الإيثيقون

الإيثيقون

فلسفة الآداب الخلقية

ألّفه بالسريانية

العلامة الكبير والفيلسوف السرياني الشهير

ماغريغوريوس ابن العبري مفريان المشرق

ترجمه وكتب مقدمته

الملفان ماغريغوريوس بولس بهنام

مطران بغداد والبصرة

أعاد طباعته

 دير ما أفرام السرياني

 

لا مانع من طبعه

فيلكسينوس متياس نايش

المعاون البطريركي ومدير كلية مار أفرام السرياني اللاهوتية

حقوق الطبع والنشر محفوظة للدير

اسم الكتاب : الإيثيقون.

المؤلف : مار غريغوريوس ابن العبري.

المترجم : مار غريغوريوس بولس بهنام.

المطبعة : شـافـير ـ القامشلي 0933658872

الطبعة : الأولى 2011

العدد: 1000 نسخة

رقم الإيداع : 108777

يطلب الكتاب من دير مار أفرام السرياني.

هاتف : 5951870.

وأيضاً من : كنيسة مار قرياقس في نور شوبينغ في السويد

هاتف : 073894492

أو من موقع الكنيسة : www.kyriakos.se  أو info@kyriakos.se

 

 

 

 

فهرس الكتاب :

مقدمة النسخة الحالية

المقدمة بقلم المترجم

1 – من هو ابن العبري

2 – كتاب الإيثيقون

3 – نشوء التصوف وانتشار الفكرة في الشرق

4 – التصوف في الآداب السريانية

5 ـ  التصوف لدى ابن العبري

مقدمة المؤلف

المقالة الأولى ترويض الجسد وتنظيم حركات تمرينه وفيه تسعة أبواب

الباب الأول الصلاة وفيه تسعة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في فضيلة الصلاة

الفصل الثاني جمع العقل إبان الصلاة

الفصل الثالث شرود الأفكار وشفاؤه

الفصل الرابع الأعمال التي بها تكتمل الصلاة

الفصل الخامس الفرح الذي يطرأ على الكاملين في الصلاة

الفصل السادس كيفية الصلاة العامة

الفصل السابع ليست الصلاة الطاهرة بالكلمات المصقولة

الفصل الثامن أوقات الصلاة

الفصل التاسع الاحتفال بالقداس ليس من واجبات النساك

الباب الثاني أعمال النسك وفيه عشرة فصول

الفصل الأول كلام الآباء في فضيلة الأعمال

الفصل الثاني تنوع الأعمال

الفصل الثالث في الطلبة

الفصل الرابع قوانين الطلبة

الفصل الخامس ذكر الله

الفصل السادس القراءة

الفصل السابع في التأمل

الفصل الثامن تقسيم أوقات الصلاة

الفصل التاسع الركوع ، وعدم تحميل الجسد أكثر من طاقته

الفصل العاشر الأوقات تختلف باختلاف المهام

الباب الثالث السهر والنوم وفيه خمسة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في السهر

الفصل الثاني الأسباب المساعدة للسهر

الفصل الثالث طبقات الساهرين

الفصل الرابع قوانين النوم

الفصل الخامس ما يحدث في الأحلام

الباب الرابع في المزامير وفيه سبعة فصول

الفصل الأول كيفية الترتيل

الفصل الثاني عدد المزامير المرتلة

الفصل الثالث وجوب الترتيل بخشوع وببكاء

الفصل الرابع أسباب البكاء

الفصل الخامس الإحساس الذي يثور في الكاملين لدى الترتيل

الفصل السادس تفهم المزامير ذو أثر وفائدة

الفصل السابع لكل شأن وميل نفسي مزمور خاص

الباب الخامس الألحان وفيه تسعة فصول

الفصل الأول رأي النساك الذين لا يُجيدون الألحان

الفصل الثاني الرأي الصبياني الذي ينادى بمرافقة آلات الطرب والرقص للترتيل

الفصل الثالث رأي من يجيز بعض الألحان ويمنع بعضها وهو الصواب

الفصل الرابع من وضع الأغاني الروحية في الكنيسة ومتى ؟

الفصل الخامس الأسباب التي من أجلها دخلت الألحان الكنيسة

الفصل السادس اللذة المتولدة من اللحن وسببها

الفصل السابع أسباب النغمة الطبيعية

الفصل الثامن درجات الفهم لمعاني مادة الترتيل

الفصل التاسع تأثير الألحان في النفس

الباب السادس الصوم وفيه سبعة فصول

الفصل الأول تأثير الصوم وفوائده

الفصل الثاني أنواع الصوم الأساسية

الفصل الثالث درجات الصوم وقوانينه العامة

الفصل الرابع قوانين الصوم الخاص

الفصل الخامس قانون الصوم الأخص

الفصل السادس عدد الأصوام وأيامها

الفصل السابع  الأمور الممنوعة أثناء الصيام في القوانين الكنسية

الباب السابع العزلة  وفيه خمسة فصول

الفصل الأول آراء الآباء في فضيلة العزلة

الفصل الثاني آراء الفضلاء في الزلة

الفصل الثالث فوائد العزلة

الفصل الرابع فوائد العشرة

الفصل الخامس أعمال العزلة وقوانينها

الباب الثامن الغربة وفيه خمسة فصول

الفصل الأول أراء الآباء في فضيلة الغربة

الفصل الثاني تحديد الغربة

الفص الثالث أقسام الغربة وأسبابه

الفصل الرابع النظم المادية للمسافرين في الطريق

الفصل الخامس النظم الروحية للمسافرين

الباب التاسع زيارة أورشليم وفية خمسة فصول

الفصل الأول الآراء حول زيارة الأماكن المقدسة

الفصل الثاني الآراء في السكنى في أورشليم

الفصل الثالث الشروط التي يجب أن يتقيد بها المسافر إلى أورشليم

الفصل الرابع الشروط التي يجب التقيد بها في أورشليم

الفصل الخامس التأمل في الأماكن المقدسة

المقالة الثانية ترتيب أعمال الحياة الجسدية وفيها ستة أبواب

الباب الأول الطعام والشراب وفيه أحد عشر فصلاً

الفصل الأول شروط الطعام

الفصل الثاني الشروط التي يجب أن تراعى أثناء الطعام

الفصل الثالث الشروط التي يجب أن تراعى بعد الطعام

الفصل الرابع شروط التناول الجماعي في الأديرة

الفصل الخامس تقديم الطعام للضيف

الفصل السادس عناصر الدعوة إلى وليمة وشروطها

الفصل السابع شروط التلبية

الفصل الثامن الحضور

الفصل التاسع تقديم الطعام

الفصل العاشرالخروج من الوليمة

الفصل الحادي عشر شروط مجالس الشرب

الباب الثاني الزواج الشرعي وفيه سبعة فصول

الفصل الأول البتولية والزواج وأيهما أفضل

الفصل الثاني قيمة الزواج الشرعي

الفصل الثالث فوائد الزواج

الفصل الرابع أضرار الزواج

الفصل الخامس الصفات المطلوبة في الخطيبة

الفصل السادس واجبات الرجل نحو زوجته

الفصل السابع واجبات الزوجة نحو زوجها

الباب الثالث في نظافة الجسد – وفيه عشرة فصول

الباب الرابع التربية والتعليم وفيه أربعة فصول

الفصل الأول تربية الأطفال

الفصل الثاني تصرفات الشباب والشيوخ

الفصل الثالث كيفية تصرف الشاب في خدمة لملوك

الفصل الرابع حالات تصرف رجال البر مع الملوك الطغاة

الباب الخامس الأعمال اليدويّة وفيه ستّة فصول

الفصل الأوّل أقوال الآباء في فضيلة الأعمال اليدويّة

الفصل الثاني تعطيل الأعمال اليدويّة

الفصل الثالث أنواع الأعمال

الفصل الرابع الخطايا الناتجة عن البيع والشراء

الفصل الخامس إسداء المعروف في التجارة

الفصل السادس حقيقة العدالة في التجارة

الباب السادس الصدقات وفيه أربعة فصول

الفصل الأوّل أنواع الزكاة وأجناسها

الفصل الثاني أصحاب الحقّ في تناول الصدقة

الفصل الثالث ما يترتّب من الشروط على مقدّمي الزكاة

الفصل الرابع الشروط التي يجب أن يتقيّد بها متناول الزكاة

المقالة الثالثة تنقية النفس من الأهواء الشرّيرة فيها اثنا عشر باباً

الباب الأوّل النفس. قواها. خصائصها. ميولها وفيه أحد عشر فصلاً

الفصل الأوّل تفسير أسماء النفس

الفصل الثاني القوى الخادمة للنفس

الفصل الثالث أقوال الأنبياء في قوى النفس الثلاثية

الفصل الرابع خصائص النفس العاقلة

الفصل الخامس الحالات المختلفة الطارئة على النفس البشريّة

الفصل السادس النفس الناطقة بالنسبة إلى المعقولات

الفصل السابع طبقات العارفين

الفصل الثامن ضدّ الذين يعطّلون أعمال النسك بسبب خطر الأمراض

الفصل التاسع البراهين الطبيعيّة في طبقات العارفين الأربع

الفصل العاشر كيف تتفجّر الأفكار في النفس

الفصل الحادي عشر الميول النفسيّة الصالحة والطالحة

الفصل الثاني عشر الأبواب التي منها تدخل الخطيئة

الباب الثاني ترويض النفس وإصلاح العادات وفيه أحد عشر فصلاً

الفصل الأوّل تحديد العادة

الفصل الثاني صحّة النفس وأمراضها

الفصل الثالث العادات متبدّلة

الفصل الرابع الأسباب التي معها يصعب تبدّل العادات

الفصل الخامس الأمور التي بها تُنال العادات الطيّبة

الفصل السادس تحديد أمراض النفس

الفصل السابع كيفيّة معرفة الإنسان عيوبه

الفصل الثامن تمزيق الستار (عن عيون النفس)

الفصل التاسع التزوّد للسفر الروحيّ

الفصل العاشر المكوث في الصومعة

الفصل الحادي عشر عثرات الكاملين

الباب الثالث الشراهة وعلاجها وفيه تسعة فصول

الفصل الأوّل كلام الآباء في الحذر من الشراهة

الفصل الثاني الأهواء الناتجة عن الشراهة

الفصل الثالث فوائد الجوع

الفصل الرابع تقليص كمية الطعام

الفصل الخامس نوعية الطعام

الفصل السادس أوقات الطعام

الفصل السابع شرب الماء

الفصل الثامن الجوع يفيد المبتدئين أكثر مما يفيد الكاملين

الفصل التاسع الأهواء التي تثور في المتوحدين

الباب الرابع: ويتحدث عن الشهوات وعلاجها، وفيه تسعة فصول.

الفصل الأول: أقوال الآباء عن هوى الزنى.

الفصل الثاني الآلام التي تتولد من الشهوات

الفصل الثالث. النجاسة وأسبابها وعلاجها.

الفصل الرابع. أقوال الآباء عن الانتباه من مخالطة النساء والأولاد.

الفصل لخامس. أسباب الهيجان وعلاجه.

الفصل السادس. معرفة علامات الشفاء.

الفصل السابع: الزنى بالمشاهدة والنظر

الفصل الثامن المشاهدة هي التي أدخلت الخطيئة إلى العالم.

الفصل التاسع. عدم تأثر الكاملين.

الباب الخامس عثرات اللسان وفيه تسعة عشر فصلاً

الفصل الأول كلام الآباء في لجم اللسان

الفصل الثاني فضيلة الصمت

الفصل الثالث الكلام الباطل

الفصل الرابع كثرة الكلام

الفصل الخامس الكلام المبطن يؤثم

الفصل السادس المشاجرة

الفصل السابع الخصام

الفصل الثامن الشتم

الفصل التاسع الحرم واللعنة

الفصل العاشر الغناء والشعر

الفصل الحادي عشر الهزل

الفصل الثاني عشر السخرية

الفصل الثالث عشر الكذب

الفصل الرابع عشر الاغتياب

الفصل الخامس عشر الثلب

الفصل السادس عشر النفاق

الفصل السابع عشر المديح

الفصل الثامن عشر الكلام الساذج

الفصل التاسع عشر بحث ما لا يفيد

الباب السادس الغضب والحسد والحقد وفيه خمسة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في الحذر من الغضب

الفصل الثاني الأسباب التي من أجلها غرس الغضب في طبيعة الإنسان

الفصل الثالث أسباب الغضب ومعالجتها

الفصل الرابع الضغينة (الحقد)

الفصل الخامس الحسد

الباب السابع الشهوات الباطلة وفيه أربعة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في تفاهة الشهوات

الفصل الثاني أشباه العالم الباطلة

الفصل الثالث الشهوات وأقسامها

الفصل الرابع اختلاف إرادة الناس في الرغبة بالشهوات

الباب الثامن محبة المال وفيه سبعة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في الحذر من محبة المال

الفصل الثاني الغنى سبب يفيد منه بعض الناس

الفصل الثالث فوائد الغنى

الفصل الرابع مضار الغنى

الفصل الخامس معالجة الطمع

الفصل السادس السخاء والبخل والإسراف

الفصل السابع سبب البخل  ومعالجته

الباب التاسع محبة المجد الباطل وفيه أربعة فصول

الفصل الأول كلام الآباء في الحذر من المجد الباطل

الفصل الثاني تحديد الطمع في المجد الباطل وسببه ومعالجته

الفصل الثالث درجات الممدوحين

الفصل الرابع درجات المشتومين

الباب العاشر التظاهر أو المراءاة وفيه ثمانية فصول

الفصل الأول كلام الآباء تحذيراً من المراءاة

الفصل الثاني تحديد التظاهر

الفصل الثالث أقسام التظاهر

الفصل الرابع درجات المتظاهرين

الفصل الخامس أسباب التظاهر

الفصل السادس فرح الناسك باشتهار فضائله

الفصل السابع علاج التظاهر

الفصل الثامن أسباب إظهار الفضائل الخاصة

الباب الحادي عشر الكبرياء وفيه سبعة فصول

الفصل الأول كلام الآباء تنديداً بالكبرياء

الفصل الثاني كلام الآباء في امتداح فضيلة التواضع

الفصل الثالث تحديد الكبرياء

الفصل الرابع أسباب الكبرياء

الفصل الخامس ميزات الكبرياء

الفصل السادس علاج الكبرياء

الفصل السابع ميزات من يُشفى من داء الكبرياء

الباب الثاني عشر الخيلاء أو التفاخر وفيه أربعة فصول

الفصل الأول كلام الآباء في الحذر من الخيلاء

الفصل الثاني تحديد الخيلاء

الفصل الثالث ينابيع الخيلاء

الفصل الرابع معالجة الخيلاء

المقالة الرابعة تجميل النفس بأنواع الفضائل وفيه ستة عشر باباً

الباب الأول العلم وفيه ثمانية فصول

الفصل الأول شهادات كتابية في فضيلة المعرفة

الفصل الثاني تقسيم العلوم

الفصل الثالث كيفية تدرج المبتدئين في العلوم

الفصل الرابع آيات الكتاب في فضيلة التعلم

الفصل الخامس الشروط التي يجب أن يتقيد بها طالب العلم

الفصل السادس كلام الآباء في أن المعلم يجب أن يعلم بالعمل

الفصل السابع الشروط التي يجب أن يتقيد بها المعلم

الفصل الثامن ميزات المعلم الصالح

الباب الثاني النصح والتوبيخ وفيه خمس فصول

الفصل الأول لا حق للنساك أن يوبخوا بل للمدبرين

الفصل الثاني كلام الآباء في الامتناع عن التوبيخ

الفصل الثالث عناصر التوبيخ

الفصل الرابع الأعمال التي يجب أن يُمنع فاعلوها من فعلها

الفصل الخامس نصح الملوك والسلاطين

الباب الثالث الإيمان وفيه تسعة فصول آيات الكتاب في فضيلة الإيمان

الفصل الأول

الفصل الثاني تحديد الإيمان

الفصل الثالث الإيمان ثلاثة أنواع

الفصل الرابع كيف يثبت هذا الإيمان في القلب

الفصل الخامس الدفاع الجدلي عن الإيمان

الفصل السادس لا يجب أن نتوقف عند المعنى الحرفي لكل آية كتابية

الفصل السابع الآيات التي يجب أن نسلم بها كما هي والآيات المفسرة

الفصل الثامن فوائد الإيمان

الفصل التاسع عظم الإيمان وضآلته

الباب الرابع التوبة وفيه اثنا عشر فصلاً

الفصل الأول كلام الآباء في فضيلة التوبة

الفصل الثاني تحديد التوبة

الفصل الثالث التوبة مقبولة دائماً

الفصل الرابع أقسام الخطايا التي نتوب عنها

الفصل الخامس الأسباب التي تضخم الخطايا

الفصل السادس المخادع التي يصير إليها الخطاة

الفصل السابع أصناف التائبين

الفصل الثامن ماذا يجب أن يفعل التائب العاثر

الفصل التاسع الأسباب التي يزل بها المؤمنون

الفصل العاشر العلاجات المجدية للتائبين

الفصل الحادي عشر الأمور التي بها يصلح المرشد التائب

الفصل الثاني عشر الآيات الكتابية في فضيلة الاعتراف

الباب الخامس الصبر (الثبات) وفيه سبعة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في فضيلة الصبر

الفصل الثاني تحديد الصبر

الفصل الثالث تنوع أسماء الصبر

الفصل الرابع طبقات الصبر

الفصل الخامس عناصر الأمور التي يجب الصبر عليها

الفصل السادس أنواع التجارب

الفصل السابع العلاجات المقوية للصبر وعلاماتها

الباب السادس الشكر وفيه ثلاثة عشر فصلا

الفصل الأول أقوال الآباء في فضيلة الشكر

الفصل الثاني تحديد الشكر

الفصل الثالث النعمة التي هي سبب الشكر وأقسامها

الفصل الرابع نعم الله لا تنضب

الفصل الخامس النعم الكامنة في أسباب الإدراك

الفصل السادس النعم الكائنة في تكوين الإرادة

الفصل السابع النعم الكامنة في قوى الحركة وأجهزتها

الفصل الثامن النعم الكامنة في الأطعمة

الفصل التاسع نعم الوسائط الناقلة للأطعمة

الفصل العاشر نعم أعداد الأطعمة

الفصل الحادي عشر نعم إنجاز عمل الأطعمة

الفصل الثاني عشر الأسباب التي تمنع الشكر

الفصل الثالث عشر الأسباب التي تجمع بين الشكر والصبر

الباب السابع الرجاء وفيه أربعة فصول

الفصل الأول أقوال داود النبي في فضيلة الصبر

الفصل الثاني تحديد الرجاء

الفصل الثالث أسباب الرجاء

الفصل الرابع العلاجات التي تعزز الرجاء

الباب الثامن التقوى (خشية الله) وفيه خمس فصول

الفصل الثاني تحديد الخوف

الفصل الثالث درجات التقوى

الفصل الرابع أقسام مادة الخوف

الفصل الخامس الوسائط التي بها تتثبت خشية الله (التقوى)

الباب التاسع الفقر الاختياري وفيه خمس فصول

الفصل الأول أقوال النبي داود في فضيلة الفقر الاختياري

الفصل الثاني تحديد الفقر وأصناف الفقراء

الفصل الثالث معارضة الفقر والغنى أحداهما للآخر

الفصل الرابع الشروط التي يجب أن يراعيها الفقير

الفصل الخامس الأسباب التي تجيز الطلب أو تمنعه

الباب العاشر الزهد وفيه ثمانية فصول:

الفصل الأول: أقوال الآباء في فضيلة الزهد

الفصل الثاني تحديد الزهد وعناصره

الفصل الثالث درجات الزهاد

الفصل الرابع الزهد في الطعام

الفصل الخامس الزهد في الملبس

الفصل السادس الزهد في المسكن

الفصل السابع الزهد في الأثاث

الفصل الثامن الزهد في المال

الباب الحادي عشر التوكل وفيه عشرة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في فضيلة التوكل على الله

الفصل الثاني تحديد التوكل وعناصره

الفصل الثالث درجات التوكل

الفصل الرابع التوكل طلبا ًللفائدة

الفصل الخامس التوكل حفظا ً للنعمة المعدة

الفصل السادس التوكل حذرا ً من الخطر المتوقع

الفصل السابع حتى حمل السلاح يدل على التوكل

الفصل الثامن شروط التوكل (على الله)

الفصل التاسع دفع الخطر الحاضر

الفصل العاشر الأسباب التي من أجلها يهمل الأبرار المعالجة (الطبية)

الباب الثاني عشر المحبة الأخوية وفيه سبعة عشر فصلا

الفصل الأول أقوال الآباء في المحبة الأخوية

الفصل الثاني أقسام المحبة وأسبابها

الفصل الثالث الخواص التي يجب أن يتحلى فيها من يُحب

الفصل الرابع واجبات الأصدقاء بعضهم نحو بعض

الفصل الخامس واجبات الأصدقاء في المساعدة

الفصل السادس واجبات الأصدقاء في كتم أسرار أصدقائهم

الفصل السابع واجبات الصديق في الكلام

الفصل الثامن واجبات الأصدقاء في المسامحة

الفصل التاسع واجبات الأصدقاء في الصلاة

الفصل العاشر واجبات الصديق في صدق المحبة

الفصل الحادي عشر واجبات الصديق في حمل الأعباء

الفصل الثاني عشر الفرق بين المحبة والصداقة

الفصل الثالث عشر واجبات المؤمنين بعضهم نحو بعض

الفصل الرابع عشر واجبات الجيرة

الفصل الخامس عشر واجبات القرابة

الفصل السادس عشر حقوق العبيد والإماء

الفصل السابع عشر الصفات الحميدة التي يجب أن يتصف بها المؤمنون

الباب الثالث عشر ذكر الله والـتأمل بمخلوقاته العجيبة وفيه تسعة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في فضيلة ذكر الله تعالى

الفصل الثاني يشتد ذكر الله في النفس بتأمل مخلوقاته

الفصل الثالث مدهشات اليوم الأول

الفصل الرابع مدهشات اليوم الثاني

الفصل الخامس مدهشات اليوم الثالث

الفصل السادس مدهشات اليوم الرابع

الفصل السابع مدهشات اليوم الخامس

الفصل الثامن مدهشات اليوم السادس

الفصل التاسع يتألق العقل في التفكير السليم

الباب الرابع عشر نقاء الأفكار وفيه أربعة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في الأفكار

الفصل الثاني تحديد نقاء الأفكار

الفصل الثالث أجناس الأفكار الشريرة

الفصل الرابع كيف تسترق الشرور الإنسان بشكل الفضائل

الباب الخامس عشر محبة الله وفيه خمسة عشر فصلا

الفصل الأول أقوال الآباء في محبة الله

الفصل الثاني تحديد المحبة وأقسامها وأسبابها

الفصل الثالث كل سبب من أسباب المحبة هذه يوجب محبة الله

الفصل الرابع لذة معرفة الله تفوق كل لذة

الفصل الخامس أن معرفة الله بعد فراق الحياة الحاضرة تسمو وتتعاظم

الفصل السادس الأسباب التي تضرم محبة الله وتقويها

الفصل السابع درجات محبة الله

الفصل الثامن سبب عدم معرفة المخلوقات خالقها

الفصل التاسع أنواع شوق النفس إلى الله

الفصل العاشر ميزات محبي الله

الفصل الحادي عشر التعزية بالله والدالة عنده

الفصل الثاني عشر الضيقات التي يقاسيها العارفون حبا ً بالله

الفصل الثالث عشر درجات العارفين في محبة الله

الفصل الرابع عشر حالات الكاملين

الفصل الخامس عشر جمع الكلمات المتفرقة في المحبة

الباب السادس عشر التفكير بالموت وفيه ستة فصول

الفصل الأول أقوال الآباء في التفكير بالموت

الفصل الثاني الأسباب التي تحول دون تصور الموت وعلاجها

الفصل الثالث مرارة كأس الموت ومعالجتها

الفصل الخامس الندم الذي يستولي على الخاطئ لحظة موته

الفصل السادس الرؤى التي تجلت لبعض الآباء لحظات الانتقال

 

 

 

 

 

مقدمة النسخة الحالية

بعد حمد الله الذي يستحق الحمد وحده، قمنا نحن رهبان وطلاب دير مار أفرام السرياني بإعادة كتابة هذا الكتاب الرائع الإيثيقون الذي يعني (حسن الأخلاق) بسبب نفاذه من المكتبات وعدم توفره للراغبين بقراءته أو الإطلاع عليه.

ولن نشرح هنا عن محتويات هذا الكتاب لأن مقدمة مترجمه العلامة مار غريغوريوس بولس بهنام كافية ووافية في هذا الصدد. بل أردنا هنا أن نقدم له الشكر والدعاء ليجازيه الرب خيراً على ترجمته هذه وعلى جميع أتعابه التي قدمها للكنيسة وشعبها. وأيضاً لا ننسى أن نشكر ونصلي لمؤلف هذا الكتاب العلامة ماغريغوريوس ابن العبري صلاتهما تكون معنا آمين.

كما نلفت انتباه القارئ العزيز بأن المترجم كان قد تغافل عمداً ترجمة بابين من هذا الكتاب لعدم فائدتهم بحسب رائه للقارئ لكننا وجدنا أن الباب الرابع من المقالة الثالثة فيه فائدة للقارئ فقمنا بترجمته وأغفلنا عن الباب الآخر وهو الباب الثالث من المقالة الثانية تعاضداً مع المترجم لأننا وجدنا فعلاً عدم فائدته.

نرجو من الله بأن تصلوا لديرنا الحبيب ولأجلنا لكي يمنحنا الرب قوة وعزماً لنخدمه ونخدم جميع أبنائه بكل قدرتنا آمين.

 

المقدمة بقلم المترجم

بعد حمد الله تعالى:

كنا منذ أمد بعيد قد أخذنا على عاتقنا دراسة التراث السرياني الجليل، لِمَا لهذا التراث من منزلة رفيعة في نفوسنا وفي نفوس المطلعين على قيمته وغزارته، وهو غني عن الوصف والتعريف وقد قال الرب ” لا تُخفى مدينة موضوعة على جبل”.

أما تراث علامتنا ابن العبري فلا شك أنه من نفائس ما جرت به الأقلام في مختلف العصور المسيحية، وخاصة من الناحية الروحية، وقد اخترنا اليوم كتابه الجليل (الإيثيقون) فعرّبناه ليطلع عليه الناطقون بالضاد العزيزة عامة، وأبناء الكنيسة السريانية خاصة. وعلى هذا الأمل نضع أمام القارئ الكريم _كمقدمة للإيثيقون _ النقاط التالية:

 من هو ابن العبري

نظراً للشهرة الواسعة التي يتمتع بها علامتنا مار غريغوريوس ابن العبري مفريان المشرق الجليل نورد فقط خلاصة عابرة لتاريخ حياته الخصبة، وكنا قد درسناها دراسة وافية في كتابنا     ( ابن العبري الشاعر). [1]

ولد هذا العالم الكبير عام 1226م في مدينة ملاطية من أبوين مسيحيين فاضلين، وأبوه هو الطبيب الشهير في عصره الشماس أهرون بن توما الملطي السرياني النازح أبوه أو جده من قرية (عبري) الجاثمة يوماً على نهر الفرات بقرب مدينة ملطية، وهذا هو السبب في تسميته ( ابن العبري) لا ما ذهب إليه بعض الكتاب الذين يجهلون هذه الحقيقة التاريخية المهمة.

أحب العلم منذ نعومة أظفاره[2]. فدرس على أساتذة مدينته المهرة، وأتقن اللغة السريانية، وطقوس الكنيسة، وقرأ مبادئ الطب على أبيه، وفي أواخر عام 1243  رحل والده بأهله إلى أنطاكية، فاستمر علامتنا في دراسته الواسعة، ثم انتجع مدينة طرابلس الشام فأتم دراسة الطب والبيان والمنطق على أستاذ هناك اسمه يعقوب، ولم يتوقف عن الدراسة والتتبع حتى تضلع بعلوم عصره جميعها، والفلسفة بفروعها جميعها، والعلوم اللاهوتية، واللغة العربية، ولم يترك شاردة أو واردة إلا أطلع عليها وتفهمها تفهماً كاملاً، من العلوم المعروفة جميعها في أيامه، على أن أعظم موضوع  عصمه عن الزلَلَ هو تتبعه تعالم أساطين النساك الكبار[3] ومن المؤكد أنه كان يتقن من اللغات السريانية والعربية والفارسية والأرمنية والأغلب أنه مطلع على اليونانية اطلاعاً كافياً.

عام 1246 رسم أسقفاً لبلدة جوباس بجوار ملطية، ثم نقل إلى أسقفية لاقبين، ثم نصب مطراناً لحلب، وفي 19 كانون الثاني سنة 1264 نصب مفرياناً للمشرق، فأقام اثنين وعشرين سنة وبعض شهور متنقلاً بين الموصل وقراها ودير مار متى وبغداد وتبريز، وأخيراً لاقى وجه ربه في مدينة مراغة باذربيجان، بعد عمل شاق وجهاد موفق طويل في 30 تموز عام 1286 وهو بلغ ستين سنة.

تشمل مؤلفاته العلوم الإلهية والإنسانية جميعها ، وجاءت بستة وثلاثين مؤلفاً بين

موسوعة كبيرة ورسالة صغيرة حوت علم الكتاب العزيز وتفاسيره ومعارضةترجماته المتعددة، والإلهيات والفلسفة، والشرع والأخلاق والتاريخ واللغة والفلك والطب والشعر، بالإضافة إلى طول باعه في الكتابة والتأليف، كان ذا مقدرة فائقة في الترجمة من العربية إلى السريانية. فقد ترجم في الفلسفة كتاب الإشارات والتنبيهات للشيخ الرئيس ابن سينا، وفي الطب ترجم قسماً من القانون للشيخ الرئيس نفسه، وكتاب انتخاب ديوسقوريدس في المفردات الطبية.

كتب كل هذا التراث الضخم بالسريانية، أما بالعربية فقد كتب تاريخه الشهير مختصر الدول، ورسالة ضافية في علم النفس، ولخص كتاب جامع المفردات الطبية أي الأدوية لأبي جعفر بن خليد الغافقي الأندلسي المتوفي 650 هـ، وكتاب منافع أعضاء الجسد، وشرح فصول أبيقراط، وتحرير مسائل حنين وخطبة لعيد الشعانين.[4]

كتاب الإيثيقون

أنجز العلامة ابن العبري تأليف كتاب الإيثيقون في مراغة في 15 تموز 1279 قبل وفاته بسبع سنوات، وانتشر في الخزائن السريانية منذ وجوده انتشاراً واسعاً، لما حواه من مؤونة روحية سامية، وفي الخزائن العالمية الكبرى اليوم من هذا السفر الجليل نسخ نفيسة كثيرة أهمها :

  • الخزانة البطريركية الكلدانية 99 أنجزت سنة 1292 أي بعد وفاته بست سنوات.
  • أوكسفورد 490 أنجزت سنة 1323 بخط الراهب صليبا خيرون.
  • نسخة ثانية من أكسفورد 681 أنجزت سنة 1332 بخط الراهب يشوع.
  • المتحف البريطاني 7194 أنجزت سنة 1335 في دير نوطفا بجوار ماردين.
  • باريس 245 أنجزت سنة 1353 في أورشليم.
  • نسخة ثانية في باريس 246 أنجزت سنة 1409 وهي نسخة دير السريان في مصر.
  • نسخة ثانية في المتحف البريطاني 4407 أنجزت سنة في قرية باخديدة

(قره قوش) بجوار الموصل.

  • الخزانة البطريركية السريانية بدمشق أنجزت سنة 1576 بخط الراهب بهنام الأربوي
  • نسخة ثالثة في المتحف البريطاني 18295 في دير السلالم .

نشر الأب بيجان هذا الكتاب الثمين سنة 1898 معتمداً على خمس نسخ هامة هي: نسخة باريس 245 ونسخة باريس الثانية 246 وثلاث نسخ للمتحف البريطاني 7194 و18295 ، و4407، ونسخة بيجان هذه هي التي اعتمدنا عليها في تعريب الكتاب.

يقسم المؤلف كتابه هذا إلى أربع مقالات كبرى، تحوي كل منها أبواباً وفصولاً شتى، يبحث في المعرفة من ناحيتها العملية التجريبية على حد تعبيره في المقدمة، أو بالأحرى الناحية الخلقية الخاصة بتكوين إنسان الله الكامل، ويشفع بحوثه بأي الكتاب العزيز، وأقوال أساطين الفضيلة المسيحية (العارفين) الذين ظهروا في العصور الأولى وأشرقوا كالمصابيح هدى للأجيال المتعاقبة.

يكرس المقالة الأولى : لبحث تنظيم حركات الجسد وتقويمها، وإعطاء الأسس الخلقية الأولى التي تتوقف عليها مبادئ الحياة الروحية للإنسان الله الكامل، ويورد كل ذلك في تسعة أبواب كبرى، يخصص كل باب في ناحية معينة من نواحي الحياة الروحية العملية، وأول خطوة يجدها في هذا المضمار هي الصلاة، وموقف العقل البشري بالنسبة إلى ربه أثناء الصلاة، وكيف يتوصل المصلي إلى درجة المصلين الكاملين، ثم تتعاقب الخطوات العملية الباقية التي هي كمالات واجبة متممة لتكوين عقلية روحية قريبة لله وأعماله، فهناك أعمال الزهد التي تحيل الإنسان إلى كائن روحي كامل، متمرد على نزوات الجسد ورغائبه الفانية، ومما يكمل ذلك الحرص على اليقظة الدائمة واللَّهج بالأمجاد الخالدة المعدة للمتقين، والتصعيد العقلي المتواصل، والإمعان في الترتيل وممارسة الإنشاد الروحي، والترفع عما يغذي شراسة الجسد وينمي غرائزه المتطرفة، والإخلاد إلى الخلوة الروحية، والإغراق في التأملات الروحية في أوقات خاصة من اليقظة النفسية.

والمقالة الثانية : بحث فيها تقويم الأعمال الطبيعية لحياة الجسد وتهذيبها، وإعطاء الجسد حقوقه الطبيعية المعقولة لاستمراره حياً نامياً متكاملاً مهذباً نقياً صالحاً لسكنى النفس الكريمة الخالية، ويتطرق في هذه المقالة إلى تربية الأطفال وتنشئتهم تنشئة صالحة تليق بمجتمع مدني محترم، ووجوب إعطائهم الفرصة الكافية لارتشاف العلوم على اختلاف أنواعها، لبناء صرح حضاري كامل، وإعداد أجيال إنسانية فاضلة لخلق مجتمع بشري متكامل، ثم ينتقل إلى فضيلة العمل الإنساني الحر، ووجوب ممارسة سائر الأعمال الشريفة التي يحصل الإنسان فيها على أوفى الحياة وكيفية سلوك الإنسان في الأخذ والعطاء، والبيع والشراء ووجوب اتباع طرق الحق والعدل في سائر تصرفاته، وعلاقاته مع سائر طبقات البشر، وتكريس قسم خاص من ربحه الحلال لإسعاف الفقير والبائس والمريض والعاطل، والتصدق القلبي من كد اليمين وعرق الجبين لمختلف وجوه الخير، وتكريس هذا العطاء لوجه الله وصيانة كرامة الإنسان، كل إنسان.

والمقالة الثالثة : خصصها لبحث كيفية تنقية النفس من الأهواء المنحرفة الشريرة، وقد قيل قديماً، إن النفس لأمارة بالسوء، فجاء المؤلف العلامة واصفاً الأسس القويمة، فيجعل هذه النفس لا تسوس لها بالسوء، بل ملتزمة طرق الخير والصلاح، وقد أوضح ماهيتها وقواها ومفاعيلها وعواطفها، وشرح جميع مبادئ الشر التي تتزاحم حول النفس الإنسانية فتشوه جمالها الروحي، وتقودها إلى الانحراف عن طرق الخير التي يريدها لها خالقها، وهو الخير المطلق والصلاح غير المتناهي.

بعد أن يشرح ماهية النفس وقواها العاقلة، ينتقل إلى المادة العامة، فيبحث أمراض النفس، وكيفية معالجتها ويضع على طاولة التشريح كل أسقامها ويعطي الطرق الكفيلة بشفائها التام، ثم يعود فيضع أمام القارئ عناصر تلك الأمراض النفسية، كالشراهة والرذيلة وعثرات اللسان، والغضب والحقد والحسد وأباطيل الشهوات الدنيا، والإمعان في فانيات الحياة، والمجد الفارغ، والمراءاة والكبرياء والتفاخر، وما إلى ذلك مما يتعلق بالنفس الإنسانية فيحرفها عما خلقت له، ويصف لكل داء دواءً ناجعاً.

أما المقالة الرابعة : وهي مسك الختام لهذا المؤلف النفيس، يبحث تجميل النفس بالفضائل على اختلاف أنواعها، وأول فضيلة يريدها نبراساً للنفس الإنسانية هي المعرفة، والمعرفة يريد بها سائر العلوم الإلهية والبشرية، ويضع أمام المتعلم المادة الضرورية، ويرشده إلى كيفية التسامي في معارج العلوم العقلية والنقلية، ثم يتطرق إلى كيفية إهداء الآخرين إلى طرق الصواب وبعد ذلك ينتقل إلى سائر المعارف الروحية كالإيمان والتوبة، والصبر والتقوى والرجاء وخشية الله، والتجرد والزهد والتوكل على الله ومحبة القريب، وذكر الله واللهج بأعماله العجيبة، ونقاء الأفكار ومحبة الله وذكر الموت.

إن المقالة الرابعة هذه، هي بحق ذروة التعاليم الروحية التي يعطيها الفيلسوف لقارئه،

وقد نحا فيها الطريقة الصوفية الصرفة، وهي بحق القمة العلية لكل ما ورد في سائر بحوث الكتاب.

فأنت ترى إن في (الإيثيقون) من المبادئ أسماها، ومن الروحية أصفاها وأنقاها، بل فيه

دروس قيمة لأبناء عصرنا الذين يجدون حولهم فيوضاً زاخرة من المبادئ الغريبة الوافدة

مع تيار المدنية الزائفة، مناهضة للمبادئ slأسماهالروحية السامية التي ألفتها أجيالنا المتعاقبة، آملين أن نكون قد قمنا بشيء من واجبنا الروحي نحو أبناء جلدتنا الذين هم بحاجة ماسة إلى مثل هذه المبادئ الروحية القيمة.

و(الإيثيقون) موسوعة جليلة للمثل الروحية العليا، وميدان فسيح للطرق المثلى التي أخطها هذا الفيلسوف الجليل استناداً إلى خبرته الروحية من جهة ومن جهة ثانية إلى المعارف الروحية التي استقاها من (العارفين) الذين نبغوا في عصور المسيحية الأولى، وأصبحت حياتهم وأقوالهم دروسا ًثمينة للأجيال المتعاقبة.

وقد أتفق السابقون أن يسموا هذا النمط من المعرفة بـ (التصوف) والإيثيقون بروحيته السامية لا تختص قراءته بعصر من العصور، ولا برهط خاص من البشر، بل إنما هو دروس ومبادئ ذات صبغة عامة يجدر بكل لبيب أن يدرسها دراسة هادئة حكيمة، أما التصوف فندرسه بالخطوات التالية.

 

3 نشوء التصوف وانتشار الفكرة في الشرق

أفاقت الروح البشرية منذ أجيال كثيرة وفي حناياها وجد وحنين، وبين جوانحها شوق ولهيب دفين، أفاقت ظمأى، وقد أعياها المسير في مسالك وعرة مفروشة بالشوك والقرطب، فماذا يرويها؟ وأية كؤوس مترعة تطفئ فيها ذياك اللهيب؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‌‌‍وهذه لذات الحياة كلها أحلام باطلة، وخيالات زائلة، إذاً لتعودن إلى الينبوع الأول، المناسب برقة وهدوء منذ الأزل، لتعودن إلى باريها فتتحد فيه، ففيه السعادة الكاملة، وهي وحدها تطفئ ظمأها الروحي وتهديها سواء السبيل، وهكذا نشأت فكرة (العودة) أو فلسفة الوجد الروحي والفناء في غير المتناهي، وهذه هي فكرة (التصوف).

كان ذلك في القرن الخامس ق.م حيث برزت فكرة (الوحدة) في الفلسفة اليونانية نتيجة لدراسات في حقل الروح طويلة وواسعة، وهذه النفس البشرية لا يمكن عودتها إلى باريها الطاهر إلا بتطهرها من شوائب الجسد وأهوائه.

يظهر في فكرة ( المعصية) تُقلق الإنسان منذ أقدم العصور، إذ شعر الإنسان أن هناك حائلاً يحول دون عودته إلى ربه والاتحاد به، اتحاداً روحياً مناسباً، وهذا الحائل هو الخطيئة بالذات، فبدون زوالها لا يمكنه العودة إلى حالة البر والقداسة التي خُلق فيها، منذ مطلع وجوده، وهكذا شرع يبحث عن أفضل السبل المؤدية إلى تطهير النفس والعودة بها إلى خالقها طاهرة كما صدرت عن يده المبدعة، ومهما كانت تصورات الأجيال عن سبب تلوث النفس البشرية بأدران الخطيئة متباينة ومتشعبة، إلا أنها تدل على شيء واحد هو الشعور بثقل الخطيئة ذاتها من جهة، والشعور بوجوب تطهير النفس من جهة ثانية، فأخذ الفلاسفة يفكرون بأفضل الطرق المؤدية إلى هذين الهدفين بآن واحد، ومن ذلك نشأت فكرة تثنية القوى الإنسانية المتضادة، الجسد وأعماله وأهواؤه من جهة، والنفس وقواها ورغائبها الروحية من جهة ثانية، واعتبروا الجسد سجناً رهيباً للنفس فكان لابد لها من طريقة فعالة تمكنها من تحطيم هذا السجن الرهيب، فتنطلق حرة إلى الله[5]، وقد نادى بهذا المبدأ الرواقيون أمثال سينيكا[6] ومرقس أوريليوس[7] وكان فيثاغوروس[8]. قد قرر أن تطهير النفس يتم بالعلم والفلسفة والتأمل العميق والنزوع إلى الحكمة توصلا إلى الحقيقة الواحدة المجردة، وقبل الشروع بذلك يجب إماتة الأهواء الجسدية والترفع عن مغريات الحياة العابرة، وحصر الفكر وتصويبه إلى الواحد[9] وجاء بعده برمنديدس[10]. فوجد أن تطهير الروح والتوصل إلى السعادة يتم بالمنطق بالإضافة إلى الترفع عن المادة، ويقوم المنطق بملاحظة المقدمات والتوصل إلى النتائج الأكيدة الواضحة،[11] والحصول على الوحدة، الأمر الذي تجد فيه الروح الإنسانية سعادتها الكاملة، وباتحادها مع (الواحد) تروي ظمأها الروحي المزمن[12]

جاءت المسيحية وتعاليمها الهادفة إلى التسامي عن المادة فأعطت الإنسان شريعة جديدة في التجرد ضمن حياة الرب يسوع وتعاليمه الإلهية (لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل أكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب السارقون ولا يسرقون… لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس؟ انظروا طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السموي يقوتها، ألستم أنتم أفضل منها؟…ولماذا تهتمون باللباس؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم أنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها).

(متى 6: 19-29) فكانت هذه التعاليم أساساً جديداً لحياة روحية جديدة، تستطيع النفس البشرية اتخاذها طريقاً قويماً للتوصل إلى أهدافها الروحية، واتحادها بالله اتحاداً روحياً عاقلاً.

إن فلسفة فيثاغوروس وفكرة برمنيدس مهما كانتا ساميتين إلا أنهما تقصران عن الوصول إلى هذه الذرى الباذخة من التجرد والتسامي عن أوضار المادة، وعليه فالمسيحية فتحت أبواباً جديدة، وأعطت مفاهيم جديدة لحياة التجرد والنزوع إلى عوالم الروح، ومع ذلك رغب كثيرون من أساطين معلميهم استعادة الفلسفة اليونانية وتطبيق المبادئ المسيحية هذه على متونها، فاستمدوا الفكرة الإفلاطونية الجديدة في الإسكندرية وأضافوا إليها مبادئ فيثاغوروس وغيره من الفلاسفة الروحيين، وهكذا كانت فكرة التجرد المطلق فنشأت عنها الفلسفة النسكية، أو هي الطريقة (الصوفية) والمعروف أن السريان بصورة خاصة عنوا بترجمة الفلسفة الخلقية اليونانية، وهي حكمة فيثاغوروس والأفلاطونية الجديدة النازعة إلى التصوف.[13]

وعلى هذا الأساس قامت فلسفة التصوف المسيحي منذ العصور الأولى، إلا أن التجرد الإنجيلي كان الدعامة الكبرى الوحيدة للنساك المسيحيين، وكانت فكرة (الفناء) في بادئ الأمر غير معروفة بل لم يكن يفكر النساك الأقدمون الذين دانوا بهذه الطريقة، وحققوا إنجازات رائعة جداً في هذا الميدان، وتألب حول الصوامع والديورة ألوف من ذوي الفكر الروحي ومحبي الانفراد والتواقين إلى الخلوة النفسية، ضاربين بالدنيا وما فيها من ملاذ زائلة عرض الحائط، قوامين صوامين قانتين لربهم حياتهم كلها.

بالإضافة إلى ذلك نجد النساك المسيحيين في القرن الثالث والرابع وإلى الخامس يصدرون أقوالاً ويقومون بأعمال تبدو متأثرة بفكرة الفلسفة اليونانية، ولكن بطريقة مسيحية صرفة، وقد جمع علامتنا ابن العبري ( في موسوعته الجليلة هذه) شتات تلك الفلسفة أخذاً عن النساك المصريين الآباء انطونيوس، وأرسانيوس وسوسأيس، وفومان، ومقاريس، وتيودور، وأيسيدور، ومن المشارقة الأب يوحنا صاحب الدوالي، ويأونني رئيس الدير، واسحق النينوي، وغيرهم، وقد بنى معظم آرائه النسكية (الصوفية) على تعاليم النسك المسيحي هؤلاء، وأضاف إليها ما اكتسبه من اختياراته الشخصية وفكرته اللامعة.

 

 4 – التصوف في الآداب السريانية

في غضون القرن السادس الميلادي نجد أثراً صوفياً سريانياً (وهو أول أثر سرياني في هذا المضمار) يظهر للوجود منحولا أيرثأوس أستاذ ديونيسيوس الأريوباغي، وقد نسبه بعضهم إلى أسطفان ابن صوديلي(510) إلا أن المقدمة التي كتبها العلامة ابن العبري عند تهذيبه هذا الأثر الصوفي تصرح بأنه مترجم عن اليونانية شأنه شأن كثير من أبواب المعرفة التي ترجمت من اليونانية إلى السريانية اعتباراً من القرن الرابع إلى نهاية القرن التاسع تقريباً.

في هذا الأثر صورة صحيحة للفلسفة اليونانية الصوفية تتخللها عقيدة وحدة الوجود، وهذا مذهب (البأنتئست) الذي يعني أن الإله الواحد هو كل الكائنات، وقد تبنى ابن صوديلي هذا المذهب الشرق السرياني إبان القرن السادس الأمر الذي حدا بالكتاب السريان إلى نسبته إلى ابن صوديلي، ومن المعروف أن الكنيسة أعلنت سخطها على ابن الصوديلي لإعلنه آراء تخالف الحقائق المسيحية مخالفة صريحة، وذلك بالرسائل اللاهوتية التي كتبها مار فيلكسينوس المنبجي (523م) شجباً لتلك الآراء القائلة. ومن دراستنا الأثر المنحول أيرثأوس تتجلى لنا الحقائق التالية:

1- إن نسبة هذا الأثر إلى أيرثأوس لا نعتقدها محتملة لأن أحداً من كُتاب القرون المسيحية الأولى لم يذكر مؤلفاً بهذا الموضوع لأيرثأوس، ولو وجد لما صمت عنه علماء الإسكندرية في القرنين الثاني والثالث. أبان تفشي آراء الأفلاطونية الجديدة والفيثاغورية في المدرسة الإسكندرية، وتبني بعض علماء هذه المدرسة مبادئ تلك الفلسفة ودفاعهم عنها وعملهم على انتشارها بشتى الطرق.

2-  إذا كان لاهوتيو الكنيسة السريانية قد شجبوا آراء البأنتيئستية عند ابن صوديلي كما شجبوها عند غيره، فليس ذلك معناه أن ابن صوديلي لم يكن كاتباً كبيراً ومفكراً حراً بالنسبة إلى عقيدته هذه، ومن المعروف أن تبنيه هذه الآراء الغريبة المخالفة للمسيحية أدى إلى طمس أثاره منذ وجودها، أما أن يكون الأثر المنحول أيرثأوس صادراً عن قلم ابن صوديلي فليس لدينا الدليل الحاسم على ذلك، كما  أننا نعتقد أن ابن صوديلي لم يكن أقل من أن يصدر أثراً من هذا القبيل، لأنه يعتقد الاعتقاد نفسه، وقد نادى بعقيدته هذه بكل صراحة متحدياً بذلك كنيسته برمتها مع وجود كبار الكتاب بين علمائها عصرئذ، أمثال فيلكسينوس المنبجي، والبطريرك سويريوس الأنطاكي (538م) وغيرهم من العمالقة الكبار، وقد علمنا أن مار فيلكسينوس قاوم هذا الكتاب وقارعه مقارعة صارمة برسائله وفند آراءه، وهذه ما حمل المتتبع السرياني يومئذ على الإعراض عن كتابات ابن صوديلي فيما إذا وجدت، بل أدى هربه من موطنه الرها والتحاقه ببعض دانوا بمذهبه في فلسطين واستمراره على مراسلة تلاميذه في وطنه، ومع ذلك لم يكن لفكرته نصيب من الذيوع والانتشار في الآداب السريانية.

إن الأثر المنحول أيرثأوس انتشر في الكنيسة السريانية عن طريق المتصوفة والنساك فقط، والمعروف أن طريقة النسك والزهادة انتشرت في الكنيسة السريانية انتشاراً عظيماً وواسعاً جداً منذ القرن الرابع بشكل لم يسبق له مثيل في الكنيسة المسيحية كما لم يعقب له مثيل أيضاً، وكان الناسك السرياني بحاجة إلى تعاليم روحية تقربه إلى هدفه الأساسي، وهو مقارعة قوى الجسد وإطفاء أهوائه والتسامي إلى الكمال الإنجيلي، وقد وجد كل ذلك في هذا الأثر بغض النظر عن عقيدته المخالفة للمسيحية.

3- يظهر أن الآراء الصوفية النسكية الواردة في هذا الأثر نالت إعجاب بعض العلماء السريان رغم ما فيه من تعليم، ناهضه هؤلاء العلماء ورفضوه رفضاً كاملاً، وعلى هذا الأساس نجد البطريرك تيودوسيوس التكريتي المولد ( 887 – 896م) يقدم على تفسيره تفسيراً مسهباً، إجابة إلى طلب لعازر أسقف قوروس فأعطانا بذلك مجلداً ضخماً بإنشاء بليغ[14].

4- ترجمت آراؤه الصوفية إلى العربية في مطلع القرن التاسع أو قبله بقليل وانتشرت لدى الصوفية الشرقيين بدليل وجودها كاملة عند الفلاسفة العرب فأخذوا بها بالطريقة التي اختطوها لأنفسهم في البحث والإيداء ، ولو قابلنا أفكاره الصوفية بما نـادى به الفيلسـوفان العـربيـان الكـبيران ابـن سـيناء ( 980 – 1047م )  والغزالي  (1059  – 1111م) لوجدنا اتفاقاً كاملاً في التفكير منذ مطلع تطهير النفس البشرية حتى ارتفاع العقل إلى الملأ الأعلى ارتفاعاً روحياً واتحاده بالواحد الأحد، منطلقاً من ربقة المادة.

5- استمرت آراؤه الصوفية ذات أهمية كبرى لدى الفلاسفة السريان والعرب بآن واحد، حتى العصور المتأخرة بدليل التلخيص البالغ الذي أضفاه العلامة ابن العبري على هذا الأثر، إجابة إلى طلب ناسك فاضل معاصر له.

6- يظهر أن العلماء السريان، رغماً عن معرفتهم الأكيدة بالآراء الشاذة التي يحملها هذا الأثر، أولوه قيمة نسكية كبرى، فأخذوا بهذه الآراء ونبذوا تلك إذ قطفوا من روضته الأزهار ونبذوا الأشواك تماماً كما كان يفعل القديس الذهبي الفم بالنسبة إلى مؤلفات أوريجانس، ولما كانت الفكرة الفيثاغورية وغيرها من الفكر الفلسفية تتبوأ درجة عالية لدى المثقفين السريان، أقدم البطريرك تيودوسيوس نفسه على تفسير حكم الفلاسفة الرمزية ونقلها من اليونانية إلى السريانية بما في ذلك رسالة فيثاغوروس الحاوية مئة واثنتي عشرة حكمة، وقد نشرت بالسريانية والعربية[15].

7- نظراً لوجود هذه الفكر الصوفي الهام منذ مطلع القرن السادس الميلادي على

الأقل وانتشار آرائه لدى جميع المتصوفة الشرقيين والكُتاب المعنيين بهذه الطريقة تعتبر آراؤه أأأأأأـــساساً وحيدا ًومصدراً فريدا ًلجميع ما أنتجته أقلام الفلاسفة الشرقيين من عرب وسريان حتى العصور المتأخرة، بدليل وجود عناصرها مبثوثة في جميع البحوث الصوفية العربية والسريانية بغض النظر عن إنتاج كل فيلسوف طريقة خاصة لبحثه[16].

بعد استعراضنا هذه النقاط السبع يمكننا إيراد آرائه الصوفية استناداً إلى النص الذي هذبه وفسره العلامة ابن العبري واتخذه أساساً لفلسفته الصوفية، شأنه شأن جميع الفلاسفة الشرقيين.

إن العلامة ابن العبري لا يذكر في استعراضه الأثر المنحول أيرثأوس ابن صوديلي مطلقاً، ذلك لأنه لا يعتقد اعتقاداً جازماً أن ابن الصوديلي هو الذي كتبه، ومن المعروف أن الكُتاب السريان القدامى لم يجزموا أن ابن صوديلي هو حقيقة واضع هذا الأثر، وقد كتب البطريرك قرياقس (في القرن التاسع) في جوابه على السؤال الخامس للشماس يشوع الترمنازي” أن الكتاب المنحول أيرثأوس، ليس له، ويحسبه بعضهم من وضع ابن صوديلي المبتدع[17]. وعلى هذا الأساس لم يتطرق ابن العبري بكلمة واحدة إلى ذكر ابن صوديلي، كما أن المستشرقين المعاصرين أيضاً لا يرون ذلك، وعليه لا حاجة إلى ذكر ابن الصوديلي في هذا المضمار.

إن المقدمة التي كتبها العلامة ابن العبري لهذا الأثر تشعر القارئ أن ابن العبري نفسه يعتبر نسبة الكتاب إلى أيرثأوس أمراً حقيقياً مفروغاً منه فلا يذكر كلمة واحدة ضد هذا الرأي، بل يدخل الموضوع مباشرة كأن الكتاب صدر من قلم أيرثأوس بالذات لا من قلم كاتب آخر مجهول الهوية فيقول في مطلع المقدمة:” أعلم أيها الأخ الروحي أني درست بدقة كتاب الحكيم العالم الشهير أيرثأوس زمناً مديداً، فوجدته كتابا ًجليلاً وعجيباً” ومن هنا يتضح أن ابن العبري يحزم في اعتقاده أن الأثر لأيرثأوس لا لغيره، ولكن ملاحظته في الكتاب وردت بقوله” إلا أني لاحظت مقالاته وفصوله مرتبكة مشوشة، وطويلة قلقة وهكذا بعض عبارته.” وينزه ابن العبري أيرثأوس من ذلك ويلقي بالتبعة على المترجم من اليونانية إلى السريانية فيقول:” ذلك لم يصدر عن المؤلف المذكور، بل بداعي الترجمة من اليونانية إلى السريانية” ثم يذكر تهذيبه للكتاب بصورة عامة فيقول:” وعليه قررنا تهذيب الكتاب ووضع كل شيء في محله اللائق به، أو حيث يليق هو بذلك المحل، طبقاً لرأينا واعتقادناً الخاص، وفي عملنا هذا لم نشوش عبارات المؤلف ولا المترجم أي أننا لأن نُبدل ولم نضيف شيئا ًمن عندنا سوى بعض الألفاظ اليسيرة ( كأدوات التوكيد وما إليها) إلا أننا حذفنا ما كان عديم الفائدة كعلم التنجيم وما إليه واستغنينا عن بعض الأبواب والفصول، وإن وقعت فيه بعض العبارات المتكررة فتلك بداعي الحاجة أو الضرورة، وطبقنا فصول الكتاب على أعمال الرب الخلاصية، فابتداء من العماذ ثم الجهاد ضد قوى الشر، والصلب والدفن والقيامة والصعود، ثم تطرقنا إلى الجوهر العام، فمراتب الملائكة وفقاً لنصوص الكتاب المقدس، وقد أثبتنا فصول التوبة وشجرة الشر أولاً منسوبة إلى العقل البشري، لأن العقل البشري بحاجة إلى التوبة استئصال الشر دائماً ووسمنا الكتاب باسم (المختار من كتاب أيرثأوس الشهير) وفيه اثنان وعشرون فصلاً بعدد الحروف الأبجدية(السريانية) و366 عبارة بعدد أيام السنة الكبيسة، أسأل الله أن يعضدني ويبلغ بي إلى حسن النهاية .”

من هذه المقدمة نفهم إن علامتنا ابن العبري استعذب ما ورد في الكتاب من روحية سامية، بعد أن عزل عنه ما كان يشوبه من أشواك وأدران، واتخذه منطلقاً لفلسفته

الصوفية، شأنه شأن غيره من الفلاسفة الشرقيين كما سنعلم في ما بعد.

من كل هذا نعلم إن الأقلام السريانية التي عملت في أثر أيرثأوس، إنما عملت على تنقيته من الأوضار البأنتيئستية بصورة مطلقة. وخاصة منذ تناوله قلم البطريرك تيودوسيوس في القرن التاسع، كما تناوله قلم العلامة ابن العبري بالتهذيب والتنقية في القرن الثالث عشر، فأنك تجد الآن بين يديك نفحات روحية نقية متخلصة تماماً من عقيدة منحرفة طالما رسخت في عقول كثيرة في القرن السادس وهكذا إذ تغلغلت في هكذا الأثر تجد في آيات بينات منشقة من كتاب الله العزيز ومطابقة كل المطابقة للروح الصوفية المطلقة، وكلها تدور حول الأشواق الروحية اللاهبة الصادرة عن القلب البشري، في حضيض هذه المادة إلى التمتع بالالتحاق بالعقل الإلهي الأسمى، والتصاعد إلى الملأ الأعلى ناضياً جلبات المادة الكثيفة.

في هذا الأثر الصوفي الجليل اثنتان وعشرون نقطة، طبقاً لعدد فصوله، أهي الأسس الكاملة لكل نواحي الفلسفة الصوفية في الشرق، فكل ما ورد في هذه الفلسفة الواسعة النطاق من العناصر الروحية السامية إنما استمدت مبادئها من هذه النقاط بعينها، ولو جمعنا كلما جرت به أقلام فلاسفتنا العرب والسريان وعصرناه عصراً لما وجدنا بين أيدينا غير هذه العناصر بعينها، ومعنى ذلك أن هذه النقاط التي أتتنا بها العصور الأولى للآداب السريانية وتبلورت بهذا الشكل في الأثر المنحول أيرثأوس أبان القرن السادس الميلادي، إنما هي المنطلق الوحيد لأفكار جميع الفلاسفة الشرقيين في المضمار.

ولنلقي الآن نظرات عجلى على بعض هذه النقاط طبقاً لما ورد في الأثر المنحول أيرثأوس الذي هذّبه علامتنا ابن العبري، لنوضح للقارئ الكريم أنها الأسس الكاملة للفلسفة الصوفية في العصور المتتابعة إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وإليك ذلك:

1– حالة العقل الإنساني الطبيعية: النفس البشرية العادية مغمورة بالأهواء الشاذة المتضاربة، وعليه فإن العقل في هذه الحالة يشعر وكأنه في سجن رهيب، وذل وهوان لا ينطق بهما، فتراه يئن مشتاقاً للتخلص من حالته هذه منطلقاً إلى الله كغوث للهفته وموئل لغربته، وحكمة الله لا تقف منه موقف المتفرج بل تسعفه بقوة خاصة للنهوض وإعلانها حرباً شعواء ضد القوى الشريرة، فيتململ رويداً رويداً للنهوض واللحاق بالعقل الأزلي والإتحاد به، ويدفع ( الفلس الأخير) فيحطم أبواب سجنه الرهيب. (خلاصة الفصل الأول وشروحه للعلامة ابن العبري).

2- الخطوة الأولى: تنطلق خطوة العقل الأولى نحو الحرية الكاملة، عندما يثور الحب الإلهي، ويتفجر الشعور من الأعماق، بوجوب الانطلاق، فمن العقول من تنطلق حالة إنبجاس المعرفة والقوى فيها، ومنها من تبقى خاضعة تحت أثقال الهوى، وتكون سرعة الانطلاق للنوع الأول بالنسبة إلى قوة الحب الثائرة فيه، والخضوع أيضاً بالنسبة إلى تمسك النوع الثاني بحبال الأهواء والشهوات المنحرفة، وهذه من سعير أتون شهواتها تعلن حرباً شعواء ضد الخير إذا تستطيب المكوث تحت أثقال المادة، فالكائن الذي لا ينال قوة العقل هو مساوٍ للبهائم العديمة الحكمة.

والشروع بالتوجه إلى الخير الأسمى، إنما هو تصاعد، وعدم الشعور بذالك إنما هو هبوط، والعقل الذي يثور فيه هذا الشعور إنما هو قد شرع في التصاعد، والذي لم يثر فيه هذا الشعور إنما قد شرع في الهبوط، وهو الخطوة الأولى للاندحار.

وهناك غيوم دكناء من قوى الشر تتصاعد متلبدة، وهي لا تُضعف شعاع الحقيقة فحسب، بل تحجبه عن باصرة العقل وبصيرته، فتخبو كل الأشعة الخيرة ويخيم الظلام، فيتلاشئ فيها العقل، وكل عقل لا تقبل صفحته المواضيع الروحية إنما هو عدو الخير.

وإذا تصاعد العقل إلى ذروة التشبيه بالله، ونال درجة الكمال، ولم يحتفظ بيقظته الكبرى، فإنه لم يزل في خطر مستطير، لأنه ما لم يلاحظ ذاته ملاحظة دقيقة وفي أعماقه ولو شيئاً يسيراً من جذور الشر لم يزل حياً، فإن هذا الجذر الصغير ينمو بسرعة هائلة وفي لحظات يصبح شجرة كبيرة تعشش على أغصانها طيور السماء، فترمي جذورها إلى البحر وغصونها إلى الأنهار وتلقي بظلال أوراقها على الأسرار الإلهية الخيرة بعنف فتطفئ العقول المتألقة الساطعة، وتستمر بالنمو والانتشار، وبلحظة أخرى يسير تُينع ثمارها الرديئة، وقد حذرت كلمة الله من مرائرها التي تخنق العقول، إذ تظهر لهذا العقول السامية بعلامة دكناء، إن ثمارها كريهة وأوراقها قذرة، تغيم على العقول الساطعة فتحجب عنها النعمة الإلهية الوضاءة وتظلم بظلامها القاني ألق العقل المتسامي، تلك هي شجرة الشر فلا ظلها في أرضنا ولا خيالها في شعبنا، وقد حذرت منها كلمة الله فقالت لآدم: يوم تأكل منها موتاً تموت. وهكذا ترى هذه الشجرة قد اندفعت أغصانها من تحت اللجج، وهي لن تموت طالما هناك جذر واحد من جذورها لم يزل حياً.

إن الخير الأول الأسمى، هو وحده قادر أن يعيد الحق إلى نصابه، فيقيل عثرات الساقطين، ويثير فيها الشوق العارم للعودة إلى الحظيرة الخيرة، ويتناول التينة العميقة- بعد انتظارها ثلاث سنوات وتسميدها- يتناولها بالقطع والاستئصال لئلا تبطل أرض العقل الصالح.

انحدرت النفس الإنسانية هابطة شيئاً فشياً، كما حدث للأبالسة حيث تجلببت شرها وسقطت من عليائها، وتخبطت في مجاهيل موحشة وتعرضت لألف محنة، وتجردت من خيرها فانطفأ كيانها، وسدرت بتمردها، وهكذا يجب أن ينحدر العقل البشري إلى أعماق الأعماق معقباً الجذور ليعمل على استئصالها.

3- معمودية الآلام: لا يقطع دابر الشر إلا بالألم والجهاد ورغبة العقل وشوقه إلى خوض غمرات هذا الجهاد، وهذه هي معمودية الآلام فيقول الفيلسوف: ” لا يحيا ذو جسد ما لم يهبط إلى عمق هذه المعمودية، وقد أشار الرب إلى هذه المعمودية (معمودية الآلام) بقوله لي ضبغة اصطبغها وأنتم لا تعرفونها. وهذه هي المعمودية التي تهبط إلى أعماق العقول الراغبة في التأله التي بها يتحد العقل بالواحد الأزلي، وعليه فإن الفيلسوف ينصح تلميذه بقوله: وأنت يا بني. فانظر إلى فوق ، وأعرض عما في الأرض، دع الظل واتحد بالحقيقة، وأعرض عن الطبيعة الفانية وأهبط بقوة إلهية إلى أردن هذه المعمودية المقدسة المجردة عن الهيولى وإذا سمعت الرب يقول لأبني زبدي: أما كأسي فتشربان وأما صبغتي فتصطبغان، فاعلم إنه يشير إلى هذه المعمودية المطهرة التي بها يعتمد الكاملون فيطهرون.

إن العقل المتأله، بعد صعوده الثاني، يندفع بقوة إلهية إلى هذه المعمودية، فيعتمد فيها ويزداد قداسة وتطهيراً. فيتجلى له الروح القدس ويحل عليه بشبه جسم حمامة، فيصبح العقل شبيهاً بالمسيح بكليته، وترتفع حينئذ منزلة العقل ويدعى (مسيحاً) ويأمر بعذاب الأشرار بسلطان عجيب، ويفسر ابن العبري هذه الخطوط الجريئة بقوله: لأن العقل الكامل تشبه بالمسيح كلياً، وأصبح نظيره، ولا فرق بعد بين العابد والمعبود، وعليه فإن العقول الكاملة تُقدم لها العبادة من العقول غير الكاملة.

وبناء على هذه الوحدة التي نالها العقل مع الأزلي لتشبهه به، وصيرورته نظيره، يعود الفيلسوف ويقول لتلميذه: اعلم يا بني أن المسيح الآن لا يُعبد، بل تُعبد العقول التي استحقت هذا الاتحاد العجيب، والمسيح ليس رئيساً للعقول المتحدة به، لآن المسيح (بكر الراقدين) أو(رئيس الراقدين) أما الذين استيقظوا فليس المسيح رئيساً لهم. إنها طفرة خطيرة جداً لا يستطيع العقل البشري المجرد أن يقرأها، بل إنما هي أخطر ما يتصوره العقل البشري العادي، فتتجلى له كفراً صريحاً، إلا أن العقل المتحد بالمسيح يشعر بهذه الوحدة الروحية الصرفة، ويفسر العلامة ابن العبري هذه النقطة الهامة الدقيقة بقوله: إن المسيح ليس رئيساً حينئذ للذين نالوا الحياة الجديدة واتحدوا به، وأصبحوا نظيره، بل هو رئيس العقول التي لم تزل في طريق التطهير والاتحاد، والتي لم تزل تعاني من نوم الموت، والخطيئة لم تزل متسلطة عليها، والتي تعرف بـ (الراقدين) على حد تعبير الرسول بولس أنه بكر الراقدين.

فالعقل المطهر ينال صفات المسيح، ويمكنه حينئذ أن يقول: قد دفع إلي كل سلطان مما في السماء ومما في الأرض. ويمكنه القول أيضاً: إن موسى اؤتمن كعبد، أما أنا فكرب البيت، ويقول: الأب مجّدني بالمجد الذي كان لي عنده منذ الأزل. ويعلق ابن العبري على هذا التعبير بقوله: إن ذلك لا يقلل من عظمة المسيح، بل يعظم قيمة العقل البشري الطاهر، الذي ينال الكمال المطلق، فلا يبقى أي فرق بينه وبين المسيح، وكل ما يطلق على المسيح يطلق عليه (خلاصة الفصل الثالث).

4- قوى الشر: إن هذه القوى تعلن حرباً ضروساً ضد القوى الخيرة، وتريد إعادتها إلى حظيرة الشر، من جديد، ويقول الفيلسوف: إني أقول بكل قوة، وبمعونة الله، إن كل عقل لم يطهر لم ينل بعد حريته الكاملة من هذه القوى الشريرة، فالعقول الطاهرة وحدها نالت هذه الحرية. (خلاصة الفصل الرابع).

5- جهاد العقل ضد الجسد وكبح جماح الأهواء الجسدية: لما كانت قوى النفس في الإنسان تمثل الخير، مضادة لقوى الجسد وهي تمثل الشر، كان لابد من التصادم بينهما، إذ يقع الخلاف بين هاتين القوتين على حد تعبير الرسول بولس، وعليه يكون جهاد العقل منصباً على قهر قوى الشر الكامنة في الجسد، والانتصار لقوى الخير الكامنة في النفس، وبناء على ذلك يقول الفيلسوف: يجب على الذين يرغبون الارتفاع من هذا العالم أن يوحدوا قواهم الخيرة، فيقتلعوا الشر من أعماق جذوره، فقد يخشى أن يظهر الشر من حيث لا يشعرون، فالجسد هو بيت النفس، والنفس رداء العقل، فيجب على النفس أن تطهر العقل بذاتها ويستصعب العلامة ابن العبري الحصول على التطهير المطلق، وعنده أن من الصعب على الساقط في الماء ألا يتبلل.

ولكن، إذا أنعم الله على الإنسان فنال التطهير الكامل وأصبح العقل في درجة التصاعد إلى الملأ الأعلى، فهناك تخشع قوى الجسد، وتذهب ريحه، ويقول الفيلسوف: إذا ما باشر العقل بالتصاعد، فإن الجسد يرتمي كالميت، وهذه الحالة قد شرحها الفلاسفة المتأخرون، وسنجدها في محلها.

ومع هذه الحالة العجيبة لا يسلم العقل أيضاً من الأخطار، ويقول الفيلسوف: إِني رأيت عقولاً كثيرة صعدت ذروة الصليب (صليب المجد) إلا أنها سقطت، لأن ثيابها كانت لم تزل قذرة، فقد دعت الحكمة الإلهية النفس والجسد غير الطاهرين ثياباً قذرة . وهنا يحتاج الكامل أو كما يسميه الفلاسفة (العارف) إلى الخلوة المطلقة، وعدم التفريط بما ناله من آلاء ربه، فيقول الفيلسوف: أما أنت يا بني، فادخل مخدعك وأغلق بابك، ولا تشرب إلا من ينبوعك، وليكن لك وحدك، فلا يشرب معك غريب، ولا تنم في القرية وتترك زرعك في الحقل، لئلا يأتي العدو ويزرع الزؤان في حقلك، هذه أمور سامية لا يستطيع سماعها إلا الكاملون، وعليه يحذر الفيلسوف تلميذه بقوله: لا تبح بكلماتي هذه أمام العقول غير الطاهرة…..لأن الإنسان الذي لا تعي نفسه معاني الروح يزدريها.

6- قوى العقل: قوى العقل ثلاث حالات، الأولى، الطبيعية، وهي الحالة التي لا تعي إلا ما كان محسوساً، ويسميها الفيلسوف حالة الطفولة، وإذا استسلم العقل لحالة الطفولة هذه، ولم يحذر شرها، فإنه ينتقل إلى حالة دونها وهي الثانية، حالة الشر والخطيئة، وهذه تقوده إلى الحالة الثالثة وهي حالة الإجرام فيتساوى مع الوحوش الكاسرة والبهائم . والعقل الطاهر هو فوق هذه الحالات، فإنه ينظر إليها وهي تقاسي المرائر في دركاتها السفلى، وهو في ذروة مجده الأسمى، إن العقل الطاهر الذي نال درجة البنوة ينتقل إلى حالة جديدة فائقة للطبيعة، ويفهم السر في قول الكتاب: (الأب لا يدين أحداً بل قد أعطى الدينونة كلها للابن) أي يصبح العقل حينئذ بمثابة ابن الله له سلطان في دينونة الآخرين.

7- حركة العقل الفائقة الطبيعة: دُعيت حركة لأن لها مميزات كثيرة فيدعى العقل أولاً ملاكاً، ويدعى أحياناً أسمى من الملاك، فإذا عرضت له عثرة من العثرات أدت إلى سقوطه، فإنه يهبط إلى درجة الحيوانية.

إن حركة العقل في ما وراء الطبيعة، هي الخطوة الأولى في التصاعد إلى أعمال البر والفضيلة، فيدعى صاحبها حينئذ باراً وقديساً، وأحياناً يصيب صفة القوى الفائقة في القداسة، وأما إذا ارتفع العقل إلى حالة فوق الطبيعة، فإنه يخشع ويلوذ بالصمت والإرتاج، ويغذ السير بدون طريق، والمعرفة التي ارتفعت فوق الأشكال العادية لم تتبلور بعد بما أنها لم تزل بحاجة إلى إكمال فإنها تدعى حركة، وبما أنها فوق كل شيء هي فوق هذه الطبيعة” ويفسر ابن العبري هذه الحالة بقوله: إن نهاية الحركة في ما وراء الطبيعة هي بداية الحركة الفائقة الطبيعة، حيث يستولي على العقل الصمت العميق والخشوع المطلق، فيتلاشى أمامه معالم الطريق لأن الأشكال تتلاشى، فيبلغ العقل إلى الجواهر الفائقة كل وصف وكل اسم، لأن الأسماء تطغي على الأشكال وحيث تتلاشى الأشكال فلا يوجد بعد اسم، فيخيم الصمت العميق لأن جوهر النفس البشرية لم يتحد بعد بالجوهر العام الأسمى، وهي بحاجة بعد إلى ارتفاع أكثر لكي تتحد، وحينئذ تنطلق فلا تخفت.

وما دام العقل سالكاً طبقاً لنظام الطبيعة، تُثير الحرب ضده الأبالسة المنتمية إلى الجواهر التي فوق الشمس، وهي على حد تعبير ابن العبري، الأبالسة الأقل شراً من غيرها، ولكن إذا اندفع للسلوك في ما وراء الطبيعة، فإن أبالسة أعظم شراً وأكثر عنفاً تنبري لمحاربته، أي إذا شرع يسير في الطريق المؤدية إلى الله، وإذا حبت النعمة العقل المتصاعد الكامل فتحشد قوى الشر كل عنفها ضده لإعادته إلى حظيرتها وإسقاطه في مهاوي الزلل.

وسنرى كيف عبّر الفلاسفة عن منطقة الخطر هذه، أبان بلوغ العقل أعلى الدرجات في السمو والتصاعد إلى ذرى القداسة وأوج الكمال، وفكرتهم طبعاً مستمدة من هنا.

8- تصاعد العقل الطاهر في درجات سلم الكمال: بعد أتعاب شديدة وجهاد شاق، تشرع العقول الطاهرة في تصاعدها درجة الكمال، فيثور فيها الشوق اللاهب للوصول إلى القمة، وتسعفها الجواهر الروحية التي تصادفها في طريق تصاعدها، إذ تجتمع كل تلك القوى تحيط العقل بهالة من المجد والقداسة بطريقة عجيبة، إن قواها القدسية تتحرك محيطة بالعقل، لكي تسجد له، وتبتهج به، كما لو بعثت من الموت، وهذا ينطبق مع قول الرب: إن الملائكة في السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب،، كل كيان عاقل يحوز معرفة ما دونه، ولكن العقل الكامل يجمع كل المعارف.

وهنا يشرح الفيلسوف حالات العقل أو العقول التي تبلغ درجة الكمال، ويقول: إن جواهر العقول تمتاز بعضها عن بعض، سمواً وكمالاً، وطبقاً لسمو جوهرها يكون تألقها كثيراً أو قليلاً بالنسبة إلى ما يجاوزها من العقول، هكذا العقول التي انحدرت من الجواهر الفاضلة، هي بحاجة إل تطهير يسير، فالعقول المنحدرة من جوهر الأب، هي بحاجة إلى (الصليب) مرة واحدة، والمنحدرة من جوهر الابن هي بحاجة إلى (الصليب) مرتين، والمنحدرة من جوهر الروح القدس، هي بحاجة إلى (الصليب) ثلاث مرات، وهكذا كل جوهر بالنسبة إلى ما فوقه من الجواهر يجب أن يقاسي الجهاد والصليب، ويشرح ابن العبري هذه  النظرية بقوله: إن العقول التي نالت الكمال من لدن الأب فقط، كالأنبياء، كانوا بحاجة إلى صليب مرة واحدة، أما الذين نالوا الكمال من لدن الابن كالرسل فكانوا بحاجة إلى الصليب مرتين، أي أن يتألموا مع المسيح أولاً ثم ينالوا آلام الشهادة، وأما الذين نالوا الكمال من الروح القدس، فقد تألموا ثلاث مرات، وهم لم يروا الرب، كالأساقفة والرعاة الصالحين والكهنة والأبرار، وهؤلاء قاسوا آلام الصليب ثلاث مرات، الأولى مع الأنبياء، والثانية مع الرسل، والثالثة، في حياتهم الكهنوتية الشاقة لآجل المسيح.

والعقل في انحداره يتأثر بقوة دافعة، كذلك في تصاعده هو بحاجة إلى قوة جاذبة، ترفعه إلى الذروة المناسبة، أما أنا فقد رأيت عقولاً كثيرة لم تثر ضدها حرب ضروس، وغيرها قاست أكثر من الأولى، حتى استطاعت الارتفاع إلى المنازل المعدة لها، وإذا ما شرع العقل في التصاعد، فإن قوى الشر الثلاث تثور ضده تريد الهبوط به إلى الدركات السفلى. أما العقل، فيتجلبب قوة إلهية ويحوز صفة الجبروت العجيبة، ويضرب أعداءه إلى ورائه، ويجعلهم عاراً في العالم.

القوة التي يتخذها العقل واسطة للتصاعد، تتلاشى إذا ما بلغ العقل نهاية ذروته، وشأن هذه القوة إكمال الراغبين في الكمال .

إن العقول الموثوقة بالحبال (من أي نوع كانت) إذا رأت العقل المتأله حراً، فإنها تهتز مشتاقة، إلى العروج معه، والاتحاد به، ولا ترغب الانفصال عنه، إنها تبتهج به، وتنعطف إليه، قائلات: كل خبزنا وارتد أثوابنا فقط ليدع اسمك علينا فيزول عارنا، وشأنها شان المأخوذين سبباً، الذين رأوا أحد أبناء وطنهم، ويفرحون ويتوقون إلى مرافقته أينما مضى، أنهم يبسطون إليه اليد، يد الشوق والحنين عله ينقذ حياتهم من الذل والهلاك، وكأني بهم يناجونه قائلين: إلا أنقذنا من الهلاك والشقاء ومن حماة الهوان. أن هذه العقول تتزاحم ضارعة إلى العقل الطاهر إن يعطف عليها فتتبعه في عروجه، ثم ينصح المعلم تلميذه، يقول: إني يا بني، قد محصتك الحب الذي كنت مديناً به، أما أنت، فاسمع واعمل وبادر، ولا تتأخر، لئلا تغرب الشمس قبل أن تدخل المدينة فتسقط بيد المهلك، فاطلب إلى الله بلجاجة وشجاعة تمكنك من الوصول إلى الكمال، الكمال الحقيقي والاتحاد به.

9– الحب: ما الحب؟ ولم الحب؟ أقول: الحب صلة إلهية مقدسة بين المحب والمحبوب، فإذا وجد الحب فلا توجد الوحدة بعد بينهما، ويفسر ابن العبري هذه النقطة الدقيقة بقوله: إذا تمت ال\وحدة لا يبقى محب ولا محبوب، إذ يتلاشى اسم الحب بينهما لأنهما أصبحا واحداً لا اثنين، فما دام الحب موجوداً هناك فرق بينهما، والمحب لم يزل يشعر أن محبوبه

ناقص لا يجوز كماله إلا بالاتحاد به فإذا اتحدا حصل الكمال.

ويعود الفيلسوف فيقول إن اسم الحب يفترض الانفصال، لا يتألف من واحد، بل من

اثنين، من المحب والمحبوب، فبداعي الانفصال إذاً، يتأتى اسم الحب، وإذا كنا قد قررنا أن الحب علامة الانفصال، فلننظر ماذا تسمى العقول المحبة، ولنقل: امنحنا، اسماً يقرب لحظة الاتحاد، وهذا الاسم هو الحب المجيد. أما أنت يا بني، فلا تتوقف عند الحب، بل اترك المحبة جانباً، وانزع إلى الاتحاد وابلغ ذروته بقدرة فائقة، فإن الاتحاد فوق ما يسمى بالحب أو المحبة، أما أنا يا بني، فلست أمجد من المحبة، لأنني لن أزل أرى فيها معنى البعاد، وأعلم أن الذي يحب المسيح فإنه يراه على حد قوله: (أظهر له ذاتي) أما أنت يا بني، فلا ترغب أن ترى المسيح (فحسب) بل كن في المسيح، وقد أشير لك (أن المسيح يكون فيك) فلولا خشيتي لقالت لي كلمة الله، إن لم تعرفون أن المسيح هو فيكم فإنكم منحرفون. ولم تقل كلمة الله (أنكم أنتم المسيح) فإن كنا في المسيح فإنه يعرفنا ويلمسنا، ولكن إن كان المسيح فينا، فإننا نعرفه ونلمسه.

10- التمجيد والعبادة: قبل الدخول في موضوع التمجيد الحقيقي، يشير الفيلسوف إلى سمو العقل الطاهر يقول: إننا نعلم أن كل كيان عاقل يحصر، ويعرف ويلمس من قبل جوهر يفوقه سمواً، وهو بدوره يحصر ويعرف ويلمس الجوهر الذي يقل عنه سمواً، أما العقل الطاهر فإنه يحصر ضمن نظريته جميع الجهات. ثم يدخل موضوعه، فالتمجيد الحقيقي إنما يؤدي للخير الأول، ويقول: أما نحن يا بني فإننا نمجد الخير الأول، وهو غذاء طهور للمنتجعين حضرة الله، ونهاية أشواقهم الطبيعية وسير اضطرامهم اللاهب الوضاء، وهذا التمجيد ينبجس من حنين إلهي، ويتعاظم ويتسامى بطريقة سامية قدسية، ليتصل بالجوهر الأسمى الذي أثاره ومن هنا عرفنا معنى هذا التمجيد، إنه شوق المبعدين وحنين الساقطين، وإذا قال الابن للأب (مجد ابنك ليمجدك ابنك) فذلك يدل على إعطاء المجد للمجيد المتحد به.

فأية تماجيد تليق الآن بمخادعنا؟ أمن الطبيعية أم مما فوق الطبيعية؟ أما أنا فأظن ما يفوق كل نطق وتفكير، يجب أن يؤدي بدون نطق أو تفكير.

إذا بلغ العقل درجة من السمو فوق كل تصور بشري، وانكشفت له الأسرار الخفية في رهبة الحضرة الإلهية، وتوصل إلى مخادع الملكوت في المجد الأزلي، ماذا يقول؟ وكيف يعّبر، فالفيلسوف هنا يقف مشدوهاً متهيباً وكل ما أمكنه أن يقول هو: فأيه تماجيد تليق الآن بمخادعنا؟ أمن الطبيعية أم مما فوق الطبيعية؟ أما أنا فأقول: إن ما يفوق كل نطق وتفكير، يجب أن يؤدي بدون نطق أو تفكير. ” ذلك لأنه لم يجد كلمة بشرية يمكنها التعبير عن رهبة تلك المخادع، ولا الإفصاح عن هيبة ذلك الموقف، ولذلك يتابع قوله: لا لا، عرف الأمر، هنا الصمت المطلق، والإرتاج المطبق، أمام الأسرار السامية التي تتلاشى تجاهها الحواس، وتزول الأشكال، الصمت العميق في لحظات (الوحدة) الوحدة التي هي الكمال الأبدي. أمام الخير الأزلي المطلق، وقد سلمنا معلمنا الإلهي. أن من يتبع الرب يكون وإياه روحاً واحدة، وحيث تمت الوحدة انتفى الفاصل”.

لم يستطع الفلاسفة المتأخرون من الإتيان بأبلغ من هذا التعبير بالنسبة إلى حالة العقل إذا بلغ هذه الدرجة النهائية من التسامي الروحي، وسنجد ذلك عند الفلاسفة ابن سينا وابن العبري وابن المعدني.

ويتابع الفيلسوف حديثه عن نفسه يقول: هذا (يا بني) ما يمكن قوله للذي مثلي، إني أنتظر نهاية التطهير وكمال المغفرة، وبعد ذلك الالتحاق برفاقي، وهكذا إذا سجدنا للمسيح فذلك علامة التطهير، وإذا سجدنا بالروح فذلك إما علامة الكمال المطلق الذي لم يبق بحاجة إلى السجود، وإما علامة التمرد للذين يشقون الطاعة، ولكن بعد هنيهة يعود المتمردون إلى سواء السبيل ويصبحون طائعين.

11– البلوغ إلى ذروة الفضيلة والتغلغل في قلب الأسرار، ثم السقوط: بعد أن يبلغ العقل ذروة الفضيلة، وتتجلى له الأسرار، وقد وقف في قلبه العميق، وسبر غورها البعيد، يرتج عليه، فلا يجد كلمة من الكلمات البشرية كافية للتعبير عما هو فيه، بل لا يجد تعبيراً بشرياً يليق بما يشعر به من السعادة، ولذلك يقول الفيلسوف لتلميذه: أما أنت يا بني، فانظر إلى ما يحيط بك واجماً صامتاً متهيباً، وتأمل النملة وتعلم طرقها كيف تخزن قوتها وتخفي طعامها، والصَدَفَة التي إن لم تهبط إلى الأعماق وتختفي لا يمكنها تربية اللؤلؤة، احفظ كل ذلك، واعمل به تحيا نفسك.

وإن أمكن التعبير عما يشعر به الكامل (في حالة الوجد والوحدة) بشكل من أشكال اللغة البشرية، فذلك ليس مباحاً إلا للمعلمين والمرشدين ليوقفوا تلاميذهم على بعض الحقائق السامية التي ينالها العارف الكامل في حالة توصله إلى درجة الوحدة بالأزلي، وعلى هذا الأساس يقول المعلم لتلميذه واذكر (يا بني) التحذير الإلهي والمنع الصريح الذي أُعطى لذوي العقول الطاهرة، بألا يكشفوا الأسرار الإلهية التي أوتوها، وإني عالم أنك أنت أيضاً توصلت إليها، فشملتك كما شملتنا قبلك، لأننا جميعاً أخذنا روحاً واحداً، فإذا ذكرت ذلك تعلم وتفهم بسهولة لماذا قال الرسول بولس (لا يسوغ إنسان أن ينطق بها).

إن المعلم يشعر أن له الحق بأن يصرح ببعض ما يشعر به من سعادة روحية وهو في ذروة الوجد الكامل، فيقول لتلميذه:  (إني سأحاول التعبير بطريقة بشرية ببعض ما لا يخضع للغة البشرية لأن الروح يفحص كل شيء، ويحكم في كل شيء، والروح يفحص أعماق الله). ويفسر ابن العبري ذلك بقوله: ( إن التحذير الذي يضعه المعلم أمام تلميذه، إنما وضع للعقول الطاهرة، لئلا تفصح عن أعماق الأسرار الإلهية أمام العقول الغارقة في الأهواء البشرية، وأما المعلم فإنه مباح له ذلك، لأنه يعرف مقياس النقاء الذي تتوصل إليه العقول فتصبح أهلاً لإيداع الأسرار الإلهية فيها، وأعماق الله يريد بها أحكامه الغامضة، وإذا كان الروح قادراً على تفحص مثل هذه الأحكام، إذاً يسوغ لي أيضاً التعبير عنها أو عن بعضها، لأنه لا يمكن أن يُغرر بي أحد فأكشف الأسرار العميقة الخفية التي تتفحصها الروح ).

ويعود الفيلسوف إلى نفس التعبير الذي كان قد قدمه لتلميذه سابقاً ( الفصل الثاني) فيقول بالحرف الواحد: ( أما أنت يا بني، فلا تكشف كلماتي هذه للعقول غير الطاهرة، لئلا تتعرض للاستهجان القاتل: لا تضع عثرة أمام الأكمة ولا تعطي السم القاتل للمريض، لأن الإنسان الذي يريد فهم أسرار الروح بروح مادية، فهذه الأسرار تكون أضداداً له، فَلَذْ إذاً بالصمت الخاشع المتهيب، معرفة هذه الأسرار) ويفسر ابن العبري ذلك بقوله: يريد الأكمة هنا، أعمى العقل الذي يشك بالمعرفة عوضاً عن أن يتمتع بها، لأنه ليس كل عقل يمكنه التحمل أثقال الوحي، كما لا تستطيع كل عين التمتع بنور الشمس، إلا إذا كانت سليمة وأما الأضداد فهي على حد تعبير الرسول بولس: إن الجسد يشتهي ما يضر الروح والروح تشتهي ما كان غريباً للجسد. ويريد المعلم كشف بعض هذه الحقائق الإلهية بقوله: لا تعتبر يا بني إظهاري بعض هذه الحقائق السامية (مشافهة أو كتابة) خرقاً للناموس، فإني أخذت ذلك من المشير الحكيم، بأن أكشف بعض تلك الأسرار الخفية. ويفسر ابن العبري هذا القول مرتئياً: إني لن أقدم جزافاً على خرق المنع الذي أصدره رئيس أحبارناً “المسيح” وأمرنا أن نصون الوحي واجمين، فإني لم أفعل لله ذلك إلا بعد أن آذن لي الحكيم العظيم، مشير الحقائق الكبرى، أستاذي ومعلمي بولس .

في غمرة الوحي ، وفي حال الوجد الأسمى والعقل في أعلى الذرى من القداسة ، وقبل

الاتحاد المطلق بالأزلي الأحد، تعرض خاطرة دنيوية لبعض العقول، فتسلبها كل ما نالته بعد جهاد شاق، وتعب لا يوصف، وتهدم كل ما شيدته في غضون سنوات عِدَّة، تهدمه بلحظة واحدة فتسقط تلك العقول إلى أحط الدركات، وكأن أعمالها الفاضلة لم تكن. يقول الفيلسوف: (إني رأيت أناساً كثيرين قد سقطوا بغتة، لأنهم كشفوا الأسرار الإلهية، وشاهدت مع ربنا الشيطان ومن شابهه، يسقطون من السماء كالبرق، إذاً لا يجب أن يخفى عنك يا بني هذا العقاب الذي يُحيق بالعقول إذا ما أقدمت على كشف هذه الحقائق الإلهية) ويفسر ابن العبري ذلك بقوله: قوله رأى الشيطان ساقطاً كالبرق، أي بعين الروح لأن الشيطان أيضاً كائن روحي لا يُرى، ورأى من يشبهه ساقطاً معه، أي يهوذا الإسخريوطي، الذي سقط هو أيضاً كالزهرة الذاوية من شجرة المجد).

12- عودة العقل، السيف، السلطان : بعد أن يرسخ العقل في الحقائق الإلهية، وينال المجد الساطع باتحاده بالواحد الأحد، يعلن له أن يعود إلى العالم ليرى ما فعله الشرير بأبناء المعصية، وليشاهد جهاد القديسين، الذين يستعدون للصعود إلى ذرى الحقائق الإلهية، يعود إلى العالم غير وجل ولا هياب، ويقول الفيلسوف: ( حينئذ يشرع العقل المتصاعد الطاهر بالانحدار ليزور من في العالم بفرح لا يوصف) ( إنني أعلم أن طبيعة الشر لا يمكنها بَعدُ محاربته، كما كانت تفعل سابقاً فقد صعد إلى ذروة الحقيقة ونال قوة لا تقهر)، على حد تعبير النبي القائل: صعد إلى العلاء وسبى سبياً وشاهد العقل الطاهر المتأله، في ذلك السر الأمجد والمقدس، شاهد ذلك السيف السري العجيب، الذي قال فيه معلمنا الإلهي: من ليس له سيف فليبع  ثيابه ويشتري له سيفاً.

ويعلق ابن العبري على ذلك بقوله: إن الذي يُضرب بسيف الروح هذا (هو كلمة الله) يهلك ومن قاومه يفنى، فقد يُضرب سراً، ويقتل علانية يدخل إلى أعماق الأعضاء، ولا تُرى ضربته، إن هذا السيف يراه العقل، ويتأكد من أن متقلده له قوة عظيمة لا تقهر، وأمر الرب لتلاميذه يعني أن يخلعوا الإنسان العتيق، إنسان الضلال، ويتقلدوا سيف الروح الذي يعصم متقلده كل خطر، وبه يقتل أعداءه ويقهر النفوس الضالة. ويمضي الفيلسوف بتعداد الانتصارات الروحية التي يحققها متقلدو سيف الروح هذا، حيث تؤتي العقل قوةً وجبروتاً تنحدر أمامها كل الأعداء، أعداء الحقيقة الإلهية، وبذلك يحوز العقل سلطانا على كل ما في السماء وما على الأرض لأنه يتساوى بقدرته مع الله لاتحاده به.

13- الصليب والكمال والألم : الصليب إنما هو الألم الذي يقاسيه القديسون في هذا العالم، اقتفاء لأثار الله المتألم، ولا يستطيع مقاساة هذه الآلام إلا الذين بلغوا ذروة الكمال الإنجيلي وتقدسوا بالحق، ويقول الفيلسوف: ( يجب على الذين نالوا الكمال الإلهي وتقدسوا بالعظمة التشبه بالمسيح في كل شيء ويكونوا نظيره، ويخضعوا لما علمنا الرسول بولس بقوله : لنخرج إليه خارج المحلة حاملين عاره، و(سمعوا الرب نفسه يقول: إذا أراد أحد أن يكون تلميذي فليحمل صليبه ويتبعني) وهكذا يمضي بإيراد الآيات الكتابية الموجبة تجشم الآلام تشبهاً بالمسيح إلى أن يقول: ( فعلى العقول الطاهرة التي تريد التشبّه بالمسيح بكل شيء، أن يقتفي آثاره على الصليب، وإلا كيف تريد بلوغ الكمال) ويورد رغبة ابني زبدي في الجلوس عن يمينه وعن شماله في ملكوته، قول الرب لهما:

(أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أنا أشربها؟ مشيراً بذلك إلى آلامه، الأمر الذي لم يقاسه ابنا زبدي، ولم يتيسر لكثيرين من أصدقائه أن يقاسوه، وبالتالي كان يعني الآلام التي يجب على العقول أن تقاسيها وتخوض غمارها، وبدون ذلك لا تستطيع هذه العقول الطاهرة التوصل إلى الكمال الإلهي والتقديس المطلق ما لم تتوقل ذروة آلام الصليب).

وقصد الفيلسوف من ذلك، هو كسر شوكة الجسد، وصلب رغباته المنحرفة، الأمور المعّبر عنها في الكتاب (الإنسان العتيق) وعليه يقول: ( يجب إذاً أن يقتل الإنسان العتيق، وقد قتله المسيح على الصليب)، فلا يضُلنا أحد فيظن إن ذلك الإنسان العتيق يُقتل بغير الصليب، فقد أكد ذلك الرسول بولس بقوله: نعرف إن إنساننا العتيق قد صُلب معه، فبطل جسد الخطيئة لئلا تعود بعد إلى الظهور” فيجب إذاً، على العقول المتأله، أن تقتل هي أيضاً جسد الخطيئة على صليب الآلام، ورُبَّ سائلٍ سأل: لماذا يُصلب العقل؟ الذين لا يموتون لا يحيون أيضاً فقد قال الرسول بولس في المسيح: إذا تألمنا معه نتمجد” فكيف نتمجد معه ما لم نتألم بآلامه؟ وكيف نتألم بآلامه ما لم نقاس الصلب معه؟ ويمضي الفيلسوف بتأييد هذه الحقيقة بآي الكتاب الكريم، إلى أن يقول: ( إني دعوت الصليب كناية عن قوة مطهرة منقية، يزيل الآلام المبرحة بالآلام).

ثم يقول: لو لم تكن السقطة، لما كان الألم، ولو لا الألم، لما كان الصليب، ولو حفظ العقل جوهره لعله لم يأتِ وحيث لا مجيء لا ذهاب، فقد تأكدنا إذاً، أن الصليب لا حاجة للعقل إليه إلا للتطهير. وهنا بعض الغموض في هذه النظرية يزيله ابن العبري بقوله: ” لو حفظ العقل كيانه الروحي الطاهر لما احتاج إلى مجيء جديد نحو الأمور الروحية السامية، والاتحاد بها، بل لاستمر متحداً بها بدون انفصال”.

وينتقل إلى تفسير الآلام التي يجب أن يقاسيها العقل في تصاعده إلى ذروة الكمال، فيضع أمامه ثلاثة صلبان، أو ثلاثة أنواع من الآلام يقول: ( هناك ثلاث صلبان تظهر للعقول الطاهرة، الأمر الذي حدث للمسيح بالذات، وبما أن الإنسان مركب من ثلاثة عناصر، يجب أن يتطهر في هذه العناصر الثلاثة عينها، فمن العدل إذاً أن يقاسي ثلاثة صلبان).

وهنا يفسر معنى الصلبان الثلاثة، والعناصر الثلاثة المصلوبة سوية، يقول: ( اعلم يا بني، إن ثلاثة يُصلبون، ولكن لا يحيا ثلاثة، المسيح وحده عاد حياً، ومعه طيطوس، هكذا يصلب العقل، فيعود حياً ومعه النفس عن يمينه، مثل [18]طيطوس، ويموت الجسد عن شماله، مثل [19]دومكوس).

قرر الفلاسفة أن العقل قوة من قوى النفس، وأما فيلسوفينا هنا، توصلاُ إلى هدفه، وهو تطهير العقل من شوائب الشر، يجعل العقل متميزاً عن النفس بينما هما كائن روحي واحد، وعليه يُطبق حالته تجاه الآلام التي يقاسيها في هذا العالم إلى اللحظة التي يتوصل فيها إلى ذروة كماله الروحي، يُطبق ذلك ما قاسه الرب في طريق آلامه، حتى وصوله إلى ذروة النصر الحقيقي، وذلك خطوة فخطوة، وهكذا يتابع قوله:

(لعلك تظن أن في جوهر الأبالسة يتم هذا العمل المجيد (الألم) لا، بل أن الألم ينقلب إلى شر يشبه شر الأبالسة، وبه يتم صليب الآلام، وقد تقدم العقل الطاهر إلى ذروة الاتحاد (الاتحاد بالله) تاركاً نفسه مهملاً جسده في أنات لا توصف في غمرة الآلام حتى ينال قوة وجبروتاً لا يوصفان، ناظراً إلى الصالبين الذين يحيطون به (الآلام) ويقول لهم: من تطلبون فيقولون: إننا نطلبك، فيتلاشون أمامه كما تلاشى الصالبون أمام الرب ( في الجشماني) إذ سقطوا على وجوههم، فيؤكد للآلام أنها ضعيفة وضئيلة وإنه بإرادته تقدم إلى خوض غمراتها، فصلب، يتقدم العقل عرياناً بدون نفس ولا جسد فإنهما يبقيان وحدهما، ويقدم العقل ذاته بإرادته إلى صليب الآلام محاطاً بهالة من القوة والقداسة، والتواضع، كنعجة أمام الجزار، صامتاً، فيرفع على الصليب الذي في الوسط، فيرى النفس عن يمينه مصلوبة مثل طيطوس، والجسد عن شماله مثل دومكوس، يقدم له الصالبون (الآلام) خلاً في إسفنجة كما قدم للمسيح، فتدنوا لحظة الموت، التابعة لآلام الصليب، فتقول النفس للعقل ما قاله طيطوس (اذكرني في ملكوتك) طالبة الاتحاد، فيصدر لها الوعد بالتطهير المقدس الإلهي، الذي ستناله بوساطة العقل، فيصرخ العقل الطاهر قائلاً: إلهي لماذا تركتني ويحني رأسه بتواضع عظيم، ويقاسي الموت السري كما قاساه المسيح قبله، فلا يستطيع أن يكون مساوياً للمسيح من لم يتمجد بهذا الموت فتموت النفس والجسد أيضاً معه).

