الحسايات

في حسايات الآحاد والأعياد والصيام وأسبوع الآلام وغيرها

الحِساية أو صلاة الاستغفار صلاة ودعا، منثور يتلى في أوقات خاصة، وهي قسمان يسمى الأول فروميون أي الفاتحة والمقدمة هونبذة يسيرة، ويقال للثاني وهو سدر وهو الجزء الأطول ويراد به النص، يتقدمها للمساء والصبح صلاة الابتداء، ويعقبها صلاة البخور وكثيراً ما تكون مزدوجة يتلوها خاتمة، وهي مما انفردت به الكنيسة الأرثذكسية.

ومضمونها تسبيح الله الذي جاد على الإنسان بنعم الوجود والخلاص، التي يعددها الكاهن في أوقاتها والأيام الخاصة بذكرها. يتفنن مؤلفوها في وصف جود السيد المسيح واحسانه للبشرية التي أنتشلها من هوة الهلاك، وجاء بها إلى الهدى بعد الضلال، وإلى نور الحق بعد الظلمة والعمى. ويختمها الكاهن مستغفراً عن خطايا الشعب مبتهلاً من أجل حفظ رعاة الكنيسة وتبرير كهنتها وشمامستها وطبقات المؤمنين لكشف المحن عنهم والحظوى بصنوف الرحمات والنجاة من الآفات، مترحماً على الموتى المؤمنين الراقدين على رجاء الإيمان والقيامة.

وفي الأعياد السيدية يصف مؤلفوها الأسرار الإلهية التي تمّت فيها. واوجبت تعظيمها وتفخيم شأنها. وكثيراً ما أفضوا في بيان العقائد الارثدكسية أي أصول الإيمان بالتثليث والتوحيد وسري التجسد والفداء، وأسرار الكنيسة ورموزها الشريفة فترسخ في عقول المصلين. وفي أيام الصيام يحثون المؤمنين على القيام بحقه بسيرة نقية من الآثام والتمسك بأهداب التوبة. وفي أعياد القديسين يذكرون جهادهم ويمدحون فضائلهم ويستشفعون بهم، وفي ذكر الموتى يستغفرون لهم ويترحمون عليهم، وفي خدمة سائر الأسرار يحصرون كلامهم في وصفها وما يتعلق بها.

ومستنبط هذا النوع من الأدعية، هويوحنا الثالث بطريرك انطاكية المسمى السدرات أخذاً من جزء الحساية الثاني، وذلك في العقد الرابع من القرن السابع. وانتشرت الحساية انتشاراً عظيماً، فبينما كانت لأول أمرها واحدة أوأثنين معينة مخصوصة أوبدون تعيين، زيدت شيئاً فشيئاً حتى بلغت للآحاد أوالعيد الواحد خمساً وهي: حسايّة المساء أي ليلة الأحد وحسايتان لقومتي صلاة الليل الأولى والثانية والصبح والساعة الثالثة، إذ نسج الملافنة على منوال البطريرك فأجادوا في تصنيف هذه الأدعية. وقد حظينا بنسخ قديمة ثمينة منها في كنائس طور عبدين عُلقت على هوامشها أسماء مؤلفيها الذين بلغوا سبعة وثلاثين وهم ثلاث طبقات: طبقة البلغاء وطبقة المنشئن المتوسطين وطبقة المتخلفين وهذا ثبتهم:

الطبقة الأولى:

 1: يوحنا بطريرك أنطاكية 648 +

 2: ماروثا مفريان تكريت 649 +

 3: ساويرا الثاني بطريرك انطاكية 683

 4: اثناسيوس الثاني بطريرك أنطاكية 686

 5: ساويرا أبن كيفا مطران بارمان 903 +

 6: اثناسيوس أسقف قلّيسور 983 +

 7: البطريرك يوحنا العاشر ابن شوشان 107

 8: سعيد أبن الصابوني مطران ملطية 1120

 9: ديونيسيوس أبن موديانا مطران ملطية 1120 –

10: يعقوب أبن الصليبي مطران آمد1171

11: ميخائيل الكبير بطريرك انطاكية 1999+

12: ابراهيم مطران آمد فالرها فتلبسم 1207+

13: باسيليوس الثالث أوالرابع مطران قرتمين 1254 +

14: يوحنا ابن المعدني بطريرك انطاكية1263 +

15: الراهب الناسك أبونصر البرطلي 1290

وهذه الطبقة هي التي ألفت معظم الحسايات التي وردت في أقدم النسخ. وامتاز أبو نصر بتصنيف أربعًا وتسعين منها وبقي عدد غير قليل مجهول المؤلف.

