعم مات المسيح على الصليب، ودفن في القبر الجديد، مات ذاك الذي صنع سوطاً من حبال وطرد من هيكل الرب الصيارفة وباعة الحمام، فقال له اليهود أية آية ترينا حتى تفعل هذا. أجاب يسوع وقال لهم: «أنقضوا هذا الهيكل. وفي ثلاثة أيام أقيمه، فقال اليهود في ست وأربعين سنة بُني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟ وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكّر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع»(يو 2: 18 ـ 22).

ففي فجر يوم الأحد، وقد جاءت النسوة إلى القبر ليعطرن الجسد، حسب العادة المتبعة يومئذ وجدن الحجر الكبير قد دحرج عن بابه. والأكفان موضوعة بانتظام، لاتدل على عجلة أو إسراع أو خوف أو فزع. ورأين داخل القبر ملاكاً قال لهن: «أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب قد قام ليس هو ههنا هوذا الموضع الذي وضعوه فيه» (مر 16: 6).

كان الفادي قد قام من بين الأموات، وخرج من القبر، على الرغم من وجود الحجر الكبير على بابه، وأشرق نوره الإلهي الباهر حول المكان كله، ثم جاء الملاك ودحرج الحجر الكبير من على باب القبر لتتيسر للنسوة والتلاميذ رؤية القبر الفارغ. وكانت الأرض قد تزلزلت فارتعب الحراس وسقطوا على وجوههم، وصاروا كالأموات… وذهبوا إلى المدينة وأخبروا سادتهم بأن المسيح قد قام… ولكن رؤساء كهنة اليهود قد قسَّوا قلوبهم، وضيّعوا الفرصة الذهبية للتوبة، والعودة إلى الله، والإيمان بالمسيح يسوع المنتظر. فَرَشَوا الحراس وسدوا بالفضة أفواههم فصمتت ألسنتهم ولم ينطقوا بالحق. والساكت عن الحق شيطان أخرس. بل انقلبوا إلى شهود زور كاذبين. ويل لهم في يوم الدين.

أما حقيقة قيامة السيد المسيح فهي واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، وهل يمكن حجز نور الشمس بغربال؟! فالمسيح قد قام. حقاً قام، وتم ماقاله النبي داود على لسانه «لأنك لن تترك نفسي في الهاوية، لن تدع تقيَّك يرى فساداً»(مز 16: 10 وأع 2: 27 و31) أجل قام المسيح من بين الأموات، وظهر للتلاميذ مرات عدة، وفي أماكن مختلفة، وقد ظهر في أحد هذه المرات لأكثر من خمسمائة منهم، فشاهدوه بعيونهم، ولمسوه بأيديهم، وسمعوه بآذانهم، وأكلوا وشربوا معه، وأكل وشرب معهم.

وقد ظهر يوم قيامته للمجدلية، وللنسوة، ولبطرس، وللتلميذين المسافرين إلى عماوس. وفي مساء ذلك اليوم بالذات كان التلاميذ مجتمعين في العلية خوفاً من اليهود، وقد أوصدوا الأبواب عليهم وأحكموا تقفيلها. وقلوبهم مضطربة هلعة، ونفوسهم قلقة خائفة. فظهر يسوع في وسطهم «وقال لهم السلام لكم»(يو 20: 19) ولئلا يظنوا أنه خيال، قدم لهم يديه، وأراهم رجليه وأثر الحربة في جنبه.. ففرح التلاميذ إذ عاينوا الرب، وازداد فرحهم بعبارة السلام التي فاه بها، وهو يعني كل حرف فيها…

إن هذا السلام هو خير ما تركه السيد المسيح لأتباعه، إنه اطمئنان القلب، وراحة الضمير، ورجاء لايخيب، وأمل باسم. فمهما كانت العواصف شديدة عنيفة، والسحب سوداء كثيفة، والصواعق مرعبة مخيفة، فنحن نحلق في أجواء الروح، والنفس مطمئنة لأن عناية الرب تشملنا، وعينه الساهرة ترعانا، ووعده الإلهي لنا يبعث السلام في قلوبنا، وقد قال: «وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة» (مت 10: 30) وأساس هذا السلام هو المصالحة مع الله، الغاية القصوى من تجسد الفادي. وعبارة السلام هذه أسمعتنا اياها السماء منذ أن بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بالحبل بيسوع، كما أنشدت الملائكة أنشودة السلام يوم ميلاد الفادي قائلة: «المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة»(لو 2: 14) وقبيل آلامه طمأن الرب تلاميذه المضطربين بعبارات السلام قائلاً: «سلاماً أترك لكم سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا»(يو 14:  27) والآن بعد قيامته أعطى السلام لتلاميذه ففرحت قلوبهم لأنهم عاينوا الرب.

ما أحوجنا اليوم، أيها الأحباء، إلى سلام المسيح ربنا. السلام المبني على أساس قيامته المجيدة من بين الأموات، ذلك أن القيامة هي الكفالة الراهنة للمواعيد التي قطعها الرب للعالم. فقد أنارت لنا قيامته طريق الحياة، وأثبتت لنا صدق وعده الإلهي الذي أعلنه بقوله: «أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد»(يو 11: 25 و16). فكما أن الموت أنواع ثلاثة، موت أدبي، وموت طبيعي، وموت أبدي، كذلك الحياة بالمسيح أنواع ثلاثة: حياة أدبية، حياة طبيعية، حياة أبدية. والمسيح بقيامته من بين الأموات وهب لنا نحن الذين دفنا معه بالمعمودية للموت أن نقوم معه ونسلك في جدة الحياة(رو 6: 4). كما وضّح لنا الرسول بولس. وهذه الحياة هي الحياة الأدبية، حياة الطهر والنقاء، والبر والقداسة «فإن سيرتنا نحن هي في السموات التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح»(في 3: 20). ومع المسيح انتصرنا على الموت الطبيعي ومعه يحق لنا أن نقول: أين شوكتك ياموت أين غلبتك ياهاوية» (1كو 15: 55 وهو 13: 14) فقد أبطلت قيامة المسيح من بين الأموات الموت، ومنحت البشرية النصر والغلبة، وملأت قلوبنا رجاء لا يخيب. وبرهنت على أن الموت الطبيعي ليس نهاية لحياتنا بل هناك حياة بعد الموت، وأننا بالموت الطبيعي ننتقل من حياة فانية زائلة، إلى حياة باقية خالدة، ومن بؤس وشقاء إلى سعادة وهناء، وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: «إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فاننا أشقى جميع الناس، ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين»(1كو 15: 19 و20).

إن بواكير الثمار التي كانت تقدم للرب تعد كوعد بحصاد قادم من نوعية جيدة. فقيامة المسيح أظهرت لنا ماستكون عليه أجسادنا المقامة بقوة المسيح في اليوم الأخير، كقول الرسول بولس: «الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده» (في 3: 21  و1يو 3: 2) أي على شكل جسده لما تجلى على الجبل أمام ثلاثة من تلاميذه، وهو شكل جسده بعد قيامته من بين الأموات.

والمسيح بعد قيامته لم يمت ثانية، ولن يموت أبداً بل هو حي إلى الأبد ويحيي الموتى بوساطة كنيسته المقدسة التي هي جسده السري، والتي هي حية فيه. وتأثيره في العالم، عبر الدهر، يبرهن على أنه حي، وقد وعد أن يكون معنا إلى انقضاء الدهر، وأن كنيسته ثابتة على صخرة الإيمان به، وأبواب الهاوية لن تقوى عليها، فلن تتزعزع أركانها مهما قسا الدهر عليها.

والمسيح مع كل فرد من المؤمنين وقد وعد قائلاً: «لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (مت 18: 10) وتلاميذ الرب يعلمون أنه لا قيامة بدون موت، ولا إكليل مجد بدون إكليل من شوك. لذلك عندما يقبلون المسيح المصلوب مخلصاً شخصياً لهم يصلبون معه ذواتهم ليحيوا لا هم بل المسيح يحيا فيهم على حد تعبير الرسول بولس. فاذا كانوا أمواتاً بالخطية كشاول الطرسوسي، فانهم سينالون الحياة بالمسيح فيصيرون كالرسول بولس آنية مختارة.

إن العديد من القديسين في السماء كانوا خطاة وعمياناً، لهم عيون ولايبصرون، ولكنهم لما آمنوا بالمسيح مخلص العالم تناثرت القشور التي كانت متلبدة على عيونهم، وأبصروا نور المسيح القائم من بين الأموات، وآمنوا به فنالوا نعمة التبرير والتقديس والتجديد والتبني، وصاروا أبناء اللّه بالنعمة وورثة لملكوته السماوي.

لنقم نحن أيضاً مع المسيح أيها الأحباء، لكي نراه بعين الروح ونسمعه جيداً يقول: «انظروا يديَّ ورجليَّ أنا هو»(لو 24: 33) إنه المخلص الذي أحبنا وهذه الجروحات أصابته من أجلنا فماذا قدمنا نحن لأجله؟.

لنفحص أيدينا وأرجلنا. هل عملت أيدينا أعمال الخير والصلاح، هل سلكت أقدامنا في طريق البر والاستقامة؟

لننصت جيداً فنسمع الرب يقول لنا «السلام لكم» فتمتلئ قلوبنا بالمحبة لله، وللقريب، ونكون بسلام مع الله، ومع أنفسنا، ومع القريب.

وعندما تأتي الساعة لنغادر هذه الفانية تكون نفوسنا مطمئنة، وأشواقنا إلى المسيح ملتهبة، كالرسول بولس الذي قال: «لي اشتياق أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذلك أفضل جداً» (في 1: 22 ـ 24) ولاغرو من ذلك فقد وعد الرب تلاميذه بقوله: «هاأنذا ماضٍ لأعدَّ لكم مكاناً… وحيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً معي» (يو 14: 3).

أهلنا الرب الإله جميعاً، لنعيِّد عيد قيامته هذا المقدس بالأفراح والمسرات. وعندما يحين موعد انتقالنا إليه، ونسير في وادي ظلال الموت، لانخاف شراً لأنه معنا، ينير لنا الهاوية بنوره، فنرقد بسلام، لأن أعيننا قد نظرت خلاصه كسمعان الشيخ. وحينما تأتي الساعة التي قال عنها الرب إن جميع من في القبور يسمعون فيها صوته فيخرج الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة. ليؤهلنا الرب أن نقوم قيامة الحياة لنملك معه إلى الأبد فنعيد عيد القيامة العامة بأفراح لاتزول ولاتحول، بنعمته تعالى آمين.

قيامة السيد المسيح وحياتنا الروحية (7)

«فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة»

    (رو 6: 4)

يقدم لنا الرسول بولس بهذه الآية الكريمة، الثمار الروحية الشهية التي يجتنيها المؤمنون من عمل الفداء، الذي أكمله الرب يسوع بموته المحيي على الصليب، وبقيامته المجيدة من الأموات ويبين الرسول أيضاً أن المعمودية التي نهج الرب طريقها بعماده من عبده يوحنا، وأعطاها للكنيسة سراً مقدساً يمنح المؤمنين بوساطته نعمة التبرير والتقديس والتبني، هذه المعمودية هي مثال لموت الرب يسوع وقيامته، وفيها تكمن قوة الفداء لذلك أمر الرب تلاميذه الأطهار قائلاً لهم: «إذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن»(مر 16: 15). وتعني كلمة اعتمد (عماذ) بالسريانية: غاص، وتوارى، كما تعني اصطبغ، واستحم، والطقس السرياني يوجب على الكاهن تغطيس المؤمن المقدم للعماد في جرن المعمودية ثلاث مرات اشارة إلى موت السيد المسيح ودفنه في القبر الجديد، وقيامته في اليوم الثالث ممجداً.

فالمؤمن المعتمد يموت مع المسيح، ليقوم معه، وينال نعمة الفداء بدم المسيح يسوع، وليولد ثانية من الماء والروح كقول الرب لنيقوديموس «الحق أقول لك إن كان أحد لايولد من الماء والروح لايقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو 3: 5). وبهذه الولادة يصير المؤمن إبناً للّه بالنعمة ووريثاً لملكوت السماء مع «الذين ولدوا ليس من دم ولامن مشيئة جسد ولامن مشيئة رجل بل من الله»(يو 1: 13)، على حد تعبير الرسول يوحنا في الإنجيل المقدس.

أجل إذ نحتفل اليوم بعيد قيامة الرب يسوع من الأموات لانحتفل فقط بذكرى حدث عجيب يعتبر من أهم أحداث التاريخ البشري، بل أيضاً نحيا القيامة المجيدة، شاعرين بقوتها الروحية التي تغمر كياننا، لأن المسيح المقام من الأموات هو حي فينا ومعنا وبيننا، يمنحنا الحياة الدائمة. وقد قال مرة «الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حاضرة حين يسمع الأموات صوت ابن اللّه والسامعون يحيون» (يو 5: 25).

بدأت تلك الساعة في بدء عمل السيد المسيح الفدائي في الجسد، وكملت بموته وقيامته وهي مستمرة إلى موعد مجيئه ثانية لدينونة العالم، فهو لايزال وسيبقى إلى الأبد يُسمِع صوته من خلال رسله، وكهنته، الحاملين بشارة إنجيله المقدس إلى العالم أجمع. فمن سمع كلام الرب وأطاعه خلص، إذ ينتقل من الموت إلى الحياة. وإنَّ كلمة الأموات في هذه الآية تعني الخطأة المذنبين الذين ماتوا بالآثام وصاروا تحت حكم الخطية، وهذه الحال ندعوها بالموت الروحي والأدبي، وهو انفصال الإنسان عن اللّه تعالى. كابتعاد آدم، الإنسان الأول، عن ربه بعدما أخطأ. وابتعاد الإبن الضال عن بيت أبيه، وتشرده في أرض الغربة، وتبذيره أموال أبيه في عمل الخطية. ولايتخلص الإنسان من هذا الموت، ولاتعود إليه الحياة، الابالعودة إلى الله، كما فعل الابن الشاطر. كانت الخطية قد تفشت في العالم، وقد أماتت قوى الإنسان الروحية يوم نادى الرب يسوع قائلاً: «تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن اللّه والسامعون يحيون» فقد رأى الرب الإنسان رازحاً تحت نير إبليس الثقيل، والخطية تقضّ عليه مضجعه. ولم يقو الآباء والأنبياء على انقاذه من وهدة آثامه وهوة خطاياه، وهؤلاء الآباء والأنبياء، ولئن أتوا بالشريعة الإلهية إلى الإنسان، ولكنهم عجزوا عن اتيان الإنسان إلى اللّه رب الشريعة.