أما أنت يا بني، فافهم معنى الجسد،  فبعض ملائكته (قواه) تمثل دور الوحوش، وبعضها دور الشر، فيتقدم أحدهما بطريقة سرية إلهية، ويطعن العقل في جنبه بحربة، ويجري منه (بطريقة مقدسة أيضاً) ما يمثل الدم والماء، ولعل البعض سيمثل

دور يوسف، فيُنزل العقل عن الصليب.

وهنا يشير الفيلسوف إلى اختلاف العقول بالنسبة إلى مقاساة هذه الآلام فبعضها تقاسيها مرة واحدة والبعض مرتين أو أكثر يقول: ( لا يشككنك عدم تساوي هذه العقول بالنسبة إلى الآلام، فإني رأيت عقولاً كثيرة لم تقدم إلى هذه الآلام مرة واحدة أو مرتين، بل يجب أن يصرح بالحق إنها ربما أقدمت عشر مرات أو عشرين مرة، أو ربما مرات لا تحصى، بل رأيت عقولاً كثيرة استمرت تقاسي الآم الصليب فترة الحياة الإنسانية كلها).

يشرح ابن العبري عدم تساوي العقول بالنسبة إلى مقاساة الآلام بقوله: ( العقول البشرية المتكاملة بمقاساة الآلام يتضاعف ويتضاءل بالنسبة إلى الطبيعة البشرية ذاتها وقوة الآلام النفسية، ومدى القوى الجسدية، فبعض العقول يكفيها أن تدخل بوتقة التطهير مرة واحدة، وبعضها مرتين. وبعضها تستمر طيلة فترة ارتباطها بالجسد غارقة في الشهوات، وبعضها حتى النسمة الأخيرة تهاجمها الأهواء ومعنى ذلك، إن السائرين في طريق الملكوت الضيقة، يمتاز بعضها عن بعض تبعاً لاختلاف الطبائع والإرادات، ولنحجم إذاً، عن إظهار الحالات البشرية بالنسبة على سيرها في طريق الله أمام العقول المريضة، لئلا يزدري القائل: ويُعتبر جاهلاً أمام الذين لا يدركون عظمة هذا السر) وأخيراً يُطمئن الفيلسوف تلميذه بقوله: ( يا بني لا تطل التفكير في أمر العقول الكثيرة المتطهرة لعلها جميعاً سواسية أمام آلام الصليب).

إلى هنا يجدر بنا التوقف عن الاسترسال مع الفيلسوف الصوفي الذي طلب له اتخاذ اسم أيرثأوس الخالد هذا، مع أن الفصول الباقية من الكتاب هي الذروة العليا من تفكيره السامي في هذا المضمار، وقد رأينا كل ذلك واضحاً لدى فلاسفتنا العرب والسريان منذ القرن العاشر الميلادي وإلى القرن الثالث عشر، حيث تناول هؤلاء الفلاسفة كل تلك النقاط الروحية طبقاً لحاجتهم في البحث، وأضفوا عليه حللاً رائعة من التعبير المبتكر، إلا أنهم لم يأتوا بشيء جديد، وعليه تجد في الفصول الباقية من هذا الأثر الرائع، تقارير روحية سامية في جميع.

الحالات التي يمر بها العقل منذ يقظته الأولى، بعد هبوطه إلى عالم الخطيئة والمعصية حتى التحاقه بالملأ الأعلى واتحاده بالواحد الأزلي.

ففي حالة الخطيئة يصور الفيلسوف العقل (جثة هامدة) وهذه الحياة إنما هي قبر رهيب لتلك (الجثة)، الفانية، فتراها مغمورة في أهواء هذه الدنيا كما تغمر جثة الميت تحت طيات الثرى، (الفصل14) وما هي إلا برهة حتى تجد رحمة الله الواسعة تحيط العقل الخالد بعطفها السامي وتضفي عليه قوة جديدة تمنحه يقظة جديدة ونهوضاً شامخاً جديداً بعد تلك الكبوة الكبرى، فيحيا الميت ويستعد للنهوض الكامل من جديد، (الفصل 15).

إلا أن ذلك يؤلم رئيس الشر في هذا العالم، فيهاجم العقل من حيث يدري أو لا يدري، ويعلن الشر حرباً عواناً ضد الخير، الخير الذي حازه العقل عند يقظته الكبرى فتصبح هذه اليقظة كفيلة في حركة انتصاره على قوى الشر العارمة (الفصل16).

بعد الفوز بهذه المعركة الضروس، يشرع العقل بتصاعد جديد إلى الملأ الأعلى، منتقلاً من حالة إلى حالة، بل مرتقياً من قوة إلى قوة، حتى يبلغ الذروة العليا حيث قدس الأقداس الأسمى، مستعداً للدخول، وهنا برهة روحية عذبة عجيبة لا تستطيع اللغة البشرية الإحاطة بها (الفصل17).

إن برهة الاستعداد والانتظار أمام قدس الأقداس صعبة وقاسية، فالعقل يتوقف واجماً متهيباً، ترتعد فرائصه خشية الفشل والاندحار، فلم تزل قوى الشر تلاحقه، حتى أمام ذلك الرتاج العظيم، إلا أنه يعود إلى تفحص قوته الروحية العظيمة فيراها كافية للاحتفاظ بمنزلته الرفيعة، فيلتفت إلى أعدائه الروحيين ويسحقهم تحت قدميه، ويتخذ من قداسته أجنحة نورانية قوية يبلغ بها أعلى طبقات التصعاد والمفارقة فيدخل خالداً في قدس الأقداس الأسمى (الفصل18).

يعود الفيلسوف ليوضح الغاية النهائية لتصاعد العقل، فيجد أن الجوهر العام الأسمى، هو وحده النهاية الكبرى والغية القصوى، هو نهاية المطاف التي ينشدها العقل، وعند بلوغه الحضرة الأزلية يكون قد بلغ مرتبة الرؤية، وفي غمرة هذه الحالة، يستولي عليه ذهول وخشوع عميقان فيستسلم إلى الراحة الكبرى والصمت المطلق وقد بلغ غايته القصوى واتحد بالأزلي أو الجوهر العام، ثم يتابع الفيلسوف نظراته في شرح الجوهر العام، وهو الكائن الأزلي الذي يصدر عنه كل كائن، وإليه يعود في نهاية مطافه (الفصل19، 20)

كل ألم يقاسيه العقل، إنما يقاسيه في سبيل انتقاله من حالة الخطيئة و المعصية إلى حالة البر والقداسة والتشبه بالله إلى أبعد حدود التشبه يمكن لهذا الكائن العاقل التوصل إليه وللبالغين هذه الدرجة السامية، وهذه الحالة الروحية المطلقة، مراتب ودرجات بالنسبة إلى قوة النعمة التي تحوزها كل مرتبة من تلك المراتب، وعليه فإن للكاملين البالغين درجة الروحانية المطلقة، درجات يختصون بها، كما أن للكائنات الروحية المطلقة (الملائكة) درجات ومراتب، فيستعرض الفيلسوف مراتب الملائكة ودرجاتهم ويطبق عليها حالات الكاملين ومراتبهم ودرجاتهم، وكيف أنهم يمتازون بعضهم عن بعض ويتفاوتون بالمجد والكرامة والمراتب والدرجات ومن هذه النقطة ينطلق إلى تعداد طغمات الملائكة ويسميها (العقول الطاهرة) ويصور حالاتهم الروحية تصويراً رائعاً، ويطبق كل ذلك على حالات الكاملين من البشر الذين حازوا هذه المرتبة السامية من الروحانية المطلقة، ثم ينتقل إلى وصف الأغاريد الروحية و التقاديس المستمرة التي تمارسها العقول الطاهرة سـواء من المـلائكـة أو مـن البشــر الـذين أصبحـوا مـلائكة من طراز جديد (الفصلان 21، 22)

وهنا يختم هذا السفر الجليل الذي يتخذه الفلاسفة الشرقيون مورداً عذباً لانطلاقهم الصوفي اعتباراً من القرن العاشر الميلادي إلى القرن الثالث عشر.

في القرن العاشر ظهر كاتب سرياني، رغب إخفاء شخصيته كان أسقفاً للرها، اعتزل منصبه الأسقفي وانفرد في أحد الجبال متنسكاً، وألف كتابه الشهير (علة كل العلل) أورد فيه نفحات صوفية عطرة، تتعلق بتعظيم قدر العقل والبحث عن الحقيقة، باعتبارها ضالة الإنسان، وطلب أن يترجم إلى اللغات ليفيد منه كافة الناطقين بها.

يعطينا هذا الكتاب الجليل فلسفته الروحية الصوفية، استمداداً من أيمانه العميق بالله وبقوة العقل باعتباره (كتاب الله الأزلي وينبوع الحقيقة) ويعتقد أن الإنسان بإمكانه الاتحاد بالله عن طريق العقل والحقيقة المجردة، بعد أن يتنزه عن شهواته الجسدية ويتسامى عن نزواته البشرية المنحرفة، وليس هذا الاتحاد كاتحاد قطرة الماء في البحر وتلاشيها في غمرة، لأن الله تعالى روح بسيط لا يتجزأ ولا يقبل زيادة ولا نقصان، بل هو اتحاد بالروح والحق وقبل هذا الاتحاد يجب أن يحوز الإنسان صفة القداسة المتناغمة مع قداسة الله، ويعتقد الفيلسوف أن (مدى) هذا الاتحاد يتوقف على (مدى) توصل الإنسان إلى الحقيقة، فبقدر اتصاله بالحقيقة، يكون اتصاله واتحاده بالله قليلا أو كثيراً، ويعتقد أن ما تركه لنا الإنسان منذ الأجيال الأولى من علم وفلسفة ومعرفة لا يغني فتيلاً في معرفة (الحقيقة) يقول:

لندع كل الكتب والشرائع جانباً، ولنهمل جميع النواميس التي وضعها البشر، ونحطم كل القيم التي تبجح بها الإنسان، لأن جميعها فاشلة خائبة، ولا تستطيع أن توصلنا إلى الحقيقة، ولنعود إلى كتاب الله الأزلي، إلى العقل، فهو وحده يهدينا إلى طريق الحقيقة.

إن قدر العقل عظيم عند شيخنا هذا، ولكنه ليس إلهاً يعبد، بل لديه فقط القوة الروحية الكافية لهدايتنا إلى الحقيقة، يقول: العقل ينبوع الحقيقة، وموجد الكتب، وخالق الفلسفة، والتفكير، وهو ذو المواهب الزاخرة، والقوى الروحية العالية إلا أن هذه (القوى) ـ الروحية العالية ـ تتوقف أمام عظمة الخالق الحكيم، يقول: عندما يُظهر لنا الضمير الحقيقة في الموضوع الذي خطه الأزل في كتاب الكون، نعطف إليه ولكن ضمن الحدود التي يضعها لنا الخالق الحكيم، الذي يدبر الكون بحكمته الفائقة، وعقله الأسمى، وهنا يجب أن نذعن لهذه الحقيقة لأنها لم تصدر عن حكم بشري، ولا عن عالم طبيعي، ولكن عن رب الحقيقة السامية، والحكيم الأزلي الأحد، ومعلم الفلاسفة وملقن الحكماء.

وعنده أن الحقيقة ليست إلا ما يعصم النفس على التهور في مهاوي الضلال بل هي الحد الذي ترتاح إليه النفس العاقلة وترغب فيه، ولا سيما عندما تعييها أباطيل هذه الحياة.

وهنا يفرق بين الحقيقة النفسية والحقيقة الروحية ويقول: إن الحقيقة النفسية لا نحتاجها إلا في هذه الحياة، فهي تعصمنا من الضلال بين منعطفات هذه الدنيا، ومصدرها العقل المفكر في الخير الكامن في هذا الكون، أما الحقيقة الروحية فنحتاجها في هذه الحياة وفي الآخرة، وهي تعصمنا من الهلاك المعد للذين لم يسلكوا بحسب وحي هذه الحقيقة السامية، ومصدرها ليس العقل البشري ولا هذه الحياة الدنيا، بل تصدر مباشرة من الله بفيض خاص، ينسكب من النعمة الإلهية فيطير بالروح البشرية إلى حيث الحقيقة السامية، إلى حيث يوجد الله، وهكذا تتحد فيه، بعد أن تنال تلك الدرجة من الحقيقة.

ينظر شيخنا إلى الحقيقة نظرة صوفية صرفة فهو يريد أن يوحد بين الله والإنسان

بوساطة الحقيقة، فليست هذه الحقيقة إلا القوة المنبعثة من الله لكي تجذب الإنسان للاتحاد به، ولا يستطيع الإنسان الاتحاد به، ولا يستطيع الإنسان حيازة هذه الحقيقة إلا بعد رياضة طويلة ولكنه على كل حال يحوزها إذا صبت نفسه إليها.

وعنده أن السير في طريق الحقيقة لا يمكن أن يكون إلا باتباع مشورة العقل الفاعل تحت سيطرة الله، فهو وحده يستطيع كبح جماح الميول الثائرة ويأتي بها إلى طريق الحقيقة، وبدون هذا العقل لا يستطيع الإنسان التوصل إلى الحقيقة، أما إذا طغت الميول على العقل، وأخذت المبادرة من بين يديه، فإنها تجمح بالإنسان حتماً إلى مهاوي الهلاك، لأن هذه الميول تكون عمياء صماء، لا تبصر ولا تسمع، فإنها لا تستطيع أن تبصر الحقيقة المنبعثة من مدينة الله فوق منارة الخير كما إنها لا تستطيع أن تسمع أصوات المرشدين الذين ينصحون بكبح جماحها، والإقبال بها إلى صوت الحقيقة، وعلى ذلك يقول: ( كما أن البرد يقلص أجسامنا، والغيم الكثيف يحجب عنا شعاع الشمس، فإن برودة الأباطيل تقلصها، وظلام الحياة يرميها في مهاوي الهلاك، وكما أن الحيوانات الكاسرة إذا أحاطتنا في عرض غابة من الغابات الموحشة تفترسنا وتحطم أجسامنا، كذلك شهوات هذا العالم إذا استولت علينا ونحن بعيدون عن الاعتصام بالحقيقة السامية، تنقض على نفوسنا فتدفع بها إلى الهلاك المحتم، أما هذه الكواسر التي تؤثر على أرواحنا، فهي الحسد، والبغضاء، والمجد الباطل، والغضب والحقد، ومحبة المال، وما إليها، وأعظم جميع الميول الشريرة، التي تحجب عنا أنواع الحقيقة، هي الكبرياء التي تضاد الله، والعجب، الصلف، والافتخار الباطل، الأمور التي إذا تراكمت حول النفس خنقتها كما تخنق الأشواك الرديئة زهرة جميلة فواحة، وهناك آفات أخرى تفتك بالنفس فتكاً ذريعاً، أهمها: الكذب، فإنه إذا استولى على النفس البعيدة عن معرفة الحقيقة، ينهبها، بل ينهب أقدس أقداسها، كما يسطو اللصوص على دار مليئة بالجواهر فينهبونها لأن الدار لا تحرسها جدران قوية، ولا تحميها أبواب حديدية، موصدة، ثم لأن رب الدار إما غارق في نوم عميق، وإما بعيد عن مجوهراته، كذلك الكذب إذا سطا على النفس وكان العقل غارقاً في الشهوات الدنيا، غافلاً، أو بعيداً عن نور الحقيقة، فإنه يخطف أقدس أقداس هذه النفس، ويذهب بها حيث يشاء، وغالباً إلى الهلاك الروحي الأكيد.

وأما الحصول على الحقيقة فيقول فيه الشيخ: الحقيقة لا يمكن لإنسان إتيانها إلا بالبحث و التنقيب عنها، وهذا البحث يكون بالرياضة الروحية الطويلة من قبل النفس، لكي تتوصل إلى هذه الحقيقة السامية فتعرفها وتميز بينها وبين الباطل.

وفي ختام هذا الفصل (وهو الثاني من المقالة الأولى) يقدم نصائح ثمينة للإنسان لاكتساب الحق، يقول: من هنا (من الرياضة الروحية) نستطيع بناء معرفة الحق على أساس الخير المطلق، وتحت أشعة النور الأزلي نور الحقيقة، لنقي به نفوسنا كما نقي جسمنا من طوارئ الفصول في البيوت الحجرية.

وفي القرن الثالث عشر نبغ البطريرك يوحنا ابن المعدني (1363م) وكان ذا روحية سامية، وعقلية متألقة، عاش في بغداد ردحاً من الزمن وفيها تعلم اللغة العربية فأحكمها، واطلع على الفلسفة العربية فأحبها، وغاص على أصولها عميقاً جداً بالإضافة إلى الفلسفة القديمة، وتركت هذه الدراسات آثاراً روحية عميقة في نفسه، ظهرت في قصائده، وهو وإن كان من المقلين في الشعر، إلا أن قصائده بلغت ذروة رفيعة في مضمار النسك والمبادئ الروحية الصوفية، وترك لنا ثلاث قصائد رائعة في هذا المضمار.

الأولى، قصيدة الطير، والطير فيها رمز للنفس البشرية، تختلف كثيراً عن قصة الطائر لابن حيان، لأن الشاعر أخذ عناصرها ومبادئها من الكتاب المقدس وأورد فيها بطريقة شعرية رائعة قصة هبوط النفس البشرية من علياء نقائها إلى حضيض المادة مجذوبة بشراهتها وشهواتها الجسدية، ثم يصف آلامها وهي مكبلة بأغلال المادة، ويورد تصاعدها إلى الملأ الأعلى صحبة نفوس طاهرة أخرى، للقاء ملك السماء بغية تقطيع شراكها القاسية وعودتها ثانية إلى الأرض لإكمال رياضتها الروحية وتصاعدها من جديد إلى موطنها الأول مجلببة بحلل القداسة، ولولا ضيق المقام لأوردنا شذرات منها إظهاراً للجمال الشعري الذي نسجته عقلية هذا المفكر الكبير.

والقصيدة الثانية هي الأخرى تدور حول النفس البشرية، وقد عارض فيها شاعرنا قصيدة ابن سينا المعروفة (هبطت إليك من المحل الأرفع) ولكنه اتخذ لإبداء فكرته الصوفية أسلوباً خاصاً به، ومعاني جديدة مبتكرة تختلف تمام الاختلاف عن المعاني التي وضع بها ابن سينا قصيدته العينية هذه، ولا نرى مانعاً من إيراد ما كنا قد كتبناه في هذه القصيدة قبل بضع سنوات وإليك ذلك بنصه:

تنجلي الحقيقة لشاعرنا الفيلسوف، فيتصور النفس بعد هبوطها من عليائها مكبلة بأغلال حديدية لا تستطيع تحطيمها إلا إذا تحطمت على شواطئها الصخرية جميع رغباتها المادية، وعادت إلى طبيعتها الأولى فاستعادت طهرها ونقاءها، وحينئذ تتبدد أمامها سجف الدخان الكثيفة المتصاعدة من أتون المادة وغابات هذا العالم المحترقة، فترى الله وجهاً لوجه، وهذه هي الحرية التي تتوق إليها النفس منذ فجرها الأول.

خلقت النفس منذ البدء حرة طليقة، ووجدت بحلة الطهر و القداسة، وهذا هو السبب الوحيد في حريتها، (إلا أنها هبطت من علياء قداستها) إلى هذه المادة، فاتحدت بها واتخذت منها طبيعة جديدة، (هي طبيعة الشر)، هو القيد الحقيقي الذي أفقدها حريتها وأنساها انطلاقها في عالم المعقولات.

يصور شاعرنا الفيلسوف هذه الحالة بهذه الطريقة الشعرية الرائعة، فيتخيل النفس حمامة طاهرة، انحدرت مشغوفة بهذا الجسد الكثيف، وفقدت بذلك عزتها وأضاعت حريتها، هبطت إليك الحمامة الجميلة من علياء القداسة مجذوبة مشغوفة بالاتحاد.

وكأني به يراها بجمالها الروحاني متربعة على عرش السماء بعيدة عن أدران هذه الحياة، إلا أن هبوطها يؤدي بها إلى عاقبة سيئة (كانت محجوبة وراء سجف الحياء، ولكنها مزقت الحياء في اللحظة التي مزقت فيها هاتيك الحجب).

ثم يهبط معها إلى أرض الخطيئة، فيراها متحدة بالمادة الكثيفة، بعد أن فقدت حياءها وقداستها، يراها في غمرة الحسرة واليأس تريد الانطلاق إلى عالمها الأزلي مرة أخرى سئمتك بعد أن تذوقت مرارة الاتحاد، وأخذت تبحث لها عن طريقة تنفصل بها عنك كما تفعل العشيقة النافرة، سئمت العبودية لأنها خلقت حرة.

تباً لهذا الجسد الكثيف، إنه قيد حديدي صارم، يراه الشاعر في رجليها وهي مصعوقة لا تستطيع الحراك، فيتبدل لديها كل شيء السعادة بالبؤس، والنور، بالظلام ، والحرية بالعبودية، أنساها الألم مسارح الغبطة، نسيت ذاتها وموطنها الأزلي كالمجنونة، وتبدل لديها عرش الحرية بذل السقوط، بعد أن كانت تعانق طهرها وهي حرة.

ثم يرى بؤسها وشقاءها فيرثي لحالها، ويحاول أن يكفكف دموعها، إن أنامله تخونه فيقف باكياً مولولاً وهذه عبراته (هبطت الحمامة الكريمة من عليائها، فانكسر جناحها في حضيض الوهدة، هبطت البائسة من علياء سمائها، وهي الآن غارقة في دموعها اللاهبة).

وما زالت البائسة في صحرائها القاحلة تذرف الدموع الغزيرة، لعلها تروي غليلها الجياش، من هذه القطرات اللاهبة، إلا أن هذه الدموع تجف تحت حرارة الشمس المحرقة في هذه البيداء المقفرة، وتحت هذه الأشعة اللافحة هبت نسمات الربيع على مروجها الذابلة، فمسحت دموعها لتسقي الزهور فتعيد إليها جمالها، حتى تترك منفاها الصارم عندما تناديها أبواق الحرية.

إلى هنا كانت النفس في حضيض آلامها، وفي أغلال شرورها تصرخ ولا مجيب، فتذهب

دموعها وتنهيداتها أدراج الرياح، لأنها مأسورة للشر، مستعبدة للخطيئة، ساقطة تحت أثقال المادة الكثيفة، غير أن الفيلسوف الشاعر يراها تتململ رويداً رويداً، فتنفض عنها غبار المادة وتذريها في الرياح السافية، هنا تشعر بمرارة العبودية، وعذوبة الحرية، الأمر الذي لم تكن تستطيع الشعور به وهي في أوج مجدها ترفل في مسارح حريتها، غير أن السقطة علمتها درساً في حب الحرية وتقدير قيمتها، وهذا ما يقدمه لنا شاعرنا الفيلسوف مسكوباً بكؤوس من الشعر الجميل ،هنا تبلغ النفس غايتها من العبودية والسقوط، فتقطع الأغلال وتحطم القيود، فتشق لها طريق الظفر بأنغام اللهيب.

ثم يراها ترفع رأسها نحو السماء، فاتحة عينيها للنور الجديد، وإذا بالغيوم الكثيفة تنقشع والظلمات الدامسة تتبدد، فينجلي السر المخفي عن البصر لهذه النفس البائسة وإذا انقشعت حجب الظلام الكثيفة، ترى السر المخفي عن العين الحسية.

ثم نلحظ في كلام الشاعر بادرة جديدة هي، أن المعرفة وساطة أولية لتحطيم أغلال النفس، وتكسير قيودها، بينما الجهل هو السبب في سقوطها وأسر حريتها، فأول شيء يراه الشاعر في النفس بعد انطلاقها من أسرها كونها واقفة على شجرة المعرفة ترسل في الجو أنغام الظفر، والخلاص يقول: تراها مغردة على شجرة المعرفة بالنسبة إلى انطلاق النفس، فإن الحكمة أو المعرفة، هي اليد القوية التي حطمت قيودها وأطلقتها حرة أمام وجه الحياة “فسواء كان سقوطها إرادياً أم قسرياً فإن الحكمة ارتفعت عليها جميعاً).

لم يكن سقوطها هذا فارغاً لا معنى له، ولا فائدة، فإن النفس البشرية جنت منه فوائد جليلة، وتعلمت دروساً خالدة، وأصبحت تقدر قيمة الحرية، بحسب ما هي لا بحسب ما يتراءى للعين البسيطة، والسبب هو أنها تذوقت مرارة العبودية، فعرفت من ذلك عذوبة الحرية، وبالتالي فهمت قيمتها ولولا سقوطها لما شعرت بلذة النهوض، ولما عرفت معنى الظفر، والخلاص يقول، الشاعر: (إنها نالت من سقطتها درساً في التأديب والتقويم، وغلبت بالروح ذلك الذي ظفر بها منذ القدم. )

ثم لم تكتف بهذا الدرس من الحرية، بل جعلت هذه الحرية حداً تخطته بعد المرور على فيض من الفضائل أهمها: التواضع، فإن السقطة المروعة كانت درساً في التواضع لهذه النفس التي أغواها جمالها، وبهرها طهرها وشعرت بشيء من العجرفة الأمر الذي كان سبباً مهماً في سقوطها وهكذا وهي في غمرة السقوط، تعلمت أمثولة جديدة في الوداعة والتواضع، قال: (تعلمت بسقوطها نظام التواضع وبوساطة هذا التواضع وطئت تحت أقدامها علياء السماء) ثم تخطت من هذا الدرس إلى درس آخر أكثر سمواً وأعظم من جميع الدروس ألا وهو إطلاعها على خفايا الروح، ومعرفة الأمور المزمعة، هذه المعرفة التي لا تنجلي إلا للأنبياء والكاملين الذين اتحدوا بالله اتحاداً كاملاً، (إنها تلقنت من التجربة الأسرار الإلهية، وتعلمت من الدهر جميع الخفايا والمزمعات.)

هنا يعود الشاعر إلى تثمين قيمة الحرية مرة أخرى، لكي يبرهن على عدم معرفة النفس بهذه القيمة قبل السقوط، فيؤيد أن النفس الحرة استهانت بحريتها يوم كانت ترفل بأثواب المجد متمتعة بسلطتها الذاتية، وما هي إلا برهة، حتى نراها تفقد حريتها فتفقد معها كل شيء وتهبط في الأسر مغلوبة على أمرها، ذكرت المقهورة أيام عزها ومجدها الذاهب، فبكت على ذاتها بكاء مراً، أعدت لها الطبيعة أشراكاً قاسية فكبَّلت عنقها، فقعدت عن الصعود والانطلاق إلى سمائها الأولى “ولما امتحن تقديرها للحرية، هبطت إلى السبي مأسورة بأغلال قاسية”.

وهنا في السبي، تحت وطأة الأغلال، تشعر النفس المسكينة بمرارة العبودية وآلام الرق، فتثوب إلى رشدها، وتُرسل في الجو، أنات مؤلمة كانت أجنحة لها فطارت بها إلى سماء السعادة، مرة أخرى بعد أن فقدتها يوم فقدت حريتها، يقول الشاعر: “ولكن تنهدها المؤلم منحها قوة الخلاص، والإفلات، وصار لها وساطة للتجديد والتصاعد” ومعنى ذلك أن ندامتها العميقة، وحبها للحرية وشعورها بمرارة الاستعباد، ودموعها، كانت لها كلها أجنحة أنقذتها مما كانت عليه من الذل والهوان، فاستطاعت أن تجمع قواها وتطير مرة أخرى إلى حيث الحرية الكاملة المليئة بالخير.

وهنا بعد مضي العبودية، وذل الأسر، صارت النفس البشرية تعرف كيف تُثمِّن قيمة حريتها الجديدة وسعادتها المُستعادة.

بعد أن يُنهي الشاعر إعلان وصول النفس إلى سعادتها الخالدة، يقف أمام هذه السعادة مشدوهاً، مُفكراً بما كانت عليه في موطن الذُل وربوع الشقاء، يُرسل آخر إشعاع من فكرته الوضاءة، حائراً في سبب سقوطها، وهو لا يدري أهي المادة هبطت بها إلى الحضيض أم هو الموت بسط عليها نقابه المظلم، فزجها في غياهب الظلام غير أنه يعود فيؤكد أن كل ذلك لا أهمية له طالما عادت إلى فردوسها المفقود “أما أنا، فلست أدري، أكانت الكثافة سبب سقوطها أم هو الموت؟ ولكنني رأيت عند ابتعاد النفس عنهما (المادة والموت) عادت الكرامة التي خُلقت لأجلها منذ البدء”.

أما أنت فعندما تصل معه إلى مشاهدة النفس تعود إلى فردوسها المفقود، ربما يخامرك

 

الشك أو تريد صرف نظرك عن هذه المعاني الروحية التي أتاك بها من عالم الشعر الجميل، فيقول لك:  “أما أنت يا بن الأدب فاسمع نغماتي، وإذا شككت

بشيء منها فلذ بالصمت[20]“.

إلى هنا تنتهي هذه الخريدة النفيسة، وعندي أنها أروع ما قيل وما يمكن أن يقال في هذا الموضوع الروحي الخطير.

والقصيدة الثالثة هي (طريق فضيلة الكاملين) وهي قصيدة صوفية بالمعنى الصحيح، والاتجاه الواضح الصريح، وقد نسج فيها على منوال المتصوفة السابقين. ونورد هنا آراءه كاملة طبقا للنقاط التي وجدناها بارزة في هذه القصيدة، واليك ذلك:

1ـ للعارفين طبقات يمتاز بها بعضهم عن بعض.

2ـ أغمضوا حواس الجسد، واخمدوا لهيبه، وسحقوا رأس الحية القديمة، توصلاً إلى الملأ الأعلى.

3ـ الحد الأول للزهادة الإعراض عن شهوات الدنيا وهموم الغنى.

4ـ رحيل العقل إلى القديم (الأول) لنوال أشعة القداسة الساطعة على صفحة النفس الطاهرة.

5ـ ما أسعد من أصاب هذا الهدف، وقد دُعي (عارفاً) لعرفانه طريق الحق، وعقله مرتبط بربه، بل أصبح صورته من جديد.

6ـ يُعتبر الجهال من النساك، (النسك صيرفة)، وجعله غيرهم رشوة، رهبة من العذاب الآتي. هؤلاء من صنف العبيد، ونسكهم إنما هو عبودية واضحة.

7ـ العارف الحائز على درجة البنين، هو الذي ربط نفسه بربه. فتسامى إلى أوج الروحانية، لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العذاب، بل حباً بربه.

8ـ (العارف) لم يزهد في الدنيا مبادلة في الآخرة، بل تمرداً على النزوات وتوصلا إلى قدس الأقداس.

9ـ اتخذ النسك رياضة روحية فطهّر ضميره هداية، وفطم نفسه عن الشهوات إنقاذاً لصورة الله التي شوه جمالها سابقاً في الخطيئة.

10ـ القوى النفسية والأوهام التي هي أغلال للجبناء إذا طهرت أصبحت أجنحة للعارفين

يحلقون بها إلى الملأ الأعلى السعيد متحدين بأبناء الروح.

11ـ الكائن الترابي إذا طُهر من أدران المادة، وتخلص من أوضار الأمجاد الزائفة، يسبح حراً في بحار النور، ويملأ كنز العقل فضائل.

12ـ العارف مشتاق إلى الحق الأول، فالشوق يُدنيه أبداً، ولا يثنيه عنه هدير العالم الفاسد، ولا شهواته الباطلة، فقد اجتذبه الشوق الكائن الأزلي.

13ـ (العارف) لا يتخذ الحق دفاعاً عن الصيرفة، ولا يجعله سبباً في استبدال بنعيم الدنيا نعيم الآخرة، والوساطة الوحيدة التي تنقذ العقل من العذاب استمساكه بحبال الحب دون النظر إلى العوض.

14ـ الشوق إلى الحق الأول هو الدرجة الأولى للزهد (العرفان) وهو البذرة الأولى في تربة العقل، ثم تنبت وتتنامى رويداً حتى تبلغ الكمال.

15ـ إن شوق النفس إلى العلة الأولى أمر طبيعي طبقا لناموس (العلة) فإذا أغرقت في التخلص من الشهوات، نالت بوساطة التطهير قوة التأله.

16ـ ميدان الرياضة الروحية ثلاث مراحل، الأولى، التخلص من شهوات الجسد، والاتجاه نحو الفضيلة، والثانية، إنقاذ سيادة النفس وإخضاع قوى الجسد لهذه السيادة، فتذكر أصلها الكريم وصورتها الأولى الجليلة، فتحتقر أمجاد العالم الفانية، وتتخذ لها أجنحة تحلق بها إلى موطنها الأول، والثالثة، جعل عواطفها وحركاتها شفافة لكي ترى الحق منبلجاً واضحاً، وإعداد قواها كالمرآة المجلوة لقبول صور الحق.

17ـ في المرحلة الأولى تكبح جماع الشهوات بأعمال الزهد الشاقة، وتفرض النفس سيادتها على النزوات المنحرفة، وفي المرحلة الثانية نقاء النفس، بالتهجد والتعبد والخشوع المطلق، ومتابعة أعمال الزهد صياماً وقياماً وقنوتاً، والاحتفاظ بالضمير نقياً من الموبقات، وممارسة الألحان الشجية بصوت رخيم، وسماع الموعظة من معلم بليغ، فإن هذه الأمور تصقل النفس مما فيها من الأدران وتضرم أشواقها إلى بلوغ أوج القداسة. وفي المرحلة الثالثة، الاحتفاظ بالقلب والأفكار طاهرة انتصاراً على الأهواء واستغراقاً في الحب، الذي يتسامى فوق ما يسمى بالعقاب والثواب، ويطلب جمال الواحد الأحد فقط.

18ـ إذا بلغ العارف هذا الحد، فإنه يبصر خفايا الأسرار الإلهية، بعين الروح، فتمسه

العناية، وتسعفه في الاستمرار في رياضته الروحية.

19ـ تشرق عليه أشعة الرؤى، كالبروق، ثم تخمد وتختفي حذراً من أن تبهره بسطوع أنوارها.

20.وكلما ازداد تصاعداً في سفوح جبل القدس، تماوجت الصور القدسية على صفحة مرآة النفس المجلوة، وتزاحمت عليه أوقات الافتقاد، حتى تطير أشواقه بأجنحة الروح إلى الملأ الأعلى، وتنجلي لباصرة نفسه جميع العقول الروحانية، وهو مستمر في تصاعده فوقها جميعاً، يراها ويتفحصها بدقة، وينشق عبيره المنعش في جنباتها.

21ـ وإذا ضاعف رياضته الروحية وجهاده النسكي، تتبدل البروق الخاطفة إلى أشعة ساطعة وثابتة مستمرة الإشعاع، فلا تخبو كلما أراد لها ذلك.

22ـ يرتفع إلى مرتبة جديدة أكثر سمواً من الأولى، وتتزاحم عليه الرؤى الروحية، وتخضع أوقات الافتقاد لإرادته، الحرة، وينهي جهاده وتصعاده إلى ربه بأكثر سهولة.

23ـ ثم يتعالى إلى مرتبة جديدة أخرى أكثر سمواً وإشراقاً، وتتزاحم عليه أوقات الافتقاد أكثر فأكثر فيخشع برؤى الملائكة، ويضيف إلى أجنحته أجنحة أخرى تعينه على ارتفاعات جديدة.

24ـ هنا ترسو سفينته في ميناء القدس، فينسى آلامه وأوجاعه، يستمر، في مناجاة ربه وجهاً لوجه.

25ـ يطبع ذاته بطابع العوالم الجديدة، ويتخذ صورة لنفسه جديدة ويلتهب بلظى الحق، الذي يحرق ما بقي من طبيعته البشرية، ويتخذ طبيعة جديدة روحية، وهو ماض في جهاده الروحي.

26ـ هنا يقف في ذروة عليا يفوق الشمس سطوعها، ويتعالى فوق العلويين، في نقطة النهاية العظمى.

27ـ العارف الذي نال درجة الابتهاج، مع الله، يتحرر من سلطان الظلام، ويبلغ درجة الاتحاد الكامل، فلا يعود يميز ذاته.

28ـ إن المقامات هناك كثيرة، بل لا تحصى، ولا يمكن الإحاطة بها سماعاً، بل

الرؤية العيانية.

29ـ إن أوصاف العارف جليلة رائعة بل فائقة الإشراق، تتسامى على أشعة الشمس، وأفكاره وضئة وهّاجة، إنه، وديع صلب؛ عنيف هادئ، وحكيم ساذج، وصامت فصيح، ورخيم صوته، وكئيب مبتهج، ومتواضع شديد وقوي شفاف، وزاهد غني، وحزين بسّام، وغيور متان، حمال للأذى شجوب للنقائص، وقريب بعيد، وبطيء سريع، مجيد وفيه كل جمال الروح، يحب الإخوة، يدوس المحن، يتخطى الأبعاد، يقل ويكثر، رهيب على المنحرفين، يجرح ويداوي، يبعد ويدني، ويكسر شوكة المتكبرين. ويرى وحدة في الإنسان لكونه متعلقاً بالواحد الأحد، حصر بين جانبي قلبه بهجة سكان السماء، وحرر ذاته من كل كآبة، اتخذ من رب الملائكة سوراً منيعاً، فانتصر على الموت والضلال، أحب الحق وثبت فيه.

 

 5 ـ  التصوف لدى ابن العبري

إن ميدان التصوف، في تراث علّامتنا ابن العبري فسيح الجنبات واسع الآفاق جداً، وهو بكل حق أعظم كاتب سرياني في هذا الموضوع كما هو كذلك في غيره من الموضوعات اللاهوتية، والفلسفية والعلمية واللغوية وغيرها، ومن المعروف أن فيلسوفنا وضع كتابين جليلين في علم التصوف. الأول كتاب الإيثيقون هذا والثاني كتاب ( الحمامة) وهو ملخص كتاب الإيثيقون، وعندي أن الباب الرابع من كتاب الحمامة هذا ؛ أروع ما صدر عن يراع كاتب سمواً وروحية، وتصاعداً في عالم الحقيقة الروحية، وقد اعتمدنا على هذا الباب كثيراً في بحثنا هذا [21]، بالإضافة إلى ذلك قصائده الصوفية الرائعة وقد اعتمدنا على كثير منها في هذا البحث أيضاً، أجلها قصيدته (الكمال) وملحمته (الحكمة الإلهية) اللتان لم تنتج فكرة شاعر نظيرهما في الآداب الشرقية[22] أما فلسفته الصوفية فلندخلن إلى محرابها الآن خاشعين:

لكل إنسان حياتان، حياة ظاهرة يعيشها لأخيه الإنسان، وحياة خفية يعيشها لربه، فالحياة الظاهرة لهذا الرجل الجليل مليئة بالعمل والجد والنشاط، فكانت أكثر

خصباً وأغزر أنتاجاً وأعظم إنجازات من أي رجل آخر من رجال الكنيسة.

أما حياته الخفية التي عاشها لربه فكانت حياة المتصوف الحقيقي، فهجر الدنيا في ميعة صباه ونفض يديه من مباهجها وأمجادها الفانية في ريق شبابه، وأخلد إلى السكينة النفسية في أحد الأديار بجوار انطاكية، وأمضى في عزلته هذه سنة كاملة، خبر خلالها حياة النسك، واستعذب حياة التصوف قوّاماً قانتاً لربه، واستطاعت نفسه العظيمة من تفهم الأهداف الروحية من هذا الوجود، فأصابت من الكمال في هذه الفترة القصيرة ما لا تصيبه غيرها دهراً طويلاً، ووقف على جلائها ودقائقها بتفهم وعمق لا يسبر غورهما، وكأني به قد دخل بيت الحكمة هذا وتفهمه تفهماً كاملاً، لذلك يشجيه أن يشبه بمن سمع فيه سمعاً قول: “إن الذي عرف روعة الهيكل السليماني بمجرد السمع كيف يُقابل بمن دخله فرآه بأم عينه وأحصى نفائسه، وقواريره، وكواه، وسجفه، ودوائر أسسه، وشرفاته وبدائعه، وأجنحة كروبيه وجلال عتباته[23]“.

ترك لنا فيلسوفنا في كتابه (الحمامة) قصة كاملة لحياته العقلية والروحية، منذ “نعومة أظفاره ” حتى “أشرقت عليه أشعة النور الخفي كالبرق الخاطف” ويشرح لنا (شغفه) بالعلم وتدرجه فيه وتوقله سلم الحقائق درجة فدرجة، وما قاساه من صراع نفسي عنيف فترة طويلة من الزمن، كانت فترة قلق واضطراب، وصعود وهبوط، وسقوط، ونهوض مبتدئاً بعلوم الكتب المقدسة وتفاسيرها، ماراً بالعلوم اليونانية على تشعب مناحيها، بالغاً درجة الكمال الحقيقي بين أحضان التصوف العميق، وإليك حديثه بالحرف الواحد: “شغفت بالعلم منذ نعومة أظفاري، وحذقت الكتب المقدسة وتفاسيرها الضرورية وأخذت أسرار كتب الملافنة القديسين على مهرة المعلمين،” وتراه في هذه الفترة واقفاً بباب الحكمة يطرق ويطرق ولكن دون جدوى:

 

قد طرقت الباب حتى أشرفت
قلت إني ذلك الصب الذي

فأجابت، أي صب يا ترى
بيـن أصحـابي شـباب قد ذووا

  ثم قالت من ببابي طارق؟
في هواك العذب معيي مؤرق

كل قلب في هوانا خافق
وشـيوخ في الجوى قد أرهفوا[24]

 

ظمأ قاتل، وحنين عميق إلى شيء لا يعرفه حتى هذه الساعة، وحياة التقليد يعيشها العاديون من الناس، أما عظام النفوس فلهم وثباتهم الخاصة، وتفكيرهم العميق، إلا أن فيلسوفنا بحكم رسالته الدينية كان لا بد له من حياة التقليد في بادئ أمره قال: “لما بلغت العشرين من عمري اضطرني بطريرك زماننا إلى قبول رئاسة الكهنوت (الاسقفية) فالجاني الموقف إلى منازلة أو باب الديانات الأخرى، المسيحية وغيرها فدرست فن الجدل زمناً طويلاً حتى حذقته” إلى هنا كانت حياته العقلية حياة تقليد ونسج على منوال السالفين، ولكنه لم يسر طويلاً حتى ظهر له نتيجة تلك الدراسة الطويلة، إنه يجب أن يتخطى التقليد، فيسير حراً بناء على اختباراته العلمية، وهكذا سمعناه يقول: “رأيت المسيحيين لم يختلفوا على الجوهر بل على الألفاظ والتعابير … واستنتجت من كل ذلك أنهم متفقون غير مختلفين، فاستأصلت جذور البغضاء من أعماق قلبي، استئصالاً كاملاً، وأعرضت عن الجدل في أمر العقيدة الأعراض كله”.

تخلص هنا من البغضاء (التقليدية) ولكنه كان لم يزل يشعر بعدم وصوله إلى نهاية المطاف، ونفسه ظمأى إلى شيء لا يعرفه، وفكرته لا تتوقف عن الامتداد، يقول: “ثم قررت دراسة حكمة اليونان، فدرست العلوم الطبيعية والإلهية، والرياضيات والهندسة، والفلك والهيئة، وبما أن الحياة قصيرة والعلوم واسعة، أخذت الضروري فقط من كل علم”.

إلى هنا لم يتوقف عن السعي وراء (الحقيقة) ونفسه الظمأى تتنازعها التيارات الجارفة الكثيرة فعاد يطلب المزيد، والفلاسفة يبحثون عن (الحقيقة) بكل ما لديهم من جهد وتفكير، وفيلسوفنا فارس هذا الميدان، إلا أنه لم يتوصل إلى إرواء ما في نفسه من الظمأ، والفلسفات كلها ظهرت له كأنها صخرة يابسة لا ماء فيها ولا غذاء، فادلهمت في آفاق فكره غيوم سوداء، من الشكوك والانفعالات، والريب المتضاربة يقول: “وفي دراستي كل هذه العلوم أشبهت غارقاً في البحر يرمي بيديه هنا وهناك لعله ينجو، وبما أني لم أعثر على ضالتي في كل المعارف سواء كنسية كانت أم فلسفية، فقد أوشكت على السقوط، ولا يمكنني الآن إيضاح ما حاق بي من فخاخ وأشراك، لأن ذلك يضر بكثيرين من ضعاف النفوس”.

فترة عسيرة قاسية وهو يتخبط في ليلِ بهيم، لم يعثر على ضالته. في كل هذه العلوم الواسعة، فأين يا ترى (ضالته) هذه؟ نفس تتمخض تغوص في خضم الشكوك تارة، وتطفو طوراً، ويوشك على السقوط، وسقوط العظيم عظيم… يقول: لو لم يقف الرب إلى جانبي في مفاوز العلوم المتشعبة والفنون المتنوعة، ويهديني إلى اللهج بتعاليم (العارفين) سبع سنوات متتالية، لرسخت في العادات السيئة التي أراها راسخة في كثيرين[25].

هذه كانت المحجة النهائية من تطوافه الفكري الواسع، وهنا بعد سبع سنوات قلقة يائسة، يجد ضالته، المنشودة، يتابع قصته الشيقة هذه فيقول: وخلاصة القول، لو لم يعضد الرب ضعف إيماني في هذه الفترة القاسية، ويرشدني إلى دراسة كتب أساطين النسك كالأب أوغريس وغيره من جهابذة الزهد الشرقيين والغربيين، لهويت في هوة الضلال، ويئست اليأس كله من حياتي الروحية لا الجسدية، فطالعت هذه الكتب سبع سنوات متوالية.

لم تكن هذه الفترة سالمة هادئة، بل تزايدت لديه الشكوك، واستمرت الريب تقلق هذه النفس العظيمة، ورغماً عن الروحية السامية المتدفقة من تعاليم (العارفين) يقول: وفي هذه الفترة أيضاً أقلقتني عثرات، وشكوك لا تحصى، وكنت أسقط أحياناً في الكفر فأقول: ما أعلى طنين[26] هؤلاء النساك، ورحاهم فارغة من الطحين، أي أفكارهم ضحلة لا تقوى على برهان إلى هنا أيضاً كان يطلب البرهان، ترافقه الفلسفة حتى إلى أقدس أقداس الروح، ولكن لم يعدم فترة صحو رائعة، أعادته إلى الصراط المستقيم، يتابع قوله: وأحياناً كان عقلي ينصحني ويقول: لا تهذ، ولا تظن أن كل ما لا تعرفه ليس موجوداً إن ما تعرفه أقل بكثير مما لا تعرفه، وفي غمرة شكوكي هذه كنت أعرج على الجانبين، حتى أشرقت علي بعض الأشعة من النور الخفي كالبروق الخاطفة، وسقطت عن عيني قشور الشكوك فانفتحتا، وأبصرت، ولكن بصورة ضئيلة، وإني أصلي باستمرار أن أبصر أكثر فأكثر، منتظراً نقض هذا السياج الحاجز، فأرى الحبيب الذي لا يُرى لا في غياهب الظلام، بل بوضوح وجلاء.

إننا نجد فيلسوفنا في رحلته العقلية هذه يمر بثلاث مراحل، يشقى ويقلق في المرحلتين الأوليين، ويتوصل إلى الضالة المنشودة، عند عتبة المرحلة الثالثة، ونستنتج من اختباراته وتدرجه وتصاعده في سلم الحقيقة، أن المرحلة الأولى كانت (مرحلة الحس) والحس تتنازعه شكوك وريب كثيرة، ولم يستطع التوصل عن طريق الحس إلى (الحقيقة) ضالته المنشودة، يقول: إن إدراك العين قد يكون صادقاً، كإدراكها أن البحر أوسع من الغدير، وقد يكون كاذباً، كرؤيتها الشمس مثل الترس، والنجم مثل الدرهم، وهذا طبعاً بسبب البعد الذي يفصلنا عنها، فلا تراها كما ترى الموضوع القريب[27] والمرحلة الثانية هي مرحلة (العقل) وفي هذه المرحلة أيضاً الصدق والكذب يتنازعان البقاء في بلوغ الموضوعات العقلية، وإلا لما حدثت الخلافات في الموضوعات العقلية كالعقائد والآراء، وبالتالي، لا توصل المعرفة العقلية المجردة إلى الحقيقة، الضالة المنشودة، يقول: ومعرفة العقل أيضاً، قد تكون صادقة، كمعرفته أن الله وأحد واجب الوجود، أزلي، خالق، وقد تكون ناقصة أو كاذبة، إذ لا يمكنه معرفة الخالق الأزلي كما هو إلا في الحالة التي يتحرر فيها من ربقة الجسد[28]“.

يتضح أن هاتين المرحلتين لا يراهما الفيلسوف كافيتين لبلوغ هدفه من معرفة الحقيقة ضالته المنشودة، ولا يمكن التوقف قبل بلوغه الهدف، كما رأيناه في خطواته السابقة، ولم تبق غير مرحلة واحدة، وهي الأخيرة، مرحلة الروح، أو الإيمان المطلق عن طريق الكشف أو الإلهام، وهو ما يُسمى بالفيض، يعود الفيلسوف فيقول: “كما أن الخفاش لا يرى الشمس إطلاقاً، والإنسان وإنْ يراها، ولكن لا يراها كما هي، هكذا الفيلسوف يسمع عن الله سماعاً، ولكنه لا يراه، أما العارف فيراه، ولكن في بعض صفاته، لا في كلها. لأنها غير محدودة[29]“.

إذاً لا العالم ولا الفيلسوف يمكنهما التوصل إلى ما يُسمى عند الصوفية بـ(رؤية) الله، ذلك فقط يتجلى للعارفين الذين رسخوا في عالم الروح، وتوصلوا إلى درجة الكمال، وعليه نسمع فيلسوفنا يقول: “عوِّد نفسك على أن تؤمن بما يقوله (الصادق) وان لم تعرف كنهه، ولا تطلب أدلة منطقية، ففي هذا الإيمان تكون ذا منعة ضد الضلال، بإرشاد الفارقليط روح الحق الذي يتجلى لك وبوقفك على الحقيقة

كلها وجهاً لوجه، ويذكرك بكل شيء ويعلمك[30]“.

في تاريخ الفكر البشري فلاسفة كثيرون، ومفكرون لا يحصى عددهم، كان الشك لهم أساس الإيمان، فشقت نفوسهم الكبيرة وقاست جهاداً عنيفاً؛ ارتياباً بحقائق فلسفية وعلمية كثيرة، بحثاً عن حقيقة من الحقائق، العقلية أو الروحية، وتخطوا مراحل التفكير الكثيرة، مرحلة بعد مرحلة، فضل بعضهم سواء السبيل، واهتدى غيرهم إلى ينبوع الحقيقة، فشرب وارتوى، ويكفي أن نلقي بعض النظرات إلى فيلسوفين كبيرين، كانت حياتهما تحمل صفات كثيرة من صفات حياة فيلسوفنا، وانتهيا إلى النتيجة نفسها وتخطياً مرحلة الخطر، واهتديا إلى محجة الحق، راسخين في إيمانهما وعقيدتهما الروحية.

أولهما أيرونيموس (القديس جيروم jerome) الذي نشأ مسيحياً (ولد عام 340م) وحصل علومه في مسقط رأسه ستوردوا ـ دلماسيا، ودرس الفلسفة في روما، وقام برحلات في الغرب والشرق، وفي أنطاكية توفي رفيق له متأثراً بالحمى، وابتلي هو نفسه بمرض شديد، ثم شفي، وثارت في نفسه شكوك عنيفة أفقدته قوته الروحية وسلبت إيمانه بالله، فاستغرق في مطالعة كتب شيشرون وآراء الوثنية الرومانية، وكاد يقضي بين براثن الشكوك، وبلغ به الأمر إلى اليأس، فظهر له الرب يلومه على حرصه بأن ينقلب شيشرونياً، فثاب إلى رشده، وراح يقرأ الكتب المقدسة، وزهد في الدنيا في صحراء مجاورة لأنطاكية، وكان له شأن عظيم في الكنيسة الغربية.

وثانيهما الفيلسوف الغزالي، حجة المتصوفة المسلمين، حدثنا عن حياته العقلية في كتابه (المنقذ من الضلال)[31] بما يشبه تمام الشبه ما حدثنا به فيلسوفنا ابن العبري وإذا به يتخطى من مرحلة الشكوك الكثيرة بين مختلف المذاهب الفلسفية والفكرية، ثم ينتهي إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة اليقين عند بلوغه محجة الحقيقة الروحية.

بحث الغزالي مرحلة الحس وتتبعها إلى نهاية آفاقها، وكان يرجو فيها الوصول إلى ما تتطلبه نفسه من الحقيقة إلا أنه اصطدم في صخرة شكوك كثيرة، إن (الحاسَّة) تكون مخدوعة في موضوعات كثيرة، وخاصة إن المواضيع العقلية لا حكم للحاسة فيها، أما الموضوعات المادية، وهي الموضوعات الخاصة بالحاسة، فإنها عرضة بالدرجة الأولى للكذب والخداع، فالعين مثلاً، تخدع لأنها ترى الظل ساكناً، وهو في الحقيقة متحرك، فانتفى أيمانه بالحواس، وتخطاها إلى العقل، والبرهان، وكان يرجو أن يكون معصوماً من الخطأ والضلال، وإذا به يرى نقاط الضعف، ومواطن الضلال، مثلما رأى في الحاسة “ولعل وراء إدراك العقل حاكماً آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمة، كما تجلى حاكم العقل، فكذب الحس في حكمه وعدم تجلي ذلك الإدراك، لا يدل على استحالته” وتوقف عقله عن الجواب، فشرع يبحث عن (عاصم) جديد لا يتطرق إليه الكذب، ولا يطاوله الضلال، ولم يجد ذلك (العاصم) غير الله، فاهتدى إلى اليقين “ولم يكن ذلك بنظم دليل، وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة، المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة، والخلاصة أن الغزالي لم يجد اليقين إلى عند الصوفية، ولا شك أن شكوكه كانت واسطة لإيمانه وهذا يتفق وما مررنا به في تاريخ الحياة العقلية لفيلسوفنا.

نعود إلى فيلسوفنا فنجده من هناك… من قدس أقداس الروح، وقفنا على حقائق جديدة استقاها من عالم اللانهاية بعد أن “سقطت قشور الشكوك من عينيه” ويعطينا آراءه الخاصة في حركة التصوف الروحية التي لها شأن عظيم في شرقنا هذا منذ العصور الأولى المسيحية، وآراؤه هذه وإن كانت قد أخذت مبادئها من الفكر القديمة في هذا المضمار، إلا أن لها اتجاهاتها الخاصة وتعابيرها اللاهوتية المتفقة وروح التعاليم المسيحية، وإليك ذلك في النقاط التالية:

1ـ الإيمان : إن الإيمان الصوفي ليس إيماناً سطحياً عادياً، ولكنه ينبع من أعماق القلب البشري، ويعتمد على الرؤية العقلية الروحية للأسرار الإلهية، ومن كان إيمانه غير ذلك، فلم يبلغ بعد هدفه الأسمى، يقول فيلسوفنا: من لم يتطلع من باب قدس الأقداس الإلهي ويجعل نفسه مع المؤمنين يكذب، وإن اعترف بلسانه وخشع بقلبه[32] ومعنى ذلك أن تعلم الإيمان سماعاً لا يفيد المؤمن من هذا الطراز، لأنه لا يمكنه تصور جلال هذا الإيمان وعمقه الحقيقي؛ كما لا يجدي أن نخبر من ولد أعمى عن الألوان ولا الأصم عن الأنغام، إن الذي ولد أعمى وإن صدق بوجود الألوان، الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، والأصم أيضاً وإن آمن بأن حاسة السمع تنتعش بسماع الأنغام الموسيقية، إلا أن إيمانهما أقرب إلى الشك منه إلى اليقين[33].

والإيمان القلبي الصحيح لا يكون إلا إذا هبط فيضٌ من الله، واستقر في أعماق القلب، ويسميه هنا (الإيمان الوحيي) يقول: إذا كنت يا أخي خالياً من الإيمان الوحيي، فلا تعط سنة لعينيك ولا نوماً لأجفانك، حتى نجد مكاناً للرب، ومن هناك ننال الإيمان، ونعتمد بالنار والروح لا بالماء[34] وهذا النمط من الإيمان لا يمنح للنساك إلا بعد جهد شاق، وأتعاب وقنوت بخلاف ما يمنح للأنبياء والرسل هبة وإنعاماً خاصاً إن الإيمان الوحيي، يمنح للأنبياء والرسل من العلى بطريقة الكشف (الإلهام) دون تعب أو عناء، أما النساك فبالتعب والجهد والعناء والتتلمذ، وهكذا يرتقون من الإيمان الظلي إلى الإيمان الوحيي[35] ويتم ذلك بفتح كوى القلب إلى الملأ الأعلى وحصر أنظار النفس البشرية في الذات الإلهية، والأعراض عن كل شيء في هذا العالم عندما تنفتح كوى القلب، فإنك تطير إلى ملكوت الله، فترى هذه جميعها هناك واضحة، ولا تحتاج بعد إلى سماعها، ولا تكون بعد غير مؤمن بل مؤمناً[36] وهكذا يسدي نصيحته للنساك بقوله: عوِّد نفسك أن تؤمن بما تسمعه من الصادق، وإن كنت لا تعرف كنهه، ولا تطلب أدلة منطقية، ففي هذا الإيمان، تكون ذا متعة ضد الضلال، بإرشاد الفارقليط، روح الحق الذي يتجلى لك ويوقفك على الحقيقة كلها وجهاً لوجه، ويذكرك كل شيء ويعلمك[37].

2ـ إماتة الأهواء الجسدية : يلي الإيمان القضاء على الأهواء الجسدية القضاء الكامل، إذ بدون ذلك لا يمكن للقلب البشري الوصول إلى أهدافه الحقيقية. من أعمال الزهد الشاقة، وقد شبه الفيلسوف القلب الذي تشغله الأهواء بسفينة مثقوبة، لا يمكنها الوصول إلى أهدافها، وإن كانت الريح مؤاتية لها إن السفينة المثقوبة لا تفيدها الريح وإن كانت مؤاتية لها، هكذا القلب الذي تشغله الأهواء لا يفيده المرشد وإن كان من درجة عالية[38] وما لم ترفع النفس آمالها وأشواقها كلها إلى الملأ الأعلى لا يمكنها الظفر بالمواهب الروحية السامية إن الجرة التي نُكس رأسها إلى أسفل، لا تستوعب ماء، وكذلك النفس السادرة في أمر الدنيا لا تنال الموهبة السماوية[39].

وعليه لا فائدة من التضلع بالعلوم والمعارف بدون تطهير الضمير، الأمر الذي عليه تتوقف إمكانية قدرة النفس على التسامي في سلم الكمال: إن الذين يهتمون باكتساب جميع العلوم ولا يهتمون بتطهير ضميرهم، وهم يظنون أنهم وصلوا إلى درجة الكمال، يضلون، فما الفائدة من مرآة جميلة مرصعة باللآلئ الكريمة والجواهر اليتيمة ما لم تكن مجلوة من الغبار؟ والمرآة المجلوة، وإن كانت بسيطة في صنعها إلا أنها تتقن عملها[40]” فالنفس إذاً مرآة وهي بحاجة إلى أن تكون نقية، وإلا لما أمكنها أن تقوم بواجبها وتتسامى إلى عوالم الروح، فتصعادها في معارج الكمال يكون بالنسبة إلى درجة نقائها، يقول الفيلسوف: “كما أن المرآة خالية بذاتها من كل صورة وشكل، وبالنسبة إلى نقائها من الأوضار المادية ترتسم عليها الصور الخارجية، هكذا العقل خال من الصور، وبالنسبة إلى درجة نقائه من الأهواء الدنيوية ترتسم على أشكال لا مادية[41]” وقد يكون ذلك اعتماداً على معلم ماهر ومرشد خبير بمحاربة الأهواء، أو بممارسة أعمال الزهد المتنوعة يقول: “إذا أصاب العارف طرفاً صغيراً من تعليم الكاملين يمكنه الاهتداء به، وإلا ليمضِ في أعمال النسك. تطهيراً لباصرته، وهذه سترى الطرق السوية الممهدة[42] “.

أما أعمال الزهد التي يكون هدفها تطهير القلب من الأهواء المنحرفة، فيجب أن تؤدي بتعقل وحكمة، وبذلك يمكن الاهتداء إلى طريق الحق: “احذر أن تطبع ذاتك بطابع أبناء الملكوت بقراءتك العجلى التافهة فإن كثيرين تعبوا كثيراً، ولأنهم لم يعملوا بتفهم وتعقل لم يدركوا طريق الحق، ولم يصلوا إلى ميناء الحياة[43] فالأعمال الشاقة في الزهد وحدها لا تكفي ما لم تؤدَّ بتأمل عميق وشحذ الفكر كله إلى الهدف الأسمى “إن الكمال، لا ينال بالأتعاب الجسدية وحدها، بل بالجهاد الفكري، المتعقل، فزيِّن إذاً رياضتك الجسدية برياضتك العقلية، لكي تفهم وجهتك الفكرية والجسدية بآن واحد[44] “.

إن الأهواء الدنيوية، تحول دون وصول العقل إلى أهدافه الروحية بل تمنع انجذابه إلى الملأ الأعلى، يقول الفيلسوف: “كما يجذب الحديد النقي إلى المغناطيس ضرورة، كذلك العقل النقي ينجذب ضرورة إلى العزة الإلهية، ولكن إذا مازجت الحديد مادة غريبة تحد من انجذابه، ومثله العقل إذا مازجته شهوات الجسد عاقت انجذابه[45] وبالقدر الذي ينقي فيه الحديد من المواد الغريبة، بذلك القدر يتحرر جوهره ويصبح قابلاً للانجذاب: كما إن صهر الحديد وتنقيته من أية مادة غريبة ـ كالذهب والفضة، والنحاس والقصدير ـ تحرره من سائر المؤثرات الخارجية التي تعيق انجذابه، كذلك إذا طهر العقل من السجايا البهيمية والأهواء الطبيعية الراسخة فيه كالانهماك بأمور الزوجة والأولاد وجمع الغنى[46] وملازمة أنقياء القلوب عامل مهم من تخلق المرء بأخلاقهم، والاهتداء إلى الطرق المثلى في تطهير القلب، إن الاستمرار في معاشرة أنقياء القلوب تعين كثيراً من يرغب في التشبه بهم، فأنقياء القلوب هم الذين طهروا إنسانهم الباطن من الأدران جميعها، ونالوا كل موهبة صالحة من فوق من أبي الأنوار[47] فما أسعد من اهتدى إلى عارف فاق شعاع سراجه، فتلاشى نوره بنور ربه، ومات للعالم وعاش لله[48].

ونقاء القلب يتم طبقاً لآية الإنجيل القائلة (إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت الله) يقول الفيلسوف: اقسم لكم برب الأرباب ربي، أيها العلماء الأعلام، ما لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال، فإنكم لا تعرفون حتى جهة الملكوت، فكيف تريدون السفر في هذا الطريق؟ وكيف تريدون انتجاعها، إنكم ستبتعدون في الوقت الذي فيه تظنون أنكم تقتربون [49] وهكذا إذا طهرت النفس عادت إلى مصدرها ضرورة، وتتوق إلى التصاعد، كل نفس طاهرة تطلب موطنها الأول. وإليه تعود، بأقرب طريق ممهدة، الأمر الذي يمثل عبور الصديقين على جسر النار، فالنار تلتهب متصاعدة على الطريق المستقيم ولا تنحرف[50].

وبعد جهاد شاق وتصاعد في درجات الكمال الروحي يبشر الفيلسوف العارف بقوله؟ بعد جهادك الجسدي والنفسي الشاق، تمسك يا أخانا ببساطة سمعان المطلقة أو بما يقرب منها، وأعلم أن ليلك قد انقضى، ونحييك قد مضى، وفجرك قد دنا، وصباحك قد رنا، وسيرسل لك ربك نور الإيمان ويعزيك بوحي منه[51].

3 ـ معرفة الله والشوق إليه :هناك طرق كثيرة في معرفة الله، أشهرها الثالث، الأولى معرفة البسطاء، والثانية معرفة الفلاسفة، والثالثة معرفة العارفين، وهي أسمى ما يمكن أن يتوصل إليه العقل، يقول الفيلسوف في هذا المضمار! إن معرفة الخالق من مخلوقاته، كمعرفة العامل من عمله، معرفة سطحية بسيطة، يستطيع حتى البسطاء الاهتداء إليها، وأما الفلاسفة فلديهم طريقة البرهان العقلي الدقيق، وبها يهتدون إلى واجب الوجود، فالموجود إذا كان واجب الوجود فهو المطلوب، وإذا كان ممكن الوجود فإنه يحتاج إلى واجب الوجود، إذاً، يوجد واجب الوجود[52] ثم يشرح طريقة العارفين، وهي الطريقة الروحية الصرفة، يقول، وللعارفين معرفة أخرى أكثر دقة، وتنم بنقاء الأفكار، وتلطيف الجسد، وإغماض الحواس، والإعراض عن الارتباك الدنيوي، ففيها مخدع قلبهم، وتنعكس فيهم الملكوت، متجهة في داخلها، فلا يطلبونه حينئذ لا في هذا الجيل ولا في أورشليم[53] وهذا ما صرح به أحد العارفين بقوله: إني بإلهي عرفت إلهي ولولا إلهي لما عرفت إلهي[54] وقال عارف آخر “إني أعرف الله قبل معرفتي العالم، فمعرفته التي أوجدت الكائنات أشرقت في ضميري، وسبقت معرفتي بجميع الكائنات”[55] وقال أيضاً: إني عرفت المسيح قبل أن أعرف ذاتي، فقد سبقت معرفته فيَّ قبل أن أعرف كل معرفة، فاضت عن روحه[56].

وهذه المعرفة السامية لا تغوص عليها النفس إلا لتضاعف شوقها إلى الله، وغير ذلك لا يقع تحت تصورها، قال الفيلسوف “لا تغوص النفس الطاهرة. على المعرفة طلباً للمجد الذي يناله العارفون في العالم، بل لتتضاعف أشواقها إلى ربها، ولتتمكن من الإخلاد والاحتجاب في السحابة الإلهية”[57].

فمعرفة الله إذاً، والحالة هذه، لا تتأتى بإيراد الأقيسة المنطقية والبراهين الطبيعية، فعالم الروح أكثر وضوحاً، وأعظم إشراقاً من عالم المادة، وعليه يقول ما دمت تطلب أن تعرف الله بواسطة الأدلة والبراهين والشواهد، فأنت تضرب على حديد بارد، وليس فيك بعد من الإيمان بقدر حبة الخردل[58] ومازال الأمر كذلك فإن “رؤية الله ـ معرفته ـ تكون بإغماض الحواس، وفتح كوى القلب، وتمزيق الحجب عن أعين العقل. وهذا هو ما قيل أسدد الكوى يضيء المخدع[59] ومعنى ذلك يتضح من قول الفيلسوف إن معرفة الكاملين هي معرفة وحيية[60] وعليه فإنه لما كانت معرفة الكاملين معرفة وحيية ـ نبوية ـ فلا يمكن الحصول على هذه المعرفة من قراءة الكتب[61] ويختتم فيلسوفنا تعاليمه الروحية بالتحذير التالي: احذر أن تكون طفولتك (أفكارك الصبيانية) لتضليلك، وتظن أنك ستعرف هذه المعاني من الكلمات، لا يا أخي، إذا رغبت الوقوف على الأسرار الخفية، فاعرض عن العالمين كليهما، ودع الموتى يدفنون موتاهم، واطلب الحي القيوم وحده، فإنك تحيا إلى الأبد[62].

4 ـ محبة الله :إن السبب الوحيد لمحبة الله هو معرفته الأكيدة الواضحة، وقد أوضح فيلسوفنا تلك المعرفة بقوله: “إن العارفين يفقهون حقيقة معرفة الله، لذلك أُسست محبتهم على الصخرة، فلا يقوى عليها لا الألم ولا الاضطهاد ولا السيف ولا النار[63] ويذهب إلى أعمق من ذلك بقوله: “الأسباب التي تضرم محبة الله هي: أولا: أن يصرف الإنسان وجهه عن كل شيء في الدنيا، ويعرض عن كل هوى، ويتسامى إلى الرغبة في الواحد الأحد، نامياً بالرجاء والإيمان، ممعناً في الزهادة والنسك، وهكذا إذا ما طهر ضميره وأضاء فكره يصبح من جملة أنقياء القلوب الذين يعاينون الله ومن هذه الرؤية تلتهب نار المحبة[64].

والذي يحب الله حباً حقيقياً، يجب أن يحبه وحده، ولا يشرك به، وإلا لما استطاع أن يحبه، لأن “المحبة هي طلب المحب لمحبوبه، والطلب الصادق هو توجه الطالب بكليته إلى المطلوب، فيصبح الطلب والوجود توْءَمين، أي في أثر الطلب يبرز الوجود، والذي يطلب هكذا يجد، ومن يسأل يأخذ[65] ولمحبة الله معان سامية لا يتوصل إلى التغلغل فيها إلا من تذوقها تذوقاً صادقاً، يقول: “من لم يذق حلاوة محبة ربه، لا يمكنه فهم كلمات المحبوب، لأنها رمزية، ومليئة بالروح، ولا يمكن أن تقال إلا بطريقة رمزية روحية[66].

وهناك ثلاث طبقات من الناس، السفلى، تطلب الدنيا، والعليا، تطلب الآخرة، والأعلى، تطلب ربها بالذات، وهذه هي طبقة العرافين الكاملين، ولا يفصلها عن حبه لا الأمور الحاضرة ولا المستقبلة، ولا خليقة أخرى، ومهما أهينت في سبيل جماله ازدادت إليه ظمأ[67] والعارفون تشرق عليهم شمس الله فيستحيلون مخلوقات جديدة، يقول فيلسوفنا: “إذا أشرقت شمس المحبوب على المحب، يوماً من الأيام، يرى العروس السليمانية متلألئة سافرة، فتدخله بيتها ذا العواميد السبعة، وتظهره محبوباً للكائنات، وتجمعه بالوحوش الضارية والطيور الجارحة التي تتنشق منه عبير باريها، وتشعر بوجوده الكائنات الجامدة، وتخضع له الشياطين وتخدمه الملائكة[68] وهذه هي الدرجة العظمى التي يقول فيها “إذا بلغ السعيد هذه الدرجة فإن ربه يسقيه من مائه، فلا يعود يشرب من صخرة أو من بئر، فلا يعطش بعد، بل يجري فيه ينبوع ماء للحياة الأبدية[69].

ويخشى أن يؤثر أحد الأسباب على هذه المحبة فتبرد، ويعطي نصيحته الأخيرة في هذا المضمار، لذوي القوى الروحية السامية ولجميع الناس فيقول: “إن الأسباب التي تبرد فيها المحبة للجميل كثيرة جداً ولأن أحصيها لا قوتي تسعفني، ولا وقتي يكفيني، فقد سبق وأعياني الكلام، ولاذ قلبي بصمت عميق، فمن استطاع الصمود في ميدان الحب فليصمد، والذي لا يقوى فليجعل طعامه ضمن طاقته، ويمد رجله بحسب بساطه[70].

5 ـ حالات العقل عند العارفين :إذا جمع العقل في نطاقه الروحي، الإيمان الحي، وانتصر على الأهواء الجسدية، ورسخت فيه محبة الله رسوخاً عميقاً، وأحب الله بدون شريك، أو عديل، يتسامى إلى طبقة العارفين، فيخلد في سحابة الله الوضاءة، ويغيب فيها إلى أبعد آفاقها، فيدخل قدس الأقداس الروح، وهناك يسمع كلمات لا يمكنه النطق بها، ويصف فيلسوفنا هذا الضرب من العارفين بقوله: “إن الذين يخلدون في السحابة إنهم يدركون عمق حكمة الله وغناها، بدون الحاجة إلى دليل[71]” وهكذا إذا خلد في السحابة الإلهية يتوصل إلى كمال اللذة الروحية، التي لا توصف، “إن العقل في السحاب يحوز لذة لا توصف، برؤية الجميل، تفيض عنه فيصبح وكأنه يسمع بصيت الجميل ولكن لا يراه”[72] ولا يكون ذلك إلا إذا تفتحت عينا العقل وحاز من ربه تلك النعمة السامية، “إذا تفتحت عينا العقل بقدر استعداده، تفيض نعمة الله عليه، فيسطع بالأشعة الملائكية المتألقة، ويلتحق بأبناء الملكوت، ويقف بين صفوفهم، فيفرح معهم ويمجد، ويكون غريباً عن هذا العالم بما فيه[73].

إن العقل هنا يرتفع إلى أعلى درجات التسامي، ويتعالى إلى مرتبة لا يمكن لأبناء الحياة العاديين حتى الشعور بها، يقول الفيلسوف: “إذا أدرك العقل أن هناك كلمات لا يمكنه النطق بها، وأعمالاً لم تر العين مثلها، ولم تسمع الأذن نظيرها، ولم تخطر على قلب بشر، حينئذ يتسامى فوق جميع المراتب البعيدة عن السحاب، ويتوقل الدرجات الباقية فيها[74]“.

وإذا سمع العقل كلمات لا يمكن الإفصاح عنها، ولا يستطيع تفسيرها ويرى ما لم تره عين، هناك في مسكن الرب يسكن وفي جبله المقدس يحل[75]“.

حقا إن حالة عقول العارفين عجيبة، إذا بلغوا ربوع الوحي، وخلدوا في جنة الإلهام، يقول فيهم الفيلسوف: “إن الذي حاز الوحي تراه تارة عصي الكلام، عيي اللسان، وطوراً تسمعه خطيباً مصقعاً، تجري من فيه أنهار ماء الحياة[76]“.

يعود الفيلسوف إلى نفسه فيصف لنا اللحظات الدقيقة المرافقة لهذه الحالة،

الوحيية العذبة، يقول: “ما أسرع الزمان، وما أعجل لحظة هذا النور وقليلون نادراً يستحقونه، أما أنا فقد مرت مواكبهم بقربي، كالشمس في فجر عميق، وكالبرق الخلب رأيته وأنا سادر في ظلامي[77] “ثم يتابع” إن شمسي لم تزل نظيري في برج الجدي، وإذا سارت إلى أبعد من الجدي نحو الجنوب ولم يبلغ آفاقي بعد في تصعادها، وإني لمشتاق وظمآن أن يشرق علي بالروح والحق[78]” وينقل إلينا كلام أحد العارفين في هذا المضمار، يقول: “حدثني عارف سعيد قال: لما كنت مبتدئاً، كنت مرة أتخيل النور الساطع، فتلاشت أعضائي وخبا عقلي وأشبهت السادر في ظلام دامس، وإذا هدأت العاصفة عاد إليَّ صوابي، وأخذ لساني يتلعثم قائلاً: قد كان ما كان، ولن أقول ما كان، فاسمعني، أسمعني، وأخشع، ولا تقل أفصح وفسَّر “ثم تابع قوله: ولما ازددت قوة ازدادت محبة ربي فيَّ سعيراً، ولم تدعني أكمل فرضي مرات كثيرة، فكنت أسقط على وجهي كالميت، وكان جسدي يضطرم. وزفراتي تحتدم، وقلبي يقول لي: إلى متى هذا البكاء واضطراب الروح؟؟ وماذا تفيد ذكرى الحبيب، والحبيب في قفص البعاد؟؟ “وأردف العارف يقول: “وإذا ما بلغت اشدي، صدر أمر من الملك العظيم، الذي سلطانه لا يزول وملكه إلى أبد الدهور، ليؤذن لي بالدخول، وفي الحال، حطَّم عقلي القفص كالنسر أو كالمجنون. وطار إلى عشه الأول، ومثل بين يدي ملك الملوك، وإله الآلهة ورب الأرباب، وكان بجواره تحيطه النعمة”[79].

6ـ علاقته بأيرثأوس وابن سينا : علمنا سابقاً، أن الأثر المنحول أيرثأوس الذي وجد بالسريانية في النصف الأول من القرن السادس، انتشرت مبادئه الصوفية في الشرق انتشاراً واسعاً، وفي القرن العاشر زادت انتشاراً، وتوسعاً حيث فسر بدقة وإسهاب الفيلسوف مار تيودوسيوس التكريتي البطريرك الأنطاكي فأصبح والحالة هذه مصدراً وحيداً أساسياً لفلاسفتنا في فلسفتهم الصوفية اعتباراً من هذا القرن، بدليل وجود مبادئه كاملة وواضحة في التراث الصوفي الذي خلفه الفلاسفة في هذه الفترة، فالمبادئ الصوفية والواردة في فلسفة الشيخ الرئيس ابن سينا (980 ـ 1037 م) مستمدة من هذا الأثر، الأمر الذي لم يشر إليه إلى الآن كاتب من كتاب آدابنا الشرقية. والمعروف أن العلامة ابن العبري هذَّب هذا الأثر وفسره من جديد، وكذلك درس فلسفة ابن سينا دراسة واسعة، وترجم إلى السريانية كتابه الفلسفي القيم (الإشارات والتنبيهات) الذي سجل فيه ابن سينا فلسفته الصوفية، فيكون ابن العبري، والحالة هذه، ذا علاقة عميقة بمبادئ أثر أيرثأوس من جهة، وبفلسفة ابن سينا من جهة ثانية، مع العلم أن فلسفة ابن سينا الصوفية تحمل المبادئ نفسها التي وجدناها في أيرثأوس منذ القرن السادس الميلادي، وعلى هذا الأساس ندرس هذه العلاقة في قصيدته الصوفية الرائعة التي قالها في بغداد عام 1277م وهي المعروفة بقصيدة (الكمال) وتعد من عيون الشعر السرياني في هذه الفترة.

يفتتح قصيدته الفلسفية هذه خاشعاً أمام العزة الإلهية متهيباً، تمهيداً لإعطاء فكرة كاملة في العقل البشري، إذا التهب بحب ربه، أو اختطف إلى الملأ الأعلى لقاء باريه، في السحاب، أو توقل سلم الكمال ونضى عنه جلابيب الجسد وخلد في عالم الروح، فيقف أمام (الكائن) الأسمى الواحد الأحد قائلاً: “الكائن الذي تتوق إليه العقول، وتخشع بحضرته الفكر والنفوس، الكائن الذي منه يستعير الكاملون كمالهم، وبه ينال النساك عزاءهم”.

للكاملين، مقامات وطبقات، ولهم منازل يخلدون فيها، لا يحصى عددها، عقول تقمصت الجسوم جلابيب شفافة، وكأنها تخلعها، لترفل في عالم الأرواح خاشعة برؤية ربها سارحة في جنان العقول المجردة كلما عنَّ لها فنضت تلك الجلابيب، وكلما أنعم عليها ربها بالاتحاد، وسمار هاتيك الربوع لا يبغون جمالاً جديداً أو غريباً، كان جمال كيانهم الروحي كافياً ليجلوا الظلام من حولهم، يمثلون بين يدي ربهم، وجبينهم انصع من قلب النهار، وقد ارتدوا حللاً من المجد الأثيل في بهجة ذياك الصباح، وإذا ما تمتعوا بكيانهم الجديد المخلد عادوا إلى جلابيبهم القديمة يرتدونها من جديد، وإذا ما نعموا بكيانهم المخلد، وسعادتهم الفائقة عادوا يملأون الدنيا أنغام الخلود، فمرآتهم المجلوة هي نفوسهم الطاهرة وقد نقشت على صفحتها أسرار من وحي ربهم وإلهامه، حالات عجيبة يجلها الحكماء ويحتقرها السفهاء البلداء.

وقال ابن سينا في هذا المعنى: “إن للعارفين مقامات ودرجات يُخَصُّون بها، وهم في حياتهم الدنيا، دون غيرهم، فكأنهم ـ وهم في جلابيب من أبدانهم ـ قد نضوها وتجردوا عنها، إلى عالم القدس، ولهم أمور خفية فيهم، وأمور ظاهرة عنهم، يستنكرها من ينكرها ويستكبرها من يعرفها.

وقد علمنا أن مؤلف أثر أيرثأوس عقد فصلين رائعين في إطراء مقامات

الكاملين (العارفين) والدرجات التي يخصون بها، ويسميها (العقول الطاهرة) مصوراً حالاتهم الروحية تصويراً رائعاً، وهما الفصلان 21 و22 في نهاية مطافه الروحي، فيكون ابن سينا قد أورد فكرة قديمة وأضفى عليها روعة فلسفية جديدة، الأمر الذي فعله ابن العبري أيضاً.

ينطلق الفيلسوفان من الثقة التي وضعها المؤلف أثر أيرثأوس، ويمضي العلامة ابن العبري في تبيان منازلهم التي لا يحصى لها عديد اعتماداً على قول الرب (في بيت أبي منازل كثيرة).

ويتابع الشاعر حديثه في كيفية الوصول إلى الهدف الأسمى للعارفين يقول: “لا يبلغ الكاملون منازل ربهم القاصية إلا بعد جهاد شاق وعمل مضن، عسير، صاعدين درجة فدرجة، في سلم الكمال الروحاني، ولهذا السلم الرفيع ثلاث درجات كبرى، الأولى، أن يعرضوا عما يعكر سماء الروح، حاصرين كل أشواقهم في اجتلاء الشعاع الأزلي. والثانية، أن يمدوا الخطى حثيثاً إلى مصدر ذلك الشعاع، لأن الخطوة الأولى لم تكن غير شوق إلى الثانية. والثالثة، وهي الوصول إلى الهدف الأسمى، وهذه هي ملكوت السماء بعينها.

وقد تفنن مؤلف أثر أيرثأوس بوصف الجهاد الذي يقاسيه الكاملون في تصاعدهم وتوقلهم درجات الكمال، وهي ثلاث أيضاً، (الفصل 13) وشرح هذا الجهاد شرحاً وافياً أيضاً في الفصل الثالث.

الوصول إلى نهاية المطاف لدى شاعرنا، هو معرفة الله، المعرفة الكاملة الدقيقة، طبقاً لتعليم أئمة العارفين، وهناك ثلاث طبقات من السائرين في طريق الوصول هذا، الأولى: طبقة الزهاد، والثانية: طبقة العباد، والثالثة والأخيرة: طبقة العارفين، الكاملين الثملين، ويقول ابن سينا في هذا المعنى: “للعرض عن متاع الدنيا وطيباتها، يخص باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادة من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم العابد، والمنصرف بفكره إلى قدس الجبروت مستديماً لشروق نور الحق في سره، يخص باسم العارف، وقد يتركب بعض هذه من بعض”.

وهذه الحالات الثلاث نجدها عند مؤلف اثر أيرثأوس بطريقة أكثر سمواً مما يختص بالعقل نفسه، فلديه أيضاً ثلاث خطوات إلى حين بلوغه درجة الكمال المطلق، قال: “إن حركة العقل في ما وراء الطبيعة، هي الخطوة الأولى في التصاعد إلى أعمال البر والفضيلة، فيُدعى صاحبها باراً وقديساً، وأحياناً يصيب صفة القوى الفائقة في القداسة، وأما إذا ارتفع إلى حالة فوق الطبيعة، فإنه يخشع ويلوذ بالصمت والإرتاج حيث بلغ الذروة العليا من التصاعد. فإذا قابلنا هذا بما وجدناه لدى فيلسوفنا نجده أساساً واضحاً لفكرتها. (الفصل 7)

يعود ابن العبري إلى المقابلة بين أهل هذه الطبقات الثلاث يقول: “إنَّ الكامل (العارف) هو زاهد وعابد بآن واحد، أما الزاهد أو العابد فليس بعد كاملاً، وهناك فرق بين هذا وذاك، وليس لكليهما طريق واحد” ثم يشرح الفروق بين الجانبين، يقول: “إن الناسك ليس كاملاً، لأنه يظن أنه يشتري نعيم الآخرة بنعيم الدنيا، إنه يعرض عن طيبات هذا العالم الزائل في سبيل الطيبات الباقيات في العالم الخالد، إنه لصيرفي، وتاجر، يستبدل بطيبات طيباتٍ” “أما الكامل فليس هذا هدفه، إنه ينكر الشهوات الفانيات لعلمه، إن تنعم الجسد يجعل العقل مظلماً، ويعطله عن معرفة ذاته وإدراكها، يعلم أن الجسد إنما هو سحابة سوداء أمام النفس، فإذا تلبدت تلك السحابة تعطلت الرؤية”.

هناك إذاً فرق بين الهدفين. الأول عذاب الجسد ثمناً لنعيم مرتقب، وهذا أعرض عن

الراحة تبصراً، غير الكامل يتعبد، والكامل مثله أيضاً يتعبد، إلا أن غير الكامل يعمل ذلك طمعاً في أجرة ينالها، من عمله، والكامل ليزيد نوراً على نوره، وطهراً على طهره، إن الكامل صوَّام قوَّام بلوغاً لقدس جديد، تمزيقاً للحجب الداكنات الحالكات، واستشراقاً لعيني العقل “وهكذا إذاً طهر العقل، إستصبح بنور الحق، إن الكاملين العارفين لهم مسارح القدس، وحكمة الله لا تنجلي للساهرين في الدنيا التائهين في بواديها، إن الزاهد غير الكامل يُعرفه العارفون عبداً، أو أجيراً، أما الزاهد العابد الكامل فيعرفونه ابناً ووريثاً”.

ويشرح ابن سينا هذه الطبقات الثلاث بقوله: “والعبادة عند غير الكامل معاملة ما كان يعمل في الدنيا، لأجرة يأخذها في الآخرة، هي الأجر والثواب، وعند العارف رياضة ما لهِمَمِه، وقوى نفسه المتوهمة المتخيلة، ليجردها بالتعويد من جناب الغرور، إلى جناب الحق، فتصير مسالمة للسر الباطن، حينما يستجلي الحق، لا ينازعه، فيخلص السر إلى الشروق الساطع، ويصير ذلك ملكة مستقرة، كلما شاء السر اطلع إلى نور الحق، غير تراحم في الهمم، بل مع تشييع منها له، فيكون بكليته منخرطاً في سلك القدس”.

الفروق بين الزاهد والكامل عن ابن العبري تختلف عما هي عليه عند ابن سينا، فبالإضافة إلى كون الأول يعتبر صيرفياً وتاجراً، والثاني عمالاً في سبيل الحق وحده، دون النظر إلى الثواب، يقول ابن العبري: إن الأول عبد أو أجير، بينما الثاني ابن ووريث، وهذه الفكرة الأخيرة نراها واضحة في اثر أيرثأوس إن العقل المطهر ينال صفة البنوة الكاملة لله ويمكنه القول (إن موسى اؤتمن كعبد وأما أنا فكرب البيت) (الفصل3)

في العالم نقص كثير. وفي الكيان البشري أيضاً نقص لا تعوضه الطبيعة البشرية المجردة، والنقص في العالم أو في الطبيعة البشرية بحاجة ماسة إلى إكمال درء لأخطاره الروحية الكثيرة، وعلى هذا الأساس ألهم الله الإنسان لكي يسعى إلى بلوغ الكمال الروحي، الذي هو وحده يمكنه درء أخطار نواقص البشرية، ويمضي ابن العبري في شرح هذه الناحية في أبيات كثيرة من قصيدته. إلى أن يصل إلى وصف الكامل الذي أعده الله لإكمال نقص الطبيعة البشرية، بما ينعم عليه من وحي، بقول: إن الكامل رسول يرسله الله لهداية الناس، فيستمد الوحي من السماء بلقاءاته الوحيية، بالطبيعة الروحانية، حيث يجد أسفار الروح مكتوبة ومنها يستلهم المعرفة الحقة، لا من علم بشري، بل بوحي من الروح القدس، فتخضع له الطبيعة الجامدة. وتتبعه المعجزات والكرامات العجيبة، فيوضح الأمور المستقبلة، ويكشف الغيوب، ويأتي بالنبوءات، وهذا ما عناه الرسول بقوله: “وضع الله في بيعته أولا رسلا، ثم أنبياء، فاعلي قوات: ” إلخ ـ ويمضي في وصف اللذة الروحية العميقة التي يشعر بها العارف، تأخذ بمجامع قلبه، وتحيله إلى كائن جديد.

ويشرح ابن سينا موضوع النقص البشري بقوله: “واعلم أن رذيلة النقصان إنما تتأذى بها النفس الشيقة إلى الكمال. وذلك الشوق تابع لما يفيده الاكتساب، والبله بجنبة (الجنبة: الاعتزال) من هذا العذاب، وإنما للجاحدين والمهملين والمعرضين، عما ألمح به إليهم من الحق، أو بالخلاصة من فطانة بتراء”.

وشوق العقول الطاهرة إلى الكمال قد شرحه صاحب أثر أيرثأوس شرحاً وافيا قال: بعد أتعاب شديدة وجهاد شاق تشرع العقول الطاهرة في تصعادها درجات الكمال، فيثور فيها الشوق اللاهب للوصول إلى القمة؛ وتسعفها الجواهر الروحية التي تصادفها في طريق تصعادها، إذ تجتمع كل تلك القوى وتحيط العقل بهالة من المجد والقداسة بطريقة عجيبة” إلى أن يقول: “إن كل كيان عاقل يجوز معرفة ما دونه؛ ولكن العقل الكامل يجمع كل المعارف”.

فأنت تلاحظ أن الفكرة الأساسية مستمدة من هنا، الشوق إلى الكمال، وحيازة المعرفة الكاملة بغية نشر ضرب المعرفة والكمال في ذلك، وقد تطورت الفكرة عند الفيلسوفين بحسب ما رأينا؛ إلا أن الأساس واحد.

وينتقل ابن العبري إلى تعداد درجات العارفين. منذ أول انطلاقهم إلى بلوغهم تصعادهم الروحي الكامل، ويورد هذه الدرجات طبقاً لما اتفق العارفون أنفسهم، يقول: “لحركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة، حيث يحاول العبد المعرفة بالبرهان، ثم يستسلم للإيمان المطلق، توصلاً إلى الكمال، وحالما يريد؛ يبدأ بالانطلاق هارباً من  كل شيء ما عدا محبوبه، وما دامت هذه درجته فهو (مريد) وهو في طريق وصوله إلى الحياة الخالدة”.

وورد ذلك عند ابن سينا على النحو التالي: “أول درجات حركات العارفين ما يسممونه هم الإرادة، وهو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني، من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد”.

إن فكرة (المريد) الواردة لدى الفيلسوفين تمثل الخطوة الأولى في طريق الكمال، وهي اللحظة التي يتوجه العقل إلى هدفه الأسمى، ففي هذه اللحظة يمكن تسمية العقل أو الإنسان (مريداً) لأنه (يريد) الانطلاق إلى طريق الكمال بإرادته الكاملة، وقد شرح هذه الحالة مؤلف اثر أيرثأوس جاعلاً إياها (الخطوة الأولى) فقال: “تنطلق خطوة النقل الأولى نحو الحرية الكاملة عندما يثور الحب الإلهي ويتفجر الشعور من الأعماق، بوجوب الانطلاق، فمن العقول من تنطلق حالة انبجاس المعرفة والقوة فيها”. (الفصل 2)

فأنت ترى أن فكرة (المريد) هي وليدة هذه الفكرة، بحيث يصبح العقل (مريداً) حالة توجهه إلى الهدف، فيثور فيه الحب الإلهي ويدفع به إلى طلب الحبيب بأي ثمن كان.

وعند الفيلسوف ابن العبري أن “المريد الحاذق لا يخشى العثرات ولا يهاب الشراك، وأما المريد العادي فإنه يحتاج إلى شيخ ذي خبرة واسعة، يعرف لكل داء دواء” ومثله كان ابن سينا يقول: “ثم أن المريد ليحتاج إلى الرياضة، والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض”.

إن المريد لدى الفيلسوفين بحاجة إلى رياضة وتوجيه ليسدد خطواته إلى محجته القصوى، وقد طبق الشيخ الفيلسوف مؤلف أثر أيرثأوس هذه الفكرة مع تلميذه بالفعل فقد سمعناه يقول له: “وأنت يا بني، فانظر إلى فوق، واعرض عما في الأرض، ودع الظل واتحد بالحقيقة، اعرض عن الطبيعة الفانية واهبط بقوة إلى أردن هذه المعمودية المقدسة المجردة من الهيولى (معمودية الرياضة والألم) وإذا سمعت الرب يقول لابني زبدي؟ أما كأسي فتشربان وأما صبغتي فتصطبغان ـ فاعلم أنه يشير إلى هذه المعمودية المطهرة التي بها يعتمد الكاملون فيطهرون” (الفصل3).

يتابع ابن العبري حديثه بشأن هذه الرياضة يقول: “يجب أن تقوم هذه الرياضة على ثلاثة شروط:

الأول : الترفع عن الدنيا وما فيها من الدنايا، والزهد في الأموال، والكرامات الكاذبة والمجد الزائف، والعجب والكبرياء والعجرفة والصيت الخادع، وتحطيم هوى الزعامة الفارغة، والإعراض عن معاشرة أبناء الدنيا، ومحاولة تقويم الأشرار.

والثاني : سحق القوتين الغضبية والشهوية، وإخضاعهما للنفس العاقلة السيدة.

والثالث : جعل النفس شفافة لطيفة استعداداً لتلقى الاشراقات الساطعة. ويعين على دعم الشرط الأول، الزهد التام، والإعراض عن متاع الدنيا، واحتقار كل شيء ما خلا الحق، والشعور بمرارة كل طيبات الحياة.

والشرط الثاني يدعمه، الصوم والقنوت، وسحق عنف الجسد، وسحق أشواكه القاسية، وتعذيبه وتهذيبه، وممارسة الألحان الروحية، الشجية المنعشة لقوى النفس والإغراق في الترتيل والقراءة المتعقلة، واستمداد النصائح والمواعظ من معلمين ثقات، ويعين على الشرط الثالث، نقاء العقل وصفاء الفكر، والتمرد على سفاسف الدنيا المعكرة”.

وابن سينا علّم بالشروط الثلاثة والقوى المؤيدة لها وقد قال: “والأول يعين عليه الزهد الحقيقي. وبالتالي، يعين عليه عدة أشياء، العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس، الموقعة لما لحن به من الكلام موقع القبول من الأوهام، ثم الكلام نفسه الواعظ من قبل قائل ذكي، بعبارة بليغة، ونغمة رخيمة، وسمت رشيد. وأما الغرض الثالث فيعين عليه، الفكر اللطيف والعشق العفيف، الذي يأسر فيه شمائل المعشوق ليس سلطان الشهوة”.

والفكرة كلها إنما تدور حول العمل على تنقية النفس من أدران الشر أياً كان، وقد أورد الفيلسوفان هذا التقسيم الثلاثي رغبة في تنظيم الحملة ضد الشر من قبل النفس، وهي مستمدة من التعليم السليم الوارد لدى مؤلف اثر أيرثأوس حيث قال: “يجب على الذين يرغبون الارتفاع من هذا العالم أن يوحدوا قواهم الخيرة فيقتلعوا الشر من أعماق جذوره، فقد يخشى أن يظهر الشر من حيث لا يشعرون، فالجسد هو بيت النفس، والنفس رداء العقل فيجب على النفس أن تطهر العقل بذاتها”.

وعلى هذا الأساس نسمع العلامة ابن العبري يتفنن في وصف النفس العارمة وصفاً بالغ الروعة يقول؟ “الحمامة الحية ذات الأشواق المتمردة على الموت، جميلة وإن كانت سوداء، فإن أصلها من الله، وإن لوحتها الشمس بشواظها، الحمامة الطالبة ربها من وراء حجاب هذا الجسد، المتطلعة إليه من كوى العقل، ومن شقوق المادة، تطوف في الشوارع والساحات إذا غاب عنها لحظة، توَّاقة إلى وجهه الكريم، هائمة كالمجنونة حتى يعود، لا ترهب إذا طاردها العسس ( قوى الجسد) ـ بل تفر وتنجو، وتصحو إذا عبرت قليلاً، فتلاقي ربها وتتعلق به ولا تتركه حتى تدخله خدر أمها إلى مخدع القلب، إلى بيت الحكمة، هذا عالمها”.

ويشعر العلامة ابن العبري أنه لا يجوز الإفصاح عما تلاقيه النفس في (مخدع الروح الأعلى) وعليه يتابع قوله: “أما ماذا يحدث في ذلك المخدع، فليس لك أيها الشاعر أن تُذيع الأسرار، ولا تحسبن ذاتك خطيباً مصقعاً، صه، أيها الغبي، واستر جهلك بالصمت، فإن سليمان في كل مجده لمْ يجرؤ على الكلام هنا احذر أن تشين الكريمة المتألقة فلا تطلقنَّ العنان لغرورك باسم الحب، في دولة الحب هذه لا سلطان لإبليس، فكلها نور لا يدانيه ظلام، عد إلى ربعك، وغذِ عفوك القهقري، وإذا أقدمت فمد الخطا خاشعاً متهيباً”.

وهنا في بيت الحكمة، في علم الروح، تبلغ النفس درجة الإرتاج فلا يستطيع اللسان التعبير عما يشعر به القلب من الغبطة والسعادة، وقد وصف مؤلف اثر أيرثأوس هذه الحالة بقوله: “إذا ما باشر العقل بالتصاعد فإن الجسد يرتمي كالميت” ثم يوصي تلميذه بألا يبوح لأحد بهذه الحالة العجيبة يقول: “أما أنت يا بني، فادخل مخدعك وأغلق بابك، ولا تشرب إلا من ينبوعك وليكن لك وحدك، فلا يشرب معك غريب، ولا تنم في القرية وتترك زرعك في الحقل لئلا يأتي العدو ويزرع الزؤان في حقلك”. إلى أن يقول: “لا تبح بكلماتي هذه أمام العقول غير الطاهرة…. لأن الإنسان الذي لا تعي نفسه معاني الروح يزدريها”. (الفصل 5) وقد وصف حالة العقل لدى تصاعده إلى حالة فوق الطبيعة، قال: وأما إذا ارتفع العقل إلى حالة فوق الطبيعة فإنه يخشع ويلوذ بالصمت والإرتاج” (الفصل 6) وإذا ما بلغ العقل ذروة الفضيلة وانجلت له الأسرار، ووقف في قلبها العميق، وسبر غورها البعيد، يرتج عليه، فلا يجد كلمة من الكلمات البشرية كافية للتعبير عما هو فيه، بل لا يجد تعبيراً بشرياً يليق بما يشعر به من السعادة، ولذلك يقول الفيلسوف (أيرثأوس) لتلميذه “أما أنت يا بني، فانظر إلى ما يحيط بك واجماً صامتاً متهيباً (الفصل11).

ويعود الفيلسوف ابن العبري إلى إيضاح ما تحويه الدرجة الثالثة ( درجة الاختطاف) ذاتها من الطبقات، يقول: ” لهذه الدرجة طبقات وحدود ولا حجاب بين حد وآخر ففي الحد الأول: يشرق على العارف نور الحق، ويشعر بلذة عميقة لا يقوى على الوقوف أمام تيارها، فيزداد سطوعاً وتألقاً، ويرى بروقاً تومض، ثم تختفي، ويسمي العارفون ذلك أوقاتاً ويشعر أن بين الوقت والآخر أخطاراً تحيق به، وتهاجمه، فيحزن أولاً لتأخير وصوله ونواله، وأخيراً لأن الأخطار تداهمه”.

وقد عبَّر ابن سينا عن هذه الحالة بقوله: “ثم أنه إذا بلغت به (العارف) الإرادة حداً ما، عنّت له خلسات (من إطلاق نور الحق) لذيذة كأنها بروق تومض، ثم تخمد عنه، وهو المسمى عندهم أوقاتاً، وكل وقت يكتنفه وجدان، وجد إليه، ووجد عليه، ثم أنه ليكثر هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض.