الطبقة الثانية:

16: جبرائيل البرطلي مطران الجزيرة 1300+

17: الراهب يشوع أبن خيرون1335+

18الراهي صليبا أبن خيرون 1340+

19: توما الحاحي الناسك العمودي

20: المطران أبوالوفا الحصكفي

21: يوسف أبن غريب مطران آمد 1360

22: البطريرك ابراهيم أبن غريب 1412 +

23: القس اشعيا السبريني 1425+

24: القس شمعون الآمدي 1452

25: البطريرك بهنام الحدلي 1554+

26: الراهب ملكي ساقو1490

 27: الراهب يشوع السبريني 1490+

28: القس أدّى السبريني 1499

29: الراهب داؤود الحمصي 1500

30: المطران سرجيس الحاحي 1508

31: يوسف الكرجي مطران أورشليم1537

الطبقة الثالثة:

32: عزيز الفافي 1473

33: البطريرك مسعود الزازي 1512+

34: الأسقف شمعون

35: يوسف الحبابي

36: يوحنا المارديني مطران أورشليم 1577 +

37:الخوري يعقوب القطربلي 1783+

وتجد بينهم نقرأ لا نعرف له الأحساية واحدة أو اثنين وورد في بعض النسخ حسايات نحلت خطأ إلى القس صموئيل تلميذ مار برصوم، ومار يعقوب السروجي ومار فيلكسينوس المنبجي والأنبا يوحنا أبن افتونيا.

وتؤلف الحسايات ستة مجلدات، خمسة منها ضخمة تحتوي زهاء ستمائة وخمسين حساية. يسمى المجلد الأول فنقيث الشتاء بدءاً من أحد تقديس البيعة وهورأس السنة الكنيسة إلى أحد الشعانين. ويتضمن الثالث حسايت أسبوع الآلام من ليلة الاثنين حتى الساعة التاسعة من سبت البشائر، وفيه حساية لكل من قومات الأيام الخمسة وأربع حسايات لليل الجمعة العظيمة. والمجلد الرابع وهوالفنقيث الصيفي يختص بآحاد القيامة الأربعة والعشرين، يتقدمها حسايات يومية لأسبوع البياض. والمجلد الخامس للأعياد السيدية وأعياد العذراء والشهداء والقديسين، ويشتمل السادس على ثماني حسايات لذكرى أعمال السيد المسيح الخلاصية بنوع عام، وتعرف بالمدبرونوث.

وفي آخر كتاب الاشحيم سبع حسايات وجيرة تتلى بين صلواته. وفي كنيسة الموصل كتاب صغير يتضمن حسايات يومية وجيزة معينة لأيام الأسبوع، للعذراء والصليب والقديسين والشهداء والتوبة والكهنة والموتى والمؤمنين وتتلى سراً. ولسائر طقوس الأسرار وغيرها وحسايات خاصة بها نجهل مؤلفيها.

أما أنشاء غالب الحسايات ففي أعلى الطبقات تغلب عليه الجزالة والبلاغة. وليعضها أسلوب رائع وكلام حسن المعنى مليح اللفظ سهل المورد يأخذ بمجامع القلوب، كإنشاء يوحنا أبي السدرات واثناسيوس الثاني ويعقوب الرهاوي في حسايات القداس الإلهي، وابن كيفا وابن شوشان وأثناسيوي القليسوري وابن الصابوني وأبي نصر البرطلي. وإذا قرأت حسايات أبن الصابوني تراه، على استبحاره في اللغة واضطلاعه بالفلسفة، وهي لائحة على ديباجة إنشائه، قد ملك ناصية البيان، فانقادت أوضاع اللغة ذُللاً بين يديه، تؤاتيه في مختلف المواضيع كيفما شاء، ولولا ألفاظ يونانية جارى فيها طريقة الفلاسفة، لحكمت أنه زعماء الأسلوب المنمق وأنبههم ذكراً وأبعدهم صيتاً. وأنشاء أبي نصر يشهد له بغزارة المادة وسعة الباع وجمال في الصنعة ورونق.

وتجد أنشاء أهل الطبقة الثانية، سهل المورد مليح اللفظ، عليه مسحة واضحة من الفصاحة ولكنه لا يعد من الطراز العالي.

ومما يؤُخذ على بعضهم كأبي الوفاء ويشوع السبريني والكرجي كلّفهم بالألفاظ الأعجمية وحينئذ يظهر أنشاؤهم بادي الكلفة. وأما يوسف ابن غريب فهو كاتب أسلست له اللغة قيادها. ومثله البطريرك بهنام الحدلي إذا استثنينا له ألفاظًا يونانية يسيرة لا يثقل كثيراً وضعها، والباقون فإنشاؤهم وسط. والذي غاص بالتعامل والسجع الغثّ هوالقطربلي في حساياته الخمس التي عملها للقديس ملكي الناسك، وقد حصرت نسختها في كنيسة آمد وأهملت.