لم تتمكن اليهودية بناموسها المكتوب، ودماء ذبائحها الحيوانية وتعاليم آبائها جميعاً، أن تخمد نار غضب اللّه على الإنسان الخاطئ، وأن تمنح هذا الإنسان المغفرة وتنقذه من الموت الروحي الأدبي «لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح اذاً مات بلا سبب» (غل 2: 21)يقول الرسول بولس.

كان رؤساء اليهود قد تعمقوا في دراسة الناموس وتفقهوا في الشريعة الموسوية، ولكنهم كانوا في الوقت ذاته يرتكبون الآثام التي ينهون غيرهم عنها. فلم يكن هناك تناغم بين مايبطنونه في ضمائرهم الفاسدة المنحرفة، وما يظهرونه من أعمال أمام الناس، لذلك قرَّعهم الرب يسوع بقوله: «ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. هكذا أنتم تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثماً» (مت 23: 27 و28).

أما الديانات الوثنية فقد كانت الطريق الممهدة للتمرغ في حمأة الفساد وكانت طقوسها ممارسات للرذيلة باسم الدين.

وهكذا مات الإنسان روحياً وأمسى فريسة  باردة لإبليس وجنده ينهشونها بنهم. ويصف لنا الرسول بولس في رسالته إلى رومية مابلغت اليه البشرية في عصره من الانحطاط بقوله: «وكما لم يستحسنوا أن يبقوا اللّه في معرفتهم أسلمهم اللّه إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لايليق، مملوئين من كل إثم وزنا وشر وطمع وخبث مشحونين حسداً وقتلا وخصاماً ومكراً وسوءاً، نمامين مفترين مبغضين للّه ثالبين متعظمين مدعين مبتدعين شروراً غير طائعين للوالدين. بلافهم ولاعهد ولاحنو ولارضى ولارحمة» (رو 1: 28 ـ 32).

في هذا العالم المشحون بالخطية أقام السيد المسيح من نفسه مثالاً حياً للفضيلة. فعاشر الخطاة، وجالس العشارين وقال: «لايحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لأني لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة»(مت 9: 13) وهو يدعو كل من يشعر بنفسه بأنه بحاجة إليه قائلاً: «تعالوا إلىَّ ياجميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري هين وحملي خفيف» (مت 11: 28 ـ 29). ولم يكتف بهذا بل أيضاً فدى البشرية بدمه الكريم بموته عنها على الصليب وبدفنه وقيامته في اليوم الثالث ممجداً.

لقد منحنا الرب يسوع بقيامته قيامة روحية من موت الخطية، وانتشلنا من وهدة الإثم والمعصية، ونقلنا من حال الخطية إلى حال البرِّ والقداسة، وأهَّلنا لنحيا حياةً روحية بسيرة صالحة وسريرة نقية، وانسجام تام بين ما نكنَّه وما نظهره من أفكار وأقوال وأعمال، وبينها جميعاً وبين ناموس اللّه الأدبي وشريعته الإلهية.

وللمسيح يسوع ربنا سلطان على مغفرة الخطايا، ويحق له أن يمنح الإنسان نعمة الحياة الروحية، ذلك أنه الإله القدير الذي لبس جسدنا وهو «مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية‎» (عب 4: 15) وبريء من أي إثم، وطاهر ونقي، وقدوس، ومثال للكمال كما يشهد له حتى أعداؤه.

من ذلك ان الفريسيين ورؤساء الكهنة اليهود أرسلوا مرة خدماً ليمسكوه بكلمة، فرجع هؤلاء إليهم قائلين: «لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان» (يو 7: 46) وإن بيلاطس الوالي بعد أن فحص يسوع قال لليهود: «إني بريء من دم هذا البار» (مت 27: 24).

وقد وُصف الرب يسوع بلغة البشر بأنه «جال يصنع خيراً»(أع 10: 38) وهو عمل وعلّم «وأما من عمل وعلَّم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السموات» (مت 5: 19) و «الأعمال التي عملها لايقدر أحد أن يعملها مالم يكن اللّه معه‎»(يو 3: 2) كما شهد عنه نيقوديموس أحد رؤساء اليهود. وسمعنا الرب ينادي على مسمع من أعدائه وأصدقائه، «من منكم يبكتني على خطية»(يو 8: 46) ولم يقو أحد أن يعترض على قوله لأنه كان بريئاً من كل خطية، ولم يوجد في فمه غش.

وكان تأثيره في الناس عظيماً، فقد دعا رسله وتلاميذه ليتبعوه، فتبعوه تاركين أهلهم وذويهم ودورهم وأملاكهم، وأعمالهم، وخطاياهم، ليتجردوا من كل شيء وليعيشوا معه وهو القائل: «للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه»(مت 8: 20).

أما تعاليمه السامية فهي الأجوبة الشافية لتساؤلات الإنسان عن اللّه تعالى الواحد الأحد، وخلقة الأكوان وماهية الإنسان ومصيره، وعلاقة الخالق بالمخلوقات. وقد سلطت تعاليمه الإلهية الأضواء على ماوراء القبر فملأت قلوب المؤمنين عزاء ويقيناً بأمور لاترى، وإيماناً متيناً ورجاء وطيداً بالسعادة الأبدية.

وقد قرن الرب يسوع تعاليمه السامية بالمعجزات الباهرات ليبرهن على صحتها، ويقيم الحجة على شرعية سلطانه الإلهي بكشف أسرار السماء وسن الشرائع الأدبية للناس ونهج طريق الحياة لهم. فسمعناه يعلّم بثقة حتى قال عنه اليهود «إنه يعلم كمن له سلطان وليس كالكتبة»(مت 7: 29).

فموعظته على الجبل تذكرنا بالشريعة التي أعطاها أبوه السماوي في النظام القديم على جبل سيناء، فالأخيرة كملت الأولى ولذلك قال: «لاتظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل» (مت 5: 17) فبعد أن يعطي الطوبى للمساكين بالروح والودعاء والرحماء وأنقياء القلب وصانعي السلام ولكل من يستحق الطوبى وملكوت الله، يعقد المقارنة ما بين الشريعة القديمة والشريعة الجديدة ويوجه أنظار الإنسان إلى الغاية من الشريعة مرتفعاً بأفكاره إلى مستوى النية والإرادة والفكر، فهو إذ يعالج القتل، وينهي الإنسان عن دوافعه أي عن الحقد، والبغضة، والغضب، ويحكم على النية والإرادة والأفكار ويقول: «قد سمعتم أنه قيل للأولين لاتقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقاً يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم» (مت 5: 21 و22).

وهكذا يكمل السيد المسيح الشريعة الأولى بالثانية، ويوجه أنظارنا لا إلى الحرف، فالحرف يقتل، ولكن إلى الروح الذي يحيي(2كو 3: 6) ولذلك لايريدنا أن نخدع بمظاهر البر التي كانت لدى الكتبة والفرّيسيين ويقول: «إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت الله»(مت 5: 17 ـ 20) وعنى بهذا البر، بر الأعمال والفرائض والتمسك بالحلال، وتجنب الحرام، الأمور التي كان أولئك القوم يدققون فيها شكلياً وظاهرياً. أما البر الذي يريدنا السيد المسيح أن نمارسه فهو بر الأعمال الصالحة المقترنة حتماً بالإيمان به. وهذا البر يستند إلى المحبة ويمس ضمير المؤمن وبذلك يزيد على بر الفريسيين وغيرهم لأنه برٌّ خالٍ من المراءاة.

ويضع الرب القاعدة الذهبية التي تحدد معاملة الإنسان لأخيه الإنسان قائلاً: «فكل ماتريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء»(مت 7: 12).

وكثيراً ماسمعنا الرب يردد في عظاته قوله «من له أذنان للسمع فليسمع»(مت 11: 5) إن العديد من الناس «لهم آذان ولايسمعون».

وفي مثل الزارع، يذكر الرب أن الزرع هو كلمة الله. وحيث أن صلاح الأرض يعرف بتجاوبها مع الزرع، كذلك صلاح الإنسان يظهر بسماع هذا الإنسان كلمة اللّه وتجاوبه معها فتنمو في قلبه، وفكره وعقله، وهكذا يولد ثانية من السماء.

لقد تجاوب شاول الطرسوسي مع كلمة اللّه لما خاطبه السيد المسيح من السماء. فآمن شاول، وولد ميلاداً روحياً من السماء، ودعي بولس رسول الأمم، والإناء المصطفى.

مرة جاء شاب إلى الرب يسوع وسأله عما ينبغي أن يفعله ليرث الحياة الأبدية، فأجابه الرب: «بع كل مالك ووزعه على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني». فلما سمع ذلك الشاب تلك الكلمات السامية ذهب حزيناً لأنه كان غنياً جداً (لو 18: 22 ـ 23) إذ أحب الظلمة أكثر من النور، صم أذنيه عن سماع كلام الرب واطاعته فبقي ميتاً روحياً.

وفي أواخر القرن الثالث سمع أنطونيوس كاهناً يتلو قول الرب للشاب الغني: «بع كل مالك ووزعه على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني» فاعتبر أنطونيوس الأمر موجهاً إليه فأطاعه وكرس نفسه للرب، وصار أبا الرهبان، وكوكب البرية.

إن ملايين الناس تسمع صوت الرب كل يوم، ولكن كم عدد الذين يطيعونه؟ لايكفي الإنسان أن يؤمن بوجود اللّه ايماناً نظرياً بل عليه أن يترجم إيمانه بالأعمال الصالحة، لذلك يقول الرسول يعقوب: «الإيمان بدون أعمال ميت»(يع 2: 26) «والديانة الطاهرة النقية عند اللّه الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم»(يع 1: 27) هذا مانتعلمه أيضاً من مثل السامري الصالح، المثل الذي ضربه الرب يسوع ليوضح لنا أنه يريد رحمة لا ذبيحة، وفيه نلمس عدم جدوى مافعله الكاهن في الهيكل طالما لم يشفق على أخيه الإنسان الساقط بين اللصوص وكذلك اللاوي يدان لعدم رحمته. أما السامري الصالح الذي كان غريب الجنس وكان رمزاً إلى السيد المسيح بالذات، فقد ترجم الدين بالعمل الصالح، عمل الرحمة والمحبة، فضمد جروح الساقط بين اللصوص واعتنى به وحمله على دابته وأتى به إلى فندق ودفع الأجرة عنه. فمن يسمع صوت السيد المسيح ويطيعه ينتقل حتماً من الخطية إلى حياة البر والقداسة، ويقوم مع المسيح في جدة الحياة، هذه هي الرسالة الحقيقية لقيامة السيد المسيح من الأموات بعد تقديمه نفسه فدية عن البشرية.

إنَّ حقيقة قيامة المسيح من الأموات ثابتة، ولاتحتاج إلى برهان بل هي الحجة الدامغة على إثبات ألوهته والعلامة الواضحة لحقيقة قيامة المؤمنين في اليوم الأخير. فالمسيح قد قام وقمنا معه. وكان رسله وتلاميذه والنسوة شهوداً صادقين على تلك القيامة. وقد أثبتوا صدق شهادتهم بأعمالهم الصالحة وبتقديم دمائهم في سبيل الإيمان بالمسيح يسوع.

فهل نحن أيضاً شهود لقيامة المسيح؟ إن شهادتنا الصادقة للمسيح القائم من الأموات لاتقبل مالم نقم معه في جدة الحياة، أي في الحياة الجديدة التي نحياها بعد أن كنا قد ولدنا ثانية من الماء والروح، ومن الروح والنار، فيصور فينا المسيح يسوع الذي خلقنا على شبهه كمثاله، وتفوح منا رائحة المسيح الذكية، بل أيضاً نصير رسالته المقروءة من الناس، «فقد دفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة»(رو 6: 4).

أعاد اللّه عليكم عيده المقدس باليمن والبركة ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.


رفيق الطريق (8)

«وإذا اثنان منهم كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قرية… عمواس»

(لوقا24: 13)

في فجر ذلك اليوم العظيم يوم قيامة الفادي من الأموات، كان الليل البهيم يرجع القهقرى، والنور الباهر يقتحم جحافل الظلمة بسرعة فائقة لينبلج عن صبح عجيب ينير الجالسين في الظلمة وظلال الموت.

كانت الشمس قد حجبت نورها في رابعة النهار يوم الجمعة لما سلم الرب يسوع روحه بيد أبيه السماوي وشرب بإرادته كأس الموت، موت الصليب المرير، ولكن في فجر الأحد كان لابد من أن يقوم من الأموات ممجداً ظافراً، ويرسل نوره الإلهي إلى المسكونة كلها فهو «شمس البر والشفاء بأجنحتها»(ملا 4: 2) كما وصفه النبي ملاخي. فلو لم يقم من الأموات لوُئدت رسالته السماوية في لحده، وتبدد تلاميذه وذهبوا أيدي سبا، فقد استولى عليهم اليأس وخيبة الأمل عندما رأوه ميتاً على الصليب، وتسرب الشك إلى قلوبهم بصدق من أنبأهم عن قيامته في فجر الأحد، ولم يؤمنوا حتى ظهر لهم يسوع ذاته فشاهدوه بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، ولمسوه بأيديهم. وشهدوا بأنه قام حقاً من الأموات وأيد أغلبهم شهاداتهم بسفك دمهم الطاهر في سبيله.