والحد الثاني ـ يقول ابن العبري ـ الهبوط إلى بحر الرياضة، وكلما غاص في الأعماق، تكاثرت البروق أمامه إشراقاً وتألقاً، والحد الثالث إذا بلغه، وهو ماض في رياضته الشاقة، لا تختفي البروق اللامعة عنه، حتى إذا تباطأ في رياضته ولا يغيب في سحب تلك البروق، ليخلد فيها، لأن نور الأزل يلده ولادة جديدة فلا يقلقه هم، ولا يثنيه عن سيره عدو، أو مال أو متاع، فالحبيب كأنه قاب قوسين، فيحث السير إليه، يرى الحق في كل شيء”.

والحد الرابع هام جداً لدى الفيلسوف ابن العبري، فكأنه منتصف الطريق بين الشك واليقين، أو بين الجهاد والهدف، بل إنما يظهر الهدف الأسمى قريباً جداً من العارف المضني سيره، الحثيث الطويل، يقول: “والحد الرابع لا حدود لسطوعه فبروقه تلتمع وتلمع، ولا تنقطع عن الإشراق، فينوء العارف تحت أثقالها، وربما يرجو اجتنابها بعض اللحظات ليثوب قليلا إلى رشده، ففي سطوعها المتألق قلق لسكينته، واضطراب لهدوء نفسه، وقد يصلي ليمنح من النعمة قبساً ضئيلاً فقط، ويعتقد أن ذلك يكفيه وإن كان ضئيلاً”.

ويصف ابن سينا هذا الحد بما يأتي: “ولعله إلى هذا الحد يستعلي عليه غواشيه، ويزول هو عن سكنه، فينتبه جليسه لإستيفازه عن قراره، فإذا طالت على الرياضة، لم يستفزه غاشية، وهدى للتلبيس”.

ويعود ابن العبري إلى الحد الخامس حيث تقرب نهاية المطاف وتهدأ صورة الاضطراب، ويلوح الهدوء لقلب العارف، يقول: “وفي الحد الخامس يشعر كأنه شفي من مرض عضال، فينتقل من الاضطراب إلى الهدوء، ومن القلق إلى السكينة، والأشعة التي أقلقت سكينة نفسه، أصبحت مألوفة كأنها طبيعة جديدة لذيذة، والألسنة النارية تتلاشى فيها قوة الإحراق، فتصبح نوراً والبروق التي أومضت قبل قليل فأقلقت نفسه، أصبحت لذة مألوفة، فيغيب العارف في هذه اللحظات في فيض من نور وقد غشيته نعمة القدير، يغذيه خبز الملائكة، وترضعه العناية من ثدييها كالطفل وإن كان شيخاً، فإذا فطم انقلبت بهجته حزناً وأسى”.

وبهذا المعنى قال ابن سينا: “ثم أنه لتبلغ به الرياضة مبلغاً ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوف مألوفاً، والوميض شهاباً بيناً، فإذا انقلب عنها انقلب حسران آسفاً”.

وفي الحد السادس، يوشك أن يلمس النهاية بيديه، فيستحيل العارف إلى كائن جديد، يقول الفيلسوف: “وفي الحد السادس يوشك أن يبلغ نهاية الشوط تستحيل صفحة النفس مرآة مجلوة صقيلة، ترتسم عليها صورة ربه، فإذا بلغت النفس هذا الحد، تستمرئ أشعتها الساطعة، وتعاين لئلاء سيناء مشرقاً عليها، هنا يغشى العارف مبتهجاً فقد أصبح سعيداً “وقد اعتبر ابن سينا هذا الحد (نيلاً)، قال: “فإذا عبر الرياضة إلى النيل صار سره مرآة مجلوة، محاذياً بها شطر الحق، ودرب عليه اللذات العلى، وفرح بنفسه لما بها من أثر الحق، وكان له نظر إلى الحق، ونظر إلى نفسه، وكان بعد متردداً”.

إن حالة التردد هذه عند ابن سينا، في غمرة هذه الدرجة، من الحد السادس، هي حالة خطر مستطير على حد تعبير ابن العبري: “في الحد خطر مستطير، ومحاق لا يطاق، فكثيرون سقطوا كالبرق من تلك الذروات العاليات، ومن ينجو ما لم تعصمه النعمة؟ فإذا ما ران الكيان الضعيف جلال النور وبهاؤه، وسطوعه وألقه المشرق، طارت نفسه شعاعاً، فإذا غرب التوجد والتسبيح عن شفتيه هنا لحظة واحدة هبط إلى أسفل الدركات” وأهم سبب للسقوط هو الغرور بما يناله العارف، فتلك النعمة ما لا قِبَل للنفوس الضعيفة من تحملها والاحتفاظ بها، يقول الفيلسوف: “إن كثيرين في هذه الحالة المشرقة ركبهم الغرور، وتملكهم العجب، فسقطوا وكان سقوطهم عظيماً”.

وإذا نجا العارف من أخطار الحد السادس، انتهى كل شيء، خطوة واحدة وإذا به في الدار الأمينة، يقول الفيلسوف: “يتعالى العارف إلى الحد السابع، إلى ميناء الحياة، إلى الهدوء والراحة والأمان، هناك خلقة الحدود، ونهاية المطاف، فيتوقف السير، ولا سبيل بعد إلا إلى الاعتكاف العميق الخاشع في زاوية من زوايا الصومعة، حيث تنقلب الصومعة الصغيرة المظلمة إلى مشكاة النور ومصدر الضياء، ولا تتقدم شبراً واحداً، هنا لا يعود العارف يرى حتى ذاته، وعينان لا تبصران إلا مصدر النور الأحد، إلا بهاء ربه الساطع فيه، وبالروح يتلقى أشعة الروح… هناك تعانق النفس ربها، حدود لا يحُصى لها عدد، الستة الأولى منها، كانت منطلقاً للحركة والسير، والسابع، هو حد الوصال، وليس للواصلين ضرب واحد، ولا للعارفين درجة واحدة، فقد علمنا الرب (أن في بيت أبي منازل كثيرة).

هنا لا يمكن وصف حالات العارفين، ولا ما خصَّهم به ربهم، من النعم الغزيرة، واللغة البشرية أضعف من أن تترجم ولو جزءاً صغيراً من ذلك، وكل ما أمكنها قوله هو (ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر) ويسمي ابن سينا هذا الحد (الوصول) ويصفه بالكلمات التالية: “أنه ليغيب (العارف) عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط، وإن لحظ نفسه، فمن حيث هي، لاحظة، لا من حيث بزينتها، وهناك يحق الوصول”.

إن كل ما ورد في هذه الفقرات الأخيرة مستمد أصله مما وجدناه في تعاليم الشيخ الفيلسوف مؤلف الأثر المنحول أيرثأوس، فالحدود الخمسة الأولى، وهي الخطوات التي يتخذها العقل في تصعاده إلى الملأ الأعلى قد وجدناها واضحة في شروع العقل بتصعاده إلى الخير الأسمى، وتفجر الحب في أعماقه، للاتحاد بالكائن الأزلي، وإشراق النور عليه من لدن العزة الإلهية، هذه كلها اتخذها الفلاسفة مادة أولى لتنظيم هذه الحدود التي يتوقعها العقل حداً بعد حد حتى نهايتها (الفصلان 1و2).

أما الحد السادس، وهو حد التردد أو منطقة الخطر؛ فتراه أكثر وضوحاً مما مر بنا، فقد سمعنا الفيلسوف صاحب أثر أيرثأوس: “وإذا تصاعد العقل إلى ذروة التشبه بالله ونال درجة الكمال، ولم يحتفظ بيقظته الكبرى؛ فإنه لم يزل في خطر مستطير”، ويمضي الشيخ بتعداد أسباب هذا الخطر ونتائجه (الفصل2).

ويقول في محل آخر: “أني رأيت عقولاً كثيرة صعدت حتى ذروة الصليب (صليب المجد) إلا أنها سقطت، لأن ثيابها كانت لم تزل قذرة (الفص 4) وهكذا في غمرة الوحي، وفي حالة الوجد المقدس والعقل في أعلى الذروات من القداسة، وقبل الاتحاد المطلق بالأزلي الأحد، تعرض لبعض العقول خاطرة دنيوية، فتسلبها كل ما نالته بعد جهاد شاق وتعب لا يوصف، وتهدم كل ما شيدته في سنوات عديدة، تهدمه في لحظة واحدة، فتسقط تلك العقول إلى أحط الدركات، وكأن أعمالها الفاضلة لم تكن، إلى أن يقول الشيخ: “إني رأيت أناساً كثيرين سقطوا بغتةً، لأنهم كشفوا الأسرار الإلهية، وشاهدت مع ربنا الشيطان ومن شابهه يسقطون كالبرق من السماء (الفصل 11) وفي تعليم فلاسفتنا “وخاصة ابن العبري” (الحد السابع) أو حد الوصول، بحسب تعبير ابن سينا، وهو الحد الذي يتعالى فيه العارف إلى ميناء الحياة، إلى الهدوء والراحة والأمان، حيث يتوقف السير ولا سبيل بعد إلا إلى الاعتكاف العميق الخاشع في زاوية من زوايا الصومعة، حيث تنقلب الصومعة الصغيرة المظلمة إلى مشكاة النور ومصدر الضياء.

وبهذا المعنى نفسه نسمع الشيخ الفيلسوف (مؤلف أيرثأوس) يقول لتلميذه “أما أنت يا بني، فادخل مخدعك وأغلق بابك… لا تبح بكلماتي هذه أمام العقول غير الطاهرة… لأن الإنسان الذي لا تعي نفسه معاني الروح يزدريها”. (الفصل 5)

وبشأن الواصلين الذين ذكر العلامة ابن العبري أنهم ليسوا ضرباً واحداً، والكاملين الذين يمتاز بعضهم عن بعض مورداً قول الرب (في بيت أبي منازل كثيرة) يقول الشيخ الفيلسوف: “إن جواهر العقول تمتاز بعضها عن بعض سمواً وكمالاً، وطبقاً لسموا جوهرها يكون تألقها كثيراً أو قليلاً، بالنسبة إلى ما يجاورها من العقول” (الفصل 8)

وفي حالات العارفين وما خصهم به ربهم من النعم الغزيرة التي لا ينطق بها على حد تعبير ابن العبري، يقول الشيخ: “فأية تماجيد تليق الآن بمخادعنا؟ أمن الطبيعة أم مما يفوق الطبيعة؟ أما أنا فأقول، أن ما يفوق كل نطق وتفكير يجب أن يؤدي بدون نطق أو تفكير، إلى أن يقول: “لا لا، لقد عُرف الأمر، هنا الصمت المطلق، هنا الإرتاج العميق، أمام الأسرار السامية، التي تتلاشى تجاهها الحواس وتزول الأشكال، الصمت العميق في لحظات الوحي التي هي الكمال الأبدي “أمام الخير الأزلي المطلق” (الفصل10)

وللعارف أوصاف عجيبة بعد وصوله إلى درجة الاتحاد، قال ابن سينا: “العارف هش بش بسام، يبجل الصغير من تواضعه ويبجل الكبير، وينبسط مع الخامل مثلما ينبسط مع النبيه، وكيف لا يهش، وهو فرحان بالحق، وبكل شيء، فإنه يرى فيه الحق؛ وكيف لا يستوي والجميع عنده سواسية؟ أهل الرحمة قد شغلوا بالباطل” إلى أن يقول ” العارف له أحوال لا يحتمل فيها الهمس من الحفيف، فضلاً عن سائر الشواغل الخالجة”.

والعارف (عند ابن العبري) مبتهج فرحان بالحق، وديع هادئ متواضع، يبجل الصغير كما يبجل الكبير ويتساوى لديه كل الناس، وله لحظات عجيبة إذ استغرق بوصال ربه، يقلقه ويشقيه حتى همس الحفيف، كما تقلق الحاظه من النظر إلى الحياة الدنيا، يعانق ربه عناق طويل لذيذ، فينظر إلى هذه الدنيا بعين الازدراء”.

إن أوصاف الكاملين لدى الشيخ الفيلسوف مؤلف أثر أيرثأوس، عجيبة حقاً وعنها قد أخذ الفلاسفة الأوصاف التي مررنا الآن على بعضها، فعنده، أن العقل (وهو يمثل العارف) بعد انتصاره في جميع المعارك الروحية، يأخذ في الارتفاع والتسامي متنقلاً من هذه الدنيا الفانية إلى الدنيا الجديدة الباقية، وينتقل من حالة إلى حالة ومن قوة إلى قوة. حتى يبلغ الذروة العليا حيث قدس الأقداس الأسمى مستعداً للدخول، وهنا برهة عجيبة عذبة لا تستطيع اللغة البشرية الإحاطة بها (الفصل 17) وبعد انتظار مؤلم أمام باب قدس الأقداس لحظات، يحسبها العقل أعواماً وأجيالاً يتخذ من قداسته أجنحة نورانية قوية يبلغ بها إلى أعلى طبقات التصعاد والمفارقة، فيدخل خالداً في قدس الأقداس الأسمى (الفصل 18).

إلى أن مثل هذه الحالة العجيبة نادرة الحصول، قال ابن سينا: “جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه واحد بعد واحد[80]، من سمعه فاشمأز منه فليتهم نفسه، لعلها لا تناسبه، وكل ميسر لما خلق”.

ويقول ابن العبري في هذا المضمار: “والذين يبلغون هذه الحالة قليلون، بل هم أقل من

القليل. ولا يحدث ذلك إلا نادراً، في كل عدة أجيال” ويعود إلى نفسه فيقول: “أما أنا فقد أمضيت معظم أيامي متغرباً. براً وبحراً، وقد قاربت الخمسين من عمري، ولم ألق من أصاب ذلك العرفان، أو قدم لي زهرة من تلك الجنان”[81].

ولفيلسوفنا رائعة أخرى في موضوع التصوف، هي قصيدته الفريدة (الحب الإلهي) اتخذ فيها الخمرة مادة رمزية لهذا الحب. وراح ينتقي لها الأوصاف الشعرية المبتكرة، فاق فيها كل ما ورد في هذا المعنى، وفي مطلعها يستسقي (جميله) منها، فقد دنا الصباح (صباح البهجة ونهاية الجهاد وانقضاء ليل العذاب والآلام) التي يقاسيها

العارف قبل بلوغه هذا الأوج من التصاعد الروحي. يقول:

“قم فاسقني أيها الجميل فقد دنا الصباح، رشفة خمر من تلك الجرة الشيخة العذراء، إنها تبدد غيوم الكروب، وتوشح ظلام ليل الآلام نوراً” وقد تصور هنا ليالي الجهد الروحي حيث يستغرق العارف صياماً وقياماً، في الصومعة متطلعاً بفارغ الصبر إلى هذا الصباح الجميل الذي تنتهي فيه آلامه ويصل جهاده إلى هدفه المنشود، وهنا إشارة إلى حالته الروحية إذا شرب ولو رشفة واحدة من حب ربه تولد فيه ذلك الشعور بانقضاء ليله وانبلاج صباحه.

فمن أين هذه الخمرة ومتى انسكبت في كؤوس الحياة، يقول الشاعر: “إنها لأقدم كثيراً من قدم الزمان، وهي كائنة قبل أن يكون صبح أو مساء، لا يطالها عقل ولا فكر، ويعجز عن وصفها لسان بليغ، ومن حاول ذلك أعياه الكلام”.

أين كانت هذه الخمرة، وبما سكبت؟؟ وأي كرم حواها أو أي عقود ثواها؟؟؟ يقول الشاعر: “لم تسكب في دن هذه الغبراء، والفخار غريبان عنها، ليست من الكرم، ولم تمسها يد الكرام، وليس عنقود العنب أباها وليست بنته”.

إذاً ماذا؟ هل يتوق الناس إلى شربها؟ وهل يغرق الناس في شربها كما يغرقون في شرب خمور هذه الحياة؟ ومن في هذا العالم يستهين بقيمة الحب الإلهي؟ يقول: “ليس عجيباً أن ينكر الجاهل نكهتها، لأنه لم يذقها، فالجُهَّال إذاً، ينكرون قوتها، والحكماء وحدهم يُقبلون عليها، وقد عبّر عن فعلها فيهم قال: “منها شرب موسى في جبل سيناء، فسطع محياه أكثر من الشمس والقمر، وهي جعلت الحديد أن يطوف بقرب الشاطئ،  وغطس الخشب في الأعماق” “ومنها سقى ابن النجار يوماً ندمائه، فشرب وثملوا وأعلنوها حرباً على الشر” وإذا فارقت يوماً أحد المدمنين عليه فإنه يفقد كل شيء في حياته، يقول: فارقت يوماً قلب كيفا (بطرس) لحظة واحدة، فشرع يغرق كالجلمود في لجج البحر الهائجة”.

وما لون هذه الخمرة؟ يقول الشاعر: “صافية شفافة، بل هي أرق من الهواء والنار، وإذا سكبت لا تلمحها الباصرة” أما مفعولها في شاربها فإنه يتوشح حلة المجد الخالد، ويبرع جمالاً وجلالاً، وينال قوة ومنعة، وأملاً باسماً، ويتسامى فوق الشكوك والريب، ويرى الحق واضحاً متلألئاً، ويناجيه وجهاً لوجه “ويتعالى إلى قدس الأقداس الرفيع، ويبصر ما وراء الحجاب، ويسمع آيات الله البينات”.

وإذا شرب منها فتى من النساك، يثمل ويزدري السهام، يتسامى عن المادة، ولا يهادن الجسد، ويعلن حرباً عواناً ضد أهوائه وشهواته، أما الجسد، فإن شربها “يتخذ له أجنحة فيطير وينجو من بؤرة هذا العالم، تخمد قواه المنحرفة، وتموت، وينتصر على نزواته كلها، ويكسر شوكة الحسد والحقد والبغضاء ويخضعها لقواه العاقلة، وتتسامى نفسه العاقلة فوق الحس والخيال. وتذرى أوضارها في الرياح العاصفة”.

إن لهذه الخمرة قوة عظيمة، فهي “لا تزول بل تصونها العناية للخلود، تنجلي فيها الأسرار الخفية، وإذا العين تطلعت عليها يوماً بهرها منها السطوع وأعياها، وإذا أصاب منها البليد رشفة ارتفع إلى مصاف الحكماء”.

إذاً ما هي هذه الخمرة؟؟ يقول: “ليست مادة؛ فلا حاجة بها للمكان وليست عرضاً، فلا حاجة بها إلى جوهر لتقوم فيه، إن كيانها الكامل لا نقص فيه، إنها كالعلة الكاملة، هي أزلية وأقدم من هذه الحياة”.

وأين نبتت دواليبها، وأين عُصرت أعنابها؟ “إن غصنها قد أفرع قبل وجود الأرض؛ وجذعها تسامى قبل أن يخلق الباري الكروم، هي كانت قبل أن تكون المعصرة؛ تألق حبابها قبل أن يكون الضياء”.

وأية لذة يصيب شاربها، وهل هناك لذة تدانيها؟ يقول: “إذا كان ذكرها كافياً ليبهج القلب الكئيب، عبيرها يحيل مرائر الحياة إلى عذوبة وحلاوة، فكم تكون اللذة عظيمة في شربها؟ فما أسعد الرجل الذي أصاب منها رشفة، أما الذي يصيب منها: “تحيطه نعمة الباري إحاطة السور الحصين، فلا يدهمه السقم، ومن غرس قلبه غصنها فإنه يورق مثل شجرة مغروسة على مجاري المياه؛ ويبلغ اليقظة الكبرى مثل سكان السماء، ولن تثور فيه بعد خاطرة رعناء”.

والشاعر تذوق عذوبتها يوماً، ولم يزل ثملاً[82]، قال: “أنا شربناها على ذكر الحبيب

الجميل، وسكرنا فترنحنا على المرج الخضيل، لم تكن كأسنا من البلور، بل كان كأساً لنا، ولم تكن زجاجاً ليذيبها اللهيب”.

هذا ما يمكن قوله في هذه الخريدة الرائعة، وليست نهاية المطاف في موضوع التصوف أو الروحانية لدى شاعرنا، ابن العبري. بل هناك (ملحمته) الكبرى (الحكمة الإلهية) وهي أروع ما كُتب في الشعر الصوفي في تاريخ آدابنا الشرقية، وكنا قد عربناها شعراً، ونشرناها في مجلتنا (لسان المشرق) الصادرة في الموصل، في عدد ممتاز سنة 1950، وأعادت نشرها مع نصها السرياني إدارة مدرسة الأحد في القامشلي ـ سوريا، في العالم الماضي (1965) وفي هذه الملحمة الرائعة يبرز ابتكاراته الروحية الفلسفية الخاصة، في هذا الموضوع الجليل، ومن رغب في تتبع فيلسوفنا في هذا المضمار، فليعد إلى تلك الملحمة الخالدة.

7 ـ تأثير أيرثأوس في الصوفية الشرقية : لم يذكر أحد من مؤرخي الآداب السريانية أو الغربية أن الأثر المنحول أيرثأوس تُرجم إلى العربية ومع ذلك نجد أسلوبه الصوفي وأفكاره الروحية تتخذ طريقها إلى الكاتب الشرقي السرياني والعربي على السواء، فيتأثر بها الفلاسفة في المضمار الصوفية، دون الإشارة الصريحة إلى مصدر هذه الأفكار لا من قريب ولا من بعيد، على أننا متأكدون أن هذه الأفكار انتشرت في الشرق انتشاراً واسعاً بدليل وجود عناصرها بعينها لدى جميع الفلاسفة الشرقيين الذين طاب لهم اتخاذ التفكير الروحي صفة بارزة لفلسفتهم، ففي فلسفة ابن سينا، وفي اختبارات الغزالي الصوفية تجد عناصر الأثر المنحول أيرثأوس، تنبض بالقوة والحياة، متخذة لها لدى هذين الفيلسوفين وغيرهما من الفلاسفة الشرقيين طُرقاً جديدة وأساليب جديدة لدى هذين الفيلسوفين وغيرهما من الفلاسفة الشرقيين طرقاً جديدة وأساليب جديدة طبقاً لما كانت تقتضيه ظروفهم المبدئية وعقيدتهم الروحية، إلا أنهم لم يأتوا بجديد في هذا المضمار مُطلقاً، كما أن الفلاسفة السريان في القرن الثالث عشر أمثال البطريرك ابن المعدني “1263م” والمفريان ابن العبري “1286م”، نهجوا النهج ذاته، متخذين هذه المبادئ مجالاً لتفكيرهم وأساساً لتعليمهم، ونحن إذا وجدنا عناصر التفكير الروحي الصوفي الذي أبرزه الفيلسوفان ابن سينا والغزالي في تعاليم الفيلسوفين ابن المعدني وابن العبري، إنما يعود ذلك لا إلى هذين الفيلسوفين وحدهما بل ينحدر إلى أعمق من ذلك بكثير، إلى الآراء التي وجدناها متجلية في الأثر الصوفي المنحول أيرثأوس، فيكون هذا الأثر والحالة هذه المنطلق الأول للفلسفة الصوفية في الشرق، والأساس الوحيد الذي عليه أقام فلاسفتنا صروح فلسفتهم الروحية.

إن المتتبع الذي يمر بمبادئ الفلسفة الصوفية الواضحة في هذا الأثر، إذا طبق هذه المبادئ على ما جاء به الفلاسفة الشرقيون خطوة فخطوة، يجد تناغماً كاملاً واتفاقاً صريحاً الأمر الذي يؤيد أن هؤلاء الفلاسفة إنما اعتمدوا على تلك المبادئ وربما طوروا التعبير فيها، دون أن يطوروا الفكرة الأساسية، ولا نجد مجالاً في مقدمتنا هذه لإيراد عرض كامل لما نحن بصدده، إلا أن النقاط التي سجلناها عند بحثنا مبادئ هذا الأثر تؤيد نظريتنا هذه أبلغ التأييد، وإذا أشرنا إلى اتفاق اثنين من فلاسفتنا السريان والمبادئ الصوفية التي سجلها فلاسفتنا العرب. وخاصة ابن سينا والغزالي، إنما نفعل ذلك اعتماداً على ما تأكد من أن أولئك الفلاسفة اعتمدوا في بحوثهم الفلسفية هذه، على المبادئ الأساسية التي انتشرت في الشرق إبان القرن التاسع الميلادي، سواء من هذا الأثر أومن غيره مما تُرجم إلى العربية عن طريق السريانية، مع الإقرار بأن هذا الأثر المنحول أيرثأوس هو في الذروة بالنسبة إلى إمداد فلسفتنا الروحية بالمبادئ الصوفية الصرفة، الأمر الذي يؤكد أن الآداب السريانية كانت ذات تأثير عظيم بارز في سائر آدابنا الشرقية.

مقدمة المؤلف

إن المعرفة التي تقع تحت إدراكنا، يمكننا إما معرفتها فقط، كإدراكنا أن الله واحد، وأن العالم حادث، وإما بالإضافة إلى مجرد معرفتها معرفة مفاعيلها أيضاً، كإدراكنا إذا شفَّ الجسد ضاءت النفس، وإذا بطر أظلمت.

والمعرفة الأولى تُدعى نظرية، والثانية تُدعى تجريبية أو عملية.

والمعرفة الأولى تتوخى الفصل بين الحق والباطل، والثانية تستهدف التمييز بين الخير والشر.

وهدفنا هنا، هو الناحية العملية من المعرفة، وهذه إما جسدية، وإما نفسية، والمعرفة الجسدية هدفها ترويض الجسد، وتمرينه، والبحث في الأسباب الضرورية لتقويمه، والمعرفة النفسية، هدفها تنقية النفس من الميول المنحرفة، والأهواء الشاذة، وتجميلها بأنواع الفضائل.

وبناء على ذلك كله، من العدل أن يُكسر كتابنا الإيثيقون هذا، إلى أربع مقالات:

المقالة الأولى ـ ترويض الجسد وتنظيم حركات تمرينه.

المقالة الثانية ـ تقويم الجسد وترتيب أعماله.

المقالة الثالثة ـ تنقية النفس من الميول الشاذة.

المقالة الرابعة ـ تجميل النفس بأنواع الفضائل.

المقالة الأولى ترويض الجسد وتنظيم حركات تمرينه وفيه تسعة أبواب

 

الباب الأول الصلاة وفيه تسعة فصول

 

الفصل الأول أقوال الآباء في فضيلة الصلاة

يروى أن الأب سوسأيس، لدى قيامه بالصلاة، كان يخطف عقله إلى الملأ الأعلى، لو لم يكن يخفض يديه، وكان إذا فاجأه أحد الإخوة (وهو يصلي) يخفضها لئلا يخطف عقله ويكفهر.

قال أحد الشيوخ: إنني لا أشعر بجهد في الصلاة، فليست الصلاة نابعة عن إرادتي، بل إني أنصت فقط إلى الروح ينطق فيّ، وهذا هو معنى قول الكتاب (الروح يصّلي من أجلنا).

كان الأب ثيودور يقول: لو حاسبنا الله على توانينا في الصلاة ، وتشوشنا في العبادة، لما استطعنا الثبات.

وقال الأب أوغريس: ليست لدينا أوامر مشددة بمواصلة الكدح والدأب في العمل والسهر، والصيام ، بل لدينا شريعة تدفع عقلنا للاستمرار بالصلاة مقاومة العدو.

وقال مار أسحق: إن كل صلاة وعبادة وفضيلة يقوم بها البشر في هذا العالم، إما ابتغاء الخيرات الزمنية هنا، أو خوفاً من العقاب في جهنم، أو طلباً للنعيم المعد للصالحين في العالم الآتي، أما النساك الحقيقيون، فإنهم يفعلون ذلك للتحرر من الأهواء والتوصل إلى نعمة التبرير والتقديس بكلمة الله، ونوال موهبة الروح بتفهم .

 

 

 

الفصل الثاني جمع العقل إبان الصلاة

إذا كانت الصلاة مناجاة الله، على حد تعبير الآباء، فإنها تتطلب استقامة العقل، وقدرته على الوصول إلى ربه بدون انحراف، فيناجيه بدون وسيط، وإذا كان موسى (على حد تعبير الأب أوغريس) منع من الاقتراب من العوسجة الأرضية، حتى خلع نعليه من رجليه، فكيف تريد أنت مناجاة من هو أسمى عن كل حس وشعور ما لم تخلع عنك كل فكرة مظلمة ؟ إلا أن جمع العقل من الشرود ليس بالأمر الهيّن، أو ما يأتي مصادفة، بل جهداً شاقاً وعملاً روحياً متواصلاً، وتمرداً على المادة (على حد تعبير الأب أوغريس) لا يستطيع الإنسان تعلم حرفة إلا بمرور الزمن على مزاولتها، هكذا لا يستطيع الإنسان اتقان الصلاة، ما لم يستمر متعلقاً بالله بقلب خاشع. وقال الأب مقاريس: إن لم تستقم لك الصلاة بالروح فواظب على الصلاة بالجسد وعندئذ تمنح لك الصلاة بالروح. ومن الاختبار عرف المواظبون أن في البداية وإن كان جمع العقل صعباً، ولكن مع الاستمرار والترويض التام يجتمع العقل بسهولة ويُحصر في خزانة القلب، وخاصة إذا استطاع تذوق عذوبة الصلاة ولو قليلاً، وحينئذ يتسامى عن كل ما في الأرض والسماء ويتعلق بربه ويغرق في مناجاته، كما حدثنا شيخ من الكاملين قال: كلما وقفت للصلاة لا أقطع إلا مرحلة واحدة حتى يكفهر عقلي ويخطف إلى الله، فاستمر على هذه الحالة ثلاثة أيام دون أن أشعر بإعياء.

 

الفصل الثالث شرود الأفكار وشفاؤه

لشرود الأفكار نوعان من الأسباب، الأول خارجي والثاني باطني.

الأسباب الخارجية: هي الأصوات التي تطرق سمع المبتدئ، والمناظر التي تمر أمام بصره، فإن هذه تخطف الأفكار خطفاً، وهذه الأفكار تخطف غيرها، وهكذا يحدث الشرود، لذلك يجب على المبتدئ أن يكبح جماح حواسه؛ وخاصة إذا كان يصلي مع الجماعة، أو في هيكل مكتظ بالصور والأحسن أن يصلي إما في زاوية مظلمة أو إلى جانب جدار، فحتى العارفون[83] يصلون في كوخ مظلم ضيق في بادئ الأمر، وهكذا بالترويض والخبرة الطويلة يرتفعون إلى الدرجة التي تمكنهم من الصلاة مع الجماعة، فلا يشعرون حينئذ من هو عن يمينهم أو عن شمالهم، وكثيرون من الفضلاء لا يحصرون أفكارهم إبان الصلاة فحسب بل في جميع أعمالهم.

قيل أن الأخ زكريا كان ساكناً في جبل سيناء فقال له الأب سيلونا: افتح الماء ودعه يجري واسق الجنينة، فخرج حالاً، وغطى وجهه بقبعته، وكان ينظر فقط إلى قدميه، فرآه أحد الإخوة عن بُعد، وتقدم منه وسأله: لماذا غطيت وجهك بقبعتك وسقيت الجنينة ؟؟ قال: إني عملت ذلك، يا أخي، لئلا تنظر عيناي الأشجار فينتشر تفكيري في عمله ويغيب بين الأشجار، وهذه هي الأسباب الخارجية.

أما الأسباب الباطنية فإنها أكثر عنفاً وأعظم تأثيراً، فإن الذي يشرد فكره في وديان العالم وسهوله، لا يمكنه حصرها في موضوع معين بل تبقى شاردة هنا وهناك، فلا يفيد شيئاً بإغماض حواسه، ومثل هذا يجب عليه التغلب على أفكاره كرهاً وعنوة فيجتذبها لتفهم كلمات الصلاة، ويسبق فيخلي قلبه من كل فكرة دنيوية، وإن عجز فلا ينجو، إلا باستعمال دواء أكثر عنفاً وأشد قوة، كالزهد الحقيقي، وقد شبه الحكماء الأفكار بالذباب والأهواء بالأقذار، ومن البديهي أن الذباب يحط على الأقدار، وكلما طردته عاد أيضاً، حتى وإن ضايقته كثيراً فذلك لا يثنيه. ومثله الأفكار المتعلقة بالأهواء الدنيوية والمشغوفة به ، وخلاصة القول، إن إرادتي النفس والجسد تشبهان الماء إذا سكب في قارورة مليئة بالزيت، ومن البديهي أن القارورة تقذف من الزيت بقدر ما يأتيها من الماء إذ لا يمكن أن يختلطا أو يمتزجا فيها سوية. وبما أن الزهد (وهو الدواء الشافي لهذا الداء) مرّ مذاقه، وعنيف ينفر منه الطبع البشري، وهذا هو السبب في تفشي هذا الداء في عامة الناس وتعذر شفاؤه، حتى أنه ليس فقط المدعون بل المختارون أيضاً يقاسون أعظم جهاد في الصلاة، وهم بالكاد يقوون على تأدية صلاة طاهرة قصيرة جداً، ومقتضبة، فإذا كان المختارون هذه حالهم فكم بالأحرى نحن ضعفاء؟ إن ذلك صعب حقاً علينا وعلى أمثالنا، فيكفينا فقط أن نركع ركعة واحدة وفكرنا نقي وعقلنا مستقر في أعماق قلبنا. وعليه ينصحنا الآباء بقولهم: لا يجب أن نصلي حتى نجمع أفكارنا من الشرود، وإلا لأشبهنا الذين يطلبون الكمال قبل العمل، غير أننا لا يجب أن نهمل الصلاة رغماً عن كل ذلك، فإذا كانت أفكارنا شاردة أو أصابتنا المصائب والمحن والأمراض، فيجب أن نقدمها جميعاً لله في الصلاة، ليبلغنا بنعمته ميناء الحياة.

 

 

الفصل الرابع الأعمال التي بها تكتمل الصلاة

إن الأعمال التي بها تكتمل الصلاة هي:

الأول : (والأعظم أهمية) نقاء الأفكار، وقال فيها مار أسحق: إن الصلاة الطاهرة، الكاملة ليست فقط التي تؤدي بعقل صاف، بل هي التي تؤدى وليس العقل فقط بعيداً عن تذكر الأباطيل، بل لا محل للأباطيل في ذلك العقل ليتشوش بها. إن الذكريات النافعة الصادرة عن الكتب المقدسة الروحية والمعاني الدالة على مجد الله وعظمته والتي قد تجول في خواطرنا أثناء الصلاة، لا يجب أن نحسبها معيقة لنقاء الصلاة أو معطلة لها أو عائقاً لجمع الأفكار.

الثاني : تفهم الجمل التي تلفظ بالصلاة، من لا يعرف ماذا يقول فخيراً له أن يصمت.

الثالث : شعور النفس بعظمة الرب، وتعرف الحكمة سببين لذلك (الأول) أن يفكر الإنسان بعظمة الله وهو ماثل أمامه بالصلاة و(الثاني) أن يفهم ضعف طبيعة الإنسان المصلي، وعندما كان أحد الشيوخ الفضلاء يتأمل بهذين الأمرين كان يقول أمام الله في صلاته سراً: كيف أتأملك يا ربي وأنت تعلم أني بهيم ولا أعرف شيئاً، فأنت أتيت بي إلى هذا الوجود فخلصني من أجل رحمتك، إني عبد وابن آمة، ورماد وتراب. وبهذين الأمرين نطقت والدة الإله ونفسها تعظم الرب القدير القدوس اسمه الذي نظر إلى تواضع آمته.

الرابع : الخشوع النابع عن المعرفة، معرفة عظمة الله وجبروته، وقد قال الأب أوغريس: إن الصلاة حقاً باطلة وبدون فائدة إذا ناجت الله بدون خشوع وورع ونقاء ويقظة، وبسبب ذلك يوسوس لنا الأبالسة ويحملون العقل أن يبقى خالياً ومعطلاً عن فائدة الصلاة إلى الرب.

الخامس : الخجل الذي يعتري الإنسان بتذكر معاصيه وخطاياه، وهكذا يدعوه خجلاً ويقول: إنني أخطأت بالسماء وأمامك ولا استحق أن أدعى لك ابناً..إلخ.

السادس : الرجاء، وسببه معرفة عطف الله وشموله كل كائن، وإذا نما الرجاء يُولد في النفس فرحاً لا يوصف.

 

 

 

 

الفصل الخامس الفرح الذي يطرأ على الكاملين في الصلاة

يحدثنا العارفون عن الفرح الذي تثيره النعمة في القلب الطاهر إبان الصلاة وما يلازمه من الرؤى والمواهب العظيمة، يقولون: إن الإنسان لا يمكنه وصفه، فتجد أحياناً الفرح يتفجر من القلب بدون سبب واضح يثيره الروح، فيرتمي ذلك الإنسان مصعوقاً، فإذا رأى العارف ذلك الناسك الكامل أو سمع صوته يظنه ممسوساً، وأحياناً يرتمي الناسك جاثياً على ركبتيه أثناء الصلاة، ويداه ممدودتان إلى السماء وعيناه تتفرسان بالصليب وكل عواطفه متصلة بالله وهو يصلي، فيشعر في تلك اللحظة أن لذة روحية لا توصف تتفجر في قلبه، فترتعش جوارحه، وتغمض عيناه، ويلتصق وجهه بالأرض، وتزدحم أفكاره، ولا تستطيع ركبتاه الوقوف على الأرض، تجاه تيار النعمة التي غشت قلبه ….. تأمل أيها الإنسان بما تقرأ أيمكن إدراك هذه الحال بمجرد قراءة هذه الكلمات، وهل بمجرد القراءة تصل حلاوة العسل إلى فم القارئ؟ فإذا لم تجاهد لن تجد، وإن لم تقرع بحرارة وتسهر أمام الباب طويلاً لن تُجاب، وقد قال الشيخ الفاضل يوحنا أبو الدوالي: من رغب في تذوق عذوبة المسيح فليجهد نفسه بممارسة الصلاة، فإنها تقرب إلى الله أكثر من جميع الأعمال، ففيها يتحد العقل بالله ويصبح شيبهاً بخالقه، ومقراً لمواهبه، وينبوعاً لأسراره، وبها (الصلاة) يفتح كنوز الله لأنه يصبح وكيله وموزع نفائسه، وبها يستحق رؤية مجده، والتغلغل في أشعة نور معرفته والخلود في سحائب الروح حيث يستولي عليه خشوع وسكون وفناء في أشعة النور المشرقة، وهذه هي حياة الروحانيين ولذاتهم.

 

الفصل السادس كيفية الصلاة العامة

كثيرون من البسطاء سواء من الرهبان أو من العلمانيين لا يميزون بين الصلاة العامة الضرورية لجميع المؤمنين وبين الصلاة الفرضية التي تؤدى بالتراتيل والترانيم والمزامير والألحان، لذلك يهملون الصلاة الضرورية (العامة) كأنها أمر تافه، ويعرضون عن الصلاة الفرضية بحجة أنها طويلة ومملة، وهكذا يقضون معظم حياتهم بدون صلاة، ويعيشون كالبهائم التي لا تعرف الصلاة.

وبما أن هذه الصلاة ليست بهذه الصعوبة ولا حاجة أن تؤدى بتزويق الكلمات

والتفنن بالألحان، بل يمكن تأديتها ببساطة وسهولة، ولا حجة للجاهل الذي يهملها، وتؤدى على النحو التالي:

يقف المصلي مكتف اليدين متجهاً نحو المشرق؛ جامعاً أفكاره من المشاغل الدنيوية بقدر الإمكان قائلاً: قدوس قدوس قدوس الرب القوي. ويحني رأسه وعنقه وظهره. ثم ينتصب ويرسم إشارة الصليب على وجهه، اعتباراً من بين عينيه إلى صدره، ومن الكتف الأيسر إلى الكتف الأيمن، ويردف: السماء والأرض مملوءتان من مجدك، المجد في الأعالي، (ويحني رأسه ثانية ويرسم إشارة الصليب على وجهه قائلاً: مبارك الذي أتى، والأتي باسم الرب، المجد في الأعالي) وينحني ثالثاً ويرسم إشارة الصليب على وجهه قائلاً: قدوس أنت يا الله     ….. إلخ. ويركع ثلاث مرات بحيث يصل رأسه إلى الأرض، وكلما انتصب ورسم إشارة الصليب على وجهه كالسابق مكرراً قوله: (قدوس أنت يا الله ….. إلخ). ثم ينتصب مردفاً(يا رب ارحمني، يا رب أشفق عليّ ورحمني، المجد لك يا رب، المجد لك يا رب، المجد لك يا رجائنا إلى الأبد). وينحني انحناءة واحدة بدون ركوع وعندما ينتصب يتلو الصلاة الربانية (أبانا الذي في السموات….إلخ)  وعند نهايتها ينحني ثانية طالباً من الله حاجته شريطة أن تكون صالحة لينالها. وهكذا تختم الصلاة العامة للمؤمنين، سواء إذا كانوا في البيت أم في الكنيسة أو في الطريق أو في رأس جبل أو في سفينة. وكل من كان صحيح الجسم ويمكنه تأديتها ولا يفعل يُدان مع غير المؤمنين في يوم الدين، ومن استطاع مضاعفة السجدات والانحناءات وفعل، يضاعف له الله الثواب. وأما الكهنة فيجب أن يؤدوا الصلاة الفرضية ثم هذه الصلاة.

 

الفصل السابع ليست الصلاة الطاهرة بالكلمات المصقولة

إن الكلمات المصقولة ليست فقط غير ممدوحة بل هي مرذولة وممقوتة، وقد علمتنا كلمة الله ذلك بقولها: (وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين فإنهم يضنون أنهم بكثرة كلامهم يُستجاب لهم، فلا تتشبهوا بهم لأن أباكم عالم بما تحتاجون إليه قبل أن تسألوا) (مت6: 7-8). ويقول الآباء العارفون: إن الصلاة الطاهرة إنما هي تسبحة قلبية وتأمل بالله وانشغاف به ( والذين هي هذه صلاتهم هم الذين يسجدون لله بالروح والحق، وإياهم يحب الرب، طبقاً لكلمة الحياة).

قال الفاضل أوغريس: اجتهد أن تجعل عقلك في الصلاة أصم لا ينطق، وهكذا

يمكنك أن تصلي. وقال مار اسحق: الصلاة ليست فلسفة وتعابير بل هي قلب صافي، وعقل متزن هادئ رائق متحرر من تأثيرات الحواس وحركتها وقال أيضاً: الصلاة الطاهرة هي صفاء العقل، نقاء القلب، هدوء الأفكار. خمود المشاعر، العجب بالعالم الجديد، تعزية مستمرة بمناجاة الله، والعقل المشترك مع الله عند تجلي أسراره وقال الفاضل يأوني رئيس الدير: لا تتفلسف بكلماتك في الصلاة، فإن غنة الأطفال المترجرجة البسيطة مرات كثيرة سرت أباهم الذي في السماء وعليه فإن الصلاة الحقة هي الصادرة بتعقل عن أفكار طاهرة مقدسة، وقد حددها الطوباوي بولس بقوله: (إني أصلي بقلبي وأصلي بضميري) ولذلك إذا رغب المصلي مضاعفة التقديسات الثلاثة يمكنه إضافة (يا رب ارحمني) أو ما يشابهها فإنه يصلي بالروح والحق. وإذا أختتم الصلاة يمكنه أيضاً التأمل بأقوال الآباء الملافنة وبعض الرجال الأفاضل.

 

الفصل الثامن أوقات الصلاة

في قوانين الرسل القديسين نجد ستة أوقات للصلاة، فقد ورد في القانون المنسوب إلى بولس قوله: أدِ الصلاة صباحاً لأن الله قد أناره، وفي الساعة الثالثة لأن فيها حُكم الرب، وفي السادسة لأن فيها صُلب، وفي التاسعة لأن الطبيعة فيها ارتجت كلها وتزعزعت، وفي المساء من أجل راحة الليل، وعند صياح الديك لأنها الساعة التي يُنتظر أن يأتي فيها الرب، والملافنة الثقات أضافوا عليها صلاة الستار (قبل النوم) لكي تكتمل آية داود القائلة : (سبع مرات سبحتك على أحكامك العادلة) والنساك يضيفون صلاة ثامنة، وقد دعوها صلاة الفجر وتؤدى في نهاية الساعة العاشرة من الليل (الفجر).

إن أبناء العالم الذين تحول مهامهم دون تأدية الصلوات السبع في أوقاتها المعينة، يجب أن يؤدوا الصلاة ثلاث مرات فقط، كما صرح أيضاً قلب الله داود (أما أنا فادعوا الله والله يخلصني، مساءً وصباحاً وظهراً) وقد ذُكر أن دانيال النبي كانت الكوة مفتوحة في حجرته نحو أورشليم وكان يركع على ركبتيه ويصلي ثلاثة مرات في اليوم معترفاً لله، كما كان يفعل في الماضي.

 

 

 

الفصل التاسع الاحتفال بالقداس ليس من واجبات النساك

لا نجد وصية في كتب الآباء تلزم المتوحدين النساك بالاحتفال بالقداس، ولكننا نسمع أنهم كانوا يتناولون الأسرار من قسيس الصوامع دون أن يصبح كل متوحد قسيساً لنفسه، ولم يكن يتناول الأسرار بذاته، ولا نجد في القوانين المجمعية إلزاماً على المتوحد بالاحتفال بالقداس، بل بالعكس نجده منعه من ذلك، فقد قال المطران يعقوب الرهاوي في قوانينه: (لا يسوغ للنساك العموديين أن يحتفلوا بالقداس على عواميدهم) وقال أيضاً: (لا يسوغ للحبساء أن يقدسوا إلا عند الضرورة) وعليه لا يسوغ أن يوضع لدى العمودي على عموده القربان الأقدس إذا يوجد من يناوله إياه، ومما يؤيد ذلك أن كلمات القداس نفسها لا تجيز الاحتفال بالقداس إلا في الكنسية، فيقول المقدس( السلام لجميعكم و” نعطي السلام بعضنا بعضاً” و”لك أحنى عبيدك أعناقهم” و” امضوا بسلام”) وغير ذلك، مما لا يصح قوله إلا أمام الجماعة.

إن في زماننا كثيرين من المتوحدين يهملون الأعمال الواجبة لنسكهم، فما بالهم يُقحمون نفوسهم بالقداس؟ فإن واجبهم هو فقط العبادة الفردية من أجل نفوسهم وليس من أجل العالم ولست أعلم سبباً لذلك غير فضول منحرف لعدم وجود مرشد حازم قولاً وفعلاً، ولو كان التقديس دالاً على التوبة لما منعته قوانين الكنيسة على الكهنة أيام الصيام الأربعيني عدا السبوت والأحاد، وخلاصة القول أن القداس هو ( فصح أو وليمة فرح) والذين يفرحون ويبتهجون هم وحدهم (يُفصحون) وليس ذلك للحزانى والمتألمين المنتظرين أرض الميعاد أي ملكوت السماء، والأصلح في هذا الباب هو أن يتناول الرهبان الذين في الدير الأسرار من مذبح الدير، وأما المتوحدون والحبساء فيجوز أن يخرجوا للتناول في الدير كل يوم أحد، وإن لم يستطيعوا الخروج فالقسيس المقدس يقدم لهم كما صرح الرهاوي نفسه، وبقية الآباء القديسين.

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني أعمال النسك وفيه عشرة فصول

الفصل الأول كلام الآباء في فضيلة الأعمال

قال الأب ففنوطيس: كما أن الحكام يقتلون الأشرار، كذلك تُقتل الشهوات المنحرفة، وكما يهرب العبيد الأشرار من مواليهم، كذلك تهرب الشهوات من الجهد في العمل، ومن الجهد تصدر الخيرات كما تصدر الشرور عن البطر. سأل أحد الإخوة الأب فومان قال: ماذا أفعل لثقل الكسل المستولي عليّ؟ أجاب الشيخ: للسفن الصغيرة والكبيرة مجاديف، فإذا لم تهب الريح المطلوبة لتسير السفينة فإن الملاحين يدفعونها بصدورهم ويوصلونها إلى البر، أو يدعونها تسير بهدوء تدريجي حتى يقض الله لها الريح اللازمة لدفعها إلى حيث يريدون. وعندما شعر الأب أنطونيوس بالسأم في البرية صلّى إلى الله وقال: يا ربي أريد أن أحيا وأفكاري تمنعني، فماذا أفعل في ضيقي؟ وكيف أنجو؟ فتراءى له ملاك يشبهه وهو جالس ينسج حصيرة، ووقف الملاك وصلّى، ثم جلس واستأنف العمل، ثم قام وصلّى، وسمعه أخيراً يقول له: يا أنطونيوس افعل هكذا فتحيا.

قال أحد الإخوة للأب ثيوردور الفرمي : مرت عليّ ثماني سنوات في الزهد ولم أجد راحة واحدة، فقال له الشيخ: إن لي سبعين سنة في الزهد ولم أجد راحة واحدة، أفتريد أنت الراحة في ثماني سنوات ؟

قال الأب ارسانيوس : اللُبنة الرطبة إذا وضعت في أساس إلى جانب نهر جار، فلن تقاوم ساعة واحدة ، فإذا أحرقت أصبحت مثل الحجرة.

خرج أحد الإخوة من ديره متنزهاً ترويحاً عن النفس فلقيه شيخ وقال له: يا بني، لا تطلب راحة في هذا العالم، بل عد وجاهد لئلا تغلب.

قال الأب أيسيدور: لما كنت صبياً لم يكن حد لأعمالي.

وقال الأب أوغريس: إذا كان الرسول بولس يقهر جسده ويذله، فلا تهمل أنت عملك أبداً.

وقال أيضاً: لا ينبغي أن نستسلم للراحة حتى تهبط علينا قوة من الأعالي، فتطهّر

قلبنا، على حد قول النبي: لا أعطي نوماً لعيني ولا وسناً لأجفاني حتى أجد مكاناً للرب ومسكناً لإله يعقوب.

وقال مار إسحق: إن بدء الأعمال جميعاً( على حد قول الآباء) هو عمل التمرد على الجسد فإنه يدفع بالإنسان دائماً إلى الأمام ويجعله يستعذب مرارة التمرد فيمتنع ذاتياً عن شهوة الإرادة.

وقال مار يأوني رئيس الدير: إننا بحاجة إلى جهد عظيم، نحن الذين نسعى للصعود إلى السماء، وخاصة عند بدء أعمال النسك.

 

الفصل الثاني تنوع الأعمال

شبه العقلاء الإنسان، بتاجر سائر في طريق وقالوا: إن مدى طريقه هو مدى حياته، وأسفاره أعوامه، وأبعاده شهوره، وأمياله أيامه، وخطواته أنفاسه، وأعماله رأس مال تجارته، وأتباعه لصوصه، واستصباحه بنور وجه خالقه رِبَاه، وبما أن الحياة قصيرة والعمل طويل، والطريق شاق، يجب على المبتدأ أن يسير في طريق الملكوت الضيق في أثر شيخ حكيم كالأعمى الذي يسير في طريق وعرة على ساحل بحر، يهوي إلى أعماق اللجج إذ لم يتبع أثار دليله، وما أجمل ما قيل: إن جميع الذين من مصر يتوقون إلى الخروج منها والهرب من فرعون، وهم بحاجة إلى (موسى) وسيطاً لدى الله ليهديهم إلى الأعمال الصالحة.

قال الأب أوغريس: إن عملك كناسك هو ألا تشبع لا خبزاً ولا ماء ولا نوماً، وتكون مستعداً ضد كل هوى بقوة وحكمة، واللجوء إلى الله وتستمر على القراءة والعبادة والصلاة، وممارسة كلمة الله وتذكره، وحينئذ تكون في منجاة من الأهواء، وترى في صلاتك عقلاً يتلألأ كالكواكب.

وقال الفاضل مار اسحق: إن المتوحد يتحاشى مقابلة الناس بتمرد عنيف ويستطيب الانفراد الدائم في الصومعة، ويخضع أنانيته فيحفظ قوانين الآباء وفرائض الصومعة. وهي أوقات العبادة السبعة المحددة، والتأمل المتعقل، واللهج بالروحيات، وحفظ القلب، وسهر الليالي والحرص الشديد على قلبه أثناء سهره في الصومعة، ولا يستضيف الأفكار المنحرفة، والذكريات الباطلة، ويجاهد صوّاماً قواماً ولا يستهين بالأعمال اليدوية التي تربطنا بالصومعة، وتبعد عنا السأم والتواني وما إليهما، وقد تحدثنا عن الصلاة في الباب الماضي بقدر إمكاننا، وبقدر إمكاننا أيضاً هنا نتحدث عن الأعمال.

 

الفصل الثالث في الطلبة

مارس العارفون طلبات وابتهالات كثيرة نورد بعضها هنا كما يأتي:

(طلبة) أيها الخالق المبدع، سد فم المارد بقوتك العظيمة القاهرة، لئلا يتكلم على نفوس عبيدك افتراء، عليك وعليهم، وارفع عقولهم إلى علياء معرفتك لئلا تهب عليها رياح السموم.

(طلبة) أيها الصالح الكريم، يا من تتغاضى بعطفك عن آثامنا، افعم قلوبنا بوداعتك وهداك واضرمها بحب أكيد لا يخمده المارد الأثيم.

(طلبة) أيها المسيح يا شعاع الأب، يا من بك تستنير عيون الحكماء فيبصرون فيك أباك، أشرق نورك في عقول طالبيك، فينظروا أسرارك الكامنة في أعماق حكمتك، مما لا يقع تحت التصور والتفكير آمين.

(طلبة) يا ربنا يسوع المسيح، يا من أرسلتك رحمتك إلى عالمنا، لفداء جنسنا، أشرق نورك في نفوس طالبيك ليسيروا بهدى إشراقك فيبلغوا ميناء مجدك، ويسعدوا بجمالك، مع خدامك الأمناء ويستمدوا الحياة من أعماق أبيك إلى اللانهاية أمين.

(طلبة) الحمد لك أيها الكوكب الساطع اللألأ ، يا من تشرق في القلب النقي، وتتراءى في القلب الوضيئ، أنر نفسي بأنوارك، واسبحن بحمد جلالك، وأذيعن في الكون عجائب جمالك، وقد ظننت أني وجدتك في أعماقي، أجل رأيتك متجلياً كلك في كل آفاقي، أنت كامل لا تتجزأ، وتام لا تنقسم، لا نهاية لك، ولا تنتقل من حالة لأخرى.

(طلبة) الحمد لك أيها المسيح، يا بارع الجمال، يا صورة الأب غير المتنقلة إلى صورة أخرى، يا من تتراءى للناظرين بحسب طاقاتهم، ولكنك لن تتبدل، ولن تتغير، فأنت لا تتغير بتغير الأفكار، ومثل أبيك لا تتبدل.

(طلبة) أنت أيها المسيح، يا جمال الأب، يا من بك فُتحت لنا أسرار أبيك، وكانت مكنونة فيك منذ الأزل، بك ندخل هيكل نفوسنا، وبك نراك يا كنز الحياة المخفي، ومنك نتناول بشوق يا شجرة الحياة، يا من غرس نفسه بحبه في فردوسنا الناطق، فلتصلنا عذوبتك وليشغلنا جمال منظرك عن رؤية شجرة معرفة الخير والشر وعن معرفتها والتناول منها.

(طلبة) الحمد لحبك يا إلهنا، لحنانك السجود لا يا رئيفاً بالعباد، إننا افتقرنا بما لدينا، فلننالن الغنى من لدنك، الحمد للشعاع الذي أشرق منك فأحالنا نحن المظلمين إلى ساطعين، لك العظمة يا حياة تفجرت لنا من أعماقك، يا من أجريت فينا مياه الحياة، وقد كنا ينابيع للرذائل والموبقات، فأحييت فينا الأموات المستترة في ذواتنا.

 

الفصل الرابع قوانين الطلبة

يجب على من يمارس الطلبة أن يتقيد بعشرة قوانين:

الأول : أن يكثر الطلبة بلجاجة، في الأيام المقدسة المعروفة، كالأصوام والأعياد الحافلة،

والآحاد، وخاصة في الأوقات الرهيبة واللحظات المهيبة إبان ارتفاع الأسرار الإلهية المحيية، عندما تكون الجموع قد رفعت الأيدي إلى السماء طالبة الرحمة، وعند بزوغ الشمس حيث تكون أبواب السماء مفتوحة والصلوات تسمع (على حد تعبير الكاملين).

الثاني : أن يقدم الطلبات التي تفيدنا في الحياة الباقية وليس في هذه الفانية، طبقاً لقول الرب ” تطلبون ولا تنالون لأنكم شراً تطلبون”.

الثالث : أن يتجه نحو المشرق، في الصلاة، باسطاً يديه، فلا يرفع عينيه إلى السماء بل يخفضها إلى الأرض خجلاً متهيباً.

الرابع : ألا يرفع صوته في الدعاء لأن ربه ليس بعيداً عنه، لكنه قريب يسمعه.

الخامس : ألا يتخطر أخطاء أقرانه، ولا يتفاخر بفضائله، فيتشبه بالفريسي المتعجرف الذي صلى قائلاً: ” إني لست مثل بقية الناس الخطفة الفجار، أصوم يومين في الأسبوع، وأعشر كل أموالي”.

السادس : ألا يهتم بالكلام المصقول ولا يبتكر من فكره كلمات الدعاء، لأنه كثيراً ما يطلب ما ليس لديه، بل يردد الصلوات التي قالها الآباء، وتكفيه الكلمة البسيطة “اللهم ارحمني أنا الخاطئ” لأن ربه يعرف ما يحتاجه، ويمنحه ما لا يخطر في باله أن يطلبه، وعندي، أن أي “عارف” لا يحتاج إلى أكثر من هذه الصلاة (ربي … اجعلني مستحقاً لسماع ذلك الصوت القائل: تعال يا مبارك أبي رث الملكوت) والتائب يكفيه أن يقول: “ارحمني يوم الدين يا يسوع العطوف، رحمتك للص والفريسي والخاطئة”.

السابع : أن يؤمن بنوال رغبته، لأن ربه رب رحيم ومشفق، ويُجيب من يدعوه بقلب خاشع، فقد قال: (اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم).

الثامن : أن يواظب على الدعاء، فإن ربه سيجيبه أن لم يكن من أجل الصداقة فمن أجل اللجاجة، ويمنحه كل ما هو يطلبه.

التاسع : أن يفتتح دعاءه بتمجيد الله قائلاً: (المجد للآب والابن والروح القدس ) ثم يشرع في الصلاة.

العاشر : أن يسامح جميع الذين أخطؤوا إليه، ثم يطلب أن يغفر له، كما يعلمنا الإنجيل بقوله (إذا غفرتم للناس زلاتهم فأبوكم السماوي يغفر لكم) وواضح أن هذا القانون الأخير هو مفتاح الصلوات، والوسيط الفعال في الاستجابة.

 

الفصل الخامس ذكر الله

إني أرغب أن يكون ذكر الله مؤلفاً من عشر جمل من تسبيحتيي أولاد حننيا الثلاثة، الست الأولى من التسبحة (مبارك أنت) والأربع الباقية من تسبحة (باركوا) فالأول (مبارك أنت يا الله إله آبائنا) والثانية (مبارك اسم عظمتك القدوس) والثالثة (مبارك أنت يا ملك الملوك ورب الأرباب) والرابعة (مبارك أنت الجالس على الكرويم وتنظر اللجج) والخامسة (مبارك أنت يا من لك كل سلطان في الأرض والسماء) والسادسة (مبارك أنت في قدس أقداس وقارك) وفي نهاية كل جملة من الجمل الست يضيف قوله (جليل أنت وعظيم إلى الأبد) والسابعة (باركي يا جميع أعمال الرب للرب) والثامنة (باركي أيتها السماء ويا ملائكة الرب للرب) والتاسعة (باركي أيتها الأرض والجبال والأكام للرب) والعاشرة (باركي أيتها الشمس والقمر وكواكب السماء للرب) وفي نهاية كل جملة من هذه الجمل الأربع يردف قوله: سبحيه وعظميه للأبد.

ويجب تكرار هذه الجمل العشر وتردادها طبقاً للمكان والزمان، فالحد الأدنى لتردادها ثلاث مرات، والحد الأوسط سبع، والحد الأعلى سبعون مرة.

إن الأمور المعطلة لذكر الله (وذكر الله متعة العقل وسعادته) على حد قول الآباء هي: الأخذ والعطاء، ولقاء الأصدقاء، والانهماك بالأعمال البشرية، والغنى الذي يفوق الحاجة. والأمور المشجعة له هي: التغرب، والزهد الكامل، فيكفي للناسك أن يملك كوخاً وغطاءً وقميصاً وإنجيلاً.

 

 

الفصل السادس القراءة

يقول شيخ بلغ الكمال (في فضائل قراءة الكتب المقدسة وفوائدها الكثيرة) إني رأيت مرة في أحد الأديار أخاً يقرأ الكتاب المقدس، فهاجم إبليس صومعته، يريد الدخول، ولكنه كان يخيب كل مرة يراه مستمراً في القراءة، وأردف قوله: ولما انقطع الأخ عن القراءة تمكن إبليس من الدخول، فليست له قوة أن يقتحم الذين يناجون الله، فقراءة الكتب المقدسة ترهب الأبالسة فلا تدنو ممن يمارسها.

وقال مار إسحق: أكد للنفس أن قراءة الكتب المقدسة تظهر جلال طريق الحياة وأخبار القديسين. وأنت وإن كنت لا تشعر باللذة الروحية في بادئ الأمر، وأنت متأثر بظلمات الحياة المشوشة الناتجة عن الإغراق في الأمور المنحرفة، إلا أنك إذا نهضت للصلاة والعبادة ارتسمت في خاطرك الصورة الكتابية عوضاً عن الآمال الفانية، وهكذا يتنقى العقل. ويفرض بعض المرشدين على المتوحد قراءة سبعة فصول يومياً من العهد الجديد، فصلاً من الإنجيل، وفصلاً من أعمال الرسل، وفصلاً من الرسائل الجامعة، وفصلاً من رسائل بولس. ويشير غيرهم بقراءة سبعة فصول متوالية من العهد الجديد، وينصح غيرهم بقراءة أكثر من ذلك أو أقل، لكل بحسب مقدرته.

إن الضعفاء يقرؤون وهم جالسون، والأقوياء يقرؤون قياماً، وغيرهم يقرؤون وهم مستندون على عصيهم، ومهما كان الأمر، فإن الكتاب يوضع أمامهم على منصة ويجب على المتوحد أن يقرأ أيضاً كتاب الفردوس(فردوس الرهبان) ومطالع المعرفة الروحية، والكتب التي تعلم طرق الزهادة، ومن كان أمياً فليستغن عن القراءة متأملاً بأعمال الله، كما روى الأب أوغريس عن الأب أنطونيوس إذ قال له أحد الفضلاء ( كيف تبصر وأنت محروم من قراءة الكتب وعزائها؟ فأجاب الأب أنطونيوس: أن كتبي أيها الحكيم هي هذه الطبيعة القريبة إليّ، فكلما رغبت بقراءة كتاب الله الكبير، تأملت أعماله العجيبة، فإنها تحمل الإنسان على اللهج بعظمة الله ومخلوقاته.

الفصل السابع في التأمل

إن العارفين يفهمون التأمل كموضوع ذي نوعين، الأول: تأمل الإنسان بآثامه، وإحصاء نقائصه. والنظر إلى زلاته، وقد اتفق الآباء إن فائدة هذا التأمل عظيمة، قال أحد الشيوخ: ما لم يهدم الإنسان كيانه، لا يمكنه بناء نفسه، وقال آخر: كلما تمكنت من إدراك نفسي بأني أخطأت، فلن أعود إلى الزلل، وقال الأب أنطونيوس: إن قوة الإنسان العظمى هي أن يضع الإنسان تبعية المعصية على نفسه أمام الله، وقال الأب فومان: إن رفعنا الشكوى ضد ذواتنا، تُحفظ فينا جميع الفضائل متناغمة، وقد قال الرسول بولس: إذا نحن دُنّا أنفسنا فلن يُديننا أحد، وقال عظيم العارفين أوغريس: إن أعظم قاض العارف ضميره، فلا يمكنه إخفاء شيء عنه حتى خفايا قلبه.

والنوع الثاني: أن يتأمل الإنسان تارة بفيض رحمة الله الغزيرة، ونعمه عليه، وهكذا يتفجر الحمد من قلبه، قال الفاضل مار اسحق: إن بدء أعمال الفكر هو التأمل الدائم بمواعيد الله، وبروعة مباهج العالم الجديد، وهو حريص على اكتساب الفضائل مجاهداً في سبيل البر، متصوراً كأن نفس الإنسان خالدة في عالم روحي فسيح، مناجي ملائكة النور، ونفوس الصالحين الكاملين، فيزول عنه الضجر والحزن، ويسوده الأمان والسرور والعزاء، ويبلغ إلى التأمل بأعمال الله الباهرة.

 

الفصل الثامن تقسيم أوقات الصلاة

إذا كانت رؤية الله تنيل الحياة الحقّة، فعدم رؤيته تنتج الموت، وعلى ذلك فإن العارفين الحقيقيين لا يتنفسون نفساً واحداً، إلا ما يقربهم إلى الله، فيرسمون على ألواح قلوبهم سبيل سلوكهم، ويمنطقون أحقائهم بالهمة العليا، ويبتعدون عن كل لحظة تجعلهم غرباء (عن الله) ويحرصون حرصاً شديداً على تأدية صلوات الليل والنهار الثماني، ويقسمونها إلى أربع نهاراً، وأربع ليلاً، ويعطون لكل عمل متطلباته الخاصة. فالوقت الواحد من النهار يبدأ بشروق الشمس، إلى الساعة الثالثة ، وفي مطلع هذا الوقت تؤدى صلاة الصبح، وفي نهايته صلاة الثالثة، والوقت الذي بينهما يهتم المبتدئ براحة القريب، كزيارة المرضى، وخدمة الضعفاء، وتلبية حاجاتهم، ومن لا يمكنه ذلك يستمر مصلياً متأملاً مواظباً على القراءة والدرس. والوقت الثاني من النهار، وهو في بدء الساعة الرابعة، (صباحاً) حتى نهاية الساعة السادسة، وفي هذه الفترة يمارس النساك أعمالهم اليدوية طبقاً لحاجات النهار، ويؤدون في نهايتها صلاة الساعة السادسة (ظهراً) وإن لم توجد لديهم أعمال يدوية يمارسون الأعمال النفسية الأربعة المشار إليها أنفاً، وإني أنصح المبتدئ أن ينام بعد هذه الصلاة وذلك لسببين، الأول: غفوة صغيرة في النهار تجلو ثقل نوم الليل، وتعين على السهر الذي به تضيء العين، والثاني :لأن في هذه الفترة، يعلن شيطان الكسل الحرب على الناسك، كما ذكر الشيوخ آباؤنا، حيث يظهر للناسك أن الشمس لا تتحرك في هذه الفترة، أو هي بالكاد تتحرك، ويحمله على النظر من الكوى باستمرار ويضطر أحياناً إلى أن يخرج من صومعته ويترصد السماء، ويثير في نفسه الحقد على صومعته، وعلى الأعمال اليدوية، مصوراً أمام عينيه، الحياة مملة، وأعمال الزهد قاسية، ففي غفوة قصيرة ينجو الناسك من هذه الحرب.

الوقت الثالث من النهار، وهو في بدء الساعة الرابعة، حتى نهاية التاسعة وفي هذه الفترة ينهمك الناسك بالأعمال الأربعة، الدعاء، والتأمل والقراءة والدرس وفي نهايتها يؤدون صلاة التاسعة، وفي هذه الفترة يمقت الشيوخ النوم ويمنعون عنه الذين ناموا قبل الظهر.

الوقت الرابع من النهار: وهو من بدء الساعة العاشرة حتى غروب الشمس، وفي هذه الفترة، أي قبل صلاة النوم، يجب على الناسك ممارسة النوع الأول فقط من التأمل، لأن فترة من حياته تمضي، ولذلك ليحاسب نفسه، ليرى ماذا ربح أو ماذا خسر، وإذا كان رابحاً، ليشكر الله، الذي ساعده، وإلا ليجتهد أن يعوض بربح الليل ما خسره في النهار، وفي نهاية هذه الفترة تؤدى صلاة المساء.

الوقت الأول من الليل: وهو من غروب الشمس حتى نهاية الساعة الثانية من الليل، وفي وسط هذه الفترة ليمارس الناسك ثلاثة أنواع من العمل، الدعاء، والاستذكار، والدرس ما عدا القراءة، وفي نهايتها يؤدي صلاة الستار(النوم).

الوقت الثاني من الليل: وهو من بدء الساعة الثالثة من الليل، حتى نهاية الساعة السادسة، وفي وسط هذه الفترة ليرح النساك أجسادهم بغفوة قصيرة،لأن الراحة الجزئية للجسد ضرورية لعمل النفس الكلي، كما سيأتي وفي نهاية هذه الفترة يؤدي صلاة نصف الليل.

الوقت الثالث من الليل: وهو من الساعة السابعة حتى نهاية العاشرة، وفي خلال هذه الفترة لينم المبتدئون، وفي نهايتها يؤدون صلاة الفجر العميق.

الوقت الرابع من الليل: هو من بدء الساعة الحادية عشرة حتى شروق الشمس، وفي هذه الفترة لا ينام الناسك بل يستمر متأملاً يقظ الفكر مضاعفاً اللهج حتى شروق الشمس، وإذا غلبه النعاس ليختطف منه غفوة وهو جالس ولا يضطجع.

 

 

 

الفصل التاسع الركوع ، وعدم تحميل الجسد أكثر من طاقته

إن قانون الركوع يحدد ثلاث ركعات لكل وقت من أوقات الصلاة، والنساك لا يكتفون بذلك فيؤدي بعضهم أربعين ركعة في الليلة الواحدة، أي بعد صلاة الصباح وصلاة النوم، وبعضهم يزيد على ذلك، وفي كل من صلاتي الظهر ونصف الليل يؤدون أربعين ركعة، وهكذا في الليل والنهار يؤدون مئتين وثمانين ركعة، وفي الوقت الرابع والأخير من الليل لا يضطرون أن يركعوا لئلا يعذبوا الجسد فوق طاقته، ولذلك يجب أيضاً أن يرتاحوا أثناء فترتي الراحة الليليتين، أعني الثانية والثالثة، ضعف ما يفعلون في فترات نهاية الليل، أي أثناء الوقت الرابع، وقد قال بهذا الشأن سيد العارفين أوغريس: إن حكمة القلب هي أن أحمّل الجسد ما يمكن تحمله من الأتعاب لئلا يخور فتخور معه النفس. وقال أيضاً: في الأوقات التي لا نستطيع تأدية خدمتنا العادية، يعرف الأبالسة ذلك يثيروننا ويزينون لنا أن نقوم بما لا نقوى على عمله، ويحرضوننا على أن نمارس نسكنا بضعفنا، ويحملوننا على النهوض والترتيل وأجسامنا ثقيلة.

وقال مار إسحق: إذا شعرت بإعياء من أعمال التوبة أو من القراءة والصلاة وما إليها، فلا تضايق نفسك باطلاً بل دع قربانك على المذبح واذهب وصالح أخاك وحينئذ قدم قربانك (بدون اضطراب)، فإن لم تعمل ذلك فلا تتميز عمن يستقي ماء ويصبه في حوض مثقوب، كما سلمنا الآباء، أقل (اذهب وصالح أخاك) أي هدئ من روع جسدك، وأرحه من ضيقاته، لأن النفس والجسد أخوان توءَمان وجِدا سويّة وحينئذ قدم أعمالك التي هي قربانك، فلن ينجح العمل الجسدي بدون جهاد نفسي.

ويعلم الأب أنطونيوس: إن كثيرين عملوا أعمالاً عظيمة، ولأنهم لم يعملوا بتعقل فلم يدركوا طريق الله ولم يبلغوا ميناء القدوس.

وقال الأب أوغريس: إن الكمال لا ينال في الأعمال الجسدية فحسب، بل بالجهاد الفكري، والنضال السليم تضفر الأكاليل. وقال أيضاً: نوّع الجهاد الروحي لتفهم أن تعبد بالعقل والجسد. وقال أيضاً: هناك من يظن أنه بأعماله الجسدية المضنية التي يقوم بها أنه قد بلغ الكمال، وقد اشتهر، بينما جروح نفسه كثيرة.

 

 

 

الفصل العاشر الأوقات تختلف باختلاف المهام

إن كان مسافر سائراً في طريق الملكوت فلا بد أن يتقلد إحدى المهام الست الآتية، فإما أن يكون عاملاً أو مدبراً أو طالباً أو معلماً، أو ناسكاً، أو كاملاً.والعالم العلماني لا بد أن يكون ذا امرأة وأولاد، وأقارب يحتاجونه، ومثل هذا يكفي أن يؤدي الصلاة ثلاث مرات، صباحاً وظهراً ومساءً، وفي بقية الأوقات يمارس أعماله العادية، ليسد رمق أهله، وهذا وإن كانت يداه تشتغلان لا يهمل التأمل والاستذكار. والمدبر للآخرين، المفروض عليه أن يؤدي الصلاة خمسَ مرات، صباحاً وفي الساعة الثالثة، والسادسة والتاسعة والمساء، وفي بقية الفترات التي تتخللها ليهتم بأمور مرؤوسيه، ويتفرغ لتصريفها، وحل المشكلات، وما لا يمكنه عمله في النهار بداعي الصلوات النهارية، والقراءة والاستذكار والتأمل، ليكمله في الليل بالإضافة إلى صلوات الليل المعينة، الستار(صلاة النوم) ونصف الليل والفجر.

والطالب أو المتعلم، يجب أن يؤدي فقط الصلوات الفرضية، وعوض أعمال الزهد، ليواظب على التعلم ومطالعة الكتب وتفهم معانيها، وكتابة ما يحتاجه.

والمعلم أيضاً، ليؤدِ الصلوات الفرضية كلها، ففي الوقت الأول من النهار أي منذ الصباح حتى الساعة الثالثة، ليدرّس الطلاب ويرشدهم، ومنذ الساعة الثالثة حتى التاسعة، ليطالع الكتب، وإذا أمكنه تأليف الكتب وتفسيرها فليفعل، ومنذ التاسعة حتى صلاة المساء ليعلم أيضاً الطلاب، ويرشدهم، ومن بعد صلاة المساء حتى صلاة النوم ليمارس الدعاء والاستذكار والتأمل، وأعرف معلماً فاضلاً كان يقسم ليله ثلاثة أقسام، الأول لقراءة الكتب والاستزادة من المعرفة. والثاني للصلاة، والقسم الثالث والأخير للنوم . والناسك أو الراهب المتوحد، ليؤدي الصلوات الثماني المشار إليها سابقاً، وبعض النساك من يقضي أوقاته كلها بالصلاة، وبعضهم من لا ينقطع عن الترتيل، وبعضهم يواصل التأمل، وبعضهم لا ينقطع عن الاستذكار وذرف الدموع، وبما أن الاستمرار المتواصل على عمل واحد معين يولّد السأم فينقلب إلى الكره، يفيد كثيراً أن يمارس الناسك أعمالاً متنوعة لئلا يصيبه السأم من الاستمرار بعمل واحد معين.والكامل هو العارف حقاً، من أنهى سعيه وبلغ جبل الله، واتحد بالروح القدس مع تلك الصورة الحقيقية حيث تمحو الوحدة كثرة الأعداد، التسامي عن الانحراف، كمال التربية البنويّة، معرفة الله بقوة، الملكوت الهادئ المسالم، فمن بلغ هذه الدرجة العليا، كما يقولون، لا يشعر بتعاقب الزمن.

الباب الثالث السهر والنوم وفيه خمسة فصول

 

الفصل الأول أقوال الآباء في السهر

دعا الأب ارسانيوس يوماً الأبوين ألكسندر وزأويلا وقال لهما: امكثا معي هذه الليلة فإن الأبالسة تحاول الإجهاز عليّ في النوم، فاسهرا معي واحرساني، ولما كانا جالسين الواحد عن يمينه والآخر عن شماله ناما، ثم استيقظا، ولم يلحظاه ينعس مطلقاً، ولما أخذ الفجر يلوح شعرا أن ثلاث مرات ثقل تنفسه، فنهض وقال لهما هل نعست؟ قالا: لا نعلم أيها الأب فقد غفونا.

طلب الأب باخوم إلى الله أن يبعد عنه النعاس، لأن ليالي كثيرة كانت تهاجمه الشياطين، ذلك لكي يكون مستعداً للدفاع عن نفسه متمثلاً بأية المزامير (لا أعود حتى أفنيهم) فمنحت له هذه النعمة لنقاء قلبه، وقتاً معيناً، وكان كأنه يرى الله الذي لا يرى في مرآة.

حدّث الأب دانيال عن الأب أرساينوس قال: إنه كان يقضي الليل كله ساهراً، ولما كان يضطر حوالي الفجر أن يستجيب للطبيعة بشيء من الراحة كان يثور على النوم قائلاً: اذهب أيها العبد الشرير. وكان يستسلم للنعاس قليلاً وهو جالس، وكان ينهض حالاً، وكان الأب أرسانيوس يقول: إن المتوحد تكفيه ساعة واحدة للنوم إذا كان شجاعاً.

حدث الأب أيسيدورا عن نفسه قائلاً: أجهدت نفسي أربعين سنة بالسهر الطويل والنوم اليسير. حتى أني قضيت أربعين ليلة لم أذق فيها النوم.

كان أحد تلاميذ الأب أمون يقول عنه: خرج الشيخ في إحدى الليالي فوجدني نائماً، أمام الصومعة، فوقف يرمقنى ناحباً باكياً وقال: أين تفكير هذا الأب يا ترى؟ إنه ينام بدون حساب؟.

 

 

 

 

الفصل الثاني الأسباب المساعدة للسهر

ثمانياً أسباب تجعل السهر هيناً، أربعة ظاهرة وأربعة خفية:

الأول : الأسباب الظاهرة وهي قلة الطعام ، لأن من يكثر الطعام يكثر من شرب الماء، ومن كان كذلك يكثر أيضاً نومه، ويصعب عليه السهر.

الثاني : ألا يتعب نفسه كثيراً أثناء النهار، لأن التعب الشديد هو سبب مباشر لاجتذاب النوم.

الثالث : أن ينام قليلاً وقت الظهيرة، فذلك يساعد كثيراً على السهر.

الرابع : يجب أن يصلي الأخ الناعس مع جماعة الرهبان، فذلك كما يقول الأب يأوني رئيس الدير، في مثل هذه الحالة لا نستطيع النوم خجلاً، فتتحرر من وطأة النوم، فمن يصلي مع الإخوة لا يجب أن يحجم عن التراتيل.

وهذه هي الأسباب الأربعة الظاهرة، أما الأسباب الخفية فهي:

الأول : نقاء الضمير من الغضب والحقد، من كان حاقداً على قريبه يشبه السكران فيستغرق في النوم مثله.

الثاني : الخوف والرهبة من فكرة الديان والدينونة، فمن تأمل وقوفه أمام العرش الرهيب، يقفّ شعره ويطير النوم من جفونه، وكأن المرتل يقول: وقفّ جسدي من أحكامك واعتراني الخوف ويقال أيضاً: إن التفكير بالويلات المحفوظة للخطأة وصرير الأسنان يخطف النوم من العيون، فالذي بلغه خبر النار التي لا تنطفئ كيف ينام؟.

الثالث : ليعرف الإنسان مضار النوم وفوائد السهر من تعاليم الثقات، الذين يقولون أن العين الساهرة تنقي العقل والنوم الكثير يشوّش النفس. ويقولون أيضاً: إن النوم قرين السقوط.

الرابع : محبة الله وهو أسمى جميع الأسباب الماضية، فإن الحب يطرد النوم من العيون، يؤيد ذلك أي نوع من أنواع الحب البشري، والتجربة تؤيد أن المحب إنما يلهج بذكرى من يحب الليل كله، سواء كان شخصاً معيناً أم فكرة منحرفة، أم غير ذلك، وسأل أحد العارفين: كيف أنت مع ليلك؟ أجاب: يظهر لي قليلاً ثم يغيب ولا يمكث معي طويلاً حتى أتمتع به، فحالما يدخل يؤذن بالخروج، قال ذلك واصفاً العزاء العظيم الذي يشعر به أثناء سهره في الليل والراحة من مشاغل النهار.

 

الفصل الثالث طبقات الساهرين

إذا كان النوم صورة للموت، طبقاً لما تؤيده الطبيعة، فاليقظة رمز الحياة ولذلك يجهد العارف نفسه بأن يحيي موته الليلي باليقظة، وهكذا نجد الذين يحيون الليالي يقظين سبع طبقات:

الأولى: وهي أسمى الطبقات، طبقة العارفين الذين يحيون الليل كله، وفي بسمة الفجر يأخذون شيئاً من الراحة، استجابة لشريعة الطبيعة، وقيل عن الأب أرساينوس: إن مساء السبت ليلة الأحد، كان يدع الشمس تغيب من ورائه، ويرفع يديه إلى السماء مصلياً، حتى تشرق الشمس في وجهه، وعندئذ كان يعطي شيئاً من النوم لعينيه.

الثانية: طبقة الذين يحيون نصف الليل ساهرين، ونصفه الآخر ينامون، والأجدر بهم أن يناموا الثلث الأول والسدس الأخير من الليل، وهكذا يتم لهم النصف.

الثالثة: طبقة الذين يحيون ثلث الليل، والأجدر بهؤلاء أن يناموا النصف الأول والسدس الأخير من الليل، وهكذا يتم لهم الثلث المطلوب، ويظهر أن داود النبي كان يسهر وينام على هذا النمط، كما يدل قوله: في منتصف الليل نهضت لأشكرك على أحكامك.

الرابعة: طبقة الذين يمكنهم إحياء سدس الليل أو خمسه، والأجدر بهم أن يحيوا النصف الثاني من الليل.

الخامسة: طبقة الذين لا يعدون الساعات ولا يحددون الأوقات، لكنهم يسهرون أول الليل حتى يغلبهم النعاس، فيناموا وكلما استيقظوا نهضوا، حتى ينعسوا مرة أخرى فينامون، ثم ينهضون، وأغلب المتوحدين الذين لا يسكون في الديورة يمارسون هذه الطريقة.

السادسة: طبقة الذين يستيقظون للصلاة في منتصف الليل، وبقدر مدة الصلاة فقط يسهرون، وينامون بقية الليل. وهم أغلبية الأكليروس في الغرب.(سوريا وآسيا الصغرى).

السابعة: طبقة الذين يستيقظون للصلاة منذ الفجر العميق، كما يفعل سائر الأكليريكيين في المشرق، بالإضافة إلى بعض الفضلاء من الشمامسة والعلمانيين.

وخلاصة القول أن كل إنسان عاقل يمكنه اختيار إحدى الدرجات، ويرفع من درجة إلى درجة أسمى، فيقتدي باليقظين وخاصة ليالي الآحاد والأعياد الكبرى والسبت العظيم من أسبوع آلام الرب

الفصل الرابع قوانين النوم

النوم، عند العارفين، إذا سار ضمن نظامه الطبيعي يعتبر زهداً، قال أحد الفضلاء: إن نوم العارف أفضل من صلاة الكسول، وقال آخر: إن العارف ينام ونفسه لا تنام عن التسبيح، وهذه الجملة فسرها يأونّي رئيس الدير بقوله: النفس التي تبهج بكلمة الرب وهي يقظة، فإنها قادرة إن تهدس بها أثناء النوم، لأن واجب النوم يكون طبقاً لقوانين مفيدة، مما يجب عرضه هنا ويجعل بعشرة قوانين يجدر بالعاقل حفظها وهي:

الأول : أن يصلي صلاة النوم ثم ينام.

الثاني : أن يكون مستعداً تمام الاستعداد للعودة إلى العمل الروحي فور استيقاظه وهو الاستذكار والتأمل والصلاة والدعاء.

الثالث : ألا ينام من قطع على نفسه عهداً إلا وعده في خاطره، لأن يوم الرب يأتي كلص، فيدركه الأجل في ساعة لا يعرفها.

الرابع : أن يتوب عن آثامه، ولأن كان قد اغتصب شيئاً لأحدٍ، يعيد له ما اغتصبه منه، وينقي ضميره، من الحقد والحسد والشر، ولهذا السبب وضع ملافنة الكنيسة صلاة الستار(النوم).

الخامس : ألا ينام على سرير أو على فراش ناعم، فكثيرون من الكاملين ليس بينهم وبين الأرض حتى ولا حصيرة، إذ يقولون لجسدهم إنك تراب وإلى التراب تعود.

السادس : ألا ينام إلا إذا غلبه النعاس، ولا يجتلب نومه قسراً، فإن الكاملين إذا غلبهم النعاس يتدلى بعضهم في حبل. وكان الأب سوسايس يتعلق في صخرة على جرف عالً، خوف أن يغلبه النعاس، حتى كان يأتي ملاك الرب فيرفعه من هناك، وأمره مرة ألا يعود إلى ذلك ولا يسلم غيره ذلك كتقليد، وكان بعد ذلك يعلّم تلاميذه ويقول: لا تناموا حتى تنعسوا، ولا تأكلوا حتى تجوعوا، ولا تتكلموا حتى تسألوا.

السابع : أن يسند ظهره إلى جدار، وينام وهو جالس، ويداه وركبتاه على صدره، ورأسه مسند عليهما، وهذه طريقة الكاملين في نومهم، إذ يخطفون شيئاً من النوم، ومن لا يمكنه ذلك، لينم مضطجعاً على جنبه، وركبتاه ويداه أيضاً على صدره، وبعضهم من ينام على ظهره ووجهه نحو المشرق، وحصر أحد الحكماء النوم بأربعة أشكال: نوم الأنبياء: على الظهر لتلقي الوحي، ونوم النساك: على الجنب الأيمن، ونوم الملوك: على الجنب الأيسر، لهضم الطعام، ونوم الأبالسة: على وجوههم.

الثامن : أن يغفر للمسيئين إليه، ويسامح جميع المذنبين عليه، ويصلي من أجل أعدائه، ويثق أن إبليس هو الذي حملهم على بغضائه وليس ذلك منهم.

التاسع : أن يتأكد إن رغب في النوم، إن النوم شبيه بالموت، واليقظة شبيه بالقيامة، وكما أن ملامح النوم تشبه أشكال هذا العالم وأعماله، كذلك ملامح اليقظة تشبه تماماً ملامح العالم الجديد وأعماله، وقال أحد الفضلاء : إذا كنت تشك في الموت فلا تنم ، وإذ كنت ترتاب في القيامة فلا تستيقظ، فكما تنام ثم تستيقظ بعد نومك، هكذا ستستيقظ بعد موتك.

العاشر : أن يعمل أعمال الروح فور يقظته، أي ليُصلي إذا كان وقت الصلاة، وألا يمضي في الاستذكار والتأمل.

 

الفصل الخامس ما يحدث في الأحلام

قال أوغريس (عمدة العارفين) إذا حاربنا الأبالسة في غفلات الليل، يصورون لنا الأصدقاء والأقارب، ومظاهر الأهواء ومسبباتها، فإذا كنا مصابين بهذا المرض فإن وطأته تشتد علينا، وإذا ثار الحقد فينا فإنهم (الأبالسة) يظهرون لنا كأننا نسير في طريق وعرة رهيبة، يهاجمنا فيها مسلحون أو وحوش مفترسة أو أفاع خبيثة. وقال أيضاً إن الحركات الطبيعة التي تحدث في الأحلام دون صور أو أشكال، فإنها دلائل صحة النفس، وإذا ظهرت الصور والأشكال في الأحلام فإنها دلائل المرض، والوجوه التي تتراءى لنا وهي غير معروفة لدينا فإنها دلائل هوى قديم، والمعروفة دلائل هوى جديد في النفس.

وقال أيضاً: عدم الميل هو صحة النفس، وعلامات ذلك تعرفها من أفكارك نهاراً، ومن أحلامك ليلاً، وغذاؤه هو المعرفة التي تضمنا مع قوات القديسين غير المجسمة.

 

 

 

 

 

 

 

الباب الرابع في المزامير وفيه سبعة فصول

 

الفصل الأول كيفية الترتيل

نقصد بكيفية الترتيل ما يؤدى في أثناء الصلاة من المزامير، عندما يقف المصلي متجهاً نحو المشرق مرتلاً، وفي أوقات الصلاة يرتل جالساً متجهاً نحو المشرق أيضاً، ويجب أن يصل بين آيتي المزمور بكلمة (هلليويا) سواء إذا كان يرتل وحده، أو مع جوقة المرتلين، وكلما وردت كلمة (المجد) يقول: (المجد للآب والابن والروح القدس، من الأزل وإلى أبد الآبدين آمين.) وفي مطلع كل مرميث (قسم معين من المزامير) يبدأ بكلمة (بارك يا سيد) ويواصل الترتيل بنغمة موزونة، ولا يسرع أو يطيل الأنغام، لأن النغمة الموزونة وضعت، لتكون كلمات المزمور مفهومة وواضحة للذهن، قال الأب أوغريس بهذا الشأن: إن المزامير ترتل أحياناً بسرعة، وأحياناً ببطء، وكلتهما موجهتان ضد إبليس، فإذا ثار السأم يجب أن نرتل ببطء، وإذا ثارت فينا الكبرياء بحجة عذوبة ترتيلنا فحينئذ نرتل بسرعة، ويجب على المرتل أن يرتل جهراً حتى يسمع هو ذاته صوته، وإذا سمع من كان بقربه فذلك أفضل، وخاصة في الليل، فإن ذلك يوقظ جيرانه لكي يرتلوا هم أيضاً، ويسبحوا الله نظيره، والأفضل أن يرتل المزامير كلها حتى يمكنه أن يتلوها عن ظهر قلب وليس من الكتاب، وإذا لم يستطع تلاوة جميعها غيباً فعلى الأقل مزامير الليل، لأنه لا يمكنه إضاءة السراج للترتيل بسهولة. وفي النهاية (التسبحة) يركع ثلاث مرات، وفي ختام كل مرميث يؤدي تسع ركعات، وفي كل أية فيها كلمة سجود ينبغي أن يسجد أيضاً. كقوله (هلموا نجثو ونسجد له) و(اسجد في هيكل قدسك وأشكر اسمك) وبقية الآيات التي ترد فيها كلمة (سجود) عدا الجمل التي تروي صياغة العجل والسجود له أو للأصنام .

 

الفصل الثاني عدد المزامير المرتلة

إن عدد المزامير التي يجب أن ترتل طبقاً للتقليد الدارج في الأديرة منذ القديم أن يكملوا ترتيل المزامير كلها في يوم كامل، فيبدؤون من مطلعها في صلاة الصباح، ويأتون عليها في آخر صلاة من صلوات الليل، ولكن بما أن ترتيلاً مثل هذا لا يكون بتفهم بسبب السرعة، يرتل بعض الفضلاء، بعد فرضهم اليومي، المزامير كلها مرتين في الأسبوع الواحد في صوامعهم، وبعضهم يأتون عليها مرّة واحدة في الأسبوع الواحد، وبعضهم يكملونها مرّة واحدة في الشهر، وهكذا يرتلونها بتفهم كامل، وقسم معلمو الطقوس الكنسية المزامير كلها إلى خمس عشرة مرميثاً (المرميث قسم معين من المزامير).

مرميثان اثنان لصلاة الصباح ، الأولى تبدأ من المزمور الأول (طوبى للرجل . مز1:1) حتى المزمور (يا رب من يحل في مسكنك 1:15) والثانية تلي هذا المزمور إلى المزمور (إليك يا رب رفعت نفسي 1:25) .

واثنان لصلاة الساعة الثالثة، الأولى بعد المزمور (لا تغر من الأشرار 1:37) والثانية تلي هذا المزمور إلى المزمور الذي مطلعه (فاض قلبي بكلام صالح 1:46).

واثنان لصلاة الساعة السادسة (الظهر) الأولى تلي المزمور السابق حتى المزمور الذي مطلعه (ارحمني يا الله لأن الإنسان قد أهانني 1:56) والثانية تلي هذا المزمور مباشرة حتى المزمور الذي مطلعه (ليقم الله فيتشتت أعداؤه 1:68) . ومرميثان لصلاة الساعة التاسعة، الأولى تلي المزمور السابق حتى المزمور الذي مطلعه (قد اعترفنا لك يا الله قد اعترفنا لك 1:75) والثانية تلي هذا المزمور الذي بدأه (اللهم من يشبهك)[84].

واثنان لصلاة المساء، الأولى بعد المزمور السابق حتى المزمور الذي يبدأ (صالح الاعتراف للرب 1:92) والثانية تلي هذا المزمور مباشرةً حتى المزمور (باركي يا نفسي الرب، أيها الرب إلهي لقد عظمت جداً 1:104)

ومرميث واحدة لصلاة الستار (النوم) تلي هذا إلى نهاية المزمور 1:107 وأربع مراميث أخرى لصلاة الليل الأربع وتبدأ بالمزامير التالية: (مستعد قلبي يا الله مستعد قلبي 1:108)[85] و(طوبى للأزكياء في الطريق، للسائرين في شريعة الرب 1:119) و ( اذكر يا رب داود وكل ذلّه 1:132) و (أعظمك يا سيدي الملك 1:145) .

والذين يكملون المزامير كلها مرتين في الأسبوع الواحد، فهم يرتلون في كل يوم من أيام الأسبوع أربعة مرميثات، اثنين في الليل واثنين في النهار، وفي يوم الأحد يرتلون ستة مرميثات، ثلاثة في الليل وثلاثة في النهار، والذين يكملون المزامير كلها في الأسبوع الواحد مرة واحدة، فهم يؤدون في كل يوم من أيام الأسبوع مرميثين اثنين الواحد في الليل والآخر في النهار، والذين يكملونها كلها مرة في الشهر الواحد ففي كل يوم يؤدون نصف المرميث، أي تسبيحتين فقط، وأحداً في الليل والآخر في النهار.

 

الفصل الثالث وجوب الترتيل بخشوع وببكاء

اتفق الآباء جميعاً، بوجوب ممارسة تلاوة المزامير بخشوع وبكاء، ويقولون من كان قلبه قاسياً وليس له استعداد للبكاء فليذلل قلبه، ويؤنب ضميره بتذكر معاصيه وتعداد آثامه، وتصور العذاب المعد للأشرار أمثاله، وهكذا يرق قلبه القاسي فيبكي.

روى ناسك فاضل قال: رأيت في الحلم كأني أرتل المزامير أمام داود بن يسى، فقال لي: أعجب منك، كيف تعلمت الترتيل ولم تتعلم البكاء، أو لم تسمع أني (غمرت في كل ليل فراشي، وبدموعي غسلت سريري؟) أن هناك أناساً لديهم استعداد طبيعي للبكاء بدون دافع إرادي، ومثل هؤلاء ليس بكاؤهم ممدوحاً، على حد قول الفاضل مار إسحق: ناد بالطوبى لمن له استعداد طبيعي للبكاء بدافع إرادي، فقد وجد من طبيعته عضداً لإرادته، ومن كان له مجرد استعداد للبكاء فلا خير فيه، ولا تناد بالطوبى لمن كان فاقد اللب.

 الفصل الرابع أسباب البكاء

إن الآباء يعرفون ثلاثة أسباب للبكاء في الإنسان:

الأول : قوة اللذة التي تستولي على العقل، والإعجاب الشديد بالأمور الظاهرة، وهذه تغرق العقل بالمعاني الروحية الغامضة.

الثاني : شدة الحب لله، الحب الذي يلهب النفس فلا يمكنها الإحجام عن البكاء لشدة عذوبته.

الثالث : تواضع القلب العميق، ويتولّد تواضع القلب في الإنسان عن سببين اثنين إما معرفة ذنوبه، وإما ذكر عظمة الله، وحيث يوجد حب الله حقاً، أو الإغراق في الإعجاب بعظمة أسراره، هناك يخشع القلب تواضعاً وتهيباً، فلا يستطيع الإنسان الإحجام عن البكاء، وإن كان غير متقصّد، ومن ليس فيه خشوع، فإنه لا يفقه شيئاً من ذلك وإن كانت فيه فضائل عظيمة أخرى، وإذا سمع بالبعض أنهم يبكون دائماً، يعجب ويظن أنهم إنما بإرادتهم يبكون، أو فطرت نفوسهم على ذلك، فمن ليس له دموع إذاً، فليس فقط مجرداً عن الدموع، بل هو مجرد عن أسباب الدموع، وليس في نفسه ما يفجرها، أي أنه لا يشعر بعذوبة معرفة الله، ومحبته، ولم تخطر على قلبه فكرة أسرار الله، وهو فاقد اللب.

الفصل الخامس الإحساس الذي يثور في الكاملين لدى الترتيل

ليس الإحساس الذي يثور في الكاملين بدافع الترتيل مجرد إحساس، بل تثور فيهم أحاسيس ومشاعر كثيرة وعميقة الغور بعيدة الآفاق، والإحساس الأول الذي يثور فيهم لدى تأملهم بعطف الله تعالى علينا، فإنه اسمعنا كلمته الحية السامية التي لا يدركها الكروبيم، ولا يستطيع سماعها السروفيم، فقد نقلها إلى عقلنا الضئيل متجسدة بجسد ترابي كثيف، وهي على حد تعبير الكاملين قد هبطت إلى مستوى إفهامنا، كما يحدث أحياناً وتهبط كلمتنا إلى مستوى مدارك البهائم والطيور إذا رغبنا في ملاطفتها أو مجافاتها حيث نستعمل أصواتاً تلائم طبيعتها، كذلك عندما أراد الله (تمجد وتعالى) هدايتنا إلى طرقه القويمة، أرسل كلمته السامية مجلببة بجسدنا البشري، ليفهمها عقلنا الضعيف. إنهم يحسون أيضاً بغزارة مواهب الروح القدس، وقد أشرق من أبي الأنوار ولم ينتقل، والتـَمعَ في عقول الأنبياء وظهر للعالم أقباساً من قلوبهم النقية، كأنه حُبـِل به في البطن، فملأ الكائنات من معرفته. ويشعرون أيضاً، كمشاعر روحية سامية، تثور في نفوسهم من معاني المزامير السامية، وبلفظ كل جملة أو سماعها يكتسبون حالات روحية جديدة سامية، فإذا سمعوا قول المزامير (اعبدوا الرب بخوف وعظموه برعدة) يثور فيهم الخوف ويعتريهم الهلع، وإذا ما قرؤوا قول (اغضبوا ولا تخطئوا) فإنهم يحجمون عن الخطيئة اتقاءً لغضبه، وإذا ما رتلوا قوله ( أنت رجائي من الرحم، أملي من ثديي أمي) تتوهج فيها الآمال الروحية، وتبسم لهم الحياة كلها، وهكذا كلما طرق سمعهم صيت فضيلة، أو نبأ شر، يسمعون الأولى بشغف، والثانية بكره واشمئزاز . وإذا ما قرأ الرجل الحكيم قوله (طوبى لمن هم بلا عيب في الطريق ) فلا يعتقدنّ أنه من صنف هؤلاء بل يجاهد لكي يصبح منهم، ويتهيج شعوره إذا ما رتل قوله ( إن معاصي قد طمت فوق رأسي) يشعر كأنه هو بذاته المقصود بهذه الكلمات.

ويثور فيهم الشعور بالتسامي الروحي إذا ما واصلوا الترتيل، وإذا رسخت معاني المزامير في نفوسهم رسوخاً عميقاً، يشعرون كأن داود بذاته ينشد المزامير بنغماته الروحية العذبة، حتى وإن كانوا صامتين. فتتسامى عقولهم فوق أوضار المادة، وتتلاشى الأصوات والكلمات عن أسماعهم، وتستحيل المعاني الروحية إلى أعذب من الألحان في أذهانهم . وهناك درجات أخرى تشبهها أو تفوقها سمواً، وهي درجات الخالدين في السحب الروحية بعقولهم، حيث يستحيلون إلى عقول مجردة، سابحة في عوالم جديدة.