وتجد فريقاً من الحسايات، تكلف الأوصاف أوالأدعية وحصرها في أحرف أبجدية طلاداً وعكساً، وفيهم من ضمنها عبارات مجموع حروفها يوضح أسمه، ولزم فيها الأسجاع.

واعلم أن عدداً غير يسير منها وُضع وأستعمل في موطن مؤلفه أوما ولاه، من ذلك حسايات الطورعبدينين المتأخرين الذين أستهواهم وصف سير وقصص نساك وشهداء. عُرفوا في ديارهم، وحسايات القس شمعون الآمدي لم تستعمل مطلقاً وظلت في نسختها بخط يده.

ورأينا في خزانة بوسطن (في الولايات المتحدة) مجلدة على رق عدد 4031 بقلم اسطرنجيلي غليظ جميل أنجزت في المئة العاشرة أوالحادية عشرة، تشتمل على حسايات من تقديس البيعة حتى عيد الصليب، وهي تامة العدد للقومات الخمس، وتظهر أنها لم تصل إلى سائر بلاد المشرق فألف أبونصر البرطلي أكثر حسايات قومتي الليل والساعة الثالثة تكميلاً للعدد، فعم انتشارها في سائر النسخ التي أطلعنا عليها في كنائس العراق والجزيرة وغيرها.

ومن أقدم النسخ مخطوط في خزانة باريس عدد 70 يسمى فنقيث الكهنة وهو صغير جداً بقلم أسطرنجيلي بديع أنجز سنة 1059 يحوي ثلاث ليتورجيات وحسايات على مدار السنة تتبعها الأدعية الابتدائية. وفي خزانة لندن عدد 14494 مخطوط عتيق يتضمن بعض حسايات وصلوات البخور وأدعية تتلى بين المراميث أعني بين قطع من المزامير، وبعضها على الأبجدية ومنها تأليف قرياقس مطران تلاً (أواخر القرن السادس).

وفي الخزانة القدسية المرقسية فنقيث للكهنة عدد55 بقلم اسطرنجيلي مليح على ورق، بخط القس سعيد شملي أبن القس يوحنا في حصن زياد سنة 1171 يحوي حسايات بدون تعيين، للغطاس وما بعده والصيام والآلام والقيامة والصعود والعنصرة، والمدبرنوث والرسل والقديسين وانتقال العذراء، وبعض أعياد القديسين كمار يوحنا ومار جرجس ومار برصوم وغيرهم، وأدعية شتى تقال قبل الحسايات وبعدها وبين المراميث ثم حسايات للصيام بقلم غربي.

وفي باريس مجلد حسايات شتوية (عدد 167 بخط البطريرك ميخائيل سنة 1190) من تقديس البيعة إلى العنصرة، يتخلله أعياد العذراء والرسل والملافنة وأحد الشهداء وهوكثير الصلوات. منه لبعض الأعياد والآحاد حساية واحدة أواثنتان أوثلاث. وحسايات يسيرة للصيام الكبير. وحساية واحدة لكل يوم من أسبوع الآلام حاشا الجمعة فأن لها ثلاثاً. وكثير منها يتفاوت في عدد الفواتح والنصوص. وسدر واحد لكل من المدبرنوث والتوبة والستار أي صلاة العشاء والمساء.

ورأينا في دير الصليب بالقرب من قرية دفنة بطور عبدين، مجلداً مخطوطاً سنة 1555يحوي مئة وسبعين حساية، وفي قرية مدّومجلدة أنجزت بين سنة 1460- 1480 تنطوي على ثلاثمائة وسبع حسايات – فيقّدر مجموع صفحات الحسايات برمّتها زهاء أربعة آلاف بالقطع الوسط، وهي ذخيرة أدبية عظيمة لها في تاريخ الأدب السرياني من وجهة إنشائها مكانة معتبرة.

ولما عمّت العربية البلاد وأفل نجم السريانية من سماء العانة، أضطر بعض المتأخرين إلى ترجمة غالب الحسايات منذ أواخر القرن الخامس عشر، فنقل الراهب داود الحمصي بضعة أنشاء أحسن في بعضه وتوسط في بعضه. ثم أنصرف من جاء بعده إلى نقلها فشوهوا معانيها بنقل ضعيف ركيك وخاصة نقلة القرن الثامن عشر.

المصدر: اللؤلؤ المنثور، ص 75-80.