«لو لم يكن المسيح قد قام يقول الرسول بولس فباطلة كرازتنا وباطل إيمانكم ونوجد نحن أيضاً شهود زور لأننا شهدنا من جهة اللّه أنه أقام المسيح وهو لم يقمه… ولكن الآن المسيح قد قام وصار باكورة الراقدين» (1كو 5: 14 ـ 20).

إنَّ عدد شهود القيامة الصادقين الصدّيقين أكثر من خمسمائة شخص، وقد ظهر الرب لبعضهم منفردين وللآخرين مجتمعين في أماكن عديدة ويحدثنا البشير لوقا عن ظهوره له المجد لتلميذين من تلاميذه السبعين غادرا المدينة المقدسة بعد ظهر يوم القيامة المجيد، اسم أحدهما كليوبا، أما الثاني فهو على الأغلب لوقا ذاته. كان هذان التلميذان ذاهبين إلى قريتهما عمواس التي تبعد سبعة أميال عن المدينة المقدسة. وكانا كئيبين على سيدهما يسوع المسيح، ولم يتمكنا من التوفيق بين براءته من أي ذنب ونهايته المشؤومة على يد رؤساء الكهنة الذين أسلموه للموت، موت الصليب.

وفيما كان هذان التلميذان يتحاوران وهما ماشيان وإذا بالرب يسوع يقترب منهما ويسير معهما «وقد أمسكت عيونهما عن معرفته» وظناه إنساناً غريباً، ذلك أنه ظهر بعد قيامته بهيئات مختلفة، وعن ظهوره هذا بالذات كتب البشير مرقس قائلاً: «وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم وهما يمشيان منطلقين في البرية»(مر 16: 12).

وسألهما الرب يسوع قائلاً: «ماهذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسَين؟» فأجاب كليوبا وقال له: هل أنت متغرب وحدك في أورشليم ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيام؟ «فقال لهما يسوع وماهي؟ فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام اللّه وجميع الشعب كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه». ثم يظهر كليوبا خيبة أمله وقنوطه وهو يتكلم عن توقعات الشعب ورجائهم أن يسوع هو المنقذ المرسل من اللّه ليخلص الشعب، ومفهوم الخلاص لدى كليوبا ولدى معاصريه كان زمنياً لا روحياً، لذلك خاب ظنهم بموت المسيح، ويتابع كلامه قائلاً: و «لكن مع هذا كله، اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك».

أجل لم يعلن الرب يسوع ألوهته قبل قيامته من الأموات، إلا لبعض رسله الأطهار. ولما اعترف به بطرس أنه المسيح ابن اللّه الحي قال له يسوع «إنَّ لحماً ودماً لم يعلنا لك هذا بل أبي الذي في السموات» ثم أوصى تلاميذه «ألا يقولوا لأحد أنه المسيح» (مت 16: 15 ـ 20) وكذلك على أثر حادثة التجلي عندما كشف الرب النقاب عن جزءٍ من مجده الإلهي أمام ثلاثة من تلاميذه(مت 17: 9) قال لهم «لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات» (لو 24: 13 ـ 35) ولم يكونوا يفهمون ما معنى القيامة من الأموات. لذلك لا نلوم كليوبا وغيره إذا ما ساورتهم الشكوك بقيامته، ولم يؤمنوا حتى شاهدوه ولانستغرب قول كليوبا لرفيق الطريق «إنَّ بعض النساء منا حيّرننا إذ كنّ باكراً عند القبر ولما لم يجدن جسده أتين قائلات إنهن رأين منظر ملائكة قالوا إنه حي. ومضى قوم من الذين معنا إلى القبر فوجدوا هكذا كما قالت أيضاً النساء، وأما هو فلم يروه» (لو 24: 22 ـ 24). فكأنه يريد أن يقول إنني لا أؤمن بقيامته مالم أشاهده بأم عيني.

ويعلل الرسول يوحنا عدم تصديق التلاميذ نبأ القيامة سريعاً بقوله: «لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات»(يو 20: 9).

وجاء الآن دور رفيق الطريق الرب يسوع ليتكلم، فوبخ كليوبا ولوقا بكلمات صادرة عن قلبٍ محبٍ، يتألم لقلة إيمان تلاميذه، قائلاً لهما: «أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ماتكلم به الأنبياء. أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذه الآلام ويدخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب» (لو 24: 25). فالرب يسوع هو محور هذه الكتب التي ينطوي عليها الكتاب المقدس، عنه تنبأ الأنبياء، وفيه تمت نبواتهم بحذافيرها.

كان الرب، قبل آلامه قد أنبأ تلاميذه أنه مزمع أن يتحمل الآلام والموت وفي اليوم الثالث يقوم، واستشهد بما كتب في أسفار العهد القديم من ذلك قوله: «وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14). «لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ» (مت 12: 38 ـ 40).

والآن في لقائه مع تلميذيه هذين أخذ يفسر لهما بعض ما ورد عنه في كتب موسى والأنبياء. وماأكثر ما ورد عنه فيها من نبوات ورموز وإشارات، ففي سفر التكوين نقرأ ماكتب على لسان اللّه تعالى وهو يقول للحية: «وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه» (تك 3: 15) وما نسل المرأة الذي سحق رأس إبليس الحية الدهرية، إلا الرب يسوع الذي انفرد عن سائر البشر بولادته العجيبة من عذراء لم يعرفها رجل. وهو النسل الذي عناه الرب الإله بوعده لإبراهيم أبي الآباء بقوله: «ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض» (تك 22: 18) وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: «وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لايقول في الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح» (غل 3: 16).

ونقرأ في سفر أشعيا عن ميلاد الرب يسوع قول الوحي الإلهي: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (اش 7: 14)أما عن آلامه وموته الكفاري في سبيل فداء البشرية فيقول الوحي الإلهي في هذا السفر: «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها.. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا… والرب وضع عليه إثم جميعنا… ظُلِمَ أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه… سكب للموت نفسه وأُحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين» (اش 53).

أما سفر النبي دانيال فقد حدد الوحي الإلهي فيه موعد مجيء المخلص بقوله: «سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القديسين» (دا 9: 24).

وهكذا من خلال نبوات كهذه مدونة في أسفار العهد القديم ألقى الرب يسوع على إثنين من تلاميذه درساً خالداً في موضوع التجسد الإلهي والفداء، وهو ماشٍ معهما في طريق عمواس.

ولما وصلوا إلى قرية عمواس تظاهر الرب يسوع وكأنه ينوي مواصلة سفره إلى مكان أبعد، وشعر التلميذان بقوة هائلة تجذبهما إليه، فألحّا عليه ليمكث معهما قائلين له «أمكث معنا لأنه نحو المساء، وقد مال النهار» فدخل ليمكث معهما، وفيما كانا يظنان أنهما يستضيفان إنساناً غريباً، استضافا الرب يسوع ذاته.

ولما جلسوا على المائدة لتناول الطعام، أخذ هذا الغريب الخبز وبارك وكسر، فانفتحت أعين التلميذين وعرفاه أنه الرب يسوع، ثم اختفى عنهما حالاً.

لقد عرف التلميذان الرب عندما شاهدا أثر المسامير في يديه، كما كان للرب طريقة خاصة بمباركة الخبز وتقطيعه وتوزيعه.

إنَّ سرّ القربان المقدس هو علامة الشركة الروحية بين الرب يسوع وبين كل عضو في كنيسته، التي هي جسده السري، وهو رأسها. هذا مايؤكده الرسول بولس بقوله: «كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد» (1كو 19: 16 و17) فلما بارك الرب يسوع الخبز في عمواس، وكسره وناول التلميذين أعاد إليهما الشركة في كنيسته المقدسة بعدما كانا قد فقداها بانفصالهما عن رسل الرب، وبالشكوك التي ساورتهما في حقيقة قيامة الرب من الأموات.

وبعدما انفتحت أعينهما وعرفاه اختفى عنهما حالاً، ذلك أن جسده المقدس بعد القيامة كان جسداً روحانياً ممجداً ولئن كان جسداً حقيقياً كاملاً. وهو يشبه الجسد الممجد الذي ظهر فيه يوم تجلى على الجبل أمام ثلاثة من تلاميذه، وبهذا الجسد قام من الأموات وترك الأكفان وهي ملفوفة بانتظام، وكأن جسداً لا يزال داخلها كما غادر القبر وكان القبر مغلقاً ولم يحتج إلى فتحه ولا إلى من يدحرج الحجر بل أن أختام السلطة الرومانية التي كانت على باب القبر لم تنثلم، وهذه الأعجوبة تشبه أعجوبة ولادته من العذراء مريم فقد حافظ على بتوليتها عند الولادة وبعد الولادة. وهو بجسده الممجد بعد القيامة يكون حاضراً في أمكنة عديدة في آن واحد وفي الوقت ذاته لاتراه العين المجردة إلا متى شاء هو أن يُرى.

فبعدما سمح الرب أن تنفتح أعين تلميذيه ويعرفاه، واختفى عنهما، قاما حالاً وشدا الرحال وقفلا عائدين إلى المدينة المقدسة ليشاركا الرسل والتلاميذ فرحة المناداة بقيامة الفادي… سارا في طريق تحت جنح الظلام فقد أرخى الليل سدوله، ولكنهما لم يفزعا البتة لأنهما آمنا بأن يسوع كان ثالثهما ولئن لم يشاهداه بالعين المجردة فقد وعد أتباعه قائلاً: «لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (مت 8: 20).

ولما وصلا إلى المدينة المقدسة اجتمعا في العلية إلى الرسل الأحد عشر ومن كان معهم من التلاميذ سمعاهم يقولون إن الرب قام بالحقيقة من الأموات وظهر لسمعان(1كو 15: 5) فأخبرا الباقين بما حدث لهما في الطريق ولكن التلاميذ لم يصدقوهما(مر 16: 13) «وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلامٌ لكم» (لو 24: 36) فتحول الشك في قلوبهم إلى إيمان متين، وخيبة الأمل إلى رجاء وطيد، والحزن إلى فرحٍ، والخوف إلى شجاعة، والصمت إلى إعلان الشهادة بأن المسيح قد قام من الأموات وهو حيّ. وقد قال هو نفسه: «أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا»(يو 11: 25) «أنا هو الأول والآخر والحي وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين ولي مفاتيح الهاوية والموت» (رؤ 1: 17 و 18).

فما أسعدنا أيها الأحباء أن يكون إلهنا حياً. فبعد أن فدانا بدمه الكريم واشترانا لنفسه، وبررنا، وقدسنا، وأعاد إلينا نعمة التبني فصرنا أبناء لأبيه بالنعمة، يريدنا أن نكون في حظيرته المقدسة. أما إذا ابتعدنا عن دار الأبوة وبدّدنا نِعَمه الإلهية في الديار البعيدة كالإبن الضال… فهو ينتظرنا لنعود إليه بالتوبة كما فعل الإبن الشاطر ليعيد إلينا خاتم العهد، ويلبسنا الحلة الجديدة، ويذبح الكبش المسمن ويحتفل ويقول افرحوا معي لأن ابني هذا كان ضالاً فوُجِد وكان ميتاً فعاش.

إن إلهنا حي، وهوالراعي الصالح الذي يفتش عن الخروف الضال فإذا ما وجده يحمله على منكبيه ويعيده إلى حظيرة الخراف كما فعل بتلميذي عمواس.

وما أجمل مناجاة النبي داود للرب الإله في المزمور الثالث والعشرين حيث يقول: «الرب راعيَّ فلا يعوزني شيء… أيضاً إذا سرت في وادي ظلال الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معي».

فإلهنا معنا. عمانوئيل الذي تفسيره اللّه معنا. هو رفيق الطريق.

هو حي وبإمكاننا أن نحيا فيه، وله، ومعه، في حياتنا الجديدة بعد القيامة «فقد دُفنَّا معه بالمعمودية للموت فكما قام المسيح من الأموات كذلك نحن أيضاً نسلك في جدة الحياة»(الحياة الجديدة) لنستحق في اليوم الأخير عند سماع صوته أن نقوم قيامة الأحياء ونملك معه إلى الأبد.

ولتحلَّ بركة قيامته عليكم، أيها السامعون الكرام، في هذا اليوم المبارك ودائماً أبداً آمين.


طوبى للذين آمنوا ولم يروا (9)

«قال له يسوع لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين آمنوا ولم يروا»

      (يوحنا 20: 29)

ما أكثر البراهين الحسية، والحجج الدامغة، التي تثبت حقيقة قيامة رب المجد من بين الأموات. من ذلك القبر الفارغ، والأكفان الموضوعة في ترتيب ونظام، والحراس الهاربون فزعاً، والملائكة الموجودون داخل القبر الفارغ وخارجه والذين بشروا النسوة حاملات الطيب قائلين لهن: «لماذا تطلبن الحي بين الأموات، ليس هو ههنا لكنه قام»(لو24: 5 و6).

أجل، قام رب المجد، في فجر يوم الأحد، بقوته الإلهية الذاتية. وفي يوم قيامته أظهر ذاته، خمس مراتٍ، للمجدلية، وللنسوة حاملات الطيب، ولبطرس، وأخيراً في عشية ذلك اليوم، ظهر لتلاميذه الأطهار وهم مجتمعون في العلية، بسبب الخوف من اليهود، وكانت الأبواب مغلقة، فجاء يسوع نفسه ووقف في وسطهم وقال لهم: «سلام لكم، فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم رأوا روحاً»(لو 24: 36 و37).

كان التلاميذ، كسائر اليهود، يعتقدون بظهور الخيالات في الليل وتلك الخيالات بحسب معتقدهم هي أبالسة أو أرواح بشرية شريرة. ولكي يؤكد لهم الرب أنه هو، أراهم يديه ورجليه وجنبه وقال لهم: ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم… إني أنا هو جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب (لو 24: 38و39 ويو 20: 19 و20) وتم بذلك الوعد الإلهي لهم «سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولاينزع أحدٌ فرحكم منكم» (يو 16: 22).