 

الفصل السادس تفهم المزامير ذو أثر وفائدة

ينصح المرشدون تلاميذهم بمواصلة ترتيل المزامير، بتفهم أو بدون تفهم، وغايتهم من النصح بالترتيل بدون تفهم أحياناً لأنه يقود استمراره إلى التأصل والتفهم أخيراً، وينصحون أيضاً أن يقلل المرتل من المزامير ويحرص على الفهم والتفكير، فذلك يؤدي إلى الفائدة المتوخاة، وقد قال الملفان: من الضروري أن يقرن القراءة بالتفسير، إذا كان المرتل أمياً، إن القليلين يفهمون المعنى حتى إذا كانوا يقرؤون، فضروري إذاً، الحد من القراءة في سبيل النفس لتفهم المعاني واضحة. إن البهائم تسمع الأصوات ولكنها لا تفهم المعاني، فليحرص العقل إذاً، على اصطياد المعاني وتفهمها، فالتفهم يظهر روعة القراءة. (مار يعقوب السروجي). ويسبق التفهم أمران ضروريان، الأول جمع  شتات العقل من الطياشة في الأفكار الدنيوية، والثاني اجتلاء معاني كلمات المزامير، وهكذا يكون بتكرار الجمل، يحكى عن أحد الفضلاء أنه كرر عشرين مرة آية المزمور القائلة ( فيكون كالشجر المغروس على مجاري المياه، الذي يؤتي ثمره في أوانه، وورقه لا يذبل) وكان يريد من تكرار هذه الآية، ويردد في عقله الشجرة والجدول، والثمر الذي ينضج في أوانه، والأوراق التي لا تذبل، ويقابل كل ذلك بالرجل الصالح وأعماله وكان فاضل آخر يتدارس شهراً كاملاً الآية القائلة ( لذلك لا يقوم المنافقون في الدين) وكان يسأل المفسرين. وكان ناسك آخر يتعلم المزامير فوصل إلى الآية القائلة (قلت إني أحافظ على طرقي ولا أخطئ بلساني ) مز1:39. توقف عند هذا المزمور ولم يتابع القراءة، وكان يقول: عار عليّ أن أنتقل إلى مزمور جديد ولم أتعلم هذا بعد.

 

 

 

الفصل السابع لكل شأن وميل نفسي مزمور خاص

إذا رغبت أيها الأخ تطويب إنسان صالح فرتل المزامير (1 و 32 و41 و 112 و 118 و 127) وإذا رغبت لوم إخوان الغش فرتل المزمور 2. وإذا اضطهدت فرتل المزمور 3.

وإذا دعوت الله في الضيق فرتل المزامير 4 و 115 و141. وإذا كمن لك الأشرار فرتل المزمور 5. وإذا شعرت بتهديد الرب فرتل المزمور 6 و 38. وإذا تآمر عليك الأشرار فرتل المزمور 7. ولإظهار نعمة الرب في كل مكان رتل المزمور 8. ولإيقاف العدو رتل المزمور 9. وعند الاتكال على الرب رتل المزمور 11. وضد الشر المتطاير رتل المزمور 12. وإذا تطاول الشر عليك فرتل المزمور 13. وضد اللذين ينكرون العناية رتل المزمور 14. ولكي تعلم من هو ابن ملكوت السماء رتل المزمور 15. وإذا رغبت في تعلم صلاة موسى فرتل المزمور90. وإذا نجوت من الأعداء المضطهدين فرتل المزمور 18. وإذا أدهشك نظام الكائنات فرتل المزمور 16و 29 و22. وإذا عزيت الحزانى فرتل المزمور 20. وإذا نجحت في أمر فرتل المزمور 23. وإذا كثر مناصبوك العداء فرتل المزمور 27. وإذا خشيت أعداءَك فرتل المزمور 28. وإذا شكرت الله فرتل المزمور 29. وإذا أبغضك أصدقاؤك في سبيل الحق والعدل فرتل المزمور 31. وإذا رأيت الذين يخلصون من المهالك بالعماد فرتل المزمور 32. وإذا نجوت من أعدائك فرتل المزمور 34. ولتعلم أن الشر ليس في طبيعة الأشرار بل في إرادتهم يخطئون فرتل المزمور 36. ولكي تبتعد عن الشرور رتل المزمور 37. ولتصلح من شأنك ولا تخطئ رتل المزمور 39. ولتتعلم كيف تفيد من الصبر فرتل المزمور 40. وأن يُرحم المساكين رتل المزمور 41. ولكي لا تضطرب إذا عيروك فرتل المزمور 42.

ولتذكر عطايا الله ونكران البشر للجميل فرتل المزمور 44 و78 و79 و105 و106 و107 و114. وعندما تظهر عطفك رتل المزمور 46. وعندما تخطئ وتتوب فرتل المزمور51. وإذا تكلموا عليك فرتل المزمور 52 و54 و56. وإذا يغفلك المضطهدون فرتل المزمور 57 و142. وإذا نجوت من السجن فرتل المزمور 59. وإذا عيرك الأعداء المتظاهرون بالصداقة فرتل المزمور 55. وضد المتكبرين رتل المزمور 58. وضد الذين يناصبونك العداء بقسوة وعنف رتل المزمور 62. وإذا طردت إلى البراري فلا تخف ورتل المزمور 63. وإذا مجدت الرب فرتل المزمور 35. وإذا طلبت الرحمة فرتل المزمور 67. وإذا رأيت الأشرار في نعمة والأبرار في ضيق فلا تخف ورتل المزمور 73. وهكذا ضع بقية المزامير لأهداف أخرى، وفيها ترى أيضاً أدلة واضحة على ميلاد الرب الزمني، ومن الأب الأزلي، ومجيئه بالجسد، وحقد اليهود وتسليم يهوذا الأسخريوطي وصليب الفادي.

الباب الخامس الألحان وفيه تسعة فصول

 

الفصل الأول رأي النساك الذين لا يُجيدون الألحان

يقول هؤلاء إن كل لذة مادية لا تفيد قوام الجسد الضروري هي من الشرير، ولذة الألحان ليست ضرورية بدليل إن عدمهما لا يضر بالجسد بوجه من الوجوه، وإذا كانت كلمة الله قد أجازت للأجيال الماضية باستعمال الألحان والتراتيل فذلك لا يهدف إلى فائدة روحيه تجنى منها، بل لأن تلك الأجيال كانت متأثرة بالعقلية الوثنية، وكان من الصعب تغييرها، والعادة ليس من السهولة استئصالها فجأة، مثال ذلك، إن بني إسرائيل الذين تأثروا بالحياة المصرية الوثنية لطول إقامتهم في مصر، سمح الله لهم ممارسة الذبائح الدموية، فكان يعلم لو منعهم عنها فجأة، لما أطاعوا، ولكن أمرهم أن يقدموا الذبائح له فقط، وبذلك لجم ميولهم المنحرفة نحو عبادة الأصنام، حتى إذا ما بلغوا إلى عقلية روحية كاملة، هبطت الآية على داود (لا آخذ من بيتك ثيرانا، ولا من قطيعك جداء مز 9:50) وقال أيضاً: (أني لا آكل لحم العجول ولا أشرب دم الجداء اذبح لله حمداً وأوف العلى نذورك، مز 50: 13وَ14 ) وقال أيضاً: (فإنك لم تسر بالذبائح ولم ترض بالمحرقات الكاملة، إنما ذبائح الله روح متواضعة مز 17:51).

وكذلك أجاز الترتيل على أنغام القيثارات وسائر الآلات الموسيقية، لأنهم نشأوا على سماعها مرافقة أعياد الشياطين وحفلات الأصنام وذبائحها، ولكنه حذر أخيراً بفم النبي جهاراً فقال: ابعد عني صوت أبواقك، فلن أسمع بعد رنة كناراتك، ويقول أصحاب هذا الرأي إن كل ذلك يدل على عدم وجوب استعمال الأنغام والألحان، والأجدر من كل ذلك ينبغي تسبيح الله بهدوء كما علـّم الرب تلاميذه، وكما ناجى موسى الله في العليقة، ويجب استعادة قول الرسول بولس إن هناك كلمات لا ينطق بها، وإن الروح يصلي من أجل القديسين بتنهدات. ولذلك يقولون إنه غير مباح للرهبان العودة إلى الدنيا والتمتع بآية الرجس التي هي محبة الدنيا، وهي ماثلة في كل مكان مقدس. إن الرهبان ذوي الأصوات الرخيمة الذين اعتادوا منذ حداثتهم على الإنشاد، ولا يحرصون على تذوق سعادة الزهادة الروحية، بل يندفعون لحضور الحفلات العامة غير مدركين أن عبادة الله إنما تكون بالروح والحق، وبالصمت الروحي العميق الذي يفوق عذوبة جميع الأنغام والألحان، إن مثل هؤلاء ننصحهم، إذا كانت لنا دالة، ألا يتمادوا بإرسال الألحان، ليحرصوا على تأدية المعاني الروحية لتهذيب عقولهم، وليرسلوا ألحانهم في سبيل السمو الروحي الفائق والتسبيح الرخيم لله، والتمجيد للمسيح .

 

الفصل الثاني الرأي الصبياني الذي ينادى بمرافقة آلات الطرب والرقص للترتيل

يقول أصحاب هذا الرأي، إن الفكرة المحرمة، إما أن يحرمها العقل أو الكتاب، أما تحريم العقل لهذه الفكرة ليس صحيحاً، بدليل تمتع الأذن بالألحان وتمتع العين بالمناظر الجميلة، وتمتع حاسة الشم بالروائح العطرة، وكما أن رؤية المناظر الجميلة وتنسم الروائح العطرة ليس محرماً، كذلك الألحان ليست محرمة. ولا جالبة للخطيئة، ويقولون أيضاً: إن الألحان إما يصدر عن تغريد طير، أو غناء إنسان، أو صليل آلة، وواضح أن تغريد الطيور لا يجلب إثماً، وكذلك غناء الإنسان، وصليل الآلة الموسيقية.

والكتاب أيضاً لم يحرّم اللحن، بدليل التقاليد العبرية القديمة، فإن النبي داود رتب أربعة رؤساء أجواق الترتيل بالألحان المتنوعة، وكل جوقة كانت مؤلفة من أربعين مرتلاً، وكان دأبهم الغناء والترتيل. وفي الترتيل الآلي يقولون: لو كان ذلك محرماً، لما استعمله الآباء القديسون، وقد قيل عن مريم النبيّة أخت هارون أنها أخذت دفاً وخرجت معها النساء بالدفوف والطبول وكنّ يغنين، وقال داود : (تقدم الرؤساء حاملين الكنارات في عذارى ينقرنّ الدفوف مز 25:68)، وهو يشير إلى الفتيات العبرانيات الناقرات بالدفوف على أثر انتصار داود على جليات اللواتي كن يغنين 🙂 قتل شاول ألوفه وداود ربوّاته 1صم 7:18)، وقال داود أيضاً، سبحوه بصوت البوق سبحوه بالعود والكنارة، سبحوه بالدف والرقص سبحوه بالأوتار والمزمار، سبحوه بصنوج السماع، سبحوه بصنوج الهتاف مز 150 : 3 – 5 ) .

وفي الرقص يقولون: كيف نحرمه، وهو ذا داود أفضل منا، ودعي قلب الرب، كان يسير أمام تابوت عهد الرب راقصاً، وقيل في الإنجيل (غنينا لكم ولم ترقصوا، ونـُحنا لكم ولم تبكوا). (مت 17:11) وبينما قيلت هذه الجملة بصيغة التوبيخ، إلا أنهم يعطونا قوة إيجاب الرقص في الأفراح، والنواح في المآتم .

 

 

الفصل الثالث رأي من يجيز بعض الألحان ويمنع بعضها وهو الصواب

يقول هؤلاء إنه ليس كل لحن يليق بقداسة الله ولا كل غناء تحرمه الكنيسة، ذلك لأن بعض هذه الأنغام روحي، وهي الأنغام البيعيّة، وبعضها شعريّ، وهي الأنغام الدنيوية، والنغمة الروحية هادئة ورصينة وشجية، تثير في النفس الخشوع، وبعد ذلك تربي في النفس الميول الروحية فتُغسل بدموعها، وتطهر من الشرور والآثام، بينما تلهب الشجاعة أحياناً وتُكسب العقل قوة روحية، فقد كان إرميا ينشد ألماً وحزناً على خراب أورشليم، مشيراً بذلك إلى جهاد النفوس الروحي، وهكذا كل الأنبياء كانوا ينشدون التراتيل الروحية .

وأما النغمة الشعرية الدنيوية، فإنها مبتذلة وأحياناً رخيصة مائعة، وبين طياتها أهواء منحرفة تثيرها في النفس، فتصطادها وتزجها في الشر. قال أحد المعلمين: لم أجد إلى اليوم شاعراً مغنياً يصدر الألحان من صميم قلبه أو يقرع صدره، أو يخمد الميول المنحرفة، أو يحني عنقه إلى الأرض فيسقيها بالدموع، بل بعكس ذلك، يقف منتصباً، يحرك رأسه، ويحرك عنقه إلى اليمين وإلى الشمال، ويشير بيده، ويرفع أصابعه، وكثيراً ما يركل الأرض برجليه، والذين يسمعونه ونفوسهم مائعة، أفواههم مفتوحة ونظراتهم في الفضاء زائغة، وهم مفتونون بلذة كاذبة عابرة.

وقال الجليل أوغريس: (مميزاً بين الغناء المبتذل والترتيل الروحي) إن الأغاني المبتذلة تثير الميول المنحرفة والنزاعات العارمة في كوامن النفس، والتراتيل الروحية والمزامير، والتسابيح تجتذب النفوس إلى رياض الفضائل، وتخمد الحقد والغضب، وتطفئ الميول الملتهبة، ولذلك لا يجب أن نخلط بينهما، بل لنرتل بهدوء وقداسة، كما كان يفعل النبي موسى، وبني إسرائيل يوم سبحوا تلك التسبحة الرائعة وقالوا: إننا نمجد الله بالتسبيح والترتيل الواجب، وحيث وقـّع هذه الترتيلة الخشوعية قال: (إني باسم الله أدعو) مشيراً إلى الترتيلة أنوش الذي هو أول من هتف مشيداً باسم الرب مرتلاً، وعنه أخذ الترتيل في الأجيال المتعاقبة، وطبقاً لذلك أخذت بيعة الله تمارس الترتيل الروحي. وفي قصة موسى نجد أن ترتيلة قصيرة كانت منقوشة على أحد الآبار ومن قراءتها نعرف جلياً أن هذه الترتيلة لم تنشد مع نقر الدفوف كما فعلت مريم، بل بهدوء وتنغيم رصين يليق بالعزّة الإلهية .

أما الآلات الموسيقية وإن استعملها النبي داود بإلهام الروح القدس (وكان صغيراً بين أخواته ومحبوباً في بيت أبيه وتصلح يداه للعود وأنامله للقيثارة) إلا أن هذه الآلات تستعمل في أيامنا للطرب ويرافقها السكر والعربدة، لذلك ليس استعمالها مباحاً، وربما يمكن الترتيل بآلة النفخ التي تستعملها الكنيسة الرومانية (اعتقده يقصد الأورغن) ويمكن أيضاً استعمال غيرها من الآلات الموسيقية أحياناً ولكن بحذر شديد، كما يعقد دوائر للغناء الآلي اليونان والرومان والسريان التكارتة، ويباح للشبان العلمانيين استعمال آلات الطرب ولكن ليس دائماً بل فقط في حفلات الفرح، وأما النساء (المؤمنات) وبنات العهد (الراهبات) تأذن لهنّ القوانين بترتيل الأناشيد الروحية والمداريش بينهن وليس في الكنيسة.

 

الفصل الرابع من وضع الأغاني الروحية في الكنيسة ومتى ؟

منذ زمن مجمع نيقية المقدس شرع قديسنا مار أفرام ينتج الأناشيد القدسية والمداريش، ضد أهل البدع في زمانه، ونبغ ملافنة آخرون أمثال مار إسحق وبالأي (أسقف بالش) وغيرهما استمدوا التسابيح من مزامير داود. وفي عهد مجمع أفسس ظهر ناس قوقيون (خزافون) أتقياء حركهم الروح القدس فأنتجوا أناشيد روحية كثيرة، وبعد سنة 451 نبغ اللاهوتي الكبير علامتنا (نحن السريان) مار سويريوس فألف أناشيد روحية باليونانية وترجمت حالياً إلى السريانية، رصّعها بالمعاني اللاهوتية السليمة، وقدم عليها آيات من المزامير. وفي عهد اللاهوت الرهاوي والعلامة جرجس أسقف العرب، وضعت في (الطقس السرياني) التسابيح المعروفة بالقوانين اليونانية، ألف بعضها عالم دمشقي اسمه قوريني بن منصور، كما ألف بعضاً الآخر راهب يدعى قوزما الذي ابتكر ما يعرف بـ(القوقلين) أو(القوانين) وهي أكثر عذوبة من الأناشيد التي وضعها قوريني. وقوريني هذا كان من أتباع المجمع (الخلقيوني) إلا أنه لم يتطرق بتسابيحه هذه إلى الموضوعات اللاهوتية المختلف عليها، ولذلك أخذت تسابيحه وقوانينه طريقها إلى كنائسنا في الشرق والغرب، كما أكد لنا الأسقف عزيز ابن العجوز.

وكيفما كان، فإن الكاملين الذين لهم فكر المسيح، لا يحتاجون إلى الألحان الصارخة، لأنهم يناجون ربهم بألفاظ ناعمة هادئة، وبأفكار روحية صامتة، أما الذين هم أقل درجة في الكمال الروحي، والذين لم يزالوا يحملون العقول الصبيانية فإنهم بحاجة إلى صخب الألحان وارتفاع الأصوات، ولذلك أعطاهم الآباء هذه الطريقة لكي يسبحوا الله بها طبقاً لرغباتهم، لكي ينادى المسيح سواء بالكلام أو بالحق.

 

الفصل الخامس الأسباب التي من أجلها دخلت الألحان الكنيسة

أنني أعرف سببين اثنين، من أجلهما وافق الآباء القديسون على ترتيل التسابيح الروحية في الكنيسة المقدسة.

السبب الأول : إن النغمة بعذوبتها تخفف من وطأة الأتعاب النسكية، وتلهي الناسك فينسى الشعور بالوقت والملل، وإذا عدم الإنسان الشعور بالوقت والملل يعدم أيضاً الشعور بشدة وطأتهما وأعبائهما، وهذا الهدف يظهر واضحاً في الأطفال الذين إذا آلمهم شيء يلوذون بالبكاء، وإذا ما ناغتهم الأم بألحانها أنستهم ما كانوا يتألمون منه فيهدؤون ويتوقفون عن البكاء، ولا شك أن اللحن يؤثر أيضاً في الحيوانات فهذه الجِمَال مثلاً يقودها الحادي بألحانه، وعلى ظهورها أحمالاً ثقيلة تخفف وطأتها عذوبة اللحن البسيط ، فتقطع المسافات البعيد ولا تشعر بالجوع أو العطش أو الإعياء.

السبب الثاني : أن اللحن يؤدي إلى زيادة تفهم المعاني الكامنة في التسابيح الروحية، وذلك على وجهين، الأول: إن نظام الكلمة المرافق للنغمة يغطي امتداد الأبيات وطول الوقت، فيفسح مجالاً أوسع للعقل لإدراك المعنى وتفهمه، والثاني: أن الكلمة التي تلفظ بعذوبة موسيقية تكون أفعل في النفس وأحبها إليها. ولذلك تخشع النفس مستأنسة ويضرم شوقها إلى الله مستغرقة في تأملاتها.

 

الفصل السادس اللذة المتولدة من اللحن وسببها

يقول الحكماء بشأن اللذة الحاصلة من اللحن المتناغم: إن كل لذة إنما تتولد من الشعور الباطني الذي يثير العقل وينعش الضمير، وخاصةً إذا كانت كل مقوماته موجودة، وإذا كانت فيه هذه المقومات ناقصة فإن اللذة تسمو وتنخفض بالنسبة إلى قلتها وكثرتها، واللذة التي تجنى من عذوبة الألحان، تؤثر في النفوس الرقيقة الحساسة أكثر من تأثيرها في غيرها، لأن اللذة الكاملة تكون باستمداد المتعة الروحية، بعد ألم زوالها، ولذلك إذا داعبت نغمة عذبة الحس ثم غابت، تليها النغمة الثانية فتعيد اللذة العابرة بتوقف النغمة الأولى، وإذا ما غابت هذه أيضاً، تتبعها نغمة جديدة فتعيد الهدوء والسعادة إلى ساحة النفس من جديد، وهكذا كل ألم يعقبه عزاء ولذة، وبعد كل ضيق تأتي سعادة جديدة أعظم، وعليه فإن الأرواح الحساسة الرقيقة بإدراكها الشفاف الواسع تدرك اللذة وتتجدد فيها السعادة كلما داعبتها نغمة جديدة عذبة، وأما الأرواح الكثيفة المضطربة فبشعورها الضيق لا تأبه لنغمة عبرت، ولا تشعر بلذة النغمة الجديدة التي هدرت.

 

 الفصل السابع أسباب النغمة الطبيعية

إن الأوليين الذين ابتكروا الألحان، بنوا هذا الفن على أربعة أركان هي أركان العناصر الطبيعية الأربعة، الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة،[86] ولا يمكن وجود أي منها ما لم يركب مع عنصر آخر من العناصر الباقية، كما يظهر ذلك في عناصر الطبيعة والأخلاط، فالعنصر الحار إما أن يكون رطبا ً كالهواء والدم، أو حاراً كالنار والمرارة الحمراء، والباردة أيضاً، إما أن يكون رطباً كالماء والبلغم، أو يابساً كالتراب والمرارة السوداء، فمن الضروري إذاً، أن تحصر أنواع الألحان باثني عشر لحناً، لأن اللحن الموافق للحرارة والرطوبة، إما أن يتفق معها اتفاقاً متساوياً، أن يتفق مع الحرارة بصورة محدودة، ومع الرطوبة بصورة أوسع، أو بالعكس، واللحن الموافق للحرارة واليبوسة، إما في أن يزيد في قوة كلتيهما زيادة متساوية، أو يزيد في الحرارة بصورة محدودة واليبوسة بصورة أوسع، أو بالعكس، واللحن المتناغم مع البرودة والرطوبة إما أن يتناغم معها تناغماً متساوياً، أو يتناغم مع البرودة بصورة محدودة، ومع الرطوبة بصورة أوسع، أو بالعكس. واللحن الذي ينمي البرودة واليبوسة، إما أن يزيد في عمقها زيادة متساوية أو يزيد في عنف البرودة بصورة محدودة واليبوسة بصورة أوسع، أو بالعكس، وبناء على ذلك ابتكر الموسيقيون الفرس اثني عشر لحناً أساسياً ولا نرى من الضرورة إحصائها هنا وإيراد أسمائها. أما الملحنون الكنسيون اليونان والسريان وغيرهم فإنهم اعتبروا اللحن المتطرف في العنف لحناً وقحاً وصفيقاً، ولذلك اجتنبوه، وابتكروا فقط ثمانية ألحان أساسية وسموها (أكاديس) ومن الخبرة استدلوا أن:

اللحنين الأول والخامس: ينميان الحرارة والرطوبة، إلا أن في اللحن الأول رطوبة ضئيلة لينة، وهي عذبة مبهجة، وعليه فقد نظم فيه طقس عيد الميلاد، لأنه احتفال فائق البهجة، وفيه أذيع الفرح الذي غمر العالم كله، ومثله طقوس القيامة حيث جلبت الغبطة للتلاميذ والتلميذات والعالم أجمع. أما الخامس، فإنه حار جزئياً وفيه نظم طقس عيد الصعود، لأن فيه فارق الرب تلاميذه صاعداً إلى السماء، فاضطرموا شوقاً إليه، والتهبوا بحبه الإلهي، ولولا كثافة الجسد لارتفعوا معه إلى السماء.

والثاني والسادس: يعززان البرودة والرطوبة، إلا أن البرودة المتوسطة توجد في اللحن الثاني على قياس أوسع، وعليه نظم فيه طقس العماد، لأن فيه أذيع جلال عظمة الرب، وإن كان قد تنازل فاعتمد من عبده يوحنا، إلا أن تلك العظمة أذيعت بحلول الروح القدس عليه وصوت الأب القائل (هذه هو ابني الحبيب له اسمعوا) وبما أن الرطوبة هي أكثر موافقة للحزن، وهي الأضعف، وهي أكثر ظهوراً في اللحن السادس لذلك، نظم فيه طقس خميس الأسرار، وسبت البشارة لأنها ذكريات حزن وألم.

والثالث والسابع: إنهما ينميان الحرارة واليبوسة، إلا أن اليبوسة الجافة العنيفة هي أكثر عنفاً في اللحن الثالث، لذلك نُظم فيه طقس دخول الرب إلى الهيكل، لأن فيه خاطب الشيخ سمعان العذراء بعنف وقسوة إذ قال لها: ( وأنت سيجوز سيف في نفسك) لو 35:2. والحرارة النارية التي تلتهب بقوة فإنها في اللحن السابع لذلك نُظم فيه طقس عيد العنصرة، ففيه حل الروح القدس على التلاميذ بشبه ألسنة نارية.

والرابع والثامن، فيها البرودة واليبوسة، ولذلك نُظم طقس عيد البشارة باللحن الرابع، لأن العذراء غير المتزوجة، سمعت بالحبل والولادة هالها الأمر فارتاعت، وخشيت أن تخدع كما خدعت حواء في الجنة، وكأني بها قالت للملاك: أخشى أن تخدعني أيها المبشر  كما خدعت أمي حواء بين الأشجار، وعليه ففيه أيضاً نُظم طقس عيد السعانين لأن فيه الملك المتربع فوق الكاروبيم ركب بتواضعه جحشاً حقيراً بائساً. واليبوسة العنيفة القاسية غزيرة في اللحن الثامن، لذلك فيه نظمت طقوس أعياد الشهداء الذين قاسوا العذبات الهائلة، وتألقت فيهم بطولة النفس الفائقة.[87]

 

 

هذه هي الدعائم التي بنيت عليها الألحان طبقاً لما نظمه الحكماء الأولون، والذين

جاؤوا بعدهم، وإن لم يصيبوا سمو معارفهم إلا أنهم نسجوا على منوالهم، فحرصوا على الحفاظ على هذا الفن، لمؤهلاتهم وإن كانت ضعيفة.

 

الفصل الثامن درجات الفهم لمعاني مادة الترتيل

إن درجات الفهم لهذه المعاني ثلاث :

الأولى – درجة البسطاء: وهم الذين تتمتع نفوسهم باللحن فقط، دون أن يفكرا بالمعنى الذي يتخلل الجمل والكلمات، ومثل هؤلاء ليست لهم أية فائدة أو أية خسارة، من تبديل أشكال الكلمات أو أوضاعها .

الثانية – درجة المفكرين: وهم الذين يشعرون بعذوبة الكلمات شعورهم بعذوبة اللحن، وهؤلاء إما أن يكونوا من الشباب ذوي الأهواء الجسدية العنيفة، وهم يفسدون فهم معنى العبارات  الملحنة ويسيئونها طبقاً لأهوائهم المنحرفة، فمحبة الله يفسرونها بالمحبة الجسدية، وشوق النفس إلى ربها يحيلونه إلى شوق للأمور المادية، والأهواء المتشعبة الكامنة في قلوبهم، وخاصة إذا رُتلت التراتيل الخاصة بجمال بيعة الله والنفس الخالدة المستمدة من المزامير أو من نشيد الإنشاد، منها الجمل التالية :

ابنة الملك في المجد قامت. وبالهدايا تذهب إلى الملك، والعذارى رفيقاتها معها، وخداك جميلان كجنة الأطياب، وجدائلك كأرجوان الملك، والعنق الرقيق كالحصن، والشعر كقطيع  المعزى، والأسنان مثل الغنم الصاعدة من الماء، كلها منجبة وليس فيها عقيم، وعيون كبرك حشبون، وحنك مثل الخمرة الطيبة هلمّي لكي ننظر إليك، سبيتني بإحدى عينيك، وما إلى ذلك من التعابير .

أن مثل هذه الجمل ينسبونها إلى شخص معين، فتثير فيهم الأهواء العنيفة المضطربة، وعوض الفائدة تلحقهم خسارة روحية كبيرة، من سماع هذه الألحان .

الثالثة – درجة الكاملين: وهم الذين لهم ذهن المسيح، وأفكارهم متعلقة بمحبة الله، وهؤلاء، كل كلمة يسمعونها تدل على المحبة، يعزونها إلى محبة الله الروحية، كمحبة النفس لربها، فالآية القائلة مثلاً ( أحبتك العذارى ) يفهمون بها النفوس الطاهرة التي أحبت المسيح، والآية القائلة (أنا جميلة) يعزونها إلى اسوداد النفس بالآثام وجمالها الأصيل الذي هو من أصل إلهي، تأييداً لقول الله (نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا) والآية القائلة ( أدخلوك إلى مخزن الخمر) يقصدون بها ثمل النفس بالمعرفة الروحية السامية، وهم يفهمون بالجسد جلباباً يحجب النفس عن ربها، ويفهمون بالآية القائلة ( إنه واقف خلف حائطنا يتطلع من الكوّى ويراقب من الشقوق) انقشاع كثافة الجسد لتتجلى له الرؤى والإلهامات. والآية القائلة ( وجدني الحرس الطائف في المدينة، ضربوني وجرحوني ورفعوا إزاري عني) يفسرونها بالشياطين المترصدة خطوات النفس فتنزع عنها مجدها الروحي ويفسرون (الثعالب الصغار المفسدة للكروم) بأهواء الجسد العنيفة .

وهكذا يجدون لكل جملة من هذا القبيل معنى سامياً من المعاني الروحية، وإن لم يكن يقصد ذلك قائلها، مثال ذلك الأب أوغريس كان سائراً مرّة في شوارع مصر، وسمع طفلاً يقول لأمه، إن أحد الأغنياء يحبني ولكنني أكرهه، وفقيراً يكرهني وأنا أحبه. قال لتلاميذه: الذين كانوا معه، بالحقيقة إن الله غني ويحبنا ولكننا لا نريد طاعته، والشيطان فقير وهو يكرهنا، ولكننا نحب شروره .

وسمع أخ فاضل طفلاً يتهجى العبارة القائلة ( عودي يا نفسي إلى راحتك) تنهد وقال: كم أقول لها عودي ولا تعود. وسمع أحد الفضلاء العارفين أغنية تقول ( حبيبي متوهج الضياء، جماله الفتّان يشبه القمر الذي يتبدد نوره كل يوم ويتغير) قال: لا تَبَدل في جمال المسبح السامي، ولا تغيّر في أشعته المتوهجة ولكن باختلاف أتباعه يحدث تبدل بإلهامه، وبتغير أفكار الناظرين إليه تتغير أشباه منظره .

 

الفصل التاسع تأثير الألحان في النفس

بعد اللذة التي تنالها النفس من سماع الألحان وتفهم معاني عباراتها، تتأثر بها تأثراً عميقاً ضحلاً، طبقاً لعمق استعداده أو ضحالته، شوقاً كان أو رهبةً، ألماً أو فرحة، حزناً أو بهجة، عزاء أو ندامة، امتداداً أو انكفاء، إلى ما هنالك من التأثيرات والميول، وهكذا تطرأ عليها تأثيرات عظيمة هذا مقدارها بحيث يتأثر الجسد أيضاً بتأثرها، فتصيب الإنسان حالة عنيفة تشبه الجنون وعلى حد قول الآباء: إن في لحظات الوحي التي بها يشف القلب بالحب الإلهي المتحد بالمسيح، يخرج الإنسان عن طوره الطبيعي، فلا يمكنه السيطرة على نفسه الملتهبة، حيث تطير فرحاً وابتهاجاً بما يفوق الطبيعة، متلهفة إلى تلك الرؤية الممجدة، وتحاول حتى اجتذاب الجسد معها بكل كيانه، بلحمه وعظمه وشرايينه لكي يتمتع معها بهذه اللذة الروحية الفائقة، ومن المؤكد أن هذا الحب نفسه تأثر به داود فدعا جميع الأمم وأسباط إسرائيل لكي تصفق وتفرح وتبتهج، وترقص أمام تابوت عهد الرب، بأعواد الأرز والصنوبر وبالقيثارات والكنارات والدفوف والطبول وبصنوج السماع، وبما أن حركات الجسد غير الطبيعية هي علامات الجنون، ولكنها هنا ليست رديئة لأن جنونها متعلق بمحبة الرب، وهدوؤها هو دليل العقل، فإنه يحرص أن يهدأ من روع أعضاء الجسد، بقدر المستطاع، إن المبتهج إذا كان من الطغمى الكهنوتية يحجم عن ذلك لأن الرقص غالباً يذهب بالوقار والهيبة وربما عرض الكرامة إلى الخطر، والدليل على ذلك، لمّا أطلّت ميكال ابنة شاول من الشباك فرأت داود يفرح ويرقص ويتظاهر بما يشبه الجنون أمام تابوت الرب ازدرته واستهجنته وقالت: ما أمجد اليوم ملك إسرائيل وقد ظهر أمام جواري عبيده كأحد التافهين، وكانت محقة، لذلك لم يكذبها داود، بل انتقم منها بعبارة قاسية قال: إني أمام الرب الذي فضلني على أبيك، وكل آل بيته، ورفعني مدبراً لشعبه إسرائيل، فضحكت أمام الرب. وإني أقل من ذلك إذا أصبحت تجاهه ضئيلاً في عيني نفسي، لذلك تنازلت إلى وسط الجواري لكي يرفعن قدري، ومن هذه الأمور يظهر أن اللعب والرقص يكونان غالباً من دلائل الهوان .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب السادس الصوم وفيه سبعة فصول

 

الفصل الأول تأثير الصوم وفوائده

بما أن الإنسان خلق مزدوج الكيان، عاقلاً ومائتاً، وقد أعطاه خالقه درجة أسمى من البهائم وأحط من الملائكة، ولذلك يمكنه إخماد ميوله المادية بقواه العقلية، فإذا تسلط عليه الميول المنحرفة يمكنه الصمود ضدها وإخمادها بجهاده المتواصل، ولهذا السبب، كل ما استسلم للميول هبط إلى درجة البهائم، وكلما انتصر عليها ارتفع إلى درجة الملائكة، وباقترابه منهم يقترب من العزة الإلهية لأن القريب من القريب قريب، وهكذا القريب (الملائكة) ليس محصوراً بمكان لأن الأجسام وحدها تحصر في مكان، وليس الأرواح، ينتج إذاً، إن المجلببين بالجسد، يرتفعون إلى سمو الملائكة، بأشكال خاصة من السمو، ولما كان الأمر كذلك نقول :

إن الصوم متجه إلى هذا الهدف، لأن عيني النفس تنتقى به الأوضار فتبصر الروحانيين، وكمالهم، وتتوق إليهم وتنجو من ثقل الأطعمة الدسمة، المتنوعة التي تسدل ستار الظلام على بصيرتها بأبخرتها المتصاعدة، وتمنعها عن رؤية الأمور الروحية، ففي الانقطاع المتواصل عن الطعام، تخمد الأهواء المنحرفة، والميول البشرية، فتصقل مرآة النفس وتصبح صالحة لانعكاس الصور الروحية، ويؤكد العارفون أن ذلك متأت من تأثير الصوم .

 

الفصل الثاني أنواع الصوم الأساسية

إن المتمسكين بفريضة الصوم، إما أنهم يتمسكون بها، بالنسبة إلى الزمن، وإما بالنسبة إلى نوعية الأطعمة، وإما نسبة إلى الأطعمة فقط، دون النظر إلى الزمن، وإما بالنسبة إلى الزمن ونوعية الأطعمة معاً، وهذه هي أنواع الصوم الثلاثة الأساسية، وأما الرابع وهو الصـوم الذي لا يلاحظ الزمن ونوعية الأطعمة ولا يتقيد بها، فليس قانونيـاً.

النوع الأول : وهو صوم اليهود وغيرهم بحيث ينقطعون عن جميع الأطعمة نهاراً، ويتناولون جميع الأطعمة ليلاً .

النوع الثاني : وهو صوم غالبية المسيحيين، الروم والأرمن والأبيريين، والسريان المغاربة، والذين في الشمال الغربي، إن هؤلاء ينقطعون فقط عن الأطعمة الدسمة، وما يذبح من الحيوانات ومنتجاتها، كمنتجات الحليب والبيض، وذلك في جميع الأصوام، ويقتصرون فقط على الأطعمة البسيطة فالبقول والفواكه والنباتات، وهم يأكلون نهاراً، وبعضهم يأكلون مرّة واحدة فقط، وذلك في الساعة الثالثة، والبعض في الساعة السادسة، والبعض في الساعة التاسعة، يأكلون وجبات كاملة بدون تحديد.

النوع الثالث : وهو صوم القبط والسريان المشارقة، وجميع الذين يسكنون الجنوب الشرقي، إن هؤلاء ينقطعون عن جميع الأطعمة منذ الصباح حتى المساء، وفي المساء يأكلون الأطعمة المختلفة،

إن الذين يأكلون نهاراً فإنهم يأكلون الأطعمة البسيطة وينقطعون عن الأطعمة الدسمة بعكس الذين يصومون مساءً فإنهم لا يأكلون الأطعمة المقلاة والمطبوخة والمشوية .

وبما أن الرسل القديسين والآباء، قد حددوا صوماً بسيطاً لقوانينهم، دون أن يوضحوا كيفية هذا الصوم، لذلك اختلفت تقاليد الصوم عند المسيحيين.

إن النوع الأول هو ضد أهداف الصوم، لأن الغاية من الصوم إذلال الجسد وكبح الأهواء المختلفة، وإخماد الميول الجسدية، لكي تضيء النفس التي أظلمت بظلام المادة، وتتنقى كالمرآة من الأقذار التي تشوشها، أما الذي يقلص معدته ويعذبها بالجوع النهار كله، ثم يتناول في المساء الأطعمة الفاخرة فإنه يشعر بلذة أعظم، وبسبب هذه اللذة تتمشى الأهواء في جسده، وبديهي أنه لم يصم لما تناول هذه الأطعمة ومن هنا نستدل أن الصوم الأفضل هو النوع الثالث المشار إليه، والصوم الأجوف هو النوع الأول، أما النوع الثاني فهو وسط بينهما، لأنه ليس شرهاً كالأول زهيداً كالثالث .

 

الفصل الثالث درجات الصوم وقوانينه العامة

إن المعلمين الثقات، يعرفون ثلاث درجات من الصوم القانوني، العام والخاص والأخص :

الصوم العام : هو الانقطاع عن الطعام والشراب نهاراً انقطاعاً كاملاً، طبقاً لرأي بعضهم، أو الانقطاع عن تناول لحوم الحيوانات ومنتجاتها نهاراً وليلاً كرأي الآخرين .

الصوم الخاص : مع الانقطاع عن الطعام والشراب وانقطاع الحواس عن ممارسة أهوائها المنحرفة .

الصوم الأخص : بالإضافة إلى الانقطاع عن الأطعمة وتوقف الحواس عن الأهواء صوم النفس أيضاً عن الأفكار الشريرة .

  • الصوم الخاص : هو لجميع المؤمنين، وله أربعة قوانين عامة هي :

القانون الأول : يجب أن يعرف جميع المؤمنين أوقات الأصوام السنوية وتواريخها، وخاصة الصوم الكبير المقدس، ولا سيما إذا كان أحدهم في بلد غريب وبين أبناء الأديان الأخرى، فإنه يرتبك إذا كان يجهل موعد الصوم، وليعلم كل مؤمن أن الصوم الكبير يصادف يوم الاثنين التابع الهلال الجديد الذي يظهر في شباط أو آذار فيما إذا لم يظهر في شباط، والمعروف أن الصوم الكبير هو ثمانية وأربعون يوماً، وقد حدد مجمع الآباء الفرس: إن المؤمن يجب أن يشرع في الصوم الكبير اعتباراً من اليوم العشرين من شباط ويحتفل بالعيد الكبير في العشرين من نيسان، إذا كان مغترباً ولا يعرف حساب الصوم. ومن قوانين مار سويريوس، إننا لا نحل الصوم مساء السبت العظيم بل بعد صياح الديك، ثم نبدأ بفرح العيد .

القانون الثاني : عندما يستيقظ المؤمن الصائم صباحاً، فليصل ويقرر أنه مستعد لمتابعة الصوم، ويطلب من الله أن يقبل صومه، ويعضده في الجهاد، وقرار مثل هذا ضروري بدليل أن كثيرين من الناس (يصدف أحياناً ولأسباب مختلفة) لا يذوقون الطعام حتى المساء، وهذا لا يعتبر صياماً، وكثيرون يمكنهم الشبع حتى بالكفاف، وهؤلاء أيضاً لا يعتبرون زهاداً .

القانون الثالث : ليحذر الصائم من ولوج أي شيء مما يؤكل أو يشرب إلى فمه وخاصة إذا كان راغباً في تناول الأسرار المقدسة، وإن ابتلع أي شيء بدون إرادته، فلا حاجة أن يحل صومه، ولكن لا يجب أن يتقدم من الأسرار المقدسة، والذي يغسل فمه فإن لم يمتص شيئاً من الماء فلا يمنع من تناول الأسرار المقدسة، وطبقاً لرأي بعضهم، أن الذي يتقيأ لا يجب أن يتناول، أقول، إذا كان تناول الأسرار ضرورياً له فليفعل، وخاصة في خميس الأسرار وصباح أحد القيامة العظيم، وإن لم يدخل شيء من الدم في بلعومه، فليغسل فمه ويشترك بالأسرار المقدسة .

القانون الرابع : ليحذر الصائم من القيء، وإذا هاجمه مرض مثل هذا فاستمر يتقيأ فليحل صومه، وإذا ضايقه المرض فاضطر أن يحل صومه فليعطي طعاماً لفقيرين في المساء .

الفصل الرابع قوانين الصوم الخاص

           هو صوم المؤمنين الصادقين، وله سبعة قوانين :

القانون الأول : إغماض العينين عن النظر الشره، ورؤية ما يعطل العقل عن ذكر الله وأحكامه الرهيبة  .

القانون الثاني : صيانة اللسان من الكذب والنميمة والاغتياب والازدراء والشتم والهذر والكلام الباطل، والتبذل .

القانون الثالث : سد الآذان عن سماع الكلام القبيح فما كان قبيحاً النطق به، قبيح أيضاً سماعه .

القانون الرابع : كف اليدين عن الإسراع إلى الضرب، والرجلين عن السعي إلى الشر .

القانون الخامس : الحذر الكامل من أكل ما جاء عن طريق الظلم، أو الحرام، على حد قول الملفان: إذا تحدثت عن صوم الآثمة فإنه عار عظيم، إنهم يصومون ويأكلون الربا، ويصلون ويشربون الربا، ومن مساء إلى مساء آخر يأكلون لحوم المساكين ويشربون دماءَهم .

القانون السادس : أن يزين الغني الصالح صومه بالرحمة، لأن الرحمة بالنسبة إلى الغني الحكيم، تعادل الصوم الحقيقي، ويذكر انه قيل لأحد الحكماء: أن الغني الفلاني يكثر من الصوم والصلاة، فقال: أن الرجل بائس، فقد أهمل واجبه وتمسك بواجبات غيره، فلأصلح له أن يُشبع الجياع، ويكسو العراة، ويهتم بالبائسين، من أن يجوع، ويصلي ويضيف على يساره يساراً. وقال الملفان في هذا الصدد: هناك من يذل نفسه بالصوم، ويلوي عنقه، ولا يرغب إعطاء كسرة خبز للمساكين، وهناك من يمرغ فراشه بالرماد ويكتسي بالمسوح، ويرى المحتاج في ضيقه ولا يرحمه، وقد بكت إشعياء صوماً مثل هذا وازدراه واحتقره .

القانون السابع : ألا يصوم الصائم ويتبجح كالمرائيين، إنهم يتظاهرون بالكآبة والعبوس، ويخدعون الناس كأن الصوم أعياهم، فإذا كانت للإنسان عادة فليدهن ويغتسل وليخف ضعفه بقدر استطاعته، طبقاً لتعليم الإنجيل .

 

 

 

 

الفصل الخامس قانون الصوم الأخص

الصوم الأخص هو صوم الكاملين العارفين، وهو استئصال أصل الشرور من أعمال القلب، ويحدده المجيد بالأنبياء إشعياء بقوله: ( اليس هذا هو الصوم الذي آثرته، حل قيود النفاق، وفك ربط النير) (اش 58: 6 ) وبهذا النوع من الصوم تتوهج النفس وتضئ وتعود إلى جمالها القديم، وتتسامى إلى درجة الكمال، وتصبح شبيهة بالملائكة، ولهذا الصوم قانون واحد، وهو: الحذر من تدنيس النفس ولو بفكرة واحدة آثمة، والتسامي إلى هذه الدرجة وإن كان عسيراً إلا أنه ليس مستحيلاً ، ففي التدريب والتمرين تتذلل جميع العقبات، كما قيل: إن الطبيعة مرنة. وتخضع لكل حالة، وبقدر ما تروّضها، فيها قوية للصمود .

 

الفصل السادس عدد الأصوام وأيامها

هناك خمسة أصوام أساسية في الكنيسة السريانية، ما عدا يومي الأربعاء والجمعة وهي: الصوم الأربعيني – صوم الرسل – صوم انتقال العذراء – صوم الميلاد – صوم نينوى. والصوم الأربعيني يتبعه أسبوع الآلام فتكون أيامه 48 يوماً. وصوم الرسل يبدأ عادة يوم الاثنين التالي عيد العنصرة حتى التاسع والعشرين من حزيران، وهو عيد الرسولين بطرس وبولس، هذا عند الغربيين أما الشرقيون فيصومون حتى نهاية الخمسين يوماً، غير أن ما يعقوب الرهاوي قال: إنه ليس من الضروري أن يصام هذا الصوم بهذا القدر وإلا لكان من لا يصومه مذنباً .

والأظهر أن هذا الصوم وضع تطبيقاً لقول الرب لرسله: ( لا يستطيع بنو العرس أن يصوموا مادام العريس معهم، تأتي أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون ) وهكذا بعد صعود الرب وحلول الروح القدس احتفل الرسل به ، فصامته الكنيسة تقليداً دون أن يكتب .

ونصوم صيام انتقال العذراء من اليوم الأول من شهر آب حتى الخامس عشر منه، وصوم الميلاد يصومه البعض منذ منتصف تشرين الثاني حتى الخامس والعشرين من كانون الأول فيكون أربعين يوماً، والبعض يصومه من اليوم الأول من كانون الأول حتى الخامس والعشرين منه فيكون خمسة وعشرين يوماً، وينتهي بعيد الميلاد، وإذا كان بدؤه السبت أو الأحد يصام أيضاً .

وصوم نينوى يبدأ يوم الاثنين من الأسبوع الثالث السابق الصوم الأربعيني حتى صباح الخميس عند الشرقيين، وأما عند الغربيين فيمتد إلى صباح السبت ومعهم النساك أيضاً في الشرق كما ذكر يعقوب الرهاوي، ويردف أن السنة كلها يقسمونها إلى أسابيع فيصومون سبعة أسابيع ويفطرون سبعة أسابيع حتى مطلع الصوم الكبير.

وبعض النساك يصومون حياتهم كلها، ويذكر عن القديس أورليس أن أنهكه الصوم كثيراً، فأصبح كالظل، ففي أيام الصوم الكبير كان يأكل مرة واحدة كل ثلاثة أيام، وبقية أيام السنة كان يأكل مرة كل يومين، ومثل هذه الإضافات النسكية يضيفها النساك أنفسهم إمعاناً في الزهادة والقنوت، دون أن تلزمهم القوانين بها، وكان الآباء يأذنون للنساك حل صومهم إذا جاء راهب ضيفاً، وغالباً كان الراهب الضيف نفسه لا يحل صومه.[88]

 

الفصل السابع  الأمور الممنوعة أثناء الصيام في القوانين الكنسية

قال الرسل : يُأمر بأن إذا وجد اكليريكي يصوم يوم الأحد والسبت (ماعدا سبت البشارة) يقطع .

وهو أيضاً : إذا وجد أسقف أو قسيس أو شماس من أصحاب الدرجات الكنسية الصغرى لا يصوم يومي الأربعاء والجمعة يقطع، وإذا كان علمانياً يعزل، إلا إذا كان مريضاً .

مجمع غنغرة : إذا صام أحد يوم الأحد بقصد النسك المزعوم فليكن محرماً[89] هذا المجمع أيضاً : إذا كابر ناسك ولم يصم أحد الأصوام القانونية (إلا بداعي المرض) بحجة وصوله إلى درجة الكمال، واعتقد أنه لم يبقّ محتاجاً إلى صوم فليكن محروماً .

مجمع اللاذقية: لا يجوز أن نحتفل بالقداس أيام الصوم الكبير، ماخلا يومي السبت والأحد، ولا يجوز أن تعقد فيه حفلات أعراس أو مواليد، ونحتفل بذكرى الشهداء أيام السبوت والآحاد[90]

غريغوريوس : إننا نحتفل بالقداس يوم أربعاء نصف الصوم، ونحتفل بعيد البشارة في أي يوم صادف، حتى إذا صادف يوم الجمعة العظيمة، لأنه منبت الأعياد كلها، فبدونه لم يكن لدينا لا ذكرى الميلاد ولا الآلام ولا القيامة، وكانوا قديماً يحتفلون بذكرى الآلام مرة كل ثلاثين سنة، ولئلا ينسى في مثل هذه الفترة الطويلة أمر الآباء أن نحتفل سنوياً بذكرى الآم الرب وبهجة قيامته .[91]

يعقوب الرهاوي : لا يجوز لأي قسيس أن يأذن للمؤمن بشرب الخمر مع صديقه، أيام الصوم الكبير، لا يجوز لأي مسيحي أن يحل الصوم الكبير قبل أن يتناول القربان يوم خميس الأسرار وسبت النور البشارة والقيامة الخلاصية فيما إذا كان في منطقة فيها أسرار مقدسة، إذا وجد في منطقة لا قداس فيها فليفعل، وليتناول الأسرار في أي يوم تيسر له، لأن القداس هو نفسه في جميع الأيام .[92]

البطريرك قرياقس : لا يجوز لأي مؤمن بلغ العشرين من عمره أن يهمل صوم يومي الأربعاء والجمعة،[93] ما عدا أسبوع البياض ( التابع لعيد القيامة مباشرة ) إلا إذا كان مريضاً أوفي ضيق أو قسر، أو امرأة حامل أو مرضعة .[94]

البطريرك يوحنا : لا يجوز الاحتفال بصلوات الرحمة للموتى أيام الصوم الأربعيني عدا السبت والأحد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب السابع العزلة  وفيه خمسة فصول

 

الفصل الأول آراء الآباء في فضيلة العزلة

الأب ارسانيوس : كان يوماً في البلاط الملكي فصلى إلى الله قائلاً : رب، علمني كيف أحيا فسمع صوتاً يقول: يا ارسانيوس اهرب من البشر فتحيا .

وكان يوماً منهمكاً بأعمال الزهد، فرفع إلى الله الصلاة ذاتها، وسمع أيضاً يقول : اهرب واصمت، واعتزل، فهذه هي مقومات عدم الخطيئة .

وذهب مرة إلى منطقة نبت فيها القصب، يسكنها بعض الرهبان، فهبت الريح على القصب، وتمايل فأحدث حفيفاً أقلقه، فقال للإخوة: إني أقول لكم إذا اختلى الإنسان وسمع صوت عصفور فلن يجد لقلبه الهدوء المطلوب، فكم بالأحرى أنتم ولكم حفيف القصب هذا ؟

وزاره أحد الآباء فقرع بابه، وإذ ظن الشيخ إنه شماسه فتح الباب ولما رآه استلقى على الأرض، فألحّ عليه الأب لينهض فيسّلم عليه، فقال: إني لن أقوم حتى تمضي، وهكذا تركه ومضى .

الأب مقاريس : كان يقول للإخوة الذين في صحراء مصر (الإسقيط ) أيها الإخوة اهربوا فور انتهاء الصلاة في الكنيسة، فقال له الشيخ: أيها الأب إلى أين نهرب بعد هربنا إلى هذه الصحراء، فهل نهرب أبعد ؟ فوضع يده على فمه وقال: اهربوا هكذا، وذهب حينئذ إلى صومعته وأغلق الباب وانزوى .

الأب انطونيوس : كان يقول إنَّ الذي يسكن الصحراء، يكون بعيداً عن ثلاث جبهات حرب، السمع، والنطق، والبصر، فتبقى جبهة واحدة فقط، هي القلب .

الأب الونيوس : كان يقول ما لم يقل الإنسان في قلبه، الله وأنا وحدنا في هذا العالم، لا يمكنه أن يحيا، الله الرحيم، وأنا الخاطئ .

البطريرك الإسكندري الطوباوي توافيلس : ذهب مرة مع أحد الحكام لزيارة الطوباوي ارسانيوس، وطلبا إليه أن يسمعا منه كلمة، فقال لهما، هل تحفظان الكلمة وتنفذانها إذا قلتها؟ قالا، نحفظها وننفذها، قال : لا تذهبا إلى مكان تسمعان أن ارسانيوس فيه .

وبلغ الشيخ (ارسانيوس) مرة أخرى أن رئيس الأساقفة يريد زيارته، فأرسل إليه يقول : إذا فتحت لك بابي فافتحه لكل إنسان، وإذا فعلت ذلك فلن امكث هنا، فلما سمع البطريرك ذلك قال : إذا كان ذهابي يسبب طرد القديس أو إزعاجه، فلن اذهب بعد الآن .

وحرك أحد الشيوخ الماء في أناء، وسأل الرهبان الذين معه، ماذا ترون فيه ؟ قالوا : لا شيء، ولما هدأ الماء قال لهم: ماذا ترون ؟ قالوا نرى وجوهنا واضحة، قال: هكذا من يسكن مع الأشرار لن يستطيع رؤية ذاته، وإذا انفرد معتزلاً فحينئذ يرى بوضوح .

 

الفصل الثاني آراء الفضلاء في الزلة

إن معظم المتوحدين الانقياء يفضلون العزلة على معاشرة الناس والتحدث إليهم، فاختاروها لهم ولتلاميذهم، وقد نزل ذلك منزلاً سامياً في نفوسهم، حتى إنهم فضّلوا العزلة الخالية من أية فضيلة على معاشرة الناس مع الفضائل. روى الأب فلاديس إنه سأل الأب سرماطا مرة: ماذا أفعل يا أبتِ، أني لم أقم بأي عمل مما للرهبان، ولكنني كسول آكل وأنام، وأفكاري مضطربة سيئة، قال له الشيخ: اعتزل في صومعتك واعمل ما استطعت إليه سبيلاً، ولا تضطرب، وأني واثق، إن بالعمل الضئيل الذي ستقوم به، سترتفع إلى رتبة الأب انطونيوس .

ولما كانت العزلة الهدف الأسمى لهؤلاء القديسين، فكانوا لا يميلون إلى التنقل سريعاً، وكانوا يقولون: إنه لا يوجد ألم أقسى من أن يترك الناسك صومعته، وينتقل إلى غيرها، وكانوا يصمدون في صوامعهم فلا يستبدلونها. وإذا انتصر الناسك في هذه المعركة، فإنه سيفوز منتصراً في جميع الميادين، وروي إن الأب ثيودور والأب لوقا، مكثا في صومعتيهما خمسين سنة وهما يفكران بالانتقال منها، وكأنا يؤجلان تنفيذ هذه الفكرة من الشتاء إلى الصيف، ومن الصيف إلى الشتاء وهكذا حتى انتهاء حياتهما .

ويروى أن ناسكاً حرّضه فكره مدة طويلة إلى زيارة إخوته، ولما اخذ جبته يوماً وشرع يغذ السير مسرعاً، راءه الشيخ جاره، فصاح وراءه، أيها الهارب، أيها الهارب، تعال إلى هنا، فلما عاد قال له: عد إلى صومعتك. فعاد إلى الصومعة وقدم توبة نصوحاً فصرخ الشياطين قائلين: إنكم انتصرتم علينا أيها الناسك وظفرتم فغدت الحصيرة التي في صومعته كأنها محترقة بالنار، وتبخر الشياطين مثل الدخان .

الفصل الثالث فوائد العزلة

إن مؤيدي العزلة ومحبيها وأن كانوا أكثر عدداً من مناهضيها، إلا أن مؤيدي المعاشرة يجدون فيها ( في المعاشرة ) بعض النواحي المفيدة، وعليه يجب أن نعقد فصلاً خاصاً في كل من العزلة والمعاشرة ، ونفسح المجال للقارئ اللبيب ليقابل بينهما ويستنتج أيهما الأفضل. وبما أن كل فائدة تسببها العزلة، تهدمها المعاشرة. وكل نعمة تأتي من المعاشرة تفتقدها بالعزلة، والمضار التي تسببها إحداهما تخلوا منها الأخرى، ففي العزلة نجد عشر فوائد:

الأولى : وتعتبر أسمى جميع الفوائد، وهي الحالة الروحية السامية التي يشعر العقل بها، وتسببها عذوبة الأعمال النسكية أثناء العزلة، أي معرفة الله الحقيقية التي تتجلى للنفس بوحي روحي، على حد تعبير الآباء: إننا نحن النساك نعتبر نفوسنا في داخل الباب، لأننا ندرك كنه الفضيلة بالجهاد الفكري الهادئ والتأمل المتعقل بالله، وإننا نختلي لا لننال الفضيلة – فإن إخوتنا في الأديرة يمارسون نفس الرياضة الروحية – بل لنحصل على ذلك بطريقة أسمى، مع العلم أن السكنى مع الإخوة (الرهبان) لا تعطّل الصوم والصلاة وغيرهما .

الثانية : الابتعاد عن كل ما تعيق أعمال الفضيلة، كالأعمال الدنيوية التي تشتدّ وطأتها بمعاشرة العلمانيين المستمرة، وهذه تتقلص بالابتعاد.

الثالثة : الابتعاد عن اغتياب الآخرين، هذه الرذيلة التي كاد لا ينجو منها الكاملون الذين يعاشرون الناس .

الرابعة : الابتعاد عن توبيخ المتمردين على الناموس، لأن كل من يساكن الناس لا يمكنه إلا أن يرى ويسمع تمردهم، فإذا وبخهم لا شك إنه يثير فئة ضد نفسه، وأن أحجم عن النصح والتوبيخ فإنه يشترك بخطايا الآخرين، حتى وإن كان باراً، مثال ذلك عالي الكاهن الجليل الذي كان فاضلاً جداً بأعماله فإنه نال عقاب الله عوضاً عن بنيه لأنه لم يوبخهم على أعمالهم .

الخامسة : الابتعاد عن المراءاة، لأن من يعاشر الناس يضطر إلى مداهنتهم ومن داهن الناس كان مرئياً، ومن كان كذلك فهو مرذول وحقير، على حد تعبير النبي داود: إن الذين يداهنون الناس أدركهم الخزي لأن الله رفضهم (مز 35 : 5 ) .

السادسة : الابتعاد عن رؤية الشر والسماع به، الأمور التي تتغلغل في كيان الإنسان بسهولة ولا تزول إلا بصعوبة بالغة على حد تعبير الرسول بولس: ( فإني أعلم أن الخير لا يسكن في أي جسدي، لأن الإرادة حاضرة لي وأما فعل الخير فلا، لأن ما أريده من الخير لا اعمله بل ما لا أريده من الشر إياه أعمل).(رومية 7 : 18 و 19) والخير بالنسبة إلى الطبيعة البشرية هو كالنار بالنسبة إلى مادة رطبة، فإنها لا تؤثر بها بسهولة، بل بصعوبة أما الميل إلى الشر فإنه شأن الإنسان كالقش أمام الشرارة والريح، فإنها تضطرم بسهولة، والإنسان يأخذ الشيء الكثير من الشر الضئيل، بأسرع مما يأخذ الشيء القليل من الخير العظيم، والأفسنتين القليل يسبب مرارة عظمى في العسل الكثير بينما العسل الكثير لا يؤثر في الأفسنتين حتى وإن كان أضعاف أضعافه، ثغرة صغيرة تجر النهر كله إلى الوادي، ولا يمكن أن يصد إلا بسدود قوية .

السابعة : الابتعاد عن الخصومات، لأن في المعاشرة لا بد من أن يحدث خلاف وإن كان الإنسان مع إخوانه وأقاربه، كما قال رب الحق: ( وسيسّلم الأخ أخاه للموت والأب ابنه، ويقوم الأبناء على والديهم ويقتلونهم (مت 10 : 7 و 21) و( مز 13 : 12).

الثامنة : الابتعاد عن الظلم والاعتداء، والتخلص من شرار الناس على حد قول الملفان :    ( إن البهائم السارحة في البيداء لن تُضرب بالعصا، ولا  تطرح وعول الجبال أمام الجزار، فإذا دنت السباع من سور المدينة مزق لِحَامها، والوعل الذي ينزل إلى الوادي يخاطر بحياته، فأحب ديرك في البيداء لتحيل الدير فردوساً واشرب مياه الينابيع لتسقي مياه الجنة، قد شبهنا الرب بالطيور فلا نبنين لنا الأعشاش وسط الزحام، مثلنا بالسواسن فلا ننبتن في الشوارع ) .

التاسعة : التخلص من تقديم الاحترام الفارغ لأي إنسان، أو طلب مثله من أي إنسان، فالذي يأمل الاحترام من أقرانه فإنه لا محالة خائب، ويؤول الأمر أخيراً إلى خيبته وخيبتهم على السواء، وإذا طلب إليه ذلك الآخرون فإنه لن يستطيع إرضاءهم، فمن كان بعيداً عنهم فإنهم في منجاة من كل ذلك، فيبقى عليه أن يحرص على رضئ الله الذي تفوق قيمته كل ما في العالم .

العاشرة : يخلص قريبه الإنسان من الأذى الذي يمكن أن يلحقه به، يحكى عن ناسك عمودي سأله البعض، لماذا سجنت نفسك في الصومعة ؟ كأنك في قبر ؟ قال : لئلا يؤذى الكلب الذي سجنته معي، الأصدقاء، وقد شبه هذا الناسك الفاضل غريزة الغضب التي سجنها معه، بالكلب .

 

 

 

الفصل الرابع فوائد العشرة

وقد وجد الحكماء أن لعشرة الناس عشر فوائد أيضاً هي:

الأولى : العلم – إن كل علم يحوزه الإنسان تهذيباً لنفسه والحصول على حياة أفضل، إنما يحوزه من الاحتكاك بالناس ومعاشرتهم، فليتتلمذ للمرشدين والمعلمين الصالحين، وبعد ذلك يخلد إلى العزلة والانفراد، كما قال مار اسحق: إننا نتعلم الفضيلة أولاً في المجتمع، وبعد التخرج بها نخلد إلى العزلة، وعند استغراقنا بها تقلقنا حتى زقزقة العصافير .

الثانية : التعليم – إذا كان التعليم لأجل بلوغ ملكوت الله فإنه يكون ذا أجر صالح، لأن كل معلم أو متعلم، يعلم أو يتعلم من أجل التكبر والعجرفة والمجد الفارغ، فعمله عقيم وأمله خائب، وقليلون هم المعلمون الصالحون كما يشهد أحد المعلمين بقوله: ليس فينا من يعلم بهوى، ولا من يتعلم لهوى، فمن يعلم تكبراً أو يتعلم للحصول على شرف فانٍ، إنما يسلك طريقاً وعراً، ويحطب في ليل بهيم فإذا كان فقيراً يتظاهر بالعجرفة، وإذا كان ضعيفاً ينتحل القوة .

الثالثة : إمكانية حصول الإنسان على المساعدة ممن يمكنهم مساعدته (بالقول أو العمل)، غير أن الإنسان الذي يكتفي بالقليل ويقنع، فالعزلة خير له ، بل هي أجدى له من معاشرة الناس .

الرابعة : ليساعد الضعفاء ويكمل نقص الناقصين، ومن يمكنه مساعدة قريبه من الربح الحلال لا يمكنه تطهير قلبه في العزلة والانفراد، وخير أن يعاشر الناس من والانزواء. كما يحكى عن الناسك افولونيوس أنه كان يشتري من الإسكندرية كل ما كان يحتاجه الإخوة ( الرهبان ) من الرمان والبيض والحاجيات الأخرى، ويقدمها لهم كل يوم، ففي العشرين سنة التي عاشها في الزهد استطاع القيام بإطعام خمسة آلاف أخ راهب .

الخامسة : الخبرة الثمينة التي يحصل عليها الراهب المبتدئ من معاشرة إخوان الغضب والحقد والواقعية، ولذلك كان الفاضل يأوني ينصح تلاميذه بقوله: اصمدوا اصمدوا، ثم اصمدوا، أيها الإخوة المجاهدون، واسمعوا الحكيم يقول لكم: إن الرب محصكم في الصومعة كما يمحص الذهب في البوتقة .

السادسة : الاهتداء والهداية التي يمارسها الراهب المبتدئ، وهذا عمل المرشدين ولا يمكن أن يؤدى في العزلة والإنفراد، بل بالمعاشرة يستطيع المرشد أن يرشد، والمسترشد أن يسترشد، ولذلك يجب أن يقابل بين فوائد العزلة وأجر العاملين الصالحين، ويختار ما يناسبه منهما.

السابعة : العزاء الذي يناله الإنسان في معاشرة إخوانه، وقد قال المرتل ما أطيب وما  ألذ أن يسكن الإخوة معا ( مز 133 : 1 ). ومن المؤكد أنه ليست كل تعزية حميدة سوى ما كان حافزاً للأعمال الصالحة والتسامي بالأمور الروحية، وهكذا يكتسب عزاء بمعاشرة الآباء الثقات والنساك الفضلاء والرجال الصالحين .

الثامنة : الثواب الصالح الذي يناله الإنسان بالأعمال الفاضلة التي لا تصاب إلا بمعاشرة الكثيرين، أو يكون سبباً لنوال الآخرين ذلك الثواب الصالح، والقسم الأول: كأن يطعم الجياع ويسقي العطاش، ويضيف الغرباء ويكسو العراة، ويزور المرضى ويعزي السجناء، والثاني: أن يفتح بابه للذين يشتركون في مصائبه ويفرحون لفرحه .

التاسعة : وداعة القلب التي تحصل بمعاشرة أبناء المجتمع، لأن كثيرين يتعلمون الخيلاء والكبرياء والعجرفة بسبب حياتهم المنعزلة الانفرادية، ومثل هؤلاء يفضحون إذ يحبون أن يزاروا دون أن يزوروا .

العاشرة : الحنكة التي تحصل من الخبرة العملية، لأن من لم يجرب الخير والشر، يخطئ الخير غالباً ويواجه الشر. قال الملفان: لم تصادفك البلايا لتتعلم منها الحكمة .

 

الفصل الخامس أعمال العزلة وقوانينها

إن الكاملين – تشجيعاً للمبتدئين – فضلوا العزلة الخالية من الأعمال على المعاشرة الغزيرة بالأعمال، وبالحقيقة أن للعزلة عندهم قوانين كثيرة وأعمالاً سامية جليلة فقال الفاضل مار اسحق: إن إخلادك للعزلة يجب أن يكون بتفهم لا بتقليدٍ كما يفعل الكثيرون، فليكن هناك هدف معين لتوجه إليه أعمالك الفاضلة، واسأل الذين مارسوا ذلك بالاختبار وليس بالقراءة فقط، وفكر في كل خطوة تخطوها فيما إذا كنت لم تزل سائراً في الطريق نفسِه أم ابتعدت، وأعمال العزلة هي :

الصوم المنظم والغذاء البسيط، الذي قد لا يبلغ حد الشبع، السهر المستمر الهادف إلى مواهب الرب، القراءة العميقة الصالحة لرغباتك الروحية وأعمالك الفكرية، وداعة الروح والدموع الحارة، الصلاة والركوع المتواصل والتهجد على الأرض، وعدم اللقاء بأحد طيلة أيام السنة، إلا في أوقات تناول الأسرار المقدسة أيام الآحاد.

والحبيس الماضي في عزلته لا يزوره أحد، لأن كثيرين احتبسوا بدون تعقل ولا هدف، وقد بدؤوا أعمالهم بالفقر الاختياري والفضائل البعيدة عن الأهواء المهلكة والصلوات المتواصلة، والتهجد المستمر على الأرض معفرين وجوههم على التراب والاحتباس الطويل والغربة والانقطاع عن رؤية الأهل والأقارب، وقد بلغتك أخبار نهايتهم. فقد استسلموا للراحة وانتقلوا إلى معاشرة الأغنياء، وانغمسوا في صخب أبناء الدنيا، وتوهموا إنهم أصبحوا مرشدين ومعلمين وهداة للرهبان إلى أعمال الزهد الشاقة مجتذبين كثيرين إليهم بحجة التعليم والتوجه، ولكثرة احتكاكهم بالناس أصبحت صوامعهم منتدى لأبناء القرى، وعوض التضحية السابقة اثروا حياة مغرقة بالضلال، وانهوا حياتهم بأعمال الجسد المادية، بعد كل تلك الأعمال النسكية والحياة النيرة، ومثل هؤلاء يسببون شكوكاً للحبساء، والأفضل أن يُحذر جانبهم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثامن الغربة وفيه خمسة فصول

 

الفصل الأول أراء الآباء في فضيلة الغربة

كان أحد الشيوخ يقول: إن النحلة حيث حلت فإنها تنتج الشهد، هكذا المتوحد، حيث يحل يعمل عمل الله، سأل أخ أحد الشيوخ قال: ماذا أفعل فان أفكاري قلقة بغريزة الحنين إلى الأهل؟ قال الشيخ: إذا كنت قلقاً بسبب الانحباس والغربة، والزهد، فاتخذ لك عملاً فكرياً في الصومعة ولا تغادرها، فإذا كانت أفكارك تعتقد في خروجك فائدة فافعل.

قال شيخ أخر: كما أن جماعة المتوحدين هي أفضل من أبناء الدنيا، هكذا الناسك الحبيس، عليه أن يكون قدوة صالحة للرهبان الساكنين في الأديرة الرهبانية.

وقال أحد الآباء: إن النساك الأولين لم يكونوا يغادرون صوامعهم إلا لثلاثة أسباب، الأول: إذا ضاقت السبل بأحدهم بقرب جاره، ولا يمكنه تنقية قلبه بقرب ذلك الجار. الثاني: إذا ازداد تمجيد الناس لنسكه. الثالث: إذا أثارت في نفسه الأهواء المنحرفة. وبدون أحد هذه الأسباب لم يكونوا يغادرون الصومعة.

قال الأب أوغريس: إذا كانت صومعتك مطروقة فاهرب منها ولا تأسف واجهد نفسك في الظفر بخلوة جديدة واعتزال كامل، لكي يمكنك الجهاد ضد عدو لا يُرى، وإذا لم تصب ذلك في وطنك فعليك بالتغرب، فالتغرب ينقذك من آلام تصيبك في وطنك.

وقال مار اسحق: إذا اضطررت إلى ترك وطنك في سبيل الله، وقد كنت فيه مرتاحاً، فذلك مطلع الفضيلة، وخوف أن تفقد قوة الروح وتقلق أفكارك وتضطرب فانتجع مواطن الفضلاء، وثق بأن الله سيوفر لك الراحة ويهديك سواء السبيل، ويهيئ لك منتجعاً تنال فيه التعزية المثلى أفضل من مقرك الأول وحتى إذا لم يزد في راحتك الجسدية كثيراً أو تنال فيه تعزية كافية.

وقال ياونّي رئيس الدير: إذا تركنا بيوتنا وأَهلَنَا في سبيل الرب وتغربنا فإن الأبالسة تعرضنا لأحلام مزعجة، وتظهر لنا أن أهلنا في حزن شديد من أجلنا أو تصور لنا أن أحدهم قد توفي، والبعض الآخر نالتهم الكوارث والمحن. وقال أيضاً: إن إبراهيم أبا الشعوب العظيم، سمع قول الله ( غادر أرضك حيث ولدت، وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك، وأباركك وارفع اسمك فتكون مباركاً، وأبارك مباركيك، ولاعينك ألعنهم) وقال أيضاً: إذا كل نبي محتقراً في مدينته فليحذر الناسك أن تكون غربته سبباً للمجد الفارغ.

الفصل الثاني تحديد الغربة

قال الأب سوسايس: الغربة هي أن يكون الإنسان منفرداً، وقال أيضاً جواباً على من سأله ما هي الغربة ؟ : كن صامتاً حيث أقمتْ، وكل ما تراه أو تسمعه وهو ليس خليقاً بالعمل الصالح، فقل في نفسك، مالي ولهذا الأمر ؟ ومن أنا.

وقال الأب اوغريس: الغريب هو من كان كل شيء في هذا العالم غريباً لديه. وقال ياونّي رئيس الدير: إن الغربة هي الابتعاد عن كل شيء في بيت أهلك مما يضاد أهداف التقوى، والتطلع إلى تقبل الضيقات في سبيل محبة الله، وقال أيضاً: الغربة هي الابتعاد عن كل ما يبعد الفكر عن الله والإغراق  في التأملات الروحية.

وقال الشيخ يوحنا صاحب الدوالي: طوبى للنفس التي تسرح في التأملات الروحية وتنقل من هذا العالم إلى عالم جديد، فتطير محلقة في سماء الأزل صحبة الكائنات الروحية المرهقة، وتخلد في خشوع روحي سام، وتغرق في تسبيح وتمجيد عجيب، وتفنى في عذوبة روحية لا توصف، وقال أيضاً: لنخطف إلى مخادع ذواتنا، ولندخلن إلى الملكوت السامية الكامنة في قلوبنا، أي لنرى إلهنا متوارياً في غمامات النور ومحفوفاً في ضباب اللانهاية، ونكشف فيه أمجاداً تتسامى عن هذه الكائنات المنظورة، ومن خلال هذه المعاني نعلم أن الغربة إما أن تكون جسدية: وهي الانتقال من بيوت آبائنا إلى برية مقفرة، ومجاهيل بعيدة، وإما روحية: وهي انتقال الإنسان بالفكر من هذا العالم لعالم لا يرى، والغربة الحقيقية هي الجمع بين الغربتين بآن واحد، كقولك: الغربة هي أن يهجر الإنسان بيته وأقاربه وسائر الأمور الزائلة في سبيل اللحاق بمواكب ملكوت الله.

الفص الثالث أقسام الغربة وأسبابه

إن التنقل والتغرب إما أن يكون في سبيل متعة مطلوبة أو محنة مرهوبة وكل منهما إما أن تكون مادية وإما روحية، والمحنة المادية، إما أن تكون عامة كالمجاعات والأوبئة والآفات، وإما خاصة، كفقد الإنسان أمواله الخاصة وأسباب معيشته، والمحن الروحية أربعة أنواع: الأول: الاضطهاد في سبيل الدين القويم، والثاني: الشكوك، الثالث: الصيت العطر، الذي يحوزه الناسك في موطن عبادته، والرابع: السقوط في محنة الأهواء المنحرفة. هذه الأمور التي قد تهاجم الناسك في منسكه.

والمتعة المادية، إما أن تكون ملموسة كالأرباح المادية، وإما فكرية كالنزهات والسياحات المؤنسة.

والمتعة الروحية أربعة أنواع: الأول: العلم نظرياً وعملياً. الثاني: رؤية رجال الفضل والصلاح. الثالث: التبرك من زيارة الأماكن المقدسة. الرابع: تفهم عظائم الله في كائناته.

وبعضهم لا يجيزون الهرب من المجاعات والأوبئة ويقولون: لا يجب الهرب من أحكام الله الخفية، ويجيزه غيرهم مستندين على قول الكتاب (اهرب من الغضب الآتي) أما الهرب من الاضطهاد فإنه مباح، وقد أيدته كلمة الله ( إذا طردوكم من هذه المدينة فاهربوا إلى أخرى) وهكذا ينتقل القديسون من مواطنهم تخلصاً من ثلاث آفات روحية أخرى، كما علمنا في الفصل الأول، وأما الهرب من السلب والأسفار في سبيل الأرباح المادية فليست من أهدافنا في هذا المضمار.

وقد أجاز المعلمون الأفاضل التغرب في سبيل المتعة الروحية وامتدحوه، وقد عينّوا له نظما كاملة. ومنع معلمو الزهادة التنقل في سبيل التنزه ، فقال أبو العارفين اوغريس: هناك شيطان الضلال الذي يسلب عقل المتوحد إذ يحمله على التنقل من مدينة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى، ومن بيت إلى آخر، ويبرر له هذا التنقل المستمر فيفسد صفاء عقله، بأمور شتى يصورها أمامه، مبعداً، إياه عن ذكر الله تعالى شيئاً فشيئاً، وهكذا بالتنقل يفسد عليه دينه، فيصطاد بشراك الرذيلة أو الغضب أو الهم.

وقال الشيخ يوحنا : إن إبليس الضلال يوسوس أحياناً في عقل المتوحد ويشير إليه قائلاً : اخرج قليلاً وتمنع بصحبة أترابك، وانزع عن قلبك هذه الوحشة الممضة، فطوبى لمن أنتظر التعزية من الله، ولم يلتفت إلى تعزية أخرى، يتوهم أنها قد تأتيه من الخارج بالمعاشرة والتنقل.

الفصل الرابع النظم المادية للمسافرين في الطريق

يجب على المسافرين في شتى الطرق أن يتقيدوا بثمانية نظم هي:

الأول : أن يفكر المسافر قبل سفره هل لأحد وديعة لديه ليعيدها إليه، ويرد كل ما

سلبه من الناس، ويطلب الصفح من الجميع.

الثاني : أن يختار له بعض الأتقياء رفاقاً للطريق فقد قيل ( في طريق الأشرار لا يسلك، وفي ناموس الرب دينهم وهم يلهجون بناموسه نهاراً وليلاً ).

الثالث: أن يزور جميع أقاربه وأصدقائه وأحبائه مودعاً.

الرابع : أن يدخل  الكنيسة فيصلي صلاة السفر، ويتبارك من القديسين ويفي جميع نذوره.

الخامس : ليرتل (لدى خروجه من داره) المزمور القائل (الرب راعيّ فلا يعوزني شيء ، على مروج خضر يربضني ومياه الراحة يوردني، رد نفسي وهداني في سبيل الحق من أجل اسمه، وإن سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معي، عصاك وعكازك هما يعزيانني).

السادس : ليغادر صباحاً، ثم يرتاح إذا اشتد حر النهار.

السابع : ليرح الدابة التي يركبها، إذا سافر راكباً ولا يضربها على وجهها ولا ينام على ظهرها، ولينزل عنها ويسير على قدميه أحياناً لراحتها خاصة في الصباح والمساء.

الثامن : عند عودته ليجاب ما استطاع من الهدايا لأهله وأقاربه، وإن كانت بسيطة.

 

الفصل الخامس النظم الروحية للمسافرين

إن هذه النظم يجب أن يتقيد بها الذين يسافرون في سيبل خير النفوس وهي:

الأول : ألا يغادر وطنه إلا للحصول على خير روحي قد لا يتيسر له وهو في وطنه.

الثاني : أن يزور الكنيسة فور وصوله إلى أية مدينة، وليسأل عن الأسقف أو بعض الأفاضل، الذين فيها، ويقابلهم ويسمع وليفيد وأن كلمة واحدة من كل منهم، وبعد ذلك ينتقل إلى غيرهم.

الثالث : ألا يقيم في المدينة أو القرية التي يمر فيها أكثر من عشرة أيام على حد قول الأب اوغريس: إذا اضطررنا إلى المكوث بعض الوقت في بعض المدن فلنحذر أن يظلم عقلنا بمعاشرة أبناء الدنيا.

الرابع : إذا قصد زيارة أحد الآباء الفضلاء في مكان ما، فلا يقيم لديه أكثر من يوم واحد، وأن قصد زيارة أحد الإخوة فلا يمكثن لديه أكثر من ثلاثة أيام، إلا إذا طلب إليه الأخ المكوث أكثر.

الخامس : إذا بلغ باب صومعة أحد الآباء لا يقرعه، بل يجلس بقربه حتى يخرج ذلك

الأب أو تلميذه، حينئذ يتقدم منه بتواضع ويحييه بورع.

السادس : ألا يتكلم حتى يسأل، وليكن جوابه طبقاً للسؤال ولا يزيد على ذلك، فإن الأب أوغريس تكلم مرة في اجتماع للرهبان فأطال وتطرق إلى أمور كثيرة فندد به شيخ الصومعة فقال: إنك تصلح أن تكون أسقفاً ورئيساً، وليس ناسكاً هنا، أما هو فتقبل ذلك برحابة صدر وقال: إن ذلك صحيح يا أبتِ، فلئن تكلمت مرة فلن أعيدها مرة أخرى.

السابع : ألا يسأل شيئاً من ذاته، لكن بعد الاستئذان، ويسأل ما إذن به بتأدب، لأن قصده هو لا أن يسدي الفائدة بل أن يحوزها.

الثامن : ألا يسهب في وصف الأطايب والثمار والفواكه والجداول والأنهار والجنائن الكائنة في المنطقة التي قدم منها، بل يحصر كلامه في ذكر الآباء القديسين والعلماء الثقات، والنساك الكاملين ورجال الفضيلة الذين فيها، وإذا سئل، فليعدد أعمالهم الصالحة وفضائلهم.

التاسع : إذا كان متزهداً ومحتاجاً فليطلب ما هو ضروري لحاجته فقط ليس من كل أحد، بل من الميسور الذي يمكنه إسداء العون له فقط.

العاشر : أن يكثر من ذكر الله في سيره، مرتلاً المزامير إذا أمكن وليحذر من الشعور بالارتياح في ترك صومعته، والسير مع رفاق غرباء، فإن الآباء يقولون: إن متعة ساعة واحدة قد تنزع الروح  القدس من الناسك.

الحادي عشر : إذا كان سفر الراهب في أماكن مأهولة تنتشر فيها القرى والأرياف، فلا يحملن زاداً للطريق، وإذا كان سفره في منطقة مقفرة لا أمل في لقاء أحد في الطريق، ولا يمكنه الانقطاع عن الطعام مدة عشرة أيام أو الاقتيات من الأعشاب فليأخذ من الزاد حاجته.

الثاني عشر : أن يكمل شريعة الإنجيل القائلة ( لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم، ولا تأخذوا في الطريق لا عصا ولا مزوداً، ولا يكن لكم قميصان، ولا حذاء بل نعلاً).

الثالث عشر : إذا كان المسافر كاهناً، لا يهمل أية صلاة من الصلوات الفرضية المعروفة، ويسوغ له الجمع بين صلاة الساعة الثالثة والسادسة بآن واحد وكذلك الجمع بين صلاة الساعة التاسعة والمساء، وليصل الصلوات الباقية في أوقاتها المعينة، وإذا كان علمانياً فليصلِ صلوات المساء والصباح والظهر.

الرابع عشر : إذا لا يعيقه رفاق الطريق فليصل وهو ماشٍ، أو راكب، وإن لم يستطع التوجه إلى المشرق، فليصل إلى أية جهة كانت، وليضمر أنه متوجه نحو المشرق

 

الباب التاسع زيارة أورشليم وفية خمسة فصول

 

الفصل الأول الآراء حول زيارة الأماكن المقدسة

هناك رأيان متضاربان في زيارة المدينة المقدسة أورشليم، الأول: رأي المتأدبين الأتقياء الذين لا يجدونها ضرورية، والثاني: رأي البسطاء الذين يعتقدونها واجبة.

إن أصحاب الرأي الأول: هم النساك الكاملون، العلماء الأثبات، الذين يتطلعون مشتاقين إلى أورشليم السماوية، بيعة الأبكار، وهم ماضون في عبادة الله بالروح، كما تعلموا من كلمة الله بالذات، فتفقهوا وعقلوا ما قال: ( الله روح والذين يسجدون له فبالروح حق ينبغي أن يسجدوا) فإن الآب أيضاً يطلب مثل هؤلاء الساجدين. وبدافع الآية القائلة: (ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في  أورشليم تسجدون للآب ) الأمر الذي سمعوه من كلمة الأب بالذات، وعليه لا يوجبون زيارة أورشليم، وقد كتب أحد النساك لرفيقه الناسك يقول: كتبت إليّ أنك ترغب السفر إلى أورشليم وأنا أكتب إليك أنك ضللت، فالكل يحرص على الارتفاع إلى أورشليم العليا، وأنت تهدف إلى هذه الأرضية ؟ أن هذا العمل ليس عمل العقل اليقظ، وأظن أن عيسو ساقك إلى ذلك وأنت لا تدري، فاطلب إليك أن تمكث في صومعتك، واجتهد أن تنسكب أنت في باطنك، وبهذه الطريقة يمكنك الانتصار على أعدائك، فأنت أورشليم، فإذا أطعتني وسمعت مني ومكثت في هيكلك الباطن تبصر المسيح محتفلاً بالعيد، فأغلق أبواب مدينتك، واجمع أبناءك (أفكارك) واحتفل بالعيد، وانظر إلى آمال النفس تمثل أطفال أورشليم حاملة أغصان الزيتون أمام المخلص، وهي تهتف في داخلك أوشعنا.

وأصحاب الرأي الثاني: هم أغلبية الرهبان والمؤمنين أبناء العالم، وهم يتوقون إلى أن يتباركوا من القبر المقدس، ويشاهدوا المناطق التي وطأتها قدما الرب وتلاميذه، وبما أنه لا يستطيع كل إنسان الارتفاع إلى الذروة الروحية لسموها وجلالها، ويسهل على السواد الأعظم في الناس تصور الفكرة الثانية، فلا يجب أن يمنعوا، لأنها ليست خالية من الثمار الروحية والفضائل والتقوى، وعليه يجب تبيان فرائضها وتعداد أساليب السير إلى هذا الهدف.

الفصل الثاني الآراء في السكنى في أورشليم

وفي السكنى في أورشليم أيضاً رأيان متضادان، رأي الذين يجدون في ذلك فائدة روحية وفضيلة، ورأي الذين يجدون فيه ضرراً ويبدون حذراً.

والذين يوجبون السكنى في أورشليم يستندون إلى أمجادها الروحية الواضحة في الكتب المقدسة، فقيل مثلاً ( ما أقدس مسكن العلي، الله في وسطها فلن تتزعزع، يعضدها الله في الصباح، عظيم هو الرب ومعظّم جداً في مدينة إلهنا وفي جبل الله المقدس المجيد، فرح في جميع الأرض، جبل صهيون في سفوح الجنوب، إنها لقرية الملك العظيم، الله في صروحها يظهر عزه ) إلى ما هنالك من الآيات البينات.

إن الساكن في المكان الجليل يكون جليلاً، وقد منحه المرتل الطوبى بقوله: ( طوبى لمن ترضى به فتقربه إليك وتسكنه في مسكنك، فيشبع من خيرات بيتك ومن قداسة هيكلك، ومن برّك الجليل. ومناهضو السكنى في أورشليم يسندون آراءهم إلى ما يلي:

أولاً: أن بالسكنى الدائمة فيها تتضاءل محبة الذات وتخمد: فيرتوي الشوق إلى رؤية الأماكن المقدسة، لأن الارتواء سبب الانكماش كما يقول العلماء وكلما ابتعد الإنسان عما يحبه تضاعف شوقه إليه، وهام به وتاق إلى رؤياه.

ثانياً: مضاعفة الخطايا لأنهم يقولون، إن كل خطيئة تقترف في المدينة المقدسة فعقابها مضاعف، ويسندون رأيهم إلى قول النبي داود ( أن الذي يسكن في مسكن الرب عليه السير في طريق الرب، طريق البر والصلاح أكثر مما يجب في أي مكان آخر يسكنه) ومن أوصافه عند داود: أن يفعل البر ويتكلم الصدق في قلبه، وليس غش في لسانه، ولا يعمل الشر لصديقه، إلى ما هنالك من الآيات، وعليه فمن يفرّط بإحدى هذه الفضائل فإنه يعرض نفسه لعقاب مضاعف يوم الدين.

ويكره البعض السكنى في أورشليم لأن الرب شدد النكير عليها بقوله: يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن اجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحها فلم تريدوا، لذلك سيترك لكم بيتكم خراباً ).

 

 

 

الفصل الثالث الشروط التي يجب أن يتقيد بها المسافر إلى أورشليم

هناك تسعة شروط يجب أن يتقيد بها الذاهب إلى أورشليم المدينة المقدسة هي:

الأول: أن الذي يستعد للذهاب يجب أن يتوب أولاً هن آثامه، وإنْ كان قد ظلم أحداً عمداً أو سهواً، فليحقق في ذلك ويتذكر كل ظروفه، ويعيد السليبة إلى صاحبها، وأن كانت لديه ودائع يسلمها إلى أصحابها، ويتحرر من جميع الشرور.

الثاني: لتكن نفقاته من الربح الحلال، أو من إرث شرعي وصله عن آبائه أو إخوانه، ليس حصيلة النهب أو السلب أو الاعتداء.

الثالث: ألا يأخذ معه مواد تجارية، لأن كثيرين من الذين يتوّخون الأرباح المادية يخطئون الأهداف الروحية، ويحرمون منها.

الرابع: أن يأخذ معه زوادة فائضة عن حاجته، من الربح الحلال، له وللذين معه، لكي يمكنه إعطاء المحتاجين في طريق، القيام بأودهم إذا كان ميسوراً، وإن كان فقيراً أو ناسكاً فليقِ همه على الرب وهو يعوله، ولا يزعج أحداً في الطلب، ويكتفي بما يقدم له لقوته الضروري.

الخامس: أن يكون سفره في وقت معين، وليحرص على أن يصل أورشليم في أسبوع الآلام، ليكون هناك فيحتفل بعيد القيامة العظيم ويشترك في المراسيم الدينية.

السادس: ليتلُ فور خروجه من داره آيات المزمور القائلة: (إن نفسي ظمآى إلى الله الحي، متى آتى وأرى وجهك ؟) وعندما يشرع في السير أو ركوب الراحلة يقول: ( فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب  … وليرتل هذا المزمور كله إن استطاع ) وليتأمل إلى أين هو ذاهب، وإلى من ولأي سبب.

السابع : ليكن حذراً  في الطريق من الشتم وما إليه، ومن الكلام الباطل الجالب الخطيئة، وليكن كلامه رقيقاً وروحه وديعة مع الجميع.

الثامن: ليسافر سيراً على الأقدام إن استطاع، لأن الركوب ليس شأن المجاهدين بل شأن المترفين.

التاسع: أن يكون بسيطاً في هندامه، ولا يتقلد الملابس الدالة على الكبرياء والعجرفة والتباهي الفارغ.

 

 

 

الفصل الرابع الشروط التي يجب التقيد بها في أورشليم

الأول : عندما تلوح له مدينة أورشليم يتلو هذا المزمور ( كما سمعنا هكذا رأينا في قرية الرب القوي، في قرية إلهنا، ليثبتها الله إلى الأبد، إننا نادينا اللهم نعمت في هيكلك، مثل اسمك اللهم هكذا تسابيحك إلى أقاصي الأرض، البر مليئة يمينك، ليفرح جبل صهيون ولتبتهج بنات يهوذا.

الثاني : إذا وصل إلى أورشليم فليتلُ أن قدمي تقفان في أبوابك يا أورشليم، أورشليم المشيدة، كمدينة مسورة، ليكن محبوك ميسورين، وليكن السلام في جيشك، والخصب في رياضك، من أجل إخوتي وأحبائي، أهديك التحية، من أجل بيت الرب الإله اطلب لك الخير).

الثالث : وإذا دخل الهيكل يتلو ( إلى بيتك يا رب دخت وأمام منبرك سجدت، أيها الملك السموي اغفر لي ما أخطأت ) ويتلو أيضاً ( ما أحب مساكنك يا رب الجنود تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب، قلبي وجسدي يسبحان الله الحي ).

الرابع : ليعد له ثياباً من الكتان الأبيض أو القنب إذا كان علمانياً، ومن الصوف إذا كان راهباً ، ليرتديها يوم القيامة، لأن الثياب السوداء دلالة على الخطيئة، وفي هذا اليوم هو ملك الأيام وعيد الأعياد وموسم المواسم، يجب الاتشاح بالبهجة والسرور الروحيين، فإن الملائكة أيضاً بشرت بقيامة الرب بثياب بيض والرب أيضاً ظهر بثياب بيض، في جبل التجلي. وقال الحكيم سليمان: لتكن ثيابك وهاجة.

الخامس : ليتبارك من جميع الأماكن التي وطأها الرب وتلاميذه القديسون ثم يعود إلى بيته.

السادس : إذا أنهى زيارته ورغب في العودة، لا يأسف على ما انفق في سبيل زيارته بل ليكن مبتهجاً. لأنه استحق رؤية بيت اله الإلهة ورب الأرباب، وجلس على الجبل الذي اختاره الله مسكناً له، ودخل المدينة التي نطقت فيها العظائم.

 

الفصل الخامس التأمل في الأماكن المقدسة

إذا وطأت قدماك أيها الأخ اللبيب الأماكن المقدسة التي أجرى فيها الرب أعماله بالجسد، فلا تمرّن بها مرور غير المبالي ولا تنظر إليها نظرة عادية، بل تصور ذاتك إنك شاركت فعلاً الذين كانوا معاينين وخداماً للكلمة، وتصور نفسك شريكاً في ذلك العمل الذي جرى في هاتيك الربوع، مثال ذلك، إذا رأيت المغارة قدم قرابينك مع المجوس، واذع بشرى الميلاد مع الرعاة، وادَّ الحمد والتسبيح مع الملائكة، واحمله على ذراعيك مع سمعان الشيخ في الهيكل، واحمله على منكبيك وهَبْ به إلى مصر، وتصوره يحبو مع الأطفال فعانقه وقبله واستنشق عبيره المنعش، واخشع لحكمته وهو جالس بين المعلمين يلقي عليهم حججه، وكن مرافقاً للمعمدان في عماده، وكن معه في صومه، واملأ الأحواض ماء في قانا الجيل، وإذا ما تصورته واقفاً على البئر مع السامرية فاسمع معاني الأعمال الروحية، وتعلم كيف تسجد لله بالروح والحق، وعندما يقيم الموتى، فثق بالقيامة، وصدق إنه القيامة والحياة، ورافقه في البرية، وإذا بارك فوزّع الخبز على الجموع. وإذا ما تصورته نائماً في السفينة فأيقظه ثم اغسل قدميه بدموعك، ونشفها بشعر رأسك، وفي العشاء اتكئ على صدره وتناول الجسد والدم المحيين من يديه.

وإذا ما غسل أقدام تلاميذه اغتسل أنت أيضاً من أوضارك، واهتف أوشعنا في العلى مع الرضع والأطفال، وتألم معه بآلامه، واشرب الماء على البئر معه واشرب معه الخل والمرارة، لتترنح معه في وليمته، مت معه لتنهض معه بقيامته، ولتّطف نفسك حول قبره مع مريم والدة الإله، وادخل معه الأبواب المغلقة وكن شريكاً لسمعان إذا وقف على البحر سائلاً عن صيد السمك، وشاركه في الطعام، وأحن رأسك للبركة إذا تصورته صاعداً إلى السماء، وأمكث في العلية لتحل عليك الروح القدس.

هكذا تأمل هذه الأعمال الإلهية وثق إن كل شيء سيتجلى لك في تأملاتك، وتكون أهلاً أن تتمتع برؤياه الجميلة ويلهب نفسك بحبه الإلهي.

 

 

 

 

 

 

 

المقالة الثانية ترتيب أعمال الحياة الجسدية وفيها ستة أبواب

 

الباب الأول الطعام والشراب وفيه أحد عشر فصلاً

 

الفصل الأول شروط الطعام

إن هدف الإنسان الحقيقي في هذه الحياة هو أن يعرف أن خالقه هو الله، كما علمّت الكلمة الإلهية بقولها ( وهذه هي الحياة الحقيقية أن يعرفوك أيها الإله الأب وحدك) وتكون هذه المعرفة نظرية وعملية، كلتاهما تطلبان في صحة الجسد وصحة الجسد واستمراره تتم في الغذاء. وعليه، كل من يتناول هذا يجب أن يتناوله نظرياً وعملياً، وعليه أيضاً أن يهذب الرغبة الطبيعية إلى تناول الطعام بشروط منظمة، وإلا لأشبه البهائم العديمة الآداب في طعامه، وهذه الشروط ثلاثة أقسام تراعى، قبل الطعام وأثناءه وبعده.

والشروط التي يجب أن تراعى قبل الطعام ثمانية هي:

الأول: أن يكون طعام الإنسان من كد يديه، فإذا أكلتّ من كد يديك أيها الإنسان فالطوبى لك والطوبى لنفسك.

الثاني: أن يغسل يديه قبل الشروع في الطعام.

الثالث: ألا يضع أنواع طعامه على مائدة مزخرفة مثل رؤساء الأرض وزعماء العالم، بل يضعها بتواضع على قماش مفروش على الأرض، والرب أيضاً أمر الجموع أن تتكئ على الأرض (هذا الشرط للنساك).

الرابع: ألا ينام على جنبه أثناء الطعام بل يجلس الأربعاء وإذا أوقف ركبته اليمنى فلا بأس.

الخامس: ألا يأكل إلا بعد شعوره حقيقةً بالحاجة إلى الطعام، ويرفع يده قبل أن يشعر بأنه اخذ كفايته منه والأطباء أيضاً ينصحون بعدم ملء المعدة ويقولون: لتكن المعد ثلاثة أثلاث، الثلث للطعام والثلث للشراب، والثلث للهضم.

السادس: إذا وضع الخبز لا ينتظر بعده إلى ما يغمس به، فإن الأب اخيلوس عندما زار صومعة الأب إشعياء ووجده يغمس الخبز بالماء والملح – لأن حنجرته كانت حنجرته كانت يابسة من شدة الحر – قال: هلمّوا انظروا الأب أشعيا يأكل مرقاً في الأسقيط ( صحراء مصر ) فإذا رغبت في المرق فاذهب إلى مصر.

السابع: ليُكثر الأيدي المتناولة للطعام إذا كان من أبناء العالم، وليشاركه في طعامه كل أهل بيته ( أبناؤك مثل أغراس الزيتون حول مائدتك ) وإذا كان راهباً ليكن الإخوة الرهبان معه، كما كان يجتمع الرسل القديسون سوية ويتناولون الطعام فرحين، إلا إذا كان هناك من لم يعتد أن يأكل مع غيره، فليأكل منفرداً مثل القديس يوحنا ذهبي الفم الذي لم يأكل مع أحد منذ أصبح رئيس كهنة، وهذه كانت إحدى المواد التي شُكي بها، فادعى خصومه بأنه كان يأكل بشراهة وإن تكوين فمه يصبح قبيحاً لدى تناوله الطعام، وعلى ذلك كان يأكل منفرداً.

الثامن: إذا اتفق وقت الصلاة مع الطعام بآن واحد، فلتُقدم الصلاة، ما عدا أيام الأربعاء والجمعة فالطعام يقدم على الصلاة.

 

الفصل الثاني الشروط التي يجب أن تراعى أثناء الطعام

هناك اثنا عشر شرطاً يجب أن تراعى أثناء الطعام هي:

الأول: إذا شرع ( الإنسان أو الراهب على الأخص ) في الطعام فليقل( باسم الله المقيت المشبع ) ومع اللقمة الأولى يقول ( ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب ) ومع الثانية: يقول (طوبى للمتكلين عليه ) ومع اللقمة الثالثة: يقول ( الذين يطلبون الرب لا ينقصهم خير ) وإذا قدم الشكر لله مع كل لقمة فنعم ما يفعل.

الثاني: أن يأكل بيده اليمنى.

الثالث: أن يبدأ طعامه بالملح ويختم به الطعام، لأن آباء البرية هكذا كانوا يفعلون.

الرابع: أن تكون اللقمة صغيرة وليمضغها مضغاً كافياً، ولا يمد يده أمام غيره.

الخامس: أن يأكل مما وضع أمامه، ولا يمد يده إلى ما وضع أمام من إلى جانبه بشراهة.

السادس: ألا يأخذ من قمة الصحن ولا من وسط الإناء ويتناول من طرف الرغيف.

السابع: ن يكسر الخبز بيده لا أن يقطعه بالسكين لأن ذلك شأن المترفين وليس شأن النساك.

الثامن: ألا يضع فوق الخبز الصحفة ولا إناء آخر، إلا ما كان معه معداً للطعام فقط ولا يمسح يده بالخبز.

التاسع: ألا ينفخ على الطعام الساخن بل يتريث حتى يبرد.

العاشر: إذا تناول الثمار ذات النوى، لا يضع النوى مع الثمار سوية في الإناء ولا يجمعها بيده ولا يلقي بها حوله، بل يضعها في إناء آخر على المائدة.

الحادي عشر: ألا يشرب الماء كثيراً مع الطعام إلا إذا اضطر إلى ذلك.

الثاني عشر: أن يتناول كأس الماء بيده اليمنى ويشرب، لا جالساً ولا نائماً، وليحذر من أن يتدشأ في الكأس عند شربه الماء.

 

الفصل الثالث الشروط التي يجب أن تراعى بعد الطعام

هي سبعة شروط :

الأول: أن ينقطع عن الطعام قبل أن يشبع كما قلنا.

الثاني: أن يأتي كل ما في الصفحة من الطعام، إن هذا شأن الزهاد المتواضعين.

الثالث: أن يمسح يديه بالمنديل ويكون حذراً من غطس يديه في الطعام ويحذر لمسها بشفتيه أو إدخالها في فمه.

الرابع: أن يلتقط الساقطة على المائدة ويأكلها لا شراهة بل احتراماً للطعام.

الخامس: إذا احتاج إلى تنظيف أسنانه بمسواك فلا يبلع ما يخرج منها، بل يمسحه بمنديل.

السادس: أن يقول بعد الطعام ( الحمد لله على خيراته الحمد لله الذي كفاني من نعمائه، الحمد لله الذي كفاني من فيض بركاته، وإذا تناول الطعام على مائدة غيره يقول ( ليبارك لله من أكرمني وليرحمه، وليغفر له الرب ولأمواته، من أكرمني ليكرمه الرب في ملكوته السماوي).

السابع: ليغسل يديه بالماء ابتداءً من أصابعه ثم أسنانه، ثم فمه وبشفتيه ثم كل يديه، ثم ينشفهما بمنديل، وإذا تناول الأسرار المقدسة لا يجب أن يغسل فمه بعد التناول في ذلك النهار.

 

 

 

الفصل الرابع شروط التناول الجماعي في الأديرة

يجب على الذين يتناولون الطعام على مائدة الدير الواحدة أن يراعوا اثني عشر شرطاً هي:

الأول: إذا حضر رئيس الدير أو المرشد مع الإخوة الرهبان، أو أحد الكهنة مع العلمانيين يجب أن يبارك ثم يباشرون الطعام.

الثاني: ليبدأ بالطعام الأكبر سناً، ويتبعه الباقون سوية.

الثالث: ألا يصمتوا على الطعام مثل البهائم على العلف، بل بين لقمة وأخرى ليشكروا الله، وفي الأديرة تقليد يقضي بأن يقرأ أحد الإخوة ميمراً أو قصة روحية أو فصلاً من الكتاب المقدس أثناء تناول الطعام لكي تتغذى النفس مع الجسد.

الرابع: ألا يتكلموا على المائدة، فالأب يوسف لما سمع الإخوة يهذرون على المائدة وبخهم قال: أيها الإخوة، أعوض الشكر والحمد الخفي لله تنطقون بالكلام الباطل ؟ فخجل الإخوة نادمين.

ورأى الأب سانو راهباً يضحك على المائدة، فبكى قائلاً: ماذا في قلب هذا الأخ ليضحك ؟ كان ينبغي له أن يبكي لأنه يأكل طعام النعمة.

الخامس: إذا تناول الطعام اثنان أو ثلاثة في طبق واحد، لا يسوغ لأحدهم أن يسابق الآخرين شراهة ، فإذا خجل أحدهم ليشجعه رفيقه بالتظاهر بأنه يأكل أكثر منه.

السادس: إذا قلص أحد الإخوة طعامه حياء فليقل له من إلى جانبه، كل يا أخي، حتى المرة الثالثة، ولا يزيد على ذلك ولا يقسم عليه بأن يأكل.

السابع: لا يسوغ لأحد أن يحوج صاحبه إلى الإلحاح به على الطعام، ولا يتصرف بما فيه الخداع بل ليتناول طعامه بهدوء وبساطة بالقدر الذي يريده والنوع الذي يرغبه.

الثامن: كل من له عادة تناول الطعام وحده كمية ونوعاً، فليفعل مثل ذلك إذا احتاج إلى تناوله مع الآخرين، وإذا لم تكن له تلك العادة الحسنة فليجهد نفسه بتعلمها، وليحرص على تقويم ذاته.

التاسع : ألا ينظر أحد إلى رفاقه وهم يأكلون، ولا يراقب لقمتهم كما قال الحكيم ( لا توآكل رجلاً نهماً ).

العاشر: لا يسحب الكبير الجالس على المائدة يده قبل الصغار لئلا يخجلوا فلا يبلغون حد الكفاية.

الحادي عشر: لا يسوغ قيام أحد الجالسين على المائدة بحركة يشمئز منها الباقون، فلا ينفض يده في الصحفة ولا يقدم رأسه منها عند تناوله الطعام، إذا اضطر إخراج شيء من فمه فليلتفت إلى الجهة الأخرى ويأخذ بيده اليسرى، ولا يزدرد الطعام بقوة، وإذا قضم شيئاً من اللقمة لا يغمس البقية في الصحفة، ولا يذكر على المائدة حديثاً يسبب الاشمئزاز.

الثاني عشر: عند غسل الأيدي فليدر بالمغسل من الجهة اليمنى، وليبدأ من الكبير، وينتهي بالصغير، والذين يغسلون سوية تواضعاً لا يسبق أحدهم رفاقه، ولا يبصق أحدهم في المغسل، إلا إذا كان منفرداً، والذي يقدم الماء لا يجب أن يجلس بل يقف على قدميه أو على ركبتيه.

الفصل الخامس تقديم الطعام للضيف

يأتي الضيف إما لزيارة أو لرؤية صديق، ولا يسوغ دخوله وقت الطعام لأنه قيل كل من تناول من عشاء لم يُدعّ إليه كأنه تناول بالاغتصاب، وإذا اضطر أن يدخل في ذلك الوقت، بالذات، فلا ينبغي أن يأكل إلا بعد الإلحاح، ويجب أن يميز هل الحوا عليه بانشراح ؟ وحينئذ فليوافق، وأما إذا كان الإلحاح حياءً فليعتذر ولا يتقدم. إذا كان أحد جائعاً وكان لديه أخ محب صدوق، ويعتقد أنه لن يتضجر إذا تناول الطعام معه، فليدخل ويتناول الطعام بارتياح وان لم يكن رب البيت حاضراً. فالمضيف لا يجب أن يبالغ في المكوث عند ضيفه أكثر من طاقته.

استضاف أحد الإخوة في الاسقيط (برية مصر) أسقفاً فقدم له خبزاً وملحاً وقال: اعذرني يا أبتِ فليس لي غير هذا لأقدمه لك، فقال الأسقف: آمل إذا زرتك في السنة القادمة ألا أجد لديك حتى هذا. ولا يسوغ للمضيف أن يقترض لهذا السبب وخاصة إذا كان بوسعه القيام بإطعام ضيوفه بصورة عادية، كما لا يسوغ للضيف الطلب إلى مضيفه كذا وكذا من الأطعمة، بل ليأكل فقط ما قدم له. يُحكى أن أحدهم استضافه صديقه فقدم له خبز الشعير والملح، فقال الضيف: إن الملح يطيب بالصمتر، فخرج الأخ ورهن قميصه واشترى شيئاً من الصمتر، ولما أكلا، قال الضيف: الحمد لله الذي أطعمني حاجتي. فقال المضيف: إذا كنت قد أكلت حاجتك لما كان قميصي مرهوناً؟ وإذا ألح المضيف على الضيف كثيراً فيما يجب أن يقدم له، فليختر ما كان هيناً عليه، ولا يسوغ للمضيف أن يسأل الضيف: هل ترغب أن تأكل ؟ فإذا كان لديه شيء ليقدمه بدون سؤال.

الفصل السادس عناصر الدعوة إلى وليمة وشروطها

عناصر الدعوة ستة منها تتألف المآدب. الأول: الدعوة، الثاني: قبولها، الثالث: الاستعداد لها، الرابع: تقديم الطعام، الخامس: تناول الطعام، السادس: الخروج من المآدبة. ولما كنا قد بحثنا شروط الطعام في الفصل الرابع نبحث الآن الشروط الباقية الخاصة بالمآدب وهي أربعة:

الأول: أن يدعو الفقراء والبؤساء طبقاً لتعليم الرب (إذا صنعت وليمة فادع الفقراء والمساكين والبؤساء والعرج والعميان، وطوبى لك لان ليس لديهم ما يكافئونك به، فتكون مكافأتك في قيامة الصديقين).

الثاني: إذا كان بعض أصدقائه وأقاربه فقراء فلا يجب أن يهملهم، فقد أمر الرب ألا يدعى الأقارب الأغنياء لئلا يدعوه هم أيضاً فينال مكافأته هنا.

الثالث: إذا رغب أن يدعو الأغنياء صداقةً وليس لأهداف أخرى فإني أؤكد أن الله لا يمنع ذلك.

الرابع: ألا يدعو من لا يرغب تلبية الدعوة، لأنه إن امتنع عن الذهاب يخجل من دعاه، وإن لبى الدعوة لسبب ما فإنه يلبيها مستاء، باعتباره اضطر إلى ذلك، ولا يجرؤ إغضاب من دعاه، وإلى هذا يشير أحد الحكماء بقوله: إن من لا يرغب تلبية الدعوة ولم يلبها فإن له خطأ واحداً، ومن يلبيها مكروهاً له خطآن.

 

الفصل السابع شروط التلبية

لتلبية الدعوة ستة شروط هي:

الأول: إن من يدعى إلى وليمة يجب أن يفضل أن يدعى مع الفقراء والبؤساء مما إذا دعي مع الأغنياء والمتكبرين.

الثاني: إذا علم أحد إنه دعي تملقاً وذهابه لا يسر من دعاه، فليعتذر ولا يذهب، وإذا تأكد أن عدم ذهابه سيحزن من دعاه، فليتلطف ويلبي الدعوة. قال أحد الفضلاء: لأني دعيت إلى وليمة ولم ألبِ، عذبني الله بالجوع أربعة عشر يوماً وتأكدت أن ذلك كان قصاصاً لي.

الثالث: ألا يمتنع عن تلبية الدعوة بحجة بعد الطريق، أن الأب فومان، عندما كان يضطره أحد إلى تناول الطعام معه، كان يلبي باكياً، لأنه كان يرغب ألا يحزن أخاه الذي دعاه، فكان يكسر شوكة إرادته في سبيل عدم تلبية رغبة أخيه.

الرابع: ألا يمتنع عن الذهاب بسبب صوم شخصي تمسك به وإذا رغب إليه أخوه حل صومه فليفعل، أسوة بذلك الناسك الذي كان مكثراً من أعمال الزهادة، ولما اضطره بعض الضيوف الوافدين أن يجاريهم خلافاً لتقاليد نسكه وافق، ولما سئل عن السبب قال: إن قصدي من ذلك كسر كبريائي.

الخامس: إذا عرف المدعو أن الوليمة أقيمت من أموال منهوبة أو مسلوبة، فليمتنع عن التلبية، وهكذا إذا كان الداعي ظالماً أو مغتصباً.

السادس: أن يذهب بطريقة لائقة لا بدافع الشراهة بل تعزيزاً لصداقة الداعي.

 

الفصل الثامن الحضور

للحضور ثمانية شروط هي:

الأول: إذا حضر المدعو وليمة لا يجلس في رأس المتكأ، وهذه وصية، (إذا دعيت إلى وليمة فأجلس في مؤخرة المتكأ، لكي إذا حضر الذي دعاك يقول ارتفع يا صديقي إلى أعلى فتكون لك كرامة أفضل لدى بقية المدعوين معك )

الثاني: إن الذي يوافق على قبول الدعوة، يجب ألَّا يتأخر عن الموعد المقرر، لئلا يزعج تأخره المدعوين الآخرين، ويجب أن لا يسبق الموعد كثيراً، لئلا يكون حضوره مفاجأة مزعجة لمن دعاه.

الثالث: من يحضر الدعوة لا يجب أن يدفع بمنكبيه بقية المدعوين، وإذا كان المتكأ ضيقاً، ليجتهد أن يجد له محلاً مناسباً على المائدة فيجلس.

الرابع: إذا عيّن له صاحب الدعوة مكاناً محترماً لجلوسه، لا يجب أن يخالفه بل يجلس حيث أشار إليه، وإذا دعاه المدعوون إلى الارتفاع فلا يوافق بسرعة، بل ليكن متواضعاً.

الخامس: إذا كان الداعي متزوجاً، لا يجلس المدعو أمام باب مخدع النساء ولا يكثر من النظر إلى المحل الذي تجلب منه الأطعمة.

السادس: يجب على رب البيت، أن يعين للمدعوين جهة الشرق من القاعة لغاية الصلاة، وكذلك المكان الذي فيه تقضى الشؤون الجسدية الضرورية.

السابع: لما كان وقتان اثنان للتغسيل، ففي المرة الأولى قبل الطعام يغتسل رب البيت أولاً، ثم المدعوين، أما المرة الأخيرة في نهاية الطعام فيغتسل رب البيت آخر الكل. ذلك شأن التواضع.

الثامن: إذا حضر المدعو الوليمة فوجد ما يعد خرقاً للناموس فليجتهد أن يبطله إذا استطاع، وإلا، ليُعلم الفاعلين ويخرج، ويقول مجمع اللاذقية: لا يسوغ للكهنة ولا الإكليروس مشاهدة المناظر المثيرة في الولائم والحفلات، بل ليخرجوا قبل دخول المغنين والراقصين.

 

الفصل التاسع تقديم الطعام

ولتقديم الطعام ستة شروط هي:

الأول: ليقدم صاحب الوليمة الطعام بسرعة، لئلا يزعج المدعوين بالتأخير والانتظار، وقال أحد الفضلاء: أن التأني جيد ومفيد إلا في خمسة أمور، تقديم الطعام للضيف، ودفن الميت، وزواج العذراء، ووفاء الدين، والتوبة عن المآثم.

الثاني: يجب تقديم الفواكه أولاً ليتشاغل بها المدعوون إذا قدمت بعده غالباً تتلف وتؤذي.

الثالث: يجب تقديم الأطعمة السهلة المشهية أولاً لا ما يقل منها نكهة فإنه غالباً تؤكل بصعوبة، وبعض الناس يفعلون بالعكس فإنهم في شدة الجوع لا يقدمون الطعام الشهي أولاً بل الأقل منه لأنه سيؤكل طبيعياً بشهية كاملة، وهكذا يصبح الطعام كله شهياً ولذيذاً.

الرابع: أن تقدم كل أنواع الأطعمة بان واحد، لكي يتناول كل من المتكئين ما يطيب له، والبعض يقدمون كل نوع وحده، ليُظهروا المدعوين كثرة أنواع الأطعمة لكي إذ شبع الآكل من نوع واحد أو من نوعين يهمل البقية وفي ذلك يتضجر الآكل ويزعج من دعاه.

الخامس: لا يجب رفع الأطعمة بسرعة بل حتى يأخذ كل حاجته منها.

السادس: ليقدم صاحب الدعوة كمية كافية من الأطعمة تبعاً لعدد المدعوين لان قلة الكمية تدل على قلة المعرفة، وكثرتها علامة الإسراف، ويجب على رب البيت أن يفرز ما يكفي لأهل بيته، خشية ألا يبقى ما يأكلون فيسبب لهم ذلك آلماً شديداً.

 

 

 

الفصل العاشرالخروج من الوليمة

وله ثلاث شروط هي:

الأول: أن يودع رب البيت ضيوفه إلى خارج الدار وليشكرهم لأنهم شرفوه بحضورهم وأنسوه بصحبتهم.

الثاني: يجب أن يخرج المدعوون مسرورين حتى وإنْ كان صاحب الدار لم يعرف أن يقدرهم كما يجب وليجدوا أعذاراً لبعض تقصيره.

الثالث: ألا يخرج المدعو إلا برضا صاحب الدعوة وموافقته، وإذا كان قد قدُم من بلدة بعيدة يجب أن يطلب إليه المكوث أكثر، ولكن لا يسوغ له المكوث أكثر من ثلاثة أيام.

 

الفصل الحادي عشر شروط مجالس الشرب

بما إن الفرح لا يتم أحياناً للمؤمنين بدون شرب الخمر في الولائم والأعراس يجب أن نضع لذلك أيضاً الشروط الواجبة وهي عشرة:

الأول: يجب على المؤمن العلماني أن يشرب الخمرة بحذر وبمقدار معين، قال أحد الحكماء: إذا شربت الخمرة بمقدار معين فإنها تولد لك البهجة والسرور، وأما إذا شربتها بدون حد فإنها تولد الخصام.

الثاني: لا ينقطع المؤمنون عند شرب الخمرة عن شكر الله، ويجب أن يتحدثوا بما يليق من الكلام المهذب طبقاً لما قال الحكيم نفسه: كالختم على صرة الذهب هكذا شكر الله مع الخمرة، ومثل أعلاق الذهب والحجارة الكريمة هكذا الكلام المهذب مع الخمرة .

الثالث: أن يختار الإنسان جليساً عاقلاً مساوياً بالكرامة والمنزلة وليبتعد عن المهذار والوقح.

الرابع: الصغير بالسن لا يجب أن يتكلم في مجلس الشرب، بل يسمع ما يتكلم به الحاضرون، وليحترم كلام الكبير، وواجب الجلوس أن يتجاذبوا أطراف الحديث بهدوء.

الخامس: يجب على الصديق التحدث إلى صديقه بلياقة ولباقة، وليبتعد عما يثير الشكوك والخصام.

السادس: الرجل العاقل لا يجب أن يستأثر بالكلام وحده، ويستمر في إلقاء الملح والنكات لكي يؤنس الجالسين ويضحكهم لأن ذلك ليس من شأن الشرفاء.

السابع: أن يحذر الإنسان من السكر، ولا يشرب أكثر من مُجاليسه، وإن أمكنه ذلك، وحالما يشعر بالسكر يدب في رأسه يتوقف عن الشرب طبقاً لما قال الحكيم: قم إلى بيتك وأنت صاح ٍ عاقل. وإذا اضطر إلى البقاء أكثر يعلن إنه لن يمكنه الشرب بعد الآن، وإذا كان الجالسون أصدقاءه فلينسحب بحكمة وتعقل وقد قال الحكيم: لمن الويل، لمن الشرور لمن الضربات القاسية ولمن ازورار العينين ؟؟ إلا للمدمنين على الخمر  ؟

الثامن: يجب أن لا يتناول أقل من رفاقه من الثمار وغيرهما مما يقدم لا للشبع بل للمساعدة على شرب الخمرة.

التاسع: إذا شعر أحد بانزعاج في معدته، حيث يؤدي إلى القيئ ليخرج حالاً من المجلس وبعد ارتياحه يعود ثانية إلى رفاقه.

العاشر: لا يجب الإسراع إلى مجالس ذكرى المواليد أو ذوي المناصب الكبرى. وإذا ألجأته الضرورة إلى ذلك فلا يتكلم إلا إذا سئل، وليسرع في الخروج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني الزواج الشرعي وفيه سبعة فصول

 

الفصل الأول البتولية والزواج وأيهما أفضل

يرتاي البعض إن الزواج أفضل من البتولية ويسندون رأيهم على وجود وصية إلهية صريحة بذلك وهي قول الله (انموا وأكثروا واملأوا الأرض) الأمر الذي لا يوجد بشأن البتولية، وقد شهد الرسول بولس بقوله ( أما البتولية فلم أتلق أمراً من الرب بشأنها ولكن أعطي رأياً ) غير أن الحق هو البتولية الحقة أفضل من الزواج، وهي مع الامتناع عن الزواج الامتناع عن سائر الأهواء الجسدية، وإلا يكون الزواج أفضل وأجدى، وقد قال سيد الملافنة القديس غريغوريوس اللاهوتي في ديوانه: بالنسبة إلى تفضل بها البتولية على الزواج، هكذا يفضل الزواج الطاهر على البتولية الزائفة. لان البتولية تتطلب حياة أسمى من هذا العالم. ويقول هذا الملفان أيضاً في كتابه مشيداً بقيمة البتولية الحقة بهذه العبارات الرائعة: جميلة الوجود، رفيعة الرأس، شفافة نيرة، أسمى من المادة، وأرفع من الجسد، غير موزعة بين المسيح والملك الأرضي، وليس فيها ناموس معطل للحياة، ولكنها مكرسة كل حبا لله. ولما كانت البتولية سامية بهذا المقدار، لا يمكن أن يتحملها إلا القلة القليلة من الناس فقط، أولئك الذين خلعوا العالم كما قال الرب في جوابه للفريسيين في صعوبة انحلال الزواج الشرعي، (أن الذي خلقهما منذ البدء خلقهما ذكراً وأنثى، وقال: لأجل ذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم زوجته ويكونان كلاهما جسداً واحداً فليس هما اثنين لكن جسد واحد، فما أزوجه الله لا يفرقه الإنسان ) ولما سمع التلاميذ ذلك قالوا: إذا كان الأمر كذلك بين الرجل والمرأة فخير للرجل أن لا يتزوج. أي إذا كان طلاق المرأة بهذه الصعوبة ستصبح المرأة شريرة وقحة كالوحش الكاسر، وعليه لا يجب الارتباط بها بهذا الرابط الشرعي. فأجاب الرب: ليس كل إنسان يتحمل هذه الكلمة إلا الذين أأأأأأعطوا. أي لا يستطيع أي إنسان كان تحمل البتولية والقيام بكل واجباتها الدقيقة إلا الذي أعد لهذا منذ الرحم، وفي التحمل يعود فيقول: يوجد خصيان الخ … أي الذين عوض أعضائهم أوقفوا أفكارهم وقطعوها وزهدوا في أهواء الجسد ليصيروا مثل الملائكة

 

في ملكوت السماء، ومن يمكنه التحمل ليتحمل، أي ليقاس هذه الشدة، وبما أن الذين قد يمكنهم ذلك هم أقل من القلة، لذلك فضل القديسون الزواج الشرعي على البتولية الزائفة.

الفصل الثاني قيمة الزواج الشرعي

إن موسى سن ناموساً يوضح فيه قيمة الزواج باعتباره أعطي ببركة من الله وقد ورد ذلك واضحاً في الأسفار المقدسة، واليك قوله (وخلق الله آدم على صورته على صورة الله خلقه، ذكر وأنثى خلقهما وباركهما الله وقال لهما: انموا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها (تك 1) ولم يلعنه الله عند سقوطه في المعصية لئلا يبطل قوة هذه البركة بل لعن الأرض بسببها، وقد تأمل الحكيم سليمان بهذا السر فقال: (إن المرأة تخطب للرجل من الله) وهكذا الرسول بولس الذي له فكر المسيح تكلم في هذا السر وأثنى عليه فقال: هذا السر عظيم، أقول ذلك في المسيح والكنيسة، وأما أنتم فليحب كل منكم امرأته هكذا كنفسه، كما أحب المسيح الكنيسة ويبذل نفسه من أجلها ليقدسها مطهراً إياها. (افسس 5: 25-26) والقديس غريغوريوس اللاهوتي يمتدح أمه نونا فيقول: إنها امرأة بطلة من يجدها، فقد سمعت كتاب الله يقول: إن الزواج الصالح الذي يعقده الرب لهو عطية الله العظيمة، فما أجمل ذلك، حتى للذين من الخارج، فلا توجد نعمة ينالها الرجل أعظم من الزواج الصالح من امرأة صالحة. وقال أيضاً في تأبين أخته جورجونيا: إن سليمان الحكيم يمتدح المرأة الفاضلة في أمثاله الحكيمة ويطري حرصها على بيتها وحبها لزوجها وبعكسها المرأة المتطلعة إلى الخارج الساقطة تتصيد نفوس الكرماء وهي بعكس المرأة الفاضلة الهمامة النشيطة التي يداها في المغزل وهي تعد الحلل الكاملة لأبناء بيتها.

والقديس أياونيس (الذهبي الفم) قال في تفسيره إنجيل متى، في شرح العبارة التي مطلعها، (حينئذ قال يسوع لتلاميذه: إذا أراد أحد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويتبعني: إن الذين تلمذهم الرسل والسالكين في المدن كانوا يمثلون عفاف الذين سكنوا البراري، وغيرهم أيضاً كانوا يتجردون كبريسقيلا واقولأوس والأنبياء كلهم كانت لهم نساء وبيوت كإشعياء وحزقيال وموسى الكليم، ولم يكن ينقصهم شيء من الفضيلة.

وقال يأونيّ رئيس الدير: يقول البعض إنه لا يسوغ أن نسمي الرجل المتزوج طاهراً، وهم لا يدرون أنه لو أعطيت مفاتيح ملكوت السماء لرجل بتول الجسد لكان قولهم صحيحاً، ولكي يُنقض رأيهم، أعطى حمل مفاتيح القداسة لمن كانت له حماة، وكان طاهراً .

وقال مار يعقوب الملفان في ميمر البتولية: ما أحب الزواج وما أجمله منذ رتبه الخالق، والفراش نقي وكله روعات، إنها الطريق العظمى الخالية من العثرات، مهدها الأبرار بجمال فضائلهم، في رأسها آدم وبعده شيت الجميل، وانواش وأخنوخ ونوح وإبراهيم واسحق ويعقوب، فمن ذا يجرؤ على الطعن بطريق سلكها المزينون بأسمى الفضائل

 

الفصل الثالث فوائد الزواج

إننا نعرف خمس فوائد للزواج الشرعي هي :

الأولى: النسل، وهو الهدف الأساسي من الزواج، تطبيقاً للوصية الإلهية الأولى حيث نصت (انموا وأكثروا واملأوا الأرض) وأما اللذة الناتجة عنه فإنها الهدف الثانوي، لأن هذه غرست في الطبيعة لاقتناص النسل، ولم توجد الأولى من أجل الثانية، ويطلب النسل لأربعة أسباب هي:

1 – تكميلاً لأمر الله الموجب بحفظ الجنس البشري.

2 – تشبهاً بالآباء الأولين إبراهيم واسحق ويعقوب وبقية الأبرار الصالحين.

3 – التعزية التي ينالها الإنسان بأبنائه وخاصة إذا كانوا صالحين.

4 – إبقاء النسل الصالح بعد الإنسان ليصلي من أجله.

الثانية: إخماداً لأهواء الجسد وتحفظاً من السقوط، ولذلك أمر الرسول بولس المتزوجين قائلاً: لا يمنعن أحدكم صاحبه إلا إذا اتفقا بسبب الصوم والصلاة، ثم تعودان إلى نفس العمل لئلا يجربكما الشيطان بسبب شهوة أجسادكم فالزواج خير من التحرق بالشهوة. وقال الحكيم: حيث لا يوجد سياج تنهب الكروم، وحيث لا توجد امرأة فالطياشة واضحة، فمن يصدق الأعزب إنه مثل الظبي ؟

الثالثة: راحة الأفكار وخمود التجارب الشيطانية التي كثيراً ما تقلق الإنسان وتبعده عن الفضيلة.

الرابعة: ارتياح الإنسان بوجود امرأة تدبر بيته طبقاً لقول الحكيم: إنها تقوم في الليل وتعطي طعاماً لأهل بيتها وعملاً لصباياها.

 

 

الخامسة : البطولة التي ينالها الإنسان بالصبر على أخلاق النساء وكثرة مطالبهن، وثقل أحمالهن، مقابلة بالنساء الفضليات النشيطات اللواتي يحملن أثقال أزواجهن، الأمر الذي يصدف نادراً، وعليه فأن الرجل الفاضل مع المرأة ينقى كالذهب في البوتقة

 

الفصل الرابع أضرار الزواج

إن للزواج أربعة أضرار هي:

الأولى: عدم استطاعة الرجل ذي الزوجة والأولاد العدل في أحكامه، لأن من تكثر نفقاته يجهد نفسه على الحصول عليها بأية طريقة كانت، وربما احتاج إلى النهب أو السلب، أو الاغتصاب أو السرقة أو اللصوصية، وهذه أعظم جميع الأضرار الباقية وأقساها، وهي مهلكة للنفس والجسد.

الثانية: صعوبة تحمل خلق المرأة، وعدم القدرة على تلبية جميع مطالبها، ورجل تواجهه مثل هذه المشكلات ربما يطلب التخلص من رباط الزوجية.

الثالث: انهماك الإنسان في سد حاجات المرأة والأولاد وضعفه في الأعمال الروحية، وقال الرب في هذا الصدد: ( من يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وأخته وامرأته وأولاده وحتى نفسه، لا يمكنه أن يكون لي تلميذاً ).

الرابعة: سؤال – إن شهادته هذه توصد باب الملكوت أمام المتزوجين، وكيف نصلي دائماً أن يضم هؤلاء إلى أحضان إبراهيم وبقية الآباء ؟

الجواب: ليس كل إنسان باستطاعته الوصول إلى درجة هؤلاء الآباء الصديقين، فيقول بالواجبين بآن واحد، فقد تسامت نفوسهم الجبارة إلى درجة الكمال التي لا يبلغها إلا القلائل ومن أخذ الأمور بشجاعة وبساطة بآن واحد، وهو من الأجراء لا من البنين، فاستطاع تلبية مطالب النساء وتحمل خلقهن ولم يستطعن منعه، من أعمال البر والفضيلة فإنه يجني فوائد الزواج كاملة، من إنجاب نسل، وإخماد شهوة، والذين لا يمكنهم النجاة من شوائب الزواج فأشير عليهم ألا يطلبوا فوائده، لأن الجهاد ضد المرض لا يُنيل الصحة وحده.

أما الحكماء المحنكون والذين تساموا إلى درجة البنين فلا يقدمون على الزواج بل ليطبلوا حياة أسمى من هذا العالم فقد قال الآباء: إن المتزوج يشبه من ربطت يداه،

 

 

وكبلت رجلاه، وهو وإن أمكنه السير حيناً، لكنه يعثر ويسقط أحياناً ولذلك قال الرسول القديس بولس: كنت أرغب أن يكون جميع الناس مثلي، ولكن من أجل الضيقة فليتزوجوا.

الفصل الخامس الصفات المطلوبة في الخطيبة

هناك عشر صفات تطلب في الفتاة (إذا وجدت) تجعل خطيبها سعيداً وهي:

الأولى: أن تكون مزينة بالتقوى، ومثل هذه تدعى امرأة فاضلة ( والمرأة الفاضلة طوبى لزوجها ) تتضاعف أيام حياته وأما المرأة الشريرة فإن وجه زوجها يذبل.

الثانية: أن تكون وديعة هادئة، لأن المرأة الصاخبة كالرجم الساقط في يوم عصيب، وخير للرجل الجلوس على عامود جارح من الجلوس مع المرأة الصاخبة، والمرأة الوقحة كالبوق الهاتف الداعي إلى الحرب.

الثالث: ألَّا تكون كسولة متوانية، بل قوية نشيطة ( المرأة الفاضلة من يجدها ثمنها يفوق اللآلئ، والمرأة الحكيمة بنت بيتها والجاهلة دمرته ).

الرابعة: إلا تكون مجردة من الجمال لأن بشاعة المرأة تحمل الرجل إلى التطلع إلى الخارج، والجمال يتطلب مع التقوى، كالشمس المشرقة في السماء كذلك المرأة الصالحة في خدر بيتها، والحسن كاذب والجمال باطل أما المرأة النقية فهي المبتغى وقد قال الحكيم: لا يغرنّك جمال المرأة السفيهة) وأعلم أن الجمال الظاهر يدل غالباً على الجمال الباطن، والعكس بالعكس، كما يؤيد الفلاسفة، وقال العظيم بين الملافنة مار أفرام: كل ما يوجد في كيان النفس يستطيع الجسد أن يظهره فإذا كانت الشهوة راسخة في كيانها فإن الجسد يظهرها، وإن كانت فيها الكبرياء فالجسد يمكنه تبيانها. ولهذه الأسباب الأربعة قال الحكيم: فتش عنها ثم تجاوب، وقبل اختبارها لا تقترن.

الخامسة: ألا تضع على الرجل أثقالاً صعابا ينوء بها، بل ترضى بما يقدمه وان كان ضئيلاً، وكما أن المرأة لا يجب أن تضاعف المهر على الرجل كذلك الرجل واجبه ألا يضاعف النفقات عليها. قال أحد الفضلاء: إن من يخطب امرأة ويسألها ماذا تملك فإنه لص يريد ابتزازها.

السادسة: أن تكون من جنس الولادات لأن من الولد تزداد الحكمة، وتقوي أواصر الوحدة وتتضاعف السعادة على حد قول الحكيم: المرأة الولاّدة تسعد شعبها.

السابعة: أن تكون محافظة على عذرتها، وهذا أثمن ما فيها وسبب مباشر لحب زوجها، كما يشهد الاختبار، فيهيم بها طبقاً لناموس الطبيعة. أما التي جربت رجالاً كثيرين وعاشرت رفاقاً عديدين فإنها لا تنقطع من التذمر على البائس الأخير، وإنْ استولت على كل ما يملك، ولذلك قال الحكيم: افرح مع امرأة شبابك الأيلة الغالية والوعلة المحبوبة.

الثامن: أن تكون من بيت كريم لأن الشجرة الصالحة لا تثمر إلا ثماراً صالحة وبالعكس طبقاً لآية الإنجيل.

التاسعة: ألَّا تكون من الأقارب الأقربين لسببين، الأول: لأن تقارب الأبعدين يجعل من الغرباء أقارب، ومن الأعداء أصدقاء. الثاني: لأن الشعور المدرك للذة يدرك المواضيع الجديدة إدراكاً كاملاً، وأما المواضيع التي اعتاد النظر إليها فإنه يملها، ويدركها بصورة مبهمة، ولا شك أن ضعف الإدراك يؤدي إلى ضعف اللذة، ولهذا السبب تبرد المحبة، فيولد أولاد المجوس الذين يتزوجون الأقارب الأقربين – غالباً مشوهين غير متناسقي الأعضاء.

العاشرة: ألا تكون من بنات الديانات الغريبة، لأن اختلاف العقيدة يولّد التنافر، وفي الخطبة يجب أن تنشأ الألفة لا الخلاف، وأما قول الرسول بولس، المرأة غير المؤمنة تتقدس بالرجل المؤمن. فذلك كان في فجر البشارة وقلة المؤمنين، وبعد ذلك لم تبق ضرورة لهذا.

 

الفصل السادس واجبات الرجل نحو زوجته

هناك سبعة واجبات على الرجل نحو زوجته هي:

الأول: أن يخاطبها بلطف ورقة عظيمين، ويحبها حباً صادقاً لأنها عضو من أعضائه، ولحم من لحمه وعظم من عظامه، وقد قال الرسول القديس بولس: أيها الرجال أحبوا نساءكم ولا تكونوا قساةً عليهن. وقال أيضاً: هكذا يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم، فمن أحب امرأته أحب نفسه ولم يبغض أحد جسده قط بل يرّبيه ويغذيه.

الثاني: أن يهدئ روعها إذا غضبت، وغاضبت، ويلاطفها بتودد وترغيب وعطف ويضع عقله السليم في مستوى عقلها اللطيف، ويحقق رغباتها على حد تعبير الرسول بطرس: وأما أنتم أيها الرجال فاسلكوا مع نسائكم بحكمة وعاملوهن بإكرام كآنية ضعيفة.

الثالث: ألا يتمادى معها مدللاً فتهبط كرامته عندها، وتعتبره كمغفل، ويجب على كل رجل أن يفهم خلق امرأته وأطباعها ومشاعرها بما يتفق وغرائزها. ويقال إن امرأة شريرة خطبت ابنتها لشاب جندي وعلمتها: اختبري زوجك أولاً ثم استولي عليه، أخرجي نصلاً من كيسه وسهماً من جعبته، فإذا لم يغضب فقطعي اللحم على ترسه، وإذا رضي فاكسري العظم بسيفه، وإن تحمل فضعي بردعة على ظهره واركبيه، فإنه بهيمتك.

الرابع: أن يغار عليها بحدود، ولا يهملها إذا لحظ فيها حركات قد تؤدي إلى كارثة في النهاية إذا أهملت في البداية، كالنظرات الطائشة والحركات المنحرفة على حد قول الحكيم: إن سقوط المرأة بكبريائها ومن جبينها تعرف. ولا يبالغ في الغيرة عليها لأن الغيرة الملحة تؤدي بها إلى أن تخون زوجها الغيّار ويدفعها إلى الرذيلة فيما إذا لم تسقط فيها بعد فكرة سيئة، والغيرة سوس للعظام.

الخامس: أن يقوم بأودها باعتدال لا بإسراف ولا تقليل لأن كلا منهما يؤدي إلى نتائج وخيمة.

السادس: أن يروّضها على الصوم والصلاة، ويزيد في أيمانها وغيرتها ويمرنها على أن تعطف على الأيتام والبائسين وتعطي نصيباً للجياع مما يتوفر عن حاجات أهل بيتها.

السابع: إذا تمردت دون إساءة من زوجها فعليه أن يحملها على الطاعة ويبدأ بالنصح والإرشاد فإن لم تعتدل لجأ إلى التوبيخ الهادئ ثم الصارم، وإذا أبت وكابرت يجفوها وهي في داره، وإن تمادت في غيّها فليسلك معها طرق العنف، وإن لم يفد منها، أبعدها عنه شهراً من الأيام ثم يقدمها إلى المحاكمة.

 

الفصل السابع واجبات الزوجة نحو زوجها

منذ أيام الخطيئة يحوز الرجل منزلة السيادة على المرأة ، كما يؤكد الرسول بطرس ناصحاً النساء أن يطعن أزواجهن كأسيادهن، لأن سارة كانت تطيع إبراهيم وتدعوه سيدي، والقديس بولس يقول: أيتها النساء اطعن أزواجكن كما للرب لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة. وقال أيضاً: فليس الرجل من المرأة بل المرأة من الرجل، ولم يخلق الرجل من أجل المرأة، بال المرأة من أجل الرجل. وعليه فواجب المرأة أن تطيع زوجها في كل شيء ما خلا الأمور المضادة للشريعة، وهذا قانون عام وخلاصة جميع الواجبات التي سنحدد كلا منها كما يلي:

يجب على المرأة الصالحة أن تستطيب المكوث في بيتها ( تبسط ذراعيها بنشاط، وتمسك المغزل بيدها) ولا تخرج إلا للضرورة، وبمعرفة زوجها، فتتدثر باحتشام ولا تمر في الشوارع المزدحمة بالرجال بل بالأزقة الخالية من المارة. أن التي لا تستقر قدامها في دارها فإنها ماردة مستهترة، فتراها شاردة هنا وهناك في الأزقة والشوارع وأحياناً فوق السطوح، متطلعة إلى الخارج من الكوى والشبابيك. ولا يجب أن تطيل الحديث مع الجيران والجارات، ولا تدخل بيوتهم إلا للضرورة. ولتخجل من زوجها وتحترمه على حد قول الحكيم: الابنة الحيية تخجل من زوجها وانحلال في الأيدي وتحطيم للركب، المرأة التي لا تحترم زوجها، ولا تُسْمع للغريب صوتها ولا تطلب حاجة إلى أصدقاء زوجها، ولتستتر عنهم بقدر إمكانها ولا تتودد إليهم، وإلا لتّنهد ّزوجها بدون إرادته وهو جالس بين أصدقائه، وإذا غاب زوجها فطلبه أحد أصدقائه لا تكلمه ولا تسأله عن حاجته، فتضع ثقلاً على زوجها ولتقنع برزقها، وجميل بها أن تكثر من الأصوام، وأحياناً تختار أصواماً إضافية ولكن بموافقة زوجها، فقد قال الرسول: إذا اتفقتما سوية على التفرغ للصوم والصلاة. وإن تربي أولادها، وبناتها تربية صالحة، وتحب الخدام والخادمات كأولادها، وتتصدق بموافقة زوجها، ولا تطيل لسانها عليه، لأنه مثل حمل الرمل على رجلي شيخ هكذا لسان المرأة الطويل على زوجها الوديع. واحتراماً لزوجها لتهتم بشؤون أهله وأقاربه قبل اهتمامها بنفسها وبشؤون أهلها وأقاربها ولتتزين إذا كان زوجها حاضراً، وبعكس ذلك إذا كان غائباً، على حد قول الملفان: إذا كان زوجك يحب الزينة فتزّيني له في بيته، وإذا هام بزينتك فذلك ليس جريرة، ويجب أن تكون هذه الزينة محتشمة ومعتدلة على حد قول الرسول بولس: فلتتزين النساء بالحياء والعفاف. وقال الملفان: إن الزينة غير المحتشمة عار في كل مكان فالغريب يرى ويزدري، والقريب فيخجل. وواجبها القيام بخدمة بيتها بقدر إمكانها. ولا تكونن قد ركبتها العجرفة على زوجها، بجمالها ولا تحتقره إذا لم يكن جميلاً .

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث في نظافة الجسد – وفيه عشرة فصول

( رأينا أن نعرض عن ترجمة هذا الباب برمته ونشره لعدم نفعه في الوقت الحاضر  )

 

الباب الرابع التربية والتعليم وفيه أربعة فصول

 

الفصل الأول تربية الأطفال

إن جميع المشرّعين يحثون على العناية الفائقة بتربية الأطفال تربية تليق بالإنسانية الكاملة، وسنستمد هنا جزءاً من ذلك الكل ونقطة من ذلك الباب فنقول:

حالما يولد الطفل يجب أن ينتقي له والداه اسماً جميلاً خشية أن يكون الاسم غير الجميل عرضة للسخرية من قبل رفاقه في المستقبل، وتنتقى له مرضعة صالحة ذات ذوق سليم، لأن الأخلاق والغرائز تغرس في الإنسان منذ الرضاعة، طيبة كانت أو خبيثة، فيصعب أمْ يتعذر استئصال الخبيث منها بأية حال من الأحوال، وإذا انتهت فترة الرضاعة، ويباشر الطفل بتعلم النطق والكلام، يجب أن يُعلم صلاة (قدوس أنت يا الله ) فيرددها باستمرار، وفي المعمودية ينتقى له أشبين (عرّاب) صالح وحكيم .

وبما أن في بداية الحياة تكون أشعة العقل ضئيلة، يكون الطفل غالباً كذوباً حسوداً، طماعاً سارقاً قلابا، فوضوياً، غاشاً لذاته وللآخرين، وعليه يجب أن تستأصل من تربة نفسه وعقله كل هذه الأخلاق البدائية ويحد من عنفها بحكمة ودراية قبل أن ترسخ في نفسه النامية وإلا يستحيل كبح جماحها على حد قول الحكيم: أدّب ابنك وهو طفل، هذب طفلك لئلا يزدري، احنِ رأسه ولم يزل بعد لدنا، ذلّل كبرياءه وهو بعد رضيع، قبل أن يكبر ويقوى، فيتمرد عليك.

وقيل لسقراط ، لماذا تحب أن تعلم الأطفال أكثر من الكبار ؟ أجاب: لأن الغصن مادام رطباً يمكن تقويمه، ولكن إذا يبس يستحيل تبديل أوضاعه.

وأول دلالة تظهر للعقل في الطفل الحياء، ولا يحب إهمال ذلك أيضاً، لأن مثل هذا إذا رُبي تربية صحيحة يصبح رجلاً صالحاً، والطفل الذي لا يحمر وجهه خجلاً يستمر غالباً ضعيف الخلق.

وإذا أصبح صبياً، يجب ألا يعاشر الصبيان الأشرار الفوضويين، ويروّض على معرفة الله والإيمان به، فيعلم احترام والديه ويمرّن على الصوم والصلاة، والإعراض عن البذخ في المأكل والمشرب والملبس، وإذا آتى ذنباً فليوبخ بهدوء وتعقل، وليكن الإقناع أساساً لإصلاحه وليس الضرب، وإذا تمادى لتكن الحكمة وساطة لردعه، وإعادته إلى سواء السبيل، وإذا أتى ذنباً خفياً، فليرشد كيف يقلع عنه، ويمنع عن الشرب الخمر والنوم الكثير، ويمرن على العمل المتواصل والنشاط، ويُعلم أن يكون أن يكون هادئاً وديعاً متواضعاً مع الجميع، ويرشد ألا يقسم لأن الإنسان الذي يعتمد على القسم كثيراً ما يلجأ إلى الكذب ليصوغ منه الحقَّ.

وليوجَّه إلى العلم الذي يرغبه ويهواه، أو إلى المهنة التي يميل إليها، ويفسح له المجال للعب واللهو البريئين خوف الملل والسأم. وإذا بلغ سن العمل والإنتاج فلتعط له الفرصة اللازمة وإذا بلغ سن الرشد والمال، فيه ميل للحياة الطبيعية فليخطب له كما أشار الحكيم: إذا رزقت بنين فهذَّبهم واتخذ لهم نساء في شبابهم.

ويجب أن ترّبى البنات كما يرى الأولاد، فيحصنّ ويعلمن ويصنّ ويتلقين المهن التي تناسب قابلياتهن بالإضافة إلى القراءة والكتابة، وإن كان بعض المربين لا يحبذون العلم للنساء، وإذا بلغن سن الرشد يزوجن لرجال صالحين، على حد قول الحكيم: إذا رزقت بنات حصنهن، ولا توسع لهن السبيل اخرج الابنة فيزول العار، وزوّجها من رجل حكيم.

 

الفصل الثاني تصرفات الشباب والشيوخ

إذا ترعرع الإنسان من الطفولة إلى الشباب فالشيخوخة، وأصبح صالحاً لمجالس الكاملين، لا يكن مهذاراً، ولا يقاطع متكلماً لدى الكلام، وليوجه كلامه طبقاً للزمان والمكان وقابلية السامعين، لأنه على حد قول الحكيم: مثل الغناء في مأتم كذلك الكلام في غير وقته. وإذا ذكره أحد في سياق الكلام ليتغافل عنه كأنه لم يسمع، وإذا سأل عنه الآخرون فلا يجيب هو، وإذا سئل هو بالذات فلا يجيب إلا إذا فهم السؤال بدقة. وإذا تناقش اثنان لا يدخلن بينهما، وإذا رأى شخصين يتشاوران فلا يقحم نفسه ليسمع منهما، وإذا تكلم مع رجال محترمين في الولائم فليكن صوته هادئاً متزناً رقيقاً، ولا يكرر كلامه، وإذا اضطر إلى ذكر أمور مخجلة فليلجأ إلى التعابير المهذَّبة، وإذا تكلم لا يحرك يديه ولا عينيه ولا جبينه إلا عند الضرورة وبطريقة محبّبة، وإذا كذب مخاطبه فلا يشهره، وليحذر من محادثة النساء ومداعبة الصبيان والسكارى والمعتوهين، ولا ينطق بكلام فلسفي أمام الجهلاء لئلا يسخروا منه، ولا يقلد ساخراً في الكلام أو صوت، وحركات أو أوضاع أحد مطلقاً، ولا ينقل إلى الرجال ذوي الحرمة والوقار كلام الآخرين ولا يكذب ولا يسرع إذا سار كالمعتوهين ولا يبطئ في سيره كالكسلان، ولا تضطرب خطواته خيلاء كالمتكبرين والمتعجرفين ولا يحرك كتفيه في سيره كالمراهقين، ولا يلتفت إلى الوراء كالهاربين، ولا يحني رأسه وهو يسير كالكئيبين، وإذا جلس لا يبسط رجلاً ويرفع الثانية فوقها، وبحضرة الملك والمعلم والأب ليجلس متأدباً، ولا يضع رأسه على ركبتيه كالحزانى، ولا يلهو بشعر لحيته أو بقية أعضائه، ولا يدخل أصبعه في فمه أو أنفه، وليحذر من قرقعة الأصابع والتثاؤب في الاجتماعات ولا يلقي فضلات فمه أو أنفه أمام الناس، وإذا اضطر إلى ذلك فلا يخرج صوتاً ويلجأ إلى المنديل لتنظيف فمه ومنخريه، ولا يظهر من جسمه أمام الملأ غير وجهه ويديه، وإذا غالبه النعاس وهو بين أصدقائه فليغادرهم، ولا ينم بقرب صاحبه وخاصة إذا كانت لديه عادة الشخير، وإذا نام أصحابه ، فإما أن ينام أو ينتقل لئلا يكون يقظاً بين النائمين، وخلاصة القول ليجتهد بألا يثقل على أحد لئلا يحتقر.

 

الفصل الثالث كيفية تصرف الشاب في خدمة لملوك

إن الرسول بولس أمر بالخضوع للملوك وذوي السلطات وقال: لتخضع كل نفس لذوي السلطان، فلا سلطان إلا من الله، الذين هم في السلطان فإنهم من الله، ومن يقاوم السلطان فإنه يقوم أوامر الله.

نقول إن الخضوع الحقيقي يكون في الفكر والقول والعمل، وترافق ذلك أمور ضرورية كإشهار فضائلهم وإخفاء عيوبهم، ودفع الضرائب الواجبة بطيبة خاطر، وقد قال الرب ( اعطوا ما لقيصر لقيصر ) ورفع شأنهم تمجيداً وتعظيماً وإجلالاً، وفي وقت الشدائد يجب الدفاع عنهم بالمال والدم، ومن كان لا يصلح لخدمة الملوك فلا يتقدم إلى ذلك، لئلا يثيرهم بجهله فيفقد حياته كما قيل: إن سخط الملوك موت فليخمده الحكيم بحكمته، والذي يصلح لخدمتهم فلا يتظاهر بذلك أمامهم دائماً، لئلا يحتقر ويطرد، وليعتبر حكم الملك عادلاً وان لم يكن كذلك كما قيل: الوحي في شفتي الملك وفي الحكم يعلن العدل. وكل عمل في العالم يكون صالحاً في شيء وربما طالحاً في شيء آخر، وعليه يجب أن نجد لكلام الملك مهما كان، أعذاراً وأسباباً وجيهة كثيرة. ويجب إخفاء سره في القلب إخفاء كاملاً كما قيل: اسمع الكلمة ودعها تموت في قلبك فليست نصالاً لتبقرك وتخرج. واعلم إن للملوك إرادة خاصة تختلف عن إرادة بقية الناس، وهم يرغبون الخضوع التام يقدم لهم من قبل كل إنسان، وهكذا تلعب في عقولهم خيالات كثيرة، وربما غضبوا على خدامهم بدون سبب واضح، ويقررون إهلاكهم بطريقة غامضة، ولذلك قيل: السماء عالية والأرض واطئة وفكر الملك لا يدرك، ومهما عمل فهو ملك ولذلك يجب على خادمه أن يضحّي بمصلحته الخاصة في سبيل  مصلحة سيده، ولا ينتظرن منه منحة أو ينتظر غنى، وليقدم خدمة نصوحاً ليحوز الغنى فيكرسه لرفع شأن سيده أكثر مما يخص منه لرفع شؤونه الخاصة. ولا يمتلك أي شيء ما هو جدير بالملك فقط، وإلا لأهلك حياته وما حازه بآن واحد، ولا يطمعن بأكثر من مرتبه ومن ابتلى بخدمة ملك  ظالم أو سيد عاتٍ ، فإنه بين نارين ، فإما أن يرضى ظلم سيده فيغضب الله، وإما أن يحاول الدفاع عن أبناء الشعب المظلومين فيعرّض نفسه لهلاك أكيد، قال أحد الفضلاء: إذا اسماك الملك أخاً، فسمه أنت سيداً، ولئن كثر فضلك عليه فاعتبر فضله عليك أعظم، واجتهد أن تلبي أوامره بخدمتك الدائمة المستمرة، لأن الملك ينسى سريعاً أن يجعل نهاية كل خير بداية لخير آخر. إذا خاطبك فاجعل كل عضو من أعضائك إذناً صاغية، ولا تفكر بأي فكر أو عمل آخر، ولا تلتفت إلى جهة أخرى.

 

الفصل الرابع حالات تصرف رجال البر مع الملوك الطغاة

هناك ثلاث حالات لتصرف رجال الصلاح مع ملك طاغٍ أو حاكم ظالم.

الأولى: أن يذهب رجل الصلاح إلى الظالم.

الثانية: أن يذهب الظالم إلى رجل الصلاح.

الثالث: ألا يذهب رجل الصلاح إلى الظالم، ولا يُظهر نفسه أمامه. وعند العارفين، ترفض الحالة الأولى، وتحبذ الثالثة، والثانية بين بين .

والذي يعاشر حاكماً ظالماً يخطئ بأربعة أمر: بالعمل بالسكوت والكلام والفكر، أما في العمل: فإنه عندما يدخل عليه فمن البديهي أن يُسلم، ويؤدي له فرائض الخضوع والإجلال، وبذلك يكون قد رفع قدر من يحتقر الله وأوامره، الأمر الذي ليس حقاً. وفي السكوت: أن يرى لديه خرقاً للشريعة فيخشى أو يخجل أن يصرح بذلك. وفي الكلام: أن يمدحه ويباركه ويصلي من أجله، وقد قيل قديماً (الأثيم يبارك والرب يغضب ) وفي الفكر: عندما يتظاهر بتصديق أكاذيبه ويعتبره من الملوك العادلين.

كان موسى يدخل على فرعون، وإيليا على آخاب، وناثان على داود، للتأنيب والتوبيخ لا للمجاملة والمديح. والحظوى عند الظالمين، كما قد نعمل نحن البؤساء الضعفاء.

وفي الحالة الثانية: إذا دخل الحاكم الظالم على الرجل البار، فليرد له السلام باختصار ولا يستقبله إلى الخارج، ولا يقف له إجلالاً، لكي تظهر للظالم مظالمه، وأما إذا دخل عليه بجماعة، فيجب على البار أن يقف له إجلالاً، ويحترمه، لئلا يحتقره عبيده فيهلكهم، فيكون البار اشترك بإهلاكهم.

وفي الحالة الثالثة: الأفضل ألا يخطر الحكام الظالمون ببال الرجل البار، لكي لا يغضب أو يغضب ، وإذا شعر الرجل البار إنهم يريدون لقياه، فليختفِ أو يبتعد، كالأب سيمون الذي بلغه أن حاكماً يريد رؤيته، فربط حقويه حالاً وصعد إلى نخلة عالية، وأخذ ينقيها، ولما وصل رسل الحاكم، ورأوه على النخلة سألوه: أيها الشيخ أين الناسك؟ فأجاب إنه في صومعته، وهكذا عادوا خائبين.

وبعض النساك الكاملين لا يصلون في كنيسة زخرفها الحكام الظالمون، ولا يمرون على جسر عملوه، وفي الفنادق التي يشيدونها لا ينزلون، متشبهين بسيد الأنبياء الذي اتخذ له رسلاً ومبشرين من الخطاة والعشارين، وكان يدخل عليهم لا لكي يرضي عنفوانهم، بل ليجتذبهم إلى غفران خطاياهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الخامس الأعمال اليدويّة وفيه ستّة فصول

 

الفصل الأوّل أقوال الآباء في فضيلة الأعمال اليدويّة

لـمّا سئم الأب أنطونيوس تراءى له ملاك الربّ بشكله جالساً ينسج حصيرةً، فترك (الملاك) عمله وصلّى، ثمّ جلس ينسج، ثمّ قام وصلّى، وسمعه بعد ذلك يقول: افعل هكذا أنت أيضاً يا أنطونيوس فتحيا.

قال أحد الشيوخ: إذا استيقظت صباحاً، قل أيها الجسد اشتغل لتعيش، واستيقظي أيتها النفس تنالي الحياة. وقال آخر: إن كنت غير محتاج فلا تهمل العمل اليدوي، اعمل ما استطعت إلى العمل سبيلاً، اعمل بدون اضطراب.

قال الأب نستير: في الأب نبيسطيون نقلاً عن الأب أثير: اذهب وقلّص معدتك وعظّم عملك ولا تضطرب في الصومعة. وقال أيضاً: امكث في صومعتك ونقِّ بقولك، ذلك خيرٌ لك من أن تذهب وتطلب من الناس .

قال شيخٌ من طيبة (تاباييس) لا تأخذ صدقةً من أحد، بل لتكفَّ يداك حاجاتك، وإن لم تستطع التصدّق من عملك، يكفيك أن تسدّ رمقك من عمل يديك.

وقال الأب أمون: ذهبنا مرّةً. الأب بطيميس وأنا، لزيارة الأب أخيلا، فوجدناه ليلاً ينسج حصراً  كثيرةً، وقال لنا: إنّي حقّاً لا أحتاجها، بل أعمل فيها لئلّا يلومني الله بكوني أستطيع العمل ولم أعمل، إنّي أشتغل بكلّ قوّتي.

وقال الأب أوغريس: احرص على أن تعمل بيديك، إذا استطعت نهاراً وليلاً، لئلّا تثقّل على أحدٍ، لأنّ من لا عمل له تتنازعه الأهواء المختلفة.

 

الفصل الثاني تعطيل الأعمال اليدويّة

قال البعض: كيف تتفضّل الأعمال اليدويّة والربّ قال: “تأمّلوا طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد، ولا تخزّن في أهرائها، وأبوكم السماوي يقيتها”. ومريم التي لم تكن تشتغل مثل مرثا المهتمّة بأمور كثيرةٍ وجدت نصيباً صالحاً لن يُنزع منها، وورد في كتاب فردوس الرهبان، أنّ أحد النسّاك لم يكن يشتغل البتّة، وكان يدخل صومعته مساءً فيجد خبزه معدّاً، وأثّر عليه ناسكٌ آخر فحمله على العمل، ولـمّا كان المساء ودخل صومعته وطلب الخبز كعادته فلم يجد شيئاً، نام كئيباً، وظهر له من قال: “لـمّا كنت متصرّفاً إليّ قِتُّك، وأمّا الآن فقد باشرت تشتغل فاطلب قوتك من عمل يديك.

نقول: إنّ ذلك خليقٌ بمن انصرف بكلّيّته إلى الأعمال الروحيّة، وأمّا الذي لم ينصرف بكلّيته، فعليه أن يشتغل، لأنّه ما لم ينصرف إلى أحد هذين الاتّجاهين تصرفه البطالة إلى أهوائه المنحرفة، فلا يمكنه  المكوث في الصومعة.

قال القدّيس بولس: “إنّ الذي لا يريد أن يشتغل فلا يأكل. وقد أمر الذين يسيئون التصرّف، وهم لا يشتغلون، أن يشتغلوا بهدوءٍ ويعيشوا من أعمالهم، وقد نادى داود بالطوبى والسعادة لمن يعيش من عمل يديه . جاء أحد الإخوة إلى الأب سيلونا، ولـمّا رأى الإخوة يشتغلون فقال متعجرفاً: اعملوا لقوتٍ يفنى، أمّا مريم فقد اختارت لها نصيباً صالحاً، قال الشيخ لتلميذه زكريا: “اعطيه كتاباً واذهب به إلى صومعةٍ فارغةٍ، ولا تطعمه شيئاً”، ولـمّا طال الوقت وجاع لامهم لأنّهم لم يدعوه للغداء، فقال له الشيخ: “أنت رجلٌ روحاني ولست محتاجاً إلى العمل، أمّا نحن فجسدانيّون نشتغل ونأكل”. ولـمّا دخل وقدّم التوبة قال له الشيخ: “إنّ مريم كانت أيضاً بحاجة إلى مرثا، فبعمل مرثا كانت مريم معتزّةً ومرتاحةً”.

والعمل اليدوي يكون: إمّا لسدّ الحاجة، وإمّا لأكثر من الحاجة، والأوّل: وإن كان بالإمكان أن يعيش الناسك بدونه، إلّا أنّ الأفضل أن يشتغل ويعيش. والثاني: يكون لتوفير ما يمكن أن يُقدّم صدقةً للمحتاجين، وهذا ما يفعله الأبرار كقول الأب أوغريس: “ليكن لك عمل يديك للصدقة، وسدّ حاجات الغرباء”. وخلاصة القول ترك العمل اليدوي جديرٌ بأربعة أصناف:

الأوّل: للنسّاك الذين ينصرفون إلى العمل اليدوي بالإضافة إلى الركوع المستمر والصلاة المتواصلة. ويحذّر الأب أوغريس مثل هؤلاء بألّا يقلّلوا من الصلاة بحجّة الأعمال اليدويّة.

الثاني: للكاملين المنصرفين إلى الأعمال الروحيّة الصرفة، وهؤلاء إذا سدّوا رمقهم بدون الصدقة فإنّهم لا يشتغلون.

الثالث: الإكليريكيّون الذين يمارسون الخدم الكنسية، وقال فيهم الرسول: الذين يخدمون المقدس فمن المقدس يأكلون، والذين يخدمون المذبح فمن المذبح يعيشون.

الرابع: الآباء الذين يرأسون الشعب وينشرون بشارة المسيح بروحٍ رسوليّةٍ وهؤلاء وإن

كانوا جديرين بأن يعيشوا من الحقّ الأوّل ولكن الأجدر بهم أن يشتغلوا، كما قال بولس لأهل تسالونيقي: “إنّنا لم نأكل خبزاً مجّانيّاً من أحدكم، ولكنّنا كنّا نشتغل وندأب ليلاً ونهاراً لئلّا نثقّل على أحدٍ منكم، ليس لأنّه لا يحلّ لنا، بل لكي نعطي لكم بذاتنا قدوةً لتقتدوا بنا”.

 

الفصل الثالث أنواع الأعمال

هناك خمسة أنواعٍ للعمل الشرعي الذي ينتج الأرباح المادّيّة المشروعة، وكلّ رجلٍ يرغب أن يعيش كريماً يجب أن يعلمها، وهي:

النوع الأوّل: الشراء والبيع، وله أربعة عناصر أساسيّة، الشاري، البائع، البضاعة، الرضى.

الشاري أو البائع لا يجب أن يكون قاصراً أو مجنوناً أو معتوهاً، والعبد أيضاً بدون موافقة سيّده لا يسوغ له الشراء أو البيع. والبضاعة التي يمكن أن تدرّ ربحاً مشروعاً يجب أن تكون تحت تصرّف صاحبها، وغير مرهونةٍ، ومعروفةٍ بجوهرها وحالتها وكمّيّتها بالإضافة إلى الرضى، كأن يقول البائع، بعت، والشاري يقول: اشتريت. وذلك في المبيعات الهامّة كالعقار والأقمشة والدواجن، وليس المواد البسيطة كالخضار والخبز وما إلى ذلك.

النوع الثاني: البيع مقدّماً: كمن يسبق فيدفع ثمن حنطةٍ أو شعيرٍ أو عسلٍ أو زيتٍ، وما إليها، وذلك قبل أن تكون جاهزةً للبيع. وهنا يجب أن يكون الثمن معيّناً ليُردّ إلى صاحبه فيما إذا تلف البيع ولا يمكن أن ينتظر الشاري إلى الموسم الثاني. ويجب أن يكون المبيع معروفاً ومعيّناً بجوهره وحالته وكمّيّته، والمدّة التي خلالها يجب أن يُسلّم للشاري، ويُشترط ألّا يكون المبيع متوقّفاً وجوده على التنقيب والبحث كالمعادن مثلاً.

النوع الثالث: الإيجار: وله عنصران، بدل الإيجار واستعمال المأجور، وبدل الإيجار يجب أن يكون معيّناً، سواء كان عقاراً أو عملاً، واستعمال المأجور يجب أن يكون ظاهراً وصريحاً، وعليه فمن يتوسّط بين المستأجر والمؤجّر يجب أن يعيّن الثمن، وبعض المبيعات ليس فيها أرباح أخرى، كلبن المرضع، وحبر الكاتب، وخيوط الخيّاط.

النوع الرابع: التجارة وتتوقّف على حصول التاجر على قوّةٍ نقديّةٍ، ولها ثلاثة عناصر. الأوّل: النقد نفسه، الثاني: الفائدة، ويجب أن تكون معيّنةً أي حصّة صاحب النقد وحصّة التاجر، وإلغاء صاحب النقد التجارة فيما إذا وُجدت المبيعات وليس فيها ربح، فيأخذها كما هي وإذا درّت ربحاً معيّناً يبيعها التاجر والربح الصافي منها يُقسّم بين صاحب النقد، وبين التاجر طبقاً للشروط المسبقة بينهما. ويجوز للتاجر نقل البضائع من مكانٍ إلى مكانٍ بموافقة صاحب النقد، وأجور النقل والحانوت تسقط من الأرباح العامة ما عدا إيجار سكنى التاجر.

النوع الخامس: التركة: ولها أربعة أركان، الأوّل: مشاركة الرضى كأن يقول كلٌّ منهما اتّفقنا أن تكون شريكي بما لنا وبما علينا. الثاني: مشاركة العمل: وهي قسمة أرباح عملها مناصفةً، الثالث: مشاركة الصنعة : فيقدّم أحد الشريكين مالاً، والثاني نفوذاً وخبرةً، وما إليهما. الرابع: مشاركة التملّك: ويتمّ في توحيد ما يملكان قبل الشراء والبيع، ويقسّمان الأرباح كلّ بالنسبة إلى رأس ماله، والركن الأخير شرعي، والثلاثة المتقدّمة جائزة.

وهناك نوعٌ سادسٌ، وهو الربى والتسليف، وتمنعه جميع الأديان السماويّة وتعتبر المرابين والمُسلفين آثمةً يسلبون أموال الناس ظلماً. ورد في التوراة قولها (وليعيش أخوك ولا تعط له تسليفاً ولا بالربى) ثمّ قيل في الرجل الصالح (فضّته لا يعطيها بالربى).

 

الفصل الرابع الخطايا الناتجة عن البيع والشراء

يقول الحكيم: بين حجرةٍ وأخرى ينزل وتد، وبين البائع والشاري تكثر الخطايا. والخطيئة هناك تكون بطريقة الاستغلال. والاستغلال، إضرارٌ يقع من رجلٍ على آخر وإمّا أن يكون عامّاً أو خاصّاً، والإضرار العام نوعان :

النوع الأوّل، الاحتكار، كاحتكار الغلال إلى وقت الضيق والغلاء، وهذه خطيئةٌ عظيمةٌ لأنّها متاجرةٌ بأرزاق البشر عامّةً، وقد قال الحكيم: إنّ الذي يحتكر الغلّة إلى زمان الضيق فإنّه يتركها للأعداء، والبركة على رأس المبادر في البيع.

النوع الثاني: التعامل بعملةٍ مزيّفةٍ، وهذا واضحٌ، لأنّ من يأخذ عملةً مزيّفةً فإنّه يخسر ثمنها لعدم شرعيّتها واستحالة التعامل بها. وإذا دفعها لمن يتعامل بها خلسةً فإنّه يخطئ أيضاً، ويجعل خطيئةً لغيره، أو يدفعها لرجلٍ لا يتعامل بها فيسبّب له خسارةً أيضاً.

ويجب ملاحظة ثلاثة أمور في العملة المزيّفة، الأوّل: إعادة هذه العملة إلى صاحبها الأوّل (إن عرف) لكي يتلفها أو يرميها في بئرٍ. الثاني: وجوب معرفة التاجر المزيّف من غير المزيّف، لأن ربّما يأخذ عملةً مزيّفةً ويدفعها للغير. الثالث: وألّا يبيعها بأثمانٍ ناقصةٍ، لم يغشّ الآخرين، وتزييف العملة يكون باستعمال معدنٍ يشبه الفضّة أو الذهب وليس منهما. وأمّا العملة الحقيقيّة فهي ما اتّفقت عليه الحكومات بالنسبة إلى النوعيّة والكيفيّة لتعاملٍ مختلف الأمم بطريقةٍ مشروعةٍ.

والإضرار الخاص: ما خسر به الشاري وحده، وللتجارة المشروعة أربعة شروط:

الأوّل: إلّا يمتدح التاجر بضاعته كاذباً، فيخطئ، ويجب أن تكون دعايته للبضاعة صادقةً، وحينئذٍ لا يخطئ، ولا يسوغ أن يقسم أبداً.

الثاني: ألّا يخفي عيوب بضاعته ويظهر الجانب الحسن منها ويخفي الجانب السيّء، ولا يعرض بضاعته في زاويةٍ مظلمةٍ، كما يفعل اليوم التجّار الروميّون إلى جانب البحر. يُحكى أن رجلاً كان يمزج ماءً في حليب بقرته ويبيعه، فجاء مرّةً سيلٌ وجرف البقرة، فقال له ابنه: يا أبي، إنّ الماء الذي كنّا نمزجه مع الحليب بكمّيّاتٍ قليلةٍ تجمّع اليوم وأصبح هذا السيل فجرف البقرة.

الثالث: ألّا يغشّ في المكاييل والمقاييس، بل ليكل للناس كما يريد أن يكيلوا له، كقول الله تعالى: “اتّخذوا لكم ميزان الصدق ومثقال الحقّ شرعة العدل”. وقال الحكيم في هذا الشأن: اختلاف المثاقيل والمكاييل أي تفاوتها ثقلاً وقياساً، أمور مكروهةٌ لدى الربّ”. ولا ينجو الإنسان من هذا الإثم إلّا إذا أضاف عند العطاء وانقص عن الأخذ.

الرابع: أن يصدق في الثمن في الشراء والبيع، فإذا خرج تاجر المدينة لشراء قمحٍ من القرى، يجب أن يعطي الثمن نفسه الذي يعطيه في المدينة، وإذا عرض شيئاً للبيع فيجب أن يعيّن ثمن الشراء الأصلي، والربح الذي يريده منه.

 

الفصل الخامس إسداء المعروف في التجارة

يمكن للتاجر إسداء المعروف في تجارته بستّة أشكالٍ:

الأوّل : إذا اشترى أحدٌ منه شيئاً، وكان الشاري محتاجاً إلى ذلك الشيء حاجةً قصوى، ويمكن للتاجر وضع سعرٍ عالٍ على تلك البضاعة نظراً لحاجة الشاري إليها، ولكنّه لا يفعل ذلك فيُعدّ عمله هذا معروفاً.

الثاني: إذا باع التاجر بضاعةً لفقيرٍ، وأعطاه فرصةً خاصّةً ففي ذلك معروفٌ، الأمر الذي لا يتعامل به مع رجلٍ غنيٍّ يشتري منه البضاعة نفسها.

الثالث: إذا باع التاجر بضاعته لفقيرٍ أيضاً، بثمنٍ أقلّ من ثمنها الأصلي، أو أقرضه ديناً،

ولم يضايقه بتسديد ذلك الدين حالاً، فإنّ في عمله معروفاً، على حدّ قول الله في التوراة: “إذا كان أخوك مديناً لك بشيءٍ فلا تدخل بيته لاسترداد الدين، بل انتظر لكي يأتيك به إلى السوق، وإن كان فقيراً قلا تنم في ردائه بل أعده له قبل غروب الشمس”.

الرابع: إذا اتّفق على شراءٍ أو بيعٍ بين شخصين، وحصل كلٌّ منهما على حقّه، ولكن ندم أحدهما ورغب بإلغاء الصفقة، فإذا وافق عميله على ذلك فموافقته معروفٌ.

الخامس: إذا باع التاجر بضائعه للفقراء والمساكين، ولم يأخذ منهم إلّا ربحاً بسيطاً، وإذا وقع أحدهم تحت دينٍ له، يمهله حتّى يمكنه دفع الدين، فذلك كلّه معروفٌ.

 

الفصل السادس حقيقة العدالة في التجارة

العدالة في العمل هي إلّا يغدر الإنسان ولا يُغدر، وحقيقة العدالة هي أن يوفّر الإنسان لنفسه أرباحاً روحيّةً بالإضافة إلى الأرباح الماديّة، ويكون ذلك في سبعة أساليب:

الأوّل: أن يبدأ التاجر تجارته مستهدفاً الخير، واستهداف الخير هو الحصول على الأود الضروري للعيش بكرامةٍ مع أفراد أسرته، وليس بقصد الثراء الفاحش من الطرق المحرّمة، وقد قال الرسول بولس: “إنّ الذين يرغبون في الثراء يسقطون في تجارب كثيرة متعرّضين لإشراك الشرّ والأهواء المحرّمة التي تغرق الإنسان بالهلاك والضياع.

الثاني: أن يمارس ذلك بقصد بقاء الجسد سالماً لخير النفس، وليس بقصد الترف والبطر.

الثالث: أن يمارس الأعمال الضروريّة لخير البشر وإنماء الرفاه لهم، سواءً بوساطة التجارة والصناعة أو أي عملٍ حلالٍ آخر، لأنّه إذا تعطّلت التجارة وبارت الصناعة وأعرض الناس عن التعاون، لا يمكن أن يستمرّ العالم. وليحذر الإنسان من الأعمال المخجلة والربح الحرام.

وأهم الأعمال التي تدرّ الربح الحلال هي : الزراعة، الحصاد، البناء ، الطب ، نسخ الكتب

المقدّسة، رعاية الغنم، صيد السمك، حياكة الزنابيل وما إليها، السكافة، الخياطة، القصارة، الصياغة، السراجة (عمل السرج للخيل)، الدباغة.

وأمّا الأعمال الحقيرة ذات الربح الحرام، والتي منعتها قوانين الرسل في المادّة السادسة هي: السحر، الرقي، التعزيم، التحريز (عمل الحرز)، التطير (زجر الطيور)، الفأل، تفسير الأحلام، تفسير طرفات العين، تعيين الأقدار، وتحديد الآجال، التنجيم، المصارعة،

السباق بالركض، السيمياء، التزمير والتطبيل (عمل الغجر).

ومن الأعمال المنحطّة، عند ديدسقاليّة الرسل: الحجابة (كتابة الحجابات)، التنكّر (انتحال وجوهٍ كاذبةٍ)، تصوير المخازي، غشّ الذهب والفضّة، جمع المكوس (التعشير)، التلصّص، بيع المسكرات، القصابة على أنواعها، عمل الجلّادين.

ويجعل بعضهم الحياكة من المنحطّة، ويُروى أنّ العذراء مريم لـمّا كانت تبحث عن يسوع في أورشليم مدّة ثلاثة أيامٍ طبقاً لما ورد في الإنجيل، سألت بعض الحاكة عنه فغشّوها، بأخبارٍ كاذبةٍ، فلعنتهم وقالت: “ليسحب الربّ البركة من عملكم وبيوتكم، ولتموتوا بالفقر والحاجة، ولتكونوا محتقرين في عيون الناس”. غير أنّ القدّيس باسيليوس لا يحتقر الحياكة وأكّد أن تلك الرواية لا صحّة لها، وهي من الخرافات الكاذبة.

ويعتقد بعضهم، أنّ كلّ صناعةٍ تدخل فيها الجلود المدبوغة وغير المدبوغة إنّما هي صناعةٌ غير شريفةٍ، إلّا أنّ ذلك ليس جديراً بالاعتبار، لأنّ الرسول بطرس أقام في بيت سمعان الدبّاغ، وكان القدّيس بولس يشتغل سرّاجاً كما يُصرح في سفر أعمال الرسل.

الرابع: وخشية أن تسبب التجارة المادّيّة تعطيل الفوائد الروحيّة فيجب على المؤمن القيام للصلاة في الكنيسة منذ الفجر حتّى افتتاح السوق، وحالما يسمع صوت ناقوس الكنيسة مؤذناً بصلاة الصباح أو القدّاس أو صلاة الرمش (المساء) يجب أن يتوقّف عن العمل هنيهةً (ويتأمّل بما لله). يُحكى أنّ صائغاً فاضلاً كان إذا رفع المطرقة وسمع صوت الناقوس لا ينزلها حتّى يتوقّف الناقوس عن القرع.

الخامس: ليردّد ذكر الله وهو في حانوته، فيبعد عنه الغدر والنصب، وقد قال الحكيم: “إنّ التاجر بصعوبةٍ كبيرةٍ ينجو من الخطايا”.

السادس: ألّا يكون طمّاعاً، وليرضَ بأرباحه المشروعة. وتظهر أطماعه بحضوره إلى السوق قبل جميع التجّار جيرانه، وتركه السوق بعدهم جميعاً، وبركوبه المخاطر والأهوال في البحار والأنهار معرّضاً حياته للعواصف واللجج الصاخبة والأعاصير المهلكة، وقد قال الرسول بولس في هذا الصدد: “الذي لا يعمل ويرتبط بمهام العالم ليرضِ الذي جنّده، والذي لا يجاهد جهاداً شرعيّاً فلن ينال الإكليل.

السابع: ليس فقط يمتنع عن الظلم بل يمتنع عن الوقوف إلى جانب الظالمين. يُحكى أنّ أحد الحكّام طلب إل سجينٍ لديه قطعة شمعٍ ليختم صكّاً كتبه، فلم يعطه وقال: أعطني الصكّ لأقرأه أوّلاً، فإن وجدته خالياً من الظلم أعطيتك الشمع.

الباب السادس الصدقات وفيه أربعة فصول

 

الفصل الأوّل أنواع الزكاة وأجناسها

إنّ جميع الكتب المقدّسة تشيد بقدر الزكاة إشادةً فائقةٍ. وتفضّلها تفضيلاً كاملاً على جميع الأعمال الصالحة، والزكاة في هذا المضمار هي ما يُقدّم صدقةً وإحسانا وبرّاً. والزكاة إمّا تكون معيّنةً أو غير معيّنةٍ. والمعيّنة هي ما ورد ذكرها ومقدارها في الشرائع الإلهيّة، مثال ذلك قول الله في التوراة: “عشّروا كلّ غلّات زرعكم التي تنتجها الأرض لكم بعد سنةٍ”. وقوله: “كل أمام الربّ إلهك في المكان الذي اختاره لسكنى اسمه فيه. ادفع عشور عبدك وخمرك وزيتك وأبكار أبقارك وأغنامك”.

وغير المعيّنة هي التي يحسن بها الإنسان طبقاً لرغبته وبدون حدودٍ، من ماله الخاص الحلال الذي أنعم الله به عليه.

ومادّة الزكاة المحدودة، ثلاثة أنواعٍ عندنا، الحيوانات المحلّلة، وإنتاج المزروعات والعملة.

الأوّل: كالبقر والثيران والغنم. ومن كان يملك أقل من ثلاثين رأساً فلا زكاة عليها، وممّا فوق الثلاثين يقدّم عجلاً ابن سنتين، كلّ سنةٍ زكاةً، ومن الأربعين يقدّم عجلاً ثلثي، ومن ستّين عجلاً ثنيان، وهكذا في الأعداد المضاعفة. ومن الأغنام يدفع كبشاً ابن سنةٍ واحدةٍ، وتيساّ ابن سنتين، وإذا ارتفع عدد الأغنام من الأربعين إلى المئة والعشرين فيقدّم كبشين، إلى حدود المئتين. وتُدفع ثلاثة أكباشٍ إذا بلغ عددها ثلاثمئة، وبعد ذلك رأسٌ واحدٌ لكلّ مئة رأسٍ.

ويجب أن يكون كبش التقدمة سالماً، فلا يصلح إذا كان أعوراً أو مكسوراً أو مجروحاً أو مترهّلاً، أو أجرب أو أجرد، أو مقطوع الأذن أو قصير الألية.

الثاني: كالحنطة والشعير والأرز، والسمسم وما إليها، فيقدّم منها، ومن ثمار الأشجار ونتائجها كالزيت والخمر والزبيب والتين والبلح، من هذه كلّها يقدّم في كلّ سنةٍ   ( إذا أبلغ النتائج ثمانمئة وزنة ) يدفع عن كلّ وزنةٍ مئتين وأربعين قرشاً عن كلّ إنسانٍ. ويدفع العشر منها زكاةً إذا كانت الأرض مرويّةً سقياً، ونصف العشر إذا كانت تروى مطراً.

الثالث: العملة: بالنسبة إلى الفضّة فمن أقل من مئتي قرشٍ لا تُدفع زكاةٌ واعتباراً من مئتي قرشٍ تُدفع خمسة قروشٍ زكاةً، وهكذا إذا تضاعف المبلغ. وأمّا بالنسبة إلى الذهب فعلى أقل من عشرين ديناراً لا تُدفع الزكاة، واعتباراً من عشرين ديناراً فما فوق يُقدّم ربع العشر زكاةً، وهكذا إذا تضاعف المبلغ.

 

الفصل الثاني أصحاب الحقّ في تناول الصدقة

تُقدّم الصدقة من أموال الزكاة للمؤمن الحرّ، وقيل هنا الحرّ، لأنّ العبد يهتمّ سيّده بشأنه وقيل المؤمن طبقاً لأمر الرسول بولس حيث قال : “إنّ لنا زمانا لنفعل الخير إلى كلّ أحدٍ، وخاصّةً إلى أهل بيت الإيمان”. والعشر وإن كان يُدفع طبقاً لأوامر الشريعة، للّاوي والعائد إلى الربّ واليتيم والأرملة إطلاقاً، ولكن يجب أن يُفهم من ذلك الفقراء والبؤساء الذين فيهم وليس الأغنياء. ثمّ للمرضى والمرزوئين والمقعدين والمفلوجين والعميان، وطبعاً للفقراء منهم أيضاً وليس للميسورين، ومن هذا يظهر أنّ الذين يستحقّون تناول الصدقة خمسة أقسامٍ:

الأوّل: للمعدومين، سواء كانوا من الزهّاد والرهبان أو لم يكونوا، ويُقصد بالمعدم هنا من لا يملك شيئاً ولا يقوى على العمل. ومن كانت له مهنةٌ وليست لديه معدّاته فإنّه مُعدمٌ، وهكذا من يمكنه أن يؤدّي عملاً لا يليق بمنزلته، ومثله قل عن الذي يمنعه العلم أو المرض عن العمل.

الثاني: للفقراء، وهم الذين دخلهم لا يكفي لسدّ حاجاتهم الضروريّة، والكاتب الذي لا يملك أكثر من كتابه الضروري هو فقيرٌ. وإذا كان لديه نسختان من كلّ كتابٍ ليس فقيراً، ومن يحوز كتابين في موضوعٍ واحد، أحدهما مطوّل والآخر مختصر، إذا كان طالباً فليبع المختصر منهما وليحتفظ بالمطوّل، وإن كان معلّماً فليعمل بالعكس.

الثالث: للمسدّينين الذين أنفقوا ما اقترضوه في طرقٍ عادلةٍ وليس لهم ما يفون الديون، فيجب أن تُدفع لهم الصدقة وإذا كانوا قد أنفقوها بطرقٍ مضادةٍ للشريعة فليس من العدل أن تُدفع لهم ما لم يتوبوا.

الرابع: يجب أن يُفتدى الأسرى والمسبيّون من أموال الزكاة ولا يُتركوا بأيدي الظالمين.

الخامس: المحاربون الذين يدافعون عن مدن المؤمنين وقراهم بشجاعةٍ ضدّ أعدائهم، يجب أن يُقدّم لهم العون من الزكاة.

واعلم أنّ الكهنة الذين يخدمون الكنائس، والآباء الذين يرأسون المراعيث (الأبرشيّات) فلا يُدفع لهم من الزكاة، بل يتناولون الحقوق الكهنوتيّة المسمّاة (الريشيث) أو التقدمات المفروضة على المؤمنين.

 

 

 

الفصل الثالث ما يترتّب من الشروط على مقدّمي الزكاة

هناك ثمانية شروطٍ يجب أن يتقيّد بها مقدّم الزكاة، هي:

الأوّل: إذا وجد بائساً محتاجاً معدماً، يجب أن يشكر الله الذي عطف عليه ومنحه من الخير أكثر من حاجته.

الثاني: ألّا يحرج المحتاج ليلحّ بالطلب، بل يقدّم العطاء حالاً بعطفٍ وإشفاقٍ، فإنّ الله يحبّ المعطي بسرورٍ.

الثالث: أن يكثر من إعطاء الصدقة والزكاة، أياماً معيّنةً من السنة، كالأعياد والمواسم الدينيّة والأصوام.

الرابع: أن يخفي ما يقدّمه، صدقةً بقدر طاقته، (أمّ أنت فمتى عملت صدقةً فلا تعلم شمالك ما تفعله يمينك) طبقاً للأمر الإلهي، إنّ الصالحين كانوا يخفون الصدقات إلى درجةٍ كبيرةٍ، بحيث لا يعرف المعطى له من هو المعطي. وهكذا يضعون صدقتهم بأيدي العميان أو يلقونها على قارعة الطريق أو يصرّونها في ثوب فقيرٍ نائمٍ، أو إذا حضر مع أناسٍ لا يتصدّقون ويتصدّق أمامهم، فهذا جميلٌ إذا كان ظاهراً.

الخامس: ألّا يحمّل جميلاً أو منّةً للفقير الذي يتصدّق عليه، ولا يزعجه بكلمةٍ.

السادس: أن يعتبر ما يتصدّق به بسيطاً جدّاً بالنسبة إلى ما أنعم الله به عليه.

السابع: أن يتصدّق من ربحه الحلال، وليس ممّا جناه بالحرام والاغتصاب ومن المؤكّد أنّ المغتصب الذي يتصدّق هو أفضل من المغتصب البخيل، وقد مدح الربّ وكيل الظلم لا لأنّه كان ظالماً بل لأنّه تصدّق.

الثامن: أن يختار المستحقين لصدقاته فقط، وهؤلاء سبعة أنواع:

1- أن يكون إنساناً فاضلاً. 2- قارئاً للكتب وعارفاً قوّة الله. 3- من الشاكرين الذاكرين الفضل. 4- من الذين لا يمكنهم الخروج إلى العمل. 5- أن يكون ذا أسرةٍ كبرى مؤلّفةً من أولادٍ كثيرين لا يمكنهم العمل. 6- من الذين لا يمكنهم العمل بسبب مرضٍ أو سجنٍ وما إلى ذلك. 7- يُفضّل من كان من الأقرباء طبقاً لتعليم الرسول بولس (إذا كان إنسانٌ لا يهتم بأقربائه وخاصّةً أهل بيت الإيمان، إنّه ينكر الإيمان، ولذلك هو شرٌّ من غير المؤمن).

 

الفصل الرابع الشروط التي يجب أن يتقيّد بها متناول الزكاة

هناك أربعة شروطٍ يجب أن يتقيّد بها من يضطرّ إلى قبول الصدقة وهي:

الأوّل: أن يشكر الله مقيته.

الثاني: أن يشكر المحسن ويصلّي من أجله، ويخفي عيوب منحته إذا كانت ضئيلةً، ولا يذكرها بسوءٍ بل يمتدحها، لأنّ المعطى يعتبر المنحة الصغيرة كبيرةً وإن كانت صغيرةً بالنسبة إلى حاجته.

الثالث: ألّا يأخذ منحةً من أُثماء، فقد أمر الرسل القدّيسون في كتاب الديدسقالية (خيرٌ لكم أن تموتوا جوعاً من أن تأخذوا صدقةً من الأشرار).

الرابع: أن يأخذ فقط ما هو بحاجةٍ لسدّ رمقه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقالة الثالثة تنقية النفس من الأهواء الشرّيرة فيها اثنا عشر باباً

 

الباب الأوّل النفس. قواها. خصائصها. ميولها وفيه أحد عشر فصلاً

 

الفصل الأوّل تفسير أسماء النفس

إنّ الكتاب المقدّس يسمّيها تارةً النفس، وطوراً الروح، وأحياناً القلب، وأحياناً العقل. ومن البديهي أنّ وحدة ذكر هذه المسمّيات تؤيّد وحدة الموضوع واختلاف الأسماء تدلّ على اختلاف القوى، ولذلك نبحث هنا عن الوحدة في النفس واختلاف معانيها (باختلاف أعمالها).

1- اسم النفس: ويدلّ على ثلاثة معانٍ:

الأوّل: القوّة الغذائيّة، وهذه إمّا فاعلةٌ أو مفعولٌ لها، والفاعلة إمّا جاذبةٌ للغذاء أو ماضغةٌ أو هاضمةٌ، أو داحضةٌ للفضلات. والمفعول لها، إمّا مولّدةٌ أو مغذّيةٌ أو مربّيةٌ، والنفس باعتبار هذه الحالات تُدعى نفساً نباتيّةً.

الثاني: قوّة الشعور الحيواني، وهي القوّة الإراديّة التي بها تتحرّك، والنفس باعتبار هذه الحالة تُدعى نفساً حيوانيّةً.

الثالث: القوّة المميّزة للخير والشرّ، والنفس باعتبار هذه الحالة تُدعى النفس الناطقة.

2- اسم الروح: ويدل على ثلاثة معانٍ:

الأوّل: جسمٌ لطيفٌ غازيٌّ من الدم، ويتكوّن من البطين الأيسر للقلب، وبواسطة ذبذبة الشرايين يعطي الحياة والحركة والحسّ للجسم.

الثاني: النفس الناطقة ذاتها، إذا شرعت تنتقّى وتطلب الأمور الروحيّة لا الدنيويّة.

الثالث: أحد أقانيم الثالوث الأقدس.

3- اسم القلب: وله معنيان :

الأوّل : العضو الرئيسي الذي يحمل شكلاّ مخروطيّاً، وهو كائنٌ إلى الجهة اليسرى من الصدر .

الثاني : النفس ذاتها، عندما ينبع الشعور الروحي، والجمع بين معنيي القلب       (بآنٍ واحد) يفسّره النبي داود الذي كان يطلب إلى الله قلباً نقيّاً وروحاً مستقيمةً.

4- العقل: وله أربعة معانٍ:

الأوّل: الإستعداد لاكتساب المعارف الطبيعيّة كما هي الحالة لدى الأطفال.

الثاني: وجود هذه المعارف الطبيعيّة كالكلّ أكبر من الجزء.

الثالث: المعرفة الناجمة عن الخبرة والتجربة في أمور الكون.

الرابع: المعرفة المدركة للمواضيع المعقولة الفائقة للإحساس، وهذه المعرفة تكسبها النفس لا في بداية تطهيرها بل بعد أن تطهر من أدناس الأفكار الدنيويّة تطهيراً مطلقاً.

وبهذه المعاني يُدعى الملائكة أيضاً عقولاً، والمعنيان الأوّل والثاني طبيعيّان (فطريّان) أما الثالث والرابع، اكتسابيّان. والمعنى الأوّل أصلٌ والثاني فرعٌ وينبجس طبيعيّاً أو فطريّاً وليس بالتعليم وأما الثالث والرابع فإنّهما فرعان للثاني، وهما ينموان بالتعليم وليس بالفطرة وهذا ثابتٌ من إطلاق اسم العقل على المعاني الثلاثة بآنٍ واحدٍ.

 

الفصل الثاني القوى الخادمة للنفس

وهذه صنفان: الأوّل: محسوس والثاني: معقول. والمحسوس: إمّا ظاهر وإمّا باطن. والظاهر يشمل الحواس الخمس الظاهرة: البصر والسمع والشم والذوق واللمس. والباطن، يشمل الحواس الخمس الباطنة: الحسّ المشترك، والخيال، والفكر، والتصوّر، والتذكر.

والمعقول: يشمل ثلاث قوىً: النطق وهو العقل، والغضب، والشهوة.

العقل وإن كان خادماً للنفس إلّا أنّه له منزلة البنين لأنّه مولودٌ منها. والقوّتان الأخريتان خادمتان لها. ولذلك نجد العقل مشعّاً كالشمس، والقوّتان الأخريتان كالسراجين الضئيلين.

وقد غرس الخالق الشهوة والغضب في كيان الإنسان لأنّ الجسد يحيا بالغذاء ويستمرّ

محفوظاً بالتناسل. وهذا عمل الشهوة، وهو بحاجةٍ إلى قوّة دفاعٍ ضدّ الفناء، وهذا عمل الغضب.

إنّ الشهوة والغضب آمتان خاضعتان للقوّة العاقلة المتسلّطة، والنفس هي السيّدة

الكبرى المتألّقة المتربّعة على عرش عظمتها، وإذا العقل عصاها متمرّداً هبطت من علياء عزّها وسقطت من عرش جلالها.

وقد شبّه بعض الحكماء العقل بالفارس القنّاص، والشهوة بالجواد، والغضب بكلب الصيّاد، وقالوا: إذا كان الفارس القنّاص شجاعاً، والجواد مدرّباً، وكلبه مروّضاً فالصيد الغزير مأمونٌ ومضمونٌ، وإذا كان الفارس جباناً والجواد جموحاً والكلب غير مدرب فإنّه ليس فقط لا يصيب صيداً بل نصيبه الهلاك المحتّم.

 

الفصل الثالث أقوال الأنبياء في قوى النفس الثلاثية

أُمر موسى الكليم، وهو ينقذ الشعب من مصر، بأن يرشّ دم الحملان على قائمتي الباب يميناً وشمالاً، وعلى العتبة العليا لئلّا يدخل المهلك، مشيراً بذلك إلى قوى النفس الثلاث التي منها تدخل وتصدر الأفكار المحتاجة إلى التطهير، وفي مكانٍ آخر حصر النبي هذه الثلاث بثلاثة أركانٍ لتطهير الآنية المدنّسة، النار والماء والإتلاف.

وعلّم أن تُطهّر المعادن بالنار كالفضّة والذهب وغيرها، وفيها سرّ القوّة العاقلة المتطهّرة بنار المعرفة وثياب الكهنة وأجسامهم تُغسل بالماء فتطهر وفي ذلك سرّ القوّة المطهّرة بالوصال الشرعي خشية الوصال المحرّم. والآنية الخزفيّة فطريقة تطهيرها إتلافها، وفي ذلك سرّ القوّة الغضبيّة المطهّرة بزوالها فقط.

فانظر إلى الحكمة البالغة الكائنة في كتاب الله، والتي لا تحاول إتلاف الفكرة وهي كيان النفس الكريمة بل تعلم تطويرها وتطهيرها، ولم تحاول أيضاً إخماد الشعور الجنسي لأنّ بتأثيره يُولد الأنبياء والرسل والأبرار والكهنة والآباء القدّيسون، وأمّا القوّة الغضبيّة فإنّها تُجمح بالإنسان، فتطهيرها لا يتمّ إلّا بإخمادها وملاشاتها.

وربّ الأنبياء أيضاً أشار إلى ذلك بمثل الزرع الساقط في الأرض الجيّدة التي أنتجت غلّاتها بثلاث كمّياتٍ متفاوتةٍ، فالبعض أعطى مئةً والبعض ستّين، والبعض ثلاثين. الأولى، وفيها سرّ القوّة العاقلة وفقاً لسموّها فاقت الثانية التي هي القوّة الشهويّة أربعين ضعفاً، وهذه بالنسبة إلى كونها متوسّطةً (القوّة الشهويّة) فاقت بثلاثين ضعفاً. وهي القوّة الغضبيّة فعندها ينتهي كلّ شيءٍ دليل نهايتها. ولم يقل أنّها فاقت غيرها. بأضعافٍ كذا وكذا.

 

 

الفصل الرابع خصائص النفس العاقلة

يمتاز الإنسان عن بقيّة الحيوانات بخاصّتين واضحتين وهما: المعرفة والإرادة العاقلة. فالمعرفة، هي إدراك المواضيع الإلهيّة والبشريّة، أي تختصّ بالعالمين. والإرادة العاقلة، هي النزوع إلى إصدار نتائج المواضيع التي لها نهاية خيّرةٌ، وإن كان الحصول عليها يكلّف جهداً وأتعاباً، وواضحٌ أنّ إرادةً مثل هذه تكون بإدراكٍ عاقلٍ، ولذلك يمتاز ويختلف عن إرادة الحيوانات الشهويّة البهيميّة، وهذه القوّة المدركة لا توجد بالفعل عند الطفل ولكنّها تنمو بنموّه وتتكامل بتكامله. فالطفل يفقه أوّلاً بعض المعرفة البديهيّة، كمعرفته أنّ الجسم لا يمكن أن يوجد في مكانين بآنٍ واحدٍ، ويتدرّج من هذه المعرفة الفطريّة إلى المعارف المكتسبة مارّاً بمراحل متعدّدةٍ، التي تختلف فيها نفسٌ عن نفسٍ أخرى طبقاً لمقدار معارفها العاقلة وكيفيّة الحصول عليها، فالجسد إذاً مطيّة النفس، والنفس كنز المعرفة، والمعرفة تجارةٌ، لأجلها النفس التاجرة تتبوء سفينة الجسد وتمخر في عباب هذا العالم الصاخب ولذلك إذا هبّت الرياح طبقاً لرغبتها توصلها قوى الجسد إلى أهدافها وتغدق عليها غنىً لا ينضب من المنح الإلهيّة. وإذا جرت الرياح ضدّها عاتيةً فليس فقط لا تصيب شيئاً من الغنى بل تتحطّم في غمرات الأمواج المتلاطمة واللجج الثائرة. وتغرق في قعر الخضم الهائج وفي الهاوية السفلى اللامتناهية. وغالباً تجد حرباً شعواء بين القوى الجسديّة والميول النفسيّة طبقاً لما أعلنه الرسول بولس بقوله: “إنّي أرى ناموساً غريباً في أعضائي يتناحر ضدّ ناموس ضميري”.

الفصل الخامس الحالات المختلفة الطارئة على النفس البشريّة

إنّ الطبيعة البشريّة تطرأ عليها أربع حالاتٍ متباينةٍ متّخذةً في كلّ حالةٍ صفات إحدى الكيانات التالية: كيان الوحش، كيان البهيم، كيان الشيطان، وكيان الملاك.

فإذا جُمح بها الغضب استحالت إلى كيان وحشٍ مفترسٍ، فتظهر فيها طباعه، الغضب والبغضاء والحقد. وإذا ثارت فيها الشهوة استحالت إلى كيان بهيمٍ فتظهر فيها طباعه، الطمع والشراهة والعهر. وإذا الخبث تغلغل فيها استحالت إلى كيان شيطانٍ فتظهر فيها طباعه، الظلم بشكل العدالة والنظر القبيح بشكل العفّة وإذا طهرت مرآتها المكوّنة على صورة الله استحالت إلى كيان ملاكٍ فتظهر فيها طباعه، الإيمان والرجاء والمحبّة .

فإنساننا الباطن، لا هذا الظاهر، ذو القدّ القويم والمحيّا الوسيم، والأضافر العريضة( إنساننا الباطن) يستحيل إلى كلبٍ بغضبه، وخنزيرٍ بمجموع شهوته، وإبليسٍ بشدّة دهائه، وملاكٍ بتلاشي شهوته بالغضب، وتلاشي غضبه بالشهوة، فإذا أخضع هاتين القوّتين الوحشيّة والبهيميّة لسلطان القوّة العاقلة فإنّهما تندحران وتتلاشيان ولا يبق لهما مجالٌ للسيطرة والسيادة. فإذا فاز إنساننا الباطن بهذه السيادة وهذا السمو، يستقيم له المُلك وتكمل فيه الفضائل وتصدر في أحكامه العدالة، وإذا أهمل ذلك وغفا ولو لحظةً واحدةً ويده على خدّه، سادت عليه القوى التي كانت تحت سلطانه، وأذلّته وأشقته فيستحيل وضيعاً بعد أن كان ملكاً، وعبداً بعد أن كان سيّداً، ومعدماً بعد أن كان ميسوراً، فيتوق أن يملأ بطنه بالخرنوب.

 

الفصل السادس النفس الناطقة بالنسبة إلى المعقولات

النفس الناطقة بالنسبة إلى المعقولات هي كالمرآة بالنسبة إلى المرئيّات، وكما ترتسم أشكال المرئيّات على المرآة لا المرئيّات ذاتها وبجوهرها، كذلك أشكال المعقولات ترتسم على النفس لا المعقولات ذاتها، ولولا الأمر كذلك، لاحترق بالنار كلّ من عرف النار. وليس الأمر كذلك، فالنفس إذن، تدرك الصفات المعقولة البسيطة المنتزعة عن المواضيع المادّيّة.

وكما أن المرئيّات لا ترتسم على صفحة المرآة لأربعة أسبابٍ هي: عدم قابليّتها (كعدم كونها صقيلةً) أوتراكم الغبار عليها، أو احتجابها وراء ستارٍ حاجبٍ، أو انحراف وضعها. كذلك لأربعة أسبابٍ لا ترتسم صور المعقولات على النفس وهي ضعف قابليّتها كنفس الطفل، وتشويش صفائها بالأهواء المنحرفة واحتجابها وراء ستار الضلال الذي يحجب الحقّ عنها وانحرافها عن الطريق السوي الذي يؤدّي إلى كنه المعقولات مثال ذلك، إنّ من لا يعرف كون العالم متلاشياً زائلاً، يمكنه اكتشاف ذلك بمقابلة الفكرة بما يشبهها، واستنتاج النتيجة منها، فيعلم أنّ العالم مركّبٌ، وكلّ مركبٍ متلاشٍ، فالعالم إذاً متلاشٍ. ومن البديهي إذاً انحراف القياس هذا فلا نتيجة لكبره وصغره، ولولا الأسباب المانعة التي عرضناها لأدركت النفس جميع الحقائق كما هي بحقيقتها لأنّها مكوّنةٌ على صورة الخالق.