ابتدأ الرب يسوع اجتماعه هذا بتلاميذه الأطهار بعبارة السلام، ليعيد إلى قلوبهم الحزينة المكلومة، البهجة والطمأنينة، فقد أشفق عليهم، ولم يوبخهم على تركهم إياه أوقات المحاكمة والصلب، وأكد لهم بأنه غفر لهم خطيتهم هذه. كما ثبَّت إيمانهم به، وجدد ثقته بهم، ودعوته إياهم لحمل رسالته الإلهية إلى العالم أجمع، وبذلك أعاد اليهم رتبة الرسولية ومنحهم سلطان حل الخطايا وربطها بقوله: كما أرسلني الآب أرسلكم أنا، ولما قال هذا نفخ فيهم وقال لهم: «اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت» (يو 20: 19 ـ 22) فقد دُفع إليه كل سلطان في السماء والأرض، بانتصاره على أعداء البشرية: الشيطان، والموت، والخطية. وحق له أن يرسل تلاميذه إلى العالم، لينشروا بشارة السلام والخلاص والفداء، ويحملوا إلى المؤمنين نعم التبرير والتقديس والتبنّي.

إن جند السماء ظهروا يوم ميلاد الفادي مسبحين اللّه وقائلين: «المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة» (لو 2: 13 و14). ولكن يوم قيامته من الأموات أقام هو بذاته هذا السلام بين السماء والأرض، بقبول السماء ذبيحته الكفارية المقدمة لأبيه السماوي فدية عن البشرية.

فما أعظم النعمة الإلهية التي نالها التلاميذ بظهور الرب لهم بعد قيامته، ومنحه إياهم هذا السلام الروحي. أما توما أحد الأثني عشر فلم يكن معهم حين جاء يسوع إلى العلية في المرة الأولى بعد قيامته. فقال له التلاميذ الآخرون: قد رأينا الرب، فقال لهم «إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه لا أؤمن» (يو 20: 24 و25).

لقد حُرم توما السلام الداخلي، واضطربت نفسه، وتبلبلت أفكاره، لفقده مشاهدة الرب القائم من بين الأموات والذي أحبه كثيراً. لذلك أصر على طلب البرهان الحسي، ولم يقبل شهادة رفقائه. فأساء إليهم بشكه في صدقهم واستقامتهم، كما أساء إلى الرب يسوع الذي كان قد أنبأ تلاميذه متنبئاً عن آلامه، وموته، وقيامته قبل وقوعها. وأملت كبرياء توما عليه عبارته القاسية المشهورة وهي: «إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه لاأؤمن».

لقد أخطأ توما بالتشبث بالبرهان الحسي الملموس، وبالإصرار على الإنكار. وبموقفه هذا ابتعد كثيراً عن معنى الإيمان ومفهومه العام، فالإيمان، كما يصفه الكتاب المقدس، هو «الثقة بما يرجى والإيقان بأمورٍ لاترى» (عب 11: 1) وإن البراهين الحسية مهما كثرت وتنوعت لايمكن أن تقنع الإنسان المشاكس المتشبث برأيه، المعجب بنفسه، وهذه البراهين لاتقوى على تطهير قلب الإنسان من أشواك الشكوك وفتح كوة في ذلك القلب المظلم ليدخل النور الإلهي إليه فيساعده على تقبل الحقائق الإلهية التي لايدركها العقل البشري.

كانت البراهين الحسية كافيةً وافية لإثبات قيامة الرب ولكن الجند الذين أقامهم رؤساء الكهنة لحراسة قبره، والذين أعلنوا نبأ القيامة لأسيادهم، أعمت الفضة بصائرهم، وأماتت ضمائرهم وانقلبوا من شهودٍ للقيامة، إلى شهود زور ضدها. وبذلك منعوا النور الإلهي من الولوج إلى قلوبهم، فقد «أحبوا الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة» (يو 3: 19) فهلكوا كما هلك أسيادهم من رؤساء الكهنة اليهود وغيرهم، إذ لم يؤمنوا بالمسيح يسوع مخلصاً انتظرته الشعوب، وتمت فيه نبوات أنبيائهم.

أما توما، فلئن ساورته الشكوك، وعرف بالتلميذ المشكك، فقد كان الشك لديه الطريق إلى الإيمان، لذلك لم يترك رفقاءه التلاميذ طيلة الأيام الثمانية التي تلت ظهور الرب لتلاميذه في العلية عشية يوم القيامة وكانت تلك الأيام لدى توما أطول من عام، وكان خلالها كريشة في مهب الريح قلقاً، واضطراباً، وهو يمثل الإنسان المرتاب بحقائق الإيمان، والذي قد تهوي به شكوكه إلى درك هوة الكفر والإلحاد. أما إذا افتقدته النعمة الإلهية كما افتقدت توما فينال الخلاص ويرتفع إلى قمة الإيمان… فبعد ثمانية أيام كان التلاميذ أيضاً داخلاً في العلية. وتوما معهم، وجاء يسوع، والأبواب مغلقة، ووقف في الوسط وقال، سلام لكم، ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديَّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً» (يو 20: 26 ـ 27). لقد عَظُمَت رحمة اللّه على توما رغم مشاكسة توما وقسوة عدم إيمانه، وتنازل الفادي الإلهي مظهراً محبته له، وشفقته وفتش عنه كما يفتش الراعي الصالح عن الخروف الضال ولما وجده حمله على منكبيه وأتى به إلى حظيرة الخراف. إن الرب يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون، فهو يفتقدنا في حالة السقوط في الشكوك، وإذا ما تجاوبنا مع رحمته الإلهية خلّصنا كتوما. فقد تجاوب توما مع النعمة الإلهية. وانقلب الشكّ لديه إلى إيمان متين، لذلك طرح نفسه جاثياً عند قدمَيْ يسوع تائباً نادماً على خطيته العظمى، مناجياً الرب يسوع قائلاً «ربّي وإلهي» ويعاتبه الربّ عتاباً ودّياً بقوله: «لأنك رأيتني يا توما، آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا» (يو 20: 29).

كان توما موحداً كسائر التلاميذ، ويعرف أنه مكتوب «للرب إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد» (مت 4: 10 ولو 4: 8). وبسجوده للرب يسوع يعلن اعترافه به إلهاً متجسداّ. والرسول بولس يقول: «لكي تجثوَ باسم يسوع كلّ ركبة ممّن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترفَ كلُّ لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد اللّه الآب» (في 2: 10و11). وكان صاحب المزامير قد تنبّأ عن قيامة يسوع وصعوده إلى السماء بقوله: «قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضَعَ أعداءك موطئاً لقدميك»(مز 110: 1) إن لفظة (الرب) هي أحد الأسماء الإلهية التي أُطلقت على الرب يسوع والتي لا يمكن أن يُلّقب بها إنسان أو ملاك. كما أُطلقت على الرب يسوع أيضاً صفة الألوهة. فالرسول بولس يقول: «وبالإجماع عظيم هو سر التقوى اللّه ظهر في الجسد، تبَرَّر في الروح، تراءى لملائكة كُرز به بين الأمم، أُومِنَ به في العالم، رُفِعَ في المجد» (1تي 3: 16). ويقول الرسول بولس أيضاً لكهنة أفسس: «احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة اللّه التي اقتناها بدمه»(أع 20: 28). لذلك حُقَّ للرسول توما أن يجثوَ عند قدمي يسوع مناجياً إياه قائلاً: «ربّي وإلهي». وهكذا يعترف توما بلاهوت السيد المسيح ويؤيد وحدة المسيح الطبيعية والأقنومية، فهو يرى إنساناً، ويرى جروحاً وقد يكون لمس تلك الجروح المقدسة، ويدعو الشخص رباً وإلهاً.

وهكذا انقلب الشكُّ لدى توما إلى إيمان ثابت وطيد. بل غدت شكوكه سبيلاً سوياً يؤدّي بالباحث المدقق إلى معرفة الحقيقة. وهكذا أيضاً أتى إيمان توما بملايين البشر إلى الإيمان بالمسيح يسوع الذي قدّم نفسه على الصليب فدية عن خطية العالم. كما صارت شكوكه التي عقبها الإيمان سبباً لإعطاء الطوبى «للذين آمنوا بالرب يسوع ولئن لم يروه»(يو 20: 29) هذا التطويب هو نصيب كلّ مَن صدَّق الحقائق الإنجيلية، وآمن بما تسلمته الكنيسة المقدسة من الآباء القديسين، من عقيدة سمحة وتعليم شريف تسلّموه بدورهم من الرسل الأطهار الذين أخذوه من الرب يسوع مباشرة، وبهذا الصدد يكتب الرسول بطرس عن الرب قائلاً: «يسوع المسيح الذي وإن لم تَرَوْه تُحبُّونه. ذلك وإن كنتم لا تَرَوْنه الآن لكنْ تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يُنطَقُ به ومجيد. نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس» (1بط 1: 8). ليس هذا الإيمان مجرد أمر عقلي، بل هو الثقة القلبية بيسوع المسيح مخلصنا، ولا يكون هذا الإيمان تصوّراً عارضاً بل هو هبة السماء الإلهية التي تثبت في قلب المؤمن وتلازمه سائر أيام حياته، ومنه ينبثق الرجاء المسيحي المؤسّس على مواعيد اللّه تعالى، فنحن إذ نتطلّع إلى السماء لنرى المسيح جالساً عن يمين العظمة كما رآه اسطيفانس، نترجّى الحياة الأبدية التي وعد بها قديسيه وننتظر مجيئه الثاني فهو مخلّصنا وهو الألف والياء، والأول والآخر، الحي وكان ميتاً وهو حي إلى الأبد، وسيأتي في اليوم الأخير ليأخذنا إليه، لذلك ننتظر برجاء وطيد موعد القيامة العامة حيث سنلبس الجسد الممجّد، الذي هو على شبه جسد المسيح الممجّد.

أجل إنَّ التشكيك بحقائق العقيدة السمحة، يُعَدّ علامة تمرد ومعصية وخطية. كما إنَّ التسليم بالإيمان هو ثمرة البر والقداسة ومخافة اللّه. وإنّ الإيمان العامل بالمحبة هو الإيمان الحي الذي يحوّل الخاطئ إلى بارّ وهذا الإيمان قد جعل من بطرس الجبان، رسولاً شجاعاً، فبعد أن حلّ الروح القدس عليه، وعلى رفقائه، شهدوا لقيامة الرب من بين الأموات جهراً، ووبّخوا الكهنة ورؤساء الكهنة، على جريمتهم الشنعاء بصلب الرب يسوع وأعلنوا أنّ الرب قام من بين الأموات ممجّداً. وهذا الإيمان بالذات حوّل شاول الطرسوسي الذئب الخاطف الشرس الذي كان يلغ بدم أتباع المسيح، حوّله إلى حمل وديع، وجعل منه الرسول بولس الإناء المصطفى الذي تحمّل صنوف العذاب في سبيل إعلان حقيقة قيامة المسيح من بين الأموات. بل استشهد أيضاَ مع الرسول بطرس خاتمين شهادتهما بدمهما الطاهر.

إن حضور الرب في قلوبنا، بحلول الروح القدس علينا خير مرشد لنا إلى الإيمان بقيامة الفادي من بين الأموات، ونحن نقبل بالإيمان شهادة الرسل الصادقة، وما تسلّمناه منهم عن طريق الكنيسة من حقائق إيمانية، وبذلك نستحق التطويب الذي أعطاه الرب للذين آمنوا ولم يروا. وننبذ كل تعليم غريب عن روح الكتاب المقدس، وتقليد الآباء القديسين، لأن الشكوك التي يزرعها الملحدون كالزؤان الفاسد بين الحنطة الجيدة، وكالأشواك القاسية بين بذور الإيمان الصالحة، هذه الشكوك هي من عمل إبليس الذي شكّك في البدء أبوينا الأولَيْن بصدق كلام اللّه تعالى فسقطا بالمعصية. فلنؤمن بالرب يسوع، الإله المتجسّد، الذي فدانا بدمه الثمين ومات من أجلنا ومن أجل خلاصنا وقام من بين الأموات وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماء، وقد وعد أن يمنح من يؤمن به حياة أبدية. فلنعلننَّّ هذا الإيمان بمحبتنا إياه من كل قلبنا وكل فكرنا وكل إرادتنا مسلّمين له حياتنا، عائشين كما يحق لإنجيله المقدس، بإطاعة وصاياه الإلهية.

وفي هذا اليوم المبارك، عيد قيامة الرب يسوع من بين الأموات، لنتضرّع إليه كي يُنعم علينا بالدخول إلى قلوبنا ولئن كانت مداخلها موصدة، كما دخل إلى العلية وأبوابها مغلقة. وأن يهبنا السلام الروحي الذي وهبه تلاميذه الأطهار، وأن يلهمنا لنقتدي بالرسول توما بالسجود له بالروح والحق معترفين به ربّاً، وإلهاً. طارحين عند قدميه كلّ ما يساورنا من شكوك فيما لا تدركه عقولنا من العقائد الدينية، لنستحق التطويب الذي أعطاه الرب «للذين آمنوا ولم يرّوا».

وأن يعيد عليكم عيد قيامته المجيدة باليمن والبركة آمين.

وعند فجر أول الأسبوع… قام (10)

عند فجر أول الأسبوع، أحد أيام شهر نيسان أجمل الشهور، أشرق نورٌ باهرٌ من قبر يسوع الناصري القدوس، فقد قام المصلوب حياً، وغادر القبر المغلق دون أن يثلم أختام المملكة، فتزلزلت الأرض، وظهرت الملائكة، وأعلنت البشارة على لسان أحد النورانيين قائلاً للنسوة: «لماذا تطلبن الحي بين الأموات، ليس هو ههنا لكنه قام»(لو 24: 5 و6)، عند فجر أول الأسبوع قام من بين الأموات المسيح «الذي أُسلم لأجل زلاتنا وأقيم لأجل تبريرنا»(رو 4: 25). فقد أسلم نفسه للموت بإرادته لأجل افتداء البشرية، وقام بقوته الذاتية الإلهية، ليبقى حياً إلى الأبد (رو 6: 9) وهو القائل على لسان صاحب الرؤيا: «أنا هو الأول والآخر، والحي، وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين آمين» (رؤ 1: 17 و18).

في فجر يوم الأحد قام المسيح من بين الأموات، وعُدّت قيامته الحدث التاريخي الفريد من نوعه، فلم يسبقه مثيل ولن يكون له شبيه، وأعطت قيامته المجيدة مجداً وقدسية ليوم الأحد، فدعي يوم الرب، ولذلك تحتفل الكنيسة المقدسة يوم الأحد من كل أسبوع بذكرى قيامة الفادي، علاوة على احتفالها السنوي بهذه الذكرى المقدسة، لأن قيامة الرب من بين الأموات تعد أساس العقائد المسيحية، وتبرهن على سمو رسالة المسيح الإلهية رسالة الفداء وقبول ذبيحته الكفارية عن البشرية، وصدق الحقائق السامية التي أعلنها عن نفسه، فهو ابن الله الحي، وهو والآب السماوي واحدٌ، ومن رآه فقد رأى الآب وهو القيامة والحياة بل هو الطريق والحق والحياة.

وكان الله تعالى قد مهد بوساطة النبوءات لتتقبل عقول البشر الحقائق الإلهية التي تفوق إدراكهم. فكان أنبياء النظام القديم، قد تنبؤوا عن مجيء السيد المسيح بالجسد، عن ولادته من عذراء، وآلامه المحيية، وقيامته المجيدة من بين الأموات. وقد تمت نبوءاتهم الصادقة بحذافيرها في الزمان والمكان والظروف المحددة فيها، فعن قيامته تنبأ النبي داود قائلاً: «يقوم الله. يتبدد أعداؤه، ويهرب مبغضوه من أمام وجهه. كما يُذرى الدخان تذريهم. كما يذوب الشمع قدام النار يبيد الأشرار قدام الله والصديقون يفرحون» (مز 68: 1 ـ 3). كما يقول داود أيضاً على لسان الرب: «لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيَّك يرى فساداً» (مز 16: 10) وقد أشار الرسول بطرس إلى هذه النبوة في خطابه يوم الخمسين قائلا لليهود: «أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الآباء داود انه مات ودفن وقبره عندنا حتى هذا اليوم. فإذ كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه. سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح، أنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك» (أع 2: 29 ـ 32).

كما تنبأ الرب يسوع ذاته عن آلامه وموته بكلمات صريحة واضحة: فقد أخذ مرة الاثني عشر تلميذاً على انفراد وقال لهم: «ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان يُسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلمونه إلى الأمم، لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم» (مت 20: 18 ـ 19) مرة طلب الكتبة والفريسيون من الرب يسوع أن يريهم آية: «فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية ولاتعطى له آية إلا آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاثة ليال» (مت 12: 39  ـ 40).

ولم ينسَ رؤساء الكهنة والفريسيون نبوءات الرب يسوع عن قيامته،ولذلك بعد أن صلبوه وتأكدوا من موته، اجتمعوا إلى بيلاطس قائلين: «ياسيد قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث.. فقال لهم بيلاطس عندكم حراس. اذهبوا واضبطوا كما تعلمون. فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر» (مت 27: 63 ـ 66).

ولما قام الرب من بين الأموات، ارتعب الحراس، وهربوا. وذهبوا وأخبروا رؤساء الكهنة بأنه قام، ولكن هؤلاء القساة القلوب، والغلاظ الرقاب لم يؤمنوا فخسروا آخر فرصة لهم في الخلاص. أما تلاميذ الرب فقد ظهر لهم الرب بعد قيامته فشاهدوه وآمنوا بقيامته وبذلوا في سبيل ذلك دمهم الكريم مستشهدين.

أجل إن بيِّنات حقيقة قيامة الفادي من بين الأموات كافية وافية للايمان العقلي الحسي ليعترف بها لا الأتباع فقط بل أيضاً الأعداء. ولكن هذا الإيمان لايكفي للخلاص مالم يقترن بالإيمان القلبي المترجم بالأعمال الصالحة. وبهذا الصدد يقول الرسول يعقوب: «أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت» (يع 2: 19 و20).

فالإيمان الحي العامل بالمحبة هو الإيمان القوي الذي يزعزع الجبال ويزحزحها من مواقعها. الإيمان الذي يغير الإنسان ليجعل منه خليقة جديدة، الذي حوَّل شاول الطرسوسي الذئب الكاسر إلى حمل وديع بل جعل منه الإناء المصطفى ورسول المسيح القائل: «بل اني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي… لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته. لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات». (في 3: 8 و10 و11).

فإيمان الرسول بولس القلبي بالمسيح يسوع القائم من بين الأموات كان وازعاً له ليضحي بكل أمجاد العالم في سبيل ربح المسيح يسوع، وكان له في العالم أمور كثيرة بإمكانه أن يفتخر بها، من حسب ونسب ومركز وعلم وثقافة وغنى، ولكنه احتقرها كلها وقال: «وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا للعالم» (غل 6: 14).

وبولس الرسول وكل المؤمنين بالرب إيماناً حياً متيناً ثخيناً، يقرنون هذا الإيمان بالرجاء ولذلك يقول الرسول بولس: «لأعرفه وقوة قيامته، وشركة آلامه متشبهاً بموته لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات» فالمسيح القائم من الأموات هو موضع رجائنا، ويوضح الرسول بولس هذه العقيدة بقوله: «ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين» (1كو 15: 20) فإذا كان هو الباكورة فنحن الحصاد في يوم الحصاد يوم البعث والنشور، اليوم الذي سيسمع فيه جميع من في القبور، صوت ابن الله فيخرج الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة.(يو 5: 29).

فكيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره (عب 2: 3). فقد مات المسيح لأجلنا وقام وأقامنا معه، فلنسلك في جدة الحياة كما يليق بمن اشتراهم الرب يسوع بدمه الكريم (رو 3: 24 ـ 26) كي نستحق أن نقوم معه في اليوم الأخير ونملك معه إلى الأبد، وفي يوم الرب الذي ستكون له بداية ولن تكون له نهاية لأنه أبدي خالد.

فكما قام المسيح من بين الأموات بالجسد الممجد، وهو حي ولن يموت أبداً، كذلك سنقوم نحن في اليوم الأخير بالجسد الروحاني الذي هو شبه جسده الممجد، «ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو»(1يو 3: 2) مثلما رآه التلاميذ بعد قيامته.. فالله سيحيي أجسادنا في اليوم الأخير(رو 8: 11).

إن قيامته بالجسد هي تمجيد للجسد، لأن الإنسان ليس روحاً فقط بل هو روح وجسد، وكما تحمل الجسد الآلام مع الروح في هذه الحياة كذلك يرث الجسد مع الروح ملكوت السماء ويتنعمان معاً في الحياة الأبدية «فإن كنا الآن نتألم معه فلكي نتمجد أيضاً معه»(رو 8: 17). ولنهيئ قلوبنا بدموع التوبة وبتناول القربان المقدس للأتحاد به لنحيا فيه ويحيا فينا، وتمتلئ هذه القلوب بالإيمان الصادق والمقترن بالرجاء الذي لايخيب والمحبة الثابتة الخالدة، وبذلك نكون قد اتممنا الغاية من الفداء الذي تم بصلب المسيح وموته وقيامته،آمين.


يوم الرب العظيم (11)

قال صاحب المزامير: «هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه»

       (مز 118: 24)

إنه يوم الرب العظيم. يوم الخلاص، يوم الأحد، اليوم الذي خلق اللّه فيه النور في بدء الخليقة وأشرق فيه، في ملء الزمان، شمس البرِّ، الرب يسوع، إذ قام من بين الأموات ممجداً، فأتم الفداء. فهو عيد الأعياد وتاج المواسم، كما دعاه آباء الكنيسة الميامين، وهو أجلُّ الأيام وأقدسها لأنه يوم القيامة. ذلك أن موت السيد المسيح بدون قيامته يفقد معناه الكفّاري، ولايكون سوى موت شجاعة فائقة لشهيد كريم. أما بعد قيامته من بين الأموات فقد غدا موته موت الإله المتجسد الذي أرسله الآب السماوي حباً بالبشرية، فقدم نفسه بإرادته ذبيحة كفارية عنها فنالت فيه نعم الخلاص والتبرير والتقديس والتبني.

أجل إن حقيقة قيامة السيد المسيح من بين الأموات ثابتة بالأدلة القاطعة، والبراهين الناصعة، فالشهادات التي قدمها رسله الأطهار وتلاميذه الأبرار بهذا الصدد لايحصى لها عدد. فهؤلاء الذين شاهدوه يتألم، ورأوه معلقاً على الصليب، وبعد أن سلَّم روحه بيد أبيه السماوي ومات، أنزلوا جسده المقدس من على الصليب، وبأيديهم الطاهرة حنطوه بالطيوب والبخور، ودفنوه في القبر الجديد. إن هؤلاء الرسل والتلاميذ لم يتوقعوا قيامته، بل غاب عن ذهنهم في حالة الحزن العميق، ماكان قد سبق وأنبأهم به عن آلامه وموته وقيامته بعد أيام ثلاثة، ولعلهم حسبوا كلامه بهذا الشأن من باب الرموز والأمثال، وظنوا أن ظلمة الموت قد ابتلعت تلك الحياة العجيبة، فاستسلموا إلى اليأس والقنوط… وهيأت النسوة طيوباً ليضمخن الجسد المقدس في اليوم الثالث، كعادة شعب النظام القديم.

ولكن ما كاد ينبلج فجر يوم الأحد إلاّ ونداءات البشارة المفرحة بالقيامة الإلهية كانت تتوارد من كل حدب وصوب، وتوالت ظهورات الرب القائم من بين الأموات ممجداً. ففي ذلك اليوم بالذات، يوم الأحد عينه، ظهر خمس مرات، عند القبر الفارغ، وفي طريق عمواس، وفي العلية للرسل، ثم في الأحد التالي أيضاً في العلية. وتوالت الظهورات مدة أربعين يوماً للرسل والتلاميذ والتلميذات حتى بلغ عدد الشهود في أحد الظهورات أكثر من خمسمائة أخ شاهدوه جميعهم في آن واحد.

هكذا التقى الرسل معلمهم الإلهي بعد قيامته، ورأوه حياً ممجداً، واستمعوا إليه وهو يعلمهم أسرار ملكوته السماوي ثم غادرهم في اليوم الأربعين حيث شاهدوه صاعداً إلى السماء.

وفي ظهوراته لهم، أكل الرب معهم وشرب، ولم يكتفِ بعضهم بالمشاهدة والحديث، فإن توما أحد الاثني عشر أصر على أن يضع أصبعه في موضع المسامير وأن يضع يده في جنب الفادي، فلما ظهر الرب في العلية يوم الأحد التالي لقيامته، نادى قائلاً: «تعال يا توما وضع إصبعك في موضع المسامير وضع يدك في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً». فسجد توما للرب وهتف قائلاً: ربي والهي. فقال له يسوع «ألأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى لمن آمن ولم يرَ».

إن شكوك التلاميذ أولاً تقوّي ثقتنا بصحة شهادتهم بعد يقينهم. وها نحن نسمع يوحنا الرسول يقدم شهادته بهذا الصدد قائلاً عن الرب «الذي كان منذ البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا نخبركم به» (1يو 1: 1 ـ 3).

وهامة الرسل بطرس يقول: «إننا أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات»(أع 10: 41).

ومما يبرهن على صحة شهادة الرسل، التغير العظيم الذي حدث بعد قيامة الرب. فانقلب الخوف الذي استحوذ على قلوبهم على أثر موت السيد المسيح، إلى شجاعة فائقة بعد أن رأوه قائماً من بين الأموات حياً ممجداً. فكانوا يقدمون شهادتهم الصادقة عن قيامته أمام الملوك العتاة، والولاة القساة، بثبات مدهش لايمكن أن يزعزعهم عن ذلك وعد أو وعيد أو يصدّهم عن المناداة باسم يسوع عذابٌ أليم أو موتٌ زؤام، بل سفك أغلبهم الدم الطاهر في هذا السبيل. ولايوجد ما يفسر هذا التغيير العجيب في حياتهم سوى إيمانهم المتين بحقيقة قيامة الرب المجيدة من بين الأموات.

أجل إنَّ عظمة قيامة الرب من بين الأموات دفعت الرسل أيضاً إلى تمجيد يوم القيامة، فألغوا السبت الذي كان خاصاً بشعب النظام القديم وعلامة خلاص جسدي لهم، وقدّسوا يوم الأحد الذي هو يوم الخلاص الروحي ففيه قام المسيح من بين الأموات وأكمل فداء البشرية. كما فيه، يوم الخمسين أرسل الروح القدس فحلَّ على التلاميذ وولدت الكنيسة المقدسة. لذلك قدّسه الرسل وكرّسه التلاميذ ليكون يوم الرب الذي فيه كانوا يجتمعون لكسر الخبز كما جاء في سفر أعمال الرسل (أع 20: 7). وفيه يجمعون الاسعافات والاعانات للفقراء كما نفهم من وصية الرسول بولس (1كو 16: 2). ودعي يوم الرب(رؤ 1: 10).