الفصل السابع طبقات العارفين

العارفون أربع طبقاتٍ، لأنّ كلّ معرفةٍ إمّا أن تكون هبةً إلهيّةً كمعرفة الأنبياء والرسل. أو مكتسبةً بجهادٍ روحيٍّ طويلٍ كمعرفة النسّاك الكاملين. أو مستمدّةً من العلم والدرس والتفكير كمعرفة الفلاسفة، وتبحّرٍ علميٍّ وخبرةٍ عمليّةٍ كمعرفة الملافنة الكنسيّين.

إنّ معرفة الأنبياء والرسل منحةٌ إلهيّةٌ ونعمة الاختيار الإلهي تأتيهم بدون تعبٍ أو جهادٍ، فموسى مُنح الوحي والمعرفة وكان راعياً للغنم، وصموئيل دعاه الربّ وهو بعد صبيٌّ عديم الخبرة والمعرفة، وأليشع كان يحرث وأُلقي عليه الرداء النبوي، وإشعياء ذكر الله اسمه وهو بعد في حشى أمّه، وإرميا قدّسه الله قبل أن يكمل تصويره في أحشاء أمّه، والرسل دعاهم وهم يصلحون شباكهم وأعدّهم صيّادين للناس، أُعطيت الحكمة لكلّ هؤلاء ورُفعوا إلى سموّ المعرفة والنعمة بينما كانوا غارقين في الجهل والغباوة.

أمّا النسّاك الكاملون فصُقلت نفوسهم وأُرهفت حواسهم وانتصروا على المادّة بجهادٍ روحيٍّ طويلٍ كما تنقّي المسن الحديد فاتّحدوا بالله واستنارت عقولهم بنوره.

يُقال أنّ معرفة الحقّ مكتوبةٌ بالدم، ومنقوشةٌ بالآلام ولا تتجلّى إلّا بعد جوعٍ وظمأٍ وسهرٍ وتجرّدٍ، ولا ينكر الفلاسفة حقيقة هذا الرأي واستقامته، ولكنّهم يقولون أنّها طريقٌ شائكةٌ محفوفةٌ بالمخاطر، ضيّقة السبل، بطيئة النتائج، لأنّ في الجهاد القاسي يضطرب الكيان البشري ويتشوّش العقل ويهزل الجسد، ويمضي الإنسان قبل أن يصل إلى هدفه، وعلى هذا الأساس يشيرون إلى وجوب ممارسة العقل الجهاد العلمي الصحيح لكي يبلغ العقل أهدافه الكاملة من المعرفة بطريقةٍ مأمونةٍ ومضمونةٍ.

أمّا الملافنة القدّيسون، فإنّهم يجمعون بين الطريقتين لاكتساب المعرفة الكاملة طريقة التبحّر العلمي والاختبار الفكري، وطريقة الجهاد الروحي والعمل النسكي فضروريٌّ في رأيهم التضلّع العلمي أوّلاً ثمّ تلطيف الجسد بأعمال الزهد، وهكذا ينتظر العارف تجلّي أسرار المعرفة.

 

 

 

الفصل الثامن ضدّ الذين يعطّلون أعمال النسك بسبب خطر الأمراض

إنّ الجسد البشري حتماً عرضة الآلام، وعليه فالذين يعيشون مترفين أيضاً يمكن أن تحول الأمراض دون ممارستهم أعمال النسك، وليس من المؤكّد أنّهم سيكونون دائماً متمتّعين بصحّةٍ كاملةٍ، ولـمّا كان الأمر هكذا، ولم يبنِ آباؤنا الأوّلون صروح الفضيلة على أساس التمتّع بالعافية المستمرّة بل أبعدوا عنهم كلّ فكرةٍ تشفق على الجسد، وعانقوا الفضائل ذاتها وأمعنوا في أعمال الزهد الشاقّة. وخاصّةً أصحاب البطولات الروحيّة السامية الذين انفردوا في البراري والقفار وزهدوا في كلّ أنواع الراحة الجسديّة، فحفظ بعضهم بعناية الله كلّ أيام حياتهم صحيحي الأجسام وأقوياء كالأب أنطونيوس الذي عاش مئةً وخمس سنواتٍ، قضى منها تسعين سنةً بكاملها متزهّداً متوحّداً، ولم يتسرّب إلى جسمه المرض أو الهزال. ولم تسقط أسنانه ولم يضعف بصره، بينما كان نحيف الجسم رقيقه أكثر من غيره، والأب سوسايس. الكبير الذي سكن في صومعة الأب أنطونيوس بعد رقاده اثنتين وسبعين سنة معافى بزهده وتجرّده. والأب مقار الكبير، صاحب الجسد اليابس المقدّد، والأب يوحنّا تابيز، وفاخوميوس وأفولو وغيرهم، ممّن صانتهم العناية الإلهيّة من الأمراض والأوجاع.

وممّا لا شكّ فيه أنّ بعض النسّاك كانت تقاوم أجسادهم فترةً من الزمن، ولكنّها ابتليت بأمراضٍ مختلفةٍ، كالأب بنيامين الذي دُعي أيوب الجديد، فإنّه زهد في الدنيا وقنت لربّه ثمانين سنةٍ ونال قوّة إجتراح المعجزات، وشفى كثيرين من الأمراض بوضع يديه، ولكنّه اُبتلي أخيراً بداء الاستسقاء وأنتفخ جسمه وترهّل، وفي هول آلامه القاسية كان يشكر الله على المحنة والتجربة ويقول: “إنّ هذا الجسد لم يفدني شيئاً وهو صحيح، ولا الآن يشقيني وهو عليل، فمن أراد أن يحيي نفسه في هذا العالم فليهلكها، ومن أراد أن يهلك نفسه من أجلي يجدها.

إلى هذا الهدف الأسمى كان يتطلّع القدّيسون في وضعهم الأساس لبنيان النفس ومعظمهم سلكوا طريق تعذيب الجسد وإذلاله.

 

 

 

 

 

الفصل التاسع البراهين الطبيعيّة في طبقات العارفين الأربع

إنّ مدركات العقل لا تُقاس بالحواس، وما كان ذلك ليس من الهيّن أن يُفهم بالبراهين المحسوسة، وعلى هذا الأساس يجب الاستدلال على المدركات الخفيّة بالمدركات الظاهرة.

البرهان: النفس في الجسد كأنّها أسيرةٌ في خيمةٍ مغلقة، وكما أنّ الخيمة تهبّ عليها ريحاً عاصفةً أحياناً فتمزّقها، ويظهر كلّ ما فيها وما يحيط بها بوضوحٍ وجلاءٍ، وتارةً يطغي عليها الزمن فتنفتح مسامها ويظهر مداها ولُحمتها فيتسرّب إليها النور ولكن بطريقةٍ ضئيلةٍ، وأحياناً وإن لم تتمزّق ولم تتفتّح مسامها إلّا أنّ الساكن فيها يفتح له كوّةً وينظر إلى الخارج، هكذا الأنبياء والرسل بهبوب الروح القدس عليهم تمزّقت خيمة أجسامهم أمام النفس العاقلة، والزهّاد بواسطة رقّة أجسادهم وشفوفها تتجدّد فيهم الروح المستقيمة، والفلاسفة تفتّحت أمامهم كوى النفس بالأقيسة المنطقيّة المدركة للمواضيع، وملافنة الكنيسة بتفتّح كوى العقل وترويض الجسد انبلجت أمامهم أنوار معرفة العالم الروحي الحقيقيّة.

برهانٌ آخر: إنّ الماء الذي يحيي الجسد هو رمز العلوم التي تحيي النفس، وكما أنّ الماء يهطل أحياناً غزيراً ويروي الأرض الظمأى إلى الإرواء، وأحياناً تحفر الأرض قضيباً شديداً حتّى يتفجّر الماء من أعماقها، دون أن يجد له سبيلاً ليجري على الأرض، ويرويها، وتارةً تجري عيونٌ وينابيع صغيرةٌ على وجه الأرض وتتجمّع في غديرٍ كبيرٍ ثمّ تؤلّف نهراً يهدر، وطوراً يسحب الماء بتعبٍ شديدٍ في أنابيب على وجه الأرض الواطئة فتروى، وهكذا ماء المعرفة المحيي للنفس يفيض على نفوس الأنبياء والرسل كالمطر الغزير، بدون جهدٍ، فتسقي الجبال والسهول وأمّا في نفوس النسّاك فتنسكب المعرفة بعد أعمال الزهد الشاقّة متفجّرةً من الأعماق ولكنّي أعرف أراضي كثيرةً وصل الحفّارون إلى أعمق أعماقها ولم يجدوا فيها ماءً، وإذا وجدوا في بعضها فإنّه يكفي فقط لإروائها بالذات دون أن يفيض ليروي غيرها. ولذلك يعتبرون رغبة تقويم الآخرين من أعمال الشرّير ويقولون: إنّ الشرّير يحرّضنا على الإنتقال إلى المدن من بوادينا من أجل إصلاح الآخرين.

وأمّا عند الفلاسفة فعناصر المعرفة تتألف من الأقيسة المنطقيّة في مقدّماتها ونتائجها، وبها يدركون المواضيع، أما ملافنة الكنسيّة القدّيسون فبواسطة الأنابيب المتقنة الصنع بجهدٍ عظيمٍ تتفجّر من قلوبهم أنهار ماء الحياة.

الفصل العاشر كيف تتفجّر الأفكار في النفس

شبّه العارفون النفس بالبحر، وكما أنّ البحر تصبّ فيه أنهار ٌكثيرةٌ تارةً وطوراً تتفجّر من قعره مياه غزيرةٍ، هكذا النفس أيضاً، تتألّق أفكارها تارةً بفعل الحواس الظاهرة وطوراً بتأثير التصوّرات الباطنيّة. والحالة الأولى تُضاف إليها الحالة الثانية فتنبجس من توحيد الحالتين أفكارٌ أخرى جديدة، وهذه الأفكار الجديدة إذا اشتدّت وتزاحمت فإنّها تثير الشهوة، والشهوة تحرّك الإرادة، والإرادة تولّد القوّة، والقوّة تدفع الأعضاء الفاعلة للقيام بالعمل المراد إجراؤه. فإذا كان هذا العمل صالحاً فإنّ الملائكة تواكبه وتعضدده، وإنّ كان طالحاً فإنّ الأبالسة تضرمه كالنار أو تعينه، على حدّ قول الأب أوغريس: “إنّ الملائكة إذا حضرت فإنّها تظهر لنا الرؤى الروحيّة والشياطين تخفي النزوات الحقيرة، وهكذا تنشب بين هذين الجيشين من الأفكار(الصالحة والطالحة) حرب طاحنة، لأنّ العقل الناطق الذي فينا هو نصير الملائكة وعدوّ الأبالسة، وبالنسبة إلى قوّته وضعفه يُعقد النصر لأحد المعسكرين.

فالحواس الظاهرة والباطنة إذاً، هي أبوابٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ إلى مخابئ القلب، وفيه تجلس النفس ملكةً وأهواء عالمنا الزائل تطلّ من تلك الأبواب وفيها والنفس تشتاق إلى إرتشافها.

واعلم أنّ بالخلوة في الصومعة الصغيرة المظلمة تُوصد الأبواب الخارجيّة وبذكر القصاص والعقاب تُوصد الأبواب الداخليّة، فلا ترى النفس غير ذاتها متألّقةً كالملائكة خدّام ربّها، وتأييداً لذلك قال أحد الفلاسفة: “اسدد الكوى يستضيء المسكن”.

 

الفصل الحادي عشر الميول النفسيّة الصالحة والطالحة

الميل النفسي أو الجسدي، النابع من حرّيّة الإنسان واختياره الذاتي إذا استهدف الفضيلة فهو صالحٌ، وإذا استهدف الرذيلة فإنّه طالحٌ، وما لم ينبع من الحرّيّة فلا يفيد إذا كان صالحاً ولا يضرّ إذا كان طالحاً. لأنّ الحاكم العادل يحكم في أعمال الإرادة والضمير، وليس في أعمال الطبيعة والاغتصاب، مثال ذلك: تجد فتىً ابتلى بالإنجراف إلى أهوائه. وقد بدأت الشرارة تتّقد جذوتها في نفسه من المعاشرات المنحرفة، والأحاديث التافهة، وكانت في بادئ الأمر فكرةً، والفكرة أثارت الهوى، والهوى إذا اشتدّت ناره وتضاعف، يخضع له الضمير ويستسلم لإنجاز الخطيئة فعلاً ويعتبر ذلك الإنسان كلّ حرامٍ حلالاً، فيبحث إلى السبل المؤدّية إلى العمل بالذات، فإن لم يجد، فإنّه يتمادى في أعمال الرذيلة الباقية، وهكذا يمرّ الإنسان بأربع مراحل قبل أن يمدّ يده إلى الثمرة المحرّمة، المخجلة، الفكر، والهوى، وعمل الضمير، وتصيّد الفرص، وبما أنّ الفكر والهوى طبيعيّان في الإنسان فليسا طالحين، وأمّا عمل الضمير وتصيّد الفرص فبما أنّهما ينبعان من الحرّيّة والإصرار المسبق، ولا يتمّ العمل بدونهما، لذلك هما طالحان. قال أحد الشيوخ: “إنّ ما كُتب في آثام صور مثنى وثلاث ورباع لن أرجع عنه، هو الإصرار على الإثم بالذات، وبواسطته يتمّ عمل الخطيئة فعلاً، والربّ لن يصرف غضبه عنه”. قال الأب أوغريس: “إنّ خطيئة المتوحّد هي تصوّره ممارسة الخطيئة بالفكر”.

 

الفصل الثاني عشر الأبواب التي منها تدخل الخطيئة

إنّ الأبواب التي منها تدخل الخطيئة وتسود على النفس كثيرةٌ، ونذكر هنا بعضها، والبقيّة سيأتي ذكرها في موطنها، وهي:

الأوّل: الحسد، وهو الذي حطّ الشيطان من رتبته الملكيّة.

الثاني: الشراهة، بها سقط آدم من علياء فردوسه.

الثالث: الغضب: وهو قهّارٌ للطبيعة، يعلّل ذلك أبو العارفين أوغريس بقوله: “سألني الإناء المصطفى الشيخ مقاريس لماذا نخطئ إذا غضبنا على البشر ولا نخطئ إذا غضبنا على الأبالسة؟ وإذا لم استطع إعطاء الجواب طلبت إليه أن يشرح لي فقال: الغضب في الحالة الأولى قهّار للطبيعة، وفي الثانية طبيعي”.

الرابع: الهوى. وهو جبّارٌ قهّارٌ للطبيعة أيضاً، وقد صرّح أحد الفضلاء قال: “فلنهرب لئلّا نسمع أو نرى الثمرة التي لن نتذوقها بعد، وإنّي أعجب كيف نعتبر ذواتنا أقوى من النبي داود، الأمر الذي لا يصحّ”.

الخامس: حبّ الزينة، وواضحٌ أنّ الفضيلة لا ترتدي الثياب الفاخرة، بل ترتدي جمال النفس، فإنّ الذي يتزيّن بالحلل الفاخرة إنّه إنّما يرتدي روح العجرفة، ولذلك يجب أن نتّشح برهبة يوم الدين وخشية جهنّم، ولنكتس بأعمالنا وحدها.

السادس: التخمة، قيل إنّ البطن التي تخمت لا يمكن أن تلد فكراً سليماً. وقيل أيضاً: إنّ التخمة من المآكل هي أمّ الرذائل.

السابع: محبّة المال، وقد دعاها الرسول بولس أصل كلّ الشرور.

الثامن: المكر، إنّ الطمع يجعل الإنسان مكّاراً، فيتودّد للناس كاذباً.

التاسع: البخل، وهو ينصح بخزن الأموال مذكّراً الإنسان بالشيخوخة، ومنذراً بالأمراض المستمرّة، والمجاعات الطارئة، ويصوّر له التصدّق والاستعطاف ومرارتهما، ويمحو عن خاطره التوكّل على الله.

العاشر: حبّ الجدل والحوار وغربلة الأفكار وحبّ الانتصار بالكلام، والسفسطة، ومن لا يمكنه التحرّر من القلق والاضطراب، لا يمكنه البلوغ إلى هدوء الأفكار واستقرارها، ومع كونه مهذاراً ينتظر أن يُدعى مفكّراً وفاهماً.

الحادي عشر: المداخلة بأحكام الله الغامضة، كالذين يتسألون: “لماذا أعطى الله بعض الناس قلوباً تعرفه على حدّ قول إرميا، وللبعض الآخر ضعف الذاكرة فينسونه على حدّ قول إشعياء؟ ولماذا أحبّ الله يعقوب وأبغض عيسو قبل أن يعرفا الخير والشرّ؟ وما إلى ذلك من الأمور، ولمثل هؤلاء قال الحكيم: “لا تطلب ما هو أسمى منك ولا تبحث فيما لا يعنيك”.

الثاني عشر: احتقار القريب، كما حدث لأحد الإخوة أن أحتقر أخاً آخر سقط في تجربةٍ فطُرد من الدير، إذ سقط هو ذاته بالتجربة ذاتها، ثمّ ندم، وكان يعمل الليل كلّه باكياً في قبر ميت، فسمع صوتاً يقول له: “لأنّك احتقرت قريبك في وقت محنته أصابك هذا كلّه”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني ترويض النفس وإصلاح العادات وفيه أحد عشر فصلاً

 

 

الفصل الأوّل تحديد العادة

العادة حالة نفسيّةٌ بها يندفع الإنسان إلى عملٍ بسهولةٍ دون بحثٍ أو شعورٍ أو تدقيقٍ فيما إذا كان يجب أن يعمل كذا وكذا، وبما أن بعض هذه الأعمال رفيعٌ وممدوحٌ، وبعضه مكروهٌ ومذمومٌ، فالعادات أيضاً بعضها ممدوحٌ وبعضها مذمومٌ وكما أن هزال الطلعة دلالة المرض، الأمر الذي إذا أشتدّ يؤدّي إلى موت الإنسان الجسدي، وهو انفصال النفس عن الجسد، كذلك العادات السيّئة فإنّها دلائل مرضٍ نفسيٍّ خفيٍّ، فإذا اشتدّ يؤدّي إلى هلاك النفس، وهو انفصالها عن الله. وبما أنّ موت الجسد ينهي حياةً وقتيّةً، وموت النفس يؤدّي إلى هلاكٍ أبديٍّ، علينا أن نهتمّ بمعالجة النفس أكثر من اهتمامنا بمعالجة الجسد، إذا كنّا نحبّ الحياة الحقيقيّة.

 

الفصل الثاني صحّة النفس وأمراضها

دلائل صحّة النفس أربعةٌ، وهي: الإعتدال في قوّة التفكير، والغضب والشهوة، والإعتدال في مركّبها جميعاً، وبما أنّ كلّ قوّةٍ من قواها كائنةٌ بين حالتين الزيادة والنقصان، فتكون أمراضها سبعةً، الستّة الأولى الخاصّة بالقوى الثلاث، والسابع الخاصّ بمركّبها العام جميعاً.

سلامة القوّة العاقلة تُدعى حكمةً، وهذه تكون إذا ميّز الإنسان بسهولةٍ بين الصدق والكذب، في النطق والحديث، وبين الحقّ والباطل في العقيدة والرأي، وبين الخير والشرّ في العملين النفسي والجسدي.

وسلامة القوّة الغضبيّة تُدعى شجاعةً، أو بطولةً، وهذه تكون طبقاً لأوامر العقل، إذا كان الإنسان قويّاً شجاعاً لا يرهب المصائب والمصاعب، وإذا احتاج الأمر يستسهل الموت، وعلى رأي الأب أوغريس إنّ البطولة هي قهر جميع الأهواء المنحرفة.

وسلامة القوّة الشهويّة تُدعى عفّةً، وهذه تكون بممارسة الإنسان الأعمال الطبيعيّة بطريقةٍ مشروعةٍ. وسلامة المركّب العام من هذه القوى، تُدعى عدلاً، وهذه تكون إذا تساوت الفضائل في النفس، وممّا مرّ بنا نعرف أنّ القوى الأربع السالمة هي مصدر الفضائل، وهي: الحكمة والشجاعة والعفّة والعدل.

ومرض القوّة العاقلة الناجم عن التطرّف في التفكير يُدعى خبثاً، وهذا يكون باحتيال الإنسان للحصول على ما يفوق حاجاته الطبيعيّة الضروريّة. وضعفه يُدعى غباوةً، وهذه تكون بعجز الإنسان عن الحصول على أقلّ من حاجاته الطبيعيّة الضروريّة، وكلا المريضين يُدعيان جاهلين.

ومرض القوّة الغضبيّة يكون بزيادة الغضب ويُدعى جسارةً، وهو أنّ يغضب الإنسان بدون سببٍ، وبعنفٍ وشدّةٍ، وإذا طرأ نقصٌ على هذه القوّة يُدعى جبناً، وهو خوف الإنسان حيث لا توجد أسبابٌ للخوف، والحذر حيث لا حاجة للحذر.

والمرض الناجم عن جموح الشهوة يُدعى شبقاً، وهو تمرّغ الإنسان في حمأة الأهواء الرديئة بجموحٍ وإفراطٍ، لا لقوام جسده، بل إمعانا في اللذّات المحرّمة، والمرض الناتج عن ضعف هذه القوّة يُدعى خموداً (أو خنوثةً) وهو عجز الإنسان عن القيام بما تتطلّبه الطبيعة من شوقٍ ولذّةٍ.

والمرض الناتج عن مركّبها العام، هو النفاق، ويحدث عند عدم التعادل بين فضائل النفس.

ويعتقد النسّاك أن سلامة القوّة العاقلة أن يفهم الإنسان لغة البشر والروحانيّين، وسلامة القوّة الغضبيّة ألّا يخاف الإنسان أعداءه الروحيّين ويصمد في المصائب. وسلامة القوّة الشهويّة، أن ينظر الإنسان بدون هوىً إلى ما يثير الأهواء الهوجاء، ومرض كلّ قوّةٍ من هذه القوى يضاد سلامتها.

 

الفصل الثالث العادات متبدّلة

إنّ بعض الجبناء المغفّلين المنحرفين الذين يهتمّون بالتلذذ لا بالتفكير السليم يقولون: كما أنّ الهيئة، وهي المظهر الخارجي للجسد لا تتبدّل سواء إذا كانت جميلةً أو دميمةً. هكذا العادة أيضاً، وهي المظهر الباطني للنفس لا تتبدّل سواء كانت صالحةً أو طالحةً. ويقولون أيضاً: إنّ إصلاح العادات يتمّ باستئصال جذور الغضب والشهوة من أعماق القلب، وقد تعلّمنا استئصالها بالخبرة الطويلة.

نقول: إذا كان بالإمكان تبدّل العادة في البهائم كالكلب والحصان والدبّ، والقرد، كيف لا تتبدّل العادة في الإنسان؟ وهو ذو النفس العاقلة؟ والغرائز الطبيعيّة وإن كان استئصالها مستحيلاً، إلّا أنّها قابلة للزيادة والنقصان، بالترويض البشري، فالقرطب مثلاً إذا زُرع ورُوّض. وإن كان لا يمكن أن يثمر تيناً. إلّا أنّ التنمية المعقولة تحدّ من أشواكه فلا تؤذي كثيراً، هكذا الغريزتان الطبيعيّتان الغضب والشهوة، وإن كان استئصالهما مستحيلاً. إلّا أنّ الحدّ من عنفهما بالترويض ليس مستحيلاً.

 

الفصل الرابع الأسباب التي معها يصعب تبدّل العادات

اعلم أنّ القلب لا يتنقّى بسهولةٍ، بل بجهدٍ عظيمٍ، وجهدٍ شاقٍّ ليستأصل الشرّ من النفس، وسبب هذه الصعوبة، إمّا عنفٌ متطرّفٌ في الكيان البشري بالنسبة إلى الذين يُولدون غضوبين شهوانيّين طبعاً، ويصعب جدّاً تطويرهم إلى مسالمين أعفّاء بالترويض، إمّا قوّة الغريزة وهي تأصّل العادة في العمل، والعادة إذا تأصّلت هي طبيعةٌ ثانيةٌ، وإمّا إذا استطاب الإنسان عادةً سيّئةً فلا يريد تبديلها، وبناءً على ذلك يمكن حصر البشر في أربع طبقاتٍ:

الأولى: إنسانٌ ساذجٌ، وهو الذي لا يميّز بين العادة الطيّبة والخبيثة، وإذا تيسّر لمثل هذا مرشدٌ حكيمٌ، يتبدّل في وقتٍ قصيرٍ.

الثانية: إنسانٌ ساذجٌ ضالٌّ، وهو بالإضافة إلى عدم تمييزه بين العادة الطيّبة والخبيثة، تراه ممعناً في العادة الخبيثة، الأمر الذي يصعب علاجه أكثر من الأوّل.

الثالثة: إنسانٌ ساذجٌ ضالٌّ عنيدٌ، وهو الذي ليس فقط لا يميّز بين العادة الطيّبة والخبيثة، وهو ممعنٌ في العادة الخبيثة، ولكنّه يقاوم من يريد إصلاحه، على حدّ قول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي: “إنّه يسدّ أذنيه كالأفعى الصمّاء يقاوم سماع الراقي، ويمانع أن تُقدّم له علاجات الحكمة التي تُشفى النفس بها، ومثل هذا معالجة داؤه أصعب من الأوّل والثاني.

الرابعة: إنسانٌ ساذجٌ ضالٌّ عنيدٌ غضوبٌ شهوانيٌّ بطبيعته، وهذا مقطوعٌ الأمل من شفائه.

 

 

 

 

الفصل الخامس الأمور التي بها تُنال العادات الطيّبة

إنّ العوائد الطيّبة تكون باعتدال قوى النفس الثلاث، كما قلنا، وهذا الإعتدال يكون بثلاث طرقٍ: “إمّا بالطبيعة أو بالمعاشرة أو بالترويض، والطبيعي كما هي الحالة عند الأنبياء والرسل، وبالمعاشرة كمن يعاشر الصالحين، ويمتنع عن معاشرة الأشرار، لأنّ الأحاديث الخبيثة تفسد الضمائر السليمة، وما أُصلح بجهودٍ كثيرةٍ يُفقد بلحظةٍ واحدةٍ. أمّا الترويض، هو شأن الذين يُخضِعون النفس برياضاتٍ روحيّةٍ متواصلةٍ، فيُنمُون فيها الفضيلة، وهم وإن قاسوا مصاعب كثيرةً في البداية إلّا أنّهم يصلون إلى الراحة في النهاية، وكما أنّ في كيان الحيوانات يكون الإعتدال طبيعيّاً والشذوذ متأتّياً عن أسبابٍ خارجيةٍ، هكذا يكون الصلاح أكثر طبيعيّاً في الإنسان ويطرأ عليه الشذوذ لأسبابٍ خارجيّةٍ، وكما أنّ الجسد لا يُخلق منذ وجوده كاملاً، هكذا النفس تتدرّج في العلم حتّى تبلغ الكمال. وكما أنّ أمراض الجسد تزول بأضدادها، هكذا العادات الخبيثة تزول بأضدادها، على حدّ قول أبي العارفين أوغريس: “إذا تاقت النفس إلى أنواع المآكل الشهيّة فليمعنّ بالانقطاع والجوع لكي يشعر أنّ مع الإكتفاء بالخبز، سعادة”.

 

الفصل السادس تحديد أمراض النفس

ما أنّ كل عضوٍ خُلق لعملٍ خاصٍّ، وبمرض ذلك العضو تشوّش عمله، كالعين المشوّشة، أو ضعفه، كالعين التي تكون ضعيفة البصر، أو تعطيله كلّيًّا، كالعين العمياء. هكذا النفس خُلقت لمعرفة الله ومرضها يؤدّي إلى تشويش معرفتها، فتعتقد أنّ الله زمني ومحدود، أو إلى ضعفها إذا ارتابت بالإيمان، أو تعطيلها إذا عبدت الخليقة دون الخالق. والدلالة على معرفة الله محبّته، ودلالة هذه المحبّة حفظ وصاياه، كما قال: “إذا كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي”. إنّ من يحبّ الله لا يحبّ غيره أكثر منه، وإذا أحبّ فإنّه حقّاً مريضٌ، ومن هذا نستدلّ أنّ الذين يحبّون الله في عالمنا هم قلائل. واعلم أن ّ أمراض النفس هي كالحمّى الخفيّة لا يشعر بها الإنسان، ولذلك يهمل الكثيرون من محاولة شفاء نفوسهم. وهناك من يشعر بأمراض نفسه ولكنّه يهمل شفاءها، إمّا لأنّه لا يتحمّل مرارة العلاج، أو لعدم استطاعة الطبيب شفاءها، لأنّ الأطبّاء هم الآباء وكلّهم في عصرنا هذا مرضى.

الفصل السابع كيفيّة معرفة الإنسان عيوبه

يستطيع الإنسان معرفة عيوبه بأربع وسائط:

الأوّل: أن يعرض نفسه لشيخٍ حكيمٍ خبيرٍ بالأمراض النفسيّة، يمكنه معرفة مرضه وكيفيّة شفائه.

الثانية: أن يختار له صديقاً صدوقاً وحكيماً، فيمقت كلّ ما يمقته الصديق، لأنّ الصديق مرآة صديقه.

الثالثة: أن يعلم عيوبه من أعدائه الناقدين فيعمل على ملاشاتها لأنّ العدوّ كالذبابة لا يحطّ إلّا على القروح، وهذا ما قيل: الحكيم يفيد حتّى من أعدائه.

الرابعة: أن يعاشر الناس ويحذر من كلّ ميلٍ وغريزةٍ يهجونها ويحتقرونها.

 

الفصل الثامن تمزيق الستار (عن عيون النفس)

إذا كان من يعرف لذّةً ما يشتاق إليها، فمن لا يشتاق إلى اللذّة لا يعرفها، والمبتدئ (الراهب) الذي لا يشتاق حقيقةً إلى اللذّة الروحيّة لا يعرفها، وذلك بسبب الستار المخيّم على عيني عقله. وهناك أربعة أمور تكون ستارات هي: الأموال، المجد الباطل، الضلال، والهوى.

إنّ ستار الأموال يتمزّق بالزهد، وهو ألّا يقتني المبتدئ أكثر من ضروريّاته، لأنّ عقله سيكون عند كنزه، طبقاً لقول الربّ (حيث يكون كنزكم فهناك يكون قلبكم).

وستار المجد الباطل يتمزّق باحتقار المجد الدنيوي الفارغ، كما عمل ذلك الشيخ الذي ألحّ عليه أبناء المدينة أن يدخل إليهم، ولـمّا رآهم يحملون المصابيح ويندفعون لاستقباله، نزع ثيابه حالاً وألقاها في النهر وشرع يغسلها وهو عارٍ، لكي يعتقدوا أنّه مجنونٌ، وقال الأب أوغريس: إذا كنت تعتبر الهوان كالكرامة والهجاء كالمديح فإنّك لن تموت.

وستار الضلال يتمزّق بتمسّك المسيحيّ بإيمان المجمع النيقاويّ. والإعراض عن المجادلات والخصومات الناتجة عن التحدّث في (الطبائع والأقانيم) فالأفضل للنسّاك أن يتكلّموا في التقوى ومخافة الله والأعمال الصالحة من أن يتكلّموا في معرفة جوهر الله.

وستار الهوى يتمزّق بأعمال الزهد على حدّ قول أحد الفضلاء: “لـمّا كانت الأهواء تحاربني كنت أرتدي المسح وأذلّ نفسي بالصوم واستمرّ بالصلاة”.

 

الفصل التاسع التزوّد للسفر الروحيّ

يجب أن يتزوّد المبتدئ (الراهب) بأربعة أمور هامّةٍ في سفره الروحيّ وهي: الخلوة، الصمت، الجوع، السهر. ففي الخلوة تتلاشى كلّ النزوات المقلقة، وبالصمت تموت عن ذاكرته كلّ الأحاديث الباطلة، وبالجوع يتطهّر العقل، وبالسهر تزول كلّ الأوضار التي تحجب بصيرة النفس. فإذا نال الراهب هذه الفضائل كلّها سار في طريق ربّه وتعلّقت أبصاره في اللانهاية. منتظراً العون والمساعدة من لدن الله، فإن استمرّ بذلك يستسلم لقول النبيّ إرميا: “أمّا أنا فلم آتِ إلّا لأتبعك يا ربّ ولم اشتهِ لذّة البشر”.

 

الفصل العاشر المكوث في الصومعة

يجب أن يدخل المبتدئ الدير أوّلاً ثمّ يتدرّج إلى الإنفراد، وكما يتطهّر الذهب في النار ويتوهّج، كذلك المبتدئ الذي يتروّض في الدير يتنقّى عقله ويتوهّج. ففي ضوضاء الإخوة يتعلّم الصبر وطول الأناة، والوداعة، والتواضع، وإذا ظفر بكلّ ذلك فلينفرد، وإذا أنفرد، إن استطاع مجابهة الأفكار الصاعدة فليصمد. وإلّا ليعد إلى الدير خشية أن يضطرب عقله. وإذا عضدته النعمة في الصومعة الصغيرة منفرداً، فليواصل القراءة والتأمّل والمطالعة بعد أن يكمل واجباته الروحيّة والصلوات الفرضيّة طبقاً لما كنّا قد أوردناه في المقالة الأولى، ولا يحتاج أن يقول سوى: “يا ربّ يا ربّ”، حتّى تجري هذه الجملة على لسانه بدون شعوره. وليستمرّ بها حتّى تزول عن لسانه أيضاً وترسخ في قلبه فقط. ثمّ تتلاشى عن القلب أيضاً ككلماتٍ وجملٍ ويستقرّ معناها السامي في الذهن فقط، وإذا ما رسخ هذا المعنى في النفس نهائيّاً، تلتهب بحبّ ربّها وتدفع له كلّ كيانها، فلم يسبق في خاطره غيرها، وحينئذٍ تنفتح أمامه شقوق بابها رويداً رويداً، وتتفتّح له كوى معرفتها، ويشرق عليه شعاعٌ إلهيٌّ كالبرق أوّلاً ثمّ يمرّ بخاطرها خاطفاً، وأحياناً يتلكّأ في عودته، وإذا عاد يقيم، وأحياناً تطول إقامته، وأحياناً تقصر فلا يعطِ الله روحه بمقاييس، بل ينال كلٌّ طبقاً لقابليته .

الفصل الحادي عشر عثرات الكاملين

إنّ الشرّير الظمآن إلى إذلال الصالحين يُلقي عثراتٍ كثيرةً، ليس في طريق المبتدئين فحسب، بل يحفر حفراً حتّى لمن شرع يتدرّج في سلّم الكمال، وغالباً يصطاده في فخاخ العجرفة والكبرياء، وذلك، عندما يكون الناسك في غمرة حالةٍ روحيّةٍ لا تُوصف، فالرؤى العجيبة تغمر كلّ كيانه ونفسه تفرح بالأشعّة الساطعة التي لم ترها عينٌ ولم تسمع بها أذنٌ، ولم تخطر على قلب بشر. وهو غائبٌ عن هذا الوجود يحاول تعليلها، وفي غمرة هذه الحالة الوحييّة يُفسح المجال لإبليس بالإجهاز عليه، إذ يغريه بالدخول إلى المدن والقرى معلّمًا ومخلّصاً للنفوس وقدوةً صالحةً لتقويم الكثيرين، فإذا لحظ أحد إخوته متألّقاً في خطابه وجذّاباً للنفوس في تعاليمه، يتسرّب إلى قلبه الحسد المرير ويحاول الطعن في كرامته، والنيل من مواهبه، كما حدث لأهرون الإسكندري ذي العقل المتألّق والخاطر المرهف، والفضيلة الوضّاءة والذي كان يأكل مرّةً واحدةً في كلّ ثلاثة أيامٍ، إنّ هذا ركبه الغرور فأظلم عقله وهبط إلى درجة التعريض بالطوباويّ أوغريس وأخذ يقول: “إنّ الذين يسمعون تعليمه يضلّون ضلالاً، لأنّه لا حاجة للمعلّمين سوى المسيح، فقد قال تعالى (لا تدعوا لكم معلّماً على الأرض)” ثمّ وسوس له الشيطان أن يذهب إلى الإسكندريّة ليراه الناس ويقتدوا به، ولـمّا ذهب، أغراه الهوى فشرع يرتاد المراقص والملاهي ثمّ لطمته الرذيلة وابتلي بأمراضٍ خبيثةٍ، وشُفي، ثمّ عاد إلى صوابه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث الشراهة وعلاجها وفيه تسعة فصول

 

 

الفصل الأوّل كلام الآباء في الحذر من الشراهة

جاء الشيخ أخيلوس مرّةً إلى صومعة الأب إشعيا، ورآه يأكل، وكان لديه في الصحفة ماءً وملحاً لأنّ حنجرته كانت يابسةً، ولم يستطع أن يأكل الخبز متحجّراً، قال الشيخ: “هلمّوا انظروا الأب إشعيا يأكل مرقاً، في الإسقيط، (برّيّة مصر) إذا كنت تريد مرقاً فاذهب إلى مصر.

قال شيخٌ آخر: “من هو قويٌّ كالأسد، فمن أجل بطنه يسقط في الفخ ؟ هكذا نحن نسقط إذا قَهَرَنا بطننا”.

وروى شيخٌ آخر قال: “إنّ آباءنا في البرّيّة كانوا يقولون لا نضايق نفوسنا كثيراً بالخبز والملح، وهكذا كانوا شجعانا في عمل الربّ.

كان الأب فومان يقول: “لو لم تهاجم شهوة البطن النفس، لما غُلب العقل على أمره في الجهاد ضدّ العدوّ”.

وقال الأب أبيفانيوس: “لا تُخضع نفسك للطعام الذي تستلذّه، وخاصّةً إذا كنت سليماً”.

قال الأب أوغريس: “لا يقلقنّك فكرك بإعداد ما لذّ وطاب بسبب الضيوف الغرباء، واقتدِ بأرملة صرفة وصيدا كيف استقبلت النبيّ إيليا، فإذا كان لديك خبزٌ وماءٌ وملحٌ فإنّها كافيةٌ لمكانة الضيوف. والأجر الصالح، وإن لم يكن لديك فاستقبله بلطفٍ وبكلمة نصحٍ مفيدٍ، وستنال مكافأتك كاملةً.

وقال أيضاً: “إنّ الذين ينعمون سارحين بين المروج الروحيّة ويتناولون طعام الروح من العليّ، ويسيرون في النور اللامتناهي، لا تستطيع شهوة البطن أن تسودهم وتشوّش عقولهم.

وقال أيضاً: “كان أحدهم يقرأ كتاباً، وكان يتثاءب باستمرارٍ، ويداعب صفحاته، ويحصي كراريسه، ويعدّ سطوره، وقد ذهب الكسل بلبّه، فسئم الكتاب ووضعه تحت رأسه وأراد أن يغفو هنيهةً، إلّا أنّ الجوع كان ينهش أحشاءه، فيوقظه ليفكّر بالطعام”.

وقال أيضاً: “المضطرب الفكر مهتمٌّ بخدمة المائدة، يجهز على الطعام بشراهةٍ ويظنّ أنّه يكمل ناموس الله”.

وقال ياوني رئيس الدير: “إنّي أعجب كيف يمكن أن يتحرّر من شهوة البطن من لا يسكن في القبر”.

وقال أيضاً: “اليهودي يفرح بيوم السبت والراهب الكبير البطن بيومي السبت والأحد”.

وقال أيضاً: “ضيّق بطنك واسدد فاك، لأنّ من يملأ بطنه يوسّع أمعاءه، ومن يضيقها يقلّص الأمعاء، وإذا الأمعاء تقلّصت يصبح صائماً بالطبيعة”.

وقال أيضاً: “إنّ سقوط آدم، وهلاك عيسو، وتيه بني إسرائيل، وفضيحة نوح، وإنخذال لوط، وموت أولاد عالي، كلّها نتيجةٌ سيّئةٌ للشراهة”.

 

الفصل الثاني الأهواء الناتجة عن الشراهة

الرذيلة وليدة الشراهة، ومحبّة المال وحبّ الرئاسة هما كذلك وليدتاها كما يقولون، لأنّ في كثرة المال دافع أساسيٌّ للترف، وحافزٌ رئيسيٌّ للشراهة، ومنهما ينتج الاستغراق في الشهوات، ومنهما أيضاً يتولّد الخطف والظلم والقسوة، وهذه تُولّد المراءاة والكذب والعجرفة، وعنها تتولّد الضغينة والبغضاء والحسد، وواضحٌ أنّ هذه الميول جميعاً سيّئةٌ ومهلكةٌ، وبالتالي إنّ الشراهة أمّها جميعاً، وهي أعظم خطراً من جميع الأمراض، ويجب على الإنسان أن يسرع بمعالجتها، ولا نجد في كتاب الطبّ الروحيّ دواءً لمعالجتها سوى الجوع، ولذلك يجب أن نعدّد فوائده.

 

الفصل الثالث فوائد الجوع

وجد العارفون للجوع عشر فوائد، هي:

الأولى: نقاء النفس، لأن من يقلل غذاءه يُضيء عقله، ويرق تفكيره ولذلك دُعي مفتاح الحكمة.

الثانية: الشعور باللذة الروحية، لأن الإمعان في اللذات المادية يعطل كل شعور باللذة الروحية.

الثالثة: تواضع الروح والوداعة، وقد قيل إن الجسد إذا بطر لا يخضع إلا بالجوع.

الرابعة: التفكير بالمساكين والبائسين والجياع والمعذبين، وقد سُئل أحد الملوك الصالحين، وكان يصوم كثيراً، لماذا تُمعِن في الجوع ولك كنوز العالم؟ قال: إني أخشى أن أنسى الجائعين.

الخامسة: إخماد الأهواء المثيرة للخطايا، ولذلك يجب قهر البطن قبل أن يقهرنا.

السادسة: التخلص من ثقل النوم، إن الذي يشبع يشرب، ومن كثر شربه للماء زاد نومه.

السابعة: ألا ينشغل الإنسان بإعداد الطعام فينسى واجباته الروحية.

الثامنة: صحة الجسد على رأي الأطباء فالذي لا يأكل حتى يجوع وإذا أكل لا يشبع ينجو من أمراض كثيرة.

التاسعة: قلة النفقات على رأي الأب أوغريس: لا تأكل مرتين في النهار لئلا تكثر نفقاتك وتضطرب أفكارك.

العاشرة: أن يوفر الإنسان كمية يمكنه أن يشبع بها المحتاجين. فالمسرف في الطعام: لا يكفيه ماله ومال الآخرين.

 

الفصل الرابع تقليص كمية الطعام

يجب على المتبدئ (الراهب) أن يقلص طعامه، بقدر المستطاع، وهذا التقليص يجب أن يكون تدريجياً فمن يأكل رغيفين في النهار ويرغب أن يكتفي برغيف واحد ليقلص في كل يوم جزءاً من ثلاثين، وهكذا في شهر واحد يكتفي برغيف واحد، دون أن يضعف أو يتضرر.

وفي نظام الكمية أربع درجات، الأعلى والعليا، والوسطى والسفلى.

الأولى (الأعلى) وهي الأكثر سمواً؛ ومقدراها لا يمكن أن يقتات بأقل منه كما بلغنا عن أحد الكاملين أنه كان يأكل في النهار ما زنته قرش واحد فقط.

الثانية (العليا) أن يروض الإنسان نفسه على أن يأكل في يوم واحد (الليل والنهار) ثلث الرغيف، أو ما زنته ثمانون قرشاً.

الثالثة (الوسطى) أن يكتفي بنصف رغيف.

الرابعة (السفلى) أن يكتفي بثلثي الرغيف ولما سمع الأب مقاريوس الاسكندري عن ناسك يأكل لتراً واحد من الخبز أي ما زنته مئة وعشرون قرشاً، في كل يوم كسر خبزه وألقى الكسر في جرة ضيقة الفم، ولم يكن يأكل غير ما تخرجه يده الواحدة مرة واحدة فقط من الجرة. وكثيرون من النساك في أيامنا لا يزنون خبزهم، ولكنهم لا يأكلوا إذا جاعوا تماماً، وإذا تناولوا الطعام لا يشبعوا.

وهناك دلالتان للجوع الحقيقي .

الأولى: إذا حضر الخبز يرغب غمسه في الماء والملح .

والثانية: إذا بصق على الأرض لا يجتمع الذباب على بصاقه، وهذا دليل على أن معدته خالية من الدهون.

 

الفصل الخامس نوعية الطعام

نقصد بنوعية الطعام هنا، نوع الخبز وما يؤوم به، ولكل منهما أربع درجات الأعلى والعالية والوسطى والسفلى.

الدرجة الأعلى من الطعام بالنسبة إلى الخبز هي أن يخبز من طحين الشعير غير المنخول. وكثيرون من الكاملين لا يقتاتوا بالخبز بل بالجراد وعسل البر مثل يوحنا المعمدان، أو بالأعشاب وأصول الشجر كالقديس برصوم ورفاقه.

الدرجة العليا: أن يخبز الخبز من طحين الشعير غير المنخول.

الدرجة الوسطى: أن يخبز الخبز من طحين الحنطة غير المنخول.

والسفلى: أن يخبز من طحين الحنطة المنخول.

والدرجة الأعلى في الطعام، الماء والملح أو الخل. والعليا: الأعشاب. والوسطى: بعض البقول المطبوخة بدون زيت. والسفلى: بعض البقول المطبوخة مع زيت.

أما البيض والحليب والجبن والسمن والسمك، فذلك للرهبان الذين يعيشون في الأديرة، وليس للنساك المتوحدين.

قال الأب دانيال في الأب ارسانيوس: عندما كان يسمع بنضوج الأثمار كان يطلب أن يقدم له منها، وكان يأكل مرة واحدة في السنة من كل ثمرة، وذلك فقط ليشكر الله.

وسأل أحد الإخوة أخاً آخر قائلاً: إني آكل كثيراً من العشب، فقال له: كل خبزاً وقليلاً من الأعشاب، ولا تزر أحداً. وأعتقد أنه قال ذلك لئلا يرى بعض الأطعمة فيشتهيها في زيارته لأبناء العالم.

 

 

الفصل السادس أوقات الطعام

ولأوقات الطعام أيضاً أربع درجات، الأعلى والعليا، والوسطى، والسفلى:

الدرجة الأعلى: وذلك مما لا يوجد في كل جيل، وهي خاصة بالكاملين، الذين أمضوا في تجفيف أجسادهم، فيأكلون مرة واحدة في كل أربعين يوماً.

والعليا: درجة الكاملين الذين يأكلون مرة واحدة من الأحد إلى الأحد.

والمتوسطة: درجة الذين يأكلون مرة واحدة فقط في كل مسائين.

والسفلى: درجة جميع النساك المنظمين الذين يأكلون مرة واحدة في اليوم الواحد (الليل والنهار) إن في دير الأب فاخوم ـ وكان رهبانه يومئذ ألفاً وثلاثمئة راهب ـ كانوا يأكلون في أوقات متفاوتة فبعضهم في الساعة الثالثة، والبعض في السادسة (ظهراً) والبعض في التاسعة (عصراً) وبعضهم مساء، وبعضهم مرة واحدة في كل يوم، والبعض مرة واحدة في كل أسبوع، كل بحسب قابليته ومقدرته.

 

الفصل السابع شرب الماء

وفي شرب الماء أيضاً يلاحظ الآباء النساك الكمية والكيفية والوقت، أما الكمية أن يقلصوا شربهم للماء بقدر المستطاع، قال الأب اوغريس: إن قلة الماء تساعد كثيراً على العفة، ويؤكد ذلك بنو إسرائيل يوم كانوا مع جدعون وعددهم ثلاثمئة رجل احتلوا مدينة مديان. وقال أيضاً: زرت مرة أبانا القديس مقاريوس وكنت محترقاً عطشاً، فطلبت ماء لأشرب فقال لي: يكفيك الندى، فإن كثيرين من المسافرين في السفن محرومون منه.

والكيفية، أن يقللوا من عذوبة الماء بقدر الإمكان، كما كان يفعل الأب يوسف فقد زاره أثناء حر الهجير الأب اولوغيس وطلب ماء فذاقه، ولم يستطع الشرب لأنه كان خليطاً من ماء البحر والنهر. وكانوا يفعلون ذلك خوفاً من إراحة الجسد ويقولون: كم من مرة روَّع الأسد من هياجه وهيج الجسد من إراحة.

وبسبب ذلك يعرض العارفون عن تناول الخمر والمسكر، قال الأب فلاديس: زرت يوماً أحد الآباء ولما جلسنا للطعام لقيته لا يتناول شيئاً من المسكر، بل تناول البلح ثم الماء فشرب، فقلت له باسماً: إذاً أنت حاقد على المسكر أيها الأب؟ إنك تناولت البلح وشربت الماء فلمَ لا تشرب المسكر؟ قال: إذا أخذت بإحدى قبضتيك تراباً وبالثانية ماء ورشقتهما في إنسان أتظنه يتألم؟ قلت: لا، قال: ولكن إذا مزجت الماء بالتراب وضغطتهما ضغطاً قوياً وجففتهما وضربت إنساناً ألا ترج هامته؟ قلت بلى، أيها الأب. قال: إذاً لا ترغب أن تكون مثل بعض أبناء الدنيا الذين يقولون لماذا لا تأكل كذا وكذا، أفي ذلك خطيئة؟؟ وهم لا يدروا أن بعض الأمور وإن كانت بذاتها خالية من الخطيئة، ولكن إذا ركبت تهيج الأهواء، وهذه تقتلنا.

والآباء يلاحظون الوقت أيضاً، فإنهم بعد صلاة النوم لا يشربوا الماء لئلا يستغرق الجسد بالنوم إذا ترطب.

 

الفصل الثامن الجوع يفيد المبتدئين أكثر مما يفيد الكاملين

إن الكاملين من البشر يضحون كالملائكة الروحانيين، مجردين من الأهواء، وبما أن الملائكة لا الشبع يضرهم ولا الجوع يضنيهم، وكلاهما عدوا الإنسان اللدودان، وعلى هذا الأساس يجب الابتعاد عنهما والتمسك بالإعتدال في كليهما في نهاية الجهاد الروحي. إن المبتدئ في مطلع جهاده إنما يجاهد ضد الجسد متمرداً على الطبيعة جوعاً وعطشاً وعذاباً، وفي منتصف طريق الجهاد يتضاءل الشعور بالألم، وإذا ما بلغنا درجة الكمال، ووصلنا إلى نهاية الشوط، فحينئذ يقضى على إرادتنا البشرية فتتألق حياتنا الجديدة وتتسامى فوق الأهواء في عبادتنا العقلية كالملائكة مضطرمين بحب الله وحده. وعليه، إذا كنت أيها المبتدئ لم تزل مريضاً، فلا تعتقد أنك بلغت درجة الأصحاء الكاملين، وإلَّا لزججت نفسك في أمراض قاتلة، وإذا كانت فضتك لم تتنقَّ بعد من أدرانها في البودقة، فلا تكن فلساً مزيَّفاً، وتطبع ذاتك في عملة الكاملين، وإذا زارك أخ غريب، فلا تظهر له محبتك بالنهم وتتخذ كرمك بالنهم وتتخذ كرمك لأخيك حجة في تغذية جسدك، فتقبل على الخمرة متوهماً أنك تخفي فضيلتك، فإنك ستصبح عبداً للأهواء.

 

الفصل التاسع الأهواء التي تثور في المتوحدين

يثور في المتوحدين نوعان من الأهواء وبالكاد ينجون منهما:

الأول: التظاهر الكاذب، وهذا يحدث إذا ثارت في المتوحد شهوة الطعام اللذيذ من جهة ونزوة المجد الباطل من جهة ثانية، فالنزوة الأولى تحرضه على حل نذره، والثانية تزين له التبجح بفضيلته، وإذا قهرته النزوتان بآن واحد، يسمح لنفسه بأن يأكل خلسة، الأمر الذي لا يأتيه صراحة، ويبرر ذلك بقوله: إذا حللت نذري صراحة وظاهراً فسأكون سبباً في شكوك للكثيرين، بالتالي أكون شريكهم في الخطيئة، ولا يعلم هذا الشقي إنه يصبح حينئذ قبراً مكلَّساً وهدفاً للويل الإنجيلي. ويعالج هذا الداء بحيث إذا ثارت الرغبة متأججة في الناسك النذير، فليكافحها، ولا يرخي لها الحبل، وهكذا حتى تخمد، فإذا خمدت فحينئذ يمكنه حل نذره باطمئنان وثقة.

الثاني: المجد الباطل: ويثور هذا الهوى إذا عزف الناسك النذير عن الطعام وأمعن في الزهد طمعاً في الشهوة والمديح فقط، فإذا لم يصبهما، يركبه القلق، ومثل هذا شقي جداً، لأنه قهر الشهوة فقهره الكبرياء، ويعالج هذا الداء، بأن يحل الناسك نذره فيأكل ولكن دون الكفاية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الرابع: ويتحدث عن الشهوات وعلاجها، وفيه تسعة فصول.

 

الفصل الأول: أقوال الآباء عن هوى الزنى.

قال مرةً الأب إبراهيم للأب سوساياس: أيها الأب لقد تقدمت في العمر، فلم لا نقترب قليلاً نحو مساكن الناس، فقال له: حسن لكن نذهب لمكان لا يوجد فيه نساء. فقال له تلميذه إبراهيم: ولكن أي مكان لا يوجد فيه نساء إلا في البرية؟ فقال له الشيخ: إذاً لنذهب إلى البرية.

وسأل أحد الإخوة الأب زينون وكان له علاقة قوية به: أيها الأب لقد شخت فكيف هو حال شهوة الزنى معك؟ فقال له الشيخ إنه يدق الباب لكنه يمضي. أما الشبان فإنهم يتهيجون به.

وقال الأب باخوم: عندما كنت في الخمسين من عمري حاربني هوى الزنى اثنا عشر سنة، لكن الله أنقذني منه. وأيضاً حُوربت بشدة بصبية كوشية كنت قد رأيتها في صباي، ولقد تصور فيها شيطان الزنى وجلس على ركبتي وإذ ظننت أنني قد أخطأت معها من سهوتي, صفعتها على وجهها فهربت، وبعد ذلك استرحت.

وقال أحدهم للأب ثيودورا: إن فكر الزنى يشوش ويعكر أفكاري، ولا أستطيع أن أقوم بأي عمل إذا يعطل كل أعمالي. فقال له الشيخ: عندما يأتيك أرمه عنك وقف بالصلاة.

وسأل أخ الأب قوفروس: ماذا أفعل لفكر الزنى الذي يعذبني؟ فأجابه الشيخ قائلاً: هل لك عادة بأن تتكلم مع النساء؟ فقال له: لا بل الأفكار هي التي تعذبني. فقال له الشيخ: لا تخاف من الموتى بل من الأحياء.

وقال الأب أوغريس: إن شيطان المجد الباطل يطلب التكريم، وشيطان الزنى يطلب الهوان. فعندما يحاربك أحدهم فليتصد له عقلك بأفكار مضادة. وإن استطعت أن تقتلع الوتد بوتد أخر فأنت كما يقال، قد وصلت إلى النهاية التي لا يوجد فيها أهواء.

وقال رئيس الدير ياوني: الدم يشتهي الدم، والدود يشتهي الدود. والتراب للتراب. فإذاً الجسد أيضاً للجسد. وهكذا كل شيء يشتهي ما يوافقه. وقال أيضاً إننا معتادون أن نسمي الناس الذين يرتكبون خطيئة إنهم ساقطون فحسب، فمتى سمعنا عن أحدهم بأنه قد زنى، عندها نقول بتوجع بأن فلان قد سقط. وقال أيضاً إن الرب الصالح اهتم بنا بعناية شديدة إذ كبح لجاجة شهوة النساء بلجام الحشمة. لكن لو كان لها الحرية بأن تأتي الرجال متى شاءت لما بقي أحد حي.

 

الفصل الثاني الآلام التي تتولد من الشهوات

إن شهوة الزواج قد وضعت فينا من أجل استمرار الجنس البشري. ولكنها عندما لا تلجم بلجام الأدب، تصبح علة للسقوط. ومنها يتولد الغضب في كلى العالمين. وذلك لأن منها تتولد شهوة الزنى، وهي من أكثر الشهوات القريبة والمؤلمة للإنسان. وكما قال بولس الرسول: إن كل خطيئة يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده. إن هذا الهوى يجذب الإنسان ويجعله يزدري بخسارة القوت اليومي والحياة الزمنية. لأنه يريد أن يتنعم بهذا الهوى أكثر من الحياة. هذه هي المعاشرة الواهنة للنساء، ولا يوجد من يرغب في إحضار الدواء لهيجان هذه الشهوة. وأي ضلالة أكثر من هذه أن يقوم الإنسان بزيادة النار التي تحرقه، ثم بعد ذلك يعود فيطفئها برش الماء عليها. كما يوجد آخرين يرسخون بإرادتهم لهوى محبة الهيجان في أنفسهم وفي النهاية عندما يريدون التخلص منها لا يستطيعوا. وآخرون يُسلمون لفكر فاسد إذ يتركون استخدام الأنثى ويمارسون الرذيلة بعضهم ببعض، ويستخدمون ما لا يناسب. وآخرون يتهيجون بالزنى بشكل دائم بدون أن يمارسوها مع جسد غريب.

 

الفصل الثالث. النجاسة وأسبابها وعلاجها.

النجاسة هي: ضعف فكري يؤدي مع وضعية مناسبة إلى الاحتلام في اليقظة. والأطباء الروحيون يعرفون لهذا المرض ثلاثة أسباب:

  • سهولة وجود المادة المسقطة في كل الأماكن.
  • عدم القدرة على معاشرة جسد آخر.
  • رؤية الأجسام المثيرة ورسوخ هذه الرؤية في ذهنه.

قال الأب أوغريس: إن شيطان الزنى يصور بشكل مرضي صور لرجال ونساء يمارسون القبائح مع بعضهم البعض فيجعل المتوحد يرى هذه الصور القبيحة. ويقول أيضاً(الشيطان) كلاماً قبيحاً ويسمعه(المتوحد) وكأنه قريب يرى هذا الفعل. كما يجعله يشعر كأنه يلمس الجسد ليثيره. كما يقوم بأمور أخرى لا داع لإظهارها وكتابتها.

كما قيل أيضاً: إن روح الزنى تحاول أن تلقي بالنجاسة على المتوحد الحقيقي لكنها تهرب مسرعة من عنده لأنها لا تستطيع أن تتحمل حرارة أعماله. لكن هذا المتوحد الحقيقي إذا أهمل قليلاً أعماله فإنها تقترب إليه بمكر وتشويش وتستميله لكي يضعف وينقاد إلى صنع هذا العمل القبيح.

ولأن هذه السقطة عظيمة، عُرف عن أبي الرهبان أنطونيوس إنه رأى بالروح مرة واحد من هؤلاء الذين لهم هذا الهوى وقال: إن اليوم سقط عامود عظيم. ولكنه أخفى نوع هذه السقطة. وقال آخرين بأن الرسول بولس أسمى هذا الهوى بالموت إذ قال: من ينجني من جسد الموت هذا؟ ومن هو الإنسان الذي يعيش ولا يرَ الموت. أي من هو الإنسان الذي يعيش ولا يسقط بهذا الهوى. وهذا الهوى يُصيب البتولين خاصة وهو يسير معهم وفيهم بشكل دائم، وخصوصاً في مرحلة الشباب. ولذلك عليهم أن يحذروا ليس فقط من رؤية النساء بل بالأكثر أيضاً من مخالطة الأولاد.

 

الفصل الرابع. أقوال الآباء عن الانتباه من مخالطة النساء والأولاد.

يقول الآباء: إن الله لا يحضر الأولاد إلى الدير بل الشيطان ليرجع الأقوياء منه.

وقد قال الأب مقاريوس إلى الإخوة: عندما ترون الأولاد يسكنون في البرية خذوا ملابسكم وارحلوا.

وقال الأب أمون: عندما جئت إلى البرية كنت صغيراً ولم يتركني الأب ففنوطيس البسيط أن أسكن هناك حيث قال: لن أدع وجوه الأولاد الذين يشبهون النساء أن يسكنوا في الإسقيط وذلك لكي لا يحارب الشيطان القديسين بهم.

ويوحنا الدوالي قال: إن شيطان الزنى يهيج المتوحدين من خلال مخالطة ومعاشرة النساء والأولاد.

والطوباوي مار اسحق قال: إن مكثت في البرية فإنك لن تجرب، لأنك لن ترى امرأة ولن يهدم أحد أعمالك كما لا يوجد كلمات قبيحة هناك. فما لك وطرق مصر ألكي تشرب من ماء النيل. افهم ما أقوله لك.

 

الفصل لخامس. أسباب الهيجان وعلاجه.

هوى الهيجان: إما أنه يولد مع الإنسان. أو بسبب المخالطات الرديئة يتولد وينمو. ومهما يكن سببه فهو يعالج بدوائين: الأول: بالجوع المتواصل كما قال الأب أوغريس: أمل فكرك بواسطة الجوع لكي يفكر بالجوع وليس بالزنى. والثاني: بالابتعاد ليس فقط عن مخالطة النساء بل حتى بعدم النظر كلياً إليهن. لأن العين إن لم تر لا تشتهي. والأذن إن لم تسمع لا تميل. وقال القديس باسليوس: إن قال إنسان بأنه لا يتأذى من مخالطة النساء بل يسلك بينهم أيضاً، فهذا إما أنه لا يمتلك صفة الذكورية في طبعه، وبذلك يكون خليقة معلولة، ويكون قائماً في الوسط بين الرجولة والأنوثة. أو وهو يخالط يغرق في هذا الهوى وهو لا يشعر. وبذلك يشبه السكارى إذ وهم في أسوء حال لكنهم بسبب السكر لا يشعروا بسوء حالتهم. فاهرب يا أخي، اهرب كأنك هارب من العذاب، أو من الأماكن التي تؤدي إلى السقوط. ولا تجعل مكر اللصوص يُضلك بقولهم: إذا أمسكنا أنفسهم عن الخطأ عندما نرى النساء ننال أجراً مضاعفاً. فلا يجب أن نتمثل بمثل هؤلاء بل أن نصنع ما هو عكس ذلك.

 

الفصل السادس. معرفة علامات الشفاء.

وهذه هي ثلاثة أنواع: في بداية الشفاء ووسطه ونهايته.

في بدايته: فعندما يشعر الإنسان بأن فكره ما عاد يستسلم للتيهان، وإن كان يتعذب بين الحين والآخر لكن بدون خيالات وصور فاسدة. لأنه إن كان مع الخيالات يحدث احتلام في النوم فهذا لم يبدأ بعد بالشفاء.

أما في الوسط: عندما تصيب المبتدئ حركات طبيعية فقط من دون احتلام .

وفي النهاية: عندما تبطل أيضاً الحركات الطبيعية ببطلان أفكار الهوى.

فإن كان المبتدئ يشعر بإحدى هذه العلامات فلا يظن أنه قد شفي ولا يحاول أيضاً أن يحارب بل ليذهب ويتزوج بشكل شرعي كما قال الرسول بولس: إن الذين ليس لهم زوجات وللأرامل أقول: فالأفضل أن يمكثوا كما أنا ولكن إن لم يقدروا فليتزوجوا.

 

 

الفصل السابع: الزنى بالمشاهدة والنظر

قال الرب: كل من رأى امرأة واشتهاها فقد زنى بها في قلبه. كثيرون هم الذين يحترقون ولكنهم يهملون الزواج إما بسبب الفقر أو الخوف أو الخجل أو بسبب المجد الباطل، وهؤلاء يرون بعيونهم ويزنون بقلوبهم. لسانهم يتكلم وفكرهم يخطئ. وهكذا يضيع أجرهم لأنهم ليس لأجل النعم العلوية يبتعدون عن الزواج  فعلياً، بل لأنهم لم يستطيعوا الإقدام عليه. والذين يخطئون فيتوبون فلهم أجرهم. لكن هناك من تسنح لهم الفرصة لكنهم يتركونها. وإذ يعذبون لكنهم لا يتنجسوا كيوسف ذو المنظر الحسن ابن أبو الأسباط. ويقال بأنه ظهر لإبراهيم القيدوني في حلم، ذاك الذي بقي أسبوعاً مع زوجته دون أن يقترب إليها، وعندما سأله من أنت يا سيدي؟ قال له: أنا يوسف الذي بصعوبة استطعت أن أتخلص من سيدتي، أما أنت يا إبراهيم فحتى مع امرأتك لم تقترب لها.

 

الفصل الثامن المشاهدة هي التي أدخلت الخطيئة إلى العالم.

قال الكتاب المقدس: فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية. للنظر. وهنا ذَكَرَ عملية الأكل أي القيام بالفعل مرة واحدة. أما الرؤية التي أدخلت الخطيئة فذكرها مرتين. لذلك يجب الانتباه من النظر، ولنعرف بأن النظرة الأولى للشيء الجميل لا تُلهب الشهوة. ولا ينجذب الهوى. بل من تكرار النظرة ثانيةً. وهنا شبه الحكيم الشهوة بالفرس، والرجل المشتهي براكب الفرس. وقال في النظرة الأولى: هو كالفرس الذي يتمرد على راكبه ويريد أن يدخل إلى الإسطبل لا إلى ميدان الحرب. أما الشهوة في النظرة الثانية فيشبهها: بالفرس الذي يدخل في الحال إلى المذود الشهي. ومن الواضح أن أن الذي يريد الدخول ليس كمن دخل ويصعب خروجه.

 

الفصل التاسع. عدم تأثر الكاملين.

إن عقل الكاملين يتنزه في بحر الحياة (المسيح) وهو يسبح في أمواج ضيائه، ويتلذذ بأشعة نوره، ويفرح ويبتهج بمحبته، ويتغير لشبه شعاعه البهي، ويدهش بمنظره الجميل، ويُسبى بمحبة العلي، ويصبح له بكلّيته، كأن كيانه (الكامل) ليس بموجود. فالذي يمتلك مثل هذا الإحساس الإلهي، فهذا يقف بدون تألم أو فساد حتى قبل القيامة العامة، ويسبح معظماً لذاك الجمال الذي يراه لخالقه. ومن رؤية محبة الله تسيل ينابيع الدموع، ومن العجب بمخلوقات الخالق ينذهل، ويرتل بفهم: ما أعجب أعمالك يا الله فكلها بحكمة خلقتها. وكما أن الفكر المريض لا يضطرب برؤية الشمس والكواكب ونظام الأرض وأزهارها. هكذا الكامل لا يتأثر قلبه برؤية الأجسام الجميلة والبهية. وهكذا يصبح شرك المبتدئين أكليلاً للكاملين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الخامس عثرات اللسان وفيه تسعة عشر فصلاً

 

 

 

الفصل الأول كلام الآباء في لجم اللسان

صعد الإخوة من الصعيد لزيارة الأب أنطونيوس، ومعهم شيخ فاضل، فركبوا السفينة فأخذوا يروون كلام الآباء والكتب المقدسة وأعمالهم اليدوية، وعندما بلغوا الأب أنطونيوس، قال للشيخ: ما أحسن الإخوة الذين يرافقونك أيها الأب، فأجاب الشيخ: أجل ما أحسنهم، ولكن ليس باب لدارهم، قال لذلك لأنهم قد تكلموا كل ما لديهم.

قال أحد الشيوخ للأب فومان: ظننتم أنكم أغلقتم الباب في الصوم الكبير قال: إننا لم نتعلم أن نغلق باب الخشب، بل أن نطبق باب لساننا.

وسأله أحد الإخوة قائلاً: إذا رأيت عملاً من الأعمال أرغب روايته. فقال: إذا سُئلت أروِ، وإلا فاسكت. وقال أيضاً: إن كل شيء يعرض للإنسان ففي السكوت فوزه.

وقال الأب آلونيس: إذا ذكر الإنسان أنه مكتوب، من كلامك تتبرر ومن كلامك يحكم عليك، يعلم أنه يجب عليه الصمت. وقال الأب أرسانيوس: تكلمتُ فندمتُ مرات كثيرة، وصمتُ فلم أندم مرة واحدة. ذهب الأب أوغريس إلى أحد الشيوخ في الصعيد وقال له: قل لي كلمة، كيف يمكنني الخلاص؟ أجاب الشيخ: إذا زرت أحداً لا تتكلم حتى تُسأل.

وقال أحد الإخوة للأب طياثوس: إني أريد صيانة نفسي من المضار، قال: كيف نصون نفوسنا وباب لساننا مفتوح؟ وقال الأب أوغريس: الأفضل للإنسان أن يلقي حجرة باطلة من إلقائه كلمة باطلة.

وقيل أن أحد الآباء: إن تلميذه قضى عنده ولم يسأله ما اسمه. وقال الأب أوغريس: إن كثرة الكلام يقلق راحة النفس والنوم الكثير يقسي القلب.

وقال شيخ آخر: إذا كان لسانك غزير الكلام فقلبك منطفئ بعيد عن الميول الطاهرة، وإن كان لسانك صامتاً وقلبك تضطرم فيه الميول المقدسة فطوبى لك.

وقال مار اسحق: كما أن كثرة الطعام شراهة الجسد، فكثرة الكلام شراهة النفس، وأما السكوت فإنه ثمرة الحكمة.

وقال ياوني رئيس الدير: إن كثرة الكلام عرش المجد الباطل، وفي دورانه يمكنه إظهار نفسه وامتداحه. وقال أيضاً: إن الصمت مع المعرفة يضاعف المعرفة، ويخلق الأفكار الجليلة، وقال أيضاً: السقوط من علو أفضل من سقطة اللسان. وقال أيضاً السيطرة على سيل جارف أهون من السيطرة على لسان لا لجام له.

 

الفصل الثاني فضيلة الصمت

إن اللسان أصغر جميع الأعضاء ولكنه أعظمها قوة، فيه يُعلن الإيمان وفيه يذاع الجحود، وهو يشجب وهو يبرر، ويقرب ويبعد، وإذا لم يُلجم بلجام الصمت ولم يقهر جموحه بالسكوت فإنه يغرق في بحر عميق، والدليل على أن الصمت أفضل من الكلام هو، أن كلام المتكلمين كله مفيد أو كله ضار، أو لا فائدة ولا ضرر فيه، وواضح أنه يجب اختيار النوع الأول فقط، واجتناب الأنواع الثلاثة الباقية ومن كون الكلام الذي يظن أنه مفيد لا يسلم أيضاً من بعض المضار والطبيعة أيضاً تبرهن على أن الصمت أفضل من الكلام بوجود أذنين ولسان واحد.

 

 الفصل الثالث الكلام الباطل

الكلام الباطل هو الذي لا إذا قيل يفيد ولا إذا لم يُقل يضر، والميل إلى ذلك له سببان:

الأول: رغبة الكلام بصيغة المحبة، وبواسطة ذلك يهبط بعض الناس إلى ممارسة الكلام الباطل، مع الذين يعاشرونهم.

الثاني: البطالة التي من جرائها يسترسل الإنسان في الكلام الباطل تضييعاً لوقته التافه، ومعالجة هذا الداء أيضاً له طريقتان: نظرية وعملية، الأول أن يفكر الإنسان أن كل كلمة باطلة يعطى عنها جواباً في يوم الدين، والثانية: أن يخلد إلى السكون ويمرن لسانه على الصمت. فإن بعض الناس يلجمون أفواههم بحصاة. قال أحد الشيوخ: كان الآباء مرة جالسين يتسامرون وبينهم شيخ ذو رؤى، فإذا تكلموا بما يفيد كان يرى فوق رؤوسهم ملائكة تحوم، وإذا تكلموا الكلام الباطل كان يرى خنازير ملطخة بالأوحال تتمرغ بينهم.

 

 

الفصل الرابع كثرة الكلام

لهذا الداء سببان، الأول: القابلية الطبيعية لإطلاق العنان للسان، والثاني: المهارة الفائقة في رواية الأخبار وإيراد أقاصيص الأوليين، ويتخلله عادة الكذب أو المبالغة على حد قول الأب أوغريس: أحذر أن يجرفك الهذر فبين طياته يكمن الكذب، وعلاجه كعلاج سابقه.

 

الفصل الخامس الكلام المبطن يؤثم

إنه كلام يجلب الإثم، ويصدر بإسلوب لا أثم فيه كمن يروي أخبار عن الملوك الأوليين، وعظمتهم، وسلطانه وغزارة الغنى عند المنحرفين المنافقين وامتداد أعمارهم، ومن يروي ذلك يظن أنه لا يخطئ لأنه لم يشاركهم في أعمالهم الشريرة ولكم من يسبب الإثم للآخرين فإنه يأثم ومثل هذا يسبب الشكوك لدى البسطاء الذين يظنون أن الله يرضى بالوثنية ولولا ذلك لما سمح بنجاحها. ويعالج هذا الداء بأن يُرتل المزمور القائل: لا تغر من الأشرار ولا تحسد عمال الإثم، ولا تغر من الرجل الأثيم الناجح في طريقه، والأشرار أخرتهم للهلاك. إن لم يكن في هذا العالم في الآتي حتماً، كما يبرهن مثل الغني ولعازر.

 

الفصل السادس المشاجرة

المشاجرة مجابهة الآخرين بغليظ الكلام، وسببه رغبة الإنسان في إظهار فضيلته وفضح نقيصة الآخرين، وكليهما ميلان مهلكان، ويعالجان بكبح جماح الكبرياء المحرضة على إظهار فضيلة كاذبة وطمس فضيلة حقيقية، وإذا كانت المشاجرة نقاشاً تدعى جدلاً وكل كلمة تقال صدّقها أيها الأخ إذا كانت صادقة وأعرض عنها إذا كانت كاذبة، وأصمت شريطة ألا تكون ضد الإيمان.

يروى أن بعض الناس جاؤوا إلى الأب أغاثون بغيت أغاظته فقالوا له: بلغنا أنك ساقط ومتكبر، قال: نعم، قالوا: أأنت أغاثون المهذار الوقح؟ قال: نعم، قالوا: أأنت أغاثون الضال؟ قال: لا، قالوا لماذا لم تتحمل كونك ضالاً كما تحملت بقية الكلام؟ قال: إن التهم الأولى ربما تفيد منها نفسي، أما الضلال فإنه الابتعاد عن الله.

الفصل السابع الخصام

الخصام حرب كلامية تعلن لإستيفاء دين أو استعادة حق مهضوم، وهو عمل بغيض بدليل كلام الآباء، فقد قالوا: إن شيخين سكنا سوية سنوات عديدة ولم يتخاصما، وقال أحدهم لأخيه يوماً: فلنتخاصم نحن أيضاً كما يفعل الناس، قال: سأضع هذه القصعة في وسطنا وأدعي أنها لي، قال رفيقه: نعم إنها لك، خذها وأمضي، وهكذا لم يستطيعا أن يتخاصما.

وأعلم أنه ليست كل خصومة إثماً، إلا ما كان ضد الحق، ويقصد كسر شوكة الخصم، ومهما كان الأمر خيراً للمظلوم أن يرضي خصمه ما دام معه في الطريق وإن لم يرضَ ذلك فليدعه وشأنه لكي يطبق أمر الإنجيل (من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً).

 

الفصل الثامن الشتم

للشتم سببان: الأول: رغبة الإنسان في إغاظة المشتوم وإثارته، والثاني: العادة السيئة الراسخة في النفس من معاشرة الأشرار، والرب يعلن فداحتها بقوله: (من قال لأخيه راقا يستوجب لوم الجماعة، ومن قال يا أحمق يستوجب نار جهنم).

قيل إن الأب مقاريس كان يصلي في صومعته فسمع صوتاً هاتفاً يقول: يا مقاريس، إنك لم تبلغ درجة امرأتين تسكنان في المدينة الفلانية، فقلق كثيراً وسار إلى تلك المدينة ليرى عملهما، فتعرف عليهما وعرف أنهما متزوجتين ولم يجد لديهما أي فضيلة سوى كونهما سكنتا في دار  واحدة سوية ولم تقل أية منهما كلمة سوء في رفيقتها.

ومن يُشتم لا يضع اللوم على شاتمه، بل ليلم إبليس الذي حرك ذلك الإنسان ليشتمه، وهكذا ينجو من البغضاء.

 الفصل التاسع الحرم واللعنة

الحرم هو طلب فصل إنسان من الله، كقولك من لا يحب ربنا يسوع المسيح فليكن محروماً. واللعنة هي: طلب بزيادة الشر للغير. سواء كان إبليس أو جمادٌ أو حيوانٌ أو إنسانٌ. ويأذن ملافنة الكنيسة بالحرم واللعن بثلاثة: الجاحد ، والضال، والشرير. أما النساك القديسون فإنهم يتمثلون في قول الرب (باركوا ولا تلعنوا). وهم لا يلعنوا أو يحرموا إلا إبليس الميئوس من توبته، ويعتقدون أن الجاحد، ممكن أن يؤمن بالله، والضال ممكن أن يهتدي، والشرير ممكن أن يتوب عن شره، وعليه لا يطلبوا إبعاد الناس عن الله ولا يرغبوا لهم مضاعفة الشر.

 

 الفصل العاشر الغناء والشعر

إن كل غناء تكن وراءه الميول المحرمة والأهواء المنحرفة حرام سماعه، وما كان غير ذلك فإنه حلال. وأما الشعر فيجب قراءة ما كان بعيداً عن إثارة الميول الشريرة وما إليها. خاصة ما يحض على الفضيلة مثل أشعار القديس غريغوريوس اللاهوتي التي نظمها ضد الوثنيين المتغنين بأشعار هوميروس، ومثلها أشعار القديس مار أفرام السرياني وأمثاله.

 

 الفصل الحادي عشر الهزل

الهزل كلام يثير الضحك تأنسه وليس كله إثماً، وإننا نرى حتى بعض القديسين مارسوا الهزل في رسائلهم، كما كتب القديس باسليوس إلى القديس غريغوريوس اللاهوتي يقول: ذهبت إلى البنطس أبحث عن مكان يصلح للسكنى، فوجدت ذلك البلد صالحاً لإنتاج الأثمار وعليه يمكنه أن يقدم لي ثمار الوحشة، وهي أحب الثمار إليّ. إنه يربي أيضاً الحيوانات ولكن ليس الدببة والذئاب كالتي تعيش عندكم، كلا ، بل غابات من الأشجار وقطعان من المعز البري، وأسرابٍ من الأرانب. فأجابه القديس غريغوريوس يقول من رسالة: إنك تسخر وتهزء مما في بلدنا، حسناً تفعل إذا كان يطيب لك ويسعدك، وإذا كنت حقا ًتحتقر ما في بلدنا فذلك لا يغيظنا قط، بل نريدك أن تكون مسروراً، وأخلد في سكينتك.

وقال أيضاً: أوشكت بمديحك أن أمتدح بنطس، وأطرأ ديرك الصالح للهروب، فأذكر لي ذلك المقام الذي لا سقف له ولا باب، وتلك المواقد الخالية من الدخان والموائد الخاوية، والخبز اليابس الذي كان كالحصى تحت أسناننا، ولولا كرامة أمك الفاضلة لقلت غير هذا. لأني أخجل من الملح الذي تشاركنا فيه يوماً. هذا بعض الهزل الذي مارسه هذان المصباحان الوهّاجان في البيعة المقدسة، ولاحظ أن الهزل يرد بكلام صادق لا أثم فيه كمن يقول لصاحبه: إن في عينك بياضاً، وهو يقصد بياض الذي يحيط البؤبؤ- أو كما قال أحدهم لشيخ فاضلٍ إنك لن تدخل الجنة لأنك شيخ، وهو يقصد أن الذي يدخل الجنة سيصبح شاباً في القيامة العامة- وطلب صديق إلى صديقه غنمة فقال: ليست لدي غنمة بل بنت الغنمة، والحقيقة أن كل غنمة هي بنت الغنمة.

ومهما كان الأمر فإن بعض الهزل فيه أمور كثيرة لا تستساغ، لأنه يكثر الضحك الذي يميت القلب، ويقتل الكرامة. قال شيخ لرجل: إن الهزل إنما هو ريح السموم يحرق الثمار في وقت الحصاد. وقيل عن الأب فامبو: أنه لم يبتسم ولم يضحك، وضحك مرة على الأبالسة يوم قرروا أن يضحكوه فعلقوا ريشاً في خشبة وكانوا يصرخون ( هيللو هيللو ) وقال الأب مقاريس: أحذر من الهزل فيجب على الناسك أن لا يهزل حتى مع نفسه.

الفصل الثاني عشر السخرية

السخرية احتقار يُظهر عيوب الآخرين بطريقة مضحكة، وتمتاز عن التعبير والهزء بكون هذين لا يُطرحا بطريقة هزلية، وجميع هذه الأمور مؤثمة لأنها تحتقر كائناً بشرياً وعلاجها وصفه أحد الشيوخ بقوله: نحن والقريب لنا وجهان فإذا اجتهدنا بتطهير مرآة نفوسنا فحينئذ نبصر السارية في عيوننا، ونصرف النظر عما في عين القريب.

 الفصل الثالث عشر الكذب

الكذب إعلان شيء غير موجود كأنه موجود، وما هو موجود كأنه غير موجود. وسببه الوقاحة، ولاحظ أن الكذب ليس دائماً كذباً بالمعنى الصحيح كأن تعلن شيئاً بقصد فائدة روحية غير آثمة, كما فعلت راحيل إذ جلست على أصنام أبيها وأعلنت أنها لا تستطيع الوقوف بسبب وجيه. وبناء على ذلك قال أحد الآباء أنه يمكن ممارسة ذلك ولكن مع الحذر والتحفظ إذا احتاج الأمر.

وعلى كل حال يجب أن يحذر الإنسان دائماً لأنه قيل (أفواه الكذبة تُسد) وكان أحد الآباء يرسم دائرة ويقول لتلميذه، قل أنه ليس هنا (أي ضمن الدائرة) إذا ناداه من لا يرغب استجابة ندائه. وآخر جاءت أخته لتزور ابنه المريض فقالت له: كيف أنت يا بني؟ قال لها: هل أنت أرضعت أبني هذا؟ قالت: لا، قال: لماذا إذاً لمَ لم تقولي كيف أنت يا ابن أخي، ولِمَ تكذبين؟.

الفصل الرابع عشر الاغتياب

الاغتياب هو ذكر نقائص الآخرين في غيبتهم وله عشرة أسباب:

الأول: إخماد الغضب بذكر مساوئ القريب.

الثاني: الزلفى –كأن يتفق المغتاب ومغتابون آخرون بالتكلم عنه رغبة في استرضائهم.

الثالث: كمن يحذر ممن يرغب فضح أمره فيذمه قبل ذلك خشية أن يصدق قوله.

الرابع: إذا شجب الإنسان بسيئة ما يدعي أن فلان فعل ذلك أو أشار به.

الخامس: ظن الإنسان أن ذكر مساوئ الغير يرفع من شأنه.

السادس: يجهد الإنسان نفسه في إظهار عيوب الممدوح حسداً.

السابع: الاستهزاء بالآخرين بطريقة مضحكة.

الثامن: إيراد الاغتياب بطريقة التعجب فيقول مثلاً: أعجب من فلان كيف فعل كذا ولم يخجل؟

التاسع: إيراد ذلك بطريقة الإشفاق كأن يقول: إني أشفق على فلان إنه لبائس، كيف أتى الخطيئة الفلانية. فمثل هذا يوبخه الآباء بقوله: دعك عن هذا الإشفاق، فلو كنت مشفقاً، صلٍ في الخفاء ولا تغتب الرجل.

العاشر: الغيرة، كمن يظهر نقيصة قريبه لكي يستيقظ، وهذا أمر ممدوح.

ويعالج هذا الداء بأن يفكر الإنسان بأن هناك أناس يظهرون فعل نقائص صغيرة ويبطنون ارتكاب الكبائر، فيتمسك الثلابون بخيط من دخان عوض وضع يدهم على النار ذاتها، والأجدر بهم البحث عن العنب من أن يبحثوا جهلاً عن الحطب. وسأل تلميذ معلمه: هل إذا سمعت بزلة لأحد أقولها؟ قال الشيخ: حتى إذا رأيت بعينك مرات كثيرة فاعتقد أن العينين تخطئان.

وقال أيضاً: لا تخجل من الذي يغتاب قريبه أمامك، بل قل له: صه أيها الأخ. فإني أنا ذاتي أفعل أعظم من ذلك كل يوم. وهكذا بدواء واحد تشفي نفسك وقريبك.

وقال الأب أوغريس: إذا أغتمّ صاحبك عندما يمدحك الناس ويتفجر بإعلان أخبار كاذبة عنك فلا تحزن وتسكر عقلك بسُلافة معكرة. لأن إبليس يتحين الفرص لكي يحرق ذلك الإنسان حسداً، ويعذبك غماً. وقال أيضاً: لا تثلب من هرب من العالم خشية أن تتأصل فيك هذه العادة فتنصب نفسك حاكماً على الأحياء والأموات.

 

الفصل الخامس عشر الثلب

الثلب هو ذكر النقيصة بطريقة المحبة أمام من قيلت فيه أو لفقت عليه، وله ثلاثة أسباب:

الأول: الإساءة إلى الذي أفشى النقيصة أو لفقها.

الثاني: إخبار من نقلت عنه النقيصة.

الثالث: التملص بالكلام على حساب الآخرين ابتهاجاً بنقائص الغير.

ومن يطرح الثلب أمامه عليه بحفظ أربعة أمور:

الأول أن لا يصدق الثلب. والثاني أن ينتهره. والثالث أن يحتقره. والرابع ألا يدقق في البحث عن المثالب التي سمعها.

قال أحد الحكام العدول لثلاّب: إننا سندقق البحث في قولك فإن كنت صادقاً سنحتقرك، وإذا كنت كاذباً سنعاقبك، فغاب الثلاّب حزيناً. وقال الأب أوغريس: أبكم أفواه الذين يملؤون آذانك على إخوتك، ولا تعجب إذا شتمك الكثيرون، فإن الأبالسة يوطئون لذلك لأنهم يسؤهم أن يتحرر الرجل الكامل من البغضاء والحقد.

 

الفصل السادس عشر النفاق

النفاق هو الإدلاء بكل ما قال خصم أمام خصمه الآخر، فيمدحه في وجهه ويهجوه في غيبته، وقال الحكيم في ذلك: واللسان الواشي ملعون فقد أثار قتولاً كثيرة. وحدد المرتل ذلك بقوله: الرجل مع رفيقه بشفاه متلونة، وهم يتكلمون بقلوب منقسمة، ليبد الرب جميع الشفاه المتلونة والألسنة الناطقة بالعظائم. وعلى من يحضر بين المتعاتبين إما أن يسكت أو أن يصلح ذات البين، أو يمتدح من كان ربئاً سواء أكان حاضراً أم غائباً.

 

الفصل السابع عشر المديح

تلحق المدَّاح أربعة أضرار: الأول: الكذب لامتداحه إنساناً بما ليس فيه الثاني: المراءاة، إذا بالغ في المديح. الثالث: الضلال، إذا قال في إنسان ما لا يعرفه عنه حقيقة. الرابع: العقاب. إذا فرح الأثيم بمآتيه. وقد قيل إن الأثيم يُبارك والرب يغضب. وبناء على ذلك سأل أحد الإخوة الأب فمبو: أيجدر بالإنسان أن يمتدح قريبه؟ قال: الأجدر به أن يسكت.

والممدوح يلحقه ضررين: الأول: الكبرياء التي تركبه، والثاني: الغرور والعزوف عن نوال الفضائل، وما أجمل ما قال رب الحق: الويل لكم إذا مدحكم الناس.

 

الفصل الثامن عشر الكلام الساذج

مثال ذلك إذا قال رجل ساذج جهلاً: لولا فلان لنهب اللصوص دارنا في هذه الليلة، وكان الأجدر به أن يقول: لولا الله الذي أرسل لنا فلاناً لحدث كذا وكذا.

 

الفصل التاسع عشر بحث ما لا يفيد

مثال ذلك أن يبحث الإنسان أموراً لا تفيده إذا عرفها ولا تضره إذا جهلها. اجتمع الإخوة مرة في الصعيد (مصر) لكي يبحثوا أمر ملكي صادق ودعوا الأب قوفروس مستوضحين، أما هو فضرب على فمه ثلاث مرات وقال: ويحك يا قوفروس أهملت ما أمرك به الله وأخذت تبحث ما لم يأمرك؟ فاختفى الإخوة حالاً في صوامعهم.

وهناك عثرات لسان كثيرة ولكن اكتفينا بما ذكرنا كجزء من كل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب السادس

الغضب والحسد والحقد

وفيه خمسة فصول

 

الفصل الأول

أقوال الآباء في الحذر من الغضب

أراد بعض الآباء إغاظة الأب موسى امتحاناً له فاحتقروه قائلين: لماذا يدخل هذا الزنجي بيننا؟ ولما سمع، سكت. قالوا بعدئذ: أيها الأب موسى ألم تغتظ؟ قال: وإن اغتظت، ولكن لم أتكلم.

قال الأب أغاثون: حتى إذا أقام الرجل أمواتاً فإنه مرذول. وسأل أحد الإخوة الأب ثيودورا: لماذا يخافك الشيطان بهذه الدرجة؟ قال الشيخ: لأني لا أدع الغضب يدخل سقف حلقي.

دُعي الأب يوحنا مرة إلى الكنيسة، فإحتاطه الإخوة وكانوا يستفزونه في أفكارهم. قال فيه أحد الشيوخ: إن الأب يوحنا كالعاهرة التي تتزين لتجذب إليها المُحبين، فتنحنح الأب يوحنا وقال: صدقت أيها الأب. قال له أحد محبيه: ألم تغضب في داخلك؟ قال: إني في داخلي كما أنا في خارجي. قال الأب آمون: تعبدت أربع عشرة سنة في البرية متضرعاً الله لينصرني على الغضب. وقال الأب اوغريس: لا تغيِّبوا الشمس على غضبكم لئلا يأتي الأبالسة فيقلقوا نفوسكم بأشباح مخيفة رهيبة. وقال أيضاً: كان ملاك كنيسة تدمر يقول: إن المحبة تُخمد ضرام الغضب. وقال أيضاً: كما تحجب الغيوم أشعة الشمس كذلك الغضب يحجب ضرام النفس. وقال يوحنا أبو الدوالي: إن شيطان الغضب يذكِّر النفس بما مضى وما سيأتي من الشؤون إثارة للغضب، ويسقيها كأس الغضب، إلا أن النفس حتى في ذلك لا تتدنَّس إذا لم تقذف الغضب بواسطة اللسان أو تثير أحداً بالكلام. وقال ياوني رئيس الدير: هناك ميل نفسي عنيف يحرق حنطة النفس ويُفسدها بلحظة واحدة ولذلك يجب التحفظ بتعقل. وقال أيضاً إن الممعن في اللذة يُمكن أن يُفسد ذاته فقط أو من يحفظ سره، أما الغضوب فإنه يقلق مجتمعه، فذئب واحد يُمكنه إقلاق القطيع برمته.

 

 

 

الفصل الثاني

الأسباب التي من أجلها غرس الغضب في طبيعة الإنسان

لمَّا كان الإنسان كسائر الكائنات الحية قابلاً للفناء أعطاه الله الغضب سلاحاً للدفاع عن كيانه عند الحاجة. وأسباب فنائه إما باطنية: الإحجام عن الطعام الذي به يدوم وجوده إلى أن يأتي أجله، ولكن إذا منع عن الطعام عنوة فإن الغضب يدفعه إلى إزالة ذلك المانع حفظاً لوجوده. وإما خارجية: وهي كل من يناصبه العداء من بني جنسه أو نوعه، وهكذا إذا عُودي تضطرم نار غضبه ويحمر وجهه فيما إذا كان واثقاً من قوته ومن ضعف خصمه. فإذا كان خصمه أقوى منه يندفع الدم من الوجه إلى داخل القلب فيخضر الوجه وينقلب الغضب إلى خوف فالغضب الطبيعي في الجسد هو الرغبة في الانتصار ودفع الأذى. والغضب في النفس يوضِّحه اوغريس بقوله: إذا لاح في مخيلتها ما تكرهه فإنها تبعده عن ساحتها بالتفكير.

 

الفصل الثالث

أسباب الغضب ومعالجتها

أسباب الغضب هي: العجرفة، الكبرياء، المهاترة، المناهضة، الجشع في الأموال. المجد الدنيوي. وتتم المعالجة باستقامة التفكير والعمل المجدي السريع وذلك بأربعة أمور:

الأول: أن يفكر الإنسان أنه بقدر ما هو اللطف حميد يكون الجفاء مقيتاً وقد قيل إن اللطف صخرة موضوعة فوق بحر الغضب تتكسر عليها كل الأمواج الصاخبة، وهي ثابتة لا تتزعزع وقال الرب: تعلموا مني فإنني وديع ومتواضع القلب.

الثاني: أن يتأمل الإنسان قائلاً: إذا كنت لا أغفر غلطة واحدة سقط فيها أخي فكيف يغفر لي الديان العادل كثرة أخطائي؟ فقد قال: اغفروا يُغفر لكم.

الثالث: أن يشمئز من سماجة الهيئة التي يتخذها أثناء الغضب، فقد قيل إن الغضوب فيه جنون إرادي، ولا يمكنه بإرادته إخماد عادة تأصلت فيه.

الرابع: أن يتأكد إن الشيطان وسوس للذي أغاظه ولذلك يعتبره لا يستحق اللوم، فقد قال الأب أوغريس: إذا شتمك أخوك أو سبك فلا تحمله تلك الجريرة ولكن اعتبر أن ذلك اعتراه من إبليس. فإن لم تعتبر الأمر كذلك فإنك تثير ضد نفسك زخماً من الأفكار.

وتستقيم سلامة العمل أيضاً بتحمل التذمر الذي يحدث في مجتمع الإخوة، فقد قيل: كما أن الحجرة الخشنة إذا صُقلت بحجارة ملساء ناعمة تزول خشونتها وتُصبح صقيلة براقة، هكذا النفس الفظَّة إذا روضت بأعمال عنيفة تزول فظاظتها. وقيل أيضاً: من لا يتغلب عليه الغضب يبلغ ميناء الراحة والنجاة، أي إذا تغلب على فظاظة بعض الإخوة وتحمل غلاظتهم فإنه يغسل أثواب نفسه. وهو ذا بعض أبناء الدنيا إذا شتموا أحداً مواجهة يعتزون بذلك ويقولون: لقد غسلت فلاناً. وهذا صحيح. أما الصبر فإنه يغسل أدران النفس.

ويُخمد الغضب أيضاً بكلمات خاصة توجه إلى مثير الغضب، ويجب أن تكون لطيفة منعشة مزيلة للغيظ، فإذا قال لك أحد: من أنت؟ ألست من العشيرة الفلانية ؟ ومتى ظهر شيء فيه صلاح في بلدك؟؟ يمكنك إخماد غضبه بلطف ومودة بقولك: أجل إني من العشيرة الفلانية، ولا ضير سواء ظهر من قومي شيء فيه صلاح أو لم يظهر فالصالح هو الله وحده.

 

الفصل الرابع

الضغينة (الحقد)

الضغينة أو الحقد نتاج الغيظ على حد تعبير الحكماء، فالغيظ يحبل فيلدهما، فإذا ما ترعرعا وأصابا النمو الكافي تلدان ثماني بنات أو تؤديان إلى ثماني نتائج:

الأولى : أن يحسد الإنسان من ضغن عليه .

الثانية : أن يبغضه .

الثالثة : أن يفرح بمصائبه .

الرابعة : أن يحتقره .

الخامسة : أن يهزأ منه .

السادسة : أن يثلبه .

السابعة : أن يعرضه للخسائر .

الثامنة : أن يحجب عنه الفوائد.

ويحذر العارفون شر هذه المساوئ حذرهم من السم الزعاف، وقد قال الأب أغاثون: إني لم أنم قط حاقداً على أحد، ولم أدع أحداً ينام وهو حاقد علي. وقال الأب أوغريس: إن الحقد يحيل العقل ظلاماً، والصلاة سباباً، ولهذا (دع قربانك على المذبح واذهب أولاً صالح أخاك، ثم تعال وقدم قربانك) غير قلق.

وقال أحد الآباء: إن من هو حاقد ويعتبر نفسه تائباً يشبه من يركض وهو نائم. ويعالج الحقد بإزالة سببه، أي الغيظ، أو بما يُقدم من الهدايا للحاقد على حد قول الأب أوغريس: إن الهدية تُخمد الحقد كما فعل يعقوب إذ قدم الهدايا لعيسو. وقد خرج عليه بأربعمئة مقاتل. وبما أننا نحن بؤساء فيكفي أن نسد رمقنا بمائدة بسيطة.

 

الفصل الخامس

الحسد

يتولد الحسد من الحقد كما يتولد الحقد من الغيظ، ولا يُحسد إنسان إلا على نعمة أولاه الله إياها، ولكن إذا رأيت (أيها الأخ) نعمة أوليت أو تولى أخاك قد يحدث لك أحد الأمرين: إما أن تكره بقاءها أو تتمنى زوالها، وهذا يُعرف بالحسد وإذا حدث بطريقة أخرى، أي أن تتمنى نوالها أو نوال مثلها فهذا يعرف بالغيرة. فالأول مقيت، والثاني حميد.

وللحسد ستة أسباب: الأول: البغضاء. الثاني: الكبرياء، حيث يتألم الإنسان بتعالي غيره عليه. الثالث: يتمنى أن يكون الغير أقل منه شأناً حتى ولا مساوياً له. الرابع: أو يطلب لنفسه الخير الذي أصابه غيره. الخامس: المجد الباطل، إذ يرغب أن يكون وحده فريد عصره. ووحيد دهره. لذلك يحسد من يرغب التشبه به. السادس: الخلق السيء الطبيعي، مثل الكثيرين الذين لا يحبوا العلم، وإذا وجدوا غيرهم فاقهم معرفة فإنهم يحسدونهم.

ويعالج الحسد أن يتأكد الإنسان بأن الحسد يضر فيه وحده ويقضي مضجعه وأما المحسود فلا تصيبه أية مضرة، وعليه يجب أن يفرح ويشكر الله الذي أولاه نعمته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب السابع

الشهوات الباطلة

وفيه أربعة فصول

 

 

 

 

الفصل الأول

 أقوال الآباء في تفاهة الشهوات

ذهب أحد شيوخ الصعيد لزيارة الأساقفة في الإسكندرية، ولما عاد قال للإخوة: سمعتكم تقولون أن في الإسكندرية جموعاً غفيرة من الناس، وقد ذهبت إلى هناك فلم أر وجه إنسان سوى البطريرك وحده، ولما سمعوا قلقوا جداً وقالوا: هل غُيبوا في الأرض؟ قال: لا، ولكن لم يتغلب على فكري فأنظر وجه إنسان ففهم الإخوة ألا ينظروا إلى شهوات العالم الباطلة.

قيل مرة للأب ثيودورا، ناسك البرية: إن الأخ الفلاني عاد إلى الدنيا، قال لا تعجبوا من هذا بل اعجبوا إذا هجر أحد الدنيا هجراً تاماً. وقال الأب فومان: إن كل أمر لا يستأصله الإنسان من نفسه يستمر متعلقاً به. وقال شيخ آخر: كلما دخل جندي المعركة فإنه يهتم بنفسه، هكذا حارس المثل العليا يجب أن يتأكد أن الغنى وذوي القربى والحكمة، كلها نفاية بدون الأعمال الصالحة.

وقال الأب سوسايس: إن قول دانيال: (لم آكل خبز الشهوة) معناه ألا يخضع الإنسان لشهواته.