فهذا هو اليوم الذي صنعه الرب نبتهج ونفرح فيه، مرددين صوت الرسول بولس المدوّي كالرعد القاصف، والذي يهبّ أيضاً كالنسيم العليل اللطيف القائل: أعرِّفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه… أن المسيح مات من أجل خطايانا… وأنه قام في اليوم الثالث… (1كو 15: 1 ـ 4)«المسيح قام وصار باكورة الراقدين» (1كو 15: 20). المسيح قام وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات. فما أجمل أن نحفظ يوم الرب مقدساً، وأن نشترك فيه بالقداس الإلهي الذي هو الذبيحة غير الدموية وهي استمرارية ذبيحة المسيح القائم من الأموات.

ففي هذا اليوم المبارك يحرك فينا نداء القيامة الداوي الإحساس الجامد، ويثير الشعور الخامد، ويسري في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا سريان التيار الكهربائي.. المسيح قام. حقاً قام، فتم الفداء ونلنا الخلاص وتبررنا وتقدسنا وصرنا أولاد اللّه بالنعمة.

فإذا كنا قد صلبنا ذواتنا معه، ومتنا معه، ودُفنّا معه بالمعمودية للموت، فلكي نحيا معه في جدّة الحياة وننتظر مع القديسين ظهوره في مجيئه الثاني العظيم، يوم القيامة العامة، اليوم الذي فيه سيسمع جميع من في القبور صوت المسيح القائم من الأموات، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة(يو 5: 28و 29).

أهلنا الرب جميعاً لنكون معه في ملكوته في القيامة العامة ويوم النشور، يوم الرب العظيم، وأعاد عليكم عيده باليمنِ والبركة، وكل عام وأنتم بخير.


حمل الله والكفارة العظيمة (12)

  

«وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال هوذا حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم»

        (يوحنا 1: 29)

جاء يوحنا المعمدان ليهيِّئ الطريق أمام الرب يسوع، وقال عن نفسه «أنا صوت صارخٍ في البرية قوِّموا طريق الرب» (يو 1: 23). وكانت رسالة يوحنا رسالة التوبة، كما كانت معموديته أيضاً معمودية التوبة، فكان ينادي قائلاً: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات (مت 3: 2). وقال عنه الإنجيل المقدس، إنه جاء للشهادة ليشهد للنور (يو 1: 7) فشهد للنور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم (يو 1: 9) هذا النور هو المسيح يسوع ربنا.

وكان يوحنا المعمدان النبي العظيم سليل الكهنة، فهو كاهنٌ شرعي، ولئن لم يمارس الخدمات الكهنوتية في الهيكل لأنه كان نذيراً وربته الملائكة في البرية. ويوحنا الكاهن كان يعرف جيداً أن الناموس الطقسي يفرض على أتباع العهد القديم أن يقدموا عن أنفسهم ذبائح، ومحرقاتٍ عديدة في هيكل الرب، وعلى يد كاهن الرب، لمغفرة الخطايا، فإذا تاق أحدهم إلى نيل مغفرة خطاياه كان عليه أن يختار له خروفاً لاعيب فيه، ويأتي به إلى مذبح الرب، أمام كاهن الرب، ويضع يده على رأس الخروف، ويعترف بخطاياه، فيحمل هذا الخروف البريء خطايا هذا الإنسان المذنب. ثم يقدم الكاهن الخروف ذبيحة أو محرقة فيموت الخروف بدلاً عن ذلك الإنسان المستحق الموت. ومع تمادي الزمان… انقلبت طقوس الذبائح والمحرقات إلى ممارساتٍ شكليةٍ رتيبةٍ خاليةٍ من روح التقوى وقوتها، ولئن كانت لها صورتها. واحتاجت إلى روح التوبة الحقيقية التي قال فيها النبي داود: «ذبائح اللّه هي روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا اللّه لاتحتقره»(مز 51: 17).

فنادى يوحنا بالتوبة، وقد لمس فداحة الخطية الجدية، وشناعة الخطايا الشخصية، التي كان شعب النظام القديم يقترفها، وقد ارتفعت هذه الخطايا كسورٍ شاهقٍ فصل بين ذلك الشعب وبين اللّه تعالى كقول النبي اشعياء: «آثامكم صارت فاصلةً بينكم وبين الهكم»(اش 53: 2).

ونهج يوحنا المعمدان طريقة المعمودية بالماء، الطريقة التي كانت معروفة لدى شعب النظام القديم، وكانت تستعمل لتنقية الوثنيِّ المتهود. أما يوحنا المعمدان فقد رأى أن الشعب اليهودي ذاته قد حاد عن شريعة الرب التي اؤتمن على حفظها وصار بعيداً عن الرب، وشابه من لايعرف الرب، لذلك كان يوحنا المعمدان، يعمِّد الذين جاؤوه من ذلك الشعب تائبين معترفين بخطاياهم. فدُعيت معموديته معمودية التوبة، وهي غسل الجسد بالماء رمزاً لتنقية النفس من أدران الخطايا الشخصية.

واكتشف يوحنا، حقيقة الخطية الجدية، الداء العياء، الذي لايجدي لشفائه دواء. فقد عمَّت تلك الخطية الفادحة كل الجنس البشري، وبما أنها كانت موجهة إلى اللّه غير المتناهي فقد صارت غير متناهيةٍ، لذلك اقتضى لغفرانها ذبيحة غير متناهية تمثل اللّه تعالى غير المتناهي، والإنسان الذي اقترفها، لتفي العدل الإلهي حقَّه، ولتوفق بين عدل اللّه ورحمته. وقد تمت شروط هذه الذبيحة بالمسيح يسوع الإله المتجسد «الذي لم يعرف خطية» (1بط 2: 22) و «المجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية» (عب 4: 15) وعلى حدّ تعبير الرسول بولس أن اللّه تعالى جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ اللّه فيه (2كو 5: 21) لذلك أوحى اللّه إلى عبده يوحنا المعمدان ليعلن أن يسوع هو ذبيحة الكفارة، فلما رآه يوحنا قادماً إليه قال: «هوذا حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم» وشهد يوحنا قائلاً: «إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه. وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس، وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن اللّه» (يو 1: 32 ـ 34).

ونرى بعين الأيمان، الرموز العديدة التي أشارت إلى حمل اللّه منذ بدء الخليقة فقد قُدمت عبر الدهور حملان لايحصى لها عدد، ذبائح ومحرقات ارضاء للّه تعالى. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، الكبش الذي رآه إبراهيم الخليل معلقاً بقرنيه في العوسج، وكأنه كان مصلوباً ليشير ويرمز إلى حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم، المسيح يسوع ربنا الذي صلب لأجل خلاصنا، فقد أمر اللّه إبراهيم أن يقدم ابنه اسحق ذبيحةً ومحرقةً. وأطاع إبراهيم أمر الله، وهمَّ إلى تقديم ابنه ذبيحة لله، ولكن اللّه أرسل ملاكه ليمنعه عن فعل ذلك، وأرسل اليه الكبش المعلَّق بقرنيه في العوسج فقدمه للّه ذبيحة ومحرقة بدلاً من ابنه (تك 22: 1 ـ 14) ويقول الكتاب عن إطاعة إبراهيم لله، «فآمن إبراهيم بالله فحسب له براً»(رو 4: 3) وكأني بالله تعالى يقول لإبراهيم ما الفائدة من تقديم ابنك ذبيحةً، إنه إنسان تحت الخطية وقد ورث الخطية الجدّية، لذلك هو لايصلح ليقوم بعمل فداء البشرية، «لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16).

أجل إن ذبيحة إبراهيم، وسائر الذبائح الحيوانية قد استمدت قوتها من ذبيحة حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم، لإيمان مقدّميها ورجائهم بمجيء هذا المخلص الإلهي، وأهم تلك الذبائح في النظام القديم هو خروف الفصح الذي يرمز خاصة إلى المسيح يسوع الذي يقول عنه بولس الرسول: «لأن فصحنا هو المسيح أيضاً».(1كو 5: 7). وكلمة فصح العبرية تعني العبور وهي تشير إلى عبور الملاك المهلك عن دور شعب العهد القديم بدون أن يمس أبكارهم بأذى، وذلك عند رؤيته دم خروف الفصح وقد رُشَّ على شكل صليب على قائمتي باب الدار وعتبته العليا، ويقول الكتاب على لسان الرب «فأرى الدم وأعبر عنكم»(خر 12: 13) وكان خروف الفصح رمزاً إلى حمل اللّه يسوع المسيح الذي أنقذنا بدمه الكريم من الخطية الجدية فمحا صكَّ الخطية، وبررنا وقدسنا، وأهلنا لنكون أولاداً لأبيه السماوي بالنعمة، وورثةً لملكوته، إذ اقتنانا بدمه الكريم على حدِّ تعبير الرسول بولس لقسس إفسس «احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة اللّه التي اقتناها بدمه»(أع 20: 28).

وإذ أوجب اللّه الفصح فريضة على شعب العهد القديم في أجيالهم، كانت حملان الفصح تفرز من القطيع في اليوم العاشر من نيسان وتقدم إلى الكهنة ليحكموا فيما إذا كانت بلا عيب وتصلح لتقدَّم للرب أم لا. وكانت تذبح في اليوم الرابع عشر منه المصادف عيد الفصح لديهم. أما نحن ففصحنا هو يسوع المسيح حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم، قُدّم إلى الكهنة يوم الأحد واستقبلته الجماهير في المدينة المقدسة الكبار منهم والصغار وحتى الأطفال والرضع، وفي أيديهم سعف النخل وأغصان الزيتون، وهم يهتفون أوصانا مباركٌ الآتي بأسم الرب، ومعنى كلمة أوصانا السريانية الأرامية «يارب خلص». وإذ نهش الحسد أفئدة الكتبة ورؤساء الكهنة، حكم عليه مجلسهم الأعلى بالموت، وقال رئيس الكهنة متنبئاً «إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة كلها»(يو 11: 50) فتحيّنوا بعدئذ الفرصة، وألقوا القبض عليه وحكموا عليه بالموت، وتمت فيه نبوة اشعيا القائل: «ظُلِمَ أما هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازّيها فلم يفتح فاه»(اش 53: 7) وصلبوه يوم الجمعة، ومات على الصليب ودفن في القبر الجديد، وفي اليوم الثالث قام من القبر حياً ممجداً.

أجل مات المسيح بإرادته، وكان قد سبق وأنبأ تلاميذه قائلاً: «إنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم» (مت 16: 21) وشبَّه موته مصلوباً والخلاص الذي ناله البشر منه، بالحية النحاسية التي رفعها موسى النبي في البرية قائلاً: «وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية»(يو 3: 14) كما شبه الرب دفنه في القبر الجديد وقيامته بحادثة النبي يونان قائلاً: «كما كان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن البشر في قلب الأرض» (مت12: 38 ـ 40).

وسبق الرب وأنبأ تلاميذه بصريح العبارة عن قيامته من بين الأموات، فعلى أثر حادثة التجلّي على الجبل، وإظهار مجده الإلهي أمام ثلاثةٍ من تلاميذه وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً: «لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات»(مت 17: 9) وقال لهم أيضاً: «ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل»(مت 26: 32) وقال عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا»(يو 11: 25)، وبرهن على صحة مطاليبه باقامته الموتى، فقد أقام ابنة يايرس، وابن الأرملة، كما أقام لعازر بعد موته ودفنه بأربعة أيام، ولما دعاه من القبر قام لعازر وخرج من القبر ويداه ورجلاه مربوطاتٌ بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع حلُّوه ودعوه يذهب»(يو 11: 1 ـ 44).

فهل بإمكان القبر أن يضم شخصاً كالرب يسوع إلى الأبد؟! المسيح قام، حقاً قام، قام من بين الأموات، وترك الأكفان موضوعة في القبر بانتظام. لأنه قام متشحاً بحلة المجد والبر والقداسة، وجسده الروحي خرج من القبر والحجر باقٍ على باب القبر، وبعد قيامته دحرج الملاك الحجر وجاءت النسوة فبشرهن الملاك بقيامة الفادي ورأين القبر الفارغ، كما رآه بطرس ويوحنا وغيرهم.

وظهر الرب للتلاميذ الأبرار بعد قيامته فرأوه وتحادثوا معه ولمسوه بأيديهم وأكلوا وشربوا معه، مدة أربعين يوماً حيث ظهر نحو عشرين مرة، في أمكنة مختلفة، وأزمنة متباينة، صباحاً ومساءً، ليلاً ونهاراً، وفي أيامٍ متفرقة وأيام متتابعة، ظهر لهم منفردين ومجتمعين، وظهر مرة لأكثر من خمسمائة شخص منهم في آن واحد، وبقيامته تحول الخوف عند رسله وتلاميذه وسائر أتباعه إلى شجاعة، والضعف إلى قوة، فكانوا يجاهرون بالاعتراف به وبالشهادة لقيامته بل استشهد العديد منهم في سبيل الإيمان بالمسيح القائم من بين الأموات.

وكانت قيامته ضرورية جداً لاثبات صدق رسالته وقبول الآب ذبيحته الكفارية عن البشرية. فإذا كانت النار قد نزلت من السماء والتهمت الذبيحة التي قدمها إيليا في جبل الكرمل أمام آخاب الملك وإيزابل زوجته، وكهان الوثنية وشعب النظام القديم، وبرهنت تلك الحادثة على أن اللّه تعالى هو الإله الحقيقي وإن إيليا نبيَّه. وكذلك قيامة الرب يسوع من بين الأموات جاءت برهاناً قاطعاً على قبول اللّه الآب ذبيحة ابنه الوحيد الكفارية لفداء البشرية، كما صارت القيامة أقوى حجة على صحة مطاليب الرب يسوع، الذي قال «أنا والآب واحد»، «من رآني فقد رأى الآب»، «أنا في الآب والآب فيَّ»، و«أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا»، «وتأتي ساعةٌ يسمع فيها جميع من في القبور صوت ابن اللّه فيقوم الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة».

لقد انتصر الرب بقيامته على أعداء البشرية: الموت والشيطان والخطية… وصعد بالجسد الممجد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وهو حمل اللّه الذي يرفع خطية العالم، الذي رآه الرائي يوحنا، وقد استوى على العرش الإلهي في السماء خروفاً مذبوحاً، ولكنه حيٌ وسمع يوحنا الرائي ترانيم المجد ترفع إلى ذاك الذي قد ذبح لأجل البشرية وغسل القديسون ثيابهم وبيِّضوها بدمه (رؤ 7: 13 ـ 14) والمسبّحون يسبحونه باعتباره الخروف المذبوح، وآثار عمل الفداء من مسامير وحربة، وإكليل الشوك باديةٌ ثابتةٌ في جسده الطاهر، حتى في السماء، لتبقى علامةً أبديةً لمحبته للبشر.

أهلنا الرب الإله أن نكون في عداد الذين يتنعمون معه في السماء ممجدين إياه مع ملائكته القديسين، المسيح قام ـ حقاً قام.


شهود القيامة (13)

«ولما كانت عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم. ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب»

      (يوحنا 20: 19 ـ 20)

في فجر يوم الأحد، وهو أول الأسبوع، أشرق نور قيامة المسيح الفادي من بين الأموات، ففي موته على الصليب يوم الجمعة وفي دفن جسده الطاهر في القبر الجديد هدم المسيح أركان الهاوية، ونهج لنا أن نموت معه على الصليب وأن ندفن معه بالمعمودية للموت، وفي قيامته من بين الأموات أقامنا معه وأجلسنا معه في السماوات، وجدد بذلك حياتنا وهو بعد موته وقيامته لايتسلط عليه الموت بعد، فهو حي وسيبقى حياً إلى الأبد، لأنه هو القيامة والحياة ومن آمن به وإن مات فسيحيا، ومن آمن به وهو حي سيبقى حياً إلى الأبد، على حد تعبيره له المجد.

أجل إن عقيدة قيامة الرب يسوع من بين الأموات هي أساس عقائد الدين المسيحي المبين، وهي حقيقة تاريخية أكيدة ومثبتة بحجج دامغة، وشواهد واضحة، وشهادات صادقة لا لبس فيها. فقد ظهر الرب في يوم قيامته للمجدلية، وبقية النسوة حاملات الطيب، ولبطرس هامة الرسل، ويوحنا الحبيب، ولتلميذي عماوس ولسائر الرسل والتلاميذ، كما ظهر بعدئذ لأكثر من خمسمائة تلميذ، فرأوه، ولمسوه واستمعوا إليه وأكلوا وشربوا معه، وشهدوا أنه قام من بين الأموات (اكو 15: 6).

وكانت شهادتهم صادقة لأنهم نطقوا بالحق. وأثبتوا شهادتهم لا بقوة البرهان، وصنع المعجزات فحسب، بل بتحملهم المشقات وصنوف العذاب والاضطهادات، حتى سفك الدم لتمسكهم بالإيمان بالمسيح الحي الذي مات بإرادته لفداء البشرية وقام من بين الأموات وهو حي إلى الأبد، ويقول سفر أعمال الرسل بهذا الموضوع «وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع وكانت مع جميعهم نعمة عظيمة»(أع 4: 33).

وكانت قيامته ضرورية جداً لاثبات لاهوته والوهية الدين الذي علَّم به، وبهذا الصدد يقول الرسول بولس «إن كان المسيح لم يقم فايمانكم باطل وأنتم بعد في خطاياكم، إذاً الذين رقدوا في المسيح أيضاً قد هلكوا… لكن الآن إن المسيح قد قام من بين الأموات وصار باكورة الراقدين»(1كو 15: 17 ـ 20).

وأثبتت قيامته صحة مطاليبه ونبواته. فهو والآب واحد، ومن رآه فقد رأى الآب، وأنه «هو القيامة والحياة» (يو 11: 25) وأنه هو الطريق والحق والحياة وقد تنبأ عن موته وقيامته بقوله لليهود: «انقضوا هذا الهيكل وأنا في ثلاثة أيام أقيمه» (يو 2: 19) وعنى بذلك هيكل جسده، وأيضاً لأنه مثلما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال كذلك يكون ابن البشر في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال»(مت 12: 40) وقال للإثني عشر «هوذا نحن صاعدون إلى اورشليم وابن البشر سيسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم، فيهزأون به ويبصقون عليه، ويجلدونه، ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم(مر 10: 33 و34) فقد تمت نبوته، وقام من بين الأموات ممجداً، وهو حيٌّ الآن وإلى الأبد، وكقول الرسول بولس «عالمين أن المسيح بعدما أقيم من بين الأموات لا يموت أيضاً، لايسود عليه الموت بعد. لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله. كذلك أنتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية ولكن أحياء للّه بالمسيح يسوع ربنا»(رو 6: 9 ـ 11).

المسيح حي ووعد أتباعه بقوله: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم»(مت 18: 20) قبل موته وقيامته كان المسيح ظاهراً للناس يراه كل أحد الا عندما يشاء المسيح أن يخفي نفسه عن عيون الناس كما فعل في بعض الأحيان. أما بعد قيامته فجسده المجيد لايراه أحد الاعندما يشاء هو أن يراه الناس. كظهوره لتلاميذه في العلية وهم يتحدثون عن نبأ القيامة وكانت الأبواب مغلقة بسبب الخوف من اليهود. يقول يوحنا الرسول وهو شاهد عيان أن يسوع جاء ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم. ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب(يو 20: 19 و20).

هذه شهادة أداها الرسول يوحنا إنها شهادة صادقة وواضحة، والشاهد معروف بصدقه واستقامته، فهو أحد تلاميذ الرب الإثني عشر، وكان قد نال حظوة لدى معلمه الإلهي لطهر سيرته، ونقاء سريرته حتى أنه استودعه والدته العذراء مريم وهو على الصليب، وبهذا الصدد يقول القديس يوحنا ذاته «فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفاً، قال لأمه ياامرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا أمك، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته» (يو 19: 26 و27) وعاشت العذراء مريم عنده حتى وفاتها وانتقالها إلى الفردوس السماوي.

كما أن الرب كان قد اختص يوحنا مع بطرس ويعقوب، دون سائر التلاميذ لمشاهدة ثلاثة حوادث مهمة، هي: تجلي الرب على الجبل، وإقامة ابنة يايرُس من الموت، والصلاة في الجسيماني قبيل القاء القبض على السيد المسيح، والحكم عليه بالموت، وصلبه، وموته، وقد تبعه يوحنا على طريق الجلجلة، ورآه ميتاً على الصليب.

وفي هذه الحوادث أزيح الستار عن جزء من المجد الإلهي فرأوا المسيح ممجداً كما سمعوا صوت الآب السماوي قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا»(مت 17: 5). كما أنهم شعروا بسلطانه الإلهي بإقامة الموتى بمجرد كلمة من فيه، كما رأوه يصلي في البستان وعرقه يتصبب دماً من جبينه، وهو يخضع لإرادة الآب، ويرضى بأن يشرب كأس الموت المريرة قائلاً لأبيه السماوي «يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك»(لو 22: 42).

هذا يوحنا الرسول الخبير بالإلهيات الذي عرف المسيح جيداً فافتتح إنجيله بآيته المشهورة: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند اللّه وكان الكلمة اللّه… والكلمة صار جسداً وحل فينا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً» (يو 1:1 ـ 14) ويقول يوحنا عن نفسه: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق (يو 21: 24) ويبدأ يوحنا رسالته الأولى بقوله عن الرب يسوع «الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا، الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا» (1يو 1: 1 ـ 3).

أجل لقد رأى التلاميذ معلمهم السماوي بعد قيامته من بين الأموات ويقول يوحنا «ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب».

إن رؤية الرب بعد قيامته من بين الأموات لاشت المخاوف من قلوب التلاميذ وبددت غيوم الشكوك الداكنة وثبتت إيمانهم وحولت خوفهم إلى شجاعة فائقة، وقد أدخل حضوره السكينة إلى قلوبهم والطمأنينة إلى نفوسهم وثبت ايمانهم به لذلك أراهم يديه وجنبه ليتبينوا آثار المسامير والحربة فيتأكدوا بأنه هو المسيح قد قام حقاً من بين الأموات.

أجل هذه هي ثمار القيامة، فقد حدث تغيير فجائي في حياة التلاميذ وصاروا مستعدين للاستشهاد في سبيل أداء الشهادة عن قيامة المسيح من بين الأموات.ففي يوم الخمسين بعد حلول الروح القدس على التلاميذ قال بطرس لليهود «إن يسوع الناصري الرجل الذي أشير لكم إليه من اللّه بالقوات والعجائب والآيات والذي صلبتموه بأيدي الأثمة… يسوع هذا قد أقامه اللّه ونحن شهود لذلك» (أع2). ولم يجترئ أحد من اليهود صالبي المسيح والوثنيين معاصريهم، تكذيب الرسل، بل آمن بالمسيح في يوم الخمسين ثلاثة آلاف نفس وتابوا واعتمدوا باسم المسيح بحسب توجيه الرسول بطرس (اع 2: 41).وهذا الرسول يوحنا مع هامة الرسل بطرس، على أثر شفائهما الرجل الأعرج عند باب الهيكل الذي يقال له الجميل، وتهديد اليهود لهما ووصيتهم لهما أن لاينطقا البتة ولايعلَّما باسم يسوع، أجابا أعداء الرب وقالا «إن كان حقاً أمام اللّه أن نسمع لكم أكثر من اللّه فاحكموا» «لأننا نحن لايمكننا أن لانتكلم بما رأينا وسمعنا» (اع3 و4: 19 ـ 20) قالا ذلك بعد أن تحدّيا اليهود بقولهما لهم: أنتم أنكرتم القدوس البار… ورئيس الحياة قتلتموه… الذي أقامه اللّه من بين الأموات ونحن شهود لذلك(أع 3: 14 و15). وعلى أثر هذه الأعجوبة آمن بالمسيح ألفا نسمة فصار عدد التلاميذ خمسة آلاف.

ويصف سفر أعمال الرسل شهادة الرسل بقوله: «وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع وكانت مع الجميع نعمة عظيمة»(أع 4: 33). ذلك أنهم اختبروا القيامة، ورأوا المسيح وقد قام من بين الأموات وهو الحي وقد أكل وشرب معهم بعد قيامته واستمعوا إلى تعاليمه، ولم يكونوا سابقاً ميالين للاعتقاد بقيامة معلمهم دون أي تحقيق، ومثالهم توما الذي أصر على أن يرى الرب وأن يضع أصبعه مكان المسامير، ويده في جنبه (يو 20: 24 ـ 29) كما أن رفقاءه لم يؤمنوا الا بعد أن أراهم الرب في العلية يديه وجنبه ففرحوا لأنهم رأوا الرب يقول يوحنا، أجل لقد فرحوا لأنهم رأوا الرب وعلى يديه سمات المحبة ثابتة وفي جنبه ينبوع الدم والماء علامة الفداء، وهو يهب السلام معلناً الصلح بين السماء والأرض، فقد محا صك الخطية، ونقض سياج العداوة وبرّرنا وقدّسنا وأعادنا إلى رتبة البنين. مات لأجلنا كفارة عن خطايانا، وقام وبقيامته أعلنت إرادة اللّه ورضاه وقبوله الكفارة… السلام لكم قال لهم ولنا.

هذا السلام ابتدأ يوم ميلاده عندما اشتركت السماء مع الأرض بالفرح الروحي بميلاد الفادي فأنشدت الملائكة أنشودة السماء على الأرض قائلين المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرَّة.

هذا السلام أعلنه الرب أيضاً لتلاميذه قبيل آلامه وهو يتنبأ وينبئ التلاميذ عن هذه الآلام التي يتحملها والموت الذي يشرب كأسه والقيامة التي تعلنه ممجداً منتصراً ظافراً بالموت والشيطان والخطية فقال لتلاميذه: «لاتضطرب قلوبكم أنتم تؤمنون بالله فأمنوا بي، في بيت أبي منازل كثيرة والا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعدّ لكم مكاناً، وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إليَّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً… سلاماً أترك لكم سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لاتضطرب قلوبكم ولاترهب…» (يو 14: 1 ـ 3 و27).

هذا السلام هو سلام اللّه مع الإنسان، وسلام الإنسان مع أخيه الإنسان، بل سلام الضمير الذي في داخل الإنسان.

هو سلام في الحياة وسلام عند الممات، وبعد الممات.

هو رجاء لايخيب بالمسيح الذي تجسد لأجل خلاصنا ومات وفدانا، وظفر بالموت لنتغلب نحن على الموت. وجعل في قلوبنا رجاء في الابدية. لذلك يوصينا الرسول بولس ألا نحزن على الراقدين بالرب كمن لا رجاء لهم (اتس 4: 13) ويقول «إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فاننا أشقى جميع الناس»(اكو 15: 19).

فالمسيح الذي قام من بين الأموات وأقامنا معه سيأتي ثانية وبصوت رئيس الملائكة سينادي جميع الذين في القبور ويسمعون صوته «فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة»(يو 5: 39).

فلنفرح بالرب القائم من بين الأموات.

ولننتظر يوم القيامة العامة، يوم المكافأة، يوم الجزاء. اليوم الذي ينتظره الصالحون ويقول عنه الرسول بولس «فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم، ونوجد نحن أيضاً شهود زور للّه لأننا شهدنا من جهة اللّه أنه أقام المسيح وهو لم يقمه إن كان الموتى لايقومون. لأنه إن كان الموتى لايقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم، أنتم بعد في خطاياكم… ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين» (1كو 15: 12 ـ 20).

شهادة الفم واللسان نابعة من شهادة القلب والفكر، بل أيضاً هي حصيلة الإيمان المترجم بالأعمال الصالحة، وإلهنا الغيور حذرنا قائلاً «فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدّام أبي الذي في السموات ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السموات» (مت 10: 32 و33).