وقال الأب أوغريس: كما أن الإنسان لا يمكنه رؤية وجهه في ماء عكر، هكذا العقل لا يمكنه رؤية الرب كما في المرآة الصافية ما لم يطهر قرارة نفسه من الشهوات. وقال أيضاً: كما ينقي الإنسان ينبوع الماء من الأوحال المتراكمة، ثم يستقي الماء النقي، كذلك يجب تنقية النفس من الهموم الدنيوية، فيجد في داخله كنزاً من المعرفة، وقال أيضاً: إن الشهوات قيود يصعب كسرها. وقال أيضاً: دع كل هم في الدنيا، الرئاسة والسلطان، ليكون غير مأسور لتلك الهموم، وهكذا يمكنك تهدئة روع نفسك بسهولة. وقال شيخ آخر: ما أغبى من يظن أنه سيأخذ من العالم ـ عند موته ـ أكثر من قبره.

وقال مار اسحق: إن الناسك بجهاد طويل يقطع صلته بالعالم وشهواته، ويربط مصيره بالعالم الجديد وأمجاده. وقال أيضاً: الإعراض عن الشهوات يكون إما خوفاً من العذاب أو طمعاً بالثواب.

 

الفصل الثاني

أشباه العالم الباطلة

1ـ كالظل الهارب المسرع، وإن لم نشعر به، هكذا العالم وإن اغتر بعض الأغبياء ببقائه.

2ـ كما تحلم بلذة أو ألم فإذا استيقظت لا تجد شيئاً، هكذا الناس يرقدون وإذا ماتوا يستيقظون.

3ـ كالفتاة التي تصبغ وتتزين لاجتذاب الرجال وإذا خطبت بذرت أموال خطيبها، هكذا محبة الدنيا تبدد فضائل النفس.

4ـ كما أن الأمراض تميت شهية الطعام هكذا الشهوات تقتل ميول المعرفة.

5ـ كما أن المآكل الشهية تؤول إلى الزوال هكذا الشهوات الدنيوية عند الموت.

6ـ هناك ثلاثة أزمنة لسير الحياة العامة، الماضي، وهو منذ الأزل إلى وجود الإنسان، والحاضر، وهو فترة حياة الإنسان، والمستقبل، وهو منذ زوال الإنسان إلى الأبد. ولما كان القسم الثاني كطرفة عين بالنسبة إلى القسمين الآخرين، فكيف يغتر الإنسان الحكيم به؟

7ـ كان بعضهم يسيرون في صحراء مقفرة، فنضب ماؤهم، ونفذ طعامهم، وهم لا يعلموا هل الشوط الذي قطعوه أطول أم الشوط الباقي لهم أن يقطعوه، توقفوا واجمين، فتراءى لهم رجل كانت خصل شعره تقطر ماء، فسروا برؤياه، وتمنوا لو دلهم على الينبوع، فأشفق عليهم، وقال: هناك ينبوعان قريب أجَّاج، وبعيد عذب، أما هم فمالوا إلى الينبوع القريب واستعذب معظمهم أجاجته (ملوحته) ولم يرضوا عنه بديلاً، وقليلون هم الذين اختاروا التعب والعذاب وتبعوا الدليل إلى الينبوع العذب. هكذا العالمان ينبوعان أحدهما قريب مُر أجاج، وبعيد عذب، وقليلون هم الذين يطلبونه.

 

 

 

 

الفصل الثالث

الشهوات وأقسامها

الشهوات الدنيوية أمور تلذ الإنسان في هذه الحياة الدنيا. والإمعان بها يحول بينه وبين العمل الروحي، وهذه الأمور إما ضرورية وإما مناسبة، والضرورية أربع هي:

الغذاء والكساء والزوجة والمسكن. والمناسبة، إما طبيعية، كالعشيرة وذوي القربى. أو مكتسبة: كالرئاسة والسلطان والغنى واليُسر والجنائن والرياض والعبيد والإماء، والحكمة (الدنيوية) أيضاً وهي جهالة عند الله وقد رذلها الله، تعتبر من الشهوات الباطلة، فبواسطتها تتقن الصناعات والفنون ويمكن أن تجني من هذه الثمار الرديئة، حتى المعلمين والوعَّاظ الجوالين المتنقلين يعتبر تعليمهم جهالة وإن كان كنسياً لأنه لا يستهدف خلاص نفوس السامعين بل ابتزاز أموالهم، وكيفما كان الأمر فإن كل الأمور التي ذكرناها إذا تطرف بها الإنسان أكثر من الحاجة الضرورية فإنه ينجز رغبة الشرير، وفيها تغرق نفسه غرقها في حمأة آسنة.

 

الفصل الرابع

اختلاف إرادة الناس في الرغبة بالشهوات

يقول البعض أنه لا سعادة للإنسان إلا بالأكل والشرب والتمتع انجرافٌ مع المنحرفين الأقدمين الذين قالوا: لنأكل ونشرب وغداً نموت. وقد وبَّخ الرسول بولس بهذا القول أهل كورنثوس، وذكره أيضاً النبي إشعيا، وهكذا يعيش مثل هؤلاء كما تعيش البهائم حياتهم كلها.

ويقول غيرهم إن سعادة الإنسان في أن يكدس الغنى واليسر فيحتاجه الجميع وهو لا يحتاج أحداً، وهم دائبون في تكديس ذلك ليلاً ونهاراً ولا يذوقوا منه إلا ما يسد الرمق فقط.

ويقول آخرون: إن سعادة الإنسان في أن يمدح حياً وميتاً ومثلهم الأعلى (الصيت الحسن خير من الدهن الجيد) ولذلك يفعلون الخير مراءاة وزلفى. وهم لا يعلموا أن الذين يرضون الناس يخزيهم الله.

ويقول غيرهم: إن سعادة الإنسان في الرئاسة على الآخرين والتسلط على رقاب الناس، وهم يتوصلون إلى ذلك إما قهراً وإما بالرشاوى أو الوعود.

ويقول غيرهم: من الذين ينظرون إلى الأمور بمنظار الخيال إن كل ذلك من الأمور التافهة، وأما أمجاد عالم الروح فإنها وحدها الباقية، وهذه يجب الحصول عليها والوصول إليها. ولذلك يقتلون أجسادهم تعذيباً لينالوا هذه الآمال السامية، ومثلهم مثل إنسان سمع الحكماء يقولون: إن الفلسفة هي التفكير بالموت، وسمع أيضاً أفلاطون يقول في كتاب الجمهورية: لنهرب إذن يا (ثيودورا) (يعني عن نفسه) لأن الشرور معششة، لنهرب من هنا. سمع الرجل ذلك فألقى نفسه من السور فمات عاصياً شقياً. ولم يعلم هذا الغبي إن الموت الذي يقصده الفلاسفة هنا، هو الهرب من الشهوات والإعراض عنها. وقد أراد أفلاطون بقوله: (لنهرب) الرغبة عن الشهوات، وقد فسَّر الحكيم أوغريس نوع هذا الهرب تفسيراً سلمياً فقال: إن انفصال النفس عن الجسد هو عمل الله، وأما تسامي النفس عن الجسد فإنه عمل طالب الفضيلة، ويشبه آباؤنا الهرب عن الجسد بهجر المسكن.

ويرتأي آخرون أنه لا يجب هجر العالم بدون تطهير النفس من أهواء الجسد ولذلك يمارسون الزهد العنيف ويقومون بأعمال تفوق الطاقة البشرية جهلاً، ولما لم يثمر حينئذ يقولون: ليتحرر الضمير من أعمال العصيان (يقصدون به النسك) ومن قراءة الكتب والصلاة والترتيل والصوم والسهر والخلوة والانفراد والجهاد المستمر، لأن هذه الأمور كلها تجلب القلق والتشويش للعقل ولذلك معظم النساك لا يبلغوا درجة الكمال أو التحرر من الأهواء، فيتصورون ذواتهم كأنهم يجب أن يعيشوا هنا كما يعيش الأبرار بعد القيامة حياة جديدة، وهناك غيرهم يضلون ضلالاً إرادياً وكلهم يتمسكون بالظل دون الحقيقة، ولكن طريق واحد فقط يؤدي إلى الحياة وهو الذي سار فيه آباؤنا القديسون فنالوا الظفر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثامن

محبة المال

وفيه سبعة فصول

 

 

 

 

الفصل الأول

أقوال الآباء في الحذر من محبة المال

قال راهب لأحد الشيوخ: أرغب أن أوفر فلسين ليوم الحاجة أو المرض، قال له الشيخ: لا حاجة بك أن توفر غير قوتك الضروري، فإن حدث وفقد منك الفلسان فإن لك من يهتم بأمرك فالقِ همك عليه.

حدَّث شيخ آخر عن بستاني كان يشتغل، وما يوفره يعطيه صدقة، فحدثته أفكاره بعد ذلك أن يوفر له بعض المال لحاجة الشيخوخة، فوفَّر وجمع وملأ إناء كبيراً، وابتلي يوماً بقرحة في رجله، وأنفق ذلك المال على الأطباء، ولم يفيدوه بل قالوا له إن لم تقطعها فإنها تتلف جسمك كله، وكان يئن باكياً، فتراءى له طيف من ورائه يقول: أين الدراهم؟ قال: لقد أخطأت يا سيدي فاغفر لي، فدنا منه وشفيت رجله.

قال الأب أوغريس: إذا سأل الإنسان عن سبب خلقة الذهب، فالفكر الملائكي يجيب: أنه خلق من أجل سير العالم المنظم، والفكر الشيطاني يقول: إنما خلق للتمتع بالغنى والنعيم الجسدي والمجد الفاني في هذا العالم.

وقال أيضاً: إذا أُخضع شيطان محبة المال قهراً للنسك، يحتال لابساً قناع إعالة المساكين، فيزور السجون في المدن، ويفتدي الأسرى، ويلج بيوت النساء الموسورات ويشرح لهن أحوال الفقراء ويحرض ذوي الأكياس المربوطة على هجر العالم.

وقال أيضاً: لا تشته أن تكون غنياً، بحجة التصدق على الفقراء فإن ذلك لضلال من الشرير يجذبنا إلى المجد الباطل، ويوسوس للفكر بأسباب فارفع نظرك إلى السماء وانظر إلى الرب يمتدح الأرملة التي أكملت برها بفلسين أكثر من الأغنياء الذين ألقوا كثيراً في الخزنة، فهؤلاء ألقوا من فضل مالهم وأما هذه فألقت كل ما كانت تملك.

قال ياوني: لا تقبض لجج البحر ولا ينضب الغضب والضيق لمحب المال.

 

 

 

 

الفصل الثاني

الغنى سبب يفيد منه بعض الناس

إن الغنى ليس ضاراً أو بدون جدوى إذا أصابه بعض الناس، وذلك واضح من الذين لا ينجحوا في نوال بعض الفضائل حيث يكون الغنى لديهم سبباً في تولد العطف والرحمة فيهم وذلك إذا عرفوا كيف يوجهونه، واعلم أن السعادة الأبدية موضوعة بين ثلاث فضائل:

الأولى: فضيلة النفس، وهي معرفة الله والملائكة وعوالم الروح معرفة حقيقية. الثانية: زهد الجسد،

الثالثة: الرحمة، وهي تكمل بالغنى، وهذا النوع من الفضيلة وإن كان سامياً إلا أنه أحط درجة من النوع الثاني، وهذا أحط درجة من النوع الأول. لأن المعرفة تطلب من أجل ذاتها، والزهد من أجل المعرفة أو تنوير النفس، وأما الغنى فمن أجل حياة الجسد، وحياة الجسد من أجل الزهد وواضح أن ما يطلب من أجل ذاته هو أفضل مما يطلب من أجل غيره، فذلك مخدوم وهذا خادم، وطبقاً لهذه الحقيقة، إن الذهب والفضة هما أحط قدراً من جميع أنواع الغنى الأخرى، لأنهما لا يطلبا من أجل ذاتهما بل من أجل بقية الحاجات الضرورية لقوت الجسد وللزهد والاستنارة. ومن هنا نعرف أن فضيلة النفس تكون طبقاً للهدف أو الرغبة النهائية المتصورة، وأما الوسائط، طبقاً لقربها أو بعدها عن الهدف تكون أفضليتها قريبة أو بعيدة.

 

الفصل الثالث

فوائد الغنى

فوائد الغنى إما زمنية أو أبدية، والزمنية معروفة، أما الأبدية فهي ثلاثة أنواع فإما أن ينفق الإنسان غناه على ذاته، أو على أناس آخرين معينين، أو على أي كان.

فالنوع الأول: يريد به الإنسان أوده المحدود، وبهذا يمكن أن ينزع إلى الزهد، فتصبح فائدته أبدية،

والنوع الثاني: مضاعف، فإما أن ينفق الغني العلماني غناه في سبيل الصدقات والهبات، وإما في سبيل الولائم، وهذا النوع إذا لم يقصد به ربحاً زمنياً يصبح ربحه أبدياً، كما قال المخلص: إذا أقمت وليمة أو دعوة فادعُ إليها المساكين والبائسين والعجز والعمي فتكون سعيداً، لأن ليس لديهم ما يكافئونك به.

والنوع الثالث: هو القيام بأعمال نفعها عام، كبناء الكنائس والملاجىء والجسور، وأحداث الينابيع والأنهار والغدران في المناطق القاحلة.

 

الفصل الرابع

مضار الغنى

ومضار الغنى أيضاً إما زمنية وإما أبدية، والزمنية كالمشقة التي يقاسيها الإنسان في جمعه، وما يحاك ضده من أحابيل بعد جمعه من الحكام واللصوص والسارقين، والحسد الذي يثور ضده من أقربائه، والأبدي ثلاثة أنواع:

الأول: لأن الغنى يهيج الإنسان على القيام بأعمال لا تليق كالتلذذ والمجد الباطل والشراهة وغيرها.

الثاني: إن محب الغنى لا يمكنه جمعه بطريقة مشروعة إلا نادراً، فيمضي في الاحتيال والسرقة والكذب.

الثالث: وإذا لم يكن من أهل الشر فإن التفكير بإنمائه وحفظه يبعده عن عبادة الله، فلا يستطيع عبد أن يعبد سيدين كما قال رب الحق.

 

الفصل الخامس

معالجة الطمع

يعالج هذا الداء بستة أدوية، هي:

الأول: أن يتصرف الإنسان بأمواله بطريقة معقولة.

الثاني: إذا تيسرت له حاجة يومه لا يهتم بما يطلبه الغد، وليعتبر في مثل الإنجيل في الغني الغبي إذ قال لنفسه: يا نفس! لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين عديدة، فاسعدي وكلي واشربي وتنعمي. قال له الله: يا جاهل، هذه الليلة تُنزع نفسك منك وهذا الذي أعددته لمن يكون؟.

الثالث: ليفكر إلى أية مكانة حقيرة يهبط الجشع على جمع الأموال، وأية عظمة ينال القانع القنوع.

الرابع: ليقابل بين سعادة الأغنياء الوهمية في هذا العالم وبما ناله الأنبياء والرسل والزهاد الذين زهدوا في الحياة الدنيا، من نعيم دائم، وهكذا تهبط قيمة المال في عينه.

الخامس: أن يعلم أي عذاب أليم وتعاسة يقاسي الممعنون في جمع المال.

السادس: أن ينظر دائماً إلى من هم أقل درجة منه وليس بمن يفوقه.

الفصل السادس

السخاء والبخل والإسراف

يقول البعض: إن السخاء هو أن يعطي الإنسان كرماً بدون تحميل الجميل، ويقول آخرون: إن السخاء هو أن يفرح الإنسان بمن يطلب إليه ويتضاعف فرحه إذا أعطاه. وطبقاً للتفكير السليم، إن العطاء موضوع بين حدين الإكثار والإقلال، أما الإكثار فيدعى إسرافاً، والإقلال بخلاً، والإعتدال سخاء، وهذا يكون بأن يُعطِ الإنسان بقدر ما يجب أن يُعطي، وإن كان (المعطى إليه) بحاجة إليه (للعطاء)، وذلك (العطاء) لمن يستحق أو لا يستحق. وفقاً لرأي بعضهم، إنه إذا أعطى لمن لا يستحق فذلك يُدعى إسرافاً لا سخاء. والحقيقة إن الإسراف هو إنفاق المال بطياشة في سبيل أهواء مختلفة سواء على نفسه أو على غيره، وقلنا أن يعطي حتى ما كان بحاجة إليه، لأن من يعطي ما فاض عن حاجته فإنه يحرص على ما كان لا يزيد عن حاجته، والحريص ليس سخياً. يقال إن الأب أغاثون رأى الأب نستير لابساً ثوبين قال له: إذا طلب إليك مسكين ثوباً فأياً منهما تُعطي؟ قال: أحسنهما، قال وإن جاءك آخر وطلب إليك؟ قال أعطيه نصف الباقي. قال: وإن جاءك ثالث ؟ قال: أعطيه البقية واجلس عرياناً حتى يقيّض الله لي ما أكتسي به.

 

الفصل السابع

سبب البخل  ومعالجته

إن سبب البخل هو محبة المال إما لذاته، أو من أجل هدف آخر لا ينال بغيره. وهذا الهدف أن يطلبه الإنسان من أجل ذاته أو من أجل ذريته. والداء الأول لا يعالج، لأن الفضة بذاتها لا تؤكل ولا تُشرب ولا تُلبس، ولا تَصلُح بذاتها لأية حاجة أخرى، إنما هي واسطة فقط، فمن يحبها كفضة فقط. فإنه ولد أعمى من بطن أمه وبالكاد الخالق نفسه يمكنه أن يخلق له عينين. وأما الثاني، فإنه يعالج بنفس الأدوية التي يعالج بها الجشع سواء إذا طلب لذاته الحاجة التي تجلبها الفضة أو لذريته، فإن هذا يُعالج بالإيمان، لأن الذي يخلق الولد أو الذرية يعد له قوته. ويعالج الجشع أيضاً في ما يهجى به فيشمئز منه ضميره ويذكر الأمجاد التي يسجلها الأسخياء.

 

 

 

الباب التاسع

محبة المجد الباطل

وفيه أربعة فصول

 

 

 

 

الفصل الأول

كلام الآباء في الحذر من المجد الباطل

جاء أحد الإخوة إلى الأب أوغريس المصري وقال له: قل لي كلمة لأحيا بها؛ قال له الشيخ: اذهب إلى المقبرة واشتم الموتى. فذهب وشتمهم، وجاء وأخبر الشيخ، فسأله الشيخ، هل قالوا لك شيئاً؟ قال: لا، قال له الشيخ: اذهب غداً وامتدحهم وعاد وأخبر الشيخ. قال الشيخ: هل سمعت منهم جواباً؟ قال: لا. قال له الشيخ: كن هكذا أنت أيضاً إذا أردت أن تحيا، لا تبالٍ؛ إذا ذمك الناس أو مدحوك.

قال أحد الإخوة للأب مطاويس: سأذهب إلى المكان الفلاني لأسكن فماذا تريدني أن أقول عنك؟ قال له الشيخ: لا تنشر لي صيتاً للمديح كأني لا آكل ولا أشرب، فهذه الأمور تنشر صيتاً كاذباً، وأنت اعمل كل ما ترى رجال الله الأتقياء يفعلون، فتسعد، والناس إذا رأوك قد أصبحت مساوياً للجميع فيعتبرونك اعتبارهم للجميع، وهكذا لا تشقَ.

سأل أحد الإخوة شيخاً، ماذا أفعل فإن رغبة المجد تقتلني؟ قال له الشيخ، حسناً تفعل، فأنت خلقت السماء والأرض. فندم ذلك الأخ وتاب.

وذهبت امرأة مبتلاة بداء السرطان تفتش عن الأب لونحينا، فوجدته يلتقط عيداناً من ساحل البحر وهي لا تعرفه. قالت: أيها الأب، أين يسكن عبد الله لونحينا؟ قال: ماذا تريدين من ذلك الصلف الدجال؟ أن لونحينا لا يمكنه مساعدتك وباركها وأردف: اذهبي الرب يشفيك.

قال شيخ آخر: إن من يُحترم أكثر مما يستحق يخسر كثيراً، ومن لا يحترمه الناس فإن الكرامة تهبط إليه من العُلى.

قال الأب أوغريس: إن المستغرق في المجد الباطل يسوءه أن يُمتدح غيره أكثر منه، وقال ياوني: إن الناسك المستغرق في المجد الباطل يهتم بإرضاء الناس أكثر من اهتمامه في إرضاء ربه، فلا فائدة منه تُرجى حتى إذا أذاب جسده نسكاً. وقال أيضاً: المجد الباطل يخلق من الرهبان الكسالى أبطالاً، طالما العلمانيون في الدير، ويحيل

ذوي الصوت الأجش بلابل والنوامون يقظين، فيطلب الراهب الطامع في المجد الباطل إلى رئيس الشمامسة أن يعطيه قيادة المرتلين، وأن يدعوه أباً ومعلماً حتى يبرح العلمانيون.

 

الفصل الثاني

تحديد الطمع في المجد الباطل وسببه ومعالجته

الطمع في المجد الباطل هو الرغبة في حيازة الكرامة ثمناً للفضيلة، وسببه الرغبة في حيازة مطاليب أخرى زمنية بواسطته، التي وإن أمكن حيازتها عن طريق المال إلا أن الكرامة تنيلها بأسهل ما ينيلها المال، ولذلك ثلاثة أسباب:

الأول : يُنال المال بالكرامة أكثر مما تنال الكرامة بالمال.

الثاني : تجريد الإنسان من المال أهون من تجريده من الكرامة.

الثالث : المال يُنال بأتعاب ومشقات كثيرة، وليست كذلك الكرامة، لأن بواسطة المال والكرامة تنال بقية المتطلبات. وكما أن حيازة المال الكافي لضروريات الحياة ليس رديئاً، كذلك حيازة الكرامة الحقيقية توصلاً إلى بعض الأمور البريئة ليس عاراً، وإن كان التطرف فيه أمراً قتالاً. ويعالج التطرف في حيازة الكرامة والمجد الكاذب بأن يمارس الإنسان ما يجعله طبيعياً وبسيطاً أمام الناس، أو أقل مما هو عليه من الكرامة، كما فعل الأب ثيودورا الفرمي إذ جاء لزيارته أحد الولاة فوجده لابساً ثوباً خلقاً، عريان الصدر وقبعته مائلة إلى الأمام. ولما ذهب قال له أحد الإخوة: ماذا فعلت أيها الأب؟ فقد جاءك هذا النبيل ليفيد منك، ولعله عاد يائساً، قال الشيخ: رُح لشأنك أيها الأب، إن من يريد أن يفيد أو أن ييأس فالأمر له، أما أنا فأقابل مثل هؤلاء بهذه الطريقة، فمن لا يمكنه أن يفعل ذلك فليبتعد عن سكنى البشر، وليعش نكرة لكي يحيا.

 

الفصل الثالث

درجات الممدوحين

الممدوحون ست درجات، درجتان تخصان المرائين وأربع تخص الفضلاء.

الدرجة الأولى من درجتي المرائين: يتوق الإنسان إلى المديح بدرجة بذل خسارة فادحة في هذا السبيل إذا كان غنياً، أو بأعمال نسك قاسية كاذبة إذا كان ناسكاً. والدرجة الثانية: ألا يحاول الإنسان اكتساب المديح، ولكنه يفرح إذا امتدح. ومثل هذا ما لم يستأصل الهوى من قلبه قسراً، يسهل هبوطه إلى الدرجة الأولى.

والدرجة  الأولى : من درجات الفضلاء هي: إذا سمع المديح لا يفرح به ولا يحزن.

والدرجة الثانية : أن يحزن الإنسان بمديح يكال له وإن كان في محله، ولكنه يسكت ولا يجيب، كالأب آلونيس حيث امتدحه الشيوخ من أجل خدمته فلم يجب وقال: لو أجبت لأصبحت كمن يبهجه المديح.

والدرجة الثالثة : أن يهرب من حيث يمتدح كالناسك المصري الذي كان يسكن القسطنطينية فزاره الملك تيودوسيوس متنكراً. ولما لم يجد شيئاً في صومعته غير زنبيل صغير فيه خبز، امتدحه كثيراً. فعجل ذلك الناسك بالهرب إلى مصر.

أما الدرجة الرابعة : هي درجة الكاملين الذين إذا امتدحوا غضبوا على ممتدحيهم فينتهروهم ويُكذبونهم، ومهما كان يجب على من يمتدح أن يفكر بنفسه قائلاً: لو عرفني هذا معرفتي لنفسي لما امتدحني.

 

الفصل الرابع

درجات المشتومين

المشتومون أربع درجات، اثنتان تخصان التافهين واثنتان تخصان الفضلاء.

الأولى : درجتي التافهين: أن يحزن عند الشتيمة ويحقد على شاتمه.

الثانية : أن يحزن فقط دون أن يحقد على الشاتم.

أولى درجات الفضلاء: أن يعتبر الشتم ربحاً أو شرفاً، والهجاء مديحاً.

الثانية : أن يحب شاتمه ويشكره لأنه أظهر له عيوبه، وعرفه بمثالبه، وكان سبباً في معالجة نقائصه.

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب العاشر

التظاهر أو المراءاة

وفيه ثمانية فصول

 

 

 

 

الفصل الأول

كلام الآباء تحذيراً من المراءاة

كان الأب سوسايس جالساً مرة وبقربه أحد الإخوة وهو لا يعلم بوجوده لأنه كان مختطفاً في تأملاته بأعمال الله، فتنهد. ولما شعر بوجود ذلك الأخ اعتذر له قائلاً: سامحني أيها الأخ، فإني لم أصر بعد راهباً لأني تنهدت بحضورك.

قال الأب دانيال: زرت مرة الأب فومان بصحبة بعض الإخوة، ولما تناولنا الطعام معاً، ذهب الإخوة ليرتاحوا قليلاً، ومكثت لأختلي بحديث مع الأب، فدخلت صومعته ووجدت الأب فومان جالساً على الأرض بعيداً عن حصيرته، ولما رآني أقتعد حصيرته وتناوم وظن أني لم أره. وهذه كانت عادة الأب الشيخ أن يعمل كل شيء في الخفاء.

والأب زينون جاءه راهب من مصر إلى سوريا زائراً، وأخذ المصري يظهر مساوِئَه أمام الشيخ، ولما سمع الأب زينون تعجب وقال: إن المصريين يخفون دائماً فضائلهم ويُظهرون مساوئ ليست فيهم أما السريان واليونان فيدّعون فضائل ليست فيهم، ويخفون المساوئ التي فيهم.

جاء الأب أولوغيس من القسطنطينية إلى مصر لزيارة الأب يوسف آملاً أن يجد فضيلة تفوق فضائله، وفي الأيام التي مكثها هناك لم ير الأب (يوسف) أو تلميذه يصليان أو يركعان، لأنهما كانا يفعلان ذلك خفية، ولما خرج ليذهب ضل طريقه صدفة وعاد فوقف أمام صومعة الشيخ، وقبل أن يقرع الباب سمعهما يرتلان ومكث طويلاً، وأخيراً قرع الباب، وحالاً توقف الأب يوسف وتلميذه عن الترتيل، وهكذا علَّمه الأب يوسف هذه الحكمة أن يُخفي فضائله عن الناس.

 

الفصل الثاني

تحديد التظاهر

التظاهر، تضليل بإخفاء البواطن السيئة وإظهار الفضائل المتصنعة، ويحد أيضاً بكونه عدم التناغم بين البواطن السيئة والظواهر الصالحة. والأب فومان قال أنه (التظاهر) المراءاة ذاتها، فيعلِّم الإنسان قريبه فضيلة ليست فيه على حد قول الرب: يا مراءي كيف تستطيع أن تقول لأخيك دعني أُخرج القذى من عينك وأنت لا تخرج السارية التي في عينك؟

وقال ياوني: إن التظاهر عادة كريهة مغلفة بالكذب والرياء، وهي بعيدة عن التقوى ويؤيد القول الإلهي أن التظاهر مراءاة حيث ندد الرب بالكتبة والفريسيين وقال إن كل أعمالهم يعملونها لكي يراهم الناس.

 

الفصل الثالث

أقسام التظاهر

التظاهر خمسة أقسام:

الأول: التظاهر الجسدي، شأن الذين يظهرون بأجسام نحيلة وملامح كئيبة ووجوه قاتمة وأصابع يابسة، كأن كل ذلك حدث من طول الصوم والصلاة والتهجد والركوع، وقد فضح الرب أمثالهم بقوله أنهم يغيرون وجوههم ليظهروا للناس صياماً، وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك.

الثاني: التظاهر باللباس، وهذا يكون إما بنوع اللباس كالمضللين الذين يظهرون بالأردية الخلقة الخشنة فيرفعون قبعاتهم ويتمنطقون بالحبال. وأما بتغيير نوع اللباس، شأن الذين ندَّد بهم الرب بقوله: يعظمون أردانهم ويطيلون أهداب ثيابهم. وقد رأيت ناسكاً في ملطية متوشحاً بالسلاسل ومنتعلاً خفاً من حديد وفي يده عكاز من حديد ولما منعته من التجول هجر المسيحية.

الثالث: التظاهر الصوتي، شأن الذين يرخمون أصواتهم تصنعاً، ويخفضون حديثهم، وينصحون الآخرين وهم لا ينتصحوا على حد قول الرب: يربطون أحمالاً ثقيلة قاسية الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدوا أن يحركوها بإحدى أصابعهم.

الرابع: التظاهر بالأعمال، شأن الذين يظهرون الوداعة ويمعنون في الصمت ويلجمون شفاههم، وفي قلوبهم يصوغون الخبائث وقد دعاهم الرب: (من الخارج حملاناً ومن الداخل ذئاباً خاطفة).

الخامس: التظاهر بالمريدين، شأن الذين يكثرون من الإتباع والمرافقين والمدَّاحين، اجتذاباً للناس ليتبعوهم ويتبركوا بهم ويدعوهم سيدي سيدي.

 

 

 

الفصل الرابع

درجات المتظاهرين

المتظاهرون أربع درجات:

الأولى: درجة الذي لا يهتم بالثواب الروحي عن طريق الفضيلة إلا إذا رآه الناس.

الثانية: درجة الذي يهتم بالثواب عن طريق الجهاد ولكن بجهاد ضعيف حتى إذا انفرد لا يصلي ولا يسهر.

الثالثة: درجة الذي يتساوى لديه الأمران، الثواب والعمل، أي أنه يعمل لجعلهما متساويين، ولا يهتم بتفضيل أي منهما على الآخر.

الرابعة: درجة الذي تشجعه أنظار الناس إلى العمل دون أن يكون هدفه بالتظاهر، أي يجهد نفسه في العمل إذا رآه الناس وإن لم يروه لا يهمله، ومثل هذا هو قريب من الخلاص بعض القرب.

الفصل الخامس

أسباب التظاهر

للتظاهر ثلاثة أسباب في سبيلها يتقمص الرجل المضلل:

أولاً: أن يتوصل إلى إشباع رغائبه المنحطة كالمضللين الذين يتجولون بزي المبشرين وهم يأكلون بيوت الأرامل، ولذلك ينالون عقاباً أعظم.

ثانياً: أن يمكِّن نفسه من حيازة مال أوفر.

ثالثاً: أن ينظر إليه زملاؤه بعين الاحترام لا الاحتقار شان الذي يصوم إذا رأى زملاءَه يصومون، ويصلي معهم إذا رآهم يصلون، ومن كان على هذه الشاكلة هو قريب من الخلاص إذا زامل النساك طويلاً.

الفصل السادس

فرح الناسك باشتهار فضائله

إن الفرح الذي يحدث للناسك باشتهار فضائله إما طالح وإما صالح، ويكون طالحاً إذا استهدف الأهداف الثلاثة التي ذكرناها في الفصل السابق. وللصالح أربعة أسباب:

الأول: من حقه أن يفرح لأن الله (الراغب في حياة البشر) كشف فضائله للخاملين لكي يقتدوا به ويحيوا.

الثاني: أن يعتبر ذلك عنواناً للكرامة التي سينالها في قيامة الصديقين، وهذا ما يبهجه.

الثالث: أن يفرح بالخلاص الذي سيناله عارفوه المقتدون به.

الرابع: إذا رأى الذين يكرمون الأتقياء يفرح بعمق إيمانهم بالله.

وهذه الأسباب، وإن كانت صالحة ولكن وراءها يختفي الشر، وعليه يجب على الناسك إخفاء فضائله جهد إمكانه، لئلا يجهز عليه الأبالسة.

 

الفصل السابع

علاج التظاهر

يعالج هذا الداء بثلاثة أمور:

الأول: أن يحتقر المصاب به المديح الذي يأتيه من الناس، روي عن الأب أرسانيوس والأب ثيودورا، أنهما كانا يكرهان مديح الناس كرهاً شديداً. فإن الأب أرسانيوس لم يكن يرضى مقابلة الناس، والأب ثيودورا وإن كان يرضى بذلك إلا أن مقابلته لهم كانت كالسيف البتَّار.

الثاني: أن يفرح إذا أبغضوه وناصبوه العداء وعيروه لكي ينال الطوبى الإنجيلية (طوبى لكم إذا عيروكم)

الفصل الثامن

أسباب إظهار الفضائل الخاصة

إننا لا نجد سبباً واحداً من أجله يظهر الرجل الفاضل فضائله أو يتحدث بأعماله الصالحة، سوى الرغبة في تنبيه الغافلين أن يقتدوا به، وعليه أن يتقيد بشرطين اثنين من يرغب في إعلان فضائله الخاصة أو التحدث عنها.

الأول: ألا يُظهر ذلك اعتباطاً وبطريقة مبتذلة بل حيث يتأكد أن كلامه سيؤثر تأثيراً صالحاً في سامعيه، وسيفيدون منه، كما قال الأب مقاريس للعارف الأب أوغريس: في مدة عشرين سنة لم أشبع خبزاً ولا ماءً ولا نوماً، فكنت آكل بمثقال وأشرب بمكيال، وكنت أحياناً أستند إلى جدار فاسترق قليلاً من النوم.

الثاني: وإن رأى حقيقة طيب الأرض التي يُلقي فيها بذور تعليمه، ولكن يجب أن يفحص نفسه أولاً ويختبر خفايا قلبه، فإن شاهد ميلاً خادعاً يثور فيه ليحجم عن إظهار فضائله، لأنه كما قال الأب أوغريس: هناك نفر تخلف وقطع صلته بأعماله الأولى، ولكي يخفي العجز الذي طرأ عليه من جراء إهماله يلجأ إلى التبجح بأعماله الأولى أمام الناس.

 

 

الباب الحادي عشر

الكبرياء

وفيه سبعة فصول

 

 

 

الفصل الأول

كلام الآباء تنديداً بالكبرياء

قال أحد الشيوخ: إذا ارتفع الكبرياء إلى السماء فإنه سيهبط إلى الهاوية، وقال شيخ آخر: إذا خطر لك خاطر الكبرياء فافحص ضميرك هل حفظت جميع الوصايا؟ هل أحببت أعداءك؟ هل فرحت بأمجاد عدوك؟ وهل حزنت بحزنه؟ هل اعتبرت نفسك عبداً بطالاً؟ وإنك أخطأ جميع الناس؟ إذا أكملت ذلك فلا تتعجرف، لأنك تعلم أن هذا الخاطر (خاطر العجرفة) سيلاشي جميع الفضائل ويطفئها.

وقال الأب أبيفانيوس: كلما هاجمك خاطر الكبرياء وملأ قلبك صلفاً قل: أيها الشيخ انظر إلى عارك. وقال الأب أوغريس: ما أعنف شيطان الكبرياء وما أقساه فكلما هاجم أحد الإخوة المجاهدين فإنه يغرقه صلفاً، ويدفع به إلى هوة التجديف ويجعله يعتقد أنه إنما يجاهد بقوته وليس بقوة الله، ويحدث ذلك عندما لا يرَ ضميره مستيقظاً.

وقال يوحنا أبو الدوالي: إن شيطان الكبرياء يمتدحك من أعماق أفكارك ويثير فيك العجرفة، بكونك انقطعت عن الخلوة وصمدت، وروضت ذاتك في الجهاد، ونلت الظفر الأكيد، والمعرفة النامية، فلا تغتر بذلك ولا تقلق كالأغبياء بل اذكر نقائصك، وذلل نفسك واكبح جماحها، فيهدأ روعك ويطهر قلبك. وقال ياوني: إن الكبرياء ليس فقط تمنع الارتفاع والتسامي، ولكنها تحط من العلياء.

 

الفصل الثاني

كلام الآباء في امتداح فضيلة التواضع

قال الأب أنطونيوس: رأيت جميع فخاخ العدو منصوبة على الأرض، فتنهدت وقلت: من ينقذني منها؟ قيل لي إن التواضع ينقذك، فالفخاخ لن تبلغ هدفها. وقال شيخ آخر: إن عظمة الإنسان في تواضعه، فكما يتنازل الإنسان إلى التواضع هكذا يتعالى إلى العظمة. وصام أحد الشيوخ سبعين أسبوعاً، وكان يأكل مرة كل أسبوع، وطلب إلى الله تفسير جملة كتابية ولم يجبه عليه، ولما شرع بالذهاب إلى الإخوة ليسألهم عنها، تراءى له ملاك الرب وقال له: إن في صومك لم تتقرب إلى الله، ولكن لما تواضعت فزرت أخاك، أُرسِلتُ لكي أنقل لك ذلك وأريحك.

وقال أحد الشيوخ: لا تكن متواضعاً في أقوالك فحسب، بل في أعمالك أيضاً. قال يوحنا القلوبي: إن الباب الذي يؤدي إلى الملكوت هو التواضع، وقد دخل الآباء مدينة الله بتجشمهم الهوان الكثير.

وقال الأب هوفركيوس: تشبه بالعشار لئلا تشجب مع الفريسي، واختر تواضع موسى لكي تحيل قلبك الصخري إلى ينبوع ماء. وقال الأب فومان: كما أن الأرض لا تسقط لأنها هادئة كذلك من يتواضع لن يسقط. وقال الأب أوغريس: إن الأبالسة لا تخشى أية فضيلة أخرى خشيتها التواضع، فإن موسى أول الأنبياء بها تمجد، فقد دُعي متواضعاً، وصرح داود بقوله: اذكر يا رب داود وكل تواضعه.

وقال مار اسحق: إن التواضع بدون فضائل أُخرى يغفر كثيراً من الخطايا أما الفضائل بدون تواضع ليست بدون فائدة فحسب، بل تعدنا لكثير من الشرور وقال ياوني: إذا كان بدون أية أهواء أخرى سقط الساقط من السماء بسبب الكبرياء فيجب أن نعتقد أنه بواسطة التواضع يمكن التسامي إلى السماء بدون أية فضيلة أخرى.

 

الفصل الثالث

تحديد الكبرياء

الكبرياء حالة نفسية تدخل في ورع الإنسان إنه أعلى من الآخرين، ويختلف الكبرياء من الخيلاء، بأن الخيلاء تتولد من مباهاة الإنسان بفضائله دون النظر إلى الآخرين، والكبرياء هي مقابلة الإنسان بينه وبين غيره، واعتبار ذاته أرفع من ذلك (الغير) وهذا (الغير) إما أن يكون الله تعالى بالذات، أو الأنبياء والرسل الذين هم بين الله والبشر منزلة. أو البشر بالذات. وقد تجبَّر فرعون على الله وقال: إن النهر لي وأنا خلقته، وحاكم صور قال: إني أنا الله وقد جلست مجلس الله في قلب البحار. ونبوخذ نصر تبجَّح قائلاً: سأصعد فوق كواكب السماء وأضع عرشي فوق الغيوم وأكون مثيلاً للعلي، وقد استعلى على الأنبياء والرسل جميع مضطهديهم من جميع الأمم. ويستعلي مضللو العقول على أقرانهم ويعتبرون فضيلتهم نقصاً في الآخرين.

 

 

 

الفصل الرابع

أسباب الكبرياء

للكبرياء أربعة أسباب:

الأول: الخيلاء أو المباهاة، وعنها تصدر الكبرياء من القلب أولاً ثم تظهر إلى الخارج.

الثاني: الحقد، والحقد لا يدع الحاقد أن يساوي نفسه بالغير: أو يتواضع للذي حقد عليه، وإن عرف أنه أرفع شأناً منه.

الثالث: الحسد، وهو يحمل الإنسان على إنكار فضيلة الفضلاء، ولا يدعه أن يفيد منها.

الرابع: التظاهر، كما نجد الكثيرين يفتحون الكتاب ويقرأون على معلم، فإذا غاب، وسمعوا وطأة أقدام القادمين يلقون الكتاب جانباً، ويتطاولون في الكلام على من علمهم ويتظاهرون بمناقشته.

 

الفصل الخامس

ميزات الكبرياء

للكبرياء ثماني ميزات في المتكبر:

الأولى: أن يحب السلام في الأسواق وأن يقف الناس له احتراماً عند مروره.

الثانية: لا يمشِ إلا ومعه مرافق.

الثالثة: لا يزور أحداً وإن عرف أنه سيفيد منه.

الرابعة: أن يحب رأس المتكأ في الولائم وأول المجالس في المجامع.

الخامسة : أن يشمئز من ذوي العاهات والأمراض كما كان يفعل الغني مع لعازر.

السادسة: ألا يقوم بأي عمل في بيته.

السابعة: ألا يتحمل أي شيء بل يُحمل الآخرين.

أن يحب التجمل.

قيل أن أحد الإخوة دخل كنيسة الصوامع، وكان لابساً جبة صغيرة تتدلى إلى منكبيه، ولما رآه الأب اسحق طرده قائلاً: هنا يسكن النساك، أما أنت فدنيوي ولا يمكنك السكنى هنا.

 

 

 

 

الفصل السادس

علاج الكبرياء

يُعالج داء الكبرياء بمعرفة الإنسان نفسه، وكيف تكون هذه المعرفة يعلمنا الأب أوغريس بقوله: إذا أردت معرفة ذاتك لا تبحث عما أنت فيه، بل ابحث عما كنت فيه سابقاً، أي مما خلقت، والمعروف أن الإنسان كان سابقاً في العدم، ثم خلقه الله من تراب حقير، ثم أحاله إلى نطفة سائلة، ثم خلق فيه عظاماً ولحماً وشرايين، فتكونت أعضاؤه ثم نفخ فيه نسمة الحياة، وهكذا أحاله من ذرة جامدة إلى كائن حي ثم جعله ناطقاً، ولجهله لُعنت الأرض بسببه، وأمر أن يؤكل خبزه بالأتعاب والآلام ثم يعود إلى الأرض التي أُخذ منها، لأنه تراب وإلى التراب يعود. اسمعوا هذا يا ذوي الألباب واحكموا، كيف يسوغ أن يتكبر من كان هذا شأنه؟ ولم يتعجرف من كانت تلك بدايته وهذه نهايته؟ إذا فكر الإنسان بمثل هذه الأفكار الشافية، أعتقد أنه يُشفى من داء الكبرياء.

 

الفصل السابع

ميزات من يُشفى من داء الكبرياء

إنها خمس ميزات:

الأولى: إذا أذعن للحق عند ظهور الحق في النقاش مع أحد أقرانه دون أن يثور.

الثانية: إذا جلس في مكان متواضع في الاجتماعات دون تبرم.

الثالثة: إذا لاطف البؤساء والفقراء مسروراً.

الرابعة: أن يشتري بنفسه لوازمه من السوق إذا كان علمانياً فيحمل ما اشتراه دون الشعور بالخجل.

الخامسة: أن يلبس ثياباً بسيطة بين الناس دون أن يخزى.

قيل أن الأب ارسانيوس كان يلبس أفخر الثياب في حياته العادية، فأصبح يلبس الثياب البسيطة في حياته النسكية، ويقف وراء أحد العواميد إذا حضر للصلاة في الكنيسة.

 

 

 

الباب الثاني عشر

الخيلاء أو التفاخر

وفيه أربعة فصول

 

 

 

 

الفصل الأول

كلام الآباء في الحذر من الخيلاء

قيل إن في المقبرة المجاورة لصومعة الأب فولا كان يكمن ضبع ورأى الأب فولا كومة حطب هناك، فقال لتلميذه يوحنا: اذهب اجلبها إلى هنا، قال التلميذ: أبتِ ماذا أفعل بذلك الضبع؟ أجاب الشيخ مبتسماً: إذا هاجمك فاربطه وأتِ به إلى هنا. ولما أمست هاجمه الضبع، فربطه وجاء يقوده، أما الشيخ فأراد أن يسلب منه خيلاءه فصفعه وقال: أيها الجبان، أجلبت كلباً جباناً؟ فحله وأطلقه.

كان أحد الإخوة يفتخر على بقية إخوته الرهبان قائلاً: إني أسكن هنا منذ وقت طويل ولم أدخل القرية، فكيف تدخلونها أنتم دائماً؟ واخبروا عنه الأب فومان أنه قال ذلك للأخوة، قال: لو كنت محله لذهبت إلى القرية ليلاً وطفت في أزقتها لئلا تفتخر أفكاري بأني لم أدخلها البتة.

وقال شيخ آخر: كل شيء عملته فنجحت به وافتخرت، أتلفه، فلا يجب على الراهب أن يفتخر بأعماله، وإن افتخر سقط.

وقال شيخ آخر: لا تفتخرن في قلبك على أخيك وتقول إني أكثر زهداً منه وأفوقه كثيراً في تجشم الصعاب، ولكن أخشع أمام نعمة المسيح بروح متواضعة بعيداً عن المراءاة، لئلا تفقد جهادك بروح متعجرفة، فقد كُتب: لا يفتخرن الذي ظن أنه قام لئلا يسقط.

وقال الأب أوغريس: إن التفاخر يُذري الفضيلة. وقال يوحنا أبو الدوالي: لا شفاء لمرض الخيلاء، فبالقدر الذي يتعالى فيه تتعالى عنه معرفة الله فيهبط في غياهب الظلام.

 

الفصل الثاني

تحديد الخيلاء

الخيلاء هي فرح الإنسان بكمال متوهم، معتقداً أنه صادر عنه وليس عن غيره، ولذلك لا يخشى زواله، والكبرياء والعجرفة هما كالأخوين التوأمين بوجود أحدهما لابد أن يوجد الآخر، وبانعدام أحدهما لابد أن ينعدم الآخر على حد قول أحد الآباء الأفاضل: لا يستطيع من غلب الخيلاء أن يحظى بالكبرياء، ولا من أصيب بالكبرياء أن ينجو من الخيلاء. والحقيقة أن الخيلاء بالنسبة إلى الكبرياء هي كالحنطة بالنسبة إلى الخبز، وكالطفل بالنسبة إلى الرجل. فمن الخيلاء تتولد الكبرياء، ومن الكبرياء ينتج التعالي على الخالق والمخلوق، كما قلنا: إن الخيلاء لا تمحو مساوئ الإنسان بل تنسيه إياها، وإن ذكرها فإنه يعتبرها صغيرة، ويعتبر أعماله الصغيرة كبيرة وجليلة.

 

الفصل الثالث

ينابيع الخيلاء

الخيلاء كما قلنا تتولد من كمال ما يتوهم الإنسان حيازته، وكمال مثل هذا له سبعة أنواع:

أولاً: العجب بالمعرفة كما يفعل بعض المتعلمين الجهلاء، الذين ينظرون إلى الأميين نظرهم إلى البهائم، وهم يريدونهم أن يأكلوا التبن عوض الخبز. ولا يعلم هؤلاء الأغبياء أن لهم ويلاً مضاعفاً لأنهم يُعلِّمون ولا يَعملون، والذي لا يعرف يُضرب قليلاً.

الثاني: العجب بالفضائل: عجب ذلك الفريسي الذي راح يُصلي: اللهم إني أشكرك، فلست مثل بقية الناس الخطفة الفجار الآثمة ولا مثل هذا العشار، أصوم يومين في الأسبوع وأُعشر كل أموالي. قال أحد الفضلاء: إذا سمعت إنساناً يقول أن جميع البشر قد فُسدوا، فاعلم أنه أولهم قد فُسدت طُرقه، أما الأبرار فلا يقولون هكذا، بل كما قال يونان ابن متى عندما ثارت الأمواج على الذين في السفينة: لقد اضطرب البحر بسببي، فخذوني والقوني في البحر فيهدأ البحر عليكم.

الثالث: العجب بالعشيرة والأسلاف: كمن إذا غضب من أحد يقول: ألست فلاناً ابن فلان؟ ألست من العشيرة الفلانية؟ وأنت ألست ابن الحقير فلان؟ ومن جنس حقير؟

الرابع: العجب بالجمال، على الأغلب يستولي العجب بالجمال على الصبيان والشبان، والفتيات الصغيرات، الذين يمتازون بجمال وبهاء الطلعة.

الخامس: العجب بالغنى، وهو يوجد في بعض حديثي النعمة الذين يفاخرون أمام أحد الأقران فيقول أحدهم مثلاً: أيها البائس المعدم لو شئت لأشتريت من هو ارفع منك شأناً فيخدمني.

السادس: العجب بالقوة البدنية والبطولة.

السابع: العجب بكثرة الخدم والحشم والخول والأتباع.

الثامن: العجب بالدين، إذ يحدث كثيراً ما يتجادل شخصان ينتميان إلى ديانتين مختلفتين، فيفخر كل منهما بأن ديانته هي الحق وديانة خصمه كل الباطل.

 

الفصل الرابع

معالجة الخيلاء

تكون معالجة كل مرض بضده، وقطع أسبابه، وسبب العجب أو الخيلاء إنما هو الجهل، ليس إلا، فمعالجته إذاً تكون في المعرفة الحقة وهي ضد الجهل وتتم في أن يعرف الإنسان أن الله وحده هو الذي يؤثر في شيء فيه وبيديه وبقوته نوجد ونحيا ونتحرك، كما قال القديس بولس وأيد ذلك القديس باسيليوس بقوله: إن منه وبيديه ومن أجله كل حركة وسكنة، وحياة كل عقل ونفس وكيان، وفي هذه المعرفة ذاتها يثبت الإنسان ويبلغ الكمال المنشود سواء المعرفة أو البر، أو الجنس أو الجمال أو الغنى أو القوة أو الخدم والحشم أو العقيدة الحقة، فكل ذلك ليس من الإنسان بل من الله، وعليه لا يفتخرن أحد، وإن افتخر فليفتخر بالرب. وإذا عولج المصاب بداء الخيلاء بهذه العلاجات فليتغذ بأغذية الروح التي يقدمها الآباء الشيوخ لمرضاهم، أي بأن يفكر الإنسان باستمرار في مساوئه وتوقع الموت بثياب بسيطة ويختار له المقام المتواضع، ويبادر إلى الأعمال المفيدة بتواضع ولا يؤم الاجتماعات الصاخبة، وليبق غير معروف لدى الكثيرين، فيبقى فكره في مأمن من النمامين والمغتابين والحساد ولا يهمه أمر أحد غير خلاص نفسه.

وأعلم أن هذه العلاجات مفيدة لمعالجة الكبرياء والمجد الباطل أيضاً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقالة الرابعة

تجميل النفس بأنواع الفضائل

وفيه ستة عشر باباً

الباب الأول

العلم

وفيه ثمانية فصول

 

 

 

 

 

الفصل الأول

شهادات كتابية في فضيلة المعرفة

  • الحكمة أفضل من اللآلئ ولا يشبهها الديباج النقي ولا تعوض عنها الحجارة الكريمة والزمرد (ايوب28: 12-13).
  • فرأيت أن الحكمة تُفضل على الحماقة كما أن النور يُفضل على الظلمة (الجامعة2: 13)
  • لا تكن أحمق لئلا تموت قبل ساعتك (الجامعة7: 18).
  • حكيم الشعب ينال كرامة واسمه ثابت في حياة الأبد ( ابن سيراخ39: 12-13).
  • أبـكِ على الميـت لأنــه فقـد النــور وأبـكِ على الأحمــق لأنـه فقـد العقــل ( ابن سيراخ  22:   10).
  • فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية (يوحنا5: 39).
  • كل كاتب متعلم في ملكوت السموات يشبه رجلاً رب البيت يخرج من كنزه جدداً وعتقاً (متى 13: 52).
  • الفضيلة سمو في الكرامة لا في المراتب (الثاولوغوس).
  • أن الكيان العاقل كله وجد لتعلم معرفة الحق (الأب أوغريس).
  • إن قوة النفس العاقلة هي أكثر كرامة من جميع قواها لأنها تشارك حكمة الله (الأب أوغريس)

 

 

الفصل الثاني

تقسيم العلوم

العلم إما كنسي وإما دنيوي, والكنسي مثلث العناصر, فإما أن يكون أساساً وإما بناء وإما مثبتاً للدعائم.

والأساس: العهدان (القديم والجديد) والبناء الذي يشيد على هذين الأساسين, إما أن يكون خاصاً بالمنتخبين, أو عاماً لجميع المدعوين.

والخاص: هو تعليم المعلمين النساك المبتدئين الذين يعلمون تطهير وعاء القلب وتنقية مرآة النفس.

والعام: تعليم ملافنة الكنيسة الثقات.

والعنصر المثبت لدعائم الأساس هو تفاسير الكتب المقدسة وشرحها ونصوصها.

والعنصر الدنيوي, هو أيضاً مثلث العناصر, فإما أن يكون صالحاً وإما أن يكون فاسداً أو بعضه صالح وبعضه فاسد.

العنصر الأول : العنصر الصالح : إما ضروري وإما كمالي, والضروري كالطب, الذي بدونه لا تكون الحياة الحاضرة سليمة. والمحاسبة, التي بدونها لا تسير دفة التجارة والبيع والشراء والوصية والإرث وما إليها. والمكمل كاللغة والنحو والأمور التي تعطي العبارة فصاحة وجمالاً.

العنصر الثاني : العلم الفاسد, وهو الذي يؤدي إلى خسارة روحية أو جسدية, والعنصر الذي يؤدي إلى الخسارة الروحية هو كعلم التنجيم الذي يجعل المخلوقات عوض الخالق أسباباً مباشرة للخير والشر في العالم, وواضح أن علماً مثل هذا يسلب الإنسان خشية الله والتقوى. وما يؤدي إلى الخسارة الجسدية, كالفأل والسحر اللذين يُحدثان الضرر الكثير بالطرق الشيطانية.

العنصر الثالث : من العلم الدنيوي الذي بعضه صالح وبعضه فاسد هو علم الفلسفة, وهي أربع علوم: المنطق والطبيعي والرياضي واللاهوت.

والمنطق هو الجمع بين القضايا والمقابلة أو الموازنة بين الفكرة السليمة والخاطئة, والرياضي: يتناول الهندسة والحساب والمحاسبة والموسيقى, وواضح أن تعلم هذه العلوم قد يحرف الفكر ولا يصلحه. والعلم الطبيعي: الخاص بالحكمة الخارجية وأصنافها أربعة:

الأول: أزلية العالم. الثاني: عدم إمكان انشقاق الفضاء وتمزقه. الثالث: عدم إمكانية وجود ما أنعدم. الرابع: الخالق المعبود, وتخضع لإرادته طبيعته وليس طبيعته لإرادته, أي الخير يفيض منه طبيعياً كما يفيض النور من الشمس, والشمس لا يمكنها إلا أن تنير.

إن هذه الأمور معرضة للفساد إذا لم تتدبرها الحكمة بتعقل وهدوء, والباقية صالحة ومفيدة, ولكن لما كانت حنطة هذه العلوم ممزوجة بالزؤان قد لا يسلم البسطاء منها إذا استقصوا غوامضها, كمن لا يعرف السباحة لا يمكنه النزول عميقاً إلى نهر هائج.

 

الفصل الثالث

كيفية تدرج المبتدئين في العلوم

وأنت أيها الأخ المبتدئ إذا أردت أن تكون من المفيدين مفديي الرب, تأن بتصاعدك ولا تمد رجلك إلى الدرجة العليا وأنت لازلت تزحف على الأرض, بل ابدأ أولاً بالمزامير وأفهم معانيها وانتقل بعدها إلى أسفار العهدين القديم والجديد وتفاسيرها, وخذ ذلك عن معلمين ثقات, وأكتفِ من اللغة والنحو بما يصون قراءتك من الأخطاء. وبما أن هذه الحياة قصيرة والعلوم واسعة فلا تصرف أيامك كلها في دراستها, بل أمعن في دراسة العلم السامي الذي يدعى المعرفة, وإذا ما تعلمتها فأكبح جناح جسدك برياضة تُلطفهُ, ثم أهتم باقتلاع جذور الشر من نفسك وغرس جذور الخير فيها لكي تجملها, وتتلخص في أربع أهداف, هي أركان المعرفة, وتتعلمها من المقالات الأربعة الواردة في هذا الكتاب, فإذا قمت بذلك تُحيي نفسك وتنشلها من هوة الهلاك وترفعها إلى أوج السماء وتنجح في أعمالك ويهبط الوحي عليك بغزارة, وترى في مرآة, خفايا الله ظاهرة منذ إنشاء العالم على حد قول الأب أوغريس: إن المعرفة تجذب النفس العاقلة وتسرحها في مرابع الروحانيين وتريها الربع المليء بالبهجات, فلنجل المعرفة إذاً فهي توصلنا إلى أوج العلاء.

 

الفصل الرابع

آي الكتاب في فضيلة التعلم

يرشد القديس بولس تلميذه تيموثاوس بقوله: “واظب على القراءة إلى حين قدومي وعلى الوعظ والتعليم (1تي4: 13) وبقوله  له أيضاً: وأنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القادرة على أن تصيرك حكيماً (2تي3: 15) وعلم المؤمنين أيضاً بقوله: حيث أنكم لما كان الواجب عليكم لتمادي الزمان أن تكونوا معلمين, احتجتم أن يعلمكم أحد أركان بداءة أقوال الله . (عبرانيين 5: 12).

وقال الرسول يعقوب: وأن كان أحدكم تنقصه حكمة فليسأل الله الذي يؤتي الجميع بسخاء خالص بغير أمتنان فيعطى.(يع1: 5).

وقال مار أفرام: لتكن الكتب مائدتك فتشبع من أطيابها ولتكن هي فراشك فتنام هانئاً.

وقال مار اسحق: لا يوجد شيء يبعد أفعال الشر من النفس ويخمد ما يثور من النزوات الباطلة في القلب كالإغراق في محبة العلم والغوص وراء تعاليم الكتب.

وقال أيضاً: لا تطلب مشورة من الذي ليس هدفه هدفك في الفضيلة وإن كان متعلماً, فالبسيط الخبير في الأمور أصدق من المتعلم الذي يخوض بحوثاً هو عديم الخبرة فيها.

 

 

الفصل الخامس

الشروط التي يجب أن يتقيد بها طالب العلم

هناك ثمانية شروط يجب أن يتقيد بها طالب العلم هي:

الأول : أن يطهر نفسه مسبقاً لأن الحكمة لا تسكن نفساً مزقتها الشرور.

الثاني : أن يقطع صلته من المشاغل الدنيوية والتفكير بالأهل والأقارب,لأنه على حد قول مار أسحق: كلما تحرر الفكر من المشاغل كلما تنقى, وكلما تنقى كلما شغف بحب العلم, وكلما شغف تسامى عن الميول الدنيوية المرهفة وتعلم أن يرى الله كما هو لا  كما يراه الآخرين, وإن لم يصب نعمة الوحي فلا يعرف ذلك.

الثالث : ألا يتعجرف ولا يتعالى على معلمه أو يبحث عن نقائصه: ويطيع الأب أوغريس القائل: إذا أرشدك أحد إلى الفضائل فلا تكن حاكماً على أعماله بل كن مدركاً لتعاليمه وأقواله, ففي نفوسنا عادة سيئة أن نفكر بأعمال مرشدينا لكي ييأسوا من فوائد إرشادهم.

الرابع : ما زال المتعلم مبتدئاً، لا يميلن إلى المحاكمة والنقاش العقيم, بل ليتعلم أولاً بدقة ما يجب أن يتعلمه, لأن محب النقاش الفارغ والاعتراض السقيم لا يتحرر من اضطراب الفكر وتشوشه, ولا يتوصل إلى هدوء الفكر ونقائه.

الخامس : يجب على الطالب أن يضطلع بجميع العلوم ويعرف أهدافها, ثم يتضلع بما هو ضروري وواضح وما كانت فوائده دائمة فذلك هو الضروري, أي العلم الذي يجمل النفس نظرياً وعملياً.

السادس : بما أن الحياة قصيرة لا تكفي لتلقي جميع العلوم, لذا يجب على المتعلم المبتدئ أن يهتم أولاً بخلاص نفسه, ثم يختار من كل علم ما هو النافع له, ويتعمق في العلم الدقيق, علم تطهير الضمير الذي غايته رؤية الله.

السابع : أن يعرف الطالب إن علماً يُفضل على علماً, إما بقوة حججه, أو بغزارة فوائده, مثال ذلك إذا قيست المحاسبة بالطب فأن حجج المحاسبة أكثر قوة إلا أن فوائد الطب أعظم, ولذلك فضل الطب بفوائده وفضلت المحاسبة بحججها, وبما أن الحجة تورد للفائدة, وكل فائدة علمية فائقة هي أكثر منفعة, أي العلم الذي يحيي النفس.

الثامن : يجب أن يكون هدف طالب العلم المبتدئ أولاً تجميل نفسه بالفضيلة, وأخيراً التعلق بالله وملائكته ونفوس الكاملين الطاهرة.

 

 

 

الفصل السادس

كلام الآباء في أن المعلم يجب أن يعلم بالعمل

قال الأب فومان: علم قلبك أن يحفظ ما يقوله لسانك. وقال أيضاً الأب سيريون: إذا أردت أن تفيد تلميذك اسحق فعلمه بالعمل لا بالقول لأن العمل يرسخ فيه فيتعلم.

وقال شيخ آخر: الإنسان إذا علم ولم يعمل يشبه جرناً قذراً مليئاً بماء مطهر, فيطهر الآخرين ولا يمكن تطهير ذاته.

وقال الأب أوغريس: إن الذين يتعلمون منك, يدعونك دائماً (معلمي تقدم إلى الأعلى) فالأجدر بك إذا ارتفعت بعلمك أن تتواضع لسامعيك. وقال أيضاً: إن علمك تعززه أعمالك, فالأعمال أفضل من الكلام.

 

الفصل السابع

الشروط التي يجب أن يتقيد بها المعلم

للإنسان في علمه كالإنسان في غناه أربع مراحل, يتاجر أولاً ثم يدخر, ثم يكفي حاجاته ثم حاجات قريبه, ويعظم قدره في المرحلة الأخيرة ويدعى كريماً, وهكذا في العلم فأن المرحلة الأخيرة هي الأفضل والأسمى, ولذلك يشبه الإنسان الشمس الساطعة تضيء للآخرين, وكما أن لطالب العلم ثمانية شروط, كذلك للمعلم أيضاً وهي:

الأول : أن يكون مثقفاً, ويعتبر تلاميذه كأولاده, لأن الأب الروحي هو سبب الحياة الباقية والأب الطبيعي علة الحياة الفانية, فالعلم إذاً, أعظم فضلاً.

الثاني : ألا يطلب أجرة ولا يلتمس مكافأة دنيوية على حد قول الأب أوغريس: أنظر إلى نفسك وأحذر أن تعمل في سبيل فائدة مادية أكثر من عملك في سبيل التعليم نفسه, فتفصل من الدائرة الإلهية كما فُصل الذي كان يبيع الحمام في الهيكل.

الثالث : أن يسعف تلاميذه دائماً بإرشادات بنّاءة ويثبت في قلوبهم كون العلوم إنما تطلب لتنمية فضائل النفس وليس لكي يدعى أستاذاً ومعلماً, فالأغراس التي تسقى ماءً مالحاً تجف عاجلا ًولا يمكنها أن تأتي بثمرٍ ما لم تشرب ماء السماء النقي.

الرابع : أن ينصح تلميذه بهدوء وإن أساء لا يوبخه بعنف مواجهه وصراحة بل بالإشارة, أي يلقي تبعة الإساءة إلى شخص مجهول, أو يتكلم مع نفسه كيف كان صبياً غريراً, أو يهاجم الإساءة ذاتها ببساطة فيقول: ما أحقر الكذب, وما أبشع الشتم, إذا كان التلميذ قد كذب أو شتم, فإن التوبيخ الغاضب قد يمزق قانون الوقار أو يحمل الموبخ على التمرد.

الخامس : إذا علم أحد العلوم لا يحتقرن بقية العلوم, كمن يعلم قراءة الكتب المقدسة ويحتقر الموسيقى الكنسية, فيقول مثلاً: لا يمكن أن يرضي الإنسان الله باللحن.

السادس : أن يمرن كل تلميذ هو بحاجة إليه ويفيده على حد قول الأب أوغريس: لا يجب أن نلقي عذب الكلام للغارقين في الأهواء, بل نعلمهم أن يثوروا على أعدائهم (أهوائهم) فالغارقون في الأهواء الباحثون في الأمور التافهة يشبهون المرضى الذين يريدون أن يأكلوا طعام الأصحاء. قال أيضاً: أطلب إلى الشيوخ أن يضبطوا غيظهم, وإلى الشبان أن يتغلبوا على أهوائهم, فالشيوخ تحاربهم أهواء النفس, والشبان تهاجمهم أهواء الجسد.

السابع : إذا أراد ترويض المبتدئ بسؤال ما لا يقول له: إن وراء هذا الكلام فكرٌ أكثر عمقاً ودقة ولا يمكنك الآن التوصل إلى ذلك. وإن اضطر أن يتنصل عن الجواب في بعض الأمور الغامضة فلا يأبهن أن يقول: لا أعلم. لأن كلمة (لا أعلم) لا يعتبرها الفلاسفة عدم المعرفة بل نصف المعرفة, فقد قال الأب أوغريس: يجب أحياناً أن نقول (لا نعرف) لأجل السامعين الذين لا قدرة لهم أن يفهموا وحينئذ يمكننا القول: أننا لم نزل بشراً ولا نعلم علم الحقائق الروحية.

الثامن : أن يُظهر في شخصه براهين تعليمه وأن كانت أعماله وبالاً على أقواله كالعصا والظل, هكذا المعلم والتلميذ, إذ كيف يستقيم الظل, والعصا ملتوية؟

 

الفصل الثامن

ميزات المعلم الصالح

كل من يعرف ويعلم كيف يرضي الإنسان الله يدعى بحق معلماً صالحاً, في فن تطهير الضمير, وما دام هو ذاته لا يتقي الله بأعماله لا يدعى صالحاً, وللمعلم الصالح ثماني ميزات:

الأولى : ألا يطلب بواسطة العلم مجداً دنيوياً, على حد التعبير الأب أوغريس: إذا رغب أحد أن يرشد البسطاء من علم يعرفه, فليحذر أن يميل إلى المجد البشري فيكون علمه وبالاً عليه, فإذا شعر بنفسه أن الكبرياء تهاجمه ليدنُ من (يثرون) ويتأمل نصائحه للنبي موسى.

الثانية : ألا يستغرق في النعيم والهوى, فيفرط في البذخ أكلاً وشرباً وكسوة وبيوتاً وأثاثاً, وليستعمل الضروري منها فقط, وبقدر الإمكان يميل الإقلال منها.

الثالثة : ألا يفرط في زيارة الحكام والزعماء, وإن أكثر من زيارتهم فليحذر من معاشرتهم لأن معظمهم ظالمون على حد تعبير الأب فومان: لا تتعرف على حاكم لئلا تتخلق بخلقه, بالإصغاء إلى كلامه.

الرابعة : ألا يتسرع في الجواب إذا سئل, بل إذا كان متأكداً من المعرفة فليجب بهدوء, وألا يقول: لا أعرف, لأنه على حد تعبير الأب أوغريس تكفيه معرفة بعض الأمور, فإذا أفلتت منه معرفة موضوع ما, فلا ييأس من ذلك, لأن الملاك فقط لا تفلت منه أحدى المعارف الروحية.

الخامسة : أن يتتبع غوامض تطهير الضمير أكثر من تتبعه ظواهر المعارف الكتابية وتفاسيرها, لأن هذا العالم يُنال بالرياضة الروحية وليس بالقراءة, إن العارفين علمتهم الخبرة الطويلة على حد تعبير القديس باسيليوس: أن المعرفة التي ننالها من البشر تتوسع بالتتبع المستمر والدرس المتواصل وأما المعرفة التي ننالها من النعمة الإلهية فالبر يصونها والتقوى تعززها, والأولى يمكن أن ينالها الذين هم في قبضة الأهواء, وأما الثانية فلا ينالها إلا المتسامون عن الأهواء, فإنهم في لحظات الصلاة يبصرون أشعة نور عقولهم تسطع متألقة فيهم.

السادسة : أن يكون كل هدفه تثبيت الإيمان في نفوس الطلاب, لأن أعمال الناموس وحدها لا تكفي لشفاء النفس شفاءً تاماً, ما لم يرسخ فيها الإيمان الحق.

السابعة : أن يتصور غمرات النار المظلمة في أعماق الأرض, والهبوط إلى الهوى السحيقة, ولذلك ليخشع متهيباً, وليحزن متألماً, ولتبك عيناه دماً, وليكن خداه مصغرين شحوباً, متصوراً الدينونة الرهيبة, الخالية من رحمة الله, كما فعل الآباء الذين اجتمعوا حول الأب أوغريس وقت انتقاله إذ شرع الشيخ يقول لهم: لنبكِ يا أخوتي قبل أن نذهب إلى حيث تحرق أجسادنا دموع مآقينا, فبكى الجميع وسقطوا على وجوههم وقالوا: يا أبانا صلِ من أجلنا.

الثامنة : أن يميز ما يضر قبل تمييزه ما يفيد, فيعلم لا ماذا يفعل بل ماذا لا يفعل, لأن المرض أن لم يذلل فلن تأتي العافية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني

النصح والتوبيخ

وفيه خمس فصول

 

 

 

الفصل الأول

لا حق للنساك أن يوبخوا بل للمدبرين

إن إصلاح الآخرين هو عمل الرؤساء والمدبرين المرسلين من الله للتبشير, الأنبياء والرسل والأساقفة والكهنة والشمامسة, وهذا ثابت من كونهم إذا أهملوا التوبيخ بداعي الخوف والحياء فهم ينالون عقاباً من الله, ويكفي لذلك برهاناً عدم التوبيخ إشعيا لعوزيا, فاحتجبت عنه النبوة, أما النساك فيجب أن يهتموا بأنفسهم فقط, وقد علمنا الإنجيل المقدس بقوله: (إذا أخطأ إليك أخوك فوبخه بينك وبينه, أو أمام شاهد أو شاهدين أو أمام البيعة) ولم يقل كل من يخطئ، والقديس بولس أوجب النصح والتوبيخ على الرئيس، أما العلماني فقال له: وأنت من أنت حتى تدين عبداً ليس لك؟ وبعض النساك إذ سمعوا القديس باسيليوس يقول: من شعر أن رجلاً اخطأ ولم يطلب إليه الامتناع عن ذلك، ويحمله على التوبة يُمنع من الخدمة أسبوعين.

وإن سمعوا معلماً آخر يقول: (الساكت عن الحق يدفن في الأرض ذهباً) أقول: إذا سمعوا ذلك يضطربون إلى نصح المسيء ولكن بهدوء وتواضع، مرة واحدة فقط. وبعضهم لا يلجئون إلى ذلك مطلقاً كما نستدل من كلامهم، وخاصة القول: إن الناصح أو الموبخ يغار غيرة الرب الإله إذا رأى محالفة للناموس وليس ذلك من أجل ذاته إذا شتم على حد قول القديس أفرام في إيليا النبي: كم كان غيوراً في سبيل الله، كم كان متواضعاً في سبيل نفسه، فدفاعاً عما لحق إلهه من إهانة أنزل ناراً من السماء، أما بشان الإهانة التي لحقته فقد طلب الموت لنفسه.

 

الفصل الثاني

كلام الآباء في الامتناع عن التوبيخ

قال بعض الشيوخ للأب فومان: أتأمر أن ننبه بعض الإخوة الذين ينعسون أثناء الاجتماعات الروحية لكي يستيقظوا؟ قال إذا رأيت أخاً ناعساً أضع رأسه على ركبتي وأريحه. قالوا: وماذا تقول أمام الله؟ قال: أقول له أنك قلت أخرج أولاً السارية من عينك وحينئذ تبصر أن تخرج القذى من عين أخيك. وقال أيضاً: لا يوجد ناسك يلوم  أحداُ في شيء، ولا يوجد ناسك غضوباً. وقال أيضاً: أمن الضروري أن يبني الإنسان بيت غيره وبيته متهدم؟.

والأب أغاثون عندما كان يرى أمراً يريد لومه كان يقول لنفسه: يا أغاثون لا تفعل كذا وكذا، وهكذا كان يريح ضميره ويسكت.

وقال أحد الشيوخ: إن غيرة الناسك لله يجب أن تكون بتواضع ووداعة، وأما ذو السلطان فيجب أن يفعل ذلك بحرارة وشدة.

ورأى الأب مقاريس رجلاً يرتكب كبيرة، فلم يوبخه، وقال: إذا كان الله الذي خلقه يطيل عليه أناته فمن أنا حتى أوبخه؟

وقال يوحنا أبو الدوالي: إذا كان من يخطئ زميلنا ولا بد من نصحه فليرشدنه بدون توبيخ، فإن سمع منا فذلك أمر جميل وإلا نهرب منه لئلا يبعدنا عن الله.

وقال مار اسحق: احذر أن تبتلي بداء إصلاح الآخرين وأنت لست رئيساً أو مدبراً، بل أحد المرؤوسين، فخير لك أن تتعرض للخطيئة من أن تذكر زلة أحد في وجهه، أو تشير بذلك أمام أحد، وحتى إن سئلت عن شخص تعرف ضعفه معرفة أكيدة، قل: إني لا أشعر بهذا، فلم تكن لي فسحة بسبب ضعفاتي أن أحفظ ضعفات الآخرين.

وقال آخر: إن من لا يفهم من كلمة واحدة فلا تكثر عليه الإلحاح، فإنه خير لك أن تكون طويل الأناة من أن تنصب نفسك مصلحاً. وإذا كان تلميذك أو أجيرك فأنصح مرة واحدة فإن لم ينتصح أبعده عنك، وإن كان صديقك فأبتعد عنه، وخاصة إذا كان يلومه كثيرون من الصلحاء، وكان يعلم بنقائصه ولم يصلحها.

 

الفصل الثالث

عناصر التوبيخ

يتألف التوبيخ من أربعة عناصر:

الأول: الموبِخ. الثاني: الموبَخ. الثالث: المادة التي عليه يكون التوبيخ. الرابع: نوع التوبيخ.

  • الأول : الموبخ أو (المؤنب) يجب أن يكون رئيساً باراً مؤمناً, والرئيس إما رئيس كهنة أو كاهن, أو شماس, ذلك لأن التوبيخ أمر, والأمر يقع من الأكبر إلى الأصغر. وقيل (مؤمناً) لأن التوبيخ تأييد الإيمان, وكيف يؤيد الإيمان من ليس مؤمناً..؟ وقيل (باراً) لأن من كان ذا نقيصة يُلام عليها كيف يمكنه لوم الآخرين..؟ فيقال له أيها الطبيب أشف نفسك. وهكذا لا يُقبل كلامه.
  • الثاني : الموَّبخ (أو المؤنًّب) يجب أن يكون إنساناً ذا شعور وإن كان طفلاً أو مضطرباً, لأن الطفل والمعتوه أيضاً يوبخان.
  • الثالث : المادة التي عليها يكون التوبيخ، (المعصية) وهي كل عمل يظهر في الحاضر مخالفاً للشريعة. وقيل مخالفاً للشريعة, لأن السرياني مثلاً إذا حل صومه مساء الجمعة واليوناني صباح السبت, يعرف كل منهما أنه لم يخطئ لأنه هكذا تسلم من معلمي كنيسته وآبائها, ولذلك لا ينبغي أن يوبخ أحدهما الآخر, وقيل (معصية ظاهرة) لأن الخفية لا يعرفها إلا الله فاحص القلوب. وقيل (في الحاضر) لأن الذي يحاول أن يخطئ يمكن أن يندم على ذلك قبل القيام بالفعل, ويحجم عن إتيانه, ولذلك لا يجب أن يوبخ أو يؤنب بل أن يرشد فقط.
  • الرابع : نوع التوبيخ, وهو سبع مراحل :

الأولى : يكون التوبيخ بعد معرفة المعصية معرفة حقيقية, فقد قال الأب فومان: إنه مكتوب أن قل ما رأت عيناك, وأما أنا فأقول لكم: أن لم تلمسوا بأيديكم لا توبخوا, لأن أحد الإخوة أظهر له الشيطان أن أحد إخوانه يرتكب خطيئة, وظن الأمر حقيقياً, فتقدمه وضربه برجله وقال: كفى كفى إلى متى..؟ وحالاً ظهر له أن الذي رفسه لم يكن إلا كيساً للحنطة.

الثانية : ألا يدقق في الخطيئة التي ترتكب خفية, إلا إذا كان مرتكبها يتظاهر بها متبجحاً, وحينئذ يوبخه, وأما الذين لا يفرحوا بالخطيئة بل يخجلوا من إتيانها فيجب أن يستر فعلهم جهد الإمكان, كما كان يفعل الأب أوغريس, فقد كان يخفي ويستر النقائص التي يشاهدها, كأنه لا يشاهدها، والتي يسمعها وكأنه لم يسمعها وكان يقول: إذا سترنا نقائص أخينا, فأن الله يستر نقائصنا, وإذا فضحنا نقائص أخينا فأن الله يفضح نقائصنا.

الثالثة : أن يسلك طريق التعليم مع البسطاء الذين يزلّون, لأن كثيرين يزلّون لأنهم لا يعرفون, وإذا عرفوا سماجة الخطيئة فعندئذ يحجمون عنها, ومثل هؤلاء يجب أن ينصحوا بتقوى وتواضع ومحبة على حد تعبير الرسول: إذا رأيتم أحداً يخطئ فأصلحوا أنتم الروحانيون مثل هذا بروح التقوى.

الرابعة : يجب أن يسلك طريق الترهيب والتخويف من الدينونة الرهيبة مع الذين يعرفون الخطيئة ويفعلونها, ويذكرهم بالنار التي لا تطفأ, والدود الذي لا يموت وجهنم الرهيبة التي تنتظر الخطاة لكي تحرقهم بدون رحمة.

الخامسة : أن يسلك طريق التهديد مع الذين لم يفد معهم النصح, وأن لم يرجعوا عن طريق الشر يرذلون عن الإيمان ويكونون غرباء عن حقوق المؤمنين.

السادسة : أن يسلك طريق التهديد الصارم والـتأنيب الشديد والمنع من شركة المؤمنين مع الذين لم يؤثر فيهم التهديد العادي. فالرسول يأمرنا بقوله: إن كان أحد لا يطيع قولنا بالرسالة فاعزلوه ولا تخالطوه, حتى يخجل, وإذا ظهر أن الموبّخ سيبلغ به الأمر إلى اليأس يجب أن يكون التوبيخ ممزوجاً بالمحبة كما أمر الرسول نفسه أهل كورنثوس بشأن الرجل الذي أخطأ في مدينتهم قال: عاملوه بمحبة أكيدة لئلا يقضي بحزن شديد.

السابعة : أن يلجأ رئيس الكهنة أو الكاهن إلى الحكام المدنيين ليعاقبوا من لم يرتد عن إثمه حتى بعد إبعاده ورذله فيحدوا من جماح شره بالعقوبات القانونية, أما هو فلا يمارس العقاب وما إليه, فقد أوصاه الرسول ألا تكن يده مسرعة للضرب, وقال أيضاً أحد الفضلاء: وبخ, عظ, أرشد, لا تضرب إذا استوجب الضرب, وخاصة بواسطة الآخرين, فلا تفعل كما فعل فنحاس الذي لم يستطع كبح غيظه تجاه الخطيئة فقد قتل بيديه فأن الأمور العتيقة قد زالت.

اعتراض: إذا كان الضرب المسيء ممنوعاً فكيف استعمل الرب ذلك في الهيكل ؟

الجواب: إن الرب ضرب الثيران والحملان بمقرعة وليس الباعة العقلاء, وذلك ثابت من قوله لباعة الحمام: أرفعوا هذا من هنا ولا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة, صحيح أن الحمام لا يضرب بالمقارع ولكن بقية الحيوانات تضرب بها, أما البشر فقد سلك معهم طريق النصح والتوبيخ.

 

الفصل الرابع

الأعمال التي يجب أن يُمنع فاعلوها من فعلها

تنحصر هذه الأعمال في خمسة أنواع يقدُم البشر على فعلها ويجب أن يُمنعوا عن ذلك, وهي:

الأول : أنواع الخطايا التي ترتكب في الكنيسة وتشمل: إنشاد المداريش المجهولة والأناشيد الصعبة, وتنوع الألحان المنحرفة التي يقوم بها بعض المتبجحين لإطالة الصلوات وتخجيل بعض زملاؤهم الضعفاء. والأحاديث الدنيوية التي قد تدور أثناء الصلاة والعبادة والقداس, والمباهاة الفارغة التي يتظاهر بها بعض خدام المذبح بالحلل المذهبة والمقصبة الفاخرة التي قدمها المؤمنون إكراماً لبيت الله, والتماثيل التي تنحت للقديسين على طريقة الأصنام التي يعبدها الوثنيون, وتعليم الوعاظ الذين يمزجون المواضيع الكنسية بأقاصيص هزلية ويخلطون العبارات الدينية بالأمثال الدنيوية الرخيصة, فينالون المديح الفارغ من الأميين البسطاء أو ينظمون أسواقاً في الكنيسة يوم الأعياد الحافلة فيملؤنها بالأطايب ويتقدم إليها الكبار والصغار, بشراهة, وليس ذلك فقط بل يضعون موائد للصيارفة في الكنيسة الأمر الذي شجبه الرب فيجعلون بيت الله مغارة للصوص.

الثاني : الخطايا التي ترتكب في المتجر: الكذب في أسعار السلع وإخفاء عيوب البضاعة والغش في المكاييل والموازين, فيشترون بمكيال أو ميزان كبير ويبيعون بالصغير وبيع آلات الطرب على أنواعها وعرض التماثيل الفاحشة بأحذيتها المغرية وثيابها المثيرة.

الثالث : الخطايا المرتكبة في الشوارع: أقامة المقامر على السبل ورفع العواميد لربط البهائم, وإطلاق الكلاب الكَلِبة على قارعات الطرق, وتحميل الأحمال الثقيلة للبهائم تفوق طاقتها, وإلقاء كناسات حوانيت الجزارين على أبواب الجيران أو الطرق المسلوكة فيحيلونها إلى مزابل.

الرابع : الخطايا المرتكبة في الحمامات العامة: إظهار الأجسام العارية وعرضها للناظرين وإلقاء الأقذار فيها لإيذاء الآخرين.

الخامس : الخطايا المرتكبة في الولائم: الإدمان على الخمرة والسكر الشديد والعربدة, وعقد حلقات الرقص الفاحش والشراهة في الطعام وغيره.

 

الفصل الخامس

نصح الملوك والسلاطين

من أنواع التوبيخ المشار إليها آنفاً يحق للرئيس الديني الكبير أن يستعمل نوعين للحكام والسلاطين, وهما: التعليم والإرشاد, فيخيفهم من الدينونة وعقاب الله الصارم, ويمكن أحياناً إذا احتاج أن يلجأ إلى العبارات العنيفة فيقول للحاكم مثلاً: أيها الظالم, العاتي, الفتاك, يا من لا تذكر اليوم الأخير. ولكن ليلاحظ فيما إذا كان لم يؤَدِ ذلك إلى زيادة الظلم بقطعيه, فيحتمل عاقبة ذلك وحده, دون أبناءِ رعيته أو زملائه في الخدمة كما كان يقول القديس أثناسيوس للأكليروس: عندما غضب عليه الملك قسطنطين وأرسل شرطاً للقبض عليه: كان يقول: يجب أن أقاسي ذلك وحدي دون أن يمس بأذى أحدكم, وهكذا يجب أن يخوض غمار التضحية وحده حتى الدم. كما وبخ ناثان النبي داود الملك في قضية امرأة أوريا, والنبي إيليا أخاب والملكة إزابيل على قتل نابوت اليزرعيلي واغتصاب كرمه فأسمعها كلمات أكثر عنفاً وقوة من ذلك, وتوبيخ يوحنا المعمدان للملك هيرودس بشأن هيروديا امرأة أخيه, حيث قال له: لا يسوغ أن تكون لك امرأة لأنها قاتلة ومن أجلك سمّت زوجها.

والقديس يوحنا ذهبي الفم كان يهاجم أودكسيا بعنف وشدة وكان يقول لها إذا هددته: أن هيروديا تتمايل وترقص من جديد طالبة رأس يوحنا على طبق أيضاً.

وأمثال ذلك كثيرة كان يقوم بها الأبرار الأولون في عصورهم مع ملوكهم, وأما الآن فقد لُجمت ألسنة الرؤساء بمحبة المال والمجد الباطل, فانقلب المعلمون إلى عيي اللسان ليست لهم قوة يتكلمون بها أمام الملوك لكبح جماح مظالمهم والحد من غنائهم توبيخاً وتأديباً على حد قول القديس أفرام: أن المغتصب رفع رأسه والثلاب تمادى في غيبه. وهذه هي رغبة الذئاب أن ينام الرعاة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

الإيمان

وفيه تسعة فصول

آيات الكتاب في فضيلة الإيمان

 

 

الفصل الأول

  • من آمن بي فلا يدان (يوحنا 3: 18)
  • لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 15)
  • إن من يسمع كلامي ويؤمن بمن أرسلني له الحياة الأبدية ولا يصير إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة ( يوحنا5: 24)
  • إذا لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم (يوحنا8: 24)
  • ومع ذلك لعلمنا بأن الإنسان لا يبرر بأعمال الناموس بل إنما بالإيمان بيسوع المسيح (غل2: 16)

 

الفصل الثاني

تحديد الإيمان

حدد القديس بولس الإيمان بقوله: أما الإيمان فهو الثقة بما يرجى كأنه معلن فعلاً واجتلاء أمور لا تُرى ( عبرانيين11: 1). وهذا التحديد علم ينطبق على الإيمان مهما كان, وهذا يؤيده إيمان كل إنسان, من أية ديانة, إذ يؤمن بأمور لا ترى ويتمسك به كأنه واقع بالفعل. والأب أوغريس لما أراد أن يدلل على كون المسيحية نلناها من المخلص المسيح قال: إن المسيحية هي تعليم المسيح محيينا, المؤلف من عمل الفضيلة ومعرفة الطبيعة والإيمان الحقيقي الواجب نحو الله. أما أنا فأقول: إن الإيمان هو التسليم لتعاليم الإنجيل, التسليم الذي يكمل باعتراف اللسان وحفظ الوصايا. وقيل باعتراف اللسان, لأن رب الحق قال: من أعترف بي أمام الناس أعترف به أمام أبي الذي في السموات وأمام الملائكة. وقيل أيضاً بحفظ الوصايا, على حد تعبير القديس يعقوب: الإيمان بدون أعمال ميت. وقال الأب أوغريس: إن لم تحفظ وصايا الرب فلا تعتبر نفسك مؤمناً. وقال أيضاً: إن الأعمال الصالحة وليدة حفظ الوصايا, فالأعمال الصالحة هي خشية الله وحفظ الوصايا هو الإيمان.

 

 

الفصل الثالث

الإيمان ثلاثة أنواع

بما أن جميع المسيحيين يؤمنون إيمان الآباء الثلاثمئة والثمانية عشر (آباء مجمع نيقية سنة 325) فالعارفون الحريصون على خلاص نفوسهم إياه يعتنقون, ويهملون ما زاد على ذلك من الخلافات والأهواء المنحرفة, ولأهداف الإيمان هذه ثلاثة أركان :

الأول: الإيمان بالله. الثاني: الإيمان بتجسد الكلمة. الثالث: الإيمان بالحياة الجديدة.

الركن الأول : أن يؤمن الإنسان بأن الله موحد الذات مثلث الأقانيم, الآب الضابط الكل خالق السماء والأرض, وما يُرى وما لا يُرى, والابن الوحيد المولود وغير المخلوق والمساوي للآب بالجوهر الذي به كان كل شيء. والروح القدس الرب المحيي الكل المنبثق من الآب ومع الآب والابن يسجد له ويمجد.

الركن الثاني : أن يؤمن أن الابن ولد من الأب قبل كل الدهور, من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وصار إنساناً وصلب من أجلنا في أيام بيلاطس البنطي وتألم ومات ودفن وقام بعد ثلاثة أيام كما أراد, وصعد إلى السماء وجلس من جانب الله الآب الأيمن.

الركن الثالث : إن الابن كلمة الآب سيأتي في نهاية الأزمان ممجداً على سحب السماء بعين الجسد المتخذ من طبعنا, وجميع ملائكته القديسين معه, ويجلس على عرش مجده, ويرسل ملائكته مع البوق العظيم ليسمع جميع من في القبور صوته ويقوم الأشرار إلى العذاب الأبدي والأبرار إلى النعيم والحياة الخالدة.

 

الفصل الرابع

كيف يثبت هذا الإيمان في القلب      يمان الحقيقي الواجب نجو اللهلعلهللهللل

يثبت الإيمان في القلب بواسطة التربية منذ الطفولة, لاهجاً في هذه الشرعة التي يعتنقها جميع أبناء المعمودية اليوم, ثم ينتقل إلى القراءة بدءاً من المزامير ثم الإنجيل المقدس, ثم أعمال الرسل القديسين فرسائل القديس بولس, متأملاً في التعاليم الإلهية الكامنة فيها, ثم يدرس بعض كتب الآباء وقصص القديسين, ويمرن نفسه على الألفاظ الروحية المرددة في خدمة القداس الإلهي, وهكذا يغرس في نفسه شجرة الإيمان فتمتلئ منها ساحة قلبه, وتظلل أعضاءه ظلالها الوارفة وأوراقها المليئة بأسرار الله, فتتسامى الأفكار السليمة المنبثقة عنها, وترسل أغصانها إلى بحر العالم, وأفنانها إلى جميع الأنهار, وهي الأمم والشعوب, قال أحد الفضلاء في الإيمان: لستُ أعني بالإيمان الأساس العام للبشر, بل القوة الجبارة التي تنعش القلب وتضيء الضمير بألق من الضياء وفي شهادة الضمير التي تضرم في النفس محبة الله ويكون ذلك إذا ما غرست كرمة الإيمان بيد الرب وسقتها الأمطار والأنداء من السماء. فإن لم تحرسها العناية, يمطرها إبليس بوابل من سهامه فتتأرجح بين الريب والشكوك وتصبح عرضة للصوص والتفكير والتدقيق والبحث والتحقيق, فلا تجد راحة بالبراهين العقلية والشهادات الكتابية.

الفصل الخامس

الدفاع الجدلي عن الإيمان

إننا نجد رأيين متضادين في الدفاع عن الإيمان, منهم من منع منعاً باتاً الجدل في أمور الإيمان, وهم النساك والآباء والرهبان المتوحدون, ويقولون: يجب أن نبحث في أنواع الفضائل وخشية الله وليس في أمور علمية مولدة للجدل العقيم, فقد قيل عن الأب فومان أن زاروه ناسك فاضل من مكان بعيد ولما سأله في الروحيات والسماويات ألتفت إلى الوراء وقال: إنني من الأرض, وأتكلم في الأمور الأرضية, وعندما سأله عن أهواء النفس فرح الشيخ وقال: الآن حسناً فعلت فافتح فمك فأملأه بالأطياب.

والبعض منهم مارسوا ذلك ولكن نادراً, وهم الملافنة الإثبات وأساطين البيعة المقدسة, وهم يرون, أن الجدل وإن أثار بعض الخصومات إلا أنه بمثابة طبيب حاذق فإنه يستعمل أحياناً أدوية قاسية ضارية في سبيل الفائدة الكامنة فيها, وذلك عند الضرورة, وهكذا نحن يجب أن نمارس الحوار إذا ما دعت الضرورة على حد تعبير القديس الثاولوغوس: لا تطيب للمؤمنين المماحكات الكلامية وأذاها, ولكن يكفي أن نمارسها ولو مرة واحدة عند الضرورة, مثل الأدوية بالنسبة إلى الأمراض لكي يعلم الخصوم أنهم ليسوا حكماء في كل شيء وليس دائماً يغلبون, وخاصة فيما يخص تعاليم الإنجيل. ويقولون أيضاً: كيف يعاب الجدل وقد مارسه الرب بنفسه؟ فقد سأله اليهود, هل يحل له أن يشفي يوم السبت.؟ لكي يشجبوه, وقد أبكمهم, تمجد اسمه, بقول جامع مانع (أن الإنسان أفضل من الشاة) التي إذا سقطت في الحفرة يجب أن تُنشل, وعليه يجب أن يشفى الإنسان المعذب في السبوت, إذا وضع العذاب بمثابة الحفرة والشفاء بمثابة الانتشال, وهكذا أيضاً أبكمهم عندما سألوه بأي سلطان تفعل هذا.؟ بسؤال عسير فقال: (معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس.؟) وبذلك كال لهم صاعاً بصاع, ثم هاجمهم بسؤاله الشهير, (إن المسيح هو ابن داود, فإذا كان إنساناً بسيطاً (كما يعتقد كتبتكم) كيف دعاه داود ربه).؟ وكذلك بولس مهندس البيعة حاور كثيراً في أثينا الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين واليهود الناطقين باليونانية.

 

الفصل السادس

لا يجب أن نتوقف عند المعنى الحرفي لكل آية كتابية

إن حكمة الله تنطق أحياناً بالألغاز وتظهر رغبتها بالأمثال والحجى, ولذلك يجب التأمل لا بحرفية الآية بل بالمعنى الخفي البعيد الكامن وراءها, طبقاً لما يأتي:

الشكل الأول : عندما يكون الموصوف بعيد المنال متسامياً عن العقل, ولا يمكن وصفه بكلمات بشرية عادية, فإما أن يعلن ببساطة وصراحة وإما لا يعبر عنه مطلقاً, والنوع الأول: كما عبر عن لوحي الشريعة إنهما كتبا بأصابع الله, وأنهم أبصروا إله إسرائيل, وتحت قدميه موطئ العقيق, وظهر أيضاً شبه شيخ عتيق الأيام لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي. والنوع الثاني: كما عبر عن النعم المحفوظة للصالحين: ما لم تراه عين ولم تسمع به أذن, ولم يخطر على قلب بشر.

الشكل الثاني : إذا كان الموصوف قريب المنال إلا أن الحديث عنه ضار للسامعين, فإما ألا يوضح مطلقاً, وإما يفسر بطريقة مبطنة. والنوع الأول: مثل السؤال عن زمن نهاية العالم, إذ عندما سأل التلاميذ الرب في هذه النقطة فقال: لم يعط لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي حددها الأب بسلطانه المطلق. والنوع الثاني: كقوله لهم, إن في نهاية العالم يشك كثيرون ويسلمون بعضهم بعضاً, وتبرد المحبة في الكثيرين.

الشكل الثالث : إذا كان المعنى قريب المنال وليس ضاراً, ولكن مدحاً للمعنى أو ذماً له, يجاب بما يفوقه جلالاً أو يكون أقل منه قيمة. الأول: طبقاً لقول الكتاب: (الجداول والأنهار تبهج مدينة ألهنا) و (رقصت الجبال كالأيل والآكام مثل صغار الغنم) و (مياه الحياة تجري من أورشليم , نصفها إلى البحر الشرقي ونصفها إلى البحر الغربي) المذكورة في نبوة زكريا. والثاني كما قال حزقيال عن الابنة: (أبوها أموري وأمها حثية, ولم تقطع صرتها).

الشكل الرابع: إذا كان المعنى قريب المنال غير ضار, لا رفيعاً ولا تافهاً, فيؤدى بطريقة رمزية, إما إظهاراً لعناصره وإما اختباراً للسامعين. والأول: كما قيل في الأسد إن له جناحين كالنسر, والدب في فمه ثلاث أضلع, وما إلى ذلك, وقد عبر دانيال بذلك عن الممالك المختلفة. والثاني: مثل أحجية شمشون (من الآكل خرج أكل, ومن المر شهد).

الشكل الخامس : إذا كان مجرداً كلياً من العناصر المشار إليها, ولكن يمكن أن يلقي بصوره مبطنة لأن السامعين لا يستحقوا سماعه, كما قال الرب (لأجل ذلك أكلمهم بأمثال لأنهم ينظرون ولا يبصروا, ويسمعون ولا يفهموا ولا يعوا).

 

الفصل السابع

الآيات التي يجب أن نسلم بها كما هي والآيات المفسرة

يؤخذ من الفصل السابق أن بعض الآيات أن لم تفسر لا يمكن أن تقرر, وعليه أن الأولين لهم ثلاثة آراء في ذلك:

الأول : أن بعض اليهود وغيرهم لا يفهموا بعض الآيات الكتابية إلا بطريقة مادية حتى أنهم يحسبون أحياناً أن الله جسم مركب, وهو خالق الكائنات المركبة وغير المركبة, لأنهم يجدون في كتب الأنبياء أن لله عيوناً وآذاناً ويدين وقدمين .

الثاني : أن بعض المفسرين الكنسيين يفسرون نصوص الكتاب المقدس تفسيراً رمزياً وروحياً فقط, مثل تفاسيرهم في فرعون ومركباته وغرقها, وعماليق والأردن وأرض الميعاد. والأب أوغريس شجبهم بقوله: لا تفسر تفسيراً روحياً جميع الآيات التي ليست أمثالاً أو أحجية, إلا بما يزيد في فائدة الآية, فإذا تكلمت مثلاً في سفينة يونان تضطر أن تأخذ كل كبيرة وصغيرة في السفينة بمعنى روحي, فأنك في ذلك ليس فقط لا تعود بفائدة لسامعيك بل سيضحكون منك.

الثالث : ومن شأن الملافنة الثقات الذين يفسرون جميع الآيات والمواضيع تفسيراً حرفياً, أو جميعها يفسرونها تفسيراً روحياً, بل يَزِنون جميع الآيات بميزان العقل ويفسرون الآية التي لا معنى حرفي لها تفسيراً روحياً, كأصبع الله وعينيه وأذنيه ورجليه وغيرها, الأمور التي أطلقت على الله كتعبير رمزي وبعض المفسرين يفسرون حتى الفردوس والعذاب تفسيراً روحياً, كما فسر القديس غريغوريوس اللاهوتي شجرة المعرفة, وأعلن أن الشجرة كانت خيالية فقط, وفسر غريغوريوس النوسي النار بقوله: إذا سمعت عن النار فأفهم معنى غير هذا المعنى, إن تلك لا تنطفئ, أما هذه فأنها لأسباب كثيرة تنطفئ, وهكذا قال في الدود الذي لا يموت: إن قول الكتاب: لا يموت, يوضح أنه شيء روحي.

 

 

الفصل الثامن

فوائد الإيمان

بما أن الفوائد التي تجنى من الإيمان الحق كثيرة ومتشعبة, نذكر فقط أربعاً

منها وهي الأساسية والمهمة:

الأولى : شكر الله تعالى, لأن الإنسان إذا آمن أن الله سبب كل الكائنات وبدون معرفته لا تسقط شعرة واحدة من الرأس, يعرف أن البشر إنما هم وسطاء في تأدية الخير أو الشر إلى بعضهم البعض, فيشكر الله شكراً مستمراً على الخير والشر الذي ربما يصيبه, فيعتقد أن الخير يمنح له نعمة والشر يصيبه عدلاً وتأديباً وهكذا لا يتذمر في المصائب على حد قول النبي داود: أدباً أدبني الرب وللموت لم يسلمني.

الثانية : التوكل على الرب: لأن الذي يؤمن أن الرب يعرف حاجته ويمنحه إياها, لا يرتبك فيما يأكل غذاءً أو فيما يشرب أو فيما يلبس, بل يتوكل على الله كما تفعل الطيور التي لا تزرع ولا تحصد, ولا تخزن في الأهراء. وزنابق الحقل التي لا تتعب ولا تغزل والله يوشحها, هكذا يمنحه كل خير لأنه أفضل من جميعها كثيراً.

الثالثة : الجهاد في سبيل الخير – والحذر من الشر, لأن من يؤمن أن كلاً يجازى بحسب أعماله خيراً كانت أم شراً, لا يتقاعس عن اكتساب الخير والشر والصلاح والابتعاد عن الشر والطلاح, مثل من يعرف أن الخبز سبب للشبع فيحرص على الحصول منه قليلاً أو كثيراً, وأن السم مميت, فيحذر من قليله أو كثيره.