فلنبرهن بطهر سيرتنا ونقاء سريرتنا، عن صدق إيماننا بقيامة المسيح وأن نحيا حياة النعمة حياة التوبة، أي أن نعيش كما يحق لإنجيل المسيح وأن نترجى مجيئه الثاني لنسمع صوته يقول للصالحين ونتمنى أن نكون معهم: «تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم»(مت 25: 34) آمين.


قام الرب يسوع من بين الأموات وخلصنا من الموت (14)

«وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل»

 (يو 10: 10)

«يالعمق غنى اللّه وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء»(رو 11: 33) فقد دبر تعالى منذ سقوط الإنسان في وهدة الخطية أن يتجسد الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، من الروح القدس ومن العذراء مريم، ليخلص العالم من أعدائه الثلاثة الموت والخطية والشيطان. وبهذا الصدد قال الرب يسوع: «لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل اللّه ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم»(يو 3: 16 ـ 17) والرسول يوحنا يصف ابن اللّه الوحيد، في بدء الإنجيل المقدس بقوله: «كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان فيه كانت الحياة»(يو 1: 3)

أجل في البدء خلق اللّه العالم من العدم بكلمة منه تعالى إذ قال كن فكان. ثم جبل الإنسان من تراب الأرض، كما يذكر الكتاب المقدس «ونفخ في أنفه نسمة الحياة فصار الإنسان حياً»(تك 2: 7) فلم تنشأ حياة الإنسان عن تركيب الإنسان الجسدي فقط، أو تطورت عن حيوان أدنى منه، بل أبدعها اللّه تعالى مباشرة حيث «نفخ اللّه في أنف الإنسان نسمة الحياة» فملأ بدنه بالروح، وأعطى الجسد حياة طالما هو متحد بالروح، وحيث أن اللّه تعالى روح محض، أزلي سرمدي، وليس له يدان ليجبل بهما تراب الأرض ويبدع الإنسان، وليس له فم أو رئة لينفخ بهما، فليس المراد من هذه العبارات إلا أن يبين الكتاب وجود تمييز بين جوهر الروح الروحي ومادية الجسد المادي، فاتحاد الروح بالجسد تهب للإنسان الحياة. وقد خلق اللّه روح الإنسان على صورته تعالى ناطقة عاقلة، قائمة بذاتها مجردة عن المادة، لها صفات عقلية، وأدبية، ودينية، لاوجود لها إلا في الإنسان. وأعطى اللّه الإنسان القدرة على تمييز الحق من الباطل والصواب من الخطأ والحلال من الحرام والجميل من القبيح، من ذلك القدرة على الخلق والإبداع وتقبل العلوم والمعارف، والتفكير في الماضي والحاضر والمستقبل. كما منحه إرادة حرة وخيَّره بين طاعته تعالى أو التمرد عليه، فعصى الإنسان ربه وسقط في وهدة الخطية «والخطية إذا كملت تنتج موتاً»(يع 1: 15) من أجل ذلك «كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع»(رو 5: 12) على حدّ تعبير الرسول بولس، وقد هيمن الموت بأنواعه الثلاثة على الإنسان. فبالخطية مات الإنسان أدبياً وصار تحت حكم الموت الطبيعي والأبدي.فنزل الإله الكلمة من السماء وتجسد من  الروح  القدس ومن مريم العذراء ليفدينا وقال: «أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل»ى (يو 10: 10) وهكذا أعاد المسيح الحياة للإنسان مخلصاً إياه من قوى جميع صنوف الموت الأدبي والطبيعي والأبدي.

فالموت الأدبي: هو انفصال الإنسان عن اللّه تعالى لأنه «أية شركة للنور مع الظلمة»(2كو 6: 14) ولذلك لما أخطأ الإنسان الأول، هرب من أمام وجه الله، وحاول أن يختبئ ولكن اللّه تعقبه وناداه آدم أين أنت؟(تك 3: 9).

أما الموت الطبيعي فهو انفصال النفس عن الجسد، ويصفه صاحب الجامعة بقوله: «فيرجع التراب إلى الأرض كما كان وترجع الروح إلى اللّه الذي أعطاها»(جا 12: 7).

أما الموت الأبدي فهو عذاب أبدي في جهنم وبئس المصير.

كم سعى الإنسان ليتخلص من الموت، ولكن دون جدوى. فقد قدم القرابين والذبائح لإخماد سعير الغضب الإلهي. فكان بحسب شريعة موسى الطقسية يأتي بالحيوان أمام الكاهن ويضع الخاطئ يده على رأس الحيوان، ويعترف بخطاياه أمام الكاهن، ليحمل الحيوان خطية الخاطئ ويذبح الحيوان عوض الخاطئ، أو يحرق، ليعترف الخاطئ أنه هو الذي كان مستحقاً هذا المصير الأليم، لأنه هو الذي أخطأ ولكن الحيوان صار بديلاً منه، فذبح عوضاً عنه. واستمدت كل ذبائح العهد القديم ومحرقاته قوتها الروحية، لأنها كانت ترمز إلى ذبيحة المسيح يسوع حمل اللّه الرافع خطايا العالم، الذي صار بديلاً عنا، ومات على الصليب ذبيحة كفارية لفداء البشرية، فأنقذنا من الموت والشيطان والخطية. وبررنا وقدسنا وأهلنا لنصير أولاداً لأبيه السماوي بالنعمة، لنستحق أن نرث معه الحياة الأبدية.

أجل لهذا أتى إلى العالم، ليموت عنا، وبموته أعطانا الحياة فيه. فموته الكفاري كان عمله الرئيس وغايته القصوى من تجسده. لذلك تنبأ عن موته، وأظهر ضرورة قيامته من بين الأموات، ومثَّل ذلك بالحية النحاسية التي رفعها موسى في البرية (يو 3: 14 ـ 16) فكان كل من لدغته الحيات المحرقة، يتطلع إلى الحية النحاسية فينال الشفاء حالاً، وهكذا من يؤمن بالمسيح المصلوب، القائم من بين الأموات ينجو من إبليس الحية الدهرية، ويقوم مع المسيح من بين الأموات إذ قد تبرر بالإيمان فله الحياة فيه.

ومثَّل الرب يسوع موته وقيامته أيضاً بحادثة يونان النبي الذي كان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهكذا كان المسيح في القبر حياً (مت12: 38 ـ 40) وذلك بقوته الإلهية الذاتية، وكان السيد المسيح قبل ذلك قد برهن على سلطانه الإلهي على الموت، بإقامته الفتاة ابنة يايرُس إذ ناداها بلغته السريانية الآرامية قائلاً:طليةا قومي «طاليثا قومي» أي أيتها الفتاة انهضي، فعادت إليها الحياة… وكذلك بإقامته الشاب ابن أرملة نايين إذ ناداه قائلاً: أيها الشاب لك أقول قم. فانتصب الميت إذ عادت إليه الحياة فسلَّمه إلى أمه. وكذلك بإقامته لعازر من الموت بعد موته ودفنه بأربعة أيام إذ ناداه الرب قائلاً لعازر هلمَّ خارجاً، فخرج لعازر حياً ملفوفاً بالأكفان، فحلّوه.

أما الرب يسوع فقد قام من بين الأموات في فجر يوم الأحد والصخرة الكبيرة كانت ما تزال موضوعة على باب القبر، وأختام المملكة سليمة غير مثلومة، بل إن الأكفان في القبر كانت مرتبة كما لو كان هو في داخلها بعد. والمنديل الذي كان على رأسه وُجِد مرتباً أيضاً وموضوعاً في موضع الرأس، ولكن القبر كان فارغاً من جسد الرب. ولذلك قال الملاك للنسوة: أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. قد قام ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه(مر 16: 6) لقد قام المسيح من القبر بدون أكفان قام عرياناً مجللاً بالنور، كما كان آدم قبل سقوطه في الخطية، وكما ظهر الرب ممجداً يوم أظهر جزءاً من مجده الإلهي بالضياء الإلهي على جبل التجلي أمام ثلاثة من تلاميذه.

لقد كانت قيامته من بين الأموات ضرورية جداً لإثبات لاهوته، وصدق رسالته، ولإعلان قبول الآب السماوي عمل الفداء الذي قام به إذ قدم نفسه ذبيحة كفارية عن البشرية. كما كانت قيامته ضرورية لإثبات صدق مطاليبه الإلهية، فقد قال عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا» (يو 11: 25).

ولما عقد الرب المقارنة بينه وبين من سبقوه ممن ادَّعوا كاذبين أنهم مسحاء، دعاهم لصوصاً وسراقاً، لأنهم ذبحوا الرعية، وقاموا بثورات دنيوية دموية، سفك فيها دم عدد كبير من الأبرياء، أما هو فقد جاء لتكون للناس حياة وليكون لهم أفضل (يو 10: 10) فهو الراعي الصالح الذي بذل نفسه عن الخراف.

وحيث أنه قام من القبر ممجداً، فأمات الموت بموته وهدم أركان الهاوية في نزوله إليها، فحق له أن يقول: «أين أوباؤك ياموت وأين شوكتك ياهاوية» (هو 13: 14). أجل قام المسيح من القبر ممجداً ليقول: «أنا هو الأول والآخر والحي وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الأبدين آمين ولي مفاتيح الهاوية والموت» (رؤ 1: 18).

لقد قام المسيح من القبر في فجر الأحد، حقاً قام، وشهود القيامة لا عدد لهم من الملائكة، والرسل والتلاميذ والتلميذات، بل أيضاً من الحراس الخائفين الهاربين.

قام من القبر وظهر لتلاميذه ما يقرب العشرين مرة، منفردين ومجتمعين، ولخمسمائة منهم دفعة واحدة. ظهر لهم مدة أربعين يوماً، في أزمنة مختلفة صباحاً ومساءً، نهاراً وليلاً، في أيام متفرقة ومتتابعة، وفي أمكنة عديدة في طريق الجلجلة، وفي طريق عماوس، وعند بحيرة طبرية وفي الجليل، وأخيراً على جبل الزيتون حيث صعد أمامهم إلى السماء.

وتأثير قيامته ظهر في تلاميذه فانقلبوا من أناس ضعفاء جبناء هربوا من ظلم أعدائه، إلى رجال أقوياء شجعان، اعترفوا به أمام الملوك والعظماء، إذ حوَّلت قيامته الضعف فيهم إلى قوة، والجبن إلى شجاعة، فلم يخافوا الموت بل سفكوا دمهم في سبيل الاعتراف جهراً بقيامته المجيدة من بين الأموات.

وبدلت قيامته لدى المؤمنين به المفاهيم الروحية والأدبية، فالموت الأدبي الذي هو التمرغ بالخطايا والتمرد على اللّه أنقذنا منه المسيح إذ محا صك الخطية وبررنا وقدسنا وجعلنا مولودين من السماء، وأمرنا أن ندخل من الباب الضيق، ونسلك الطريق الصعبة ونحمل الصليب، بل أن نصلب أهواءنا معه على الخشبة.

لقد أنتظرت الشعوب مجيء المسيح، فجاء وخلص العالم من الأعداء البشرية الثلاثة، الموت والشيطان والخطية ودحرها، ووهب البشرية الحياة كوعده بقوله: أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل (يو 10: 10). لأنه هو الطريق والحق والحياة (يو 14: 6).

فحق لكل منا أن يقول مع الرسول بولس «لي الحياة هي المسيح»(في 1: 21) فقد أكتسبنا بموته وقيامته الحياة معه في هذه الحياة وفي الأبدية، إذ وعدنا قائلاً: «ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر» (مت 28: 20). «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (مت 18: 20).

ويقول الرسول بولس: «فإن كنا نتألم معه فلكي نتمجد أيضاً معه»(رو 8: 17) «من آمن بي وإن مات فسيحيا»(يو 11: 25).

فعلينا أن نحيا بالمسيح الحياة الأبدية، بتمسكنا بشريعته الإلهية، شريعة الكمال، وأن نسلك في الحياة الدنيا سلوك الذين ماتوا مع المسيح وقاموا معه من بين الأموات في اليوم الثالث ليسلكوا في الحياة الجديدة بالبر والتقوى ومخافة اللّه، سلوك أبناء السماء المؤمنين بأن لهم في السماء مخلصاً يشفع فيهم ويسمع صلواتهم، والمبتهجين بأن يعيشوا حياة السماء على الأرض، لكي يستحقوا عندما ينتقلون من هذه الحياة، أن يكونوا في عداد الأبرار والصالحين الذين يرثون ملكوت السموات متنعمين مع المسيح القائم من بين الأموات. الذي سيأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات. فقد وعدنا قائلاً: «تأتي ساعة يسمع فيها جميع الذين في القبور صوته فيقوم الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة»(يو 5: 29). «وهذه الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة»(يو 3: 19). وقال: «أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل» (يو 10: 10). كما قال: «لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم» (يو 15: 22). «لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطية، ولكن الآن تقولون إننا نبصر فخطيتكم باقية» (يو 9: 14).

فرسالة القيامة هي أن نقوم من موت الخطية لنحيا في المسيح، فنخلص من الموت الأدبي بالتوبة إلى الله، وسيكون الموت الطبيعي بالنسبة لنا رقاداً ونوماً مريحاً نستيقظ على أثره في فجر القيامة العامة وقد تخلصنا من الموت الأبدي لنحيا متمتعين بالسعادة الأبدية. الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى. فالمسيح قد قام حقاً قام وكل عام وأنتم بخير.


يوم الخلاص (15)

قال صاحب المزامير: «هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح به»

               (مز 118: 24)

إنه يوم قيامة المخلص من بين الأموات، فهو يوم الخلاص الذي أشرق فيه نور الرب، ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت (لو 1: 79) في ذلك اليوم المقدس أكمل المخلص عمل الفداء وأبهج الآباء والأنبياء وسائر الأبرار والأتقياء الذين يقول عنهم الرسول بولس: «في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيَّوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عب 11: 13). ومن جملة هؤلاء الآباء إبراهيم خليل اللّه الذي قال عنه الرب يسوع لشعب العهد القديم: «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح» (يو 8: 56).

فما أسمى فرحن