الرابعة : مطابقة بواطن الإنسان لظواهره – لأن الإنسان إذا آمن أن كل خفاياه ظاهرة لعين الله اليقظى, يصون ثروته الروحية كما يفعل الحكيم بصيانة ثروته من اللصوص الكامنة في طريق الملكوت, وإذا ما دخل مدينة الملك العظيم فإنه يكافؤه مكافأة ظاهرة على فضائله الخفية.

 

الفصل التاسع

عظم الإيمان وضآلته

يؤيد العقل والنقل أن الإيمان يزيد وينقص, أما العقل فيُعَرف الإيمان بحالة نفسية, وكل حالة تخضع للزيادة والنقصان, فالإيمان إذاً هذا شأنه. والإيمان أيضاً يقاس بحفظ وصايا الله والأعمال الصالحة. والأعمال أيضاً تزيد وتنقص, فالإيمان إذاً يزيد وينقص . أما النقل (الكتاب) فإنه يؤيد ذلك على حد قول الرب: (يا امرأة عظيم إيمانك) و (لِمَ شككت يا قليل الإيمان.؟) وقوله (إذا كان فيكم إيمان مثل حبة الخردل) الأمور التي تؤدي ما نحن بصدده, وعليه, فإن النعم  تعظم وتتضاءل بالنسبة إلى عظم إيماننا وضعفه.

 

الباب الرابع

التوبة

وفيه اثنا عشر فصلاً

 

الفصل الأول

كلام الآباء في فضيلة التوبة

سأل جندي أحد الآباء القديسين: هل يقبل الله توبة الخطاة.؟ قال: وهل إذا تمزقت خوذتك تطرحها حالاً.؟ قال : لا, بل أخيطها فأعود واستعملها. قال الشيخ: إذا كنت أنت تشفق على حاجتك أفلا يشفق الله على خليقته.؟

وقال شيخ آخر: أن الناسك الذي يخطئ هو كالبيت الذي يتهدم, فإن أهتم بتجديد بنائه يمكنه أن يأخذ للبناء مادة كثيرة مما تهدم, أي الأسس والحجارة والبلاط وما إلى ذلك, أي ليستعد الناسك من أعماله النسكية الأولى في الترويض النفسي والخدمة والأعمال اليدوية وليس هكذا إذا باشر البناء من جديد.

سأل أحد الإخوة الأب سوسايس: ماذا أعمل أيها الأب فقد سقطت.؟

قال الشيخ: قم, قال: قمت ثم سقطت. قال: قم أيضاً, قال: حتى متى.؟ قال الشيخ: حتى النهاية, إما بالفضائل وإما بالسقوط ففي أيهما ينتهي الإنسان فيه تتم الجولة.

قال الأب فومان: إنني أفرح برجل أخطأ وأذنب ثم تاب, أكثر من الرجل الذي لم يخطئ ولم يتب, فالأول له ضمير متواضع, أما الثاني ففي ضميره يعتبر ذاته صديقاً.

كان الأب ثيودورا يقول: الإنسان التائب غير مقيد بالناموس. وقال الأب إيليا: ماذا تستطيع أن تعمل الخطيئة والتوبة موجودة.؟ وماذا يفيد الحب حيث توجد العجرفة.

وقال مار أسحق: إن التوبة الخالية من ندامة قلبية لا تختلف عن توبة إيزابيل, ففي اللحظة التي فيها, يخشع القلب ويبتئس ويدمع, ويقول لله مع النبي داود من أعماق ضميره: إني أخطأت, أن الرب يسمع ويمحو الجريرة فلا يموت, فتفيض النفس سلاماً وابتهاجاً وعزاء .

وقال ياوني: رأيت بعض التائبين وكأنهم فقدوا رشدهم وشردوا عقولهم ألماً وحسرة وأسفاً. يائسين من الحصول على المغفرة, ورأيت آخرين جالسين بكل هدوء وتعقل, مطرقين إلى الأرض راحوا يهزون رؤوسهم ويئنون من أعماقهم كالسباع الزائرة, وآخرين يقرعون صدورهم فتسيل منها الدماء وهم يطلبون إلى مرشديهم أن يكبلوا أيديهم ويغللوا أعناقهم ويقيدوا أرجلهم بقيود من حديد, إلى أن يواروا القبر وليس كالقبور.

 

الفصل الثاني

تحديد التوبة

التوبة عاطفة عاقلة تهدف إلى تبديل الشر بالخير, ولهذه العاطفة ثلاثة عناصر تبرزها إلى الوجود هي: المعرفة, والإرادة, والعمل.

فالمعرفة هي إدراك بشاعة الخطيئة التي تفصل الإنسان عن الله, وهذه المعرفة تفجر في الإنسان إرادة تعمل لتبديل الشر بالخير, وطبقاً لعمق هذه المعرفة يكون العنصر الأساسي للتوبة. إدراك الخطيئة, لأن منها تنبثق الإرادة العاقلة في التغير المشار إليه. فتكون التوبة عندئذ كاملة وأصيلة, إذا انطبقت مع الأزمان الثلاثة أي بندامة صادقة على خطيئة سلفت, وحذر شديد من رغبة طرأت, واستعداد كاف لصد جرائر أزمعت, وقد قال مار أسحق: التوبة هي دعاء حار يرفع إلى الله في صلاة مليئة بالندم طلباً لمغفرة ما سلف, ورجاء ساخن حذراً مما قد يأتي من الموبقات, وكأني بهذا الفاضل قد تناسى الأمور الحاضر.

وقال ياوني: التوبة هي تطهير الضمير والصمود مع الله في الحياة الجديدة, وهذا أيضاً يتناسى ما سلف من الآثام, فإن كثيرين يحددون التوبة أنها ندامة عن الخطايا السالفة فقط, وواضح أن توبة كهذه ناقصة غير كاملة.

 

الفصل الثالث

التوبة مقبولة دائماً

العقل والوحي الإلهي يثبتان أن التوبة كلما قدمت تُقبل ولا ترفض, أما العقل, فيؤدي أن الجريرة تحجب عين النفس كالغمامة الدكناء فلا تدعها تنظر إلى شمس البر المضيئة أو تهتدي بأنوارها, وواضح أن بإزاحة ما يسبب الظلام يعود النور إلى الظهور.

والوحي الإلهي يقول: اسألوا تعطوا أطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم, وقال أيضاً: لم آت لأدعو الصديقين بل الخطاة للتوبة, ولا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. وقال أيضاً: هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب. وقال اشعياء ليترك الخاطئ طريقه، والرجل الأثيم سبيله، ويعود إليّ فارحمه. وقال أيضاً:

أقسمت بذاتي يقول رب الأرباب, لا أشاء بموت الخاطئ بل يرجع إلي ليحيا, وقال يونان: فرأى الله أعمال أهل نينوى أنهم تابوا عن طرقهم الشريرة, فرد عنهم غضبه. إلى ما هناك من الآيات.

 

الفصل الرابع

أقسام الخطايا التي نتوب عنها

أوضحنا في المقالة الثالثة أن الكيانات الغربية التي تتصل بكيان الإنسان, إما أن تكون ملائكية أو شيطانية أو بهيمة أو وحشية. والكيان الملائكي إذا اتصل بالإنسان, إن لم تعطف عليه عناية الله فإنه يُولد في النفس الكبرياء والغرور والمجد الباطل والعجرفة, ومن الكيان الشيطاني تتولد البغضاء والغش والخداع والاغتياب.

ومن الكيان البهيمي: الطمع والجشع, والشراهة, ومن الكيان الوحشي: الغضب والحقد والاغتصاب والقتل وما إلى ذلك.

وبعبارة أخرى: كل من يخطئ, إما أن يخطئ ضد الله أو ضد القريب أو ضد نفسه, والأول: هو الإلحاد والضلال، والثاني: التجني والاغتصاب، والثالث: الشراهة والجشع.

وبعبارة أخرى: كل خطيئة إما كبيرة أو صغيرة, فالكبائر هي التي قال فيها الرسول بولس: إن فاعليها لا يرثوا ملكوت الله, كالجحود والقتل والضرر بالطبيعة والعهر والرزيلة, والسلب والقهر والسكر وشهادة الزور والقسم الكاذب.

والصغائر هي: التي كتب عنها الرسول نفسه إلى أهل كورنثوس: أخشى أن آتي أليكم فأجدكم لا كما أريد أن تكون بينكم خصومات وحسد ومغاضبات ومنازعات واغتياب ونمائم وأنتفاخات واضطرابات (2كو12: 20).

 

الفصل الخامس

الأسباب التي تضخم الخطايا

إن الخطيئة الصغيرة تتضخم بأحد الأسباب السبعة الآتية: الأول: أن يسقط فيها الإنسان مرات متوالية. الثاني: أن يعتبر الإنسان الخطيئة صغيرة. فقد قيل: إن البار يرى الخطيئة الصغيرة كبيرةً. الثالث: أن يخطئ الإنسان متعمداً. فيقول في نفسه: إن الله تواب غفار الذنوب. الرابع: أن يقول في قلبه: ماذا يهم الله من خطيئتي.؟ فيعاقبني.! الخامس: أن يفرح ويبتهج بالخطيئة كأنها صادرة عن غيره. السادس: أن يفعل الخطيئة جهاراً مفاخراً بها. السابع: أن يكون من صنف المرشدين, فمثل هذا تكون خطيئته الصغيرة كبيرة, لأنه يجر وراءه المقتدين به إلى الخطيئة.

 

الفصل السادس

المخادع التي يصير إليها الخطاة

كما أن المنازل المعدة للأبرار في بيت الآب كثيرة كذلك المخادع المعدة للخطاة متنوعة, وقد حصرها العارفون بستة مخادع:

الأول : وهو أحط جميعها, مخدع الجاحدين الذين أنهوا حياتهم بأعمال أثيمة فآل أمرهم إلى اليأس الأكيد والهلاك الأبدي.

الثاني : مخدع الجاحدين الذين يظهرون الأعمال الصالحة.

الثالث : مخدع الجاحدين الذين لا يتظاهروا بأعمال صالحة أو طالحة.

الرابع : مخدع المؤمنين فاعلي الشرور المتمردين العصاة.

الخامس : مخدع المؤمنين المجردين من الأعمال الصالحة والطالحة بآن واحد, الذين صورتهم كلمة الفادي بالعذارى الجاهلات اللواتي أخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتاً. وبما أنهم مجردون عن الأعمال الصالحة فأنهم مؤمنون كاذبون.

السادس : مخدع القاصرين عقلاً وسناً: وهم الذين لم يبلغوا معرفة الخير والشر, فهؤلاء لم يأتوا صلاحاً فيثابوا ولا طلاحاً فيعاقبوا.

ويقول بعضهم: إن الذين نالوا نعمة العماد لن يحرموا من الصلاح, وطبقاً لرأي القديس غريغوريوس النوسي أن أصحاب المخدعين الثاني والثالث يخلصون في معمودية الأسف في العالم الروحاني, وقال أيضاً: إن الذين اغتسلوا بحميم المعمودية من أقذار الخطيئة لا يحتاجون إلى هذا النوع من التطهير الثاني, والذين لم ينالوها فأنهم حتماً بحاجة إليها.

والقديس الثاولوغوس يبسط قضية التطهير بصورة مطلقة ويقول: يجب أن يعتمدوا بالأسى هناك, ومثله يرتئي تلميذه العظيم أوغريس ويقول: إن العذاب هو الكآبة بواسطة الأسى المؤلم حيث تطهر أدران النفس في الدينونة.

 

 

 

 

الفصل السابع

أصناف التائبين

هناك أربعة أصناف للتائبين :

  • التائبون عن طرقهم الشريرة السائرون في طرق الصلاح حتى النهاية.
  • التائبون المتحفظون من الكبائر, الذين لم ينجوا من الصغائر الطارئة جهلاً وسهواً.
  • التائبون الحذرون من الكبائر والصغائر جهد الإمكان, والذين إذا هاجمتهم شهوة رعناء سقطوا, وفي حالة سقوطهم يستمرون بأعمال الزهد والنسك آملين أن تسعفهم عناية الله فيثوبوا إلى رشدهم.
  • التائبون الذين يرتدون إلى الأعمال الخسيسة المريضة بعد خلعهم الإنسان العتيق واتشاحهم بالإنسان الجديد المبدع من الله, فيهوون ويسقطون في الشهوات ويستسلمون للأهواء الطائشة, فيطول سقوطهم وإلى رشدهم لا يثوبون, إلا ومن الحياة يُقبضون, وقد قيل فيهم: إن القلوب الهاربة من مصر ارتدت إليها من جديد قبل أن ترى أورشليم الأرض الطاهرة.

والخلاصة أن الصنف الأول هو الأعلى والأسمى, والرابع هو الأحط, والثاني للأول والثالث للأخير.

الفصل الثامن

ماذا يجب أن يفعل التائب العاثر

إن من تاب إلى رشده بعد الخطيئة ثم عاد إليها و يجب أن يتوب من جديد ويجهد نفسه أن يغسل الخطيئة بالتوبة أيضاً, ويكون الاغتسال في ثلاثة أمور: القلب واللسان, وبقية الحواس.

أما في القلب فسبيله الإغراق في الندم العميق والإمعان في التهجد السحيق, طلباً للمغفرة من الله, واللسان, سبيله الاعتراف بالخطيئة, لأن من يخفي خطيئته لن يتوب, ومن يعترف بخطاياه ينجو على حد قول الحكيم سليمان. وفي بقية الحواس, مفكراً بالصوم والقنوت. وقد قال أحد العارفين: إن التائب تغفر خطاياه بثمانية أعمال: أربعة منها نفسية وأربعة منها جسدية.

فالنفسية, بأن يكره الخطيئة كرهاً تاماً ويتوب, ويرهب الدينونة المزمعة ويثق بأن الله سيغفر له.

والجسدية, أن يصلي صلاة مقرونة بشعور قلبي ويقول: سبعين مرة أخطأت يا رب أرحمني, ثم يتصدق ثم يصوم.

 

الفصل التاسع

الأسباب التي يزل بها المؤمنون

هناك أربعة أسباب تجعل زلل المؤمنين هيناً هي:

الأول: وأن آمن الإنسان بوجود عذاب للخطاة, ولكن بما أن هذا العذاب خفي عن العيون, والمتع الدنيوية ظاهرة للعيان, فالنفس تستلم للحالة الحاضرة.

الثاني: قرب المتعة بالشهوات وبعد ضررها عن المخيلة, ومن البديهي ألا تهمل المتعة القريبة في سبيل خسران بعيد.

الثالث: كون الكثيرين من المؤمنين يتواكلون على أمر التوبة فيخطئون, ولأنهم لا يذكرون ساعة الموت فلا يتوبون.

الرابع: كون الإنسان معتمداً على رحمة الله يسقط في زلات كبيرة الأمر الذي يكون سبباً مشجعاً للمؤمنين على استسهال الخطايا, أما غير المؤمنين فهناك سبب واحد يجعلهم يخطئون وهو عدم إيمانهم بالدينونة والعقاب المحتوم.

 

الفصل العاشر

العلاجات المجدية للتائبين

يجب أن نعلم أن شفاء التائبين لا يكون إلا بعلاجات ضد الخطيئة, ومن لا يعرف أسباب المرض لا يعرف أيضاً العلاج الشافي لذلك المرض وهناك أمران يسببان الخطيئة. الجهل واليأس, أما الجهل فعلاجه المعرفة, وأما اليأس فعلاجه الصبر والثبات.

ومن هنا يتضح أنه لولا القوة التي تعادل بين عذوبة المعرفة ومرارة الصبر لما وجد دواء للتائبين. وبما أن الخطيئة بالنسبة إلى النفس هي كالمرض بالنسبة إلى الجسد فيجب على التائب أن يحيط علماً بأربع معارف هامة:

الأولى: كما أن لصحة الجسد ومرضه أسباباً فعالة كذلك لصحة النفس وعلاجها أسباب فعالة معينة أهمها حفظ الوصايا. وأسباب مرض النفس مخالفة تلك الوصايا.

الثانية: كما أن المريض يحتاج إلى طبيب عبقري معالج يكون خبيراً بأسرار مرضه وعليه أن يشفيه, هكذا الخاطئ يجب أن يكون له مرشد حكيم يمكنه مد يد المساعدة له, فينتشله من الهلاك على حد قول ياونّي: كلنا نحن الذين من مصر نرغب رغبة صادقة في الهرب من عبودية فرعون, فكلنا إذاً, بحاجة إلى (موسى) وسيطاً عند الله, فيضل الذين ينسون نفوسهم ويعتقدون أنهم غير محتاجين إلى مرشد.

الثالثة: كما أن المريض يجب عليه استعمال العلاج الذي يصفه له الطبيب والحذر من كل ما يحذره منه, هكذا الخاطئ يجب أن يتقيد بنصائح المرشد وأوامره.

الرابعة: وكما أنه خير للمجروح أن يضمد جرحه قبل التسمم هكذا الخاطئ من الضروري أن يهب إلى التوبة قبل استفحال الخطيئة, لأن الجرح ما دام جديداً وحاراً يكون شفاؤه أقل صعوبةً, أما الجروح القديمة المقيحة فأنها تحتاج إلى جهود شاقة وقطع وكي.

الفصل الحادي عشر

الأمور التي بها يصلح المرشد التائب

هناك أربع أمور يمكن للمرشد أن يصلح بها التائب هي:

  • أن يذكره بالأدعية المعدة للخطاة بطريقة روحية صرفة, ويعلن له أنه كما يُلتقط الزؤان ويُحرق بالنار هكذا سيكون نهاية العالم, يرسل الله ملائكته ويلتقطون جميع المخالفين للشريعة ويلقونها في أتون النار, هناك يكون البكاء وصرير الأسنان, أما الصديقون فيضيئون كالشموس في ملكوت أبيهم.
  • أن يشرح له العقاب الذي سيلحق بالآثمة مثلما عوقب آدم بالطرد من الفردوس, وشاول الذي لم يكن مستقيماً أمام الله أزيل الملك عنه وعن جميع نسله وأعطي لملوك آخرين, الذين كانت نهاية معظمهم الهلاك بسبب خرقهم الشرائع.
  • أن يشجعه بألا ييأس من رحمة الله, ويشرح له الفرح الذي يحدث في السماء بخاطئ واحد يتوب, ويدلي له بمثل المئة خروف وبقية الأمثال المشابهة له, ويضرب له مثلاً قضية داود النبي الذي قتل أوريا وأخذ امرأته, ولما بكى بكاءً مراً وافترش المسح والرماد ولم يأكل ولم يشرب, قيل له بفم النبي ناثان إن الله غفر له جريرته, فلن يموت. وقضية بطرس وإنكاره, ثم توبته وبكاءه الحار وقبول الرب له, ثم ائتمانه على مفاتيح ملكوت الله.
  • أن يفرض قانوناً مناسباً على الخاطئ المقبل إلى التوبة, فإذا كان يفرض عليه التصدق وإطلاق العبيد والإماء, وإن كان صحيح البدن يفرض عليه الصوم والصلاة وبعد أن ينفذ كل ذلك يقيم الكاهن احتفالاً روحياً ويصلي إلى الله من أجله.

 

 

الفصل الثاني عشر

الآيات الكتابية في فضيلة الاعتراف

  • كان يخرج إليه أهل أورشليم وكل اليهودية وجميع بقاع الأردن فيعتمدون منه في الأردن معترفين بخطاياهم. (متى3: 6).
  • وكــان كـثيرون مـن الـذيـن آمنـوا يأتـون معـترفــين ومخـبريـن بخطـايـاهـم . ( أعمال 19 : 18).
  • اعترفـوا بعضـكم لبعض بزلاتـكم وصـلوا بعضكم لأجل بعض لكي تبرئوا ( يع 5:  16).
  • وأن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل فيغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم (1يو1: 9).
  • وكل الاهتمام الذي نحن بحاجة إليه هو أن نعلن مرضنا لكي نشفى,غير أننا نبالغ بالهرب من الشفاء, ونحن أبطال ضد نفوسنا, وحكماء ضد شقائنا أو مستخدمين لعبودية الخطيئة, وقد أخفينا عللنا وأمراضنا في قرارة نفوسنا, كأني بنا نريد الاختفاء عن نظر الله ويوم الدين, هذا إذا أمكننا الاختفاء عن عيون الناس.(غريغوريوس اللاهوتي)
  • ولا تحابِ لنفسك ولا تخجل أن تعترف بزلاتك وتتوب, فامتنع عن إتيان السيئات بالاعتراف بخطاياك. (ابن سيراخ)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الخامس

الصبر (الثبات)

وفيه سبعة فصول

 

 

 

الفصل الأول

أقوال الآباء في فضيلة الصبر

قال أحد الشيوخ: أننا لا ننجح بأعمالنا لأننا لا نعرف قوتنا وليس لنا صبر وثبات في العمل الذي نبداؤه, فنطلب بلوغ أوج الفضيلة بدون جهاد.

وقال أحد الآباء: إن مطلع الثمار الزهور, ومطلع الأعمال الصبر. أن ثواب العمل في الجهاد, هو أضعاف أضعاف ثواب الفضائل في الراحة, فالعمل المضني في غياهب الصومعة للقضاء على الأفكار الشريرة, خير من ذبيحة طاهرة خارجة مع أفكار هادئة.

يقال عن الأب يوحنا الصغير الثيبي تلميذ الأب آمون أو بمواي: إنه خدم معلمه اثنتي عشرة سنة في مرضه, ولم يقل له المريض مرة واحدة أحسنت, بل كان ينفر منه ويعنفه, ولما شارف الشيخ من الموت قبض على يده وقال: أحسنت يا بني, بخ ٍ بخ ٍ, وقدمه للشيوخ وقال: هذا ملاك لا إنسان.

قال الإخوة مرة للأب انطونيوس: أخبرنا أيها الأب كيف نعيش, قال لهم: إنه مكتوب (من ضربك على خدك الأيمن فحول له الآخر) قالوا: لا يمكننا أن نفعل ذلك, قال: إن لم تحولوا الخد الآخر فاصبروا على الأول, قالوا: ولا هذا يمكننا فعله, قال: إذاً لا تتذمروا بأنكم صبرتم, قالوا: ولا هذا أيضاً يمكننا, قال الشيخ لتلميذه: أعدد لهؤلاء الإخوة شيئاً من الطعام فأنهم مرضى.

كانت الأم سارة تسكن مغارة مشرفة على نهر مدة ست سنوات ولم تنتبه مرة واحدة لوجوده.

قال الأب فومان: إن يوسف الصديق بيع للعبودية في مصر وهو ابن سبع عشرة سنة, وأجتاز التجربة منتصراً, فمجد الله. وأيوب البار لم يخر حتى النهاية مستعيناً بالله, ولم يستطع أعداؤه زحزحته عن رجائه.

وقال الأب أرسانيوس: إذا وضعت اللبنة الهشة في أساس محاذ ٍ للنهر لن تثبت ساعة واحدة فإذا أُحرقت أصبحت حجرة صلدة, هكذا الإنسان ذو الفكرة الجسدية إن لم يحترق ملتهباً بكلمة الله يذوب عاجلا ً.

الفصل الثاني

تحديد الصبر

الصبر هو الإغراق في الجهاد, وهو موضوع بين نظر سابق وعمل لاحق فالنظر هو الأول لأنه يعطي الإنسان مجال التفكير والمعرفة الحقة بأن النعيم الدنيوي المادي يؤدي إلى عذاب النفس الأبدي. والعمل هو الأخير لأن الإعراض العقلي عن المتعة المادية, وهو الإحجام عن أي نشاط مضن ٍيتبعه, وهذا هو الصبر. ومن البديهي أن هذا العذاب لا يُطلب لذاته, بل لأنه سبب النعيم المرتجى, وهناك عذاب قريب وآخر بعيد. وأمام كل عذاب نعيم, وهو أيضاً قريبٌ أو بعيد, وبما أن العذاب القريب هو سبب النعيم البعيد والنعيم القريب هو سبب العذاب البعيد, فمن العدل أن يختار العارفون الذين لهم ذهن المسيح العذاب القريب الآني, في سبيل النعيم الخالد هناك. ويضحكون بالنعيم الزائل هنا تخلصا ً من العذاب الأليم هناك, وكلا العذاب, والنعيم البعيدان. وهما خفيان مجهولان هنا, فأنهما يُظهران ويتجليان بعد القيامة الأولى, هذه القيامة الصغرى التي هي الموت, حيث به تقوم النفس من قبر هذه الحياة, والثانية, القيامة الكبرى, و بها يقوم التراب جسدا ًممجداً, ففي هذه الأولى بصورة جزئية مبهمة, وفي الثانية بطريقة واضحة صريحة, وبما أن القيامة ولادة جديدة, تكون القيامة الصغرى بالنسبة إلى القيامة الكبرى هي كنسبة ولادة الإنسان الصغرى إلى الولادة الكبرى, أما الولادة الصغرى فإنها الولادة من صلب الأب إلى رحم الأم المظلم, وهو صورة لهذا العالم الحالك, والولادة الكبرى هي التي يخرج الإنسان فيها من الرحم (العالم المظلم الضيق) إلى عالم واسع مشرق, وهو صورة خروجه إلى عالم الروح الذي فيه يستنشق النسيم المنعش النقي.

 

الفصل الثالث

تنوع أسماء الصبر

تتنوع أسماء الصبر بالنسبة إلى تنوع الأمور التي منها وفيها ومن أجلها يكون الصبر, فإذا كان الصبر تحملا ًللآلام الجسدية كالأمراض يدعى تحملاً, وما كان صبرٌ على الاضطهاد والعذاب يدعى شجاعة, وما كان صبرٌ على التجارب الشيطانية يدعى ثباتاً, وما كان اعتكافٌ في الصومعة يدعى أناة, وما كان أخفاءٌ وسترٌ للأسرار يدعى وداعة ً, وما كان ضد الغضب والغيظ يدعى حلماً, وما كان تحملٌ للعار والازدراء يدعى تواضعاً, وما كان ضد الشراهة يدعى زهداً، وما كان ضد الأهواء المنحرفة يدعى عفة, وما كان تحملٌ للعوز يدعى شمماً, وينطبق على تجشم كل هذه الأمور اسم (الصبر) ومن يصبر على إحدى هذه الآفات حتى النهاية تنطبق عليه الآية الكريمة (من يصبر إلى المنتهى يخلص).

 

الفصل الرابع

طبقات الصبر

هناك ثلاث طبقات للصبر, العليا والوسطى والسفلى. فالعليا هي طبقة الذين يصمدون في ميدان الجهاد ولا يهنون حتى النسمة الأخيرة, أشباه أيوب الصديق ويوسف البار وكل الشهداء البواسل والآباء الكاملين. والوسطى طبقة الذين يتغلبون على الأهواء تارة ًوطورا ً يُخذلون, أو يتغلبون على بعضها ويندحرون أمام الأهواء الباقية وهكذا يستمرون ظفرا ً وانخذالا ً حتى النهاية. والسفلى: طبقة الذين ينتصرون على الأهواء فترة من الزمن ثم يهربون مخذولين فتلاحقهم حتى تمحقهم.

والصبر إما أن يكون ضد أهواء الجسد وإما ضد نوازع النفس, وكل منهما إما أن تكون عنيفة أو ضعيفة, وبديهي أن من يصبر على المحنة أكثر يضاعف له المجازي العادل الثواب.

 

الفصل الخامس

عناصر الأمور التي يجب الصبر عليها

من البديهي أن الإنسان مركب من نفس وجسد, فالجسد يشتهي ما هو ضار للنفس, والنفس تشتهي ما كان ضد الجسد, على حد تعبير القول الإلهي. وعليه كل أمر يواجه الإنسان في حياته الدنيا, يكون إما موافقا ًللجسد وإما موافقا ًللنفس, والعنصر الثاني: إما أن يكون إراديا ًوإما قسرياً, أو بعضه إرادي وبعضه قسريٌ ومن هنا تصبح عناصر هذه الأمور أربعة طبقا ًلما شرحناه, وإليك بيان في ذلك:

  • ما كان مطابقٌ لرغبة الجسد, كالأهواء الجسدية, وهي التي يجب الصبر عليها, وتأييد هذا العنصر يكون كعمل الأب أرسانيوس الذي كان أبا ًللملوك, في العالم, ومربياً لألوف من المتمنطقين بمناطق الذهب, والمتقلدين قلائد الياقوت, والمتوشحين بالخز والبرفير, فأعرض عن كل ذلك وازدراه آملا ً بالحياة الباقية متحملا ً كل تلك التضحية منزويا ًفي البرية.
  • ما كان مطابقٌ لرغبة النفس, كأعمال النسك الإرادية, وإيضاح هذه الأمور يكون في عمل القديس بولس الذي كان يذلل جسده ويستعبده, والآباء القديسون الذين لم يشبعوا لا خبزا ً ولا ماءً ولا نوماً, ووقفوا متأهبين ضد الأهواء. ولم ينقطعوا عن ذكر الله.
  • ما كان مطابقٌ لرغبة النفس بطريقة قاهرة, الأمور التي تنجم عن تخلي العناية الإلهية كما حدث للصديق أيوب الذي أسلم بيد الشيطان ليجربه هو وأولاده وأمواله, وقد أمر أن يحتفظ بنفسه, وبناء على صبره جاءت أيامه الأخيرة أسعد جدا ًمن أيامه الأولى.
  • طبقا ً لرغبة النفس, كالعار الذي يصبر عليه الإنسان بإرادته, بينما كان بإمكانه أن يصبر أو ألا يصبر, وأحياناً رغم إرادته, لأن الإنسان قد يتجنى عليه قهرا ًوعدواناً, وقد ظهر ذلك في كثيرين من الأبرار, وقد شكى أحد الإخوة إلى الأب سوساين قائلاً: تجني علي زميلي, وأرغب في الانتقام لنفسي فطلب إليه الأب بإلحاح أن يصفح فأبى, قال له الأب إذاً فلنصلِ, أطاع فباشر الأب بالصلاة قائلا ً:( أللهم أننا لا حاجة بنا إليك أن تعنى بنا فإننا قادرون أن ننتقم لنفوسنا) ولما سمع الأخ ذلك, ندم وألقى أمره على الله.

 

الفصل السادس

أنواع التجارب

كل تجربة تثور على الإنسان تكون إما اختبارا ًله أو تأديباً, وتكون كل منها إما جسدية أو نفسية, وهذه أنواعها أربعة وهي:

الأول : التجارب الاختبارية الجسدية, الكسل والتواني, الضعف العضوي, اليأس, الفقر, الأمراض.

الثاني : التجارب الإختبارية النفسية وهي اضطراب الفكر, القنوط الوقتي, ظلام العقل, انعدام العون البشري. وما إلى ذلك, الأمور التي يلقيها الخالق على قدر الطاقة, و بها يختبر العبد الصالح فيظهر حبه لله, إذ يصبر ولا يجحد, ويتحملها ولا يتذمر.

الثالث : التجارب التأديبية للجسد, وهي تراكم المصائب والمشكلات العسيرة الحل, مقابلة الأشرار الكافرين بصورة مستمرة, أو ربما سقوط مروع من كهف تأديبا ًللجسد.

الرابع : التجارب المؤدبة للنفس, وهي الشعور بثورة عنيفة للأهواء المنحرفة, الضعف أمام الغضب, ضعف الإرادة, الرغبة في الانتقام بكلمات بذيئة, قلب هزيل, ظلام مبين للعقل, التجديف على الله, ابتكار تصورات كاذبة, تنبؤ خادع, تجرد القلب من الاستعانة بعناية الله.

وخلاصة القول جميع المصائب التي تفوق طاقة الإنسان والتي تطلق عليه قهرا ً لكبريائه وعجرفته. وعلاج كل ذلك هو الصبر الذي يكون بتواضع القلب ووداعة النفس.

الفصل السابع

العلاجات المقوية للصبر وعلاماتها

العلاج الوحيد الذي يقوي الصبر هو قهر عنف الشهوات الجسدية, وإنعاش الرغائب الروحية, وشهوة الجسد إنما هي روح التمرد على العفاف التي يمكن التغلب عليها بثلاث طرق:

أولا ً: الزهد في المواد التي من شأنها إثارة هذه الروح, وإشعال نيرانها, وإهمال المآكل الدسمة المتنوعة, فقد قيل إن الذي يمعن في الشراهة ويريد كسر شوكة الشهوات يشبه من يحاول إطفاء النار بالزيت.

ثانياً : التغلب على الأسباب التي تضرم وتثير هذه الروح, وذلك بالانقطاع عن المعاشرات الرديئة وإهمال ما إليها إهمالا ًكاملاً, لأنه قيل أن الذي يرتاح إلى عشير رديء يرتاح لذكر رداءته وشروره, فمن اشمأز من عشير السوء يشمئز أيضا ًمن الاقتداء بشره, ومن البديهي عندئذ أن يهرب من ذكره هربه من النار المحرقة.

ثالثا ً: إطفاء ضراوة الأهواء المنحرفة بالزواج الشرعي طبقاً للأمر الرسولي إذا كان من صنف البتولين المحترقين بالشهوة, أو بالتفكير برفيقة حياته إذا كان متزوجا ًوهو يميل إلى غيرها.

ورغبة الروح تنتعش بالأمرين التاليين:

الأول : أن يكثر من التفكير في فضيلة الصبر والحياة الجديدة المعدة للصابرين إلى المنتهى.

الثاني : أن يروض الإنسان قواه على الجهاد الروحي ضد الأهواء, واللذة الروحية التي يشعر بها بعد انتصاره واندحارها. الأمور التي تشجع فيه البطولة على مهاجمتها دائماً.

وللصبر الحقيقي علامتان اثنتان التحمل المستمر وانعدام التذمر, وأضاف أحدهم علامة ثالثة, انقطاع الأنين.

الباب السادس

الشكر

وفيه ثلاثة عشر فصلا

 

الفصل الأول

أقوال الآباء في فضيلة الشكر

قال الأب يوسف: ثلاث أمور كريمة لدى الله, الأول: إذا أبتلي الإنسان بمرض وزيدت أتعابه, فيقابل ذلك بالشكر. الثاني: متى كانت جميع أعماله طاهرة أمام الله وليس لديه شيء بشري. الثالث: أن يكون الإنسان خاضعا ًمطيعا ًلأبيه منكرا ً ذاته, أما أنا فقد اخترت الأمر الأول.

وقال الأب قوفر: طوبى لمن يصبر على التجربة بالشكر.

وقال الأب بنيامين: الشكر يطلب إلى الله عوض العنف.

وقال الأب مار فلاديس: اللحظة التي تنقطع فيها جميع الأصوات فأملأ أنت فمك تمجيدا ًولسانك شكرا ً.

وقال مار إسحق: إن الذين هم أبناء حقيقيون, إذا أراد أبونا الرحيم أن يعضدهم بتجاربهم, لا يرفعها عنهم بل يمنحهم صبرا ًجميلا ًلكي يقابلوا بالشكر جميع الخيرات إكمالاً لنقص نفوسهم, فليجد علينا المسيح بنعمة قوة الصبر على الضيقات حبا ًبه, وبقلب شكور, آمين.

 

الفصل الثاني

تحديد الشكر

الشكر هو الإقرار بالجميل الذي يُنال أو يرتجى, وذلك إما أن تسبقه التجربة أو تليه, والحالة الأولى تشرحها أقوال الآباء وسنتطرق إليها في نهاية هذا الباب. والإقرار بالجميل يكمل في ثلاث حالات: بالتصور السابق, والشعور, والعمل المعد.

فالتصور هو: أن يعرف الإنسان نوع الجميل, ومن الذي منحه, لكي يأتي شكره مطابقا ً لعظمة الجميل وسمو المانح. والشعور هو, الابتهاج الذي يملأ جوانح الإنسان بالنعمة التي ينالها أو يرتجيها. والعمل يكون في ثلاث حالات في القلب واللسان وبقية الجوارح. أما في القلب, بأن يشكر خالقه بالروح والحق. وباللسان, أن يخبر بغزارة النعمة التي نالها أو سينالها. وفي بقية الجوارح أن يستخدمها طبقا ًلرغبة المانح ورضاه. وجميع هذه الحالات, أي المعرفة والابتهاج والعمل, المثلث, الأنواع يحصرها قيثارة روح الله داود بقوله في مطلع المزمور التاسع ( أشكر الرب من كل قلبي وأخبر بجميع عجائبه ونعمه, أفرح وأبتهج بك, وأرتل لأسمك العلي.

 

الفصل الثالث

النعمة التي هي سبب الشكر وأقسامها

كل شيء مرتجى بالنسبة إلى طالبه هو نعمة وخير, إلا أن النعمة الأساسية هي السعادة الأبدية, وما عداها فباطل, ومغلف باسم براق وجميع الأمور المطلوبة عامة تسمى نعمة ما, وهي خمسة أقسام :

الأول : كل عمل إما أن يكون مفيدا ًفي هذا العالم وفي الآتي, وإما ضارا ًفي كليهما, أو يكون مفيدا ًفي هذا العالم وضارا ًفي الآتي, أو ضارا ًهنا في هذا العالم ومفيدا ًفي الآتي. والنوع الأول, هو نعمة إطلاقاً, والثاني تجربة إطلاقاً والثالث محنة للحكماء ومنحة للجهال, والرابع: منحة للحكماء ومنحة للجهال.

الثاني : الأمور الدنيوية, إما أن تفوق فائدتها ضررها كالغنى والشرف, أو ضررها يفوق فائدتها, كغزارة الممتلكات والأموال, أو تتساوى فائدتها وضررها.

والنوع الأول: يميل إليه أبناء العالم الأبرار. وفي الثاني: يبتهج به أبناء العالم الجشعون, وفيه قال النبي داود: إذا كثر الغنى لا يفرح به قلبك. والثالث: يتعذب به البلهاء.

الثالث : كل شيء إما يطلب من أجل ذاته, كالمأكل والمشرب والمسكن, أو من أجل ذاته ومن أجل غيره, كالمأكل والمشرب الفائضان عن الحاجة. أو يطلب من أجل غيره فقط, كالدراهم والدنانير التي تُطلب من أجل المعيشة. والأول, مطلب عدل, وأما الثاني والثالث فإذا كانا حلالين فأنهما عادلان.

الرابع : كل مطلب إما أن يكون مفيدا ًأو جميلا ً, أو لذيذاً. والمفيد إما أن يفيد في الحاضر أو في المستقبل. والجميل, ما كانت جميع خواصه جميلة ومحبوبة حبا ًطاهراً. واللذيذ, إما عقلي, وهو الأهم, وهذا خاص بالإنسان فقط, أو مادي, ويشترك به الإنسان مع بعض البهائم, كحب الظافر, وتزعم الأمور التي توجد لدى الأسد والنمر. أو مادي صرف ويشترك به الإنسان مع البهائم جميعها, كشهوة الطعام والجماع, وهذه الأخيرة طبقا ًللتعلق الإنساني بها. فإنها تفوق جميع اللذات لدى البشر, والتي قبلها متوسطة. والأولى, طبقا ًلعناصرها فإنها ضعيفة جداً.

الخامس : كل خير إما أن يطلب لذاته كخير, أو لغاية أخرى, والأول هو الخير الحقيقي, والسعادة الأساسية لأنها متعة لا تزول وابتهاج لا يحول وغنى لا ينضب ومجد لا ينتهِ, والخير الثاني, إذا طلب في سبيل الأول هو لأربعة أنواع:

  • النوع الأول : الخير النفسي, وهو أربعة أنواع, نوعان نظريان, كالمعرفة والإيمان, ونوعان عمليان, كإخماد الشهوة وإطفاء الغضب.
  • النوع الثاني : الخير الجسدي, وهو كذلك أربعة أنواع, الصحة والقوة والجمال والشجاعة. والثلاثة الأولى يحتاجها الزهد, والجمال الظاهر يعتبر من النعم لأنه يدل على جمال النفس الباطن.
  • النوع الثالث : نعم الحاجات الجسدية وهي أربع أيضاً: الغنى والشرف والأقارب والمساعدون, وهذه تعتبر نعماً لأنها تساعد على الصدقات وإسعاف الفقراء.
  • النوع الرابع : النعم التي ينجح بها الإنسان وهي أربع أيضاً: العقل والبركة والعون والرصيد, وهذه الأمور حصرها داود في كلمات يسيرة حيث قال: هو خالقهم وعاضدهم, الرب ذكرني وباركني, الصغار مع الكبار, فليزدهم الرب, أي ليزدكم تذكرا ًوبركة وعضداً.

 

الفصل الرابع

نعم الله لا تنضب

أعتبر أيها الأخ, أن نعم الله عليك لا تنضب, إذا رأيتها ست عشرة نعمة وهي: نعم كلية, لأن في كل منها تنضوي نعم كبيرة لا ينتهِ تسلسلها, مثلاً: صحة الجسد, وهي أحدى النعم المشار إليها, فإذا أردنا إحصاء النعم المنضوية تحتها ربما لا نستطيع, فقط نتطرق إلى أحد أسباب الصحة وهو الغذاء, ومن البديهي أنها عمل يصدر عن دافع, وهذا الدافع يكون بواسطة الجسم الآلي, ويكمل بالقوة والإرادة وإدراك ما يغذي وأعداده وكميته وما يناسب على الحصول عليه, وإتقانه وإكماله. ولنحص ِ أيضا ًأسباب الإدراك ثم الإرادة ثم القوة ثم الكمية ثم الحصول ثم الإتقان ثم الكمال, وهذه سبعة نعم إلهية سنتطرق إليها في فصول خاصة .

 

 

 

الفصل الخامس

النعم الكامنة في أسباب الإدراك

إن الله (تعالت نعمته) خلق الإنسان بطريقة لا يمكنه البقاء بدون غذاء شأن كل كائن حي, وخلق فيه قوة الشعور, وقوة أخرى تتحرك لنواله.

والأول الحس: وهو خمس قوى أو حواس. الأولى حاسة اللمس, وفيها قوتان, الأولى: معرفة الموضوع المحرق مثلاً, والثانية: قوة الهرب أو الابتعاد, وبما أن هذه الحاسة تشعر بالمواضيع الملموسة القريبة فقط, خلق الله حاسة الشم لمعرفة المواضيع البعيدة, وبما أن هذه الحاسة تدرك الرائحة فقط إلا أنها لا تعرف الناحية التي تصدر عنها خلق الله لهذا الكائن حاسة البصر لتعيين الجهات وإدراكها, وبما أن البصر لا يمتد إلى المواضيع المحجوبة وراء الستار,خلق الله له حاسة السمع ليدرك ما كان خفيا ًوراء الستار. وكل هذه الحواس لم تكن بذات فائدة لولا حاسة الذوق, التي بها يدرك الإنسان الغذاء الصالح ويميزه من غير الصالح.

ولو توقفت الأمور عند هذه الحواس فقط لتشبه الإنسان بالبهائم, غير أن الله جمله وميزه بالعقل الذي بواسطته قد يرفض الطعام اللذيذ الضار ويختار الطعام المر النافع, وهذه أعظم نعم الله على الإنسان أعطاها له للإدراك والمعرفة. ولا نعتقد أن الأمر توقف عند هذا الحد فإن الحواس الظاهرة ليست إلا بعض أجهزة مدركة, والبصر بعض هذه الحواس الظاهرة, فالعين التي تبصر وتميز ليست إحدى هذه الأجهزة, وهي مركبة من سبع طبقات, وثلاثة مجالات رطبة وتلك الطبقات يشبه بعضها نسيج العنكبوت, وبعضها يشبه القماش, والمجالات الرطبة, تشبه إحداها بياض البيضة, والأخرى الزجاجة الشفافة, والأخرى الجليد, ولكل منها شكل خاص, ولون خاص, ومكان خاص, فإذا تلف أحد هذه الأجهزة ولو جزئيا ًفإن مهرة الأطباء عاجزون عن أعادته إلى حالته الطبيعية, ناهيك عن الأوعية الدموية والأوردة والشرايين والمفاصل والعضلات المختلفة الكائنة في تكوين العين, وعلى ذلك يجب أن تقيس عجائب الله في بقية الحواس.

الفصل السادس

النعم الكائنة في تكوين الإرادة

لو خلق للإنسان حاسة البصر التي بها يدرك الغذاء من بعيد فقط دون شهية تحفزه إلى تناوله لما أفاده البصر شيئاً, ولكن خلقت له حاسة أخرى (الإرادة) يميل بها إلى نوال ما يفيده, وقد تسلطت عليه هذه الحاسة بصورة طبيعية دون روية, وخلقت فيه حاسة الاكتفاء بها يتوقف عن الطعام إذا شبع, لولا ذلك لاستمر في التهام الطعام حتى التخمة فالمرض فالموت, كما يحدث لكثيرين من الذين لا يلجموا تلك الحاسة, وبما أن الميل إلى الطعام يبقى على الإنسان كشخص مفرد فقط, خلقت فيه ميول الجماع للإنسال وحفظ النوع البشري, وهذه الميول أيضا ًلم تكن ناجحة لولا خلقت في هذا الكائن القوة الغضبية, وبها يدفع كل آذى قد يلحقه من أضداد هو، وبما أن هاتين القوتين (الشهوة والغضب) تفيدان فقط ضد الأذى الحاضر القريب, خلقت للإنسان إرادة أخرى تخضع للعقل العارف وهي تمام العمل والنهاية التي سيؤول إليها في المستقبل. هذه النعم فاضت عليه من خالقه الصالح.

الفصل السابع

النعم الكامنة في قوى الحركة وأجهزتها

بما أن إدراك الطعام والميل إليه لا يفيدان بشيء ما لم يكن هناك جهاز للإنسان يتناوله به, خلق الله للإنسان اليدين لكي يتناول بها الطعام, وبهاتين اليدين ينجز أعمالاً عجيبة أخرى, لا يمكن حصرها, ثم خلق الله المعدة وبها يهضم الطعام, وعمل له حنجرة كأنبوب أو سبيل يأتيها الطعام عن طريق الفم, ونظم في فيه طواحناً وأسناناً, بعضها للقطع, كالأسنان التي تشبه السكاكين, وبعضها للكسر كالأنياب, وبعضها للمضغ كالطواحن الداخلية, وروض الفك الأسفل لكي يتحرك بسرعة وسهولة, وجعل الفك الأعلى ثابتا ًلكبره واتصاله بالأجهزة الرئيسية المتعلقة به وجعل اللسان متحركا ًفي الوسط ليحول الطعام من جانب إلى آخر, وفجر تحته ينبوعا ًيسيل رضابا ًرطبا ًبه يمكن أن يعجن الطعام. وجعل بابا ًإلى أسفل يؤدي إلى المعدة بطريقة لا يفلت منها الطعام حتى يحول إلى سائل, وأضرم فيها حرارة صادرة عن الأجهزة المحيطة بها كالكبد الكائن إلى الجهة اليسرى, والشحم من الجهة الأمامية. وعندما يهضم ينفتح له باب فيسيل (الكيموس) في الأمعاء. وهناك يصفى, فيندفع إلى الكبد بأقنية, والفضلة تطرح إلى الخارج, وفي الكبد يستحيل إلى دم, وينقى الدم بواسطة المرارة, فأسوده يجتمع في الطحال, وأحمره في المرارة, والرطوبة المائية التي فيه تجذب إلى الكليتين, ومنها إلى الحوض. وأنبت الله من الكبد أوردة كثيرة تتفرع من الرأس إلى القدمين, وتغذي الجسم كله. ومن دم القلب يتصاعد بخار هوائي لطيف يدعى ريحاً, وينتشر في كافة أنحاء الجسد بواسطة الشرايين ليحيا. وقد شبه الأطباء الحكماء القلب بالمصباح, والريح بالشعاع,

 

والدم بالفتيلة, والغذاء بالزيت, والحياة بالنور. وهذه نقطة في بحر النعم الكائنة في

أجهزة التغذية.

الفصل الثامن

النعم الكامنة في الأطعمة

كل طعام إما أن يكون من جنس العقاقير أو الفاكهة أو الغذاء, ولنتناول هنا جنس الغذاء المكون من جميع أنواع النباتات فنقول:

إذا وجد الإنسان حبة حنطة يحتاج إلى إكثرها لأنه إذا أكلها فقد انتهت, ولا تكفِ لحاجته ولا لبعضها, ولكن خلق الله في الحبة قوة تتغذى بالماء والتراب والهواء الدافئ, وهذه أربعة قوى عنصرية, بواسطتها تنمو حبة الحنطة وتتكاثر إذا زرعت, فأنظر إلى ما يحتاجه كل منها للقيام بعمله, فالماء بحاجة إلى الينابيع والأنهار والعيون والأمطار والأنداء, وهذه بحاجة إلى وسائط أخرى توصلها على الحبة لكي تسقيها بالمقدار والوقت المناسبين. والهواء بحاجة إلى سكة تفتح الأرض ليلجها, والحرارة لا يمكن أن تتخلل الماء والتراب لكونها باردين, فخلق الله الشمس تدفئ الأرض بأشعتها, وخلق القمر وجعل فيه قوة الرطوبة خوفا ًمن أن تحترق الحبة (النبتة) بقوة الحرارة الصادرة عن الشمس, وهكذا وضع الله في كل كوكب فائدة ما لا نعرفها, وهذه الكواكب احتاجت أن تكون كالكرات فكانت, وهذه الكرات احتاجت إلى حركة والحركة بحاجة إلى قوة محركة فكانت.

الفصل التاسع

نعم الوسائط الناقلة للأطعمة

بما أن أنواع الأطعمة لا توجد دائما ًوفي كل مكان بل في بعض المناطق, وفي بعض الفصول, وهي بحاجة إلى أن تُنقل على أكتاف الناس لإيصالها من مكان إلى آخر, وهذا لا يمكن طبعاً, لذلك خلق الله الحيوانات وأخضعها للإنسان ليركبها ويحملها حاجياته, وهيأ سفناً تطوف على سطح البحار, وبهذه الوسائط تُنقل جميع الحاجيات فتصل مأمونة من أطراف المعمورة إلى أطرافها. (يكتفي إنسان تلك العصور بهذه الوسائط للنقل, ولكن إذا جاؤوا اليوم ..؟؟)

الفصل العاشر

نعم أعداد الأطعمة

من البديهي أن ما تنتجه الأرض, ما لم يعد أعدادا ًكاملا ًلا يصلح للغذاء, فلنأخذ مثلا ًهذا الرغيف, فهو بحاجة على أن يصير صالحا ًللغذاء أن تحرث الأرض وتسقى ويحصد ويدرس ويطحن ويعجن ويخبز, فتأمل في هذه المراحل التي أوردناها والتي لم نوردها, وبعدد الأشخاص والآلات وصناعها, وأنظر إلى كل ما يحتاجه كل صانع لإنجاز عمله, وأقول أن الرغيف الذي تأكله لا يصل إليك إلا بعد أن يشترك في أعداده ألف عامل ماهر, هؤلاء الذين إن لم يفتقر أحدهم إلى الآخر، لما اتفقت إرادتهم إنجاز العمل، وهؤلاء العمال يحتاجون إلى مرشدين, والمرشدون إلى معلمين, وهؤلاء إلى الأنبياء والرسل, وهؤلاء إلى الملائكة, والملائكة إلى ربهم.

الفصل الحادي عشر

نعم إنجاز عمل الأطعمة

بالحقيقة أن إنجاز عمل الأطعمة ليس أعدادها فحسب, بل أن تكون هناك قوة لاستخلاصها, (أخذ خلاصتها) في الجسم المتغذي, كاللحم والعظام وما إليها. فمن الضروري أن يكون في كل عضو قوة تجذب الغذاء, وأخرى تهضمه, وأخرى تُحيله، وأخرى تدفع الفضلات إلى الخارج, وقوة أخرى توزعه في الجسم وأخرى تصور منه أشكالا ًمتنوعة, وهذه كلها وما ذكر في الفصول السابقة هي من نعم الله على الإنسان في تغذيته فقط, وهي بالنسبة إلى بقية النعم, (نعم الله), كشعرة واحدة بالنسبة إلى شعور الرأس ولا توجد في كل عضو نعم لا تثمن فحسب, بل في كل نسمة, إذ يحتاج الإنسان إلى ألوف مثلها في الساعة الواحدة, وهناك نعمتان أخريتان عظيمتان, الزفير الذي يزفر فيه الهواء من القلب, والشهيق الذي بواسطته يدخل الهواء النقي إلى القلب, ولو لم يتخلص الإنسان من الأول ويتنفس من الثاني لانطفأت حياته حالاً, فأنظر أيها الإنسان اللبيب إلى كل ما أنعم الله به عليك من نعم توجب عليك أن تشكره عليها في كل لحظة.

الفصل الثاني عشر

الأسباب التي تمنع الشكر

هناك سبب واحد فقط يمنع الشكر, هو جهل النعمة, واعتبارها كأنها ليست نعمة فيتوقف الشكر من أجلها وفي سبيلها, فأننا نرى كثيرين لا يؤدوا الشكر لله على هذا النسيم الذي يستنشقونه مثلاً، و به ينتعشون, ولو أنقطع عنهم لحظة واحدة لقضي على حياتهم عذاباً واختناقا ًوأن صدف فنجا أحدهم, يعرف حينئذ ٍ قيمة هذه النعمة, فيشكر الله من أجلها, وما أغبى الإنسان الذي لا يشكر الله بعد زوال النعمة وعودتها.

هناك بعض الناس يشكرون الله على بعض النعم فقط, وينسون معظمها. وقيل أن

مُعدما ً تقدم إلى أحد الأبرار وشكا إليه فقره وضيمه, قال  له البار: أترضى أن تكون مقعدا ًوتنال ألف دينار..؟ قال : لا, قال :أعمى, وتأخذ أربعة ألاف دينار..؟ قال:لا,. وهكذا عدد أعضاءه عضوا ً عضواً, مضاعفا ًالثمن, وفي كل منها كان جوابه, لا. قال له : كيف أذن لا تخجل من منحك كل هذه النعم فتتذمر, وهي أثمن من عشرة ألاف دينار..؟ ومعالجة الجهل المانع للشكر يكون بطرقتين, الأولى: الـتأمل فيما يمكن معرفته من نعم الله العظيمة اللامتناهية. والثانية: أن ينظر الإنسان إلى الذين هم أقل منه شأناً, فيقابل بينه وبينهم, ويتأمل بالبائسين المعدمين, كما كان يفعل أحد الصلحاء, إذ كان يزور المستشفيات يوميا ًويرى المرضى يتألمون من أمراضهم, وكان يخرج من هناك إلى ساحة يعذب فيها المجرمون, وكان يشكر الله الذي أنقذه من كل هذه المحن, ويعود إلى عمله.

الفصل الثالث عشر

الأسباب التي تجمع بين الشكر والصبر

الشكر يؤدى في سبيل نعمة مفرحة, والصبر يكون على محنة مؤلمة, ولذلك يعسر أن يجتمعا في صعيد واحد, إلا بطريقة خاصة لتضادهما. وذلك في خمس حالات:

  • إذا عرف الإنسان أنه يمكن أن يبتلي بمحنة أعظم من هذه المحنة. فواجبه عندئذ الصبر, وشكر الله لأنه أنقذه من أعظم من ذلك.
  • إذا عرف كل تجربة جسدية هي أهون من التجربة النفسية, فواجبه الشكر والصبر على المحنة الجسدية, كما حدث لأحد الآباء إذ دخل عليه اللصوص ليلاً, فقال للأخوة الذين معه, أتركوهم يعملوا عملهم ونحن نعمل عملنا, فقدم لهم بعض الإخوة مغسلا ًليغسلوا أرجلهم, وآخرون قالوا لهم: عجلوا قبل أن يأتي بقية الإخوة.
  • إذ عرف الإنسان أن كل عذاب هنا زائل وعذاب الآخرة باقٍ, فيصبر أن يفي الفلس الأخير وبشكر الله أن ينجو هناك.
  • إذا عرف الإنسان أنه لا بد أن تأتي الشكوك فإذا جاءت يصبر عليها. ويشكر الله لأنه أراحه منها.
  • إذا عرف الإنسان أن الثواب هو أضعاف العذاب هنا, فيصير مسرورا ًويشكر الله لأنه سيمنحه الثواب الكامل كالمريض الذي وأن تألم تحت مبضع الطبيب إلا أنه سيفرح بالشفاء

الباب السابع

الرجاء

وفيه أربعة فصول

 

الفصل الأول

أقوال داود النبي في فضيلة الصبر

  • بالـرب اعتصـمت فكيف تقولون لنفسي أهربوا إلى جبالكـم كالعصفور  (مز10: 1).
  • أنت الذي أخرجتني من البطن وأنت متكلي من ثديي أمي, أليك ألقيت من الحشا (مز21: 10).
  • هذا هو جيل طالبيه ملتمس وجهك يا إله يعقوب (مز23: 6) .
  • أحكم لي يا رب فأني سلكت في سلامتي وعلى الرب توكلت فلا أزل (مز26: 1).
  • بك اعتصمت يا رب فلا أخزى إلى الأبد بعدلك نجني (مز30: 1).
  • ما أكثر أوجاع المنافق, أما المتوكل على الرب فالرحمة تكنفه (مز31: 10).
  • توكل على الرب وأصنع الخير, أسكن الأرض وأرع الأمانة, تلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك (مز36: 3).
  • والآن ما الذي أرجوه أيها السيد إنما أنت أملي (مز38: 8).
  • إليك يا رب, أرفع نفسي, إلهي عليك توكلت فلا أخزى (مز24: 1).
  • انتظرت الرب انتظاراً فألفت إلي وأستمع استغاثتي وانتشلني من جب الهلاك, ومن طين الحمأة, وأقام على الصخرة قدمي, ثبت خطواتي (مز39: 2- 3).
  • عند الله خلاصي ومجدي وفي الله صخرة عزي ومعتصمي, توكلوا عليه كل حين أيها الشعب (مز61: 8).
  • الذين يتكلون على الرب على جبل صهيون غير المتزعزع الثابت إلى الأبد (مز124:1).
  • قد باد عني كل ملجأ ليس من يسأل عن نفسي, صرخت إليك يا رب قلت أنت معصمي أنت حظي في أرض الأحياء (مز141: 5- 6).

( اعتمدنا في تسجيل هذه الآيات على الترجمة اليسوعية).

الفصل الثاني

تحديد الرجاء

الرجاء هو اشتياق النفس إلى نوال ما يحبه, بعد إعداد بعض الوسائط التي ينال معها المحبوب. وهذا هو الرجاء الحقيقي الذي لا يخيب, لأن من يرتجي أمرا ً ولا يعد له الظروف اللازمة, فرجاؤه ليس رجاء, مثل الجهلاء. وهكذا من يأتي ضد ما هو بحاجة إلى إتيانه, ويطمع أن ينال ما يبتغيه فأن رجاءه يخيب مع الخائبين. وبما أن نعمة الله جل شأنها, هي وحدها تستحق أن ترتجى, فما أعظم حكمة الإنسان الذي يرتجيها ويعد العدة الكافية توصلا إلى نوالها. حتى وأن لم تكن تلك الوسائل كافية كلها, فيكون حينئذ أمله قويا ًورجاؤه راسخاً.

 

الفصل الثالث

أسباب الرجاء

هناك أربعة أسباب للرجاء في نوال نعمة الله, وهي:

  • الاكتفاء بالحاجة الضرورية في المادة التي بها يكون بقاء الجسد.
  • مطابقة الأعمال الجسدية للشرائع.
  • تنقية النفس من الأهواء المنحرفة.
  • التحلي بالفضائل التي تجمل النفس.

وكيفية إعداد هذه الأسباب الأربعة قد شرحناها في كتاب الإيثيقون هذا استنادا ًإلى آيات الله البينات, وتعاليم الآباء القديسين بصورة كافية.

 

الفصل الرابع

العلاجات التي تعزز الرجاء

يعزز الرجاء بعلاجين أصليين:

1- أن يتأمل الإنسان بأنواع هذه النعم التي نلناها كنقطة من بحر, وشرحناها في الباب السابق, وليحكم الإنسان عدلا ًوليقل في نفسه: إذا كان الله قد أعد لجسدنا الفاني كل هذه النعم العظيمة كيف يجرد هذه النفس (التي تُفضل على الجسد أضعافا ً) من نعمه…؟

  • أن يتأمل بأقوال الله التي تنفي اليأس وتقوي الرجاء, كقوله تعالى: اسألوا تعطوا,

أطلبوا تجدوا أقرعوا يفتح لكم, فكل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يفتح له.

وليتأمل أيضاً بالأسرار والحجى والأمثال التي نطق بها ربنا في هذا المضمار كقوله: من منكم, إذا طلب إليه ابنه خبزا ًيعطيه حجراً, أو سمكة فيعطيه حية, إذا كنتم وأنتم الأشرار تحسنون أن تعطوا أولادكم العطايا الصالحة فكم بالأحرى أبوكم السماوي يعطي الخير للذين يطلبونه..؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثامن

التقوى (خشية الله)

وفيه خمس فصول

 

الفصل الأول

أقوال الآباء في التقوى (خشية الله)

كان أحد الآباء يقول: لا يجب أن يفكر الإنسان إلا بخشية الله فقط. وسأل أحد الإخوة شيخا ً, كيف إن نفسي متمردة ولا تريد أن تخشى الله..؟

فقال له الشيخ: إن النفس يا بني, ترغب التقوى وخشية الله لكنها لم تبلغ تلك الدرجة, فإن التقوى وخشية الله هي الكمال بعينه.

وقال الأب فومان في الأب فامبو: إنه كان ينقل عن الأب أنطونيوس متحدثا ًأنه كان يتقي الله بدرجة جعلت روح الله ساكنا ًفيه.

وقال الأب أيضاً: إن خشية الله تعلم الإنسان جميع الفضائل.

وقال الأب يعقوب: مثل السراج الذي ينير في الظلام كذلك خشية الله, إذا انسكبت في قلب الإنسان تنيره وتعلمه جميع الفضائل وصايا الله.

سأل أحد الإخوة شيخاً, قال: ماذا أفعل فليس في نفسي شعور, ولا أخشى الله..؟

قال الشيخ: فتش عن الإنسان الذي يخشى الله وعاشره, فتتعلم منه كيف تتقي الله وتخشاه.

 

الفصل الثاني

تحديد الخوف

الخوف كآبة قلبية تنجم عن معرفة العذاب المزمع, وتكون عملية ونظرية شعورية. فالنظرية هي معرفة العثرات والمعاصي التي تسبب العذاب وهذه المعرفة تولد في النفس شعورا ًبالأسى وبفعل هذا الخوف تظهر مفاعيل خاصة تؤيده وتشير إلى عمقه, ففي الجسد, الهزال واصفرار الوجه, وقفُ الشعر, وارتعاد الفرائص, وفي بعض الأحوال يرافق كل ذلك الصراخ والغثيان, وأما في النفس, فيتولد كره للخطية واستئصال أصل الأهواء من أعماق القلب, وهذا الخوف إذا أشتد, يجعل الإنسان حذرا ً حتى من الأمور البريئة, ومن العدل أن يدعى هذا باراً.

 

الفصل الثالث

درجات التقوى

للتقوى ثلاث درجات, صغرى وكبرى ووسطى:

فدرجة التقوى الصغرى: درجة الذين إذا سمعوا بعض التهديد المحتوم على الأشرار, يرهبون ويكتئبون, وحالما يزول عن سمعهم ذلك تخف أيضا ًخشية الله من قلوبهم فيعودون إلى حالتهم الأولى.

ودرجة التقوى الكبرى: درجة الذين تتطرف فيهم الرهبة من العدالة إلى درجة اليأس الأكيد، من رحمة الله ويقولون: إذا انتقمت الرحمة فلما الأعمال؟ وهكذا يحجمون عن العمل.

والدرجة الوسطى: درجة الذين تتساوى لديهم المخاوف عنفا ًوهوادة, فيرهب ذلك الإنسان العدالة ولكنه لا ييأس من رحمة الله, والأبرار يرجحون جانب العنف (الإغراق في الخوف) ويميلون إليه أكثر من ميلهم إلى جانب الهوادة. على حد قول أليفاز التيماني: وقف شعري, وهزت الرهبة كياني.

 

الفصل الرابع

أقسام مادة الخوف

إن الضيق الذي ينشأ عن سبل المعرفة ومنه يتكون الخوف, إما جسدي في هذا العالم, كالحريق والغريق وما إليها, وإما نفسي في العالم الآتي كجهنم التي نارها لا تنطفئ, والدود الذي لا يموت.

والقسم الأول من هذا الخوف يرفضه العارفون, ويعتبرونه جبناً, ويهجونه ويحتقرونه بشجاعة ويقولون: إن عبد الرب لا يخشى إلا الرب, ومن لا يخاف الله فإنه يخاف ظله مرات كثيرة, وقد سأل أحد الإخوة الأب ثيودورا الفرمي: إذا حل الخوف ألا تخاف..؟ قال: إذا انطبقت السماء على الأرض فأن ثيودورا لا يخاف .

وقال الأب أوغريس: لم نأخذ روح الخوف ولذلك إذا سمعنا بالاضطراب فلن نضطرب, لأنه لم يكن سلطان علينا حتى للخنازير.

وسأل أخ أحد الشيوخ قال: لماذا أخاف إذا سرت في الصحراء وحدي..؟ قال: لأنك لم تزل حياً.

والقسم الثاني من الخوف: هو الذي يمتدحه العارفون ويرفعون شأنه, وقيل أن ثلاثة شيوخ زاروا الأب سوسايس لسماعهم بأنه رجل بار عظيم, فقال له الأول: أيها الأب كيف يمكنني النجاة من بحر النار..؟ وسأله الثاني: كيف يمكنني أن أخلص من صرير الأسنان..؟ وقال له الثالث: ماذا أفعل أيها الأب إن ذكر الظلمة الخارجية يقلقني..؟ وبعد وقت قصير قال لهم: طوبى لكم أيها الإخوة فأني قد غرت منكم فإذا كان فكركم محصورا ًبهذه الأمور فلا يمكن أن تخطئوا, فماذا أفعل أنا الجامد القلب..؟ إن قساوة قلبي لا تسمح لي بأن أشعر أن هناك عذابا ًينتظر الناس, وعليه إني أخطئ دائماً, فلما سمع الشيوخ ذلك, قدموا أمامه التوبة وقالوا: كما سمعنا هكذا رأينا.

الفصل الخامس

الوسائط التي بها تتثبت خشية الله (التقوى)

إن السعادة التي تنالها النفس البشرية آخر المطاف, هي ملكوت الله, وهذا الملكوت يكتسب بالمحبة, والمحبة تنمو بالمعرفة, والمعرفة بالتفكير, والتفكير يكمل بالإعراض عن الدنيا, ويعرض عن الدنيا باستئصال شهواتها بحفظ الشرائع والوصايا وهذه تحفظ خشية الله (التقوى) وخشية الله تتولد خوفا ًمن خمسة أمور إما العقاب الآتي في هذه الدنيا, وإما من الإملاق في هذا العالم, وإما من عذاب جهنم, وإما من النعيم في الفردوس, أو من عدم استحقاق الإنسان رؤية الله, وهذه هي الملكوت بالذات والخوف من الصنفين الأول والثاني, يحدث للذين لم يزالوا يحتاجون اللبن كالأطفال, ويثبتون بسماع أخبار البركات واللعنات في الكتب.

والخوف من الصنفين الثالث والرابع, يحدث للذين بلغوا درجة أكثر كمالا ًويرسخون في القلب بذكر الوعد والوعيد الإنجيليين, أي بالتأمل بمجيء ابن الله وجلوسه على عرش مجده, واجتماع الأمم أمامه, وتمييز الصالحين من الطالحين كالحملان والجداء, ودعوة أبناء اليمين (يا مباركي أبي) وتمتعهم بالملكوت المعد لهم ولعنة الجداء أبناء الشمال وطردهم إلى النار المعدة لإبليس وجنوده. وتصور ملائكة الغضب, والهوة اللامتناهية واللهب التي تحت الأرض ومزالق المغاور الضيقة.

إن العارف لا يخاف من جميع هذه المخاوف, ويضرم شوقا ًألا يحرم من رؤية الله, وإذا ما سمع ذلك الوعد القائل (حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً) يخشع دامعا ًخوفاً أن يحرم من ذلك, وحرصه فقط أن يكون أهلا ًلذلك النعيم, وهكذا يتوجه إلى الله بالصلاة قائلاً: إنني أطلبك يا أبانا الذي في السموات ولست ُأطلب ما لديك, ولاشيء من براياك, إنك ينبوع الحياة, فأسكب في نورك, وأضرم فيّ نارك, أسعدني بجمالك, أرني أشعتك, أدخلني إلى مسكنك, وضمني إلى خدرك, أضناني حبك فلينعشني سعدك.

 

 

الباب التاسع

الفقر الاختياري

وفيه خمس فصول

 

الفصل الأول

أقوال النبي داود في فضيلة الفقر الاختياري

  • ويكون الرب ملجأ للملهوف في آونة الضيق (مز9: 10).
  • إن المسكين لا ينسى على الدوام ورجاء البائس لا ينقطع إلى الأبد (مز9: 19).
  • قد سمعت يا رب بغية البائس فأهب قلوبهم وأصغ ِ بأذنك (مز9: 17).
  • فأنه لم يزدرِ ولم يسترذل بؤس البائس ولا حجب عنه وجهه وإذا استغاث به استجاب (مز21: 25).
  • ويهدي البائسين إلى العدل ويعلم البائسين طريقه (مز24: 9).
  • بالرب تفتخر نفسي, يسمع البائسون فيفرحون (مز33: 3),
  • لأن هذا المسكين دعا الرب فسمع, ومن مضايقيه خلصه0(مز33: 7).
  • أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون بكثرة السلام (مز36: 11).
  • قد أستل المنافقون السيوف ووطئوا قسيهم ليصرعوا البائس والمسكين ويذبحوا ألمستقيمي الطريق, سيوفهم تجوز في قلوبهم وقسيهم تنكسر, أن يسير الصديق خير من وفر منافقين كثيرين ( مز36: 14-16).

10- والصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد (مز36: 29) .

11- وأنا بائس ومسكين السيد يهتم بي, أنت نصرتي ومخلصي يا إلهي فلا تبطئ (مز39: 18).

12- ويرى البائسون فيفرحون وتحيا نفوسكم يا طالبي الله, لأن الرب يسمع المساكين ولا يرذل أسراه (مز68: 33-34).

13- أللهم أجعل أحكامك للملك وعدلك لابن الملك, فيحكم لشعبك بالعدل ولبائسيك بالأنصاف (مز91: 1-3).

14-  لا يرجعن الملهوف في خزي, وليسبح لأسمك البائس والمسكين (مز73: 21).

15- أحكموا للكسير واليتيم وأنصفوا البائس والفقير, نجوا الكسير والمسكين وأنقذوا من يد المنافقين (مز81: 4-5).

16- أمل يا رب أذنك وأستجب لي فإني بائس ومسكين أحفظ نفسي فإني صفي (مز85: 1-2).

17- هذه هي راحتي إلى الأبد ههنا أسكن لأني أحببتها أبارك طعامها بركة، أشبع مساكينها خبزاً. (مز 131: 14-15).

18- قد علمت أن الرب يجري الحكم للبائس والقضاء للمساكين (مز139: 13).

19- الرب يحب الصديقين الرب يحفظ الغرباء وينعش اليتيم (مز145: 8-9).

20- الرب ينعش الودعاء ويسقط المنافقين إلى الأرض (مز146: 6).

(اعتمدنا في تسجيل هذه الآيات على الترجمة اليسوعية).

 

الفصل الثاني

تحديد الفقر وأصناف الفقراء

الفقر هو التجرد عن المادة التي تكمل حاجة الإنسان, ويقول بعضهم: إن الذي لديه أربعون أو خمسون درهما ًفأنه يقف بين درجتي الفقر والأغنياء, وبالتجرد عن المادة يكون الفقراء ستة أصناف:

  • الفقير الذي يتساوى لديه الغنى والفقر, فلا إذا كان معدما ًيضطرب, ولا إذا أضحى غنيا ً يحجم عن عمله.
  • الفقير الذي يتسامى عن المادة وأن تهيأت لديه بغزارة, أمثال ذلك الشيخ الذي طلب إليه الأسقف أن يأخذ بركة (مادية) أن لم يكن لحاجته فلحاجة المحتاجين, قال الشيخ: إن في ذلك عارا ًمضاعفاً, أولاً: أن آخذ صدقة ولست محتاجاً, ثانياً: أن أدفعها بعجرفة وهي غريبة عني.
  • الفقير الذي لا يرغب في المال حتى عند عوزه, ولا يختزنه بكثرة بل يعطي كما يأخذ, وليس هذا النوع مذموماً, بدليل أن الأب زيتون لم يكن يتناول في بادئ أمره شيئا ًوكان يلاحظ الذين يقدمون إليه ذلك يرجعون حزينين والذين يطلبون إليه يعودون خائبين, لأن ليس لديه ما يأخذون, فشرع يأخذ من الذي يقدم له ويعطي للذين يطلبون إليه, وبذلك أبهج الطرفين.
  • الفقير الذي وإن رغب في نوال ما يفيض عن الزهد, إلا أن الرغبة في الأموال تستولي عليه, فيندفع لتحصيلها, وهذا هو الضعف الذي ينضوي تحته الأفاضل من النساك في عصرنا.
  • الفقير الذي لا يحجم عن جمع المال كرها ًبه, بل لأنه لا يستطيع أو لا يعرف, كيف يجمعه, وتحت هذا الصنف ينضوي النساك البسطاء في عصرنا.
  • الفقير الذي لا يمكنه أعداد ما هو ضروري لحياته العادية, كالمأكل والملبس, وهذا الصنف ليس ممدوحاً, بدليل أن الآباء في الصعيد (مصر) كانوا يعدون خبزا ًلعدة أيام وسئل أحدهم: لماذا تخالفون وصية الإنجيل القائلة (لا تهتموا بما للغد)..؟ قال: أننا نعد قوتنا لعدة أيام لئلا نهتم بذلك كل يوم.

 

الفصل الثالث

معارضة الفقر والغنى أحداهما للآخر

إننا نجد رأيين أثنين في هذه المعارضة,

1- رأي العارفين الذين يفضلون العوز مع الصبر على الغزارة مع الرحمة,

2- رأي الأبرار العلمانيين الذين يعتقدون بالعكس,  ويعتبرون الغزارة مع الرحمة أفضل من العوز مع الصبر, ويجب أن نعلم أن الغنى لا يرفض لذاته كغنى, بل لأنه يشغل عن ممارسة الأعمال الروحية, وكذلك الفقر لا يرفضه لذاته كفقر, بل لأنه يهيئ فرصة للأعمال الروحية فكم من غني لا يمنعه غناه عن العمل, وهو موغل في الرحمة, وكم من فقير يقلقه فقره ولكنه لا يتوقف عن السعي, ولكن إذا وجد شخصان غني وفقير يتبرأان الغنى مثل الماء الجاري, فلا يقلق حارسه, ولا ييأس معده, فيكونان متساويين في عدم التوقف عن العمل, ولكن هيهات وجود مثل هذا الغنى  أنه لأمر عسير, ولذلك يبتعد الفقير أكثر من الغني عن المحنة, كيف لا وهو ذا كلمة الله تؤيد صعوبة دخول ذوي الأموال إلى السماء أكثر من دخول الجمل في ثقب الإبرة, وتمنح الطوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماء, ولذلك قال الأب وأغرس: أحذر لئلا تسقط مشغوفا ً بحب المال بسبب عطفك على الفقراء, كأنك تريد أن تتصدق, أن شأنك أرفع من شأن المتصدقين, فالتصدق نظام ينشأ منذ الصغر, وأما الزهد فإنه طريق الكمال, وقال أيضاً: أن صدقات الأبرار هي دموع أجفانهم وأنين أرقهم.

 

الفصل الرابع

الشروط التي يجب أن يراعيها الفقير

يجب على الفقير البار أن يراعي عشرة شروط :

  • أن يقاسي فقره بدون تذمر, ولا يخجل بذلك, وليلق ِ كل همه على الرب على حد قول الأب أوغريس: لنلق همنا على الرب فذلك يكفي حاجتنا فيمكننا أن نخلع المجد الباطل, وإذا ظن أحد أن الفقير يزدرى فلينظر إلى القديس بولس فقيرا ً مملقاً ينتظر إكليل البر.
  • أن يترفع فيقبل جهد إمكانهما ما يقدم له هدية لا صدقة.
  • ألا يكون مماذقا ًمتملقاً للأغنياء بل يحتقر غناهم ولا يدنو منهم أن أمكن.
  • ألا يتوقف عن عمل الفضيلة بدافع الفقر فينقلب زهده سببا ًللطمع.
  • ألا يختزن قوتاً غزيرا ًلزمن طويل, فإذا كان واجبه في العالم فليعد ما يكفيه ليوم واحد, وأن كان يسكن ديرا ًقريبا ًمن المناطق الآهلة فليعد ما يكفيه لمدة أربعين يوماً, وأن كان من سكنة البرية فليعد ما يكفيه لسنة كاملة, كما يفعل النساك المصريون الذين يخرجون إلى الحصاد فيعدون قوتهم سنة فسنة.
  • ألا يطلبوا إذا تهيأت له الحاجة بدون طلب, وإلا فليطلب, وأن فاض عن حاجته فليعط ِ للمحتاجين على حد قول الأب أوغريس: إذا كنت بحاجة إلى غذاء أو كساء, فلا تخجل أن تقبل ذلك ممن يقدمها لك, فذلك مما فاض لديهم, فإن فاض لديك فأعط ِأيضا ً للمحتاج, فقد علم الرسول بولس أهل كورنثوس بقوله: ليكن ما يفيض لديكم لسد عوز المحتاجين, لكي يكون ما يفيض عنهم لسد عوزكم أيضاً, لتتم المساواة كما هو مكتوب: من أخذ كثيرا ً لم يزد شيئا ًومن أخذ قليلا ً لم ينقص.
  • أن يفحص ما يقدم له فإن كان من مال الظلم فليرفضه.
  • أن ينظر إلى هدف الواهب وليميز هل هو يعطي سخاء أو تساخياً طمعاً في المديح والشهرة..؟ وحينئذ يرفض تلك الهبة.
  • لينظر هل يوجد غيره أكثر حاجة منه..؟ فلا يأخذ حينئذ, بل يشير إلى الواهب أن يعطي لذلك المحتاج, وإذا كان بعيدا ً فليأخذ الهدية أو العطية ويرسلها إليه.

10- ليتأمل ذاته, فإذا وجد في نفسه نقصا ًخفياً لو عرفه فيه الواهب لما أعطاه , فليظهر له ذلك النقص, أو يرفض قبول تلك العطية.

 

الفصل الخامس

الأسباب التي تجيز الطلب أو تمنعه

يجب أن نعلم أن الطلب بذاته غير شرعي وغير جائز, لولا الضرورة القصوى لما أجيز, وعدم شرعيته يعرف من ثلاثة أمور:

  • لأن طلب الفقير يعقبه غالبا ًالتذمر على الله تعالى الذي يُفقر ويغني.

2- لأن الفقير الذي يطلب يعتمد غالبا ًعلى الناس وبذلك لا يعتمد على الله.

  • لأن الطالب غالبا ًيزعج ويقلق الذين يطلب إليهم.

أما الضرورة التي تُلجئ إلى الطلب وتبرره, فتكون إذا تضايق الفقير جوعا ًويخشى الموت الأكيد, أو عريا ًوهو في فصل الشتاء القاسي, هذا إذا لم يستطع العمل بسبب ضعف أو مرض أو الانشغال بالعلم أو العمل الروحي, فحينئذ يبرر طلبه.

وحاجة الفقراء الضرورية تنحصر في ثلاثة أمور: المأكل والملبس والمسكن, وضرورة المأكل تكون ليوم واحد أو لأربعين يوم، أو لسنة كاملة، وضرورة الملبس تتألف من رداء وقميص وقبعة للنساك, ويضاف إليها غطاء الرأس للعلماني. وضرورة المسكن يعتبر البيت وأثاثه, ويجب على الفقراء الطلب البسيط من كل شيء فمن الخبز مثلا ًليكتف بخبز الشعير, أو الدخن, ومن الملبس, من الكتان أو الصوف, ومن المسكن في كوخ متواضع من الطين ومن الأثاث الحديدية والخشبية والخزفية منها, وقطعة واحدة فقط من كل نوع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب العاشر

الزهد

وفيه ثمانية فصول:

 

 

 

الفصل الأول:

أقوال الآباء في فضيلة الزهد

قيل إن الأبوين فاخوم ويوحنا كانا يسكنان الدير سوية وكانا زاهدين ولم يكن لديهما إلا خشية الله. الأبوان تيودورا وأدور كانا لابسين جلود الحملان, وقال أحدهما لرفيقه يوماً: إذا زارنا الله الآن فماذا نفعل..؟

قال الأب سرافيونك إن أحد الأساقفة زار أحد الرهبان فوجد شباكه كُدست عليه الكتب, وطلب إليه الراهب أن يقول كلمة لحياته الروحية, قال الأسقف: ماذا أقول وشباكك (كدست فيه أموال الأيتام والأرامل..؟) وقال الأب تيودورا الفرمي للأب مقاريس: لدي ثلاثة كتب جليلة أفيد منها أنا والإخوة أيضاً, قال له الشيخ: إنها حقا ًلمن جليل الأعمال إلا أن الزهد أجل منها.

قال راهب لأحد الشيوخ: كيف يجب أن أحيا..؟ فنزع الشيخ قبعته وربط حقويه, ورفع  يديه وقال: هكذا يجب أن يكون النساك مجردين عن المادة الدنيوية ومجاهدين جهادا ًعقليا ًكالأبطال.

قال الأب أنطونيوس: إن من يرغب في الدنيا, ولم يزل محتفظا ًبالأموال يشبه رجلا ًحمل على جسمه قطعا ًمن اللحم في أحدى الصحارى, فتهاجمه الكلاب وذوات الجناح مُستبيحة جسده. وكان أحد الرهبان يملك إنجيلا ً فقط. فباعه وأعطى ثمنه قوتا ًلبعض الجياع, وقال: إن الإنجيل نفسه أمرني أن أبيع كل ما لدي وأعطيه للمساكين, وعليه فقد بعته لأكون خاضعا ًلأوامره.

وقال الأب أوغريس: إن الأمور المحسوسة هي صورة الأمور المعقولة, وكما تعيق الثياب المصارع في الحلبة, كذلك تعيق الأفكار الدنيوية العقل, لأن العقل يحوم حول كنزه كما قال الرب: (حيث كنوزكم هناك قلوبكم) وقال: من أعد نفسه للزهادة, فقد أراح ضميره, ومن كان مرتبكا ًبالأموال فالقلق نصيبه: وقال ياوني رئيس الدير: إن الزاهد هو سيد العالم وبإيمانه يسود جميع الناس لأنه لا يُطلع إنسانا ً

على حاجته, فإن قُدم له شيء فكأنه يناله من يد الرب. وقال أيضا ًمن تذوق عذوبة المتع الروحية يحتقر المتع الدنيوية بسهولة, ومن لم يذقها فهو يبتهج بالأموال, والناسك الجاهل يخسر الجولتين لأنه يتجرد من الأموال ويحرم من النعيم في الآخرة.

 

الفصل الثاني

تحديد الزهد وعناصره

الزهد هو الإعراض عن أمر مرغوب نزوعا ًإلى ما هو أفضل منه, وعناصره ثلاثة أنواع: نظري وعملي وشعوري.

فالنظري: هو معرفة أكيدة بتفاهة أمر زائل والإعراض عنه, وسمو أمر باق والنزوع إليه ومن هذه المعرفة يتولد شعور باحتقار الأمور الزائلة حبا ًبالنعم الباقية, وهذه الأفعال العملية تسبب الإعراض والنزوع المشار إليهما وبما أن الصالح جل جلاله, هو الأصلح والأفضل, وقد نُزع إليه وأُعرض عن سواه, فلذلك هو الزاهد الصادق.

يختلف الزهد عن الفقر بكون الزهد تجرد عن الغنى بترفع اختياري, والفقر قد يكون بعد التجرد, بترفع أو لا يكون, ولكن هذا التجرد يمكن أن يكون غير اختياري, بدليل قول أحد الآباء لمن سماه زاهداً: لماذا تدعوني زاهدا ًفأنا فقير.

والأب أرسانيوس كان بحق زاهداً وقد كان مدة أربعين سنة مربياً ومرشداً للملك تيودوسيوس وولديه بعده هونوريوس وأركاديوس, فأحب الله, وزهد في كل تلك العظمة معرضاً عن مباهج الدنيا.

 

الفصل الثالث

درجات الزهاد

للزهاد ثلاث درجات سفلى ووسطى وعليا.

فالسفلى : درجة الزهاد الذين يزهدون في مباهج الدنيا مسراتها خوفا ًمن العذاب, وحذرا ًمن أن يحتاجوا إلى (لعازر) مسكين يبل طرف أصبعه بالماء ويبرد غليلهم, وهم يتقلبون في اللهيب, كما يتمتع الغني الغبي بلبس الخز والأرجوان وبأطياب الحياة وغناها.

والوسطى : درجة الزهاد الذين يعرضون عن المتع الحاضرة طمعا ًفي النعم المزمعة

وأما العليا : فهي درجة الزهاد الكاملين العارفين الذين يطلبون الصالح وحده, وعما سواه يعرضون, وآياتهم الذهبية هي أقوال المرتل (إليك صبا قلبي ووجهي يطلب وجهك) (وأن نفسي ظمأى إلى الإله الحي) وغيرها.

وقد شرح الفاضل ياوني هذه الدرجات الثلاث في كتابه الجليل بقوله: إن جميع الذين اعرضوا عن العالم باختيارهم, إنما قاموا بذلك إما خوفا ًمن فيوض الخطايا, وإما طمعا ًفي الملكوت المزمعة, أو حبا ًبالله وحده, وفيما عدا هذه الأسباب الثلاثة فالإعراض جهل.

والنوع الأول من الزهد يعتبره العارفون باطلاً, حيث لا توجد خطيئة ولا خوف من العذاب,

وكذلك النوع الثاني, وعندهم, أن من يعرض عن مباهج الدنيا طمعا ًفي نعيم الآخرة إنما هو رحى حمار, تراه غبياً موتورا ً, أما من يعرض عن متع الحياة حبا ًبالله يكتسب في بادئ  أمره حرارة روحية تشبه النار فتحرق ما بقي لديه من أدران المادة ثم تتأجج  رويدا ًرويداً حتى تصبح لهيباً عالياً.

 

الفصل الرابع

الزهد في الطعام

لأنواع الطعام طول وعرض فيجب على المتزهد أن يقلصها ويكتفي, ولكي يجعل الطول قصرا ًلديه ثلاث درجات: الأولى: أن يعد الطعام ليوم واحد, والوسطى: طعام أربعين يوم, والسفلى: مئونة سنة كاملة.

وتقليص العرض أيضا ًيكون بثلاث درجات: في الكمية والكيفية والزمن, فبالنسبة إلى الكمية للدرجة العليا: بأن يعد نصف منْ. والوسطى: منا ًواحداً. والسفلى: منا ًونصف منْ, بالنسبة إلى الكيفية, فالدرجة العليا: إعداد خبز الدخن والملح والبقل والخل, والوسطى: خبز الشعير, والزيت. والسفلى: إعداد خبز الحنطة والسمك والجبن والبيض والحليب والزبد.

وبالنسبة إلى الزمن: فصاحب الدرجة العليا, يطوي ثلاثة أيام صائما قانتاً, وصاحب الدرجة الوسطى يطوي يومين, وصاحب الدرجة السفلى يأكل مرة واحدة في اليوم.

وهذه هي درجات الزهاد عامة وهم غير الذين أشرنا إليهم في المقالة الثالثة, المتروضون الجدد في أعمال الزهد.

 

الفصل الخامس

الزهد في الملبس

وللملبس أيضا ً كمية وكيفية, فالدرجة العليا بالنسبة إلى الكمية, درجة الكاملين الذين يرتدون ما يغطي الجسم إلى الركبة فقط, وهم يتمنطقون بمنطقة من الجلد, والدرجة الوسطى, درجة الذين يرتدون رداء ويتدثرون بغطاء, ويتخذون منطقة ونعلاً, والسفلى, درجة الذين يضيفون إلى ذلك جبة وقميصاً.

أما الدرجة العليا بالنسبة إلى الكيفية فإنها ثياب من شعر المعزى, والوسطى ثياب من الصوف, والسفلى ثياب من الكتان.

إن الأب أسحق قسيس الصوامع كان يقول نقلا ًعن الأب فمبو: إن الثوب الذي يمكن للزاهد ارتداؤه, هو ما طرح ثلاث أيام خارج الصومعة فلم يأخذه أحد وكان يقول أيضاً: إن الأب فمبو وبقية الآباء كانوا يلبسون الثياب الخلقة المرقعة, وأنتم الآن ترتدون الثياب الثمينة..؟ فأذهبوا من هنا فقد دمرتم هذه الديار. والأب أرسانيوس الذي كان يرتدي أفخر الثياب في حياته الدنيوية أخذ يلبس أبسطها في حياته النسكية في الأسقيط. (صحراء مصر)

 

الفصل السادس

الزهد في المسكن

وللمسكن أيضا ً ثلاث درجات العليا والوسطى والسفلى.

فالعليا: درجة المتزهد الذي لا يبنِ مسكنا ًخاصا ًمعيناً, بل يسكن حيث وجد, أن كان هيكلا ًأو كوخاً, وإذا طرد من مثل هذه الأماكن ليعتز بذلك, لأنه تشبه بسيده الذي قال: (للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار, وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه) والوسطى: درجة الناسك الذي يسكن صومعة من لبن أو حجارة مساحتها اثنا عشر شبراً (طولا ً وعرضاً وارتفاعاً) لأن بيتاً أوسع من ذلك هو بيت غني لا بيت ناسك.

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الزهد في الأثاث

وكذلك للأثاث ثلاث درجات, عليا ووسطى وسفلى.

فالعليا: درجة الأب مغتيس فقد قيل عنه أنه إذا كان خارج صومعته وجال في خاطره الانتقال إلى ربع جديد لم يكن يعود إلى صومعته ليأخذ منها شيئاً, إذ لم يكن في صومعته غير إبرة واحدة, كان يثقب بها سعف النخل الذي كان يجدله, فقد كان يشتغل كل يوم بقدر حاجته فقط, ويروى أن ناسكا ًآخر كان يملك مشطا ًوكوزاً للماء, ورأى يوما ًرجلاً يمشط لحيته بأصابعه فطرح المشط أيضاً.

وبما أن أبناء زماننا يصعب عليهم بلوغ هذه الدرجة فدرجتهم العليا هي: أن يملكوا ما كان ضروريا ًمن أثاث فخارية وإن كانت بعضها مكسورة. والدرجة الوسطى: درجة الذين يملكون أواني غير مكسورة, وبقدر الإمكان يستعمل إناءً واحداً لحاجات كثيرة. والدرجة السفلى: درجة النساك الذين يستعملون لكل حاجة آنية خاصة تناسبها .

 

الفصل الثامن

الزهد في المال

لا درجات للزهد في المال طبقا ًلرأي العارفين, لأن الزهد الحقيقي هو عدم وجود مال للزاهد. وفقا ًلتعاليم الإنجيل (إذا أردت أن تكون كاملاً فبع كل ما لديك وأعطيه للمساكين, فيكون لك كنز في السماء وتعال أتبعني).

قيل إن راهبا ًسأل أحد الشيوخ قائلاً: أتجيز أن أدخر لي درهمين لوقت الحاجة, عند هزال الجسد..؟ قال: نعم, ولاحظ الراهب أن الشيخ بدا كئيباً, فعاد إليه ثانية وقال: إلا بحق الرب صرح لي بشأن الدرهمين فقد قلقت أفكاري فيهما, قال الشيخ: لا حاجة بك أن تدخرها, فلو فقدا صدفة فهل تعتقد أن الله سيهتم بأمرك..؟ فلنلق عليه همنا وهو يهتم بنا دائماً.

ويرتئي البعض أيضاً, إذا كان الإنسان لا يمكنه أن يعمل عملاً يدوياً, وأضطر أن يزاول التجارة يجوز له أن يملك مئونة تكفيه سنة واحدة, ولا يسقط بذلك من درجة الزهد.

 

 

الباب الحادي عشر

التوكل

وفيه عشرة فصول

 

 

 

الفصل الأول

أقوال الآباء في فضيلة التوكل على الله

كان أحد النساك لا يعمل عملاً يدوياً مطلقاً, وكان يصلي بدون انقطاع, وكان يعود إلى صومعته مساءً فيجد خبزاً فيأكله ولما زين له بعض النساك العمل, عاد في ذلك المساء كعادته إلى صومعته فلم يجد شيئاً من الخبز, فنام على الطوى, وظهر له الرب قائلاً: إذ كنت معتمداً عليّ قُوتك, والآن وقد باشرت تشتغل فاطلب قوتك من عمل يديك.

والأب أفوس يوم كان ناسكاً كان يقتات من نعمة الله, ولما رُسِم أسقفاً انقطع عنه ذلك فانطرح أمام الرب مصلياً وقال: يا رب أبسبب الأسقفية احتجبت عني النعمة..؟ فقيل له: لا, بل يوم كنت في البادية لم يكن هناك من يُقوتك فكان الله يهتم بأمرك, والآن أنت في العالم والناس سيهتمون بك.

سأل أحد الآباء الأب سوسايس وقال: إذا سكنتُ القفر وهاجمني اللصوص ليقتلوني هل أقتل منهم من يمكنني قتله..؟ قال الشيخ: لا, سلم نفسك لله وانتظر, وليعتبر الإنسان كل محنة تصيبه إنما هي عقاب الخطيئة, وكل نعمة تأتيه إنما هي عطف إلهي.

قال الأب سيرينوس: إنني قضيت حياتي كلها في العمل حصاداً ونسيجاً وخياطة وفي هذه الأعمال كلها لو لم يقتني الله لما شبعت.

وقال الأب أوغريس: إن اهتمام الجسد يوقف الاعتماد على الله.

وقال مار أسحق: لا يمكن للإنسان عمل شيء بقوته الخاصة, فمن البديهي, عند كل حكيم, أن معونة الله والإرادة القوية تقدران على تذليل كل عقبة. فذلك فقط ممكن. وقال أيضاً: إن الناسك الذي يمارس أعمال التوبة ويستغرق بالزهد والفضائل على أنواعها ويتكل على بره وليس على النعمة, لا يختلف بشيء عمن يجمع حجارة لقبره.

 

 

الفصل الثاني

تحديد التوكل وعناصره

التوكل تسليم الإنسان قيادة أموره لتدبير الخالق, سواء في نوال نعمة أو في دفع نقمة, وللتوكل (شان جميع الفضائل التي تجمل النفس) ثلاثة عناصر, نظري وعملي وشعوري.

فالنظري: هو معرفة الإنسان أن لا نصير في هذه الطبيعة غير الله الذي يهمه أمر البشر, لأن منه وفيه كل شيء, ومن دونه لم يكن ولن يكون شيء, وبما أنه عادل فأنه يدبر كل شيء, ولكونه قهاراً قادراً على كل شيء, فهو يشفق على كل إنسان. فيه نحيا ونتحرك ونوجد, ويحي ويميت, ويجرح ويضمد, وليس من يتمرد على حكمه. ومن هذه المعرفة, يتولد التوكل على الله بقرب معوناته وزوال المضار, هذا الفعل العملي يولد في النفس الشعور بالراحة والاطمئنان والنجاة من القلق في أمور الجسد.

 

الفصل الثالث

درجات التوكل

لتوكل ثلاث درجات: سفلى ووسطى وعليا.

فالسفلى: أن يتوكل الإنسان على ربه توكل صبي على وصيه بسد جميع حاجاته. والوسطى: أن يتوكل الإنسان على الله توكل الرضيع على أمه, وهو لا يعرف سواها ولا يطلب حاجة من غيرها. والدرجة العليا: أن يعتبر الإنسان ذاته بهيمة أمام ربه, يذهب به حيث يشاء.

وحدد النبي داود الدرجة الثانية بقوله: لأنك أنت ملجأي من الرحم, ورجائي من ثديي أمي, عليك طرحت من الرحم, منذ أحشاء أمي أنت إلهي, فلا تعرض عني.

وحدد الدرجة الثالثة بقوله: كنت جاهلا ً ولم أعرف, وكنت كالبهيمة أمامك, فدبرني بعطفك وحنانك.

والدرجة الأولى أقل قيمة من الثانية, والثانية من الثالثة بدليل أن الطفل يحاول الاعتماد على نفسه يوما ًبعد يوم, متطلعا ًإلى اليوم الذي فيه يتحرر من سلطة وصيه, وليس هكذا الرضيع الذي لا يعرف الاعتماد على نفسه قط, ولكن بعد حين, يدرك عدم حاجته على مرضعه, وذلك بعكس البهيمة التي تعتمد على صاحبها إلى نهاية حياتها.

وبما أن التوكل البشري إما أن يكون طلبا ًللفائدة أو حفظا ًللنعمة, أو حذرا ًمن أذى متوقع, أو دفعا ًلضرر حاضر, لذلك سندرس كلا ًمن هذه الأنواع الأربعة من التوكل بفصل خاص.

 

الفصل الرابع

التوكل طلبا ًللفائدة

التوكل الحقيقي على ثلاث درجات, طلبا ًواستمداداً للنعمة, عليا ووسطى وسفلى.

فالعليا هي درجة الكاملين العارفين, الذين يتوصلون إلى أسمى ذروات الكمال, فيهجرون الوسط البشري إلى البراري المقفرة بدون زاد, والوسطى: درجة الكاملين العارفين الذين يطوفون بين الغرباء وينفردون في الكنائس وغيرها, ويقتاتون بما يقدم لهم بدون طلب, وإذا لم يصيبوا شيئاً لا يتذمروا. والسفلى: درجة الذين إذا احتاجوا تاجروا, وأن أخفقوا في التجارة عمدوا إلى الأعمال اليدوية, وإذا فشلوا لجِئوا إلى الطلب, وما يصيبونه من التجارة أو العمل أو الطلب يعتبرونه كأنه من يد الرب الذي يتوكلون عليه.

والدرجة العليا, ليست هينة, بحيث يبلغها كل إنسان, ولما منع الرب رسله من أخذ زاداً في الطريق لم يمنعهم من ذلك عند سفرهم في القفار, بل إذا جالوا في مدن إسرائيل وقراه, بدليل قوله لهم: بعد أن نهاهم من حمل الذهب والفضة وما إلى ذلك فأردف: وأية مدينة أو قرية دخلتموها وفتشوا عمن كان مستحقا ًوهناك أقيموا حتى تخرجوا. ولما سار في القفر مع تلاميذه وجد معهم خمسة خبزات وسمكتين, وكان مرة أخرى في الجبل إلى جانب بحر الجليل, وكان لديهم خبزات وشيء قليل من السمك, وإذا كان أحد الأبرار يمكنه الأقيات بالأعشاب أو أصول الشجر أو الجراد, ويمكنه الانقطاع أسبوعاً كاملاً, حيث يأمل أن يقابل إنسانا ًفي كل أسبوع, فهذا يمكنه السير في القفر بدون زوادة, وإلا يصبح توكله عثرة له إذا اضطربت أفكاره, ولا يتورع أن يجدف على المقيت الأسمى.

والرهبان الذين يسكنون الأديرة, إذا دفعت لهم حصة معينة سنويا ًمن ريع أراضيها أو حقولها فهم مجردون من التوكل (على الله) وهكذا الذين يرسلون من يجمع لهم قوتا ًوكسوة. فالمتوكلون الحقيقيون على الرب هم الذين ينزوون في صوامعهم ويقتاتون مما يصيبهم بدون الطلب.

الفصل الخامس

التوكل حفظا ً للنعمة المعدة

درجات التوكل حفظا ًللنعمة الحاضرة المعدة ثلاث عليا ووسطى وسفلى.

فالعليا: هي درجة العارفين الذين يتناولون ما يكفيهم مئونة يوم واحد, وما يفيض عنهم يعطونه للمحتاجين, إذا كانوا بقربه